← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

القَولُ الثاني: لا يَصحُّ ضَمانُ الأماناتِ مُطلَقًا، يَعني ضَمانَ تَسليمِها وضَمانَ بَدلِها إنْ تَلِفت، وهو قَولٌ لِلحَنابِلةِ (١). لِعُمومِ قَولِه ﷺ : «الزَّعيمُ غارِمٌ» (٢)، ووَجهُ الدِّلالةِ مِنَ الحَديثِ أنَّ الحَديثَ عامٌّ، فيَشمَلُ بذلك ضَمانَ الأماناتِ. القَولُ الثالِثُ: إنْ كانتِ العَينُ أمانةً غَيرَ واجِبةِ التَّسليمِ، كالوَدائعِ ومالِ الشَّرِكاتِ والمُضارَباتِ، لَم يَصحَّ ضَمانُها مُطلَقًا، لا ضَمانُ تَسليمِها، ولا ضَمانُ بَدلِها إنْ تَلِفتْ (٣). وإنْ كانت أمانةً واجِبةَ التَّسليمِ (٤)، كالعاريَّةِ (٥) والمُستأجَرِ في يَدِ الأجيرِ، صَحَّ ضَمانُ تَسليمِها فَقطْ إنْ كانت قائِمةً، وإنْ هلَكتْ لَم يَجِبْ على الكَفيلِ شَيءٌ، وهذا قَولُ الحَنفيَّةِ (٦).

стр. 4762

والدَّليلُ على عَدمِ صِحةِ ضَمانِ العَينِ مُطلَقًا إنْ كانت غَيرَ واجِبةِ التَّسليمِ أنَّ عَينَها غَيرُ مَضمونةٍ أصلًا على الأصيلِ، فلا يَصحُّ ضَمانُ عَينِها؛ لأنَّه لا ضَمانَ إلا بما هو واجِبٌ. والدَّليلُ على صِحةِ ضَمانِ تَسليمِها فَقطْ إنْ كانت قائِمةً، وكانتْ أمانةً واجبةَ التَّسليمِ أنَّ تَسليمَها واجِبٌ على الأصيلِ، فصحَّت الكَفالةُ بتَسليمِها (١).

стр. 4763

الشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ المَضمونُ دَينًا لازِمًا أو آيِلاً إلى اللُّزومِ .. !! والمُرادُ بالدَّينِ اللازمِ: الثابِتُ الذي أُمِن سُقوطُه بالفَسخِ أو الانفِساخِ (١). ومِثالُه: ثَمنُ المَبيعِ قبلَ قَبضِه، وكالمَهرِ قبلَ الدُّخولِ (٢). والدَّينُ الآيلُ إلى اللُّزومِ مِثلَ: ثَمنِ المَبيعِ في مُدَّةِ الخيارِ (٣). وقد صَرَّحَ أصحابُ المَذاهبِ الأربعةِ باشتِراطِ أنْ يَكونَ الدَّينُ لَازمًا لِصِحةِ الضَّمانِ، وصَحَّحوا أيضًا ضَمانَ ما مآلِه إلى اللُّزومِ (٤). ويَندرجُ تحتَ هذا الشَّرطِ مَسألتانِ: المَسألةُ الأُولى: ضَمانُ الجُعلِ. المَسألةُ الثانيةُ: ضَمانُ مالِ السَّلَمِ.

стр. 4764

المَسألةُ الأُولى: ضَمانُ الجُعلِ الجُعلُ: هو الإجارةُ على مَنفعةٍ مَظنونٍ حُصولُها، مِثلَ: مُشارَطةِ الطَّبيبِ على الإبراءِ، والناشِدِ على وُجودِ العَبدِ الآبِقِ، كأنْ يَقولَ: «مَنْ رَدَّ ضالَّتي فلَه دينارٌ» (١). وابتِداءً نَقولُ: إنَّ ضَمانَ الجُعلِ في الجَعالةِ بعدَ الانتِهاءِ مِنَ العَملِ يَصحُّ بلا خِلافٍ؛ لِلزُومِه، وإنَّما الخِلافُ في ضَمانِ الجُعلِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ أو في أثناءِ العَملِ قبلَ تَمامِه. وقد اختَلفَ العُلماءُ في ذلك على قولَيْن: القَولُ الأولُ: يَصحُّ ضَمانُ مالِ الجُعلِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، وهو قَولُ المالِكيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣) وقَولٌ لِلشافِعيَّةِ (٤). واستدلُّوا بصِحةِ ضَمانِ الجُعلِ

стр. 4765

قبلَ الشُّروعِ في العَملِ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، ووَجهُ الدِّلالةِ مِنَ الآيةِ أنَّ المُناديَ ضمِن حِملَ البَعيرِ للذي يأتي بالصُّواعِ، وهو لَم يأتِ به بَعدُ، ولَم يَكُنْ عَمِل العَملَ، ولأنَّ الحِكمةَ تَقتَضي ذلك، والحاجةُ داعيةٌ إليه، فإنَّه قد لا يُوجدُ مَنْ يَتبرَّعُ بالعَملِ، فكانتِ الحاجةُ داعيةً إليه. وقال الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وقال بَعضُ العُلماءِ: في هذه الآيةِ دَليلٌ على جَوازِ الجُعلِ، وقد أُجيزَ لِلضَّرورةِ، فإنَّه يَجوزُ فيه مِنَ الجَهالةِ ما لا يَجوزُ في غَيرِه، فإذا قال الرَّجلُ: مَنْ فعَل كذا فله كذا، صحَّ (١). وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: بعدَما ساقَ الآيةَ قال: ولأنَّ الجُعلَ يَؤولُ إلى اللُّزومِ إذا عَمِل العَملَ … ، ولأنَّ الضَّمانَ لِلمالِ دونَ العَملِ (٢). القَولُ الثاني: لا يَصحُّ ضَمانُ الجُعلِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، وهو قَولٌ لِلشافِعيَّةِ (٣). قال الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀ في «المُهذَّبِ»: ولا يَصحُّ ضَمانُ الجُعلِ في الجَعالةِ؛ لأنَّه دَينٌ غَيرُ لَازمٍ، فلَم يَصحَّ ضَمانُه كدَينِ الكِتابةِ (٤).

стр. 4766

المَسالةُ الثانيةُ: ضَمانُ مالِ السَّلَمِ السَّلَمُ: هو أنْ يُسلِّمَ عِوَضًا حاضِرًا في عِوَضٍ مَوصوفٍ في الذِّمَّةِ إلى أجَلٍ، ويُسمَّى سَلَمًا وسَلَفًا (١). وضَمانُ السَّلَمِ هو أنْ يَضمنَ إنسانٌ الدَّينَ أو العَينَ المَوصوفةَ في الذِّمَّةِ. لَم أجِدْ -واللهُ أعلَمُ- مَنْ خالَف في ضَمانِ مالِ السَّلَمِ إلا رِوايةً عن الإمامِ أحمدَ ﵀ كما في المُغني والإنصافِ. وممَّن قال بصِحةِ ضَمانِ السَّلَمِ: الحَنفيَّةُ (٢) والمالِكيَّةُ (٣) والشافِعيَّةُ (٤) والحَنابِلةُ في الرِّوايةِ الأُخرى (٥). قال في «الإنصافِ» (٦): وهَلْ يَجوزُ الرَّهنُ والكَفيلُ بِالمُسْلَمِ فيه؟ على رِوايتَيْن: إحداهما: لا يَجوزُ، وهو المَذهبُ.

