← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

وأمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: إذا غابَ كِلا المالَيْن لَم تَصحَّ الشَّركةُ، ولو غاب أحَدُ المالَيْن أو بَعضُه، وكان المالُ الآخَرُ حاضِرًا، صَحَّت الشَّركةُ بقَيدَيْن: الأولُ: ألَّا تَكونَ الغَيبةُ بَعيدةً جِدًّا، بأنْ قَرُبَ كاليَومِ واليَومَيْن. والثاني: ألَّا يَتَّجِرَ بالمالِ الحاضِرِ؛ إلا بعدَ حُضورِ المالِ الغائبِ وقَبضِه. فإنْ بَعُدت غَيبتُه أكثَرَ مِنْ يَومَيْن امتَنعَت الشَّركةُ، وإنْ كان لا يَتَّجِرُ إلا بعدَ قَبضِه، وكذا إنْ قَرُبت غَيبتُه واتَّجَر بالحاضِرِ قبلَ قَبضِ الغائِبِ لَم تَصحَّ. فإنْ وقَع فالرِّبحُ لَمَّا حصَل به التَّجْرُ كما في بَعيدِ الغَيبةِ، قال في «المُدوَّنةِ»: لو أخرَج أحَدُهما ألفًا، والآخَرُ ألفًا، منها خَمسُمِئةٍ غائِبةٌ، ثم خرَج رَبُّها لِيَأتيَ بها، وخرَج بجَميعِ المالِ الحاضِرِ، فلَم يَجِدْها، فاشتَرى بجَميعِ ما معه تِجارةً، فإنَّما له ثُلثُ الفَضلِ، أي: الرِّبحِ. وهذان القيدان لابنِ يُونُسَ، ومُقتَضى كَلامِ اللَّخميِّ عَدمُ اعتبارِهما (١). الحُكمُ إذا اختَلَّ شَرطٌ مِنْ هذه الشُّروطِ؟ اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الشَّركةَ إذا فَسدَت؛ فإنَّ الرِّبحَ والخُسرانَ فيها على قَدْرِ رأسِ المالِ، فيَرجِعُ كلُّ واحِدٍ منهما برِبحِ رأسِ مالِه أو بخُسرانِ رأسِ مالِه.

стр. 4902

لكنَّهم اختَلفوا هل يَرجِعُ أحَدُهما على الآخَرِ بأُجرةِ عَملِه في مالِه أو لا؟ فقال الجُمهورُ، المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ -خِلافًا لِلقَفَّالِ- والحَنابِلةُ: يَرجعُ أحَدُهما على الآخَرِ بأُجرةِ عَملِه في مالِه؛ لأنَّه عَقدٌ يُبتَغى به الرِّبحُ في الحالةِ الأُخرى، فإذا كان فاسِدًا استحَقَّ أُجرةَ عَملِه فيه، كالقِراضِ. وقال الحَنفيَّةُ والقَفَّالُ مِنَ الشافِعيَّةِ: لا يَرجعُ أحَدُهما على الآخَرِ إذا فَسدَت الشَّركةُ؛ لأنَّ الفاسِدَ كالصَّحيحِ في وُجوبِ الضَّمانِ وعَدَمِه، والشَّركةُ الصَّحيحةُ لا يَرجعُ فيها بأُجرةِ العَملِ، فكذا إنْ كانتْ فاسِدةً. وهذه نُصوصُ كلِّ مَذهبٍ. قال الحَنفيَّةُ: وكلُّ شَركةٍ فاسِدةٍ فالرِّبحُ فيها على قَدْرِ رأسِ المالِ، كألْفٍ لِأحَدِهما مع ألفَيْن فالرِّبحُ بينَهما أثلاثًا، وإنْ كانا شرَطا الرِّبحَ بينَهما نِصفَيْن بطَل ذلك الشَّرطُ، ولو كان لكُلٍّ مِثلُ ما لِلآخَرِ وشرَطا الرِّبحَ أثلاثًا بطَل شَرطُ التَّفاضُلِ، وانقَسَم نِصفَيْن بينَهما؛ لأنَّ الرِّبحَ في وُجودِه تابِعٌ لِلمالِ، كما أنَّ الرِّيعَ تابِعٌ لِلبَذْرِ في الزِّراعةِ، والزِّيادةُ إنَّما تُستحَقُّ بالتَّسميةِ، وقد فَسدَت، فبَقيَ الاستِحقاقُ على قَدْرِ رأسِ المالِ. والرِّيعُ عبارةٌ عن الزِّيادةِ، يُقالُ: أخرَجتِ الأرضُ رِيعًا: أي غَلَّةً؛ لأنَّها زيادةٌ (١).

