الحَقِّ، فلو لَم يَحمِلْ أبو قَتادةَ عنه البَراءةَ لَم تَظهرِ الحِكمةُ في امتِناعِه مِنَ الصَّلاةِ عليه؛ لأنَّ الحَقَّ باقٍ في ذِمَّتِه قبلَ التَّحمُّلِ … وفي الحَديثِ تَصريحٌ ببَراءةِ ذِمَّةِ الميِّتِ (١).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: أمَّا الحَيُّ فلا يُبرأُ بالضَّمانِ رِوايةً واحِدةً، وأمَّا الميِّتُ ففي بَراءَتِه بمُجرَّدِ الضَّمانِ رِوايَتانِ.
إحداهما: يُبرأُ بمُجرَّدِ الضَّمانِ، نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ يُوسُفَ بنِ موسى، كما ذَكرنا مِنَ الخَبرَيْن؛ ولأنَّ فائدةَ الضَّمانِ في حَقِّه تَبرئةُ ذِمَّتِه، فيَنبَغي أنْ تَحصُلَ هذه الفائِدةُ، بخِلافِ الحَيِّ؛ فإنَّ المَقصودَ في حَقِّه الاستيثاقُ بالحَقِّ، وثُبوتُه في الذِّمَّتَيْن آكَدُ في الاستيثاقِ بالحَقِّ (٢).
وقال الإمامُ الخَطَّابيُّ ﵀: فيه -أي في حَديثِ أبي قَتادةَ-: أنَّ ضَمانَ الدَّينِ عن الميِّتِ يُبرِئُه إذا كان مَعلومًا، سَواءٌ خلَّف الميِّتُ وَفاءً أو لَم يُخلِّفْ، وذلك أنَّه إنَّما امتنَع مِنَ الصَّلاةِ؛ لِارتِهانِ ذِمَّتِه بالدَّينِ، فلو لَم يُبرأْ بضَمانِ أبي قَتادةَ لَمَا صلَّى عليه، والعِلَّةُ المانِعةُ قائِمةٌ (٣).
انقِضاءُ الكَفالةِ: أو مَتى تَنقَضي الكَفالةُ؟ أو بمَ تَنقَضي الكَفالةُ؟
مِنْ خِلالِ دِراسَتِنا لِعقدِ الكَفالةِ وآثارِ العَقدِ الصَّحيحِ يَتبيَّنُ لنا أنَّ الكَفالةَ تَنقَضي بانقِضاءِ التِزامِ الأصيلِ أو الكَفيلِ، ويَنقَضي هذا الالتِزامُ بأحَدِ أُمورٍ:
стр. 4832
أولًا: الأداءُ، أو ما في مَعنى الأداءِ:
قد يَكونُ المَكفولُ به دَينًا، أو عَينًا، والمَقصودُ مِنَ الكَفالةِ بالمالِ هو ضَمانُ تَسليمِ المالِ أو العَينِ أو مِثلِها أو قيمَتِها عندَ الهَلاكِ لِلمَضمونِ له حينَ الطَّلبِ أو انتِهاءِ أجَلِ الدَّينِ.
ومِنَ المُتَّفقِ عليه عندَ الأئِمةِ الأربَعةِ وعامَّةِ الفُقهاءِ أنَّ تَسليمَ المالِ وأداءَه سَواءٌ كان المالُ دَينًا أو عَينًا أمرٌ يَقتَضي انتِهاءَ الكَفالةِ بالمالِ، وبَراءةَ ذِمَّةِ الضامِنِ مِنَ المُطالبةِ، وبَراءةَ ذِمَّةِ الأصيلِ مِنْ أصلِ الدَّينِ، سَواءٌ أكان هذا التَّسليمُ مِنْ جِهةِ الأصيلِ أم مِنْ جِهةِ الكَفيلِ، فالنَّتيجةُ واحِدةُ لأنَّ الدَّينَ واحِدٌ؛ فإذا استَوفى مَرَّةً زالَ تَعلُّقُه بالجَميعِ (١).
وفي مَعنى الأداءِ الهِبةُ والصَّدَقةُ:
الهِبةُ لُغةً: العَطاءُ بلا عِوَضٍ (٢).
وشَرعًا: تَمليكُ العَينِ بلا عِوَضٍ (٣).
فإذا وهَب الدائِنُ الدَّينَ لِلمَدينِ، فبالهِبةِ يَملِكُ الأصيلُ ما في ذِمَّتِه، وبَراءةُ الأصيلِ تُوجِبُ بَراءةَ الكَفيلِ، وأمَّا إذا وهَب الدائنُ الدَّينَ لِلكَفيلِ فيُعتبَرُ بَريئًا مِنَ المُطالَبةِ، ولا يُبرأُ الأصيلُ بذلك، ويَملِكُ الكَفيلُ ما في ذِمَّةِ الأصيلِ مِنَ
стр. 4833
الدَّينِ، ويَحِقُّ له الرُّجوعُ على الأصيلِ بعدَ البَراءةِ؛ لأنَّ الهِبةَ في مَعنى الأداءِ (١).
قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: لو أدَّى الضامِنُ مِنَ الدَّينِ، ثم وهَبه رَبُّ الدَّينِ له، ففي رُجوعِه على الأصيلِ وَجهانِ، بِناءً على القَولَيْن فيما لو وهَبتِ الصَّداقَ لِلزَّوجِ ثم طلَّقها قبلَ الدُّخولِ، قُلتُ: الأصحُّ الرُّجوعُ، واللهُ أعلَمُ (٢).
وأضاف الحَنفيَّةُ ما لو تَصدَّق الدائِنُ على الكَفيلِ أو الأصيلِ، فهو في حُكمِ الهِبةِ؛ لأنَّ الهِبةَ والصَّدقةَ كِلتاهما تَمليكٌ (٣).
ثانيًا: المُقاصَّةُ:
المُقاصَّةُ طَريقٌ آخَرُ لِبَراءةِ الكَفيلِ بالمالِ، سَواءٌ أكانت بينَ الأصيلِ والدائِنِ، أو بينَ الدائِنِ والكَفيلِ في أموالِهما.
والمُقاصَّةُ لُغةً: مِنَ المُقاصَصةِ، فكلُّ واحِدٍ يُقاصِصُ صاحِبَه غَريمَه أي: يَستوفي حَقَّه منه (٤).
وقاصَّه مُقاصَّةً: كان له دَينٌ مِثلُ ما على صاحِبِه، فجعَل الدَّينَ في مُقابَلةِ الدَّينِ، وتَقاصَّ القَومُ: قاصَّ كلُّ واحِدٍ منهم صاحِبَه في حِسابٍ أو غَيرِه (٥).
وفي اصطِلاحِ الفُقهاءِ: لَم يَتعدَّ الفُقهاءُ المَعنى اللُّغويَّ في تَعريفِ
стр. 4834
المُقاصَّةِ، فقد عرَّفها الحَنفيَّةُ بقَولِهم: هي إسقاطُ دَينٍ مَطلوبٍ لِشَخصٍ مِنْ غَريمِه في مُقابَلةِ دَينٍ مَطلوبٍ مِنْ ذلك الشَّخصِ لِغَريمِه (١).
وعرَّفها المالِكيَّةُ بقَولِهم: هي إسقاطُ ما لكَ مِنْ دَينٍ على غَريمِك في نَظيرِ ما له عليك بشُروطِه (٢).
وعرَّفها ابنُ عَرَفةَ أيضًا: بأنَّها مُتارَكةُ مَطلوبٍ بمُماثِلِ صِنفِ ما عليه لِما له على طالِبِه (٣).
وقيلَ: هي: اقتِطاعُ دَينٍ مِنْ دَينٍ (٤).
ولِلمُقاصَّةِ نَوعانِ:
النَّوعُ الأولُ: جَبريةٌ، وتَحصُلُ بالعَقدِ نَفْسِه، وذلك عندَ اتِّحادِ الدَّينَيْن جِنسًا ووَصفًا وحُلولًا وقُوةً وضَعفًا.
النَّوعُ الآخَرُ: اختياريةٌ، وتَحصُلُ بتَراضي المُتداينَيْن، ولا يُشترَطُ فيهما ما يُشترَطُ بالجَبريةِ.
فإذا ثبَت أنَّ لِلأصيلِ أو لِلكَفيلِ دَينًا مُماثِلًا لِدَينِ الطالِبِ على الأصيلِ سقَط الدَّينانِ قِصاصًا، وبَرئَ الكَفيلُ مِنَ الكَفالةِ؛ فإنْ كان الدَّينُ لِلكَفيلِ رجَع به على الأصيلِ، كما لو أدَّاه عنه (٥).
стр. 4835
ثالِثًا: الإبراءُ: أو ما في مَعنى الإبراءِ:
الإبراءُ: إسقاطُ الشَّخصِ حَقًّا له في ذِمَّةِ آخَرَ أو قِبَلَه.
فإذا أبرَأ المَكفولُ له الكَفيلَ مِنْ كَفالَتِه انقَضتِ الكَفالةُ، وإنْ لَم يُبرأِ الأصيلُ؛ لأنَّ الإبراءَ هنا إبراءٌ عن المُطالَبةِ -لا عن الدَّينِ- وليس مِنْ ضَرورةِ إسقاطِ حَقِّ المُطالَبةِ عن الكَفيلِ سُقوطُ أصلِ الدَّينِ عن الأصيلِ، على حين إذا أُبرئَ الأصيلُ سقَط حقُّ المُطالبةِ عن الكَفيلِ (١).
رابِعًا: الصُّلْحُ:
الصُّلحُ لُغةً: قَطعُ المُنازَعةِ.
وشَرعًا: مُعاقَدةٌ يُتوصَّلُ بها إلى إصلاحٍ بينَ مُتخاصِمَيْن (٢).
وقد تُبرأُ ذِمَّةُ الكَفيلِ بالصُّلحِ، سَواءٌ كان الصُّلحُ بأداءِ بَعضِ الحَقِّ وإسقاطِ بَعضِه الآخَرَ، أو بمُعاوَضةٍ.