стр. 4767

والأُخرى: يَجوزُ، نَقَلها حَنبلٌ، قال الزَّركَشيُّ: وهو الصَّوابُ، وصَحَّحها أيضًا ابنُ قُدامةَ ﵀، حيثُ قال: ويَصحُّ ضَمانُ السَّلَمِ في إحدى الرِّوايتَيْن، والأُخرى: لا يَصحُّ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى استيفاءِ المُسلَمِ فيه مِنْ غَيرِ المُسلَمِ إليه، فلَم يَجُزْ كالحَوالةِ به. ثم قال: والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّه دَينٌ لَازمٌ، فصَحَّ ضَمانُه، كأُجرةِ المَبيعِ وثَمنِه (١). وقال الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: ويَصحُّ ضَمانُ كُلِّ دَينٍ، كالثَّمنِ والأُجرةِ وعِوَضِ القَرضِ ودَينِ السَّلَمِ وأرشِ الجِنايةِ وغَرامةِ المُتلَفِ؛ لأنَّه وَثيقةٌ يَستوفي منها الحَقَّ، فصَحَّ في كُلِّ دَينٍ لَازمٍ كالرَّهنِ (٢).

стр. 4768

الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ المَضمونُ مَعلومًا: ويَنبَني على هذا الشَّرطِ حُكمُ ضَمانِ المَجهولِ، هل يَصحُّ أو لا؟! وضَمانُ المَجهولِ هو: أنْ يَقولَ: «أنا ضامِنٌ لكَ ما لكَ على فُلانٍ، أو ما يُقرُّ لكَ»، ونَحوَ هذا، وهو لا يَعرِفُ مَبلغَه. اختَلفَ العُلماءُ في ضَمانِ المَجهولِ -مِثلَما اختَلفوا في ضَمانِ ما لَم يَجِبْ- على قولَيْن: القَولُ الأولُ: يَصحُّ ضَمانُ المَجهولِ، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ (١) والمالِكيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣) والشافِعيِّ في القَديمِ (٤). واستدلُّوا على ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، ووَجهُ الدِّلالةِ مِنَ الآيةِ ما قاله ابنُ قُدامةَ ﵀: أنَّ حِملَ البَعيرِ غَيرُ مَعلومٍ، وأنَّه يَختلِفُ باختِلافِ البَعيرِ (٥). ولِعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الزَّعيمُ غارِمٌ» فإنَّه عامٌّ يَشملُ ضَمانَ المَعلومِ والمَجهولِ.

стр. 4769

ولأنَّه التِزامُ حَقٍّ في الذِّمَّةِ مِنْ غَيرِ مُعاوَضةٍ، فصحَّ في المَجهولِ كالنَّذرِ والإقرارِ (١). وقال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وضَمانُ المَجهولِ جائِزٌ عندَ جُمهورِ العُلماءِ، كمالِكٍ، وأبي حَنيفةَ، وأحمدَ، ودلَّ عليه الكِتابُ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] (٢). وقال ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ ﵀: والكَفالةُ بالمالِ عندَنا جائِزةٌ، وإنْ كان المالُ المَكفولُ به مَجهولَ المِقدارِ، وبه قال مالِكٌ وأحمدُ والشافِعيُّ في القَديمِ، وقال في الجَديدِ -هو وابنُ أبي لَيلى واللَّيثُ وابنُ المُنذِرِ-: لا تَجوزُ بالمَجهولِ؛ لأنَّه التِزامُ مالٍ مَجهولٍ فلا يَجوزُ، فلا بُدَّ مِنْ تَعيينِه؛ لِوُقوعِ المُماكَساتِ في مُبادلةِ المالِ، والكَفالةُ عَقدُ تَبرُّعٍ، كالنَّذرِ، لا يُقصَدُ به سِوى ثَوابِ اللهِ ، أو رَفعُ الضِّيقِ عن الحَبيبِ، فلا يُبالي بما التَزمَ في ذلك، ويَدلُّ على ذلك إقدامُه بلا تَعيينِه لِلمِقدارِ حين قال: «ما كان عليه فعلَيَّ»، فكان مَبناها التَّوسُّعَ، فتُحُمِّلت فيها الجَهالةُ (٣). القَولُ الثاني: لا يَصحُّ ضَمانُ المَجهولِ، وهو قَولُ الشافِعيِّ في الجَديدِ (٤).

стр. 4770

قال الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: ولا يَجوزُ ضَمانُ المَجهولِ؛ لأنَّه إثباتُ مالٍ في الذِّمَّةِ بعَقدٍ لِآدميٍّ، فلَم يَجُزْ مع الجَهالةِ، كالثَّمنِ في البَيعِ (١). وقال الإمامُ تَقيُّ الدِّينِ أبو بَكرٍ الشافِعيُّ ﵀: واعلَمْ أنَّ الخِلافَ في صِحةِ ضَمانِ المَجهولِ جارٍ في صِحةِ البَراءةِ مِنَ المَجهولِ، والخِلافُ مَبنيٌّ على أنَّ البَراءةَ تَمليكٌ أو إسقاطٌ؛ فإنْ قُلنا: تَمليكٌ -وهو الصَّحيحُ- لا تَصحُّ البَراءةُ مِنَ المَجهولِ، وإنْ قُلنا: إسقاطٌ، صحَّ الإبراءُ مِنَ المَجهولِ، وتَظهَرُ ثَمرةُ الخِلافِ فيما لو اغتابَ شَخصٌ آخَرَ ثم قال له: «اغتَبتُك، فاجعَلْني في حِلٍّ»، ففعَل وهو لا يَدري ما اغتابَه به، فهل يُبرأُ؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: نَعَمْ؛ لأنَّه إسقاطٌ. والآخَرُ: لا، لأنَّ المَقصودَ رِضاه، ولا يُمكِنُ الرِّضا بالمَجهولِ. واعلَمْ أنَّا إذا لَم نُصحِّحْ ضَمانَ المَجهولِ -مِثلَ أنْ قال: «ضمِنتُ مما لكَ على فُلانٍ مِنْ دِرهَمٍ إلى عَشَرةٍ-، ففيه خِلافٌ، والصَّحيحُ الصِّحةُ؛ لِانتِفاءِ الغَررِ بذِكرِ القَدْرِ، فعلى هذا ماذا يَلزمُه؟ فيه أوْجُهٌ: الراجِحُ عندَ الرافِعيِّ عَشَرةٌ، والأصحُّ عندَ النَّوَويِّ تِسعةٌ، وقيلَ: يَلزمُه ثَمانيةٌ (٢).

стр. 4771

المَبحثُ الثاني: شُروطُ المَكفولِ به أو المَضمونِ به وهو الحَقُّ الذي تَعهَّد الكَفيلُ بأدائِه وتَسليمِه، أو هو الشَّخصُ المَطلوبُ إحضارُه. وهي أربَعةُ شُروطٍ: الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ المَكفولُ به ممَّن يَلزمُه حُضورُ مَجلسِ الحُكمِ. والمَقصودُ بهذا الشَّرطِ: أنْ يَكونَ المَكفولُ به ممَّن يَلزمُه حُضورُ مَجلسِ الحُكمِ عندَ استِدعائِه، أو ممَّن يَستحقُّ إحضارَه، وأنْ يَكونَ مَقدورَ التَّسليمِ (١). ويَندرجُ تحتَ هذا الشَّرطِ ثلاثُ مَسائِلَ: المَسألةُ الأُولى: الكَفالةُ بالصَّبيِّ والمَجنونِ. المَسألةُ الثانيةُ: الكَفالةُ ببدنِ المَحبوسِ والغائِبِ. المَسألةُ الثالِثةُ: الكَفالةُ ببدَنِ مَنْ عليه حَدٌّ أو قِصاصٌ.

стр. 4772

المَسألةُ الأُولى: الكَفالةُ بالصَّبيِّ والمَجنونِ نَصَّ الحَنفيَّةُ (١)، والشافِعيَّةُ (٢)، والحَنابِلةُ (٣) على صِحةِ الكَفالةِ بالصَّبيِّ والمَجنونِ، وعلَّلوا ذلك بأنَّ إذنَ وَليِّهما يَقومُ مَقامَ إذنِهما. وبما قالَه ابنُ قُدامةَ ﵀: لأنَّهما قد يَجِبُ إحضارُهما مَجلسَ الحُكمِ لِلشهادةِ عليهما بالإتلافِ وغَيرِه (٤).

