استُثنيَتِ الكَفالةُ بالنَّفْسِ لِلحاجةِ إليها.
قال الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: يُمتَنعُ تَعليقُ الضَّمانِ دونَ الكَفالةِ؛ لأنَّ الكَفالةَ مَبنيَّةٌ على الحاجةِ (١).
القَولُ الرابِعُ: التَّفصيلُ، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ، قالوا: فإنْ كان الشَّرطُ سَببًا لِظُهورِ حَقٍّ جازَ، كقَولِه: «إنِ استُحِقَّ المَبيعُ فأنا ضامِنٌ»؛ لأنَّ استِحقاقَ المَبيعِ سَببٌ لِظُهورِ الحَقِّ، وقَولِه: «إنْ قَدِم زَيدٌ فأنا كَفيلٌ»؛ لأنَّ قُدومَه وَسيلةٌ إلى الأداءِ في الجُملةِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكونَ مَكفولًا عنه، أو يَكونَ مُضارَبةً.
فإنْ لَم يَكُنْ سَببًا لِظُهورِ الحَقِّ ولا لِوُجوبِه، ولا وَسيلةً إلى الأداءِ في الجُملةِ، فلا يَجوزُ، مِثلَ: إذا جاءَ المَطرُ أو إنْ هَبَّت الرِّيحُ وإنْ دخَل زَيدٌ الدارَ فأنا كَفيلٌ (٢).
استدلَّ القائِلونَ بالتَّفصيلِ بما قالَه الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ ﵀: حيث قال بأنَّ الكَفالةَ فيها مَعنى التَّمليكِ … ، والأصلُ ألَّا يَجوزَ تَعليقُها بشَرطٍ، إلا شَرطًا أُلحِقَ به تَعَلُّقٌ بالظُّهورِ، أو التَّوسُّلِ إليه في الجُملةِ، فيَكونَ مُلائِمًا لِلعَقدِ فيَجوزَ.
وقال أيضًا: إنَّ الكَفالةَ جَوازُها بالعُرفِ، والعُرفَ في مِثلِ هذا الشَّرطِ دونَ غَيرِه (٣).
стр. 4797
المَسألةُ الثانيةُ: إضافةُ الصِّيغةِ إلى وَقتٍ
مِثلَ: «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فقد ضمِنتُ، أو أنا ضامِنٌ إلى شهرٍ» (١)، وأنا ضامِنٌ إلى الحَصادِ والدِّياسِ.
فقد نَصَّ الحَنفيَّةُ على صِحةِ إضافَتِها إلى وَقتٍ:
فقد قال الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ مُبيِّنًا تَعليلَ الصِّحةِ: لأنَّها أُضيفتْ إلى سَببِ الضَّمانِ، وإنْ لَم يَكُنِ الضَّمانُ ثابِتًا في الحالِ، والكَفالةُ -وإنْ كان فيها مَعنى التَمليكِ- ليست بتَمليكٍ مَحضٍ، فجازَ أنْ تَحتمِلَ الإضافةَ (٢).
أمَّا الشافِعيَّةُ فقد خَلَصوا إلى أنَّ تأجيلَ الكَفالةِ لا يَصحُّ، وإنَّما يَصحُّ عندَهم تأخيرُ إحضارِ الشَّخصِ إلى أجَلٍ مَعلومٍ، مِثلَ: إلى شَهرٍ، أو سَنةٍ (٣).
أمَّا لو شرَط لِلإحضارِ أجَلًا مَجهولًا، كالحَصادِ مَثلًا، ففي صِحةِ الكَفالةِ وَجهانِ، أصحُّهما المَنعُ (٤).
أمَّا الأحنافُ فقد قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀ وهو يَتحدَّثُ عن تأجيلِ الكَفالةِ إلى وَقتٍ مَجهولٍ: وأمَّا إنْ كان التأجيلُ إلى وَقتٍ مَجهولٍ؛ فإنْ كان
стр. 4798
يُشبِهُ آجالَ الناسِ، كالحَصادِ والدِّياسِ والنَّيروزِ ونَحوِها، فكفَل إلى هذه الأوقاتِ جازَ عندَ أصحابِنا، وعندَ الشافِعيِّ ﵀ لا يَجوزُ، ووَجهُ قَولِه أنَّ هذا عَقدٌ إلى أجَلٍ مَجهولٍ، فلا يَصحُّ، كالبَيعِ.
ثم عَقَّب على هذا الكَلامِ بقَولِه ﵀: ولَنا أنَّ هذا ليس بجَهالةٍ فاحِشةٍ فتَحمِلُها الكَفالةُ، وهذا لأنَّ الجَهالةَ لا تَمنعُ مِنْ جَوازِ العَقدِ بعَينِها، بل لِإفضائِها إلى المُنازَعةِ بالتَّقديمِ والتأخيرِ، وجَهالةُ التَّقديمِ والتأخيرِ لا تُفضي إلى المُنازَعةِ في بابِ الكَفالةِ؛ لأنَّه يُسامَحُ في أخْذِ الحَقِّ مِنْ جِهةِ الأصيلِ، بخِلافِ البَيعِ، ولأنَّ الكَفالةَ جَوازُها بالعُرفِ، والكَفالةَ إلى هذه الآجالِ مُتعارَفةٌ.
وإنْ كانت هذه الكَفالةُ حالَّةً فأخَّرَ إلى هذه الأوقاتِ جازَ أيضًا؛ لِما ذَكَرنا.
وإنْ كان لا يُشبهُ آجالَ الناسِ، كمَجيءِ المَطرِ وهُبوبِ الرِّيحِ، فالأجَلُ باطِلٌ، والكَفالةُ صَحيحةٌ؛ لأنَّ هذه جَهالةٌ فاحِشةٌ، فلا تَتحمَّلُها الكَفالةُ، فلَم يَصحَّ التأجيلُ، فبطَل، وبقيَتِ الكَفالةُ صَحيحةً (١).
أمَّا الحَنابِلةُ فقد قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ كفَل إلى أجَلٍ مَجهولٍ لَم تَصحَّ الكَفالةُ، وبهذا قال الشافِعيُّ؛ لأنَّه ليس له وَقتٌ يُستحَقُّ مُطالَبتُه فيه، وهكذا الضَّمانُ، وإنْ جعَله إلى الحَصادِ والجِذاذِ والعَطاءِ، خرَج على
стр. 4799
الوَجهَيْن، كالأجَلِ في البَيعِ، والأوْلى صِحَّتُها هنا؛ لأنَّه تَبرُّعٌ مِنْ غَيرِ عِوَضٍ، جُعِل له أجَلًا لا يَمنعُ مِنَ المَقصودِ منه، فصحَّ كالنَّذرِ، وهكذا كلُّ مَجهولٍ لا يَمنعُ مَقصودَ الكَفالةِ (١).
أمَّا الإمامُ مالِكٌ فقد جاء في «المُدوَّنةِ» لِسَحنونٍ قال: قُلتُ -يَعني لابنِ القاسِمِ-: أرأيتَ إنْ قال: «أنا كَفيلٌ بما لكَ على فُلانٍ إلى خُروجِ العَطاءِ»؟ قال: سألتُ مالِكًا عن الذي يَبيعُ إلى العَطاءِ، قال مَرَّةً: كان ذلك جائِزًا؛ لأنَّ العَطاءَ كان مَعروفًا، ثم تَحوَّل فلا يُعرَفُ، ولا يُعجِبُني. ثم سَمِعتُه بعدَ ذلك يَقولُ فيه: مَرفِقٌ لِلناسِ ولا يَجوزُ، أعجَبُ إلَيَّ أنْ يَكونَ مَعروفًا، فأمَّا الحَمالةُ بالنَّفْسِ فلا بَأسَ بها (٢).
أمَّا إذا أُضيفت إلى أجَلِ مَعلومٍ، فقد نَصَّ أصحابُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صِحَّتِها (٣).
بَعضُ المَسائلِ التي تَتعلَّقُ بالصِّيغةِ:
١ - اشتِراطُ الخيارِ: هل يَدخُلُ الضَّمانَ والكَفالةَ خيارٌ أو لا؟!
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَدخُلُ الضَّمانَ والكَفالةَ خيارٌ؛ لأنَّ الخيارَ جُعِل لِيُعرَفَ ما فيه الحَظُّ، والضَّمينُ والكَفيلُ على بَصيرةٍ أنه لا حَظَّ لَهما؛
стр. 4800
ولأنَّه عَقدٌ لا يَفتقِرُ إلى القَبولِ لَم يَدخُلْه خيارٌ كالنَّذرِ، وبهذا قال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، ولا نَعلَمُ عن أحدٍ خِلافَهم؛ فإنْ شُرِط الخيارُ فيهما: قال القاضي: عِندي أنَّ الكَفالةَ تَبطُلُ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّه شَرطٌ على ما يُنافي مُقتَضاها، ففَسدَت، كما لو شرَط ألَّا يُؤدِّيَ ما على المَكفولِ به؛ وذلك لأنَّ مُقتَضى الضَّمانِ والكَفالةِ لُزومُ ما ضمِنه أو كفَل به، والخيارُ يُنافي ذلك، ويُحتمَلُ أنْ يَبطُلَ الشَّرطُ وتَصحَّ الكَفالةُ، كما قُلنا في الشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ، ولو أقَرَّ بأنَّه كفَل بشَرطِ الخيارِ لَزمتْه الكَفالةُ وبطَل الشَّرطُ؛ لأنَّه وَصَلَ بإقرارِه ما يُبطِلُه، فأشبَهَ استِثناءَ الكُلِّ (١).
وقال الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: ولا يَثبُتُ في الضَّمانِ خيارٌ؛ لأنَّ الخيارَ لِدَفعِ الغَبنِ وطَلبِ الحَظِّ، والضامِنَ يَدخُلُ في العَقدِ على بَصيرةٍ أنَّه مَغبونٌ، ولأنَّه لا حَظَّ له في العَقدِ (٢).
هذا بالنِّسبةِ لِلكَفيلِ، أمَّا المَضمونُ له:
فقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: لو شَرطَ الضامِنُ أو الكَفيلُ الخيارَ لِنَفْسِه لَم يَصحَّ الضَّمانُ، فلو شرَط لِلمَضمونِ له لَم يَضُرَّ؛ لأنَّ الخيارَ في المُطالَبةِ والإبراءِ له أبَدًا (٣).