قال الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ ﵀: وكذلك الكَفيلُ يَخرُجُ عن الكَفالةِ بالصُّلحِ كما يَخرُجُ بالحَوالةِ، بأنْ يُصالِحَ الكَفيلُ الطالِبَ على بَعضِ المُدَّعَى؛ لأنَّ الصُّلحَ على جِنسِ المُدَّعَى إسقاط بَعضِ الحَقِّ (٣)، فكان فيه
стр. 4836
مَعنى الإبراءِ، وكان على خِلافِ الجِنسِ مُعاوَضةً (١)، فكان في مَعنى الإبراءِ، وكلُّ ذلك يَخرجُ عن الكَفالةِ، غَيرَ أنَّ في حالَيْنِ يُبرأُ الكَفيلُ والأصيلُ جَميعًا، وفي حالٍ يُبرأُ الكَفيلُ دونَ الأصيلِ.
أمَّا الحالَتانِ اللَّتانِ بَرئَ فيهما الكَفيلُ والأصيلُ جَميعًا:
فإحداهما: أنْ يَقولَ الكَفيلُ لِلطالِبِ: صالَحتُك مِنَ الألْفِ على خَمسِمِئةٍ، على أنِّي والمَكفولَ منه بَريئانِ مِنَ الخَمسِمِئةِ الباقيةِ، ويَكونُ الطالِبُ في الخَمسِمِئةِ التي وقَع عليها الصُّلحُ بالخيارِ، إنْ شاءَ أخَذها مِنَ الكَفيلِ، ثم الكَفيلُ يَرجعُ بها على الأصيلِ، وإنْ شاءَ أخَذها مِنَ الأصيلِ.
والأُخرى: أنْ يَقولَ: صالَحتُك على خَمسِمِئةٍ مُطلَقًا عن شَرطِ البَراءةِ أصلًا.
أمَّا الحالةُ التي يُبرأُ الكَفيلُ فيها دونَ الأصيلِ فهي: أنْ يَقولَ الكَفيلُ لِلطالِبِ: صالَحتُك على أنِّي بَريءٌ مِنَ الخَمسِمِئةِ، وقد بَيَّنَّا الفَرقَ مِنْ قَبلُ.
والطالِبُ بالخيارِ، إنْ شاءَ أخَذ جَميعَ دَينِه مِنَ الأصيلِ، وإنْ شاءَ أخَذ مِنَ الكَفيلِ خَمسَمِئةٍ ومِنَ الأصيلِ خَمسَمِئةٍ، ثم يَرجعُ الكَفيلُ على الأصيلِ بما أدَّى، إنْ كان الصُّلحُ بأمرِه (٢).
стр. 4837
خامسًا: الحَوالةُ:
الحَوالةُ هي: نَقلُ الدَّينِ والمُطالبةِ من ذِمَّةِ المُحيلِ إلى ذِمَّةِ المُحَالِ عليه (١).
فإنْ أحالَ الأصيلُ أو الكَفيلُ الطالِبَ على آخَرَ لاستيفاءِ حَقِّه منه بَرِئا جَميعًا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ (٢).
قال الكاسانيُّ الحَنفيُّ ﵀: ولو أحال الكَفيلُ الطالِبَ بمالِ الكَفالةِ على رَجلٍ وقَبِله الطالِبُ، فالمُحيلُ يَخرجُ عن الكَفالةِ عندَ أصحابِنا الثلاثةِ.
وكذا إذا أحالَه المَطلوبُ بمالِ الكَفالةِ على رَجلٍ وقَبِله؛ لأنَّ الحَوالةَ مُبرِئةٌ عن الدَّينِ والمُطالَبةِ جَميعًا عندَ عامَّةِ مَشايخِنا (٣).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ أحال أحَدُهما الغَريمَ بَرِئا جَميعًا؛ لأنَّ الحَوالةَ كالقَضاءِ (٤).
سادسًا: المَوتُ: وهو خاصٌّ بكَفالةِ النَّفْسِ:
اختلَف العُلماءُ في المَكفولِ به إذا مات هل تَسقطُ الكَفالةُ عن الكَفيلِ أم يَجبُ عليه أنْ يُغرَّمَ ما علَى المَكفولِ به، وقد ذكَر هذا الخِلافَ وبَيَّنه ابنُ قُدامةَ ﵀.
стр. 4838
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا مات المَكفولُ به سقَطت الكَفالةُ، ولَم يَلزمِ الكَفيلَ شَيءٌ، وبهذا قال شُريحٌ، والشَّعبيُّ، وحَمَّادُ بنُ أبي سُليمانَ، وأبو حَنيفةَ، والشافِعيُّ.
وقال الحَكمُ ومالِكٌ واللَّيثُ: يَجبُ على الكَفيلِ غُرمُ ما عليه، وحُكيَ ذلك عن ابنِ شُرَيحٍ؛ لأنَّ الكَفيلَ وَثيقةٌ بحَقٍّ؛ فإذا تَعذَّرت مِنْ جِهةِ ما عليه الدَّينُ استَوفَى مِنَ الوَثيقةِ كالرَّهنِ، ولأنَّه تَعذَّر إحضارُه فلَزِم كَفيلَه ما عليه، كما لو غاب.
ثم قال ابنُ قُدامةَ ﵀:
ولنا: أنَّ الحُضورَ سقَط عن المَكفولِ به فبَرئَ الكَفيلُ، كما لو بَرئَ مِنَ الدَّينِ، ولأنَّ ما التَزمَه مِنْ أجَلِه سقَط عن الأصلِ، فبَرئَ الفَرعُ، كالضامِنِ إذا قَضى المَضمونُ عنه الدَّينَ، أو أُبرئَ منه، وفارَق ما إذا غاب؛ فإنَّ الحُضورَ لَم يُسقِطْ عنه، ويُفارِقُ الرَّهنَ فإنَّه عُلِّق به المالُ فاستُوفِيَ منه (١).
وقال صاحِبُ «الهِدايةِ» ﵀: وإذا مات المَكفولُ به بَرئَ الكَفيلُ مِنَ الكَفالةِ بالنَّفْسِ.
وشرَح هذا التَّعريفَ صاحِبُ العِنايةِ بقَولِه: بَقاءُ الكَفالةِ بالنَّفْسِ ببَقاءِ الكَفيلِ والمَكفولِ به، ومَوتِهما أو مَوتِ أحَدِهما مُسقِطٌ لها.
أمَّا إذا مات المَكفولُ به؛ فلأنَّ الكَفيلَ عجَز عن إحضارِه، ولأنَّه سقَط الحُضورُ عن الأصيلِ، فيَسقطُ الإحضارُ عن الكَفيلِ.
стр. 4839
وأمَّا إذا مات الكَفيلُ؛ فلأنَّه عجَز عن تَسليمِ المَكفولِ بنَفْسِه لا مَحالةَ.
فإنْ قيلَ: فليُؤدِّ الدَّينَ مِنْ مالِه، أُجيبَ بأنَّ مالَه لا يَصلُحُ لِإيفاء هذا الواجِبِ، وهو إحضارُ المَكفولِ به، وتَسليمُه إلى المَكفولِ له، لا أصالةً، وهو ظاهِرٌ؛ لأنَّه لَم يَلتزمِ المالَ، ولا نيابةَ، لأنَّه لا يَنوبُ عن النَّفْسِ، بخِلافِ الكَفيلِ بالمالِ؛ فإنَّ الكَفالةَ لا تَبطُلُ بمَوتِه؛ لأنَّ مالَه يَصلحُ نائِبًا، إذِ المَقصودُ إيفاءُ حَقِّ المَكفولِ له بالمالِ، ومالُ الكَفيلِ صالِحٌ لذلك، فيُؤخَذُ مِنْ تَرِكتِه، ثم يَرجعُ وَرَثتُه بذلك على المَكفولِ عنه، إذا كانت الكَفالةُ بأمرِه كما في حالةِ الحياةِ.
وإذا مات المَكفولُ له فلِلوصيِّ أنْ يُطالِبَ الكَفيلَ إنْ كان له وَصيٌّ، وإنْ لَم يَكُنْ فلِوارِثِه أنْ يَفعلَ ذلك؛ لِقيامِ كُلٍّ منهما مَقامَ الميِّتِ (١). اه.
الكَفالةُ بجُعلٍ:
مِنَ المَعلومِ في الفِقهِ الإسلاميِّ أنَّ الكَفالةَ عَقدُ تَبرُّعٍ، فلا يَجوزُ تَقاضي الأُجرةِ عليها، كالقَرضِ، وعليه؛ فإنَّ جُمهورَ أهلِ العِلمِ على عَدمِ الجَوازِ لِأخذِ العِوَضِ على الضَّمانِ (٢).
قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ
стр. 4840
الحَمالةَ الكَفالةُ بجُعلٍ يأخُذُه الحَميلُ، لا تَحِلُّ ولا تَجوزُ، واختلَفوا في ثُبوتِ الضَّمانِ على الشَّرطِ؛ فكان الثَّوريُّ يَقولُ: إذا قال الرَّجلُ لِلرَّجلِ: «اكفُلْ عنِّي ولكَ ألْفُ دِرهَمٍ»؛ فإنَّ الكَفالةَ جائِزةٌ، وتُردُّ إليه الألْفُ دِرهَمٍ … ، وقال أحمدُ في مَسألةِ الكَفالةِ: ما أرى هذا يأخُذُ شَيئًا بحَقٍّ، وقال إسحاقُ: ما أعطاه مِنْ شَيءٍ فهو حَسَنٌ (١)، ومُرادُ إسحاقَ ما أعطى عن طِيبِ نَفْسٍ دونَ شَرطٍ.
قال في «فَتحِ القَديرِ»: «وفي الخُلاصةِ: كفَل بمالٍ على أنْ يَجعلَ له الطالِبُ جُعلًا؛ فإنْ لَم يَكُنْ مَشروطًا في الكَفالةِ فالشَّرطُ باطِلٌ، وإنْ كان مَشروطًا فيها فالكَفالةُ باطِلةٌ» (٢).
قال في «البَزَّازيةِ» مُوضِّحًا السَّببَ في مَنعِ الأُجرةِ على الكَفالةِ: «كفَل بمالٍ على أنْ يَجعلَ له الطالِبُ جُعلًا؛ فإنْ لَم يَكُنْ مَشروطًا في الكَفالةِ فالشَّرطُ باطِلٌ، أي: الجُعلُ باطِلٌ والكَفالةُ جائِزةٌ؛ لأنَّ الكَفيلَ مُقرِضٌ في حَقِّ المَطلوبِ؛ فإذا شرَط الجُعلَ مع ضَمانِ المِثلِ فيها شَرطَ الزِّيادةِ على ما أقرَضه وأنَّه رِبًا، وإنْ شرَطها فيها بَطلَت الكَفالةُ، وكان يَنبَغي أنْ تَصحَّ الكَفالةُ لِعَدمِ بُطلانِها بالشَّرطِ، ألَا تَرى أنَّ الكَفالةَ إلى هُبوبِ الرِّيحِ تَصحُّ ويَبطُلُ الشَّرطُ».