стр. 4773

المَسألةُ الثانيةُ: الكَفالةُ ببدنِ المَحبوسِ والغائِبِ يَعني: هل تَصحُّ الكَفالةُ ببدَنَيْهما أو لا؟ ذهَب المالِكيَّةُ (١)، والشافِعيَّةُ (٢)، والحَنابِلةُ (٣) إلى صِحةِ الكَفالةِ ببدنِ المَحبوسِ والغائبِ، ومنَعه أبو حَنيفةَ (٤). قال ابنُ رُشدٍ المالِكيُّ ﵀: والجُمهورُ يَصحُّ عندَهم كَفالةُ المَحبوسِ والغائِبِ، ولا يَصحُّ عندَ أبي حَنيفةَ (٥). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَصحُّ الكَفالةُ ببدنِ المَحبوسِ والغائِبِ، وقال أبو حَنيفةَ: لا تَصحُّ (٦). واستدلَّ أصحابُ المَذاهبِ الثلاثةِ بما يلي: بما قاله ابنُ قُدامةَ ﵀: أنَّ كلَّ وَثيقةٍ صحَّت مع الحُضورِ صحَّت مع الغَيبةِ، والحَبسُ كالرَّهنِ والضَّمانِ، ولأنَّ الحَبسَ لا يَمنعُ مِنَ التَّسليمِ؛

стр. 4774

لِكَونِ المَحبوسِ يُمكِنُ تَسليمُه بأمرِ الحاكِمِ أو أمرِ مَنْ حبَسه ثم يُعيدُه إلى الحَبسِ بالحَقَّيْن جَميعًا، والغائِبُ يَمضي إليه فيُحضرُه إذا كانت الغَيبةُ غَيرَ مُنقطعةٍ، وهو أنْ يَعلمَ خَبرَه؛ فإنْ لَم يَعلمْ خَبرَه لَزِمه ما عليه (١). وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: فَرعٌ: وتَجوزُ الكَفالةُ ببدنِ الغائِبِ والمَحبوسِ، وإنْ تعذَّرَ تَحصيلُ الغَرضِ في الحالِ، كما يَجوزُ لِلمُعسِرِ ضَمانُ المالِ (٢)؛ لأنَّ حُصولَ المَقصودِ مُتوقَّعٌ، وإنْ تَعذَّر تَحصيلُ الغَرضِ … ولا فَرقَ فيه بينَ أنْ يَكونَ في مَوضِعٌ يَلزمُه الحُضورُ إلى مَجلسِ الحُكمِ أم لا، حتى لو أذنَ ثم انتقَل إلى بَلدٍ بها حاكِمٌ أو إلى فوقَ مَسافةِ العَدْوَى، فوَقعتْ بَعدَ ذلك صحَّت ووَجَب عليه الحُضورُ معه لِأجْلِ إذنِه في ذلك، بل لو كان فَوقَ مَسافةِ القَصْرِ (٣).

стр. 4775

المَسألةُ الثالِثةُ: الكَفالةُ ببدنِ مَنْ عليه حَدٌّ أو قِصاصٌ أمَّا الكَفالةُ بالحَدِّ والقِصاصِ أنفُسِهما فلا تَجوزُ إجماعًا؛ إذْ لا يُمكِنُ استيفاءُ ذلك مِنَ الكَفيلِ (١). قال الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: ولا خِلافَ في أنَّه لا تَصحُّ الكَفالةُ بالحَدِّ والقِصاصِ نَفْسَيْهما؛ لأنَّ النيابةَ لا تَجري في إيفائِها، والمَقصودُ مِنَ الكَفالةِ إقامةُ الكَفيلِ مَقامَ المَكفولِ عنه في الإيفاء، وهذا لا يَتحقَّقُ في شَيءٍ مِنَ الحُدودِ، فلا تَصحُّ الكَفالةُ بها (٢). قال المَرغينانيُّ في «الهِدايةِ»: قَولُه: وكلُّ حَقٍّ لا يُمكِنُ استيفاؤُه مِنَ الكَفيلِ لا تَجوزُ الكَفالةُ به، كالحُدودِ والقِصاصِ. مَعناه بالحَدِّ نَفْسِه، لا بنَفْسِ مَنْ عليه الحَدُّ، يَعني أنَّ الكَفالةَ بالحَدِّ نَفْسِه لا تَجوزُ، أمَّا الكَفالةُ بنَفْسِ مَنْ عليه الحَدُّ فتَجوزُ؛ لأنَّ الكَفالةَ بتَسليمِ النَّفْسِ إلى بابِ القاضي واجِبةٌ، بخِلافِ الكَفالةِ بالحَدِّ نَفْسِه، فإنَّها لا تَجوزُ؛ لأنَّ العُقوباتِ لا تَجري فيها النِّيابةُ؛ لِعَدمِ حُصولِ

стр. 4776

المَقصودِ؛ لأنَّ المَقصودَ الزَّجرُ، وهو لا يَتحقَّقُ بالنائِبِ (١). وقال ابنُ الهُمامِ ﵀: وكُلُّ حَقٍّ لا يُمكِنُ استِيفاؤُه مِنَ الكَفيلِ لا تَصحُّ الكَفالةُ به، كالحُدودِ نَفْسِها والقِصاصِ نَفْسِه؛ إذْ لا يُقتَلُ الكَفيلُ بدَلًا عن المَكفولِ عنه، ولا يُضرَبُ (٢). لكنَّ المَسألةَ هنا في الكَفالةِ بإحضارِ بدنِ مَنْ عليه حَدٌّ أو قِصاصٌ، وقد اختلَف العُلماءُ في ذلك على أربَعةِ أقوالٍ: القَولُ الأولُ: أنَّها لا تَصحُّ مُطلَقًا، سَواءٌ كانت ببدنِ مَنْ عليه حَقٌّ للهِ أو حَقٌّ لِآدميٍّ. وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ مِنَ المالِكيَّةِ (٣) وبَعضِ الشافِعيَّةِ (٤) وهو المَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ (٥). جاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: قال سَحنونٌ: قُلتُ لابنِ القاسِمِ: أرأيتَ الحُدودَ فيها كَفالةٌ، قال: لا كَفالةَ في الحُدودِ، قُلتُ: أرأيتَ لو أنَّ رَجلًا شَتمَني ولم يَقذفْني، فأخَذتُ منه كَفيلًا بنَفْسِه، فهرَب الرَّجلُ، قال: هذا إنَّما

стр. 4777

هو أدَبٌ، ولا تَجوزُ الكَفالةُ في هذا، ولَم أسمَعْ مِنْ مالِكٍ فيه شَيئًا، إلا أنَّ هذا رأيي: أنَّه لا كَفالةَ في الحُدودِ ولا في التَّعزيرِ (١). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا تَصحُّ الكَفالةُ ببَدنِ مَنْ عليه حَدٌّ، سَواءٌ أكانَ حَقًّا للهِ ، كحَدِّ الزِّنا والسَّرِقةِ، أو لِآدميٍّ، كحَدِّ القَذفِ والقِصاصِ، وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهم: شُريحٌ والحَسَنُ، وبه قال إسحاقُ، وأبو عُبيدٍ، وأبو ثَورٍ، وأصحابُ الرأيِ (٢). وقال في «الإنصافِ»: ولا تَصحُّ ببَدنِ مَنْ عليه حَدٌّ أو قِصاصٌ، هذا هو المَذهبُ، وعليه الأصحابُ (٣). واستدلُّوا على ذلك بحَديثِ: «لا كَفالةَ في حَدٍّ» (٤).

