وابنُ عبَّاسُ ﵄ إنَّما كَرِه مُشارَكتَهم لِمُعامَلتِهم بالرِّبا، كذلك رَواه الأثرَمُ وغَيرُه عنه مِنْ طَريقِ أبي جَمرةَ عنه: لا يُشارِكَنَّ يَهوديًّا ولا نَصرانيًّا ولا مَجوسيًّا؛ لأنَّهم يُرْبونَ، والرِّبا لا يَحلُّ. وقد علَّلت طائِفةٌ كَراهةَ مُشارَكتِهم بأنَّ كَسبَهم غَيرُ طَيِّبٍ؛ فإنَّهم يَبيعونَ الخَمرَ والخِنزيرَ.
وهذه العِلَّةُ لا تُوجِبُ الكَراهةَ؛ فإنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ قال: «وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا أَثْمَانَهَا».
وما باعوه مِنَ الخَمرِ والخِنزيرِ قبلَ مُشاركةِ المُسلِمِ جازَ لهم شَركتُهم في ثَمنِه، وثَمنُه حَلالٌ؛ لاعتِقادِهم حِلَّه، وما باعوه واشتَرَوْه بمالِ الشَّركةِ فالعَقدُ فيه فاسِدٌ؛ فإنَّ الشَّريكَ وَكيلٌ، والعَقدَ يَقعُ لِلمُوكِّلِ، والمُسلِمُ لا يَثبُتُ مِلكُه على الخَمرِ والخِنزيرِ (١).
ثالِثًا: شُروطُ المَعقودِ عليه: وهو المالُ:
يُشترطُ في المالِ المَعقودِ عليه ما يلي:
١ - أنْ يَكونَ مِنَ الأثمانِ -النَّقدَيْن الذَّهبِ والفِضَّةِ -:
اختلَف الفُقهاءُ في مالِ الشَّركةِ هل يُشترطُ أنْ يَكونَ مِنَ النَّقدَيْن أو يَصحُّ بالمِثليِّ والعُروضِ.
فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُشترطُ في مالِ الشَّركةِ أنْ يَكونَ مِنَ الأثمانِ، وهي الدَّراهِمُ والدَّنانيرُ دونَ غَيرِهما؛ فلا تَصحُّ في العُروضِ.
стр. 4867
قال الحَنفيَّةُ: لا تَنعقِدُ الشَّركةُ إلا بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، والفُلوسِ النافِقةِ.
ولا يَجوزُ بما سِوى ذلك إلا أنْ يَتعاملَ الناسُ بالتِّبرِ والنَّقرةِ، فتَصحُّ الشَّركةُ بهما؛ لأنَّ التِّبرَ والنَّقرةَ تُشبهُ العُروضَ مِنْ وَجهٍ؛ لأنَّها ليست ثَمنًا لِلأشياءِ، وتُشبهُ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ مِنْ وَجهٍ؛ لأنَّ العَقدَ عليها صَرفٌ، فأُعطِيتِ الشَّبهَ مِنْ كلِّ واحِدٍ منهما، فاعتُبرتْ فيها عادةُ الناسِ في التَّعامُلِ؛ فإذا تَعامَلوا بها أُلحِقت بالدَّراهِمِ، وإنْ لَم يَتعامَلوا بها أُلحِقت بغَيرِ الدَّراهمِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ رأسُ المالِ مِنَ النَّقدَيْن المَضروبَيْن؛ لأنَّهما ثمَنُ المَبيعاتِ وقِيَمُ الأموالِ، والناسُ يَشترِكون بهما مِنْ زَمنِ النَّبيِّ ﷺ إلى زَمنِنا مِنْ غَيرِ نَكيرٍ، فلا تَصحُّ شَركةُ العِنانِ ولا المُضاربةِ بعَرضٍ، ولو كان العَرضُ مِثليًّا، كبُرٍّ وحَريرٍ، لأنَّ قيمَتَه رُبَّما زادت قبلَ بَيعِه، فيُشاركُه الآخَرُ في نَماءِ العَينِ التي هي مِلكُه (٢).
وقال الشافِعيَّةُ في المَذهبِ: تَصحُّ في كلِّ مِثليٍّ، أمَّا في النَّقدَيْن فبالإجماعِ؛ لأنَّهما قِيَمُ المُتلَفاتِ، وثمَنُ الأشياءِ في الأغلَبِ، وبهما تُعرفُ قِيَمُ الأموالِ، وما يَزيدُ فيها مِنَ الأرباحِ، وأمَّا غَيرُ النَّقدَيْن؛ كالقَمحِ والشَّعيرِ والحَديدِ ونَحوِهما؛ فيَجوزُ على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ؛ لأنَّهما مالانِ، إذا
стр. 4868
خُلِطا لَم يَتميَّزْ أحَدُهما عن الآخَرِ، فصَحَّ عَقدُ الشَّركةِ عليهما، كالدَّراهِمِ، والدَّنانيرِ.
والثاني: لا يَجوزُ؛ لأنَّ الشافِعيَّ ﵀ قال: ولا تَجوزُ الشَّركةُ في العُروضِ، وما له مِثلٌ مِنَ العُروضِ، ولأنَّها شَركةٌ على عُروضٍ، فلَم تَصحَّ، كالثِّيابِ، والحَيوانِ.
وعلى المَذهبِ تَصحُّ الشَّركةُ فيها؛ فإنْ كانت قيمَتُهما سَواءً أُخِذ كلُّ واحِدٍ منهما مِثلَ سِلعتِه يَومَ المُفاصلةِ، واقتَسما ما بَقيَ مِنَ الرِّبحِ، وإنْ كانت قيمَتُهما مُختلفةً، مِثلَ: أنْ كانت حِنطةُ أحَدِهما جَيَّدةً، وحِنطةُ الآخَرِ مُسوَّسةً، كان لكلِّ واحِدٍ منهما قيمةُ حِنطتِه يَومَ عَقدِ الشَّركةِ، واقتسَما ما بَقيَ مِنَ الرِّبحِ.
وعلى هذا: لا يُشترطُ التَّساوي في القيمةِ على الصَّحيحِ؛ فإنِ اختلَفت، كما إذا كان إردَبُّ هذا يُساوي عَشَرةً، وإردَبُّ هذا يُساوي خَمسةً فهُما شَريكانِ مُثالَثةً.
كلُّ هذا إذا أنشأَ العَقدَ على عُروضٍ مُتميِّزةٍ لكلِّ واحِدٍ منهما، فلو عَقداها على عُروضٍ مُشتَركةٍ بإرْثٍ أو ابتياعٍ أو غَيرِهما تَصحُّ، سَواءٌ كانت مِثليَّةً أو مُتقوَّمةً (١).
стр. 4869
حُكمُ الشَّركةِ في العُروضِ:
شَركةُ العُروضِ: هي أنْ يُخرجَ هذا مَتاعًا فيُقيِّمَه، ويُخرجَ هذا مَتاعًا فيُقيِّمَه، ثم يَشترِكانِ بالقيمَتَيْن؛ لِيَكونَ المَتاعانِ بينَهما إنْ رَبِحا فيه كان بينَهما، وإنْ خَسِرا فيه كان الخُسرانُ عليهما (١).
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ الشَّركةِ في العُروضِ هل تَصحُّ أو لا؟ على قَولَيْن.
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الشَّركةَ لا تَصحُّ في العُروضِ، وحَكى ابنُ المُنذِرِ فيه الإجماعَ (٢) وهو غَيرُ صَحيحٍ، كما سيأتي.
وعلَّل الحَنفيَّةُ عَدمَ جَوازِ الشَّركةِ بالعُروضِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ فيها على الوَجهِ الذي تَضمَّنتْه الشَّركةُ لا يَصحُّ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ قال لِغَيرِه: بِعْ عَرضَكَ على أنَّ ثَمنَه بينَنا، لا يَصحُّ؟ وإذا لم تَجُزِ الوَكالةُ -التي هي مِنْ ضَرورياتِ الشَّركةِ- لَم تَنعقِدِ الشَّركةُ، بخِلافِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ؛ فإنَّ التَّوكيلَ فيها على الوَجهِ الذي تَضمَّنتْه الشَّركةُ يَصحُّ، ألَا تَرى أنَّه لو قال له رَجلٌ: «اشتَرِ بألْفٍ مِنْ مالِك على أنَّ ما تَشتريه بينَنا وأنا أشتَري بألْفٍ مِنْ مالي على أنَّ ما اشتَريتُه بينَنا» فإنَّه يَجوزُ ذلك؟ ولأنَّ أوَّلَ التَّصرُّفِ في العُروضِ البَيعُ، وفي النُّقودِ الشِّراءُ، ولأنَّ بَيعَ أحَدِهما مالَه على أنْ يَكونَ الآخَرُ شَريكًا في ثَمنِه لا يَجوزُ، وشِراءَ أحَدِهما شَيئًا بمالِه على أنْ يَكونَ المَبيعُ بينَه وبينَ غَيرِه جائِزٌ.
стр. 4870
ولأنَّ الشَّركةَ في العُروضِ تُؤدِّي إلى جَهالةِ الرِّبحِ عندَ القِسمةِ؛ لأنَّ رأسَ المالِ يَكونُ قيمةَ العُروضِ، لا عَينَها، والقيمةُ مَجهولةٌ؛ لأنَّها تُعرَفُ بالحَزرِ والظَّنِّ، فيَصيرُ الرِّبحُ مَجهولًا، فيُؤدِّي إلى المُنازعةِ عندَ القِسمةِ، وهذا المَعنى لا يُوجدُ في الدَّراهمِ والدَّنانيرِ، لأنَّ رأسَ المالِ مِنَ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ عندَ القِسمةِ عَينُها، فلا يُؤدِّي إلى جَهالةِ الرِّبحِ، «ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن رِبحِ ما لَم يُضمَنْ»، والشَّركةُ في العُروضِ تُؤدِّي إلى رِبحِ ما لَم يُضمَنْ؛ لأنَّ العُروضَ غَيرُ مَضمونةٍ بالهَلاكِ؛ فإنَّ مَنِ اشتَرى شَيئًا بعَرضٍ بعَينِه فهَلَك العَرضُ قَبلَ التَّسليمِ لا يَضمنُ شَيئًا آخَرَ، لأنَّ العُروضَ تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، فيَبطلُ البَيعُ؛ فإذا لَم تَكُنْ مَضمونةً فالشَّركةُ فيها تُؤدِّي إلى رِبحِ ما لَم يُضمنْ وإنَّه مَنهيٌّ عنه، بخِلافِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ؛ فإنَّها مَضمونةٌ بالهَلاكِ؛ لأنَّها لا تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ؛ فالشَّركةُ فيها لا تُؤدِّي إلى رِبحِ ما لَم يُضمنْ، بل يَكونُ رِبحَ ما ضُمِنَ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: لا تَصحُّ في المُتقوَّمِ مِنَ العُروضِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ الخَلطُ في المُتقوَّماتِ؛ لأنَّها أعيانٌ مُتميِّزةٌ، وحينَئذٍ قد يَتلَفُ مالُ أحَدِهما أو يَنقُصُ فلا يُمكِنُ قِسمةُ الآخَرِ بَينَهما، ولأنَّ مَوضوعَ الشَّركةِ على ألَّا يَنفرِدَ أحَدُ الشَّريكَيْن برِبحِ مالِ أحَدِهما، وهذه الشَّركةُ تُفضي إلى ذلك؛ لأنَّه قد تَزيدُ قيمةُ عَرضِ أحَدِهما، ولا تَزيدُ قيمةُ عَرضِ الآخَرِ، فيُشارِكُه مَنْ لَم تَزِدْ قيمةُ عَرضِه عندَ المُفاصَلةِ، وهذا لا سَبيلَ إليه؛ فإنْ كان لكلِّ واحِدٍ منهما عَبدٌ
стр. 4871
يُساوي مِئةً، وأرادا الشَّركةَ، باعَ أحَدُهما نِصفَ عَبدِه بنِصفِ عَبدِ صاحبِه، ثم يَتقاصَّانِ، ويأذنُ كلُّ واحِدٍ منهما لِصاحبِه في التَّصرُّفِ، وإنْ كانت قيمةُ أحَدِهما مِئتَيْن، وقيمةُ الآخَرِ مِئةً باعَ مَنْ قيمةُ عَبدِه مِئتانِ ثُلثَ عَبدِه بثُلثَيْ عَبدِ الآخَرِ، وإنً شاءا .. باعَ كلُّ واحِدٍ منهما مِنْ صاحبِه بَعضَ عَرضِه بثَمنٍ في ذِمَّتِه، ثم تَقاصَّا، وإنْ شاءا اشتَريا عَرضًا مِنْ رَجلٍ بثَمنٍ في ذِمَّتِهما، ثم دَفعا عَرضَيْهما عما في ذِمَّتِهما.