стр. 4801
وقال الحَنفيَّةُ: يَصحُّ خيارُ الشَّرطِ في الكَفالةِ بنَفْسٍ أو مالٍ ويَصحُّ الخيارُ فيها لِلمَكفولِ له ولِلكَفيلِ، وإن زادتْ مُدةُ الخيارِ على ثلاثةِ أيامٍ عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ ﵀؛ لأنَّ مَبنى الكَفالةِ على التَّوسِعةِ.
قال البَغداديُّ ﵀: كفَل على أنَّه بالخيارِ عَشَرةَ أيامٍ، صحَّ، بخِلافِ البَيعِ عندَ أبي حَنيفةَ ﵀؛ لأنَّ مَبنى الكَفالةِ على التَّوسِعةِ (١). اه.
٢ - اشتِراطُ الكَفيلِ بَراءةَ الأصيلِ هل يَصحُّ أو لا؟
تَبطُلُ الكَفالةُ عندَ الشافِعيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣) بأيِّ شَرطٍ يُخالِفُ مُقتَضاها، ومِن ذلك اشتِراطُ بَراءةِ الأصيلِ مِنْ دَينِه؛ لأنَّ عَقدَ الكَفالةِ يَقتَضي شَغلَ ذِمَّةِ المَدِينِ والضامِنِ معًا، ومِثلُ ذلك الكَفالةُ؛ فإذا كان الشَّخصُ كَفيلًا فجاء آخَرُ، وقال: إنَّني أكفُلُه بشَرطِ بَراءةِ الكَفيلِ الأولِ، فإنَّه لا يَصحُّ (٤).
قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: فلو ضمِن بشَرطِ بَراءةِ الأصيلِ لَم يَصحَّ على الأصحِّ؛ لأنَّه يُنافي مُقتَضاها.
والثاني: يَصحُّ الضَّمانُ والشَّرطُ.
стр. 4802
والثالِثُ: يَصحُّ الضَّمانُ فقط (١).
٣ - هل يَصحُّ ضَمانُ الحالِّ مُؤجَّلًا؟!
أجازَ الفُقهاءُ ضَمانَ الدَّينِ الحالِّ مُؤجَّلًا، أي: إذا كان الدَّينُ حالًّا على الأصيلِ، وضمِنه الكَفيلُ إلى أجَلٍ، فهو صَحيحٌ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا ضمِن الدَّينَ الحالَّ مُؤجَّلًا صحَّ، ويَكونُ حالًّا على المَضمونِ عنه، مُؤجَّلًا على الضامِنِ، يَملِكُ مُطالَبةَ المَضمونِ عنه دونَ الضامِنِ، وبهذا قال الشافِعيُّ، وقال أحمدُ في رَجلٍ ضمِن ما على فُلانٍ أنْ يُؤدِّيَه في ثلاثِ سِنينَ: فهو عليه، ويُؤدِّيه كما ضمِن، واحتجُّوا على ذلك بما رَواه ابنُ عباسٍ ﵄: أنَّ رَجُلًا لَزمَ غَريمًا له بعَشَرةِ دَنانيرَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ فقال: ما عِندي شَيءٌ أُعطيكَه، فقال: واللهِ لا أُفارِقُك حتى تَقضيَني أو تَأتيَني، فجَرَّه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «كَمْ تَستَنظِرُه؟»، قال: شَهرًا، فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : «فأنا أحمِلُ له»، فجاءَه في الوَقتِ الذي قال النَّبيُّ ﷺ : «مِنْ أينَ أصَبتَ هذا؟»، قال مِنْ مَعدِنٍ، قال: «لا خَيرَ فيها» وقضاها عنه (٢).
ولأنَّه ضمِن مالًا بعَقدٍ مُؤجَّلٍ، فكان مُؤجَّلًا كالبَيعِ (٣).
стр. 4803
أمَّا إذا ضمِن الكَفيلُ الدَّينَ المُؤجَّلَ على الأصيلِ حالًّا:
ففي صِحةِ ضَمانِه وَجهانِ عندَ الشافِعيَّةِ (١)، والأصحُّ عندَ الحَنابِلةِ أنَّ هذا الضَّمانَ جائِزٌ، ولكنْ لا يُطالَبُ الكَفيلُ بالدَّينِ قبلَ حُلولِ الأجَلِ؛ لأنَّه بذلك يَلتزِمُ الدَّينَ وزِيادةً، والزِّيادةُ هي حُلولُ الدَّينِ المُؤجَّلِ (٢).
وفرَّق الحَنفيَّةُ بينَ تأجيلِ الحالِّ بعدَ عَقدِ الكَفالةِ، وكَفالةُ الحالِّ مُؤجَّلًا في ابتِداءِ الكَفالةِ:
قال المَرغينانيُّ الحَنفيُّ ﵀: وإذا أخَّر الطالِبُ عن الأصيلِ فهو تأخيرٌ عن الكَفيلِ، ولو أخَّرَ عن الكَفيلِ لَم يَكُنْ تأخيرًا عن الذي عليه الأصلُ؛ لأنَّ التأخيرَ إبراءٌ مُؤقَّتٌ فيُعتبَرُ بالإبراءِ المُؤبَّدِ، بخِلافِ ما إذا كفَل بالمالِ الحالِّ مُؤجَّلًا إلى شَهرٍ، فإنَّه يتأجَّلُ عن الأصيلِ؛ لأنَّه لا حَقَّ له إلا الدَّينُ حالَ وُجودِ الكَفالةِ، فصارَ الأجَلُ داخِلًا فيه، أمَّا ههنا فبخِلافِه (٣).
٤ - إذا قال: أنا كَفيلٌ بفُلانٍ أو بنَفْسِه أو ببَدَنِه أو برُوحِه أو بعُضوٍ مِنْ أعضائِه:
لو قال: «أنا كَفيلٌ بفُلانٍ، أو بنَفْسِه، أو ببَدَنِه، أو برُوحِه، أو بوَجهِه»،
стр. 4804
كان كَفيلًا به (١).
لكنْ هل تَصحُّ الكَفالةُ بعُضوٍ مِنْ أعضاءِ البَدنِ، مِثلَ أنْ يَقولَ: أنا كَفيلٌ بيَدِه أو برِجْلِه أو بثُلثِه أو بنِصفِه … إلخ أو لا؟
اختلَف العُلماءُ في ذلك على أقوالٍ:
القَولُ الأولُ: يَصحُّ، وهو قَولٌ لكُلٍّ مِنَ الشافِعيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣)، قالوا: لأنَّ تَسليمَه تَسليمُ جَميعِه، ولأنَّه لا يُمكِنُ تَسليمُ نِصفِه أو ثُلثِه إلا بتَسليمِ جَميعِ البَدنِ، ولا يُسلِّمُ اليَدَ والرِّجْلَ على هَيئَتِها عندَ الكَفالةِ؛ وذلك لا يُمكِنُ إلا بتَسليمِ جَميعِه.
وقالوا: إنَّه لا يُمكِنُ إحضارُ هذه الأعضاءِ على صِفتِها إلا بإحضارِ البَدنِ كلِّه، فأشبَهَ الكَفالةَ بوَجهِه ورأسِه؛ ولأنَّه حُكمٌ يَتعلَّقُ بالجُملةِ فيَثبُتُ حُكمُه إذا أُضيفَ إلى بَعضٍ، كالطَّلاقِ والعِتاقِ.
وعندَ الحَنفيَّةِ لو قال: «كَفلتُ بنَفْسِ فُلانٍ»، أو بما يُعبِّرُ به مِنْ أعضائِه عن جَميعِ البَدنِ، كرأسِه ووَجهِه ورَقبَتِه وعُنُقِه وجَسدِه وبَدَنِه، بأنْ قال: «تَكفَّلتُ برَأسِه أو بوَجهِه»، إلى آخِرِه، أو تكفَّل بجُزءٍ شائِعٍ منه، بأنْ قال: تَكفَّلتُ بثُلثِه أو برُبعِه، كلُّ ذلك جائِزٌ؛ لأنَّ هذه الأشياءَ يُعبَّرُ بها عن جَميعِ البَدنِ عُرفًا، ولأنَّ النَّفْسَ الواحِدةَ في حَقِّ الكَفالةِ لا تَتجزَّأُ، فذِكرُ بَعضِها
стр. 4805
شائِعًا كذِكرِ كلِّها (١).
القَولُ الثاني: لا يَجوزُ، وهو قَولٌ لكُلٍّ مِنَ الشافِعيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣)، قالوا: لأنَّ إفرادَ العُضوِ بالعَقدِ لا يَصحُّ، ولأنَّ ما لا يَسري إذا خُصَّ به عُضوٌ أو جُزءٌ مَشاعٌ لَم يَصحَّ؛ كالبَيعِ والإجارةِ.
القَولُ الثالِثُ: قالوا: إنْ كان العُضوُ لا يَبقى البَدنُ بدونِه -كالرأسِ والقَلبِ- جازَ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ تَسليمُه إلا بتَسليمِ جَميعِ البَدنِ.
أمَّا إنْ كان العُضوُ يَبقى البَدنُ بدُونِه -كاليَدِ والرِّجْلِ- لَم يَصحَّ؛ لأنَّه قد يُقطَعُ منه ويُبرأُ مع بَقائِه ويَبقى البَدنُ، قالوا: ولا فائِدةَ في تَسليمِه وَحدَه، وهو قَولٌ لِلشافِعيَّةِ (٤) ووَجهٌ لِلحنابِلةِ (٥).
٥ - لو أحضَر الكَفيلُ المَكفولَ به في غَيرِ المَكانِ أو الوَقتِ الذي اشتَرطَه المَكفولُ له، هل يَصحُّ أو لا؟
قال الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: وإنْ أحضَر المَكفولَ به قبلَ المَحَلِّ، أو في غَيرِ المَوضعِ الذي شُرِط فيه التَّسليمُ؛ فإنْ كان عليه في قَبولِه ضَررٌ، أو له
стр. 4806
في رَدِّه غَرضٌ، لَم يَلزمْه قَبولُه، وإنْ لَم يَكُنْ عليه ضَررٌ ولا له في رَدِّه غَرضٌ وجَب قَبولُه؛ فإنْ لم يَتسلَّمْه، أحضَره عندَ الحاكِمِ لِيَتسلَّمَ عنه، ويُبرأَ، كما قُلنا في دَينِ السَّلَمِ.