стр. 4778

قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنه حَدٌّ. يَعني: أنَّه الكَفالةُ نَفْسُها بالحَدِّ مُطلَقًا، سَواءٌ كان مِنْ حُقوقِ اللهِ أو مِنْ حُقوقِ الآدميِّ، وسَواءٌ كانت الكَفالةُ بضَمانِ الحَدِّ نَفْسِه وعن صاحِبِه، أو بإحضارِ بَدنِ صاحِبِ الحَدِّ. قال: إنَّ الكَفالةَ استيثاقٌ، والحُدودَ مَبناها على الإسقاطِ والدَّرءِ بالشُّبُهاتِ، فلا يَدخلُ فيها الاستيثاقُ. ولأنَّ الحَدَّ حَقٌّ لا يَجوزُ استيفاؤُه مِنَ الكَفيلِ إذا تَعذَّر عليه إحضارُ المَكفولِ به، فلَم تَصحَّ الكَفالةُ بمَن هو عليه كحَدِّ الزِّنا (١). القَولُ الثاني: لا تَصحُّ ببَدنِ مَنْ عليه عُقوبةٌ للهِ تَعالى، وتَصحُّ في عُقوبةِ الآدميِّ، وهو الصَّحيحُ عن الشافِعيَّةِ (٢). قال النَّوَويُّ ﵀: وإنْ كانت الكَفالةُ لِآدميٍّ، كالقِصاصِ وحَدِّ القَذفِ، صحَّت الكَفالةُ على الأظهرِ. وقيلَ: لا تَصحُّ قَطعًا، وإنْ كانت حَدًّا للهِ لَم تَصحَّ على المَذهبِ (٣). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀ في «المُغني»: قال الشافِعيُّ: ولا تَصحُّ الكَفالةُ ببَدنِ مَنْ عليه حَدٌّ مِنْ حُدودِ اللهِ ، واختلَف قَولُه في حُدودِ الآدميِّ، فقال في مَوضِعٍ: لا كَفالةَ في حُدودِ الآدميِّ ولا لِعانَ، وقال في

стр. 4779

مَوضِعٍ: تَجوزُ الكَفالةُ بمَن عليه حَقٌّ أو حَدٌّ؛ لأنَّه حَقٌّ لِآدميٍّ، فصحَّت الكَفالةُ به كسائِرِ حُقوقِ الآدميِّينَ (١). واستدلُّوا على ذلك بقَولِهم: إنْ كان في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ لا يَصحُّ؛ لأنَّنا مَأْمورون بسترِها والسَّعيِ في إسقاطِها ما أمكَنَ، بخِلافِ عُقوبةِ الآدميِّ؛ لأنَّه حَقٌّ لَازمٌ فأشبَهَ المالَ (٢). القَولُ الثالِثُ: أنَّها لا تَصحُّ في الحُقوقِ الخالِصةِ للهِ ، سَواءٌ أطابَتْ نَفْسُ المُدَّعَى عليه بإعطاءِ الكَفيلِ أو لَم تَطِبْ، وأمَّا في القِصاصِ وحَدِّ القَذفِ والسَّرِقةِ ففيها تَفصيلٌ؛ فإنْ طابَت نَفْسُ المُدَّعَى عليه بإعطاءِ الكَفيلِ صحَّ، وإلا لا يُجبَرِ الكَفيلُ عليه، وهذا مَذهبُ الحَنفيَّةُ (٣). قال ابنُ الهُمامِ ﵀: ولا تَجوزُ الكَفالةُ بالنَّفْسِ في الحُدودِ والقِصاصِ عندَ أبي حَنيفةَ ﵀، مَعناه: لا يُجبَرُ عليها عندَه، أي: لا يُجبَرُ على إعطاءِ الكَفيلِ، وقالا: -أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ- يُجبَرُ في حَدِّ القَذفِ؛ لأنَّ فيه حَقَّ العَبدِ، وفي القِصاصِ لأنَّه خالِصُ حَقِّ العَبدِ، فيَليقُ بها الاستيثاقُ، كما في التَّعزيرِ، بخِلافِ الحُدودِ الخالِصةِ للهِ ، ولِأبي حَنيفةَ قَولُ النَّبيِّ

стр. 4780

ﷺ : «لا كَفالةَ في حَدٍّ» (١)، مِنْ غَيرِ فَصلٍ؛ ولأنَّ مَبنى الكلِّ على الدَّرءِ، لا يَجِبُ فيها الاستيثاقُ، كما في التَّعزيرِ (٢). وأمَّا صِحةُ الكَفالةِ في القِصاصِ ونَحوِه عندَ طيبِ نَفْسِ المُدَّعَى عليه بإعطاءِ الكَفيلِ، فلأنَّه كَفالةٌ بمَضمونٍ على الأصيلِ، مَقدورِ الاستيفاءِ مِنَ الكَفيلِ، فتَصحُّ. قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وتَجوزُ الكَفالةُ بنَفْسِ مَنْ عليه القِصاصُ في النَّفْسِ وما دونَها، وبحَدِّ القَذفِ والسَّرقةِ إذا بذَلها المَطلوبُ فأعطاه بها كَفيلًا، بلا خِلافٍ بينَ أصحابِنا، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه كَفالةٌ بمَضمونٍ على الأصيلِ مَقدورِ الاستيفاءِ مِنَ الكَفيلِ، فتَصحُّ، كالكَفالةِ بتَسليمِ نَفْسِ مَنْ عليه الدَّينُ (٣). وقال ابنُ الهُمامِ ﵀: ولو سَمحَت نَفْسُه -أي: نَفْسُ المَطلوبِ بإعطاءِ الكَفيلِ- بلا جَبرٍ، يَعني: في حَدِّ القَذفِ جازَ؛ لأنَّه أمكَنَ تَرتيبُ مُوجِبِه عليه، وهو تَسليمُ النَّفْسِ؛ لأنَّ تَسليمَ النَّفْسِ فيهما واجِبٌ، فيُطالِبُ به الكَفيلُ فيَتحقَّقُ الضَّمُّ (٤). القَولُ الرابِعُ: أنَّها تَصحُّ مُطلَقًا، سَواءٌ أكانت في حَقٍّ مِنْ حُقوقِ اللهِ

стр. 4781

أو في حَقٍّ مِنْ حُقوقِ الآدميٍّ، وهو قَولُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ وبَعضِ الحَنابِلةِ (١). الشَّرطُ الثاني مِنْ شُروطِ المَكفولِ به: العِلمُ بقَدرِ المالِ الذي على المَكفولِ به: يَعني: هل يُشترَطُ إذا تَكفَّل شَخصٌ بإحضارِ مَدِينٍ أنْ يَعرِفَ قَدْرَ المالِ الذي عليه، أو لا؟ اختلَف العُلماءُ في ذلك على قولَيْن: القَولُ الأولُ: أنَّه لا يُشترَطُ ذلك، وهو ظاهِرُ كَلامِ الحَنفيَّةِ (٢) وهو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيَّةِ (٣) وهو قَولُ الحَنابِلةِ (٤). قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: فتَجوزُ -يَعني الكَفالةَ- ببَدنِ مَنْ عليه مالٌ، ولا يُشترَطُ العِلمُ بقَدْرِه على الأصحِّ (٥)؛ لأنَّ الكَفالةَ بالبَدنِ لا بالمالِ (٦). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَصحُّ الكَفالةُ … سَواءٌ أكان الدَّينُ مَعلومًا أم مَجهولًا.