قُلنا: إنَّما لا تَصحُّ؛ لأنَّه علَّقها بشَرطٍ لِلكَفيلِ فيه مَنفَعةٌ؛ لأنَّه مما يُنتفَعُ
стр. 4841
بالجُعلِ، فلا بُدَّ مِنْ مُراعاةِ الشَّرطِ لِثُبوتِ الكَفالةِ، ولَمَّا لَم يَثبُتِ الشَّرطُ لَم يَستحِقَّ الجُعلَ، فلا تَثبُتُ الكَفالةُ، وكان بُطلانُها مِنْ هذا الوَجهِ، لا مِنْ حيث إنَّه شَرطٌ فاسِدٌ، بخِلافِ الهُبوبِ؛ لأنَّه شَرطٌ لا يَنتفِعُ به الكَفيلُ، وإذا خلا عن النَّفعِ لَم تَجبْ مُراعاتُه، كما لو شرَط في البَيعِ ما لا يَنتفِعُ به أحَدُهما، وإذا لَم يَثبُتْ كانت الكَفالةُ مُرسَلةً (١).
قال في «الشَّرحِ الصَّغيرِ»: وبطَل الضَّمانُ إذا فسَد مُتحمَّلٌ به … أو فسَدتِ الحَمالةُ نَفْسُها شَرعًا … كجُعلٍ لِلضامنِ مِنْ رَبِّ الدَّينِ، أو مِنَ المَدينِ أو مِنْ أجنَبيٍّ، وعِلَّةُ المَنعِ أنَّ الغَريمَ إنْ أدَّى الدَّينَ لِرَبِّه كان الجُعلُ باطِلًا، فهو مِنْ أكلِ أموالِ الناسِ بالباطِلِ، وإنْ أداه الحَميلُ لِرَبِّه ثم رجَع به على الغَريمِ، كان مِنَ السَّلفِ بزِيادةٍ، فتَفسُدُ الحَمالةُ، ويُردُّ الجُعلُ لِرَبِّه، ثم إنْ كان الجُعلُ مِنْ رَبِّ الدَّينِ لِلحَميلِ، سقَطتِ الحَمالةُ، والبَيعُ صَحيحٌ؛ لأنَّ المُشتَري لا غَرضَ له فيما فعَل البائِعُ مع الحَميلِ، كما لو كان الجُعلُ مِنَ المَدينِ أو مِنْ أجنَبيٍّ مع عِلمِ رَبِّ الدَّينِ؛ فإنْ لَم يَعلَمْ فالحَمالةُ لَازِمةٌ، ورَدَّ الجُعلَ، وإنْ كان الجُعلُ مِنْ رَبِّ الدَّينِ أو مِنْ أجنَبيٍّ لِلمَدينِ على أنْ يأتيَه بضامِنٍ فإنَّه جائِزٌ، فعُلِمَ أنَّ مَحلَّ البُطلانِ إذا كان الجُعلُ مِنْ أجنَبيٍّ لِلضامِنِ إذا عَلِم رَبُّ الدَّينِ، وإلا رَدَّ ولَزمتِ الحَمالةُ (٢).
стр. 4842
ولقد بالَغ المالِكيَّةُ في إبطالِ أخْذِ الجُعلِ على الكَفالةِ، فذكَروا أنَّ الرَّجلَيْن إذا اتَّفقا على أنْ يَضمنَ كلٌّ منهما دَينَ الآخَرِ ودخَلا على هذا الشَّرطِ لَم يَصحَّ؛ إذ يُعتبَرُ ذلك كالجُعلِ، واستَثنَوْا مِنْ ذلك بَعضَ الحالاتِ (١).
ومِن خِلالِ هذه النُّقولِ يَتَّضحُ لنا أنَّ أخذَ الأُجرةِ على الكَفالةِ لا يَجوزُ؛ إذْ هي دائِرةٌ بينَ التَّبرُّعِ والإحسانِ، أو بينَ القَرضِ في حالةِ الوَفاءِ مِنَ الكَفيلِ، وكِلا الأمرَيْن لا يَصحُّ أخْذُ الأُجرةِ عليه.
وقد اعتبَر بَعضُ العُلماءِ أخْذَ الأُجرةِ على الكَفالةِ رَشوةً.
قال الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: ولو كفَل رَجلٌ عن رَجلٍ بمالٍ على أنْ يَجعلَ له جُعلًا فالجُعلُ باطِلٌ، هكذا رُويَ عن إبراهيمَ ﵀؛ وهذا لأنَّه رَشوةٌ والرَّشوةُ حَرامٌ؛ فإنَّ الطالِبَ ليس يَستوجِبُ بهذه الكَفالةَ زيادةَ مالٍ، فلا يَجوزُ أنْ يَجبَ عليه عِوضٌ بمُقابَلتِه، ولكنَّ الضَّمانَ جائِزٌ إذا لَم يَشترِطِ الجُعلَ فيه، وإنْ كان الجُعلُ مَشروطًا فيه فالضَّمانُ باطِلٌ أيضًا؛ لأنَّ الكَفيلَ مُلتزمٌ، والالتِزامُ لا يَكونُ إلا برِضاه.
ألَا تَرى أنَّه لو كان مُكرَهًا على الكَفالةِ لَم يَلزمْه شَيءٌ؛ فإذا شرَط الجُعلَ في الكَفالةِ فهو ما رَضيَ بالالتِزامِ إذا لَم يُسلِّمْ له الجُعلَ، وإذا لَم يَشترِطْه في الكَفالةِ فهو راضٍ بالالتِزامِ مُطلَقًا فيَلزمُه (٢).
стр. 4843
كتاب الشَّركةِ
стр. 4844
كتاب الشَّركةِ
تَعريفُ الشَّركةِ:
الشَّركةُ في اللُّغةِ: هي الخُلطةُ، أي خَلطُ النَّصيبَيْن بحيث لا يَتميَّزُ أحَدُهما عن الآخَرِ، وذلك إمَّا بالخَلطِ مِنَ الجانبَيْن، أو بالاختِلاطِ مِنْ غَيرِ خَلطٍ، كما إذا ورِثا مالًا، أو وُهِب لهما مالٌ، أو اختَلطَ مالُ أحَدِهما بمالِ الآخَرِ مِنْ غَيرِ صُنعٍ، بحيث لا يَتميَّزانِ (١).
والشَّرِكةُ في الاصطِلاحِ: اختلَفت عباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِها.
فعَرَّفها الحَنفيَّةُ بقَولِهم: عَقدٌ بينَ المُتشارِكَيْن في الأصلِ والرِّبحِ (٢).
стр. 4845
وقيلَ: هي اختِصاصُ اثنَيْن فأكثَرَ بمَحَلٍّ واحِدٍ (١).
وقيلَ: هي الخُلطةُ وثُبوتُ الحِصَّةِ (٢).
وقال المالِكيَّةُ: هي إذْنُ كلِّ واحِدٍ مِنَ المُتشارِكَيْن لِصاحِبِه في أنْ يَتصرَّفَ في مالِه له ولِصاحبِه مع تَصرُّفِهما لِنَفْسَيْهما، أي: مع بَقاءِ تَصرُّفِ نَفْسَيْهما.
وإنَّما يَحتاجُ كلُّ واحِدٍ منهما لِإذنِ صاحِبِه -وإنْ كان تَصرُّفُ الإنسانِ في مالِ نَفْسِه لا يَحتاجُ إلى إذنٍ- لأنَّ كلَّ واحِدٍ باعَ بَعضَ مالِه ببَعضِ مالِ الآخَرِ على وَجهِ الشُّيوعِ، فيَحتاجُ في تَصرُّفِه في مالِه لِلإذنِ لذلك (٣).
وقيل: هي عَقدُ مالِكَيِ مالَيْن فأكثَرَ على التَّجْرِ في المالَيْن معًا؛ أي: كلٌّ منهما يُتاجِرُ في المالَيْن مع صاحِبِه ولو كان كلُّ واحِدٍ في مَكانٍ مُنعزِلٍ عن الآخَرِ؛ لأنَّ ما يَحصُلُ مِنْ رِبحٍ أو خُسرٍ يَكونُ بينَهما، وخرَج بذلك الوَكالةُ والقِراضُ مِنَ الجانبَيْن؛ إذ كلُّ واحِدٍ منهما يَتصرَّفُ فيما بيَدِه لِلآخَرِ استِقلالًا، والشَّرِكةُ وقَع فيها العَقدُ على أنَّ كلَّ واحِدٍ يَتصرَّفُ فيما بيَدِه له ولِصاحِبِه معًا، وهذا هو النَّوعُ الأولُ مِنَ الشَّرِكةِ، وهو شَرِكةُ التَّجرِ (٤).
وقال الشافِعيَّةُ: الشَّرِكةُ: هي ثُبوتُ الحَقِّ ولو قَهرًا في شَيءٍ لاثنَيْن
стр. 4846
فأكثَرَ على جِهةِ الشُّيوعِ، لا على جِهةِ التَّعيينِ، كأنْ يَملِكَ اثنانِ فأكثَرَ أرضًا، دونَ أنْ تُعَّينَ منها حِصةُ كلِّ واحِدٍ منهم (١).
وقال الحَنابِلةُ: الشَّركةُ: هي عبارةٌ عن الاجتِماعِ في استِحقاقٍ أو تَصرُّفٍ، فالأُولى شَركةُ مِلكٍ أو استِحقاقٍ، والأُخرى شَركةُ عُقودٍ، وهي المُرادُ هنا (٢).
مَشروعيَّةُ الشَّرِكةِ:
ثَبتَت مَشروعيَّةُ الشَّركةِ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُه : ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]. والخُلَطاءُ: هُمْ الشُّركاءُ.
وقَولُه : ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢].
وقولُه : ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] وبالضَّرورةِ كانوا مُشترِكينَ إمَّا في عَينِها مِلكًا، أو في مَنفَعتِها إجارةً أو إعارةً.