وتَصحُّ في المِثليِّ كالبُرِّ؛ والشَّعيرِ، والحَديدِ، كما تَقدَّم (١).
وعلَّل الحَنابِلةُ عَدمَ جَوازِ الشَّركةِ بالعُروضِ بأنَّ الشَّركةَ إمَّا أنْ تَقعَ على أعيانِ العُروضِ أو قيمَتِها أو أثمانِها: ولا يَجوزُ وُقوعُها على أعيانِها؛ لأنَّ الشَّركةَ تَقتَضي الرُّجوعَ عندَ المُفاضَلةِ برأسِ المالِ أو بمِثلِه، وهذه لا مِثلَ لها فيُرجَعُ عليه، وقد تَزيدُ قِيمةُ جِنسِ أحَدِهما دونَ الآخَرِ فيَستوعبُ بذلك جَميعَ الرِّبحِ أو جَميعَ المالِ، وقد تَنْقُصُ قيمَتُها فيُؤدِّي إلى أنْ يُشارِكَه في ثَمنِ مِلكِه الذي ليس برِبحٍ، ولا على قيمَتِها، لأنَّ القيمةَ غَيرُ مُتحقَّقةِ القَدْرِ فيُفضي إلى التَّنازُعِ، وقد يَقومُ الشَّيءُ بأكثَرَ مِنْ قيمَتِه، ولأنَّ القيمةَ قد تَزيدُ في أحَدِهما قبلَ بَيعِه فيُشارِكُه الآخَرُ في العَينِ المَملوكةِ له.
ولا يَجوزُ وُقوعُها على أثمانِها؛ لأنَّها مَعدومةٌ حالَ العَقدِ، ولا يَملِكانِها؛ لأنَّه إنْ أراد ثمَنَها الذي اشتَراها به فقد خرَج عن مِلكِه وصار
стр. 4872
لِلبائعِ، وإنْ أراد ثَمنَها الذي يَبيعُها به فإنَّها تَصيرُ شَركةً مُعلَّقةً على شَرطٍ، وهو بَيعُ الأعيانِ، وهذا لا يَجوزُ (١).
وذهَب المالِكيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى جَوازِ الشَّركةِ في العُروضِ.
قال المالِكيَّةُ: تَصحُّ الشَّركةُ بعَينٍ مِنْ جانِبٍ وبعَرضٍ مِنَ الآخَرِ، بأنْ يُخرجَ أحَدُهما طعامًا أو عُروضًا، والآخَرُ دَنانيرَ أو دَراهمَ، ويَشتَرِكا على القِيَمِ؛ فإنِ اعتَدلَت قيمةُ الطَّعامِ أو العُروضِ مع المالِ فجائِزٌ على أنَّ الرِّبحَ والوَضيعةَ بينَهما سَواءٌ، والعَملَ أيضًا بينَهما بالسَّويَّةِ على قَدْرِ رُؤوسِ أموالِهما.
وكذا تَصحُّ بعَرضَيْن، مِنْ كلِّ جانِبٍ عَرضٌ، مُطلَقًا، اتَّفقا جِنسًا، أو اختَلفا، كعَبدٍ وحِمارٍ أو ثَوبٍ.
ودخَل فيه طَعامٌ مِنْ جِهةٍ، وعَرضٌ مِنْ أُخرى.
واعتُبِر كلٌّ مِنَ العَرضَيْن أو العَرضِ مع العَينِ بالقيمةِ يَومَ العَقدِ، كالشَّركةِ في العَينِ مع العَرضِ بالعَينِ وقيمةِ العَرضِ؛ فإنْ كانت قيمَتُه قَدْرَ العَينِ فالشَّركةُ بالنِّصفِ، وإنْ كانت قَدْرَها مَرَّتَيْن فبالثُّلثِ والثُّلثَيْن، وفي العَرضَيْن بقيمةِ كلٍّ؛ فإنْ تَساوَيا فبالنِّصفِ، وإنْ تَفاوَتا فبحَسَب كلٍّ إنْ صَحَّت الشَّركةُ.
قال القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: وإنَّما أجَزْنا الشَّركةَ بالعُروضِ،
стр. 4873
وصِفتُها: أنْ يُخرجَ أحَدُهما ثَوبًا، والآخَرُ ثَوبًا أو عَرضًا غَيرَه، ويَعقِدا الشَّركةَ بينَهما على أنْ يَكونَ الرِّبحُ بقَدْرِ رأسِ المالِ، فيَصحَّ عندَنا، وإنْ لَم يَذكُرْ أثمانًا، ولا قالا: «إنَّ ثَمنَ هذا الثَّوبِ كذا، وثَمنَ هذا الآخَرِ كذا»، وإذا سكَتا عن ذلك انعَقدتِ الشَّركةُ بينَهما على قيمةِ العُروضِ فيَكونُ رأسُ مالِ كلِّ واحِدٍ قيمةَ عَرضِه، وسَواءٌ كانتِ العُروضُ مما يَتميَّزُ أعيانُها، كالثِّيابِ والدَّراهِمِ السُّودِ مع البِيضِ، أو مما لا يَتميَّزُ، كالحِنطةِ والعَسلِ … ودليلُنا على جَوازِ الشَّركةِ بالعُروضِ على الوَجهِ الذي قَدَّرناه قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ولأنَّ العُروضَ أعيانُ أموالٍ، فجازتِ الشَّركةُ فيها، وإنْ لَم يُسمِّيا أثمانَها اعتِبارًا بما لا يَتميَّزُ، ولأنَّ حَقيقةَ الشَّركةِ أنْ يُملِّك أحَدُهما الآخَرَ نِصفَ عَرضِه، وتَحصُلَ أيديهما على جَميعِ المالِ، وهذا مَوجودٌ في مَسألتِنا، كما لو صرَّح بأنْ قال له: «بِعتُك نِصفَ ثَوبي بنِصفِ ثَوبِك»، أو إذا كان مما لا يَتميَّزُ (١).
قال ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الشَّركةُ بالطَّعامِ مِنْ صِنفٍ واحِدٍ، فأجازَها ابنُ القاسِمِ قياسًا على إجماعِهم على جَوازِها في الصِّنفِ الواحِدِ مِنَ الذَّهبِ أو الفِضَّةِ.
ومنَعها مالِكٌ في أحَدِ قَولَيْه -وهو المَشهورُ- بعَدمِ المُناجَزةِ الذي يَدخلُ فيه، إذْ رأى أنَّ الأصلَ هو ألَّا يُقاسَ على مَوضعِ الرُّخصةِ بالإجماعِ،
стр. 4874
وقد قيلَ: إنَّ وَجهَ كَراهيةِ مالِكٍ لذلك أنَّ الشَّركةَ تَفتقِرُ إلى الاستِواءِ في القيمةِ، والبَيعَ يَفتقِرُ إلى الاستِواءِ في الكَيلِ، فافتَقرتِ الشَّركةُ بالطَّعامَيْن مِنْ صِنفٍ واحِدٍ إلى استِواءِ القيمةِ والكَيلِ، وذلك لا يَكادُ يُوجدُ، فكَرِه مالِكٌ ذلك (١).
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: ولا تَجوزُ الشَّركةُ بالطَّعامِ إذا اختلَف مِثلُ القَمحِ والشَّعيرِ، أو صِنفٌ مِنَ القَمحِ بغَيرِه، أو عَدَسٍ بفُولٍ أو تَمرٍ بزَبيبٍ أو زَيتٍ بسَمنٍ أو عَسلٍ أو سَمنِ بَقرٍ بسَمنِ غَنمٍ أو زَيتٍ أحمَرَ بأسوَدَ، أو شَيءٍ بشَيءٍ مِنْ صِنفِه ليس مِثلَه في عَينِه وجَودَتِه وحالِه، ولا تَجوزُ الشَّركةُ بهذا كلِّه وما كان مِثلَه، لا على الكَيلِ ولا على القيمةِ (٢).
وقال الإمامُ أحمدُ ﵀ في الرِّوايةِ الأخرى -واختارَها كَثيرٌ مِنْ أصحابِه- بأنَّ الشَّركةَ تَصحُّ في العُروضِ؛ لأنَّ مَقصودَ الشَّركةِ جَوازُ تَصرُّفِهما في المالَيْن جَميعًا، وكَونُ الرِّبحِ بينَهما، وهذا يَحصُلُ في العُروضِ مِنْ غَيرِ غَررٍ، كما يَحصُلُ في الأثمانِ، ويُجعَلُ رأسُ المالِ قيمَتَها وَقتَ العَقدِ؛ لِيَتمكَّنَ العامِلُ مِنْ رَدِّ رأسِ المالِ عندَ التَّفاضُلِ، كما أنَّا جَعلنا نِصابَ زَكاتِها قيمَتَها، وسَواءٌ كانت العُروضُ مِنْ ذواتِ الأمثالِ، كالحُبوبِ أو لا (٣).
стр. 4875
١ - الحيلةُ في جَوازِ الشَّركةِ في العُروضِ:
هناك عِدةُ حِيَلٍ ذَكرَها الفُقهاءُ الذين منَعوا جَوازَ الشَّركةِ لِتُصبحَ الشَّركةُ بالعُروضِ جائِزةً.
فالحِيلةُ في جَوازِها عندَ الحَنفيَّةِ إذا كان مع كلِّ واحِدٍ منهما عَرضٌ:
أنْ يَبيعَ كلُّ واحِدٍ منهما نِصفَ مالِه بنِصفِ مالِ صاحِبِه حتى يَصيرَ مالُ كلِّ واحِدٍ منهما نِصفَيْن، وتَحصُلَ شَركةُ مِلكٍ بينَهما ثم يَعقِدا بعدَ ذلك عَقدَ الشَّركةِ؛ فتَجوزَ بلا خِلافٍ.
وصُورتُه: رَجلانِ لهما مالٌ لا يَصلُحُ لِلشَّركةِ كالعُروضِ، والحَيوانِ، ونَحوِ ذلك، وأرادا الشَّركةَ، فالطَّريقُ فيه أنْ يَبيعَ أحَدُهما نِصفَ مالِه مَشاعًا بنِصفِ مالِ الآخَرِ مَشاعًا أيضًا؛ فإذا فَعلا ذلك صار المالُ شَركةً بينَهما، شَركةَ أملاكٍ، ثم يَعقِدا بعدَه عَقدَ الشَّركةِ؛ لِيَكونَ كلُّ واحِدٍ منهما وَكيلًا عن صاحبِه، لأنَّه إذا باع كلُّ واحِدٍ منهما نِصفَ مالِه بنِصفِ ما لِلآخَرِ صار نِصفُ مالِ كلِّ واحِدٍ منهما مَضمونًا على الآخَرِ بالثَّمنِ، فكان الرِّبحُ الحاصِلُ رِبحَ مالٍ مَضمونٍ، فيَكونَ العَقدُ صَحيحًا.
وهذا إذا كانت قيمةُ مَتاعِهما على السَّواءِ.