وإنْ أحضَره وهناك يَدٌ حائِلةٌ لَم يُبرأْ؛ لأنَّ التَّسليمَ المُستحَقَّ هو التَّسليمُ مِنْ غَيرِ حائِلٍ، ولِهذا لو سلَّمَ المَبيعَ مع الحائِلِ لَم يَصحَّ تَسليمُه، وإنْ سلَّمَه وهو في حَبسِ الحاكِمِ صحَّ التَّسليمُ؛ لأنَّ حَبسَ الحاكِمِ ليس بحائِلٍ، ويُمكِنُ إحضارُه، ومُطالَبتُه بما عليه مِنَ الحَقِّ (١).
стр. 4807
آثارُ الكَفالةِ: حَقُّ المَكفولِ له في المُطالَبةِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ (١) والشافِعيَّةُ (٢)، والحَنابِلةُ (٣) إلى أنَّ الكَفالةَ تُعطي المَكفولَ له الحَقَّ في مُطالَبةِ الكَفيلِ بما التَزمَه، وأنَّ له الحَقَّ أيضًا في مُطالَبةِ الأصيلِ: فله مُطالَبةُ أيِّهما شاءَ، أو مُطالَبةُ الاثنَيْن -الكَفيلَ والأصيلَ معًا-، ولكنَّه لا يأخُذُ أكثَرَ مِنْ حَقِّه.
قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: لِلكَفالةِ حُكمانِ، أحَدُهما ثُبوتُ وِلايةِ مُطالَبةِ الكَفيلِ بما على الأصيلِ عندَ عامَّةِ مَشايِخِنا ويَطَّرِدُ هذا الحُكمُ في سائِرِ أنواعِ الكَفالاتِ؛ لأنَّ الكلَّ في احتِمالِ هذا الحُكمِ على السَّواءِ؛ وإنَّما يَختلِفُ مَحلُّ الحُكمِ مِنَ العَينِ والدَّينِ والفِعلِ، فيُطالَبُ الكَفيلُ بالدَّينِ بدَينٍ واجِبٍ على الأصيلِ، لا عليه، فالدَّينُ على واحِدٍ والمُطالَبُ به اثنان.
غَيرَ أنَّ الكَفيلَ إنْ كان واحِدًا يُطالَبُ بكلِّ الدَّينِ، وإنْ كان به كَفيلانِ، والدَّينُ ألْفًا يُطالَبُ كلُّ واحِدٍ منهما بخَمسِمِئةٍ، إذا لَم يَكفُلْ كلُّ واحِدٍ منهما عن صاحِبِه؛ لأنَّهما استَويا في الكَفالةِ والمَكفولُ به يَحتمِلُ الانقِسامَ، فيَنقسِمُ عليهما في حَقِّ المُطالَبةِ، كما في الشِّراءِ، ويُطالَبُ الكَفيلُ بالنَّفْسِ بإحضارِ المَكفولِ بنَفْسِه إنْ لَم يَكُنْ غائِبًا … ؛ فأمَّا بَراءةُ الأصيلِ فليس حُكمَ الكَفالةِ عندَ عامَّةِ العُلماءِ، والطالِبُ بالخيارِ، إنْ شاءَ طالَبَ الأصيلَ، وإنْ
стр. 4808
شاءَ طالَبَ الكَفيلَ، إلا إذا كانتِ الكَفالةُ بشَرطِ بَراءةِ الأصيلِ؛ لأنَّها حَوالةٌ مَعنًى، أو كانتْ مُقيَّدةً بما عليه مِنَ الدَّينِ؛ لأنَّها في مَعنى الحَوالةِ أيضًا (١).
وقال ابنُ الهُمامِ ﵀: والكَفالةُ ضَمُّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ، وذلك يُسوِّغُ مُطالَبتَهما، أو مُطالَبةَ أيِّهما شاءَ، إلا إذا شرَط في الكَفالةِ بَراءةَ الأصيلِ، فحينَئذٍ لا يُطالَبُ الأصيلُ بِناءً على أنَّها حينَئذٍ حَوالةٌ عُقِدت بلَفظِ الكَفالةِ تَجوزُ بها فيها، فتُجرى حينَئذٍ أحكامُ الحَوالةِ، كما أنَّ الحَوالةَ بشَرطِ ألَّا يُبرأَ الأصيلُ، تَنعقِدُ كَفالةً اعتِبارًا لِلمَعنى فيهما (٢).
وقال الإمامُ الحِصنيُّ ﵀: وإذا صَحَّ الضَّمانُ بشُروطِه … فلِلمُستحِقِّ أنْ يُطالِبَ الأصيلَ والضامِنَ، أمَّا الأصيلُ فلأنَّ الدَّينَ باقٍ عليه، ولِهذا قال رَسولُ اللهِ ﷺ : لِأبي قَتادةَ حين وَفَّي دَينَ الميِّتِ: «الآنَ بَرَدت عليه جِلدتُه»، وإنَّا للهِ وإنَّا إليه راجِعونَ مما اكتَسبْناه في ذِمَمِنا، وأمَّا الضامِنُ فلِقَولِ شَفيعِ المُذنِبينَ ﷺ : «الزَّعيمُ غارِمٌ»، ولنا وَجهٌ كمَذهبِ مالِكٍ: أنَّه لا يُطالَبُ الضامِنُ إلا بعدَ عَجزِ المَضمونِ عنه، وله مُطالَبةُ هذا ببَعضِ الدَّينِ، وذاك ببَعضِه الآخَرِ. اه (٣).
وعن الإمامِ مالِكٍ رِوايتانِ:
الأُولى: مِثلَ قَولِ الجُمهورِ.
стр. 4809
والثانية: لا يُطالَبُ الضامِنُ إلا أنْ يَتعذَّرَ الاستيفاءُ مِنَ المَضمونِ عنه، وهو الأصيلُ، وهو وَجهٌ لِلشافِعيَّةِ (١).
جاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى» تَحتَ عُنوانِ: في أخْذِ الحَميلِ بالحَقِّ والمُحتمَلُ به مَليءٌ غائِبٌ أو حاضِرٌ، قُلتُ: أرأيتَ إنْ تَحملتُ برَجلٍ أو بمالٍ على رَجلٍ، أيَكونُ لِلذي له الدَّينُ أنْ يأخُذَني بالحَقِّ الذي تَحمَّلتُ به، وصاحِبي الذي تَحمَّلتُ به مَليءٌ بالذي عليه في قَولِ مالِكٍ؟ قال: قال مالِكٌ: ليس ذلك له، ولكنْ يأخُذُ حَقَّه مِنَ الذي عليه الدَّينُ؛ فإنْ نقَص مِنْ حقِّه شَيءٌ أخَذه مِنْ مالِ الحَميلِ، إلا أنْ يَكونَ الذي عليه الدَّينُ مِديانًا، وصاحِبُ الحَقِّ يَخافُ إنْ قامَ عليه حاصَّه الغُرَماءُ، أو غائِبًا عنه، فله أنْ يأخُذَ الحَميلَ ويَدَعه، وقد كان مالِكٌ يَقولُ قبلَ ذلك: لِلذي له الحَقُّ أنْ يأخُذَ إنْ شاءَ الحَميلَ، وإنْ شاءَ الذي عليه الحَقَّ، ثم رجَع إلى هذا القولِ الذي أخبَرتُك، وهو أحَبُّ ما فيه إلَيَّ.
قال سَحنونٌ، وكذلك رَوى ابنُ وَهبٍ، قُلتُ لِابنِ القاسِمِ: أرأيتَ إنْ كان الذي عليه الحَقُّ مَليئًا غائِبًا، والحَميلُ حاضِرًا، أيَكونُ لِلذي له الدَّينُ أنْ يأخُذَ الحَميلَ، والذي عليه الدَّينُ مَليءٌ، إلا أنَّه غائِبٌ؟ قال: نَعَمْ: كذلك قال لي مالِكٌ، إلا أنْ يَكونَ لِلذي عليه الدَّينُ أموالٌ حاضِرةٌ ظاهِرةٌ، فإنَّها تُباعُ أموالُه في دَينِه، وقال غَيرُه: إلا أنْ يَكونَ في
стр. 4810
تَثبيتِ ذلك وفي النَّظرِ فيه بُعدٌ، فيُؤخَذُ مِنَ الحَميلِ (١).
وجاءَ في «بُلغةِ السالِكِ»: والقَولُ المَرجوعُ عنه هو الذي جَرى به العَملُ بفاسَ، وهو الأنسَبُ بكَونِ الضَّمانِ شَغلُ ذِمَّةٍ أُخرى بالحَقِّ (٢).
لكنَّ جُمهورَ المالِكيَّةِ أخَذوا بالرأيِ الذي رجَع إليه الإمامُ مالِكٌ: وهو أنَّ المَكفولَ له لا يُطالِبُ الكَفيلَ إذا تَيسَّرَ الأخذُ مِنْ مالِ المَكفولِ عنه إلا إذا اشتَرطَ.
ويُعبِّرُ الشَّيخُ الدَّرديرُ عن قَولِ جُمهورِ المالِكيَّةِ بقَولِه: ولا يُطالَبُ الضامِنُ أي: ليس لِرَبِّ الدَّينِ مُطالَبتُه به إنْ تَيسَّرَ الأخذُ لِرَبِّ الدَّينِ مِنْ مالِ المَدينِ، بأنْ كان مُوسِرًا غَيرَ مُلِدٍّ (٣) ولا ظالِمٍ، وهذا هو الذي رجَع إليه مالِكٌ بعدَ قَولِه: رَبُّ الدَّينِ مُخيَّرٌ في طَلبِ أيِّهما شاءَ، ولو كان المَدينُ غائبًا، حيث كان الدَّينُ ثابِتًا، ومالُ المَدينِ حاضِرًا يُمكِنُ الأخذُ منه بلا مَشقَّةٍ، إلا أنْ يَشترِطَ رَبُّ الدَّينِ عندَ الضَّمانِ أخْذَ أيِّهما شاءَ، أو يَشترِطَ تَقديمَه في الأخْذِ عن المَدينِ، أو ضمِن الضامِنُ المَدينَ، في الحالاتِ السِّتِّ: الحياةِ والمَوتِ والحُضورِ والغَيبةِ، واليُسرِ والعُسرِ، فلَه مُطالَبتُه، ولو تَيسَّر الأخذُ مِنْ مالِ الغَريمِ (٤).