стр. 4782

واستدلُّوا على ذلك بما يلي: أنَّ الكَفالةَ بالبَدنِ لا بالدَّينِ، والبَدنَ مَعلومٌ، فلا تَبطُلُ الكَفالةُ لاحتِمالِ عارِضٍ. قالوا: ولأنَّنا قد تَبيَّن لنا أنَّ ضَمانَ المَجهولِ يَصحُّ، وهو التِزامُ مالٍ ابتِداءً، فالكَفالةُ التي لا تَتعلَّقُ بالمالِ ابتِداءً أوْلَى (١). القَولُ الثاني: أنَّه يُشترَطُ ذلك، وهو القَولُ الثاني عندَ الشافِعيَّةِ (٢)؛ لأنَّه قد يَتعذَّرُ إحضارُ المَكفولِ به فيَلزمُه الدَّينُ، ولا يُمكِنُ طَلبُه منه لِجَهالةٍ (٣). قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: القَولُ الثاني: يُشترَطُ بِناءً على أنَّه لو مات -يَعني المَكفولَ- به غُرِّمَ الكَفيلُ المالَ (٤). الشَّرطُ الثالِثُ مِنْ شُروطِ المَكفولِ به: تَعيُّنُ بَدنِ المَكفولِ به: يَعني: هل يُشترَطُ كَونُ المَكفولِ ببَدنِه مُعيَّنًا؟! مِثلَما لو قال: كَفلتُ ببَدنِ أحدِ هذَيْن الرَّجلَيْن، هل يَصحُّ أو لا؟ لأهلِ العِلمِ في ذلك قَولانِ: القَولُ الأولُ: يُشترَطُ كَونُ المَكفولِ ببَدنِه مُعيَّنًا، فلو قال: «كَفلتُ ببَدنِ

стр. 4783

أحَدِ هذَيْن»، لَم يَصحَّ، وهو قَولُ الشافِعيَّةِ (١) والصَّحيحُ عندَ الحَنابِلةِ (٢). قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ويُشترَطُ كَونُ المَكفولِ ببَدنِه مُعيَّنًا، فلو قال: كَفلتُ بَدنَ أحَدِ هذَيْن، لَم يَصحَّ، كما لو ضَمِنَ أحَدَ الدَّينَيْنِ (٣). وقال في «الإنصافِ»: ولا تَصحُّ الكَفالةُ بغَيرِ مُعيَّنٍ، كأحَدِ هذَيْن، هذا المَذهبُ وعليه أكثَرُ الأصحابِ (٤). وذلك القياسُ على اشتِراطِ تَعيينِ الدَّينِ في ضَمانِه. يَعني: لو قال: «ضَمِنتُ أحَدَ هذَيْنِ الدَّينَيْنِ لَم يَصحَّ (٥)، فكذلك لَو قال: ضمِنتُ أحَدَ هذَيْن الرَّجُليْنِ، لَم يَصحَّ. القَولُ الثاني: لا يُشترَطُ كَونُ المَكفولِ ببَدنِه مُعيَّنًا، وهو قَولٌ لِلحَنابِلةِ (٦)؛ لأنَّ الكَفالةَ تَبرُّعٌ، فهي كالإعارةِ والإباحةِ (٧). الشَّرطُ الرابِعُ مِنْ شُروطِ المَكفولِ به: رِضا المَكفولِ به: يَعني: هل يُشترَطُ رِضا المَكفولِ به أو لا؟ اختلَف العُلماءُ في ذلك على قَولَيْن:

стр. 4784

هذا الخِلافُ مَبنيٌّ على أنَّه هل يُغرَّمُ الكَفيلُ المالَ الذي على المَكفولِ به أو لا؟ القَولُ الأولُ: لا يُشترَطُ رِضا المَكفولِ به، وهو قَولٌ لِلشافِعيَّةِ (١) والصَّحيحُ عندَ الحَنابِلةِ (٢)؛ لأنَّ الكَفيلَ يُغرَّمُ المالَ الذي على المَكفولِ به إذا عجَز عن إحضارِه (٣). وقياسًا على المَضمونِ عنه فإنَّه لا يُعتبَرُ رِضاه (٤). القَولُ الثاني: يُشترَطُ رِضا المَكفولِ به، وهو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيَّةِ (٥) ووَجهٌ لِلحنابِلةِ (٦)؛ لأنَّ الكَفيلَ لا يُغرَّمُ المالَ الذي على المَكفولِ به إذا عجَز عن إحضارِه، فلا فائِدةَ لِلكَفالةِ إلا بحُضورِ المَكفولِ، وهو لا يَلزمُه الحُضورُ مع الكَفيلِ حينَئذٍ إلا برِضاه، فكان رِضاه (٧) شَرطًا لِصِحةِ الكَفالةِ.

стр. 4785

الفصل الخامس: الصِّيغةُ وهي الإيجابُ مِنَ الضامِنِ، حيث يُشترَطُ رِضاه بالاتِّفاقِ، كما سبَق ذِكرُه؛ لأنَّه لا يَلزمُه الحَقُّ ابتِداءً. ويَرى جُمهورُ الفُقهاءِ أنَّ الكَفالةَ تَنعقِدُ بإيجابٍ مِنَ الضامِنِ، دونَ اشتِراطِ القَبولِ مِنَ المَضمونِ له، وخالَفهم أبو حَنيفةَ، ومُحمدُ بنُ الحَسَنِ، والشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيْه (١). هذا وإنْ كان القَبولُ مِنَ الصِّيغةِ، فهو ليس شَرطًا لِصِحةِ الضَّمانِ. ولِلصِّيغةِ شُروطٌ يَتمُّ تَناولُها إنْ شاءَ اللهُ في مَبحثَيْن: المَبحثُ الأولُ: دِلالةُ الصِّيغةِ على الالتِزامِ. وفيه أربَعُ مَسائِلَ: المَسألةُ الأُولى: الضَّمانُ باللَّفظِ. المَسألةُ الثانيةُ: الضَّمانُ بالكِتابةِ. المَسألةُ الثالِثةُ: الضَّمانُ بالإشارةِ المُفهِمةِ مِنَ الأخرَسِ. المَسألةُ الرابِعةُ: ضَمانُ المَعرفةِ.

стр. 4786

المَسألةُ الأُولى: الضَّمانُ باللَّفظِ اشتَرطَ الفُقهاءُ في لَفظِ الضَّمانِ مِنْ صِيغةٍ تَدلُّ على التِزامِ الكَفيلِ، إمَّا صَراحةً وإمَّا كِنايةً؛ لأنَّ الرِّضا لا يُعرفُ إلا بذلك (١). والصِّيغةُ الصَّريحةُ في الضَّمانِ، مِثلَ: «أنا كَفيلٌ»، أو «أنا ضامِنٌ»، أو «أنا زَعيمٌ»، أو «أنا حَميلٌ»، أو «أنا قَبيلٌ»، أو «تَكفَّلتُ ببَدنِ فُلانٍ» (٢)، و «أنا ضامِنٌ لكَ دَينَك على فُلانٍ». قال الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ ﵀: أمَّا لَفظُ الكَفالةِ والضَّمانِ فصَريحانِ، وكذلك الزَّعامةُ بمَعنى الكَفالةِ، والغَرامةُ بمَعنى الضَّمانِ، قال النَّبيُّ ﷺ : «الزَّعيمُ غارِمٌ» أي: الكَفيلُ ضامِنٌ، وكذلك القُبالةُ بمَعنى الكَفالةِ أيضًا، يُقالُ: «قَبِلتُ به أقبَلُ قُبالةً»، و «تَقبَّلتُ به»، أي كَفلتُ، قال اللهُ : ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، أي: كَفيلًا يَكفُلونَه بما يَقولُ، والحَميلُ بمَعنى المَحمولِ، فَعيلٌ بمَعنى المَفعولِ، كالقَتيلِ بمَعنى المَقتولِ، وهو يُنبئُ عن تَحمُّلِ الضَّمانِ (٣).