فإنْ كان بينَهما تَفاوُتٌ يَبيعُ صاحِبُ الأقَلِّ بقَدْرِ ما ثَبتتْ به الشَّركةُ، بأنْ كانت قيمةُ عَرضِ أحَدِهما أربَعَمِئةٍ، وقيمةُ عَرضِ الآخَرِ مِئةً، يَبيعُ صاحِبُ
стр. 4876
الأقَلِّ أربَعةَ أخماسِ عَرضِه بخُمُسِ عَرضِ الآخَرِ، فيَصيرُ المَتاعُ كلُّه أخماسًا، ويَكونُ الرِّبحُ بينَهما على قَدْرِ رأسِ مالَيْهما، والحاجةُ إلى العَقدِ بعدَ شَركةِ المِلكِ لِيَثبُتَ تَوكيلُ كلِّ واحِدٍ منهما لِصاحبِه ببَيعِ نَصيبِه.
أمَّا لو كان مِنْ أحَدِهما دَراهِمُ ومِنَ الآخَرِ عُروضٌ، فالحيلةُ في جَوازِه أنْ يَبيعَ صاحِبُ العُروضِ نِصفَ عَرضِه بنِصفِ دراهِمِ صاحِبِه ويَتقابَضا ويَخلِطا جَميعًا حتى تَصيرَ الدَّراهمُ بينَهما والعُروضُ بينَهما ثم يَعقِدا عليهما عَقدَ الشَّركةِ فيَجوزَ (١).
وذكَر الشافِعيَّةُ حيلتانِ لِجَوازِ الشَّركةِ في العُروضِ:
الأُولى وهي لِلمُزنيِّ: فهو أنْ يَبيعَ كلُّ واحِدٍ منهما نِصفَ عَرضِه بنِصفِ عَرضِ صاحبِه ويَتقابَضاه فيَصيرَ كلُّ واحِدٍ مِنَ العَرضَيْن شَركةً بينَهما نِصفَيْن، ثم يأذَنَ كلُّ واحِدٍ منهما لِصاحبِه في التِّجارةِ، فهذه طَريقةُ صِحَّةِ الشَّركةِ في العُروضِ إذا لَم يَتبايَعا على شَرطِ الشَّركةِ.
والأخرى وهي لِلبَصريِّين: فهو أنْ يَشتريَ كلُّ واحِدٍ منهما نِصفَ عَرضِ صاحبِه بثَمنٍ في ذِمَّتِه ثم يَتقابَضا الثَّمنَ أو يَتبادَلاه، فيَصيرَ كلُّ واحدٍ مِنَ العَرضَيْن شَركةً بينَهما نِصفَيْن (٢).
стр. 4877
٢ - التَّساوي في المالَيْن:
ذهَب أبو القاسِمِ عُثمانُ بنُ سَعيدٍ الأنماطِيُّ مِنَ الشافِعيَّةِ إلى أنَّه يُشترطُ التَّساوي في قَدْرِ المالَيْن؛ فإذا كان مالُ أحَدِهما ألْفًا، ومالُ الآخَرِ ألفَيْن لَم تَصحَّ؛ لأنَّ الرِّبحَ يَحصُلُ بالمالِ والعَملِ، فكما لا يَجوزُ الاختِلافُ في الرِّبحِ مع التَّساوي في المالِ لا يَجوزُ الاختِلافُ في المالِ مع التَّساوي في العَملِ.
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ -وقد ضَعَّفوا قَولَ الأنماطيِّ- والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ التَّساوي في قَدْرِ المالَيْن، بل تَثبُتُ الشَّركةُ مع تَفاوُتِهما؛ لأنَّه لا مَحذورَ فيه، ولأنَّهما مالانِ مِنْ جِنسِ الأثمانِ، فجازَ عَقدُ الشَّركةِ عليهما، كما لو تَساوَيا، فيَجوزُ أنْ يَكونَ لِأحدِهما ألفٌ ولِلآخَرِ ألفانِ، وهكذا (١).
стр. 4878
٣ - خَلطُ المالَيْن:
اختلَف الفُقهاءُ: هل يُشترطُ في مالِ الشَّركةِ أنْ يَختلِطَ المالانِ بحيث لا يَتميَّزانِ أو لا يُشترطُ؟
فذهَب الشافِعيَّةُ وزُفَرُ مِنَ الحَنفيَّةِ في إحدى الرِّوايتَيْن عنه إلى أنَّه يُشترطُ خَلطُ المالَيْن، بحيث لا يَتميَّزانِ؛ لِيَتحقَّقَ مَعنى الشَّركةِ؛ لأنَّ الشَّركةَ عبارةٌ عن الاختِلاطِ، وذلك إنَّما يَتحقَّقُ في المِلكِ والمُعتبَرِ في كلِّ عَقدٍ ما هو قَضيةُ اسمِ ذلك العَقدِ؛ كالحَوالةِ، والكَفالةِ، والصَّرفِ؛ فإذا خلَطا المالَيْن على وَجهٍ لا يُمكِنُ تَمييزُ أحدِهما عن الآخَرِ فيه فقد ثَبتتِ الشَّركةُ، فأمَّا قبلَ الخَلطِ فالشَّركةُ لَم تَثبُتْ، حتى إذا هلَك رأسُ مالِ أحدِهما كان هالِكًا عليه خاصَّةً، فلا تَثبُتُ شَركةُ العَقدِ، لأنَّ مَعنى الاختِلاطِ فيه لا يَتحقَّقُ مَقصودًا.
ولا بُدَّ مِنْ كَونِ الخَلطِ قبلَ العَقدِ؛ فإنْ وقَع بعدَ العَقدِ في المَجلسِ لم يَصحَّ على الصَّحيحِ؛ إذْ لا اشتِراكَ حالَ العَقدِ، فيُعادُ العَقدُ بعدَ ذلك.
والثاني: يَجوزُ إنْ وقَع في المَجلسِ بعدَ العَقدِ؛ لأنَّه كالعَقدِ.
فإنْ حصَل الخَلطُ بعدَ المَجلسِ لَم يَجُزْ على الوَجهَيْن، وهو الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ، ومالَ إمامُ الحَرمَيْن إلى جَوازِه؛ لأنَّ الشَّركةَ تَوكيلٌ وتَوكُّلٌ.
ولا يَكفي الخَلطُ مع إمكانِ التَّمييزِ بنَحوِ اختِلافِ جِنسٍ، كدراهِمَ ودنانيرَ؛ فإنْ خلَط حينَئذٍ وتَلِفَ نَصيبُ أحدِهما تَلِف عليه فَقطْ، وتَعذَّرت الشَّركةُ في البَقيَّةِ (١).
стр. 4879
وذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ خَلطُ المالَيْن فتَصحُّ الشَّركةُ، وإنْ كان مالُ كلِّ واحِدٍ منهما في يَدِه إذا عَيَّنا المالَ وأحضَراه؛ لأنَّه عَقدٌ يُقصدُ به الرِّبحُ فلَم يُشترطْ فيه خَلطُ المالِ، كالمُضاربةِ، ولأنَّه عَقدٌ على التَّصرُّفِ فلَم يَكُنْ مِنْ شَرطِه أنْ تَكونَ أيديهما عليه كالوَكالةِ.
لأنَّ الشَّركةَ تَشتمِلُ على الوَكالةِ فما جازَ التَّوكيلُ به جازَتِ الشَّركةُ فيه، والتَّوكيلُ جائِزٌ في المالَيْن قبلَ الخَلطِ، كذا الشَّركةُ.
ولأنَّ الشَّركةَ في الرِّبحِ مُستندةٌ إلى العَقدِ دونَ المالِ، لأنَّ العَقدَ يُسمَّى شَركةً، ولا بُدَّ مِنْ تَحقيقِ مَعنى هذا الاسمِ فيه فلَم يَكُنِ الخَلطُ شَرطًا، ولأنَّ الدَّراهمَ، والدَّنانيرَ لا يَتعيَّنانِ فلا يُستفادُ الرِّبحُ برأسِ المالِ؛ وإنَّما يُستفادُ بالتَّصرُّفِ؛ لأنَّها في النِّصفِ أصيلٌ، وفي النِّصفِ وَكيلٌ، وإذا تَحقَّقتِ الشَّركةُ في التَّصرُّفِ بدونِ الخَلطِ تَحقَّقتْ في المُستفادِ به، وهو الرِّبحُ بدونِه، وصارتْ كالمُضاربةِ (١).
ثم اختلَف الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ فيما إذا تَلِف المالُ قبلَ الخَلطِ.
فقال الحَنفيَّةُ: إذا هلَك مالُ الشَّركةِ كلُّه بَطلتِ الشَّركةُ، وكذا لو هلَك أحَدُ المالَيْن قبلَ الخَلطِ، وقبلَ الشِّراءِ يَهلِكُ من مالِ صاحبِه وَحدَه سَواءٌ هلَك في يَدِ مالِكِه أو يَدِ شَريكِه؛ لأنَّه أمانةٌ في يَدِه، بخِلافِ ما بعدَ الخَلطِ،
стр. 4880
حيث يَهلِك عليهما لِعَدمِ التَّمييزِ، فتَبطُلُ الشَّركةُ؛ أمَّا الأولُ فلأنَّ مالَ كلِّ واحِدٍ قبلَ الشِّراءِ وقبلَ الخَلطِ باقٍ على مِلكِه، وأمَّا بُطلانُ الشَّركةِ فلأنَّ المَعقودَ عليه عَقدُ الشَّركةِ هو المالُ المُعيَّنُ؛ لأنَّه يَتعيَّنُ بالتَّعيينِ في الشَّركةِ، والهِبةِ، والوَصيَّةِ، وبهَلاكِ المَعقودِ عليه يَبطُلُ العَقدُ، كما في البَيعِ، بخِلافِ المُضاربةِ، والوَكالةِ المُفردةِ.
وهذا ظاهِرٌ فيما إذا هلَك المالانِ، وكذا إذا هلَك أحَدُهما؛ لأنَّه -أي الشَّريكَ- الذي لَم يَهلِك مالُه لَم يَرضَ بشَركةِ صاحبِه في مالِه إلا لِيُشرِكَه هو أيضًا في مالِه بتَقديرِ بَقائِه؛ فإذا فات ذلك ظهَر وُقوعُ ما لَم يَكُنْ راضيًا به عندَ عَقدِ الشَّركةِ فيَبطُلُ العَقدُ لِعَدمِ فائِدتِه، وهي الاشتِراكُ فيما يَحصُلُ.
فإنِ اشتَرى أحَدُهما بمالِه ثم هلَك مالُ الآخَرِ، فالمُشتَري بينَهما على ما شرَطا؛ لأنَّ المِلكَ حين وقَع وقَع مشتَركًا بينَهما لِقيامِ الشَّركةِ وَقتَ الشِّراءِ، لأنَّ الهَلاكَ لَم يَقعْ قبلَه لِيَبطُلَ فيَختصَّ المُشتَري بما اشتَراه، فلا يَتغيَّرُ حُكمُ الشَّركةِ بهَلاكِ مالِ الآخَرِ بعدَ ذلك (١).
وقال الحَنابِلةُ: إنْ تَلِف أحَدُ المالَيْن أو بَعضُه، ولو قبلَ الخَلطِ فالتالِفُ مِنْ ضَمانِهما معًا؛ لأنَّ الشَّركةَ اقتَضتْ ثُبوتَ المِلكِ لكلِّ واحِدٍ منهما في نِصفِ مالِ صاحبِه، فيَكونُ تَلفُه منها وزيادَتُه لها.
فالوَضيعةُ -ولو في أحدِ المالَيْن قبلَ الخَلطِ- عليهما على قَدْرِ المالِ
стр. 4881
بالحِسابِ؛ لأنَّها عبارةٌ عن نُقصانِ رأسِ المالِ، وهو مُختصٌّ بالقَدْرِ، فيَكونُ النَّقصُ منه دونَ غَيرِه، وسَواءٌ كانتِ الوَضيعةُ لِتَلفٍ أو نُقصانٍ في الثَّمنِ أو غَيرِ ذلك (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فاختلَف النَّقلُ والتَّرجيحُ عِندَهم وسَببُ الخِلافِ هل الشَّركةُ تَلزمُ بالعَقدِ، سَواءٌ خُلِطَ المالُ أو لا، أو لا بُدَّ مِنْ خَلطِ المالَيْن ولو حُكمًا.