стр. 4811
بعدَ هذا الكَلامِ يَتبيَّنُ لنا أنَّه لا يَجوزُ لِصاحِبِ الدَّينِ أنْ يُطالِبَ الضامِنَ إلا في أربَعةِ أحوالٍ عندَ المالِكيَّةِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ المَضمونُ الأصليُّ مُفلِسًا.
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ المَضمونُ الأصليُّ مُوسِرًا، ولكنَّه مُماطِلٌ مَعروفٌ باللَّدَدِ في الخُصومةِ والشِّدَّةِ فيها.
الحالةُ الثالِثةُ: أنْ يَكونَ المَدينُ الأصليُّ غائِبًا، وليس له مالٌ يُمكِنُ سَدادُ الدَّينِ منه، أمَّا إذا كان له مالٌ يَستطيعُ صاحِبُ الدَّينِ أنْ يأخُذَ منه بدونِ صُعوبةٍ ولا مَشقَّةٍ، فليس له في هذه الحالةِ مُطالَبةُ الضامِنِ.
الحالةُ الرابِعةُ: أنْ يَشترِطَ صاحِبُ الدَّينِ أنْ يأخُذَ دَينَه مِنْ أيِّهما شاءَ؛ فإنَّ له في هذه الحالةِ أنْ يُطالِبَ، ومِثلُ ذلك أنْ يَشترِطَ مُطالَبةَ الضامِنِ في حالةٍ مُعيَّنةٍ، كعُسرِ المَضمونِ، أو مَوتِه، أو نَحوِ ذلك (١).
قالوا: إنَّها وَثيقةٌ، فلا يُستَوفى الحَقُّ منها إلا عندَ تَعذُّرِ استيفائِه مِنَ الأصلِ كالرَّهنِ.
وناقَش ابنُ قُدامةَ هذا القَولَ فقال: إنَّه لا يُشبِهُ الرَّهنَ؛ لأنَّه مالُ مَنْ عليه الحَقُّ، وليس بذي ذِمَّةٍ يُطالَبُ، وإنَّما يُطالَبُ مَنْ عليه الدَّينُ، لِيَقضيَ منه أو مِنْ غَيرِه (٢).
стр. 4812
واستدلَّ الجُمهورُ بما قاله ابنُ قُدامةَ ﵀: بأنَّ الحَقَّ ثابِتٌ في ذِمَّةِ الضامِنِ، فمَلَك مُطالَبتَه كالأصيلِ (١).
وممَّا يدُلُّ على أنه ثابِتٌ في ذِمَّةِ الضامِنِ ما يَلي:
١ - أنَّه إذا وهَب صاحِبُ الحَقِّ الدَّينَ لِلكَفيلِ صحَّتِ الهِبةُ، وكان لِلكفيلِ حَقُّ الرُّجوعِ على الأصيلِ بما مَلَكه بالهِبةِ، ولو لَم تَكُنْ ذِمَّتُه مَشغولةً بأصلِ الدَّينِ لَما صحَّت هِبةُ الدَّينِ له؛ لِعَدمِ جَوازِ هِبةِ الدَّينِ لِمَنْ ليس عليه.
٢ - إذا اشتَرى صاحِبُ الدَّينِ مِنَ الكَفيلِ سِلعةً بدَينِه، صحَّ عَقدُ البَيعِ، ولو لَم تَكُنْ ذِمَّةُ الكَفيلِ مَشغولةً بالدَّينِ لَما صحَّ البَيعُ؛ لأنَّ الشِّراءَ بالدَّينِ لا يَصحُّ إلا ممَّن عليه الدَّينُ.
٣ - لو مات الكَفيلُ أُخِذَ مِنْ تَرِكتِه بمِقدارِ سَدادِ الدَّينِ لِلطالِبِ، ولو لَم تَكُنْ ذِمَّتُه مَشغولةً بأصلِ الدَّينِ لَسَقطَت عنه المُطالَبةُ بمَوتِه.
٤ - ولأنَّ الحَقَّ ثابِتٌ في ذِمَّتِهما، فمَلَك مُطالَبةَ مَنْ شاءَ منهما كالضامِنَيْنِ إذا تَعذَّرَ مُطالَبةُ المَضمونِ عنه (٢).
وقال الإمامُ ابنُ رُشدٍ المالِكيُّ ﵀: ومِنَ الحُجَّةِ لِمَنْ رأى الطالِبَ يَجوزُ له مُطالَبةُ الضامِنِ كان المَضمونُ عنه غائِبًا أو حاضِرًا، غَنيًّا أو عَديمًا:
стр. 4813
حَديثُ قَبيصةَ بنِ المُخارِقِ قال: تَحمَّلتُ حَمالةً فأتَيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فسألتُه عنها، فقال: «نُخرِجُها عنك مِنْ إبِلِ الصَّدقةِ يا قَبيصةُ، إنَّ المَسألةَ لا تَحِلُّ إِلَّا فِي ثَلاثٍ … وذكَر رَجلًا تَحمَّل حَمالةَ رَجُلٍ حتَّى يُؤدِّيَها» (١).
ووَجهُ الدَّليلِ مِنْ هذا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أباحَ المَسألةَ لِلمُتحَمِّلِ دونَ اعتِبارِ حالِ المُتحمَّلِ عنه (٢).
لو أبرأَ صاحِبُ الدَّينِ المَضمونَ عنه فهل يُبرأُ الضامِنُ؟
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ أبرأَ صاحِبُ الدَّينِ المَضمونَ عنه بَرِئتْ ذِمَّةُ الضامِنِ، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا.
وإنْ أبرأَ المَضمونُ له الضامِنَ لَم تُبرأْ ذِمَّةُ المَضمونِ عنه؛ لأنَّه أصلٌ، فلا يُبرأُ بإبراءِ التَّبعِ (٣).
وقال: وإذا قالَ المَكفولُ له لِلكَفيلِ: أُبرِئُك مِنَ الكَفالةِ، بَرئَ؛ لأنَّه حَقُّه، فسقَط بإسقاطِه كالدَّينِ (٤).
стр. 4814
أثَرُ العَلاقةِ بينَ الكَفيلِ والمَكفولِ عنه:
رُجوعُ الكَفيلِ على المَكفولِ عنه:
ابتِداءً: إذا قَضى الكَفيلُ الدَّينَ مُتبرِّعًا به لا يَنوي الرُّجوعَ به على المَكفولِ عنه، بَرئَ المَدينُ، وأصبَحَ غَيرَ مُلتزِمٍ بالدَّينِ؛ لأنَّه مُتطوِّعٌ بذلك، فأشبَهَ الصَّدقةَ، ويَستَوي هنا الكَفالةُ والأداءُ بأمرٍ بإذنِ المَكفولِ عنه وبغَيرِ أمْرِه وإذنِه (١).
أمَّا إذا أدَّاه بنيَّةِ الرُّجوعِ به على المَضمونِ عنه لَم يَخلُ مِنْ أربَعِ حالاتٍ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَضمنَ بأمرِ المَضمونِ عنه ويُؤدِّيَ بأمرِه، فإنَّه يَرجِعُ على المَدينِ، سَواءٌ شَرطَ الرُّجوعَ أو لا، وسَواءٌ قال له: «اضمَنْ عنِّي» أو «أدِّ عنِّي»، أو أطلَقَ.
وهذا هو مَذهبُ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣) وقَولُ أبي يُوسُفَ مِنَ الحَنفيَّةِ (٤)، وقال أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ (٥): يُشترَطُ أنْ يَشتمِلَ كَلامُه على لَفظةِ «عَنِّي».
قال ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ ﵀: فإنْ قال: «اضمَنْ عنِّي» أو «اكفُلْ عنِّي»، رجَع عليه، وإنْ قال: «اضمَنِ الألْفَ التي لِفُلانٍ علَيَّ»، لَم يَرجعْ
стр. 4815
عليه عندَ الأداءِ؛ لأنَّ الكائِنَ مُجرَّدُ الأمرِ بالضَّمانِ والإعطاءِ، فجازَ أنْ يَكونَ القَصدُ لِيَرجعَ، وأنْ يَكونَ القَصدُ لِطَلبِ تَبرُّعِه بذلك، فلَم يَلزمْه المالُ، إلا إذا كان خَليطًا (١) أو شَريكًا.
ثم قال: والحاصِلُ أنَّ الأمرَ في الكَفالةِ تَضمَّن طَلبَ القَرضِ إذا ذكَر لَفظةَ «عَنِّي» (٢).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولَنا أنَّه ضمِن ودفَع بأمرِه، فأشبَهَ ما إذا كان مُخالِطًا له، أو قال: اضمَنْ عنِّي، وما ذكَراه ليس بصَحيحٍ؛ لأنَّه إذا أمرَه بالضَّمانِ لا يَكونُ إلا لِما هو عليه، وأمرُه بالنَّقدِ بعدَ ذلك يَنصرِفُ إلى ما ضمِنه، بدَليلِ المُخالِطِ له، فيَجِبُ عليه أداءُ ما أدَّى عنه، كما لو صرَّح به (٣).
وجاء في «مَجمَعِ الضَّماناتِ» لِلبَغداديِّ: أمَرَه أنْ يُؤدِّيَ زَكاةَ مالِه عن نَفْسِه، أو قال: «هَبْ لِفُلانٍ شَيئًا»، أو قال: «عَوِّضِ الواهِبَ لي عن هِبتِه مِنْ مالِكَ»، أو: «أنفِقْ على عيالي»، أو: «مَنْ في فِناءِ داري مِنْ مالِك»، ولا خَلطَ بينَهما، ولا شرَط الرُّجوعَ، قال الإمامُ السَّرخَسيُّ: يَرجعُ المأمورُ في ذلك كلِّه على الآمِرِ.
وقال الإمامُ خواهر زاده ﵀: لا يَرجعُ بغَيرِ شَرطٍ.