стр. 4787

وهناك كَلِماتٌ اختُلِف حَولَ دِلالتِها، مِثلَ: «لكَ علَيَّ»، أو «لكَ إلَيَّ»، أو «لكَ قِبَلي»، أو «لكَ عِندي». فالذين قالوا بأنَّها كِنايةٌ، قالوا: يُشترَطُ فيها وُجودُ نيَّةٍ أو قَرينةٍ تَدلُّ على الالتِزامِ (١)، وذهَب آخَرونَ إلى أنَّها صَريحةٌ. قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: قَولُه: «علَيَّ» كَلمةُ إيجابٍ، وكذا قَولُه: «إلَيَّ»، قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ ترَك مالًا فلِوَرَثتِه، ومَن ترَك دَينًا فإلَيَّ وعلَيَّ» (٢)، وقَولُه: «قِبَلِي»، يُنبئُ عن القُبالةِ، وهي الكَفالةُ، وقَولُه: «عِندي»، وإنْ كانت مُطلَقةً لِلوَديعةِ، لكنَّه بقَرينةِ الدَّينِ يَكونُ كَفالةً؛ لأنَّ قَولَه: «عِندي»، يَحتمِلُ اليَدَ، ويَحتمِلُ الذِّمَّةَ؛ لأنَّها كَلِمةُ قُربٍ وحَضرةٍ، وذلك يُوجَدُ فيها جَميعًا، فعندَ الإطلاقِ يُحمَلُ على اليَدِ؛ لأنَّه أدنى، وعندَ قَرينةِ الدَّينِ يُحمَلُ على الذِّمَّةِ، أي: «في ذِمَّتي»؛ لأنَّ الدَّينَ لا يَحتمِلُه إلا الذِّمَّةُ (٣). وأمَّا أيُّ لَفظٍ آخَرَ لا يَدلُّ على الالتِزامِ حَقيقةً أو عُرفًا، فلا تَصِحُّ الكَفالةُ به، كأنْ يَقولَ: «أنا أُؤدِّي ما عليه»، أو أُحضِرُ الشَّخصَ»، وخَلا عن قَرينةٍ، فليس بضَمانٍ، وإنَّما هو مِنْ صِيَغِ الوَعدِ وألفاظِه، ولا تُعدُّ دالَّةً على الالتِزامِ عندَ الشافِعيَّةِ (٤) والحَنابِلةِ (٥).

стр. 4788

وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: قياسُ المَذهبِ يَصحُّ بكلِّ لَفظٍ يُفهَمُ منه الضَّمانُ عُرفًا، مِثلَ قَولِه: «زَوِّجْه وأنا أُؤدِّي الصَّداقَ»، أو «بِعْه وأنا أُعطيكَ الثَّمنَ»، أو «اترُكْه ولا تُطالِبْه وأنا أُعطيكَ» ونَحوَ ذلك (١).

стр. 4789

المَسألةُ الثانية: الضَّمانُ بالكِتابةِ الضَّمانُ بالكِتابةِ: هو أنْ يَكتُبَ الضامِنُ صِيغةَ الضَّمانِ بيَدَيْه دونَ التَّلفُّظِ بالصِّيغةِ. وقد اختلَف العُلماءُ في حُكمِ الضَّمانِ بالكِتابةِ على قَولَيْن: القَولُ الأولُ: يَصحُّ الضَّمانُ بالكِتابةِ مع القَرينةِ المُشعِرةِ مُطلَقًا، سَواءٌ صَدرتِ الكِتابةُ مِنْ ناطِقٍ أو مِنْ أخرَسَ، وسَواءٌ كان الأخرَسُ له إشارةٌ مَفهومةٌ أو لا، وهو ظاهِرُ قَولِ المالِكيَّةِ (١) وهو الأصحُّ عندَ الشافِعيَّةِ (٢)؛ لأنَّ الكِتابةَ مِنَ الناطِقِ مع النِّيَّةِ كِنايةٌ، وكِتابةُ الأخرَسِ مع قَرينةٍ تُعَدُّ صَريحةً، فهُما في مَعنى الصِّيغةِ (٣). القَولُ الثاني: لا يَصحُّ الضَّمانُ بالكِتابةِ مُنفرِدةً عن الإشارةِ المُفهِمةِ، وهو قَولُ الحَنابِلةِ (٤) ووَجهٌ لِلشافِعيَّةِ (٥)؛ لأنَّه قد يَكتُبُ عَبثًا أو لِتَجربةِ قَلَمِه، فلَم يَثبُتِ الضَّمانُ مع الاحتِمالِ (٦).

стр. 4790

المَسألةُ الثالِثةُ: الضَّمانُ بالإشارةِ المُفهِمةِ مِنَ الأخرَسِ يَعني: هل يَصحُّ ضَمانُ الأخرَسِ بالإشارةِ المُفهِمةِ منه أو لا؟! بِدايةً نُبيِّنُ حُكمَ ضَمانِ الأخرَسِ الذي لا تُفهَمُ إشارَتُه، فقد قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: وأمَّا الأخرَسُ؛ فإنْ لَم يَكُنْ له إشارةٌ مَفهومةٌ ولا كِتابةٌ، لَم نَعرِفْ أنَّه ضمِن حتى نُصحِّحَ أو نُبطِلَ (١). فأمَّا الأخرَسُ الذي تُفهَمُ إشارَتُه، فلِلعُلماءِ في حُكمِ ضَمانِه قَولانِ: القَولُ الأولُ: يَصحُّ ضَمانُه، وهو قَولُ المالِكيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣) وهو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيَّةِ (٤). جاء في «المُدوَّنةِ» في بابِ كَفالةِ الأخرَسِ: قال سَحنونٌ لابنِ القاسِمِ: هل تَجوزُ كَفالةُ الأخرَسِ في قَولِ مالِكٍ أو لا؟ قال: لا أقومُ على حِفظِ قَولِ مالِكٍ، إلا أنَّ الذي بلَغنا عن مالِكٍ أنَّه قال: ما أثبتَت البَيِّنةُ أنَّ الأخرَسَ قد

стр. 4791

فَهِمه مِنْ طَلاقِه وشِرائِه، إنَّ ذلك جائِزٌ عليه، وكذلك مَسألتُكَ (١). قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: وأمَّا الأخرسُ إنْ كانت له إشارةٌ مَفهومةٌ صحَّ ضَمانُه (٢). وقال في «الإنصافِ»: يَصحُّ ضَمانُ الأخرَسِ إنْ كانت له إشارةٌ مَفهومةٌ (٣). واستدلُّوا على صِحةِ ضَمانِ الأخرَسِ إذا فُهِمتْ إشارَتُه، بأنَّه يَصحُّ بَيعُه وإقرارُه وتَبرُّعه، فصحَّ ضَمانُه، كالناطِقِ (٤). القَولُ الثاني: لا يَصحُّ ضَمانُ الأخرَسِ ولو فُهِمتْ إشارَتُه، وهو قَولٌ لِلشافِعيَّةِ (٥)؛ لأنَّه لا ضَرورةَ إليه، بخِلافِ سائِرِ التَّصرُّفاتِ (٦).

стр. 4792

المَسألةُ الرابِعةُ: ضَمانُ المَعرِفةِ ضَمانُ المَعرِفةِ: مِثلَما لو جاء رَجُلٌ يَستدينُ مِنْ إنسانٍ، فقال: «أنا لا أعرِفُك فلا أُعطيك»، فجاء رَجلٌ آخَرُ وقال: «أنا ضامِنٌ لكَ مَعرِفتَه» (١). اختلَف العُلماءُ في ضَمانِ المَعرِفةِ هل يَصحُّ أو لا؟ على قَولَيْن: القَولُ الأولُ: وهو قَولُ الحَنفيَّةِ: أنه لا تَصحُّ الكَفالةُ بضَمانِ المَعرِفةِ فَقطْ دونَ ضَمانِ إحضارِه، فلو قال الكَفيلُ: أنا ضامِنٌ لِمَعرِفتِه دونَ إحضارِه، فهو باطِلٌ؛ لأنَّ مُوجِبَ الكَفالةِ التَّسليمُ، وليس المَعرِفةَ. وكذلك لو قال الضامِنُ: أنا ضامِنٌ أنْ تَلتَقيا أو تَجتَمِعا، فهو باطِلٌ؛ لأنَّ التِقاءَهما أو اجتِماعَهما مِنْ فِعلِهما، ولا يَكونُ الإنسانُ ضامِنًا لِفِعلِ غَيرِه (٢). القَولُ الثاني: وهو قَولُ الحَنابِلةِ: يَصحُّ ضَمانُ المَعرِفةِ: فلو قال الضامِنُ: «ضمِنتُ لكَ مَعرِفتَه»، صحَّ الضَّمانُ وأُخِذَ به، فكأنَّه قال له: «ضمِنتُ لكَ حُضورَه متى أردْتَ»، لأنَّك لا تَعرِفُه (٣).