قال القاضي عبدُ الوَهَّابِ ﵀: لا تَصحُّ الشَّركةُ إذا انفَردَ كلُّ واحِدٍ بمالِ نَفْسِه مِنْ غَيرِ أنْ تَكونَ يَدُ الآخَرِ عليه حتى تَكونَ أيديهما عليه، بأنْ يَجعَلاه في تابوتِهما أو حانوتِهما، أو على يَدِ وَكيلِهما، فتَصحُّ حينَئذٍ الشَّركةُ، وإنْ لَم يَخلِطاه، وإنْ كانت أعيانُه مُتميِّزةً.
وقال أبو حَنيفةَ ﵀: تَصحُّ الشَّركةُ وإنْ كان مالُ كلِّ واحِدٍ منهما في يَدِه إذا عَيَّنا المالَ وأحضَراه، إلا أنَّه متى هلَك أحَدُ المالَيْن كان مِنْ رَبِّه إذا هلَك قبلَ الخَلطِ.
وقال الشافِعيُّ ﵀: لا تَصحُّ الشَّركةُ إلا أنْ يَخلِطا رأسَ المالِ حتى لا يَتميَّزَ بَعضُه عن بَعضٍ.
فدَليلُنا على أبي حَنيفةَ: أنَّ الشَّركةَ تَقتَضي تَساويهما في الاشتِراكِ بالمالِ، وإذا انفرَد أحَدُهما بثُبوتِ يَدِه عليه لَم تُوجَدْ حَقيقةُ الشَّركةِ؛ لأنَّهما على ما كانا عليه مِنَ انفِرادِ المالَيْن، فلَم يَحصُلْ منهما إلا القَولُ، ومُجرَّدُ القَولِ لا
стр. 4882
تأثيرَ له؛ بدَليلِ أنَّهما لو تعاقَدا الشَّركةَ على مالٍ ولم يُعيِّناه لَم تَنعقِدْ، لأنَّ الشَّركةَ لا تَحصُلُ على مالٍ لَم تَثبُتْ أيديهما عليه، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنَ المالَيْن يَتلَفُ على مِلكِ صاحبِه، فلَم يَثبُتْ به شَركةٌ، أصلُه سائِرُ أموالِه، عَكسُه إذا خلَطاه، أو كانت أيديهما عليه، ولأنَّ كلَّ مالٍ في يَدِ صاحبِه كالشَّركةِ على الطَّعامِ، ولأنَّهم وافَقونا على أنَّ الخُسرانَ لا يَكونُ بينَهما، فكذلك يَجِبُ أنْ يَكونَ الرِّبحُ، بعِلَّةِ أنَّه أحَدُ نَوعَيِ الشَّركةِ.
ودَليلُنا على الشافِعيِّ: أنَّ أيديَهما ثابِتةٌ على المالَيْن كما لو خلَطاه (١).
لكنْ ذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ -وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ- إلى أنَّ الشَّركةَ تَلزمُ بالعَقدِ، أي: بما يَدلُّ عليها عُرفًا، سَواءٌ كان قَولًا، ك: «اشتَركْنا»، أو فِعلًا كخَلطِ المالَيْن، أو هُما معًا، وأمَّا القَولُ بأنَّ الخَلطَ شَرطٌ في لُزومِها فهو قَولُ سَحنونٍ، ودرَج عليه القاضي عَبدُ الوَهَّابِ في القَولِ الذي ذكَرتُه قَبلُ، وهو خِلافُ المَشهورِ.
وإنَّما الصَّحيحُ: أنَّ الخَلطَ شَرطٌ في الضَّمانِ، فما تَلِفَ من مالِ الشَّركةِ قبلَ الخَلطِ فمِن رَبِّه دونَ صاحبِه، إنْ كان مالُ الشَّركةِ مِثلِيًّا، كعَينٍ، وإلَّا بأنْ حصَل التَّلفُ بعدَ الخَلطِ، أو كان المالُ عَرضًا، فمنهما الضَّمانُ معًا، ولا يَختصُّ برَبِّ المالِ، ثم إذا تَلِف شَيءٌ قبلَ الخَلطِ -وقُلنا: ضَمانُه مِنْ رَبِّه فقط- فالشَّركةُ لَم تَنفسِخْ؛ لأنَّها لَازمةٌ بالعَقدِ.
ويَكونُ ما اشتَرى بالسالِمِ بينَهما على ما دخَلا عليه مِنْ مُناصَفةٍ أو
стр. 4883
غَيرِها، وعلى المالِ التالِفِ ثَمَنُ ما يَخصُّه مِنَ الشَّركةِ نِصفًا أو أقَلَّ أو أكثَرَ، أي: فإذا اشتَرى بالسالِمِ سِلعةً بمِئةٍ فعلى الذي تَلِف مالُه نِصفُ المِئةِ، حيث كانت الشَّركةُ على المُناصفةِ.
ولا فَرقَ في الخَلطِ بينَ كَونِه حِسًّا -بألَّا يَتميَّزَ مالُ أحدِهما مِنَ الآخَرِ- أو حُكمًا بأنْ جعَلا مَجموعَ المالَيْن ببَيتٍ واحِدٍ، وجعَلا عليه قُفلَيْن بيَدِ كلٍّ منهما مِفتاحُ الآخَرِ، أو جعَل كلٌّ منهما ذهَبه في صُرَّةٍ وجعَلاهما تحتَ يَدِ أحدِهما أو في تابوتِه أو خُرجِه.
ولا يَضرُّ انفِرادُ أحدِ الشَّريكَيْن بشَيءٍ من مالِ الشَّركةِ يَتَّجرُ فيه على حِدةٍ في مَكانٍ آخَرَ في البَلدِ، أو في بَلدٍ آخَرَ، على أنَّ ما حصَل مِنْ رِبحٍ في كلٍّ فهو بينَهما على ما دخَلا عليه (١).
٤ - أنْ يَكونَ المالانِ مِنْ جِنسٍ واحِدٍ:
اختلَف الفُقهاءُ هل يُشترطُ أنْ يَكونَ المالانِ في الشَّركةِ مِنْ جِنسٍ واحِدٍ أو تَصحُّ مع اختِلافِ الجِنسَيْن بأنْ كان لِأحدِهما دَراهِمُ ولِلآخَرِ دَنانيرُ.
فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ وأشهَبُ مِنَ المالِكيَّةِ إلى أنَّه لا يُشترطُ أنْ يَكونَ المالانِ مِنْ جِنسٍ واحِدٍ، فيَصحُّ أنْ يَكونَ المالُ مِنْ أحَدِهما دَراهِمَ ومِنَ الآخَرِ دَنانيرَ؛ لأنَّ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ قد أُجرِيت مَجرى الجِنسِ الواحِدِ
стр. 4884
في كَثيرٍ مِنَ الأحكامِ، بدَليلِ أنَّه يُضمُّ بَعضُها إلى بَعضٍ في الزَّكاةِ، فصارَ العَقدُ عليهما كالعَقدِ على الجِنسِ الواحِدِ.
وذهَب الشافِعيَّةُ وزُفَرُ مِنَ الحَنفيَّةِ إلى أنَّه يُشترطُ في المالَيْن أنْ يَكونا مِنْ جِنسٍ واحِدٍ، فلا يَصحُّ مِنْ أحَدِهما دَراهِمُ ومِنَ الآخَرِ دَنانيرُ؛ لأنَّ هذا يَتميَّزُ بعدَ خَلطِه، وما يَتميَّزُ بعدَ خَلطِه لا تَصحُّ الشَّركةُ به كالعُروضِ (١).
وقال المالِكيَّةُ: إنَّما تَصحُّ الشَّركةُ بذهبَيْن: بأنْ أخرَج هذا ذَهبًا، والآخَرُ ذَهبًا، ولو اختلَفت السَّكَّةُ، أو بوَرِقَيْن -فِضَّةٍ- بأنْ أخرَج هذا وَرِقًا والآخَرُ وَرِقًا مِثلَه إنِ اتَّفقَ الذَّهبانِ أو الوَرِقانِ صَرفًا وَقتَ العَقدِ، ووَزنًا وجَودةً أو رَداءةً.
فإنْ كان المالُ مِنْ أحَدِهما ذَهبًا ومِنَ الآخَرِ فِضَّةً لَم تَصحَّ على المَشهورِ؛ لأنَّه صَرفٌ وشَركةٌ؛ فالشَّركةُ -مِنْ جِهةِ- بَيعِ كلٍّ منهما بَعضُ مالِ الآخَرِ بقَطعِ النَّظرِ عن كَونِ أحَدِ المالَيْن ذَهبًا والآخَرِ فِضَّةً، والصَّرفُ -مِنْ جِهةٍ بَيعِ أحَدِهما بمالِ الآخَرِ- مَنظورٌ فيه؛ لِخُصوصِ كَونِ أحَدِ المالَيْن ذَهبًا والآخَرِ فِضَّةً؛ فآلَ الأمرُ إلى أنَّ بَيعَ الذَّهبِ بالفِضَّةِ هو الشَّركةُ والصَّرفُ، لكنَّهما مُختلِفان بالاعتِبارِ، كما عَلِمتَ.
стр. 4885
فإنْ عَمِلا فلكلٍّ رأسُ مالِه الذي أخرَجه، ويُفضُّ الرِّبحُ لكلِّ عَشَرةِ دَنانيرَ دِينارٌ مَثلًا، ولكلِّ عَشَرةِ دَراهِمَ دِرهَمٌ.
وتَصحُّ بالذَّهبِ والفِضَّةِ معًا مِنَ الشَّريكَيْن، بأنْ أخرَج أحَدُهما دنانيرَ ودَراهمَ، كعَشَرةِ دَنانيرَ، وعَشَرةِ دَراهمَ، وأخرَج الثاني مِثلَه؛ فتَصحُّ وتُعتبَرُ مُساواةُ ذَهبِ أحَدِهما لِذَهبِ الآخَرِ وَزنًا وصَرفًا وقيمةً، وفِضةِ أحَدِهما لِفِضةِ الآخَرِ كذلك، لأنَّ بالتَّساوي لَم يَجتمِعِ المَمنوعُ اجتماعُهما، وهُما صَرفٌ وشَركةٌ (١).
٥ - الرِّبحُ والخُسرانُ على قَدرِ المالَيْن:
اختلَف الفُقهاءُ في الرِّبحِ والخُسرانِ، هل يُشترطُ أنْ يَكونَ على قَدْرِ المالَيْن أو يَجوزُ التَّفاضُلُ في الرِّبحِ والخُسرانِ مع تَساوي المالَيْن أو التَّساوي في الرِّبحِ والخُسرانِ مع تَفاضُلِ المالَيْن.
فاتَّفَقوا على أنَّ الوَضيعةَ -الخُسرانَ- لا تَكونُ إلا على قَدْرِ المالَيْن؛ لأنَّها لا تَتعلَّقُ إلا بالمالِ، بدَليلِ المُضارَبةِ، ولأنَّه أمينٌ، واشتِراطُ الضَّمانِ على الأمينِ لا يَصحُّ (٢).
стр. 4886
ثم اختلَفوا في الرِّبحِ على هذا التَّفصيلِ الآتي:
قال المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وزُفَرُ مِنَ الحَنفيَّةِ: إنَّ الرِّبحَ والخُسرانَ يُقسمانِ على قَدْرِ المالَيْن؛ لأنَّ الرِّبحَ نَماءُ مالِهما، والخُسرانَ نُقصانُ مالِهما، فكانا على قَدْرِ المالَيْن؛ فإنْ شرَطا التَّفاضُلَ في الرِّبحِ والخُسرانِ مع تَساوى المالَيْن أو التَّساوي في الرِّبحِ أو الخُسرانِ مع تَفاضُلِ المالَيْن لَم يَصحَّ العَقدُ؛ لأنَّه شَرطٌ يُنافي مُقتَضى الشَّركةِ، فلَم يَصحَّ، كما لو شرَط أنْ يَكونَ الرِّبحُ لِأحَدِهما.