وأمَّا السُّنَّةُ: فقَولُه ﷺ : «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ،
стр. 4847
مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ فَإِذَا خَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا» (١). أي: تُنزَعُ البَركةُ مِنْ مالِهما.
وقال زَيدٌ: «كُنْتُ أَنَا وَالبَرَاءُ شَرِيكَيْنِ، فَاشْتَرَيْنَا فِضَّةً بِنَقْدٍ، وَنَسِيئَةً … » (٢).
وعَنِ السَّائِبِ بنِ أبي السَّائِبِ أَنَّهُ كان يُشَارِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبلَ الإِسْلَامِ في التِّجَارَةِ، فلَمَّا كان يَوْمُ الْفَتْحِ جَاءَهُ فقال النَّبيُّ ﷺ : «مَرْحَبًا بأخِي وشَرِيكِي، كان لَا يُدارِي وَلَا يُمارِي، يا سَائِبُ قد كُنْتَ تَعْمَلُ أَعْمَالًا في الْجَاهِلِيَّةِ لَا تُقْبَلُ مِنْكَ، وهي الْيَوْمَ تُقْبَلُ مِنْكَ، وكان ذَا سَلَفٍ وَصِلَةٍ» (٣).
وفي لَفظِ أبي داودَ: قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيَّ وَيَذْكُرُونَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا أَعْلَمُكُمْ». يَعْنِى بِهِ. قُلْتُ: صَدَقْتَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، كُنْتَ شَرِيكِي، فَنِعْمَ الشَّرِيكُ كُنْتَ لَا تُدَارِي وَلَا تُمَارِي» (٤).
وأمَّا الإجماعُ: فقد نقَل عَددٌ مِنْ أهلِ العِلمِ الإجماعَ على جَوازِ الشَّركةِ في الجُملةِ؛ وإنْ كانوا قد اختَلفوا في بَعضِ أنواعِها على ما سيأتي مُفصَّلًا إنْ شاءَ اللهُ .
стр. 4848
قال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَع المُسلِمونَ على جَوازِ الشَّركةِ في الجُملةِ (١).
وقال الزَّركَشيُّ ﵀: وهي جائِزةٌ بالإجماعِ (٢).
وقال الوَزيرُ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ الشَّركةَ جائِزةٌ مِنْ كلِّ مُطلَقِ التَّصرُّفِ (٣).
وقال العِمرانيُّ ﵀: وأمَّا الإجماعُ على جَوازِ الشَّركةِ فإنَّ أحَدًا مِنَ العُلماءِ لَم يُخالِفْ في جَوازِها (٤).
وقال المَوصِليُّ ﵀: وبُعِثَ رَسولُ اللهِ ﷺ والناسُ يَتعامَلونها فلَم يُنكِرْ عليهم، وتَعامَلوا بها إلى يَومِنا هذا مِنْ غَيرِ نَكيرٍ، فكان إجماعًا (٥).
أقسامُ الشَّركةِ:
الشَّركةُ في الأصلِ قِسمانِ: شَركةُ أملاكٍ وشَركةُ عُقودٍ.
القِسمُ الأولُ: شَركةُ الأملاكِ: فشَركةُ الأملاكِ هي الاجتِماعُ في استِحقاقٍ أو مِلكٍ، وهي أنواعٌ، منها ما هو الجَبريُّ، ومنها الاختياريُّ:
الأُولى: شَركةُ المَنافِعِ والأعيانِ: فهي: أنْ يَكونَ بينَ الرَّجلَيْن، أو بينَ الجَماعةِ أرضٌ أو عَبيدٌ أو بَهائمُ مَلَكوها بالإرثِ، أو بالبَيعِ، أو بالهِبةِ مَشاعًا.
стр. 4849
وكذا إذا اختَلطَ مالُ كلِّ واحِدٍ منهما بمالِ صاحِبِه خَلطًا لا يَتميَّزُ.
والثانية: شَركةُ الأعيانِ دونَ المَنافِعِ: مِثلَ: أنْ يُوصيَ رَجلٌ لِرَجلٍ بمَنفعةِ عَبدِه، أو دارِه، فيَموتَ، ويُخلِّفَ جَماعةَ وَرَثةٍ … فإنَّ رَقبةَ العَبدِ والدَّارِ تَكونُ مَوروثةً لِلوَرثةِ دونَ المَنفَعةِ.
والثالِثةُ: الشَّركةُ في المَنافِعِ دونَ الأعيانِ: مِثلَ: أنْ يُوصيَ بمَنفَعةِ عَبدَه لِجَماعةٍ، أو يَستأجرَ جَماعةٌ عَبدًا.
وكذا الوَقفُ على جَماعةٍ على القَولِ بأنَّ المِلكَ يَنتقِلُ إليهم -كما سيأتي بَيانُه في الوَقفِ-؛ فإنَّ الشَّركةَ بينَهم في المَنافِعِ والأعيانِ.
والرابِعةُ: الشَّرِكةُ في المَنافعِ المُباحةِ: مِثلَ: أنْ يَموتَ رَجلٌ وله وَرثةٌ جَماعةٌ، ويُخلِّفُ كَلبَ صَيدٍ، أو كَلبَ، ماشِيةٍ أو زَرعٍ … ؛ فإنَّ المَنفَعةَ مُشتَركةٌ بينَهم.
والخامِسةُ: الشَّركةُ في حُقوقِ الأبدانِ: فهو: أنْ يَرثَ جَماعةٌ قِصاصًا، أو حَدَّ قَذفٍ، كأنْ قذَف جَماعةً يُتصَوَّرُ الزِّنا منهم عادةً بكَلمةٍ واحِدةٍ؛ فإذا طلَبوا كلُّهم وجَب لهم حَدٌّ واحِدٌ.
والسادِسةُ: الشَّركةُ في حُقوقِ الأموالِ: فهو: أنْ يَرثَ جَماعةٌ الشُّفعةَ، أو الرَّدَّ بالعَيبِ، أو خيارَ الشَّرطِ، أو حُقوقَ الرَّهنِ، ومَرافِقَ الطُّرقِ (١).
стр. 4850
وقال الحَنفيَّةُ: شَركةُ الأملاكِ هذه نَوعانِ:
نَوعٌ يَثبُتُ بفِعلِ الشَّريكَيْن، ونَوعٌ يَثبُتُ بغَيرِ فِعلِهما.
أمَّا الذي يَثبُتُ بفِعلِهما: فنَحوُ أنْ يَشتَريا شَيئًا أو يُوهَبَ لهما أو يُوصى لَهما أو يُتصدَّقَ عليهما فيَقبَلا، فيَصيرَ المُشتَري والمَوهوبُ والمُوصى به والمُتصدَّقُ به مُشتَركًا بينَهما شَركةَ مِلكٍ.
وحُكمُ هذا النَّوعِ أنَّه يَجوزُ لِأحدِهما بَيعُ نَصيبِه مِنْ غَيرِ إذنِ شَريكِه؛ لأنَّ مِلكَ كلِّ واحِدٍ منهما قائِمٌ في نَصيبِه مِنْ كلِّ وَجهٍ.
وأمَّا الذي يَثبُتُ بغَيرِ فِعلِهما: فالميراثُ، بأنْ وَرِثا شَيئًا، فيَكونَ المَوروثُ مُشترَكًا بينَهما شَركةَ مِلكٍ.
وحُكمُ هذا النَّوعِ أنَّه لا يَجوزُ لِأحدِهما أنْ يَتصرَّف في نَصيبِ الآخَرِ لغَيرِ الشَّريكِ إلا بإذنِه لِعَدمِ تَضمُّنِها الوَكالةَ، وكلُّ واحِدٍ منهما في نَصيبِ صاحِبِه كالأجنَبيِّ، لأنَّ تَصرُّفَ الإنسانِ في مالِ غَيرِه لا يَجوزُ إلا بإذنٍ أو وِلايةٍ (١).
وقال القَرافيُّ المالِكيُّ ﵀: إذا كانا شَريكَيْن في حَيوانٍ مَثلًا بمِيراثٍ أو غَيرِه، لا يَجوزُ له أنْ يَتصرَّفَ فيه إلا بإذنِ شَريكِه، فلو باع نَصيبَه وسلَّمَ الجَميعَ لِلمُشتَري بغَيرِ إذنِ شَريكِه فمُقتَضى القَواعِدِ أنَّ الشَّريكَ يَضمَنُ وبه أفتَى شُيوخُنا والشافِعيَّةُ؛ لأنَّ أحسَن أحوالِه أنْ يَكونَ في الأمانةِ كالمُودَعِ
стр. 4851
عندَه والمُودِعِ إذا وضَع يَدَ الأجنَبيِّ ضمِنَ بتَعدِّيه؛ فإنْ قيلَ: يَلزمُ عَدمُ صِحَّةِ البَيعِ لِعَدمِ قُدرتِه على التَّسليمِ شَرعًا قُلنا: إنْ كان شَريكُه حاضرًا سلَّمَ المَبيعَ له وتَقعُ الحُكومةُ بينَه وبينَ المُشتَري، أو كان غائبًا رفَع أمرَه إلى الحاكِمِ يأذنُ له في البَيعِ ممَّن شأنُ الحاكِمِ وَضعُ مالِ الغائبِ تَحتَ يَدِه، ويَصحُّ البَيعُ ولَم أرَ في ذلك نَقلًا غَيرَ أنَّه مُقتَضى القَواعِدِ (١).
القِسمُ الثاني مِنَ الشَّركةِ: شَركةُ العُقودِ، وهي التي سبَق تَعريفُها مِنْ قَبلُ، وهي الاجتِماعُ في تَصرُّفٍ، وهي التي تَحصُلُ بالاختيارِ لِقَصدِ التَّصرُّفِ وتَحصيلِ الأرباحِ، وهي المَقصودةُ في هذا البابِ.
وشَركةُ العُقودِ أربَعةُ أنواعٍ، وهي:
١ - شَركةُ العِنانِ.
٢ - شَركةُ الصَّنائِعِ أو الأبدانِ.
٣ - شَركة الوُجوهِ.
٤ - شَركةُ المُفاوَضةِ.