стр. 4793

ولا خِلافَ بينَ الأحنافِ والحَنابِلةِ أنَّهم مُتَّفِقون على الالتِزامِ بإحضارِ المَطلوبِ وتَسليمِه؛ فإذا لَم يُسلِّمْه مع حياتِه لَزِمه ما عليه. فقد جاء في «كَشافِ القِناعِ» لِلبُهوتيِّ ﵀: قال الشَّيخُ التَّقيُّ في ششَرحِ المُحرَّرِ﴾: ضَمانُ المَعرِفةِ مَعناه أنِّي أُعرِّفُك مَنْ هو، ومِن أينَ هو، وقال ابنُ عَقيلٍ: وهذا يُعطي أنَّ أحمدَ جعَل ضَمانَ المَعرِفةِ تَوثِقةً لِمَنْ له المالُ، فكأنَّه قال: «ضمِنتُ لك حُضورَه متى أردتَ؛ لأنَّكَ أنتَ لا تَعرِفُه، ولا يُمكِنُك إحضارُ مَنْ لا تَعرِفُه، فأنا أعرِفُه فأُحضِرُه لك متى أردتَ»، فصارَ كقَولِه: «كَفَلتُ لك ببَدنِه». انتهى. فيُطالَبُ ضامِنُ المَعرِفةِ بإحضارِه؛ فإنْ عجَز عن إحضارِه لَزِمه ما عليه لِمَنْ ضمِن مَعرِفتَه له (١).

стр. 4794

المَبحَثُ الثاني: تَعليقُ الصِّيغةِ وإضافَتُها الصِّيغةُ إمَّا أنْ تَكونَ مُطلَقةً، أو مُعلَّقةً على شَرطٍ، أو مُضافةً إلى وَقتٍ. فالمُطلَقةُ أو المُنجَزةُ تَكونُ مِثلَ: «ضمِنتُ لك دَينَك على فُلانٍ، أو تَكفَّلتُ ببَدنِ فُلانٍ»، فلا شكَّ في صِحةِ الضَّمانِ بهذه الصِّيغةِ (١)؛ إذْ هي الأصلُ في الضَّمانِ. أمَّا المُعلَّقةُ على شَرطٍ، مِثلَ: «إنْ استُحِقَّ المَبيعُ فأنا كَفيلٌ لكَ» (٢)، أو: «إنْ لَم يُؤدِّ ما لكَ غَدًا فأنا ضامِنٌ، أو إنْ أعطَيتَه كذا فأنا ضامِنٌ» (٣). أمَّا الصِّيغةُ المُضافةُ إلى وَقتٍ، مِثلَ: إذا جاءَ رَأسُ الشَّهرِ فأنا ضامِنٌ لكَ أو كَفيلٌ (٤). وسيتمُّ بَحثُ هاتَيْن الصِّيغتَيْن المُعلَّقةِ والمُضافةِ في مَسألتَيْن: المَسألةُ الأُولى: تَعليقُ الصِّيغةِ على شَرطٍ. المَسألةُ الثانيةُ: إضافةُ الصِّيغةِ إلى وَقتٍ.

стр. 4795

المَسألةُ الأُولى: تَعليقُ الصِّيغةِ على شَرطٍ اختلَف العُلماءُ في حُكمِ الضَّمانِ إذا كانت الصِّيغةُ مُعلَّقةً على شَرطٍ على أربَعةِ أقوالٍ: الَقولُ الأولُ: يَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ، وهو قَولُ الحَنابِلةِ (١) ووَجهٌ لِلشافِعيَّةِ (٢)؛ لأنَّ القَبولَ لا يُشترَطُ في الضَّمانِ ولا في الكَفالةِ، فجازَ تَعليقُها كالطَّلاقِ. القَولُ الثاني: لا يَصحُّ، وهو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيَّةِ (٣)؛ لأنَّه عَقدٌ، فلا يَقبلُ التَّعليقَ كالبَيعِ. قال الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: والأصحُّ أنَّه لا يَجوزُ تَعليقُها بشَرطٍ، إذا جاء رأسُ الشَّهرِ فقد ضمِنتُ ما على فُلانٍ، أو تَكفَّلتُ ببَدنِه؛ لأنَّهما عَقدانِ فلا يَقبَلانِ التَّعليقَ كالبَيعِ (٤). القَولُ الثالِثُ: لا يَصحُّ تَعليقُ ضَمانِ المالِ، ويَصحُّ تَعليقُ الكَفالةِ بالنَّفْسِ، وهو وَجهٌ لِلشافِعيَّةِ (٥)؛ لأنَّ الأصلَ المَنعُ مِنَ التَّعليقِ، وإنَّما

стр. 4796

استُثنيَتِ الكَفالةُ بالنَّفْسِ لِلحاجةِ إليها. قال الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: يُمتَنعُ تَعليقُ الضَّمانِ دونَ الكَفالةِ؛ لأنَّ الكَفالةَ مَبنيَّةٌ على الحاجةِ (١). القَولُ الرابِعُ: التَّفصيلُ، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ، قالوا: فإنْ كان الشَّرطُ سَببًا لِظُهورِ حَقٍّ جازَ، كقَولِه: «إنِ استُحِقَّ المَبيعُ فأنا ضامِنٌ»؛ لأنَّ استِحقاقَ المَبيعِ سَببٌ لِظُهورِ الحَقِّ، وقَولِه: «إنْ قَدِم زَيدٌ فأنا كَفيلٌ»؛ لأنَّ قُدومَه وَسيلةٌ إلى الأداءِ في الجُملةِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكونَ مَكفولًا عنه، أو يَكونَ مُضارَبةً. فإنْ لَم يَكُنْ سَببًا لِظُهورِ الحَقِّ ولا لِوُجوبِه، ولا وَسيلةً إلى الأداءِ في الجُملةِ، فلا يَجوزُ، مِثلَ: إذا جاءَ المَطرُ أو إنْ هَبَّت الرِّيحُ وإنْ دخَل زَيدٌ الدارَ فأنا كَفيلٌ (٢). استدلَّ القائِلونَ بالتَّفصيلِ بما قالَه الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ ﵀: حيث قال بأنَّ الكَفالةَ فيها مَعنى التَّمليكِ … ، والأصلُ ألَّا يَجوزَ تَعليقُها بشَرطٍ، إلا شَرطًا أُلحِقَ به تَعَلُّقٌ بالظُّهورِ، أو التَّوسُّلِ إليه في الجُملةِ، فيَكونَ مُلائِمًا لِلعَقدِ فيَجوزَ. وقال أيضًا: إنَّ الكَفالةَ جَوازُها بالعُرفِ، والعُرفَ في مِثلِ هذا الشَّرطِ دونَ غَيرِه (٣).