فإنْ تَصرَّفا مع هذا الشَّرطِ صَحَّ التَّصرُّفُ على الصَّحيحِ عندَ الشافِعيَّةِ؛ لأنَّ الشَّرطَ لا يُسقِطُ الإذنَ، فنفَذَ التَّصرُّفُ؛ فإنْ ربِحا أو خسِرا قُسِّم الرِّبحُ والخُسرانُ على قَدْرِ المالَيْن؛ لأنَّه مُستفادٌ بمالِهما، فكان على قَدْرِهما، كما لو كان بينَهما نَخيلٌ فأثمَرتْ.
والوَجهُ الآخَرُ: يَبطُلُ الإذنُ لِبُطلانِ الشَّرطِ فيه فلا يَجوزُ لِأحدِهما أنْ
стр. 4887
يَتصرَّفَ في جَميعِ المالِ؛ فإنْ تَصرَّف فيه كان كمَن تَصرَّف في مالٍ مُشتَركٍ عن شَركةٍ فاسِدةٍ.
فعلى المَذهبِ يَرجعُ كلُّ واحِدٍ على صاحبِه بأُجرةِ مِثلِ عَملِه في مالِه؛ فإنْ تَساوَيا في المالِ والعَملِ فنِصفُ عَملِ كلِّ واحِدٍ يَقعُ في مُقابَلةِ مالِه، فلا أُجرةَ فيه، ونِصفُه في مالِ صاحبِه، ويَستحِقُّ صاحبُه مِثلَ بَدَلِه عليه، فيَقعُ في التَّقاصِّ.
وإنْ تفاوَتا في العَملِ مع استِواءِ المالِ فساوَى عَملُ أحدِهما مِئتَيْن والآخَرِ مِئةً؛ فإنْ كان عَمِل مَنْ شُرِط له الزِّيادةُ أكثَرَ فنِصفُ عَملِه مِئةٌ ونِصفُ عَملِ صاحبِه خَمسونَ؛ فيَبقى له بعدَ التَّقاصِّ خَمسونَ.
وإنْ كان عَملُ صاحبِه أكثَرَ ففي رُجوعِه بخَمسينَ على مَنْ شُرِط له الزِّيادةُ وَجهانِ: أحَدُهما الرُّجوعُ، كما لو فسَد القِراضُ، وأصَحُّهما المَنعُ.
ويَجري الوَجهانِ فيما لو فسَدت الشَّركةُ واختَصَّ أحَدُهما بأصلِ التَّصرُّفِ والعَملِ، هل يَرجعُ بنِصفِ أُجرةِ عَملِه على الآخَرِ؟
أمَّا إذا تَفاوَتا في المالِ فكانَ لِأحَدِهما ألفٌ، ولِلآخَرِ ألفانِ وتَفاوَتا في العَملِ فعَمِل صاحِبُ الأكثَرِ أكثَرَ، بأنْ يُساويَ عَملُه مِئتَيْن، وعَملُ الآخَرِ مِئةً، فثُلثا عَملِه في مالِه، وثُلثُه في مالِ صاحبِه، وعَمِل صاحِبُه بالعَكسِ فيَكونُ لِصاحِبِ الأكثَرِ ثُلثُ المِئتَيْن على الأقَلِّ، ولِصاحِبِ الأقَلِّ ثُلُثا المِئةِ على صاحِبِ الأكثَرِ وقَدرُهما مُتَّفِقٌ، فيَقعُ في التَّقاصِّ.
وإنْ كان عَمِل صاحِبُ الأقَلِّ أكثَرَ، والتَّفاوُتُ كما صَوَّرنا فثُلثُ عَملِ
стр. 4888
صاحِبِ الأقَلِّ في مالِه، وثُلثاه في مالِ صاحبِه، وثُلثا عَملِ صاحِبِ الأكثَرِ في مالِه، وثُلثُه في مالِ شَريكِه، فيَبقى لِصاحِبِ الأقَلِّ على الأكثَرِ مِئةٌ بعدَ التَّقاصِّ.
ولو تَساوَيا في العَملِ فلِصاحِبِ الأقَلِّ ثُلثا المِئةِ على صاحِبِ الأكثَرِ، ولِصاحِبِ الأكثَرِ ثُلثُ المِئةِ عليه، فثُلثٌ تَقاصٌّ، ويَبقى لِصاحِبِ الأقَلِّ ثُلثُ المِئةِ.
والوَجهُ الآخَرُ: يَبطُلُ الإذنُ لِبُطلانِ الشَّرطِ فيه، فلا يَجوزُ لِأحَدِهما أنْ يَتصرَّفَ في جَميعِ المالِ؛ فإنْ تَصرَّف فيه كان كمَن تَصرَّف في مالٍ مُشترَكٍ عن شَركةٍ فاسِدةٍ.
ولو كان ثُلثُ المالِ لِأحَدِ الشَّريكَيْن وثُلثاه لِلآخَرِ فشرَطا أنْ يَكونَ الرِّبحُ بينَهما نِصفَيْن على أنْ يَنفرِدَ بالتِّجارةِ صاحِبُ الثُّلثِ وَحدَه جازَ، وكانت هذه شَركةً ومُضارَبةً بالبَدنِ؛ لأنَّ العامِلَ يأخُذُ الثُّلثَ بمِلكِه، وتَمامَ النِّصفِ بعَملِه، وخرَج عن حُكمِ المُفاضَلةِ إلى حُكمِ المُضارَبةِ، وهذا في وَجهٍ، وفي الوَجهِ الآخَرِ -وهو الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ- أنَّ هذا لا يَصحُّ، كما لو شُرِط التَّفاوتُ في الخُسرانِ؛ فإنَّه يُلغَى ويُوزَّعُ الخُسرانُ على المالِ، ولا يَصحُّ جَعلُه مُضارَبةً؛ فإنَّ هناك يَقعُ العَملُ مُختصًّا بمِلكِ المالِكِ، وهنا بمِليكَيْهما (١).
стр. 4889
وقال المالِكيَّةُ: العَملُ بينَهما في مالِ الشَّركةِ يَجِبُ أنْ يَكونَ بينَهما بقَدْرِ المالَيْن، ويَكونَ الرِّبحُ والخُسرُ بينَهما بقَدْرِ المالَيْن مُناصَفةً وغَيرَها، وصَحَّتِ الشَّركةُ إنْ دخَلا على ذلك أو سكَتا، ويُقضى عليهما بذلك؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما حائِزٌ لِلنِّصفِ، وله حُجةٌ.
وتَفسُدُ الشَّركةُ بشَرطِ التَّفاوتِ في ذلك عندَ العَقدِ، كما لو أخرَج أحَدُهما ألفًا مَثلًا، والآخَرُ ألفَيْن، وشرَطا التَّساويَ في الرِّبحِ والعَملِ؛ فإنْ وقَع ذلك وعُثِر عليه قبلَ العَملِ؛ فإنَّ عَقدَ الشَّركةِ يُفسخُ، وبعدَ العَملِ يُقسَمُ الرِّبُح على قَدْرِ المالَيْن، ولا يُلتفَتُ إلى اشتِراطِهما التَّفاوتَ؛ لأنَّ الشَّرطَ كان فاسِدًا، فيَرجعُ صاحِبُ الألفَيْن بفاضِلِ الرِّبحِ، وهو سُدسُه، ويَنزِعُه مِنْ صاحِبِ الألْفِ إنْ كان قبَضه؛ لِيُكملَ له ثُلثاه، ويَرجعُ صاحِبُ الألفِ بفاضِلِ عَملِه فيأخُذُ سُدسَ أُجرةِ المَجموعِ، وإنَّما يَرجِعُ أحَدُهما على الآخَرِ بأُجرةِ المِثلِ؛ لأنَّ عَقدَ الشَّركةِ المُبتَغى منه الاشتِراكُ في الرِّبحِ الحادثِ؛ فإذا وقَع فاسِدًا وجَب أنْ يَستحِقَّ العامِلُ أُجرةَ مِثلِ عَملِه على عامِلِ غَيرِه كالقِراضِ.
وإنَّما يُشترطُ أنْ يَكونَ العَملُ والرِّبحُ على قَدْرِ رُؤوسِ الأموالِ؛ لأنَّه قد ثبَت أنَّ عَقدَ الشَّركةِ يُوجِبُ في جِهةِ كلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن قِسطًا مِنَ الرِّبحِ والخُسرانِ، ثم اتَّفقا على أنَّ أحَدَهما لو شرَط على الآخَرِ جُزءًا مِنَ الخُسرانِ أنْ يَنفرِدَ به كان ذلك غَيرَ جائِزٍ، كذلك إذا شرَط جُزءًا مِنَ الرِّبحِ بعِلَّةِ أنَّهما ثمَرتا مالِ الشَّركةِ، فوجَب تَساويهما فيه بقَدْرِ المالِ، ولأنَّ الرِّبحَ ثَمنُه المالُ،
стр. 4890
والمالَ أصلُه، وجَب أنْ يَتقسَّطَ بينَ الشَّريكَيْن على قَدْرِ المِلكِ كأُجرةِ العَقارِ.
وإنَّما يَجِبُ التَّساوي في العَملِ على قَدْرِ رُؤوسِ الأموالِ، كالرِّبحِ؛ لِما ذكَرناه في الرِّبحِ، ولأنَّ اشتِراطَ الزِّيادةِ استِئجارٌ مِنْ مُشترِطِها لِلآخَرِ بفَضلِ رِبحِ مالِه، وذلك غَررٌ، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ ترَك العَملَ يَستحِقُّ عليه بحَقِّ الشَّركةِ بما بذَله مِنْ فَضلِ رِبحِ مالِه، كما لو شرَط العَملَ على صاحِبِ الألفَيْن، ويَكونُ الرِّبحُ بينَهما نِصفَيْن، أو شرَط أكثَرَ الرِّبحِ لِلذي لا يَعملُ، وأقَلَّه لِلذي يَعملُ.
ولِأحَدِ الشَّريكَيْن التَّبرُّعُ لِصاحِبِه بشَيءٍ مِنَ الرِّبحِ أو العَملِ بعدَ العَقدِ على الصِّحةِ -أمَّا في أثناءِ العَقدِ أو فيه فلا يَجوزُ؛ لأنَّ ذلك سلفٌ جَرَّ نَفعًا-؛ فإذا عقَدا على أنَّ لِصاحِبِ ثُلثِ المالِ الثُّلثَ مِنَ الرِّبحِ، وعليه ثُلثَ العَملِ، فالعَقدُ صَحيحٌ، وله أنْ يَعملَ بعدَ ذلك النِّصفَ أو أكثَرَ، ولِصاحبِ الثُّلثَيْن أنْ يَتبرَّعَ له بشَيءٍ مِنْ رِبحِه؛ لأنَّه مِنْ بابِ المَعروفِ والصِّلةِ.
وله الهِبةُ لِصاحِبِه والسَّلفُ، بأنْ يُسلِفَ صاحبَه شَيئًا بعدَ العَقدِ الواقِعِ صَحيحًا لا في حينِه (١).
стр. 4891
وجاءَ في «المُدوَّنةِ»: في الشَّركةِ بالمالَيْن المُتفاضِلَيْن على أنَّ الرِّبحَ والوَضيعةَ بينَهما بالسَّويَّةِ.
قُلتُ: أرأيتَ إنْ أخرجتُ ألفَ دِرهمٍ، وأخرَج رَجلٌ آخَرُ ألفَيْ دِرهمٍ، فاشتَركْنا على أنَّ الرِّبحَ بينَنا والوَضيعةَ بينَنا نِصفَيْن؟
قال: قد أخبَرتُك أنَّها فاسِدةٌ عندَ مالِكٍ.