стр. 4852
النَّوعُ الأولُ: شَركةُ العِنانِ:
سَببُ تَسميتِها العِنانَ:
تَعدَّدتْ عباراتُ الفُقهاءِ في سَببِ تَسميتِها العِنانَ:
فقيل: سُمِّيتْ هذه الشَّركةُ شَركةَ العِنانِ لِظُهورِها، وهو أنَّهما ظاهِرا بإخراجِ المالَيْن، يُقالُ عن الشَّيءِ إذا ظهَر، ومنه قَولُ امرئِ القَيسِ:
فعَنَّ لنا سِربٌ كأَنَّ نِعاجَهُ … عذَارَى دُوارٌ في مُلاءٍ مُذيَّلِ
أي: عرَض.
وقيل: سُمِّيتْ: عِنانًا؛ لِاشتِراكِهما فيما يَعِنُّ مِنَ الرِّبحِ، أي: فيما يَفضُلُ مِنَ الرِّبحِ، يُقالُ عن الشَّيءِ إذا عرَض.
وقيلَ: سُمِّيتْ: عِنانًا، مِنَ المُعانَنةِ، وهي المُعارَضةُ، فكلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن عارَض شَريكَه بمِثلِ مالِه.
وقيلَ: سُمِّيتْ بذلك مِنْ عِنانِ دابَّتَيِ الرِّهانِ؛ لأنَّ الفارسَيْن إذا استَبقا تساوَى عِنانا فَرسَيْهما، كذلك هذه الشَّركةُ مِنْ شأنِها أنْ يَتساوى الشَّريكانِ فيها في المالِ والرِّبحِ.
وقيلَ: سُمِّيتْ شَركةَ العِنانِ مِنْ عِنانِ فرَسَيِ الرِّهانِ، لِجِهةٍ أُخرى؛ لأنَّ الإنسانَ يَحبِسُ نَفْسَه في الشَّركةِ مِنَ التَّصرُّفِ بالمالِ في سائِرِ الجِهاتِ، إلا عن الجِهةِ التي يَتَّفقُ عليها الشَّريكانِ، كما أنَّ الإنسانَ يَحبِسُ الدَّابَّةَ إذا ركِبَها بالعِنانِ عن السَّيرِ إلى سائِرِ الجِهاتِ، إلا عن الجِهةِ التي يُريدُها.
وقيل: سُمِّيتْ بذلك مِنَ العِنانِ؛ لأنَّ الإنسانَ يأخُذُ عِنانَ الدَّابَّةِ بإحدى
стр. 4853
يَدَيْه، ويَحبِسُه عليها، ويَدُه الأُخرى مُرسَلةٌ، يَتصرَّفُ بها كيف شاءَ، كذلك هذه الشَّركةُ، كلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن بَعضُ مالِه مَقصورٌ عن التَّصرُّفِ فيه مِنْ جِهةِ الشَّركةِ، وبَعضُ مالِه يَتصرَّفُ فيه كيف شاءَ (١).
وهي في الاصطِلاحِ عندَ الحَنفيَّةِ: أنْ يُشارِكَ صاحِبَه في بَعضِ الأموالِ، لا في جَميعِ الأموالِ، ويَكونَ كلُّ واحدٍ منهما وَكيلًا عن صاحِبِه في التَّصرُّفِ في النَّوعِ الذي عَيَّنا مِنْ أنواعِ التِّجارةِ أو في جَميعِ أنواعِ التِّجارةِ إذا عَيَّنا ذلك أو أطلَقا ويُبيِّنانِ قَدْرَ الرِّبحِ (٢).
وقال المالِكيَّةُ: هي أنْ يَشترِطَ كلُّ واحِدٍ منهما على صاحِبِه نَفيَ الاستِبدادِ بالتَّصرُّفِ، بل كلُّ واحِدٍ يَتوقَّفُ تَصرُّفُه على إذنِ الآخَرِ؛ فهي شَركةُ عِنانٍ.
فإنْ تَصرَّف أحَدُهما بلا إذنٍ فلِلثاني رَدُّه، وضمِن إنْ ضاعَ ما تَصرَّف فيه؛ مأخوذٌ مِنْ عِنانِ الدَّابَّةِ: كأنَّ كلَّ واحِدٍ أخذَ بعِنانِ صاحِبِه (٣).
стр. 4854
وعندَ الشافِعيَّةِ: أنْ يَشترِكا في مالٍ لهما لِيَتِّجِرا فيه، بأنْ يُخرجَ كلُّ واحِدٍ منهما مالًا مِنْ جِنسِ مالِ الآخَرِ، وعلى صِفتِه، ويَخلِطا المالَيْن (١).
أو بتَعبيرٍ آخَرَ: أنْ يُخرجَ كلُّ واحِدٍ منهما مالًا مِثلَ مالِ صاحِبِه ويَخلِطاه، فلا يَتميَّزُ، ويأذنَ كلُّ واحِدٍ منهما لِصاحبِه أنْ يَتَّجِرَ بالمالِ فيما رأى مِنْ صُنوفِ الأمتِعةِ، على أنْ يَكونَ الرِّبحُ بينَهما على قَدْرِ المالَيْن، والخُسرانُ كذلك (٢).
وقال الحَنابِلة: هي أنْ يَشتركَ اثنان فأكثَرَ في مالٍ يَتَّجِرانِ فيه، ويَكونَ الرِّبحُ بينَهما بحَسَبِ ما يَتَّفِقان عليه (٣)، أو أنْ يَشتركَ اثنان فأكثَرَ بمالَيْهما على أنْ يَعملَ فيه أحَدُهما بشَرطِ أنْ يَكونَ لِلعاملِ مِنَ الرِّبحِ أكثَرُ مِنْ رِبحِ مالِه؛ لِيكونَ الجُزءُ الزائدُ في نَظيرِ عَملِه في مالِ شَريكِه؛ فإنْ شرَط صاحِبُه له رِبحًا قَدْرَ مالِ العامِلِ؛ فهو إبضاعٌ لا يَصحُّ؛ لأنَّه عمِل في مالِ الغَيرِ بغَيرِ عِوَضٍ، وإنْ شرَط له صاحبُه أقلَّ مِنْ رِبحِ مالِه لَم يَصحَّ أيضًا؛ لِأخذِه جُزءًا مِنْ رِبحِ مالِ صاحِبِه بلا عَملٍ منه، لكنَّ التَّصرُّفَ صَحيحٌ؛ لِعُمومِ الإذنِ، وله رِبحُ مالِه، ولا أُجرةَ له؛ لِتَبرُّعِه بعَملِه (٤).
стр. 4855
حُكمُ شَركةِ العِنانِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَوازِ شَركةِ العِنانِ إذا تَوافَرت شُروطُها الآتي ذِكرُها عندَ كلٍّ منهم؛ لأنَّها مُختلِفةٌ فيما بينَهم، وقد نقَل عَددٌ مِنَ العُلماءِ الإجماعَ على ذلك.
قال الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الشَّركةَ الصَّحيحةَ: أنْ يُخرِجَ كلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن مالًا، مِثلَ مالِ صاحِبِه، دَنانيرَ، أو دَراهِمَ، ثم يَخلِطا ذلك، حتى يَصيرَ مالًا واحِدًا لا يَتميَّزُ، على أنْ يَبيعا، ويَشتَريا ما رأيا مِنَ أنواعِ التِّجاراتِ، على أنَّ ما كان فيه مِنْ فَضلٍ ورِبحٍ فلَهما، وما كان مِنْ نُقصانٍ فعليهما؛ فإذا فعَلا ذلك صَحَّت الشَّركةُ (١).
قال ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ شَركةَ العِنانِ جائِزةٌ (٢).
وقال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: فأمَّا العِنانُ فجائِزٌ بإجماعِ فُقهاءِ الأمصارِ، ولِتَعامُلِ الناسِ بذلك في كلِّ عَصرٍ مِنْ غَيرِ نَكيرٍ، وما رآه المُسلِمون حَسنًا فهو عندَ اللهِ حَسنٌ، ولِما رُويَ أنَّ أسامةَ بنَ شَريكٍ جاء إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقال: أتَعرِفُني؟ فقال ﷺ : «وكيف لا أعرِفُكَ وكنتَ شَريكي ونِعمَ الشَّريكُ لا تُداري، ولا تُماري»، وأدنى ما يُستدلُّ بفِعلِه ﵇ الجَوازُ.
وكذا بُعِثَ رَسولُ اللهِ ﷺ والناسُ يَتعامَلون بهذه الشَّركةِ،
стр. 4856
فقرَّرهم على ذلك، حيث لَم يَنهَهم ولَم يُنكِرْ عليهم، والتَّقريرُ أحَدُ وُجوهِ السُّنَّةِ.
ولأنَّ هذه العُقودَ شُرِعت لِمَصالحِ العِباد وحاجَتِهم إلى استِنماءِ المالِ مُتحقَّقةٌ، وهذا النَّوعُ طَريقٌ صالِحٌ لِلاستِنماءِ، فكان مَشروعًا، ولأنَّه يَشتمِلُ على الوَكالةِ، والوَكالةُ جائِزةٌ إجماعًا (١).
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: والشَّركةُ بالجُملةِ عندَ فُقهاءِ الأمصارِ على أربِعةِ أنواعٍ: شَركةُ العِنانِ وشَركةُ الأبدانِ وشَركةُ المُفاوَضةِ وشَركةُ الوُجوهِ، واحِدةٌ منها مُتَّفَقٌ عليها، وهي شَركةُ العِنانِ (٢).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: شَركةُ العِنانِ ومَعناها أنْ يَشتركَ رَجلانِ بمالَيْهما على أنْ يَعمَلا فيهما بأبدانِهما، والرِّبحُ بينَهما، وهي جائِزةٌ بالإجماعِ (٣).
وقد نقَل عَددٌ كَبيرٌ مِنَ العُلماءِ غَيرِهم الإجماعَ على جَوازِها.
أركانُ الشَّركةِ:
وأركانُ الشَّركةِ عندَ الجُمهورِ: الصِّيغةُ والعاقِدانِ، والمَعقودُ عليه -وهو المالُ- والعَملُ.
وأمَّا عندَ الحَنفيَّةِ فرُكنُها الوَحيدُ هو: الإيجابُ والقَبولُ: وهو أنْ يَقولَ أحَدُهما شارَكتُك في كذا، ويَقولَ الآخَرُ: قَبِلتُ؛ لأنَّه عَقدٌ مِنَ العُقودِ، فلا بُدَّ
стр. 4857
مِنَ الإتيانِ برُكنِه، وهو الإيجابُ والقَبولُ؛ بأنْ يَقولَ: شارَكتُك في بَزٍّ أو نَحوِه أو في عُمومِ التِّجاراتِ.