وفي الجِباياتِ والمُؤنِ الماليَّةِ: إذا أمرَ غَيرَه بأدائِها، قال الإمام البَزدَويُّ:
стр. 4816
يَرجعُ المأمورُ على الآمرِ بغَيرِ شَرطٍ، وكذا في كلِّ ما كان مُطالَبًا به مِنْ جِهةِ العِبادِ حِسًّا.
والرَّجلُ إذا أخذَه السُّلطانُ لِيُصادِرَه، فقال لِرَجلٍ: «خلِّصْني»، أو كانَ أسيرًا في يدِ الكافِرِ، إذا قال لِغَيرِه ذلك فدفَع المأمورُ مالًا، وخلَّصه منه، اختلَفوا فيه، فقال بَعضُهم: لا يَرجعُ المأمورُ في المَسألتَيْن إلا بشَرطِ الرُّجوعِ.
وقال بَعضُهم في الأسيرِ: يَرجعُ بلا شَرطٍ، لا في المُصادرةِ.
والإمامُ السَّرخَسيُّ على أنَّه يَرجعُ فيهما بلا شَرطِ الرُّجوعِ، كما في المَدينِ إذا أمرَ آخَرَ أنْ يَقضيَ دَينَه عنه. اه (١).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَضمنَ بأمرِه، ويَقضيَ بغَيرِ أمرِه، فلَه الرُّجوعُ أيضًا، وهو قَولُ مالِكٍ وأحمدَ والشافِعيِّ في أحدِ الوُجوهِ عنه (٢).
قال النَّوَويُّ ﵀: فالأصحُّ المَنصوصُ أنَّه يَرجعُ.
والثاني: لا يَرجعُ؛ لأنَّه دفَع بغَيرِ أمرِه، أشبَهَ ما لو تَبرَّعَ به.
والثالِثُ: إنْ أدَّى مِنْ غَيرِ مُطالَبتِه أو بمُطالَبتِه، ولكنْ أمكَنَه استِئذانُ الأصلِ، لَم يَرجعْ، وإلَّا فليَرجِعْ (٣).
قال الإمامُ الشيرازيُّ ﵀: وإنْ ضمِن بإذنِه وقَضى بغَيرِ إذنِه فالمَنصوصُ أنَّه يَرجعُ عليه … ؛ لأنَّه اشتغَلَت ذِمَّتُه بالدَّينِ بإذنِه؛ فإذا استَوفى
стр. 4817
منه رجَع، كما لو أعاره مالًا فرهَنه في دَينِه وبِيعَ في الدَّين … ثم قال: إنْ أمكَنه أنْ يَستأذِنَه لَم يَرجعْ؛ لأنَّه قَضاه باختيارِه.
مثالُه: إنْ كان المَضمونُ عنه حاضِرًا مُوسِرًا يُمكِنُه أنْ يُطالِبَه بتَخليصِه مِنَ الضَّمانِ فقَضى، لَم يَرجعْ؛ لأنَّه مُتطوِّعٌ بالأداءِ.
وإنْ لَم يُمكِنْه رجَع؛ لأنَّه قَضاه بغَيرِ اختيارِه، مِثالُه: إنْ كان الضامِنُ مُضطرًّا إلى القَضاءِ، مِثلَ: إنْ طالَبَه المَضمونُ له والمَضمونُ عنه غائبٌ أو حاضِرٌ مُعسِرٌ، فقَضى المَضمونَ له، رجَع الضامِنُ؛ لأنَّه مُضطرٌّ إلى القَضاءِ (١).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولنا: أنَّه إذا أذِنَ في الضَّمانِ تَضمَّنَ ذلك إذنَه في الأداءِ؛ لأنَّ الضَّمانَ يُوجِبُ عليه الأداءَ، فرجَع عليه كما لو أذِن في الأداءِ صَريحًا (٢).
الحالةُ الثالِثةُ: أنْ يَضمنَ بغَيرِ أمرِه، ويَقضيَ بأمرِه، فقال مالِكٌ وأحمدُ ووَجهٌ لِلشافِعيِّ: يَرجعُ عليه (٣).
والوَجهُ الصَّحيحُ عندَ الشافِعيِّ: أنَّه لا يَرجعُ عليه.
قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: فلا رُجوعَ على الأصحِّ، فلو أذِن في الأداءِ بشَرطِ الرُّجوعِ، ففيه احتِمالانِ لِلإمامِ:
стр. 4818
أحَدُهما: يَرجعُ كما لو أذِن في الأداءِ بهذا الشَّرطِ مِنْ غَيرِ ضَمانٍ.
والآخَرُ: لا يَرجعُ؛ لأنَّ الأداءَ مُستحَقٌّ بالضَّمانِ، والمُستحَقُّ بلا عِوَضٍ لا يَجوزُ مُقابَلتُه بعِوضٍ، كسائِرِ الحُقوقِ الواجِبةِ، قُلتُ: الاحتِمالُ الأولُ أصحُّ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولنا: أنَّه أدَّى دَينَه بأمرِه، فرجَع عليه، كما لو لَم يَكُنْ ضامِنًا، أو كما لو ضمِن بأمرِه، وقَولُهم: إنْ إذِنه في القَضاءِ انصرَف إلى ما وجَب بضَمانِه.
قُلنا: الواجِبُ بضَمانِه إنَّما هو أداءُ دَينِه، وليس هو شَيئًا آخَرَ، فمَتى أدَّاه عنه بإذنِه لَزِمه إعطاؤُه بَدَلَه (٢).
الحالةُ الرابِعةُ: إذا ضمِن بغَيرِ أمرِه وقَضى دَينَه بغَيرِ أمرِه، ففيها قَولانِ لأهلِ العِلمِ:
القَولُ الأولُ: أنَّه لا يَرجعُ بشَيءٍ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ ورِوايةٌ عن أحمدَ (٣)؛ لِحَديثِ ضَمانِ علِيٍّ وأبي قَتادةَ، فإنَّهما ضمِنا عنهما بغَيرِ إذنِهما، وقَضيا عنهما بغَيرِ إذنِهما، فلو كانا يَستحِقانِ الرُّجوعَ على الميِّتِ صارَ الدَّينُ لَهما، فكانت ذِمَّةُ الميِّتِ مَشغولةً بدَينِهما كاشتِغالِها
стр. 4819
بدَينِ المَضمونِ عنه، ولَم يُصَلِّ عليه النَّبيُّ ﷺ ، ولأنَّه تَبرُّعٌ بذلك، أشبَهَ ما لو علَف دوابَّه وأطعَمَ عَبيدَه بغَيرِ أمرِه (١).
القَولُ الآخَرُ: أنَّه يَرجعُ، وهو قَولُ مالِكٍ والرِّوايةُ الأُخرى عن الإمامِ أحمدَ (٢).
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لأنَّه قَضاءٌ مُبرِئٌ مِنْ دَينٍ واجِبٍ، فكان مِنْ ضَمانِ مَنْ هو عليه، كالحاكِمِ إذا قَضى عنه عندَ امتِناعِه، فأمَّا علِيٌّ وأبو قَتادةَ فإنَّهما تَبرَّعا بالقَضاءِ والضَّمانِ، فإنَّهما قَضيا دَينَه قَصدًا لِتَبرئةِ ذِمَّتِه، لِيُصلِّيَ عليه النَّبيُّ ﷺ مع عِلمِهما بأنَّه لَم يَترُكْ وَفاءً، والمُتبرِّعُ لا يَرجعُ بشَيءٍ، وإنَّما الخِلافُ في المُحتسَبِ بالرُّجوعِ (٣).
متى يَرجعُ الكَفيلُ؟
إنْ كان الدَّينُ حالًّا فلِلكَفيلِ أنْ يَرجعَ بعدَ الأداءِ؛ فإذا طالَبه المَكفولُ له فله أنْ يُطالِبَ المَدينَ بالأداءِ، ولكنْ ليس له حَقُّ الرُّجوعِ إلا إذا أدَّى هو الدَّينَ، أمَّا إذا كان الدَّينُ مُؤجَّلًا فليس لِلكَفيلِ حَقُّ الرُّجوعِ إلَّا بعدَ حُلولِ الأجَلِ والأداءِ؛ فإذا أدَّى قبلَ الأجَلِ فلا يَرجعُ إلا بعدَ الحُلولِ.
وإذا حلَّ الدَّينُ المُؤجَّلُ على الضامِنِ بمَوتِه، أخْذًا بقَولِ مَنْ رأى أنَّ الأجَلَ يَسقطُ بمَوتِ مَنْ له الأجَلُ، فاستَوفى الغَريمُ الدَّينَ مِنْ تَرِكتِه، فليس لِوَرثتِه مُطالبةُ المَضمونِ عنه حتى يَحِلَّ الأجَلُ عليه.
стр. 4820
وإذا حلَّ الدَّينُ على المَضمونِ عنه بمَوتِه فليس لِلضامِنِ أنْ يَرجعَ على الوَرثةِ إلا بعدَ الأداءِ (١).
وجاءَ في «الدُّرِّ المُختارِ» لِلحَصكَفيِّ: وإذا حلَّ الدَّينُ المُؤجَّلُ على الكَفيلِ بمَوتِه لا يَحِلُّ على الأصيلِ، فلو أداه وارِثُه لَم يَرجعْ، لو الكَفالةُ بأمرِه، إلا إلى أجَلِه، خِلافًا لِزُفَرَ، كما لا يَحِلُّ المُؤجَّلُ على الكَفيلِ اتِّفاقًا، إذا حلَّ على الأصيلِ به، أي: بمَوتِه.
وعَقَّب الإمامُ ابنُ عابدينَ ﵀ على هذا الكَلامِ قائلًا: إذا حلَّ الدَّينُ المُؤجَّلُ … إلخ، أفاد أنَّ الدَّينَ يَحِلُّ بمَوتِ الكَفيلِ، كما صرَّح به في «الغَرَرِ»، و «شَرحِ الوَهبانيةِ» عن المَبسوطِ، وعلَّله في «المِنح عن الولوالجيةِ» بأنَّ الأجَلَ يَسقطُ بمَوتِ مَنْ له الأجَلُ.
وقَولُه: لا يَحِلُّ على الأصيلِ، وكذا إذا عجَّل الكَفيلُ الدَّينَ حالَ حَياتِه، لا يَرجعُ على المَطلوبِ، إلا عندَ حُلولِ الأجلِ عندَ عُلَمائِنا الثلاثةِ (٢).
وجاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: قال سَحنونٌ: قُلتُ لابنِ القاسِمِ: أرأيتَ إنْ تَكفَّلتُ لِرَجلٍ بما له على رَجلٍ إلى أجَلٍ، فمات الكَفيلُ، أو مات المَكفولُ عنه، قال: قال لي مالِكٌ: إذا مات الكَفيلُ قبلَ مَحِلِّ الأجَلِ، كان لِرَبِّ الحَقِّ أنْ يأخُذَ حَقَّه مِنْ مالِ الكَفيلِ، ولا يَكونُ لِوَرثةِ الكَفيلِ أنْ يأخُذوا مِنَ الذي عليه الحَقُّ شَيئًا حتى يَحِلَّ أجَلُ المالِ، قال مالِكٌ: وإنْ
стр. 4821
ماتَ الذي عليه الحَقُّ قبلَ الأجَلِ كان لِلطالِبِ أنْ يأخُذَ حَقَّه مِنْ مالِه؛ فإنْ لَم يَكُنْ له مالٌ، لَم يَكُنْ له أنْ يأخُذَ بالحَقِّ حتى يَحِلَّ الأجَلُ (١).
وقال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإذا تَحمَّل أو تَكفَّل الرَّجلُ عن الرَّجلِ بالدَّينِ، فمات المُحتمِلُ قبلَ أنْ يَحِلَّ الدَّينُ فلِلمُحتمِلِ عنه أنْ يأخُذَه بما حمَل له به؛ فإذا قبَض مالَه بَرئَ الذي عليه الدَّينُ، والحَميلُ، ولَم يَكُنْ لِوَرثةِ الحَميلِ أنْ يَرجِعوا على المَحمولِ عنه بما دفَعوا عنه حتى يَحِلَّ الدَّينُ.
هكذا لو مات الذي عليه الحَقُّ كان لِلذي له الحَقُّ أنْ يأخُذَه مِنْ مالِه؛ فإنْ عجَز عنه لَم يَكُنْ له أخْذُه حتى يَحِلَّ الدَّينُ (٢).
وجاء في «مَجلَّةِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ» -وهي على المَذهبِ الحَنبليِّ- المادةِ ١١١٨: أنَّ الدَّينَ المُؤجَّلَ لا يَحِلُّ بمَوتِ الضامِنِ أو المَضمونِ عنه.
لا يَحِلُّ الدَّينُ المُؤجَّلُ بمَوتِ الضامِنِ ولا بمَوتِ المَضمونِ عنه، لكنْ إذا ماتا جَميعًا فإنَّه يَحِلُّ، إلا إذا وَثَّقه الوَرثةُ برَهنٍ يُحرَزُ، أو كَفيلٍ مَليءٍ، بأقَلِّ الأمرَيْن مِنَ المالِ والتَّرِكةِ (٣).
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لأنَّ الدَّينَ لا يَحِلُّ على شَخصٍ بمَوتِ غَيرِه.
стр. 4822
ثم قال: ولَنا أنَّه دَينٌ مُؤجَّلٌ، فلا تَجوزُ مُطالبتُه به قبلَ الأجَلِ، كما لو لَم يَمُتْ (١).
بمَ يَرجعُ الكَفيلُ؟
بعدَ أنْ تَكلَّمنا عن رُجوعِ الكَفيلِ على المَكفولِ عنه، يَبقى الكَلامُ على الذي يَرجعُ به الكَفيلُ:
إذا أدَّى الكَفيلُ الدَّينَ أو جُزءًا منه رجَع بما أدَّى، وإذا أدَّى أكثَرَ منه لَم يَرجعْ إلا بقَدْرِ التِزامِ المَكفولِ عنه فَقطْ، والزِّيادةُ تُعتبَرُ تَبرُّعًا منه لِلمَكفولِ له؛ لأنَّها لَم تَكُنْ واجِبةً على المَكفولِ عنه.
وإذا أعطى الكَفيلُ المَكفولَ له صِنفًا آخَرَ مِنَ المالِ غَيرَ الدَّينِ؛ فإنْ كانتْ قيمَتُه أكثَرَ مِنَ الدَّينِ لَم يَرجعْ إلا بالدَّينِ، وإنْ كانتْ أقلَّ رجَع بالأقَلِّ، خِلافًا لِلإمامِ الكاسانيِّ، إلا أنْ يَكونَ المَكفولُ له تَبرَّع له بالزِّيادةِ، وإذا صالَح المَكفولُ له الكَفيلَ على جُزءٍ مِنَ الدَّينِ رجَع الكَفيلُ بالجُزءِ الذي أداه، وطالَب الدائنُ المَدينَ ببَقيَّةِ الدَّينِ، فإنْ كان المَكفولُ له تَنازَل لِلكَفيلِ عن البَقيَّةِ أو عن الدَّينِ كلِّه، ووَهَبه إيَّاه، أصبَح الدَّينُ لِلكَفيلِ، يَطلبُه مِنَ المَكفولِ عنه، ويَسقطُ حَقُّ المَكفولِ له، ومِثلُ الهِبةِ الصَّدقةُ (٢).
جاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: قُلتُ: أرأيتَ إنْ تَكفَّلتُ بألْفِ دينارٍ هاشِميَّةٍ، ورَضيَ صاحِبُ الحَقِّ بألْفِ دينارٍ دِمشقيَّةٍ، فقضَيتُه ذلك، بمَ أرجعُ
стр. 4823
على صاحِبي الذي لي عليه الأصلُ؟ قال: تَرجعُ عليه بألْفِ دينارٍ دِمشقيَّةٍ؛ لأنَّك كذلك أدَّيتَ (١).
وقال الإمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: لو كان الدَّينُ جِيادًا فأدَّى زُيوفًا رجَع بالزُّيوفِ، ولو كان زُيوفًا فأدَّى جِيادًا رجَع بالزُّيوفِ أيضًا.
ثم قال: وإذا وهَب الطالِبُ الدَّينَ لِلكَفيلِ أو تَصدَّق به عليه فإنَّه يَملِكُه ويُطالِبُ به المَكفولَ بعَينِه (٢).
وخالَف كَلامَ ابنِ الهُمامِ هذا الإمامُ الكاسانيُّ ﵀ حيث قال: إنَّ الكَفيلَ يَرجعُ بما كفَل، لا بما أداه، حتى لو كفَل عن رَجلٍ بدَراهِمَ صِحاحٍ جِيادٍ، فأعطاه مُكسَّرةً أو زُيوفًا، وتَجوَّز به المُطالبةَ، يَرجعُ عليه بالصِّحاحِ الجِيادِ؛ لأنَّه بالأداءِ ملَك ما في ذِمَّةِ الأصيلِ، فيَرجعُ بالمُؤدَّى، وهو الصِّحاحُ الجِيادُ (٣).
وجاء ما يُوافقُ كَلامَ الكاسانيِّ في «مَجمَعِ الضَّماناتِ» لِلبَغداديِّ، حيث قال: قال في «الوَجيزِ»: لو أدَّى الكَفيلُ الزُّيوفَ وقد كفَل بالجِيادِ، أو الدَّنانيرَ مَكانَ الدَّراهِمِ، أو صالَح على مَكيلٍ أو مَوزونٍ، رجَع بما كفَل. انتهى (٤).
وقال أيضًا: «إذا كفَل عن رَجلٍ بدارهِمَ صِحاحٍ جِيادٍ، فأعطاه مُكسَّرةً أو
стр. 4824
زُيوفًا تَجوَّز بها، رجَع على الأصيلِ بمِثلِ ما ضمِن، لا بمِثلِ ما أدَّى. وليس هذا كالمأمورِ بأداءِ الدَّينِ» (١).
وقال الإمامُ الكَرابيسيُّ ﵀: وإذا وهَب الطالِبُ المالَ لِلكَفيلِ فقَبِلَه، رجَع به الكَفيلُ على الذي عليه الأصلُ، وكذلك المُحتالُ عليه، ولو أبرأه لَم يَرجعْ به عليه.
والفَرقُ أنَّ الهِبةَ عَقدُ تَمليكٍ، بدَليلِ أنَّه لو صادَف عَينًا لِمِلكٍ أفادَ المِلكَ، فقد مَلَّكَه ما في ذِمَّتِه بالهِبةِ، فصارَ كما لو ملَكَه بالأداءِ، ولو ملَكَه بالأداءِ لَرجَع على صاحِبِ الأصلِ، كذلك هذا.
وليس كذلك الإبراءُ؛ لأنَّه ليس بتَمليكٍ، وإنَّما هو إسقاطٌ لِلحَقِّ، بدَليلِ أنَّه لو صادَف عَينًا لا يُفيدُ المِلكَ، فصارَ فَسخًا لِلكَفالةِ وإسقاطًا لَها، فكأنَّها لَم تَكُنْ، ولو لَم تَكُنْ لَم يَرجِعْ عليه بشَيءٍ، كذلك هذا (٢).
وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: فَرعٌ في كَيفيَّةِ الرُّجوعِ: فإنْ كان ما دفَعه رَبُّ الدَّينِ مِنْ جِنسِ الدَّينِ وعلى صِفتِه رجَع به … وإذا صالَح على غَيرِ الجِنسِ … يُنظَرُ؛ فإنْ كانت قيمةُ المُصالَحِ عليه أكثَرَ مِنْ قَدْرِ الدَّينِ لَم يَرجعْ بالزِّيادةِ، وإنْ لَم تَكُنْ أكثَرَ، كمَن صالَح عن ألْفٍ بعَبدٍ يُساوي تِسعَمِئةٍ، فوَجهانِ، وقيلَ: قَولانِ: أصَحُّهما: يَرجِعُ بالتِّسعِمِئةِ، والثاني: يَرجعُ بالألْفِ؛ فإنْ باعَه العَبدُ بألْفٍ، ثم تَقاصَّ، رجَع بالألْفِ بلا خِلافٍ، أمَّا إذا
стр. 4825
اختلَفتِ الصِّفةُ؛ فإنْ كان المُؤدَّى خَيرًا، بأنْ أدَّى الصِّحاحَ عن المُكسَّرةِ، لَم يَرجعْ بالصِّحاحِ، وإنْ كان بالعَكسِ، ففيه الخِلافُ المَذكورُ في خِلافِ الجِنسِ (١).