قُلتُ: فإنْ عمِلا على هذه الشَّركةِ فرَبِحا؟
قال: قد أخبَرتُك أنَّ الرِّبحَ بينَهما على قَدْرِ رُؤوسِ أموالِهما عندَ مالِكٍ، ويَكونُ لِلقَليلِ رأسُ المالِ على صاحبِه مِنَ الأُجرةِ بحالِ ما وَصفتُ لك.
قُلتُ: فإنْ عمِلا فوضَعا نِصفَ رأسِ المالِ الذي في أيديهما؟
قال: الوَضيعةُ عندَ مالِكٍ عليهما على قَدْرِ رُؤوسِ أموالِهما؛ لأنَّ الفَضلَ الذي يَفضُله به صاحبُه على رأسِ مالِه، إنَّما كان ذلك الفَضلُ في ضَمانِ صاحبِه الذي الفَضلُ له، ولَم يَضمنْ له شَريكُه مِنْ ذلك الفَضلِ شَيئًا، ألَا تَرى أنَّ رِبحَ ذلك الفَضلِ إنَّما هو لِلذي له الفَضلُ؟ فهذا يَدلُّك على أنَّ المُصيبةَ في الفَضلِ مِنَ الذي له الفَضلُ.
قُلتُ: فإنْ ذهَب رأسُ المالِ خَسارةً، أو ركِبَهما ثلاثةُ آلافِ دِينارٍ مِنْ تِجارَتِهما بعدَ وَضيعَتِهما رأسَ المالِ كلَّه، كيف تَكونُ هذه الوَضيعةُ عليهما والشَّركةُ فاسِدةٌ على ما وَصفتُ لك، وقد كان شَرطُهما على أنَّ الوَضيعةَ بينَهما نِصفان؟ قال: أرى الدَّينَ الذي لَحِقهما مِنْ تِجارَتِهما، يَكونُ عليهما على قَدْرِ رُؤوسِ أموالِهما، فيَكونُ على صاحِبِ الألفِ ثُلثُ هذا الدَّينِ،
стр. 4892
ويَكونُ على الذي كان رأسُ مالِه ألفَيْن ثُلثا هذا الدَّينِ، لأنَّ الشَّركةَ إنَّما وَقعَت بينَهما بالمالِ، ليس بالأبدانِ، فما لَحِقهما مِنْ دَينٍ فُضَّ على المالِ الذي به وَقعَت الشَّركةُ بينَهما، وهو رأسُ أموالِهما، فيَكونُ على الذي رأسُ مالِه ألفٌ مِنَ الدَّينِ الذي لَحِق الثُّلثُ، وعلى الذي رأسُ مالِه ألفانِ الثُّلثانِ، ولا يُلتفَتُ إلى الشَّرطِ الذي شرَطاه بينَهما، لأنَّ الشَّرطَ كان فاسِدًا، وقال: وهذا الآخَرُ لَم أسمَعْه مِنْ مالِكٍ، ولكنَّه رأيي مِثلَما قال لي مالِكٌ مِنَ الوَضيعةِ في رأسِ المالِ (١).
وذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَتفاضَلا في الرِّبحِ مع تَساوي المالَيْن، أو أنْ يَتساوَيا في الرِّبحِ مع تَفاضُلِ المالَيْن؛ لأنَّ العَملَ مما يُستحَقُّ به الرِّبحُ، فجازَ أنْ يَتفاضَلا في الرِّبحِ مع وُجودِ العَملِ منهما كالمُضارِبَيْن لِرَجلٍ واحِدٍ، وذلك لأنَّ أحَدَهما قد يَكونُ أبصَرَ بالتِّجارةِ مِنَ الآخَرِ وأقوى على العَملِ ولا يَرضى بالمُساواةِ، فمَسَّت الحاجةُ إلى التَّفاضُلِ، فجازَ له أنْ يَشترطَ زِيادةً في الرِّبحِ في مُقابَلةِ عَملِه، كما يُشترَطُ الرِّبحُ في مُقابَلةِ عَملِ المُضاربِ يُحقِّقُه أنَّ هذه الشَّركةَ مَعقودةٌ على المالِ والعَملِ جَميعًا، ولكلِّ واحِدٍ منهما حِصَّةٌ مِنَ الرِّبحِ إذا كان مُنفرِدًا، فذلك إذا اجتَمَعا.
وأمَّا الوَضيعةُ فلا تَكونُ إلا على قَدْرِ المالَيْن كما تَقدَّم باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ؛ لأنَّها لا تَتعلَّق إلا بالمالِ بدَليلِ المُضارَبةِ؛ ولأنَّه أمينٌ، واشتِراطُ الضَّمانِ على الأمينِ لا يَصحُّ (٢).
стр. 4893
قال الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا شَركةُ العِنانِ فلا يراعَى لها شَرائِطُ المُفاوَضةِ، فلا يُشترطُ فيها أهليَّةُ الكَفالةِ وغيرها، لأنَّ اعتِبارَ هذه الشَّرائِطِ في المُفاوضاتِ لِدِلالةِ اللَّفظِ عليها، وهو مَعنى المُساواةِ، ولَم يُوجَدْ في العِنانِ ولا المُساواةِ في الرِّبحِ، فيَجوزُ مُتَفاضِلًا ومُتساوِيًا لِما قُلنا.
والأصلُ: أنَّ الرِّبحَ إنَّما يُستحَقُّ عندَنا إمَّا بالمالِ وإمَّا بالعَملِ وإمَّا بالضَّمانِ، أمَّا ثُبوتُ الاستِحقاقِ بالمالِ فظاهِرٌ؛ لأنَّ الرِّبحَ نَماءُ رأسِ المالِ، فيَكونُ لِمالِكِه، ولِهذا استَحقَّ رَبُّ المالِ الرِّبحَ في المُضارَبةِ، وأمَّا بالعَملِ فإنَّ المُضارِبَ يَستحِقُّ الرِّبحَ بعَملِه، فكذا الشَّريكُ، وأمَّا بالضَّمانِ فإنَّ المالَ إذا صارَ مَضمونًا على المُضارِبِ يُستحَقُّ جَميعَ الرِّبحِ، ويَكونُ ذلك بمُقابَلةِ الضَّمانِ خَراجًا بضَمانٍ، بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الخَراجُ بالضَّمانِ»؛ فإذا كان ضَمانُه عليه كان خَراجُه له.
والدَّليلُ عليه: أنَّ صانِعًا تَقبَّل عَملًا بأْجْرٍ ثم لَم يَعملْ بنَفْسِه، ولكنْ قَبِله لِغَيرِه بأقَلَّ مِنْ ذلك، طابَ له الفَضلُ، ولا سَببَ لِاستِحقاقِ الفَضلِ إلا الضَّمانُ، فثبَت أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما سَببٌ صالِحٌ لِاستِحقاقِ الرِّبحِ؛ فإنْ لَم يُوجَدْ شَيءٌ مِنْ ذلك لا يُستحَقُّ، بدَليلِ أنَّ مَنْ قال لِغَيرِه: «تَصرَّفْ في مِلكِك
стр. 4894
على أنَّ لي بَعضَ رِبحِه»، لَم يَجُزْ، ولا يَستحِقُّ شَيئًا مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّه لا مالَ ولا عَملَ ولا ضَمانَ.
إذا عُرِف هذا نَقولُ: إذا شرَطا الرِّبحَ على قَدْرِ المالَيْن مُتَساويًا أو مُتفاضِلًا، فلا شَكَّ أنَّه يَجوزُ ويَكونُ الرِّبحُ بينَهما على الشَّرطِ سَواءٌ شرَطا العَملَ عليهما أو على أحَدِهما، والوَضيعةُ على قَدْرِ المالَيْن مُتساويًا ومُتفاضِلًا؛ لأنَّ الوَضيعةَ اسمٌ لِجُزءٍ هالِكٍ مِنَ المالِ، فيَتقدَّرُ بقَدْرِ المالِ.
وإنْ كان المالانِ مُتساويَيْن فشرَطا لِأحَدِهما فَضلًا على رِبحٍ يُنْظَرُ:
إنْ شرَطا العَملَ عليهما جَميعًا جازَ، والرِّبحُ بينَهما على الشَّرطِ في قَولِ أصحابِنا الثلاثةِ، وعندَ زُفَرَ لا يَجوزُ أنْ يُشترطَ لِأحدِهما أكثَرُ مِنْ رِبحِ مالِه، وبه أخذَ الشافِعيُّ ﵀، ولا خِلافَ في شَركةِ المِلكِ أنَّ الزِّيادةَ فيها تَكونُ على قَدْرِ المالِ، حتى لو شرَط الشَّريكانِ في مِلكِ ماشيةٍ لِأحدِهما فَضلًا مِنْ أولادِها وألبانِها لَم تَجُزْ بالإجماعِ، والكَلامُ بينَنا وبينَ زُفَرَ بِناءً على أصلٍ، وهو أنَّ الرِّبحَ عندَه لا يُستحَقُّ إلا بالمالِ؛ لأنَّه نَماءُ المِلكِ، فيَكونُ على قَدْرِ المالِ، كالأولادِ والألبانِ.
وأمَّا عندَنا فالرِّبحُ تارةً يُستحَقُّ بالمالِ، وتارةً بالعَملِ، وتارةً بالضَّمانِ على ما بَيَّنَّا، وسَواءٌ عمِلا جَميعًا أو عمِل أحدُهما دونَ الآخَرِ؛ فالرِّبحُ بينَهما يَكونُ على الشَّرطِ، لأنَّ استِحقاقَ الرِّبحِ في الشَّركةِ بالأعمالِ بشَرطِ العَملِ، لا بوُجودِ العَملِ، بدَليلِ أنَّ المُضارِبَ إذا استَعانَ برَبِّ المالِ استَحقَّ الرِّبحَ، وإنْ لَم يُوجَدْ منه العَملُ؛ لِوُجودِ شَرطِ العَملِ عليه، والوَضيعةُ على قَدْرِ المالَيْن؛ لِما قُلنا.
стр. 4895
وإنْ شرَطا العَملَ على أحَدِهما؛ فإنْ شرَطاه على الذي شرَطا له فَضلَ الرِّبحِ جازَ، والرِّبحُ بينَهما على الشَّرطِ فيَستحِقُّ رِبحَ رأسِ مالِه بمالِه، والفَضلَ بعَملِه.
وإنْ شرَطاه على أقَلِّهما رِبحًا لَم يَجُزْ؛ لأنَّ الذي شرَطا له الزِّيادةَ ليس له في الزِّيادةِ مالٌ ولا عَملٌ ولا ضَمانٌ، وقد بَيَّنَّا أنَّ الرِّبحَ لا يُستحَقُّ إلا بأحَدِ هذه الأشياءِ الثلاثةِ.
وإنْ كان المالانِ مُتَفاضِلَيْن وشرَطا التَّساويَ في الرِّبحِ فهو على هذا الخِلافِ جائِزٌ عندَ أصحابِنا الثلاثةِ إذا شرَطا العَملَ عليهما، وكان زيادةُ الرِّبحِ لِأحدِهما على قَدْرِ رأسِ مالِه بعَملِه، وهو جائِزٌ، وعلى قَولِ زُفَرَ لا يَجوزُ، ولا بُدَّ أنْ يَكونَ قَدرُ الرِّبحِ على قَدْرِ رأسِ المالَيْن عندَه.
وإنْ شرَطا العَملَ على أحَدِهما؛ فإنْ شرَطاه على الذي رأسُ مالِه أقَلُّ جازَ، ويَستحِقُّ قَدْرَ رِبحِ مالِه بمالِه، وقَدْرَ الفَضلِ بعَملِه، وإنْ شرَطاه على صاحبِ الأكثَرِ لَم يَجُزْ؛ لأنَّ زِيادةَ الرِّبحِ في حَقِّ صاحِبِ الأقلِّ لا يُقابِلُها مالٌ ولا عَملٌ ولا ضَمانٌ (١).