وشَرطُها: أنْ تَكونَ فيما يَقبلُ الوَكالةَ؛ لِيَكونَ كلُّ واحِدٍ منهما في الشِّراءِ أصيلًا في نَصيبِه، ووَكيلًا عن صاحبِه في النِّصفِ الآخَرِ، فيَكونَ المُشتَرَى مُشترَكًا بينَهما، ويَكونَ الكَسبُ كذلك بحَسَبِ الشَّركةِ، فلا تَجوزُ الشَّركةُ في الاحتِطابِ والاحتِشاشِ ونَحوِهما مِنَ المُباحاتِ، لأنَّ التَّوكيلَ لا يَصحُّ فيها، بل ما يَكتسِبُه يَكونُ له خاصةً (١).
стр. 4858
شُروطُ الشَّركةِ:
أولاً: شُروطُ الصِّيغةِ:
اختلَف الفُقهاءُ في الصِّيغةِ، هل يُشترَطُ فيها لَفظُ يَدلُّ على الإذنِ في التَّصرُّفِ أم تَقومُ دِلالةُ الفِعلِ مَقامَ دِلالةِ اللَّفظِ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وابنُ سُريجٍ مِنَ الشافِعيَّةِ إلى أنَّ دِلالةَ الفِعلِ تَقومُ مَقامَ دِلالةِ اللَّفظِ.
قال الحَنفيَّةُ: رُكنُ الشَّركةِ: الإيجابُ والقَبولُ، وهو أنْ يَقولَ أحَدُهما: «شارَكتُكَ في كذا وكذا»، ويَقولَ الآخَرُ: «قَبِلتُ»، أي: في كذا مِنَ المالِ وفي كذا مِنَ التِّجاراتِ البَزازيةِ أو البَقاليةِ.
وليس اللَّفظُ المَذكورُ بلَازمٍ، بل المَعنى؛ لأنَّها عَقدٌ مِنَ العُقودِ، فيَنعقِدُ بما يَدلُّ عليه، ولهذا لو دفَع ألْفًا إلى رَجلٍ وقال: «أخرِجْ مِثلَها واشتَرِ، وما كان مِنْ رِبحٍ فهو بينَنا»، وقَبِل الآخَرُ أو أخذَهما وفعَل، انعقَدتِ الشَّركةُ (١).
وقال المالِكيَّةُ: لا تَختصُّ الشَّركةُ بلَفظٍ، بل تَنعقِدُ بكلِّ ما يَدلُّ عليها عُرفًا مِنْ قَولِ: «اشتَرَكْنا»، أي: يَقولُه كلٌّ منهما، أو يَقولُه أحَدُهما ويَسكُتُ الآخَرُ راضيًا به، أو: «شارِكْني»، ويَرضى الآخَرُ، أو بما يَقومُ مَقامَه مِنْ فِعلٍ، كخَلطِ المالَيْن والعَملِ بهما.
وتَلزمُ الشَّركةُ بمُجرَّدِ القَولِ، فلو أراد أحَدُهما المُفاصلةَ قبلَ الخَلطِ
стр. 4859
وامتَنعَ الآخَرُ فلا يُجابُ إلى ذلك مُطلَقًا، والقَولُ لِلمُمتنعِ حتى يَنِضَّ المالُ بعدَ العَملِ، ولو أراد نُضوضَ المالِ بعدَ العَملِ يَنظرُ الحاكِمُ كالقِراضِ (١).
وقال ابنُ سُريجٍ ﵀: إذا خلَطا المالَيْن بقَصدِ الشَّركةِ أو ابتاعا شَيئًا على قَصدِها، كان كافيًا في التَّصرُّفِ، وهو مُخرجٌ على انعِقادِ البَيعِ بالمُعاطاةِ (٢).
وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: تَنعقِدُ الشَّركةُ بما يَدلُّ على الرِّضا مِنْ قَولٍ أو فِعلٍ يَدلُّ على إذنِ كلٍّ منهما، أو منهم لِلآخَرِ في التَّصرُّفِ وائتِمانِه، ويُغني لَفظُ الشَّركةِ عن إذنٍ صَريحٍ؛ لِتَضمُّنِها لِلوَكالةِ.
ويُتَّجَهُ، أي: ويُغني ما يَدلُّ عليها -أي: الشَّركةِ-، كأنْ يَتكلَّما في الشَّركةِ، ثم بعدَ بُرهةٍ يُحضِرَ كلٌّ منهما مِقدارًا مَعلومًا، ويَتصرَّفا فيه؛ فتَنعقِدُ، وهو مُتَّجَهٌ، ويُغني فِعلُهما ذلك عن إذنٍ صَريحٍ في التَّصرُّفِ؛ لِدِلالَتِه عليه (٣).
وذهَب الشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُشترطُ في الصِّيغةِ: لَفظٌ صَريحٌ يَدلُّ على الإذنِ مِنْ كلٍّ منهما لِلآخَرِ في التَّصرُّفِ بالبَيعِ والشِّراءِ الذي هو أصلُ التِّجارةِ؛ لأنَّ المالَ المُشترَكَ لا يَجوزُ لِأحَدِ الشَّريكَيْن
стр. 4860
التَّصرُّفُ فيه إلا بإذنِ صاحبِه، ولا يُعرفُ الإذنُ إلا بصيغةٍ تَدلُّ عليه.
ك «اتَّجِرْ، وتَصَّرَفْ بَيعًا وشِراءً»، أو «بِعْ واشتَرِ»، أو «اشتَرَكنا على أنْ يَتصرَّفَ كلٌّ في مالِ صاحبِه»، لا إنِ اقتصَر على «اشتَركْنا»، أو «عَقدْنا الشَّركةَ»، ولَم يَنويا الإذنَ في التَّصرُّفِ.
فلو اقتصَرا على قَولِهما: اشتَركْنا لَم يَكفِ عن الإذنِ في التَّصرُّفِ في الأصحِّ، ولا يَتصرَّفُ كلٌّ منهما إلا في نَصيبِه؛ لاحتِمالِ كَونِ ذلك إخبارًا عن حُصولِ الشَّركةِ في المالِ، ولا يَلزمُ مِنْ حُصولِها جَوازُ التَّصرُّفِ، بدَليلِ المالِ المَوروثِ شَركةً، لكنْ إنْ نَويا بذلك الإذنَ في التَّصرُّفِ كان إذنًا.
والثاني: يَكفي لِفَهمِ المَقصودِ منه عُرفًا.
ولو أذِنَ أحَدُهما لِلآخَرِ في التَّصرُّفِ في الجَميعِ ولَم يأذَنِ الآخَرُ تَصرَّف المأذونُ في جَميعِ المالِ، ولَم يَتصرَّفِ الآخَرُ إلا في نَصيبِه، وكذا لو أذِنَ لِصاحبِه في التَّصرُّفِ في الجَميعِ، وقال: أنا لا أتصرَّفُ إلا في نَصيبي.
ولو شرَط أحَدُهما على الآخَرِ ألَّا يَتصرَّفَ في نَصيبِه لَم يَصحَّ العَقدُ؛ لِما فيه مِنَ الحَجرِ على المالِكِ في مِلكِه.
ثم يُنظَرُ في المأذونِ فيه؛ فإنْ عيَّن جِنسًا لَم يَتصرَّفِ المأذونُ في نَصيبِ الإذنِ في غَيرِ ذلك الجِنسِ.
وإنْ قال: «تَصرَّفْ واتَّجِرْ فيما شِئتَ مِنْ أجناسِ المالِ»، جازَ على الصَّحيحِ.
وفي وَجهٍ لا بُدَّ مِنَ التَّعيينِ.
стр. 4861
ولو أطلَق الإذنَ ولَم يَتعرَّضْ لِما يَتصرَّفُ فيه جازَ على الأصحِّ كالقِراضِ (١).
ثانيًا: شُروطُ العاقِدَيْن:
يُشترطُ في العاقِدَيْن ما يَلي:
١ - أهليَّةُ التَّوكيلِ والتَّوكُّلِ في المالِ:
اشتَرطَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ في كلٍّ مِنَ المُتعاقِدَيْن أنْ يَكونَ كلٌّ منهما أهلًا لِلتَّوكيلِ والتَّوكُّلِ، لأنَّ كلًّا منهما وَكيلٌ عن صاحبِه، ومُوكِّلٌ له بأنْ يَكونَ كلٌّ منهما عاقِلًا بالِغًا غَيرَ مَحجوزٍ عليه التَّصرُّفُ في مالِه، لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنَ الشُّركاءِ يَتصرَّفُ بمالِ الشَّركةِ: أصالةً في مالِه، ووَكالةً -أي بالإذنِ- في مالِ غَيرِه، فكلٌّ منهم وَكيلٌ ومُوكَّلٌ.
قال الحَنفيَّةُ: يُشترطُ في المُتعاقِدَيْن أهليةُ الوَكالةِ، لأنَّ الوَكالةَ لَازمةٌ في الكلِّ، وهي أنْ يَصيرَ كلُّ واحِدٍ منهما وَكيلَ صاحبِه في التَّصرُّفِ بالشِّراءِ والبَيعِ وتَقبُّلِ الأعمالِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما أذنَ لِصاحبِه بالشِّراءِ والبَيعِ وتَقبُّلِ الأعمالِ، ومُقتَضى عَقدِ الشَّركةِ والوَكيلِ هو المُتصرِّفُ عن إذنٍ، فيُشترطُ فيها أهليَّةُ الوَكالةِ، ولا يُشترطُ لِشَركةِ العِنانِ أهليَّةُ الكَفالةِ حتى تَصحَّ ممَّن لا تَصحُّ كَفالتُه حتى تَصحَّ مِنَ الصَّبيِّ المأذونِ، والعَبدِ المأذونِ والمُكاتَبِ، أمَّا شَركةُ
стр. 4862
المُفاوضةِ فيُشترطُ في المُتعاقِدَيْن الحُريَّةُ والإسلامُ والبُلوغُ؛ لأنَّ الحُرَّ البالِغَ يَملِكُ التَّصرُّفَ والكَفالةَ، والمَملوكَ لا يَملِكُ واحِدًا منهما إلا بإذنِ المَولى، والصَّبيَّ لا يَملِكُ الكَفالةَ مُطلَقًا، ولا التَّصرُّفَ إلا بإذنِ الوَليِّ (١).