وقال الإمامُ الخِرَقيُّ ﵀: ويَرجعُ الضامِنُ على المَضمونِ عنه بأقَلِّ الأمرَيْن ممَّا قَضى أو قَدَّر الدَّينَ (٢).
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لأنَّه إنْ كان الأقَلُّ الدَّينَ، فالزائِدُ لَم يَكُنْ واجِبًا، فهو مُتبرِّعٌ بأدائِه، وإنْ كان المَقضيُّ أقَلَّ، فإنَّما يَرجعُ بما غُرِّمَ، ولِهذا لو أبرأه غَريمُه لَم يَرجعْ بشَيءٍ، وإنْ دفَع عن الدَّينِ عَرضًا رجَع بأقَلِّ الأمرَيْن مِنْ قيمَتِه، أو قَدْرِ الدَّينِ (٣).
هل تُبرأُ ذِمَّةُ الميِّتِ مِنَ الدَّينِ المَضمونِ عنه بالضَّمانِ نَفْسِه أو لا؟
اختلَف العُلماءُ في ذلك على قولَيْن:
القَولُ الأولُ: لا يَنتقِلُ الحَقُّ عن ذِمَّةِ الميِّتِ إلا بأداءٍ كالحَيِّ، لا بمُجرَّدِ الضَّمانِ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ في رِوايةٍ.
استدلَّ جُمهورُ أهلِ العِلمِ على ذلك بما يلي:
١ - بقَولِ النَّبيِّ ﷺ في حَديثِ جابِرٍ في قِصةِ تَحمُّلِ أبي قَتادةَ الدَّينَ عن الميِّتِ، وفيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قابلَ أبا قَتادةَ وقال له: «ما
стр. 4826
فعَل الدِّينارانِ؟»، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّما دفَنَّاه أمسِ، ثم أتاه بعدَ ذلك، فقال له: «ما فعَل الدِّينارانِ؟»، قال: قَضيتُهما يا رَسولَ اللهِ، فقال ﷺ : «الآنَ بَردَتْ عليه جِلدُه» (١).
قال الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: ففي هذا الحَديثِ دَليلٌ على أنَّ الكَفالةَ به لم تُبرئِ الذي هو عليه منه بوُجوبِه على الكَفيلِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبَرَ في هذا الحَديثِ: أنَّ جِلدَ الميِّتِ إنَّما يَبرُدُ بأداءِ كَفيلِه الدَّينَ الذي كفَل به عنه، لا بكَفالةِ رَبِّه عنه (٢).
وقد عَنونَ لِهذا الحَديثِ المَجدُ ابنُ تَيميَّةَ في المُنتَقى بقَولِه: بابُ أنَّ المَضمونَ عنه إنَّما يُبرأُ بأداءِ الضامِنِ، لا بمُجرَّدِ ضَمانِه.
قال الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀ في شَرحِه لِهذا الحَديثِ: فيه دَليلٌ على أنَّ خُلوصَ الميِّتِ مِنْ وَرطةِ الدَّينِ، وبَراءةَ ذِمَّتِه على الحَقيقةِ، ورَفعَ العَذابِ عنه، إنَّما يَكونُ بالقَضاءِ عنه، لا بمُجرَّدِ التَّحمُّلِ بالدَّينِ بلَفظِ الضَّمانةِ (٣).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: بعدَما استدلَّ بهذَيْن الحَديثَيْن: ولأنَّها وَثيقةٌ فلا تَنقُلُ الحَقَّ كالشَّهادةِ، وأمَّا صَلاةُ النَّبيِّ ﷺ عن المَضمونِ عنه، فلأنَّه بالضَّمانِ صارَ له وَفاءٌ، وإنَّما كان النَّبيُّ ﷺ يَمتنِعُ مِنَ الصَّلاةِ على مَدِينٍ لَم يُخلِّفْ وَفاءً.
وأمَّا قَولُه ﷺ لِعليٍّ: «فكَّ اللهُ رِهانَك كما فَكَكتَ رِهانَ أخيكَ»؛ فإنَّه كان بحالٍ لا يُصلِّي عليه النَّبيُّ ﷺ ، فلَمَّا ضمِنه فَكَّه مِنْ ذلك أو مما في مَعناه.
وقَولُه: «بَرئَ الميِّتُ منهما»، أي صِرتَ أنتَ المُطالَبُ بهما، وهذا على سَبيلِ التأكيدِ، لِثُبوتِ الحَقِّ في ذِمَّتِه، ووُجوبِ الأداءِ عليه، بدَليلِ قَولِه في سياقِ الحَديثِ حينَ أخبَرَه بالقَضاءِ: «الآنَ بَرَدتْ عليه جِلدَتُه»، ويُفارِقُ الضَّمانُ الحَوالةَ؛ فإنَّ الضَّمانَ مُشتقٌّ مِنَ الضَّمِّ فيَقتَضي الضَّمَّ بينَ الذِّمَّتَيْن مِنْ تَعلُّقِ الحَقِّ بهما، وثُبوتِه فيهما، والحَوالةُ مِنَ التَّحوُّلِ، فتَقتَضي تَحوُّلَ الحَقِّ من مَحِلِّه إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه (١).
أمَّا قَولُه ﷺ : «نَفْسُ المُؤمِنِ مُعلَّقةٌ بدَينِه حتى يُقضَى عنه»؛
стр. 4829
فإنْ قيلَ: ما الحِكمةُ في حَبسِ رُوحِه، إذْ لَم يُخلِّفْ وَفاءً مع أنَّه في حُكمِ المُعسِرِ، والمُعسِرُ لا يُحبَسُ في الدُّنيا، ولا يُلازَمُ؛ لِأنَّا نَقولُ: أمرُ الآخِرةِ يُغايِرُ أمرَ الدُّنيا؛ فإنَّ حَبْسَ المُعسِرِ في الدُّنيا لا فائِدةَ فيه؛ لأنَّه لا يُتوقَّعُ منه وَفاءٌ مادامَ مَحبوسًا، ويُظنُّ منه الوَفاءُ إذا لَم يُحبسْ؛ لأنَّه قد يَكتسِبُ ما يَستعينُ به على وَفاءِ الدَّينِ، وأمَّا الآخِرةُ فالحَبسُ فيها مُجازاةٌ له على بَقاءِ الحَقِّ في ذِمَّتِه حِفظًا لِحَقِّ صاحِبِ الدَّينِ، ويُستوفى منه بأخْذِ الحَسناتِ ورَدِّ السَّيئاتِ، فأشبَهَ مَنْ له مالٌ في الدُّنيا فيُنتظَرُ بحَبسِه حُضورُ مالِه، وعليه فهو مَعقولُ المَعنى (١).
وقيلَ: إنَّما يُحبَسُ المِديانُ عن الجَنةِ بعَدمِ الوَفاءِ إذا مات قادِرًا على وَفائِه، وأمَّا لو مات عاجِزًا عن وَفائِه؛ فإنْ تَدايَن لِسَرفٍ أو غَيرِه مما لا يَجوزُ فإنَّه يُحبسُ عن الجَنةِ لِعَدمِ وُجوبِ قَضائِه على السُّلطانِ (٢).
القَولُ الآخَرُ: أنَّه يَنتقِلُ الحَقُّ عنه بمُجرَّدِ الضَّمانِ، وهو القَولُ الآخَرُ لِلإمامِ أحمدَ (٣)؛ لِحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: كُنا مع النَّبيِّ ﷺ في جَنازةٍ، فلَمَّا وُضِعت قال: «هل على صاحِبِكم مِنْ دَينٍ؟»، قالوا: نَعَمْ، دِرهمانِ، فقال: «صَلُّوا على صاحِبِكم»، فقال علِيٌّ: هُما علَيَّ يا رَسولَ اللهِ، وأنا لَهما ضامِنٌ، فقامَ رَسولُ اللهِ ﷺ فصلَّى عليه، ثم
стр. 4830
أقبَل على علِيٍّ فقال: «جَزاكَ اللهُ خَيرًا عن الإسلامِ وفَكَّ رِهانَك كما فَكَكتَ رِهانَ أخيكَ» فقيلَ: يا رَسولَ اللهِ، هذا لِعلِيٍّ خاصَّةً أم لِلناسِ عامَّةً؟ فقال: «لِلناسِ عامَّةً» (١).
قالوا: فدلَّ على أنَّ المَضمونَ عنه بَرئَ بالضَّمانِ (٢).
وبما رَواه الإمامُ أحمدَ في «المُسندِ» عن جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ ﵄ قال: تُوفِّي صاحِبٌ لنا فأتَيْنا النَّبيَّ ﷺ لِيُصلِّيَ عليه، فخَطا خُطوةً ثم قال: «أعليه دَينٌ؟»، قُلنا: دينارانِ، فانصَرفَ، فتَحمَّلهما أبو قَتادةَ، فقال: الدِّينارانِ علَيَّ. فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : «وجَب حَقُّ الغَريمِ وبَرئَ الميِّتُ منهما؟»، قال: نَعَمْ، فصلَّى عليه، ثم قال بعدَ ذلك: «ما فعَل الدِّينارانِ؟»، قال: إنَّما مات أمسِ، قال: فعادَ إليه مِنَ الغَدِ فقال: «ما فعَل الدِّينارانِ؟»، قال: يا رَسولَ اللهِ قد قَضيتُهما، فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : «الآنَ بَرَدتْ عليه جِلدُه» (٣).
وهذا صَريحٌ في بَراءةِ المَضمونِ عنه لِقَولِه ﷺ : «وبَرئَ الميِّتُ منهما»، ولأنَّه دَينٌ واحِدٌ؛ فإذا صارَ في ذِمَّةٍ ثانيةٍ، بَرِئت الأُولى منه كالمُحالِ به؛ وذلك لأنَّ الدَّينَ الواحِدَ لا يَحِلُّ في مَحلَّيْن (٤).