٦ - العِلمُ بقَدْرِ المالَيْن:
اختلَف الفُقهاءُ في رأسِ المالِ هل يُشترطُ أنْ يَكونَ مَعلومًا وَقتُ العَقدِ أو لا؟
فذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ العِلمَ بمِقدارِ رأسِ المالِ وَقتَ العَقدِ ليس بشَرطٍ لِجَوازِ الشَّركةِ بالأموالِ.
стр. 4896
قال الكاسانيُّ ﵀: العِلمُ بمِقدارِ رأسِ المالِ وَقتَ العَقدِ، فليس بشَرطٍ لِجَوازِ الشَّركةِ بالأموالِ عِندَنا وعندَ الشافِعيِّ ﵀ شَرطٌ.
وَجهُ قَولِه: أنَّ جَهالةَ قَدْرِ رأسِ المالِ تُؤدِّي إلى جَهالةِ الرِّبحِ، والعِلمُ بمِقدارِ الرِّبحِ شَرطُ جَوازِ هذا العَقدِ، فكان العِلمُ بمِقدارِ رأسِ المالِ شَرطًا.
ولنا: أنَّ الجَهالةَ لا تَمنعُ جَوازَ العَقدِ لِعَينِها، بل لِإفضائِها إلى المُنازعةِ، وجَهالةُ رأسِ المالِ وَقتَ العَقدِ لا تُفضي إلى المُنازَعةِ؛ لأنَّه يُعلَمُ مِقدارُه ظاهِرًا وغالِبًا؛ لأنَّ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ تُوزَنانِ وَقتَ الشِّراءِ فيُعلَمُ مِقدارُها، فلا يُؤدِّي إلى جَهالةِ مِقدارِ الرِّبحِ وَقتَ القِسمةِ (١).
وقال الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ: لا يُشترطُ العِلمُ بقَدْرِ كلٍّ مِنَ المالَيْن، أهو النِّصفُ أم غَيرُه عندَ العَقدِ إذا أمكَن مَعرِفتُه مِنْ بَعدُ بمُراجَعةِ حِسابٍ أو وَكيلٍ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَعدوهما، وقد تَراضَيا بخِلافِ ما لا يُمكِنُ مَعرِفتُه.
والوَجهُ الثاني: أنَّ ذلك يُشترطُ، وإلا أدَّى إلى جَهلِ كلٍّ منهما بما أذِنَ فيه، وبما أذِن له فيه.
ومأخَذُ الخِلافِ: أنَّه إذا كان بينَ اثنَيْن مالٌ مُشتَركٌ كلٌّ منهما جاهِلٌ بقَدْرِ حِصَّتِه فأذِن كلٌّ منهما لِلآخَرِ في التَّصرُّفِ في نَصيبِه منه يَصحُّ الإذنُ في الأصَحِّ، ويَكونُ الثَّمنُ بينَهما كالمُثمَّنِ، ولو جَهِلَا القَدْرَ وعَلِما النِّسبةَ، بأنْ وضَع أحَدُهما الدَّراهمَ في كِفَّةِ المِيزانِ ووضَع الآخَرُ بإزائِها مِثلَها صَحَّ جَزمًا؛ لأنَّه لا مَحذورَ فيه؛ لِتَراضيهما بذلك.
стр. 4897
وشَرطُ المَسألةِ: أنْ تُمكِنَ مَعرِفتُها بعدَ العَقدِ، وهو كذلك؛ فإنْ لَم يَكُنْ كذلك بطَل.
فلو كان لهما ثَوبانِ فاشتَبها لَم يَكْفِ ذلك لِعَقدِ الشَّركةِ، لأنَّ ثَوبَ كلٍّ منهما مُتميِّزٌ عن الآخَرِ، لكنْ عَرَضَ لهما الاشتِباهُ (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالوا: يُشترطُ أنْ يَكونَ كُلٌّ مِنَ المالَيْن مَعلومًا قَدْرًا وصِفةً عندَ العَقدِ؛ لأنَّه لا بُدَّ مِنَ الرُّجوعِ برأسِ المالِ، ولا يُمكِنُ مع جَهلِه.
وإنِ اشتَركا في مالٍ مُختلِطٍ بينَهما شائِعٍ كما وَرِثاه أو اتَّهَباه، ولَم يَعلَما كَمِّيَّتَه صَحَّ عَقدُ الشَّركةِ إنْ عَلِما قَدْرَ مالِ كلٍّ منهما فيه مِنْ نِصفٍ أو رُبعٍ ونَحوِ ذلك، لِانتِفاءِ الغَررِ بذلك (٢).
٧ - أنْ يَكونَ الرِّبحُ مَعلومَ القَدْرِ: بأنْ تَكونَ نِسبةُ كلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن مَعلومةً، كنِصفِه أو ثُلثِه أو رُبعِه؛ لأنَّ الرِّبحَ مُستحَقٌّ لهما بحَسَب الاشتِراطِ، فلَم يَكُنْ بُدٌّ مِنَ اشتِراطِه كالمُضارَبةِ؛ فإنْ قالا: والرِّبحُ بينَنا، فهو بينَهما نِصفانِ؛ فإنْ كان مَجهولًا تَفسُدُ الشَّركةُ عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ، لأنَّ الجَهالةَ تَمنعُ تَسليمَ الواجِبِ، ولأنَّ الرِّبحَ هو المَعقودُ عليه، وهو المَقصودُ
стр. 4898
مِنَ الشَّركةِ، فلا يَجوزُ الإخلالُ به، لأنَّ جَهالةَ المَعقودِ عليه تَستوجِبُ فَسادَ العَقدِ، كما في البَيعِ والإجارةِ (١).
أمَّا المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ فلَم يَذكُروا هذا الشَّرطَ؛ لأنَّ الرِّبحَ عِندَهم يَكونُ على قَدْرِ المالَيْن، وليس على ما يَشترِطانِه كما تَقدَّم.
٨ - وأنْ يَكونَ الرِّبحُ جُزءًا مَشاعًا في الجُملةِ: اشتَرطَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ أنْ يَكونَ الرِّبحُ جُزءًا شائِعًا في الجُملةِ، لا مُعيَّنًا؛ فإنْ عَيَّنا عَشَرةً أو مِئةً أو نَحوَ ذلك لَم تَصحَّ الشَّركةُ؛ لِاحتِمالِ ألَّا يَربَحها أو ألا يَربحَ غَيرَها، أو شرَطا رِبحَ أحدِ الثَّوبَيْن أو إحدى السَّفرَتَيْن، أو رِبحَ تِجارةٍ في شَهرٍ أو عامٍ بعَينِه لَم تَصحَّ الشَّركةُ؛ لأنَّه قد يَربحُ في ذلك المُعيَّنِ دونَ غَيرِه، أو بالعَكسِ فيَختصَّ أحَدُهما بالرِّبحِ، وهو مُخالِفٌ لِمَوضوعِ الشَّركةِ، لأنَّ العَقدَ يَقتَضي تَحقَّقَ الشَّركةِ في الرِّبحِ، والتَّعيينُ يَقطَعُ الشَّركةَ؛ لِجَوازِ ألَّا يَحصُلَ مِنَ الرِّبحِ إلا القَدْرُ المُعيَّنُ لِأحَدِهما، فلا تَتحقَّقُ الشَّركةُ في الرِّبحِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لا يَجوزُ أنْ يُجعَلَ لِأحدٍ مِنَ الشُّركاءِ فَضلُ دَراهِمَ.
وجُملتُه أنَّه مَتى جعَل نَصيبَ أحدِ الشُّركاءِ دَراهِمَ مَعلومةً، أو جعَل مع نَصيبِه دراهِمَ، مِثلَ أنْ يَشترطَ لِنَفْسِه جُزءًا وعَشَرةَ دَراهِمَ بطَلَت الشَّركةُ.
قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَع كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على إبطالِ القِراضِ إذا شرَط أحَدُهما أو كِلاهما لِنَفْسِه دَراهِمَ مَعلومةً.
стр. 4899
وممَّن حَفِظنا ذلك عنه مالِكٌ، والأوزاعيُّ، والشافِعيُّ، وأبو ثَورٍ، وأصحابُ الرَّأيِ، والجَوابُ فيما لو قال: لكَ نِصفُ الرِّبحِ إلَّا عَشَرةَ دَراهِمَ، ونِصفُ الرِّبحِ وعَشَرةُ دَراهِمَ، كالجَوابِ فيما إذا شرَط دَراهِمَ مُفردةً.
وإنَّما لَم يَصحَّ ذلك لِمَعنيَيْن: أحَدُهما أنَّه إذا شرَط دَراهِمَ مَعلومةً احتمَل ألَّا يَربحَ غَيرَها فيَحصُلَ على جَميعِ الرِّبحِ، واحتمَل ألَّا يَربحَها فيأخُذَ مِنْ رأسِ المالِ جُزءًا، وقد يَربحُ كَثيرًا فيُستَضَرُّ مَنْ شُرِطت له الدَّراهِمُ.
والآخَرُ: أنَّ حِصَّةَ العامِلِ يَنبَغي أنْ تَكونَ مَعلومةً بالأجزاءِ، لَمَّا تَعذَّر كَونُها مَعلومةً بالقَدْرِ؛ فإذا جُهِلتِ الأجزاءُ فسَدتْ، كما لو جُهِل القَدْرُ فيما يُشترطُ أنْ يَكونَ مَعلومًا به؛ لأنَّ العامِلَ متى شرَط لِنَفْسِه دَراهِمَ فرُبَّما تَوانى في طلَب الرِّبحِ لِعَدمِ فائِدتِه فيه، وحُصولِ نَفعِه لِغَيرِه، بخِلافِ ما إذا كان له جُزءٌ مِنَ الرِّبحِ (١).
٩ - حُضورُ المالَيْن: اشتَرطَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ حُضورَ المالَيْن، لكنَّهما اختَلفا هل يَكونُ عندَ العَقدِ أو عندَ الشِّراءِ.
فقال الحَنابِلةُ: يُشترطُ حُضورُ المالَيْن عندَ العَقدِ، فلا تَصحُّ الشَّركةُ على مالٍ غائِبٍ عن مَجلِسِ العَقدِ، ولا على دَينٍ في الذِّمَّةِ؛ فإذا كان لِشَخصٍ دَينٌ على آخَرَ، وقال: «شارِكْني على أنَّ رأسَ المالِ الذي أدفَعُه هو الدَّينُ
стр. 4900
الذي لي عندَك»، فإنَّه لا يَصحُّ؛ لأنَّ الدَّينَ مالٌ غائِبٌ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ التَّصرُّفُ فيه في الحالِ، وهو مَقصودُ الشَّركةِ.
لكنْ إذا أحضَراه وتَفرَّقا، ووُجِد منهما ما يَدلُّ على الشَّركةِ فيه، انعَقدتْ حينَئذٍ (١).
وقال الحَنفيَّةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ رأسُ مالِ الشَّركةِ عَينًا حاضِرًا، لا دَينًا، أي: ألَّا يَكونَ المَطلوبُ مِنْ ذِمَمِ الناسِ رأسَ مالٍ لِلشَّركةِ، مَثلًا ليس لاثنَيْنِ أنْ يَتَّخِذا دَينَهما الذي في ذِمَّةِ آخَرَ رأسَ مالِ لِلشَّركةِ فيَعقِدا عليه الشَّركةَ، وإذا كان رأسُ مالِ أحَدِهما عَينًا والآخَرُ دَينًا لا تَصحُّ الشَّركةُ أيضًا، وألَّا يَكونَ مالًا غائبًا؛ فإنْ كانت لا تَجوزُ -عِنانًا كانت أو مُفاوضةً-، لأنَّ المَقصودَ مِنَ الشَّركةِ الرِّبحُ، وذلك بواسِطةِ التَّصرُّفِ، ولا يُمكِنُ في الدَّينِ ولا المالِ الغائِبِ، فلا يَحصُلُ المَقصودُ.