وقال المالِكيَّةُ: إنَّ الشَّركةَ إنَّما تَصحُّ مِنْ أهلِ التَّوكيلِ والتَّوكُّلِ، وهو مَنْ لا حَجْرَ عليه، وهو الحُرُّ البالِغُ الرَّشيدُ؛ لأنَّ العاقِدَيْن لِلشَّركةِ كلُّ واحِدٍ منهما وَكيلٌ عن صاحبِه، ويُوكِّلُ صاحبَه، فمَن جازَ له أنْ يُوكِّلَ ويَتوكَّلَ جازَ له أنْ يُشارِكَ، وما لا فلا، فمَن جاز له أنْ يَتصرَّفَ لِنَفْسِه جازَ له أنْ يُوكِّلَ ويُشارِكَ، فلا يُشاركُ العَبدُ إلا بإذنِ سَيِّدِه، أو كان مأذونًا مِنْ قَبلُ في التِّجارةِ، وكذلك غَيرُه مِنَ المَحجورِ عليهم، كالصَّغيرِ والمَجنونِ والسَّفيهِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ وَكيلٌ عن صاحبِه مُوكِّلٌ له (٢).
وقال الشافِعيَّةُ: يُشترطُ في العاقِدَيْن أهليَّةُ التَّوكيلِ والتَّوكُّلِ في المالِ، لأنَّ كلًّا منهما يَتصرَّفُ في مالِه بالمِلكِ، وفي مالِ الآخَرِ بالإذنِ، فكلٌّ منهما مُوكِّلٌ ووَكيلٌ.
ومَحلُّه إذا أذِن كلٌّ منهما لِلآخَرِ في التَّصرُّفِ؛ وإلا يُشترطْ في الآذنِ أهليَّةُ التَّوكيلِ، وفي المأذونِ له أهليَّةُ التَّوكُّلِ حتى يَصحَّ أنْ يَكونَ الأولُ أعمى دونَ الثاني.
стр. 4863
وتَجوزُ الشَّركةُ لِلوَليِّ في مالِ مَحجورِه، كالقِراضِ إذا كان الشَّريكُ أمينًا يَجوزُ إيداعُ مالِ اليَتيمِ عندَه، ولا شُبهةَ في مالِه إنْ سلَّمَ مالَ المُوَلَّى عنها، فلا يَجوزُ لِلوَليِّ أنْ يُشاركَ فاسِقًا؛ لأنَّه يُشترطُ أنْ يَكونَ الشَّريكُ بحيث يَجوزُ إيداعُ مالِ المَحجورِ عندَه.
وهذا إذا كان الشَّريكُ هو المُتصرِّفَ دونَ ما إذا كان الوَليُّ المُتصرِّفَ.
ولو مات أحَدُ الشَّريكَيْن وله وارِثٌ غَيرُ رَشيدٍ، ورأى الوَليُّ المَصلَحةَ في الشَّركةِ استَدامَها (١).
وقال الحَنابِلةُ: ولا يَصحُّ شَيءٌ مِنْ أنواعِ الشَّركةِ إلا مِنْ جائِزِ التَّصرُّفِ، وهو الحُرُّ البالِغُ الرَّشيدُ؛ لأنَّه عَقدٌ على التَّصرُّفِ في المالِ، فلَم يَصحَّ مِنْ غَيرِ جائِزِ التَّصرُّفِ في المالِ كالبَيعِ (٢).
٢ - أنْ يَكونَ مُسلِمًا:
اختلَف الفُقهاءُ في الشَّركةِ هل يُشترطُ إسلامُ كِلا الشَّريكَيْن أو تَصحُّ الشَّركةُ بينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ؟
قال الحَنفيَّةُ: الشَّركةُ إمَّا أنْ تَكونَ مُفاوضةً وإمَّا أنْ تَكونَ عِنانًا، فأمَّا شَركةُ العِنانِ فتَجوزُ بينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ باتِّفاقٍ عندَهم.
وأمَّا شَركةُ المُفاوضةِ فلا تَصحُّ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ بينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ، لأنَّ المُسلِمَ والذِّمِّيَّ لا يَتساويانِ في التَّصرُّفِ بدَليلِ أنَّ الذِّمِّيَّ
стр. 4864
يَتصرَّفُ في الخَمرِ، والخِنزيرِ دونَ المُسلِمِ، وتَكونُ عِنانًا؛ لأنَّ العِنانَ يَجوزُ بينَهما إجماعًا.
وقال أبو يُوسُفَ ﵀: تَصحُّ شَركةُ المُفاوضةِ بينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ؛ لأنَّهما حُرَّانِ تَجوزُ كَفالتُهما ووَكالتُهما، إلا أنَّه يُكرهُ عندَه؛ لأنَّ الذِّمِّيَّ لا يَهتدي إلى الجائِزِ مِنَ العُقودِ، يُخافُ منه أنْ يُطعِمَه الرِّبا.
وإنْ تَفاوضَ الذِّمِّيانِ جازتْ مُفاوَضتُهما، وإنِ اختلَف دينُهما؛ لأنَّهما مُتساوِيانِ في التَّصرُّفِ.
وإنْ كان أحَدُهما كِتابيًّا، والآخَرُ مَجوسيًّا يَجوزُ أيضًا.
إلا أنَّه يُكرهُ لِلمُسلِمِ أنْ يُشاركَ الذِّمِّيَّ؛ لأنَّه يُباشِرُ عُقودًا لا تَجوزُ في الإسلامِ، فيَحصُلَ كَسبُه مِنْ مَحظورٍ فيُكرهُ، ولِهذا كُرِهَ تَوكيلُ المُسلِمِ الذِّمِّيِّ، ولو شارَكه شَركةَ عِنانٍ جازَ، كما لو وَكَّله (١).
وقال المالِكيَّةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ: تُكرهُ شَركةُ كِتابيٍّ ولو غَيرَ ذِمِّيٍّ؛ لأنَّه لا يأمَنُ مُعاملتَهم بالرِّبا والعُقودِ الفاسِدةِ، إلا أنْ يَليَ المُسلِمُ التَّصرُّفَ أو يَتصرَّفَ الذِّمِّيُّ بحَضرتِه، ولا يَغيبَ عنه في شِراءٍ ولا بَيعٍ ولا تَقاضٍ، فلا تُكرهُ لِلأمنِ مِنَ الرِّبا، لأنَّ الذِّمِّيَّ إذا تَولَّى الشِّراءَ باعَ بحُكمِ دِينِه، وأدخَل في مالِ المُسلِمِ ما لا يَحلُّ له، والمُسلمُ مَمنوعٌ مِنْ أنْ يَجعلَ مالَه مُتَّجَرًا في الرِّبا والخَمرِ والخِنزيرِ (٢).
стр. 4865
وقال الشافِعيَّةُ: تُكرهُ مُشاركةُ الذِّمِّيِّ مُطلَقًا، ومَن لا يَحترِزُ مِنَ الرِّبا ونَحوِه، سَواءٌ كان هو المُتصرِّفَ بالبَيعِ والشِّراءِ، أو كان المُتصرِّفُ المُسلِمَ، لِما رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: «أكرَهُ أنْ يُشارِكَ المُسلِمُ اليَهوديَّ والنَّصرانيَّ»، ولا مُخالِفَ له.
ولأنَّهم لا يَمتنِعون مِنَ الرِّبا، ومِن بَيعِ الخُمورِ، ولا يُؤمَنُ أنْ يكونَ مالُه الذي عقَد عليه الشَّركةَ مِنْ ذلك، فكُرِهَ؛ فإنْ عقَد الشَّركةَ معه صحَّ؛ لأنَّ الظاهرَ مما هو بأيديهم أنَّه مِلكُهم، وقد «اقتَرضَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ يَهوديٍّ شَعيرًا، ورَهنَه دِرعَه» (١).
وقال ابنُ القَيِّمِ ﵀: قُلتُ: الذين كَرِهوا مُشارَكتَهم لهم مأخذانِ:
أحَدُهما: استِحلالُهم ما لا يَستحلُّه المُسلِمُ مِنَ الرِّبا والعُقودِ الفاسِدةِ وغَيرِها، وعلى هذا تَزولُ الكَراهةُ بتَولِّي المُسلِمِ البَيعَ والشِّراءَ.
والثاني: أنَّ مُشارَكتَهم سَببٌ لِمُخالَطتِهم، وذلك يَجُرُّ إلى مُوادَّتِهم، وكَرِه الشافِعيُّ مُشارَكتَهم مُطلَقًا.
ورُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: «أكرَهُ أنْ يُشاركَ المُسلِمُ اليَهوديَّ».
стр. 4866
وابنُ عبَّاسُ ﵄ إنَّما كَرِه مُشارَكتَهم لِمُعامَلتِهم بالرِّبا، كذلك رَواه الأثرَمُ وغَيرُه عنه مِنْ طَريقِ أبي جَمرةَ عنه: لا يُشارِكَنَّ يَهوديًّا ولا نَصرانيًّا ولا مَجوسيًّا؛ لأنَّهم يُرْبونَ، والرِّبا لا يَحلُّ. وقد علَّلت طائِفةٌ كَراهةَ مُشارَكتِهم بأنَّ كَسبَهم غَيرُ طَيِّبٍ؛ فإنَّهم يَبيعونَ الخَمرَ والخِنزيرَ.
وهذه العِلَّةُ لا تُوجِبُ الكَراهةَ؛ فإنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ قال: «وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا أَثْمَانَهَا».
وما باعوه مِنَ الخَمرِ والخِنزيرِ قبلَ مُشاركةِ المُسلِمِ جازَ لهم شَركتُهم في ثَمنِه، وثَمنُه حَلالٌ؛ لاعتِقادِهم حِلَّه، وما باعوه واشتَرَوْه بمالِ الشَّركةِ فالعَقدُ فيه فاسِدٌ؛ فإنَّ الشَّريكَ وَكيلٌ، والعَقدَ يَقعُ لِلمُوكِّلِ، والمُسلِمُ لا يَثبُتُ مِلكُه على الخَمرِ والخِنزيرِ (١).