والحِكمةُ في امتِناعِه ﷺ مِنَ الصَّلاةِ عليه شَغلُ ذِمَّتِه ببَقاءِ
стр. 4831
الحَقِّ، فلو لَم يَحمِلْ أبو قَتادةَ عنه البَراءةَ لَم تَظهرِ الحِكمةُ في امتِناعِه مِنَ الصَّلاةِ عليه؛ لأنَّ الحَقَّ باقٍ في ذِمَّتِه قبلَ التَّحمُّلِ … وفي الحَديثِ تَصريحٌ ببَراءةِ ذِمَّةِ الميِّتِ (١).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: أمَّا الحَيُّ فلا يُبرأُ بالضَّمانِ رِوايةً واحِدةً، وأمَّا الميِّتُ ففي بَراءَتِه بمُجرَّدِ الضَّمانِ رِوايَتانِ.
إحداهما: يُبرأُ بمُجرَّدِ الضَّمانِ، نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ يُوسُفَ بنِ موسى، كما ذَكرنا مِنَ الخَبرَيْن؛ ولأنَّ فائدةَ الضَّمانِ في حَقِّه تَبرئةُ ذِمَّتِه، فيَنبَغي أنْ تَحصُلَ هذه الفائِدةُ، بخِلافِ الحَيِّ؛ فإنَّ المَقصودَ في حَقِّه الاستيثاقُ بالحَقِّ، وثُبوتُه في الذِّمَّتَيْن آكَدُ في الاستيثاقِ بالحَقِّ (٢).
وقال الإمامُ الخَطَّابيُّ ﵀: فيه -أي في حَديثِ أبي قَتادةَ-: أنَّ ضَمانَ الدَّينِ عن الميِّتِ يُبرِئُه إذا كان مَعلومًا، سَواءٌ خلَّف الميِّتُ وَفاءً أو لَم يُخلِّفْ، وذلك أنَّه إنَّما امتنَع مِنَ الصَّلاةِ؛ لِارتِهانِ ذِمَّتِه بالدَّينِ، فلو لَم يُبرأْ بضَمانِ أبي قَتادةَ لَمَا صلَّى عليه، والعِلَّةُ المانِعةُ قائِمةٌ (٣).
انقِضاءُ الكَفالةِ: أو مَتى تَنقَضي الكَفالةُ؟ أو بمَ تَنقَضي الكَفالةُ؟
مِنْ خِلالِ دِراسَتِنا لِعقدِ الكَفالةِ وآثارِ العَقدِ الصَّحيحِ يَتبيَّنُ لنا أنَّ الكَفالةَ تَنقَضي بانقِضاءِ التِزامِ الأصيلِ أو الكَفيلِ، ويَنقَضي هذا الالتِزامُ بأحَدِ أُمورٍ:
стр. 4832
أولًا: الأداءُ، أو ما في مَعنى الأداءِ:
قد يَكونُ المَكفولُ به دَينًا، أو عَينًا، والمَقصودُ مِنَ الكَفالةِ بالمالِ هو ضَمانُ تَسليمِ المالِ أو العَينِ أو مِثلِها أو قيمَتِها عندَ الهَلاكِ لِلمَضمونِ له حينَ الطَّلبِ أو انتِهاءِ أجَلِ الدَّينِ.
ومِنَ المُتَّفقِ عليه عندَ الأئِمةِ الأربَعةِ وعامَّةِ الفُقهاءِ أنَّ تَسليمَ المالِ وأداءَه سَواءٌ كان المالُ دَينًا أو عَينًا أمرٌ يَقتَضي انتِهاءَ الكَفالةِ بالمالِ، وبَراءةَ ذِمَّةِ الضامِنِ مِنَ المُطالبةِ، وبَراءةَ ذِمَّةِ الأصيلِ مِنْ أصلِ الدَّينِ، سَواءٌ أكان هذا التَّسليمُ مِنْ جِهةِ الأصيلِ أم مِنْ جِهةِ الكَفيلِ، فالنَّتيجةُ واحِدةُ لأنَّ الدَّينَ واحِدٌ؛ فإذا استَوفى مَرَّةً زالَ تَعلُّقُه بالجَميعِ (١).
وفي مَعنى الأداءِ الهِبةُ والصَّدَقةُ:
الهِبةُ لُغةً: العَطاءُ بلا عِوَضٍ (٢).
وشَرعًا: تَمليكُ العَينِ بلا عِوَضٍ (٣).
فإذا وهَب الدائِنُ الدَّينَ لِلمَدينِ، فبالهِبةِ يَملِكُ الأصيلُ ما في ذِمَّتِه، وبَراءةُ الأصيلِ تُوجِبُ بَراءةَ الكَفيلِ، وأمَّا إذا وهَب الدائنُ الدَّينَ لِلكَفيلِ فيُعتبَرُ بَريئًا مِنَ المُطالَبةِ، ولا يُبرأُ الأصيلُ بذلك، ويَملِكُ الكَفيلُ ما في ذِمَّةِ الأصيلِ مِنَ
стр. 4833
الدَّينِ، ويَحِقُّ له الرُّجوعُ على الأصيلِ بعدَ البَراءةِ؛ لأنَّ الهِبةَ في مَعنى الأداءِ (١).
قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: لو أدَّى الضامِنُ مِنَ الدَّينِ، ثم وهَبه رَبُّ الدَّينِ له، ففي رُجوعِه على الأصيلِ وَجهانِ، بِناءً على القَولَيْن فيما لو وهَبتِ الصَّداقَ لِلزَّوجِ ثم طلَّقها قبلَ الدُّخولِ، قُلتُ: الأصحُّ الرُّجوعُ، واللهُ أعلَمُ (٢).
وأضاف الحَنفيَّةُ ما لو تَصدَّق الدائِنُ على الكَفيلِ أو الأصيلِ، فهو في حُكمِ الهِبةِ؛ لأنَّ الهِبةَ والصَّدقةَ كِلتاهما تَمليكٌ (٣).
ثانيًا: المُقاصَّةُ:
المُقاصَّةُ طَريقٌ آخَرُ لِبَراءةِ الكَفيلِ بالمالِ، سَواءٌ أكانت بينَ الأصيلِ والدائِنِ، أو بينَ الدائِنِ والكَفيلِ في أموالِهما.
والمُقاصَّةُ لُغةً: مِنَ المُقاصَصةِ، فكلُّ واحِدٍ يُقاصِصُ صاحِبَه غَريمَه أي: يَستوفي حَقَّه منه (٤).
وقاصَّه مُقاصَّةً: كان له دَينٌ مِثلُ ما على صاحِبِه، فجعَل الدَّينَ في مُقابَلةِ الدَّينِ، وتَقاصَّ القَومُ: قاصَّ كلُّ واحِدٍ منهم صاحِبَه في حِسابٍ أو غَيرِه (٥).
وفي اصطِلاحِ الفُقهاءِ: لَم يَتعدَّ الفُقهاءُ المَعنى اللُّغويَّ في تَعريفِ
стр. 4834
المُقاصَّةِ، فقد عرَّفها الحَنفيَّةُ بقَولِهم: هي إسقاطُ دَينٍ مَطلوبٍ لِشَخصٍ مِنْ غَريمِه في مُقابَلةِ دَينٍ مَطلوبٍ مِنْ ذلك الشَّخصِ لِغَريمِه (١).
وعرَّفها المالِكيَّةُ بقَولِهم: هي إسقاطُ ما لكَ مِنْ دَينٍ على غَريمِك في نَظيرِ ما له عليك بشُروطِه (٢).
وعرَّفها ابنُ عَرَفةَ أيضًا: بأنَّها مُتارَكةُ مَطلوبٍ بمُماثِلِ صِنفِ ما عليه لِما له على طالِبِه (٣).
وقيلَ: هي: اقتِطاعُ دَينٍ مِنْ دَينٍ (٤).
ولِلمُقاصَّةِ نَوعانِ:
النَّوعُ الأولُ: جَبريةٌ، وتَحصُلُ بالعَقدِ نَفْسِه، وذلك عندَ اتِّحادِ الدَّينَيْن جِنسًا ووَصفًا وحُلولًا وقُوةً وضَعفًا.
النَّوعُ الآخَرُ: اختياريةٌ، وتَحصُلُ بتَراضي المُتداينَيْن، ولا يُشترَطُ فيهما ما يُشترَطُ بالجَبريةِ.
فإذا ثبَت أنَّ لِلأصيلِ أو لِلكَفيلِ دَينًا مُماثِلًا لِدَينِ الطالِبِ على الأصيلِ سقَط الدَّينانِ قِصاصًا، وبَرئَ الكَفيلُ مِنَ الكَفالةِ؛ فإنْ كان الدَّينُ لِلكَفيلِ رجَع به على الأصيلِ، كما لو أدَّاه عنه (٥).
стр. 4835
ثالِثًا: الإبراءُ: أو ما في مَعنى الإبراءِ:
الإبراءُ: إسقاطُ الشَّخصِ حَقًّا له في ذِمَّةِ آخَرَ أو قِبَلَه.
فإذا أبرَأ المَكفولُ له الكَفيلَ مِنْ كَفالَتِه انقَضتِ الكَفالةُ، وإنْ لَم يُبرأِ الأصيلُ؛ لأنَّ الإبراءَ هنا إبراءٌ عن المُطالَبةِ -لا عن الدَّينِ- وليس مِنْ ضَرورةِ إسقاطِ حَقِّ المُطالَبةِ عن الكَفيلِ سُقوطُ أصلِ الدَّينِ عن الأصيلِ، على حين إذا أُبرئَ الأصيلُ سقَط حقُّ المُطالبةِ عن الكَفيلِ (١).
رابِعًا: الصُّلْحُ:
الصُّلحُ لُغةً: قَطعُ المُنازَعةِ.
وشَرعًا: مُعاقَدةٌ يُتوصَّلُ بها إلى إصلاحٍ بينَ مُتخاصِمَيْن (٢).
وقد تُبرأُ ذِمَّةُ الكَفيلِ بالصُّلحِ، سَواءٌ كان الصُّلحُ بأداءِ بَعضِ الحَقِّ وإسقاطِ بَعضِه الآخَرَ، أو بمُعاوَضةٍ.
قال الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ ﵀: وكذلك الكَفيلُ يَخرُجُ عن الكَفالةِ بالصُّلحِ كما يَخرُجُ بالحَوالةِ، بأنْ يُصالِحَ الكَفيلُ الطالِبَ على بَعضِ المُدَّعَى؛ لأنَّ الصُّلحَ على جِنسِ المُدَّعَى إسقاط بَعضِ الحَقِّ (٣)، فكان فيه