وإنَّما يُشترطُ الحُضورُ عندَ الشِّراءِ، لا عندَ العَقدِ، لأنَّ عَقدَ الشَّركةِ يَتمُّ بالشِّراءِ، فيُعتبَرُ الحُضورُ عندَه، حتى لو دفَع إلى رَجلٍ ألفَ دِرهَمٍ، فقال له: اخرُجْ مِثلَها واشتَرِ بهما وبِعْ، فما رَبِحتَ يَكونُ بينَنا، فأقامَ المأمورُ البَيِّنةَ أنَّه فعَل ذلك جازَ.
وإنْ لَم يَكُنِ المالُ حاضِرًا مِنَ الجانبَيْن عندَ العَقدِ لا يَكُنْ حاضرًا عندَ الشِّراءِ (٢).
стр. 4901
وأمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: إذا غابَ كِلا المالَيْن لَم تَصحَّ الشَّركةُ، ولو غاب أحَدُ المالَيْن أو بَعضُه، وكان المالُ الآخَرُ حاضِرًا، صَحَّت الشَّركةُ بقَيدَيْن:
الأولُ: ألَّا تَكونَ الغَيبةُ بَعيدةً جِدًّا، بأنْ قَرُبَ كاليَومِ واليَومَيْن.
والثاني: ألَّا يَتَّجِرَ بالمالِ الحاضِرِ؛ إلا بعدَ حُضورِ المالِ الغائبِ وقَبضِه.
فإنْ بَعُدت غَيبتُه أكثَرَ مِنْ يَومَيْن امتَنعَت الشَّركةُ، وإنْ كان لا يَتَّجِرُ إلا بعدَ قَبضِه، وكذا إنْ قَرُبت غَيبتُه واتَّجَر بالحاضِرِ قبلَ قَبضِ الغائِبِ لَم تَصحَّ.
فإنْ وقَع فالرِّبحُ لَمَّا حصَل به التَّجْرُ كما في بَعيدِ الغَيبةِ، قال في «المُدوَّنةِ»: لو أخرَج أحَدُهما ألفًا، والآخَرُ ألفًا، منها خَمسُمِئةٍ غائِبةٌ، ثم خرَج رَبُّها لِيَأتيَ بها، وخرَج بجَميعِ المالِ الحاضِرِ، فلَم يَجِدْها، فاشتَرى بجَميعِ ما معه تِجارةً، فإنَّما له ثُلثُ الفَضلِ، أي: الرِّبحِ.
وهذان القيدان لابنِ يُونُسَ، ومُقتَضى كَلامِ اللَّخميِّ عَدمُ اعتبارِهما (١).
الحُكمُ إذا اختَلَّ شَرطٌ مِنْ هذه الشُّروطِ؟
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الشَّركةَ إذا فَسدَت؛ فإنَّ الرِّبحَ والخُسرانَ فيها على قَدْرِ رأسِ المالِ، فيَرجِعُ كلُّ واحِدٍ منهما برِبحِ رأسِ مالِه أو بخُسرانِ رأسِ مالِه.
стр. 4902
لكنَّهم اختَلفوا هل يَرجِعُ أحَدُهما على الآخَرِ بأُجرةِ عَملِه في مالِه أو لا؟
فقال الجُمهورُ، المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ -خِلافًا لِلقَفَّالِ- والحَنابِلةُ: يَرجعُ أحَدُهما على الآخَرِ بأُجرةِ عَملِه في مالِه؛ لأنَّه عَقدٌ يُبتَغى به الرِّبحُ في الحالةِ الأُخرى، فإذا كان فاسِدًا استحَقَّ أُجرةَ عَملِه فيه، كالقِراضِ.
وقال الحَنفيَّةُ والقَفَّالُ مِنَ الشافِعيَّةِ: لا يَرجعُ أحَدُهما على الآخَرِ إذا فَسدَت الشَّركةُ؛ لأنَّ الفاسِدَ كالصَّحيحِ في وُجوبِ الضَّمانِ وعَدَمِه، والشَّركةُ الصَّحيحةُ لا يَرجعُ فيها بأُجرةِ العَملِ، فكذا إنْ كانتْ فاسِدةً.
وهذه نُصوصُ كلِّ مَذهبٍ.
قال الحَنفيَّةُ: وكلُّ شَركةٍ فاسِدةٍ فالرِّبحُ فيها على قَدْرِ رأسِ المالِ، كألْفٍ لِأحَدِهما مع ألفَيْن فالرِّبحُ بينَهما أثلاثًا، وإنْ كانا شرَطا الرِّبحَ بينَهما نِصفَيْن بطَل ذلك الشَّرطُ، ولو كان لكُلٍّ مِثلُ ما لِلآخَرِ وشرَطا الرِّبحَ أثلاثًا بطَل شَرطُ التَّفاضُلِ، وانقَسَم نِصفَيْن بينَهما؛ لأنَّ الرِّبحَ في وُجودِه تابِعٌ لِلمالِ، كما أنَّ الرِّيعَ تابِعٌ لِلبَذْرِ في الزِّراعةِ، والزِّيادةُ إنَّما تُستحَقُّ بالتَّسميةِ، وقد فَسدَت، فبَقيَ الاستِحقاقُ على قَدْرِ رأسِ المالِ.
والرِّيعُ عبارةٌ عن الزِّيادةِ، يُقالُ: أخرَجتِ الأرضُ رِيعًا: أي غَلَّةً؛ لأنَّها زيادةٌ (١).
стр. 4903
وقال المالِكيَّةُ: تَفسُدُ الشَّركةُ بشَرطِ التَّفاوُتِ في العَملِ أو الرِّبحِ عندَ العَقدِ، كما لو أخرجَ أحَدُهما ألفًا مَثلًا، والآخَرُ ألفَيْن، وشرَطا التَّساويَ في الرِّبحِ والعَملِ؛ فإنْ وقَع ذلك وعُثِر عليه قبلَ العَملِ؛ فإنَّ عَقدَ الشَّركةِ يُفسَخُ، وبعدَ العَملِ يُقسَّمُ الرِّبحُ على قَدْرِ المالَيْن، ولا يُلتَفتُ إلى اشتِراطِهما التَّفاوتَ؛ لأنَّ الشَّرطَ كان فاسِدًا، فيَرجعُ صاحِبُ الألفَيْن بفاضِلِ الرِّبحِ، وهو سُدسُه، ويَنزِعُه مِنْ صاحِب الألفِ إن كان قبَضه لِيُكمِلَ له ثُلثاه، ويَرجعُ صاحِبُ الألفِ بفاضِلِ عَملِه فيَأخذُ سُدسَ أُجرةِ المَجموعِ؛ وإنَّما يَرجعُ أحَدُهما على الآخَرِ بأُجرةِ المِثلِ؛ لأنَّ عَقدَ الشَّركةِ المُبتَغى منه الاشتِراكُ في الرِّبحِ الحادِثِ، فإذا وقَع فاسِدًا وجَب أنْ يَستحِقَّ العامِلُ أُجرةَ مِثلِ عَملِه على عامِلِ غَيرِه كالقِراضِ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: إذا فَسدتِ الشَّركةُ بأنْ شُرِطَ التَّساوي في الرِّبحِ والخُسرانِ مع التَّفاضُلِ في المالَيْن أو التَّفاضُلِ في الرِّبحِ والخُسرانِ مع التَّساوي في المالَيْن، يَرجعُ كلٌّ منهما على الآخَرِ بأُجرةِ عَملِه في مالِ الآخَرِ؛ كالقِراضِ إذا فسَد، وكذا يَجِبُ لكلٍّ منهما ذلك عندَ فَسادِ الشَّركةِ بغَيرِ ما ذُكِر.
فإذا كان بينَ رَجُلَيْن ثلاثةُ آلافِ دِرهَمٍ، لِأحَدِهما ألفٌ، ولِلآخَرِ ألفانِ،
стр. 4904
وعَقدا الشَّركةَ على أنْ يَكونَ الرِّبحُ بينَهما نِصفَيْن، فإنْ شرَط صاحِبُ الألفَيْن على نَفْسِه شَيئًا مِنَ العَملِ كانتِ الشَّركةُ فاسِدةً؛ فإذا عَمِلا قُسِّم الرِّبحُ والخُسرانُ بينَهما على قَدْرِ مالَيْهما، ويَرجِعُ كلُّ واحِدٍ على صاحبِه بأُجرةِ عَملِه في مالِه؛ لأنَّه عَقدٌ يُبتَغى به الرِّبحُ في الحالةِ الأُخرى، فإذا كان فاسِدًا استَحقَّ أُجرةَ عَملِه فيه، كالقِراضِ.
فإنْ عَمِل صاحِبُ الألفَيْن على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه ثَلاثُمِئةٍ، وعَمِل صاحبُ الألفِ على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه مِئةٌ وخَمسونَ، فإنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَستحِقُّ على شَريكِه مِئةً، فيَتقاصَّانِ.
وإنْ عَمِل صاحِبُ الألفِ على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه ثَلاثُمِئةٍ، وعَمِل صاحِبُ الألفَيْن على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه مِئةٌ وخَمسونَ، فإنَّ صاحِبَ الألفِ يَستحِقُّ على صاحِبِ الألفَيْن مِئتَيْن، ويَستحِقُّ عليه صاحِبُ الألفَيْن خَمسينَ، فيُقاصُّه بها، ويَبقى لِصاحبِ الألفِ على صاحبِ الألفَيْن مِئةٌ وخَمسونَ.
وإنْ عمِل كلُّ واحِدٍ منهما على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه مِئةٌ وخَمسونَ فإنَّ صاحِبَ الألفِ يَستحِقُّ على صاحِبِ الألفَيْنِ مِئةً، ويَستحِقُّ صاحِبُ الألفَيْن عليه خَمسينَ، فيُقاصُّه بها، ويَبقى لِصاحبِ الألفِ على صاحبِ الألفَيْن خَمسونَ.
وإنْ شرَط صاحِبُ الألفَيْن جَميعَ العَملِ على صاحِبِ الألفِ، وشرَط له نِصفَ الرِّبحِ فإنَّ هذه الشَّركةَ صَحيحةٌ، والقِراضُ صَحيحٌ؛
стр. 4905
لأنَّ صاحبَ الألفِ يَستحِقُّ ثُلثَ الرِّبحِ بالشَّركةِ؛ لأنَّ له ثُلثَ المالِ، ولِصاحبِ الألفَيْن ثُلثا الرِّبحِ، فلَمَّا شرَط جَميعَ العَملِ على صاحِبِ الألفِ، وشرَط له نِصفَ الرِّبحِ فقد شرَط لِعَملِه سُدسَ الرِّبحِ، فجازَ، كما لو قارَضه على سُدسِ الرِّبحِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: متى فُقِد شَرطٌ مِنْ شُروطِ الشَّركةِ فهي فاسِدةٌ، وحيث فَسدَت؛ فالرِّبحُ على قَدْرِ المالَيْن في شَركةِ عِنانٍ ووُجوهٍ، لأنَّ الرِّبحَ استُحِقَّ بالمالَيْن، فكان على قَدْرِهما، لا على ما شرَطا؛ لِفَسادِ الشَّركةِ.
لكنْ يَرجعُ كلٌّ منهما على صاحِبِه بأجْرِ نِصفِ عَملِه لِعَملِه في نَصيبِ شَريكِه بعَقدٍ يَبتَغى به الفَضلَ في الحالةِ الأُخرى، فوجَب أنْ يُقابِلَ العَملَ فيه عِوضٌ كالمُضارَبةِ؛ فإذا كان عَملُ أحَدِهما مَثلًا يُساوي عَشَرةَ دَراهمَ، والآخَرُ يُساوي خَمسةً، تَقاصَّا بدِرهَمَيْن ونِصفِ دِرهَمٍ، ورَجعَ ذو العَشَرةِ بدِرهَمَيْن ونِصفِ دِرهَمٍ.
وقُسِّمت أُجرةُ ما تَقبَّلاه في شَركةِ الأبدانِ إذا فَسدَت بالسَّويَّةِ، ويَرجعُ كلُّ واحِدٍ منهما فيها على الآخَرِ بأُجرةِ نِصفِ عَملِه لِما تَقدَّم (٢).