ثالِثًا: شُروطُ المَعقودِ عليه: وهو المالُ:
يُشترطُ في المالِ المَعقودِ عليه ما يلي:
١ - أنْ يَكونَ مِنَ الأثمانِ -النَّقدَيْن الذَّهبِ والفِضَّةِ -:
اختلَف الفُقهاءُ في مالِ الشَّركةِ هل يُشترطُ أنْ يَكونَ مِنَ النَّقدَيْن أو يَصحُّ بالمِثليِّ والعُروضِ.
فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُشترطُ في مالِ الشَّركةِ أنْ يَكونَ مِنَ الأثمانِ، وهي الدَّراهِمُ والدَّنانيرُ دونَ غَيرِهما؛ فلا تَصحُّ في العُروضِ.
стр. 4867
قال الحَنفيَّةُ: لا تَنعقِدُ الشَّركةُ إلا بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، والفُلوسِ النافِقةِ.
ولا يَجوزُ بما سِوى ذلك إلا أنْ يَتعاملَ الناسُ بالتِّبرِ والنَّقرةِ، فتَصحُّ الشَّركةُ بهما؛ لأنَّ التِّبرَ والنَّقرةَ تُشبهُ العُروضَ مِنْ وَجهٍ؛ لأنَّها ليست ثَمنًا لِلأشياءِ، وتُشبهُ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ مِنْ وَجهٍ؛ لأنَّ العَقدَ عليها صَرفٌ، فأُعطِيتِ الشَّبهَ مِنْ كلِّ واحِدٍ منهما، فاعتُبرتْ فيها عادةُ الناسِ في التَّعامُلِ؛ فإذا تَعامَلوا بها أُلحِقت بالدَّراهِمِ، وإنْ لَم يَتعامَلوا بها أُلحِقت بغَيرِ الدَّراهمِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ رأسُ المالِ مِنَ النَّقدَيْن المَضروبَيْن؛ لأنَّهما ثمَنُ المَبيعاتِ وقِيَمُ الأموالِ، والناسُ يَشترِكون بهما مِنْ زَمنِ النَّبيِّ ﷺ إلى زَمنِنا مِنْ غَيرِ نَكيرٍ، فلا تَصحُّ شَركةُ العِنانِ ولا المُضاربةِ بعَرضٍ، ولو كان العَرضُ مِثليًّا، كبُرٍّ وحَريرٍ، لأنَّ قيمَتَه رُبَّما زادت قبلَ بَيعِه، فيُشاركُه الآخَرُ في نَماءِ العَينِ التي هي مِلكُه (٢).
وقال الشافِعيَّةُ في المَذهبِ: تَصحُّ في كلِّ مِثليٍّ، أمَّا في النَّقدَيْن فبالإجماعِ؛ لأنَّهما قِيَمُ المُتلَفاتِ، وثمَنُ الأشياءِ في الأغلَبِ، وبهما تُعرفُ قِيَمُ الأموالِ، وما يَزيدُ فيها مِنَ الأرباحِ، وأمَّا غَيرُ النَّقدَيْن؛ كالقَمحِ والشَّعيرِ والحَديدِ ونَحوِهما؛ فيَجوزُ على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ؛ لأنَّهما مالانِ، إذا
стр. 4868
خُلِطا لَم يَتميَّزْ أحَدُهما عن الآخَرِ، فصَحَّ عَقدُ الشَّركةِ عليهما، كالدَّراهِمِ، والدَّنانيرِ.
والثاني: لا يَجوزُ؛ لأنَّ الشافِعيَّ ﵀ قال: ولا تَجوزُ الشَّركةُ في العُروضِ، وما له مِثلٌ مِنَ العُروضِ، ولأنَّها شَركةٌ على عُروضٍ، فلَم تَصحَّ، كالثِّيابِ، والحَيوانِ.
وعلى المَذهبِ تَصحُّ الشَّركةُ فيها؛ فإنْ كانت قيمَتُهما سَواءً أُخِذ كلُّ واحِدٍ منهما مِثلَ سِلعتِه يَومَ المُفاصلةِ، واقتَسما ما بَقيَ مِنَ الرِّبحِ، وإنْ كانت قيمَتُهما مُختلفةً، مِثلَ: أنْ كانت حِنطةُ أحَدِهما جَيَّدةً، وحِنطةُ الآخَرِ مُسوَّسةً، كان لكلِّ واحِدٍ منهما قيمةُ حِنطتِه يَومَ عَقدِ الشَّركةِ، واقتسَما ما بَقيَ مِنَ الرِّبحِ.
وعلى هذا: لا يُشترطُ التَّساوي في القيمةِ على الصَّحيحِ؛ فإنِ اختلَفت، كما إذا كان إردَبُّ هذا يُساوي عَشَرةً، وإردَبُّ هذا يُساوي خَمسةً فهُما شَريكانِ مُثالَثةً.
كلُّ هذا إذا أنشأَ العَقدَ على عُروضٍ مُتميِّزةٍ لكلِّ واحِدٍ منهما، فلو عَقداها على عُروضٍ مُشتَركةٍ بإرْثٍ أو ابتياعٍ أو غَيرِهما تَصحُّ، سَواءٌ كانت مِثليَّةً أو مُتقوَّمةً (١).
стр. 4869
حُكمُ الشَّركةِ في العُروضِ:
شَركةُ العُروضِ: هي أنْ يُخرجَ هذا مَتاعًا فيُقيِّمَه، ويُخرجَ هذا مَتاعًا فيُقيِّمَه، ثم يَشترِكانِ بالقيمَتَيْن؛ لِيَكونَ المَتاعانِ بينَهما إنْ رَبِحا فيه كان بينَهما، وإنْ خَسِرا فيه كان الخُسرانُ عليهما (١).
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ الشَّركةِ في العُروضِ هل تَصحُّ أو لا؟ على قَولَيْن.
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الشَّركةَ لا تَصحُّ في العُروضِ، وحَكى ابنُ المُنذِرِ فيه الإجماعَ (٢) وهو غَيرُ صَحيحٍ، كما سيأتي.
وعلَّل الحَنفيَّةُ عَدمَ جَوازِ الشَّركةِ بالعُروضِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ فيها على الوَجهِ الذي تَضمَّنتْه الشَّركةُ لا يَصحُّ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ قال لِغَيرِه: بِعْ عَرضَكَ على أنَّ ثَمنَه بينَنا، لا يَصحُّ؟ وإذا لم تَجُزِ الوَكالةُ -التي هي مِنْ ضَرورياتِ الشَّركةِ- لَم تَنعقِدِ الشَّركةُ، بخِلافِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ؛ فإنَّ التَّوكيلَ فيها على الوَجهِ الذي تَضمَّنتْه الشَّركةُ يَصحُّ، ألَا تَرى أنَّه لو قال له رَجلٌ: «اشتَرِ بألْفٍ مِنْ مالِك على أنَّ ما تَشتريه بينَنا وأنا أشتَري بألْفٍ مِنْ مالي على أنَّ ما اشتَريتُه بينَنا» فإنَّه يَجوزُ ذلك؟ ولأنَّ أوَّلَ التَّصرُّفِ في العُروضِ البَيعُ، وفي النُّقودِ الشِّراءُ، ولأنَّ بَيعَ أحَدِهما مالَه على أنْ يَكونَ الآخَرُ شَريكًا في ثَمنِه لا يَجوزُ، وشِراءَ أحَدِهما شَيئًا بمالِه على أنْ يَكونَ المَبيعُ بينَه وبينَ غَيرِه جائِزٌ.
стр. 4870
ولأنَّ الشَّركةَ في العُروضِ تُؤدِّي إلى جَهالةِ الرِّبحِ عندَ القِسمةِ؛ لأنَّ رأسَ المالِ يَكونُ قيمةَ العُروضِ، لا عَينَها، والقيمةُ مَجهولةٌ؛ لأنَّها تُعرَفُ بالحَزرِ والظَّنِّ، فيَصيرُ الرِّبحُ مَجهولًا، فيُؤدِّي إلى المُنازعةِ عندَ القِسمةِ، وهذا المَعنى لا يُوجدُ في الدَّراهمِ والدَّنانيرِ، لأنَّ رأسَ المالِ مِنَ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ عندَ القِسمةِ عَينُها، فلا يُؤدِّي إلى جَهالةِ الرِّبحِ، «ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن رِبحِ ما لَم يُضمَنْ»، والشَّركةُ في العُروضِ تُؤدِّي إلى رِبحِ ما لَم يُضمَنْ؛ لأنَّ العُروضَ غَيرُ مَضمونةٍ بالهَلاكِ؛ فإنَّ مَنِ اشتَرى شَيئًا بعَرضٍ بعَينِه فهَلَك العَرضُ قَبلَ التَّسليمِ لا يَضمنُ شَيئًا آخَرَ، لأنَّ العُروضَ تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، فيَبطلُ البَيعُ؛ فإذا لَم تَكُنْ مَضمونةً فالشَّركةُ فيها تُؤدِّي إلى رِبحِ ما لَم يُضمنْ وإنَّه مَنهيٌّ عنه، بخِلافِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ؛ فإنَّها مَضمونةٌ بالهَلاكِ؛ لأنَّها لا تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ؛ فالشَّركةُ فيها لا تُؤدِّي إلى رِبحِ ما لَم يُضمنْ، بل يَكونُ رِبحَ ما ضُمِنَ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: لا تَصحُّ في المُتقوَّمِ مِنَ العُروضِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ الخَلطُ في المُتقوَّماتِ؛ لأنَّها أعيانٌ مُتميِّزةٌ، وحينَئذٍ قد يَتلَفُ مالُ أحَدِهما أو يَنقُصُ فلا يُمكِنُ قِسمةُ الآخَرِ بَينَهما، ولأنَّ مَوضوعَ الشَّركةِ على ألَّا يَنفرِدَ أحَدُ الشَّريكَيْن برِبحِ مالِ أحَدِهما، وهذه الشَّركةُ تُفضي إلى ذلك؛ لأنَّه قد تَزيدُ قيمةُ عَرضِ أحَدِهما، ولا تَزيدُ قيمةُ عَرضِ الآخَرِ، فيُشارِكُه مَنْ لَم تَزِدْ قيمةُ عَرضِه عندَ المُفاصَلةِ، وهذا لا سَبيلَ إليه؛ فإنْ كان لكلِّ واحِدٍ منهما عَبدٌ