стр. 4797

المَسألةُ الثانيةُ: إضافةُ الصِّيغةِ إلى وَقتٍ مِثلَ: «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فقد ضمِنتُ، أو أنا ضامِنٌ إلى شهرٍ» (١)، وأنا ضامِنٌ إلى الحَصادِ والدِّياسِ. فقد نَصَّ الحَنفيَّةُ على صِحةِ إضافَتِها إلى وَقتٍ: فقد قال الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ مُبيِّنًا تَعليلَ الصِّحةِ: لأنَّها أُضيفتْ إلى سَببِ الضَّمانِ، وإنْ لَم يَكُنِ الضَّمانُ ثابِتًا في الحالِ، والكَفالةُ -وإنْ كان فيها مَعنى التَمليكِ- ليست بتَمليكٍ مَحضٍ، فجازَ أنْ تَحتمِلَ الإضافةَ (٢). أمَّا الشافِعيَّةُ فقد خَلَصوا إلى أنَّ تأجيلَ الكَفالةِ لا يَصحُّ، وإنَّما يَصحُّ عندَهم تأخيرُ إحضارِ الشَّخصِ إلى أجَلٍ مَعلومٍ، مِثلَ: إلى شَهرٍ، أو سَنةٍ (٣). أمَّا لو شرَط لِلإحضارِ أجَلًا مَجهولًا، كالحَصادِ مَثلًا، ففي صِحةِ الكَفالةِ وَجهانِ، أصحُّهما المَنعُ (٤). أمَّا الأحنافُ فقد قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀ وهو يَتحدَّثُ عن تأجيلِ الكَفالةِ إلى وَقتٍ مَجهولٍ: وأمَّا إنْ كان التأجيلُ إلى وَقتٍ مَجهولٍ؛ فإنْ كان

стр. 4798

يُشبِهُ آجالَ الناسِ، كالحَصادِ والدِّياسِ والنَّيروزِ ونَحوِها، فكفَل إلى هذه الأوقاتِ جازَ عندَ أصحابِنا، وعندَ الشافِعيِّ ﵀ لا يَجوزُ، ووَجهُ قَولِه أنَّ هذا عَقدٌ إلى أجَلٍ مَجهولٍ، فلا يَصحُّ، كالبَيعِ. ثم عَقَّب على هذا الكَلامِ بقَولِه ﵀: ولَنا أنَّ هذا ليس بجَهالةٍ فاحِشةٍ فتَحمِلُها الكَفالةُ، وهذا لأنَّ الجَهالةَ لا تَمنعُ مِنْ جَوازِ العَقدِ بعَينِها، بل لِإفضائِها إلى المُنازَعةِ بالتَّقديمِ والتأخيرِ، وجَهالةُ التَّقديمِ والتأخيرِ لا تُفضي إلى المُنازَعةِ في بابِ الكَفالةِ؛ لأنَّه يُسامَحُ في أخْذِ الحَقِّ مِنْ جِهةِ الأصيلِ، بخِلافِ البَيعِ، ولأنَّ الكَفالةَ جَوازُها بالعُرفِ، والكَفالةَ إلى هذه الآجالِ مُتعارَفةٌ. وإنْ كانت هذه الكَفالةُ حالَّةً فأخَّرَ إلى هذه الأوقاتِ جازَ أيضًا؛ لِما ذَكَرنا. وإنْ كان لا يُشبهُ آجالَ الناسِ، كمَجيءِ المَطرِ وهُبوبِ الرِّيحِ، فالأجَلُ باطِلٌ، والكَفالةُ صَحيحةٌ؛ لأنَّ هذه جَهالةٌ فاحِشةٌ، فلا تَتحمَّلُها الكَفالةُ، فلَم يَصحَّ التأجيلُ، فبطَل، وبقيَتِ الكَفالةُ صَحيحةً (١). أمَّا الحَنابِلةُ فقد قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ كفَل إلى أجَلٍ مَجهولٍ لَم تَصحَّ الكَفالةُ، وبهذا قال الشافِعيُّ؛ لأنَّه ليس له وَقتٌ يُستحَقُّ مُطالَبتُه فيه، وهكذا الضَّمانُ، وإنْ جعَله إلى الحَصادِ والجِذاذِ والعَطاءِ، خرَج على

стр. 4799

الوَجهَيْن، كالأجَلِ في البَيعِ، والأوْلى صِحَّتُها هنا؛ لأنَّه تَبرُّعٌ مِنْ غَيرِ عِوَضٍ، جُعِل له أجَلًا لا يَمنعُ مِنَ المَقصودِ منه، فصحَّ كالنَّذرِ، وهكذا كلُّ مَجهولٍ لا يَمنعُ مَقصودَ الكَفالةِ (١). أمَّا الإمامُ مالِكٌ فقد جاء في «المُدوَّنةِ» لِسَحنونٍ قال: قُلتُ -يَعني لابنِ القاسِمِ-: أرأيتَ إنْ قال: «أنا كَفيلٌ بما لكَ على فُلانٍ إلى خُروجِ العَطاءِ»؟ قال: سألتُ مالِكًا عن الذي يَبيعُ إلى العَطاءِ، قال مَرَّةً: كان ذلك جائِزًا؛ لأنَّ العَطاءَ كان مَعروفًا، ثم تَحوَّل فلا يُعرَفُ، ولا يُعجِبُني. ثم سَمِعتُه بعدَ ذلك يَقولُ فيه: مَرفِقٌ لِلناسِ ولا يَجوزُ، أعجَبُ إلَيَّ أنْ يَكونَ مَعروفًا، فأمَّا الحَمالةُ بالنَّفْسِ فلا بَأسَ بها (٢). أمَّا إذا أُضيفت إلى أجَلِ مَعلومٍ، فقد نَصَّ أصحابُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صِحَّتِها (٣). بَعضُ المَسائلِ التي تَتعلَّقُ بالصِّيغةِ: ١ - اشتِراطُ الخيارِ: هل يَدخُلُ الضَّمانَ والكَفالةَ خيارٌ أو لا؟! قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَدخُلُ الضَّمانَ والكَفالةَ خيارٌ؛ لأنَّ الخيارَ جُعِل لِيُعرَفَ ما فيه الحَظُّ، والضَّمينُ والكَفيلُ على بَصيرةٍ أنه لا حَظَّ لَهما؛

стр. 4800

ولأنَّه عَقدٌ لا يَفتقِرُ إلى القَبولِ لَم يَدخُلْه خيارٌ كالنَّذرِ، وبهذا قال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، ولا نَعلَمُ عن أحدٍ خِلافَهم؛ فإنْ شُرِط الخيارُ فيهما: قال القاضي: عِندي أنَّ الكَفالةَ تَبطُلُ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّه شَرطٌ على ما يُنافي مُقتَضاها، ففَسدَت، كما لو شرَط ألَّا يُؤدِّيَ ما على المَكفولِ به؛ وذلك لأنَّ مُقتَضى الضَّمانِ والكَفالةِ لُزومُ ما ضمِنه أو كفَل به، والخيارُ يُنافي ذلك، ويُحتمَلُ أنْ يَبطُلَ الشَّرطُ وتَصحَّ الكَفالةُ، كما قُلنا في الشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ، ولو أقَرَّ بأنَّه كفَل بشَرطِ الخيارِ لَزمتْه الكَفالةُ وبطَل الشَّرطُ؛ لأنَّه وَصَلَ بإقرارِه ما يُبطِلُه، فأشبَهَ استِثناءَ الكُلِّ (١). وقال الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: ولا يَثبُتُ في الضَّمانِ خيارٌ؛ لأنَّ الخيارَ لِدَفعِ الغَبنِ وطَلبِ الحَظِّ، والضامِنَ يَدخُلُ في العَقدِ على بَصيرةٍ أنَّه مَغبونٌ، ولأنَّه لا حَظَّ له في العَقدِ (٢). هذا بالنِّسبةِ لِلكَفيلِ، أمَّا المَضمونُ له: فقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: لو شَرطَ الضامِنُ أو الكَفيلُ الخيارَ لِنَفْسِه لَم يَصحَّ الضَّمانُ، فلو شرَط لِلمَضمونِ له لَم يَضُرَّ؛ لأنَّ الخيارَ في المُطالَبةِ والإبراءِ له أبَدًا (٣).
следующие страницы →