стр. 4903

وقال المالِكيَّةُ: تَفسُدُ الشَّركةُ بشَرطِ التَّفاوُتِ في العَملِ أو الرِّبحِ عندَ العَقدِ، كما لو أخرجَ أحَدُهما ألفًا مَثلًا، والآخَرُ ألفَيْن، وشرَطا التَّساويَ في الرِّبحِ والعَملِ؛ فإنْ وقَع ذلك وعُثِر عليه قبلَ العَملِ؛ فإنَّ عَقدَ الشَّركةِ يُفسَخُ، وبعدَ العَملِ يُقسَّمُ الرِّبحُ على قَدْرِ المالَيْن، ولا يُلتَفتُ إلى اشتِراطِهما التَّفاوتَ؛ لأنَّ الشَّرطَ كان فاسِدًا، فيَرجعُ صاحِبُ الألفَيْن بفاضِلِ الرِّبحِ، وهو سُدسُه، ويَنزِعُه مِنْ صاحِب الألفِ إن كان قبَضه لِيُكمِلَ له ثُلثاه، ويَرجعُ صاحِبُ الألفِ بفاضِلِ عَملِه فيَأخذُ سُدسَ أُجرةِ المَجموعِ؛ وإنَّما يَرجعُ أحَدُهما على الآخَرِ بأُجرةِ المِثلِ؛ لأنَّ عَقدَ الشَّركةِ المُبتَغى منه الاشتِراكُ في الرِّبحِ الحادِثِ، فإذا وقَع فاسِدًا وجَب أنْ يَستحِقَّ العامِلُ أُجرةَ مِثلِ عَملِه على عامِلِ غَيرِه كالقِراضِ (١). وقال الشافِعيَّةُ: إذا فَسدتِ الشَّركةُ بأنْ شُرِطَ التَّساوي في الرِّبحِ والخُسرانِ مع التَّفاضُلِ في المالَيْن أو التَّفاضُلِ في الرِّبحِ والخُسرانِ مع التَّساوي في المالَيْن، يَرجعُ كلٌّ منهما على الآخَرِ بأُجرةِ عَملِه في مالِ الآخَرِ؛ كالقِراضِ إذا فسَد، وكذا يَجِبُ لكلٍّ منهما ذلك عندَ فَسادِ الشَّركةِ بغَيرِ ما ذُكِر. فإذا كان بينَ رَجُلَيْن ثلاثةُ آلافِ دِرهَمٍ، لِأحَدِهما ألفٌ، ولِلآخَرِ ألفانِ،

стр. 4904

وعَقدا الشَّركةَ على أنْ يَكونَ الرِّبحُ بينَهما نِصفَيْن، فإنْ شرَط صاحِبُ الألفَيْن على نَفْسِه شَيئًا مِنَ العَملِ كانتِ الشَّركةُ فاسِدةً؛ فإذا عَمِلا قُسِّم الرِّبحُ والخُسرانُ بينَهما على قَدْرِ مالَيْهما، ويَرجِعُ كلُّ واحِدٍ على صاحبِه بأُجرةِ عَملِه في مالِه؛ لأنَّه عَقدٌ يُبتَغى به الرِّبحُ في الحالةِ الأُخرى، فإذا كان فاسِدًا استَحقَّ أُجرةَ عَملِه فيه، كالقِراضِ. فإنْ عَمِل صاحِبُ الألفَيْن على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه ثَلاثُمِئةٍ، وعَمِل صاحبُ الألفِ على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه مِئةٌ وخَمسونَ، فإنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَستحِقُّ على شَريكِه مِئةً، فيَتقاصَّانِ. وإنْ عَمِل صاحِبُ الألفِ على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه ثَلاثُمِئةٍ، وعَمِل صاحِبُ الألفَيْن على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه مِئةٌ وخَمسونَ، فإنَّ صاحِبَ الألفِ يَستحِقُّ على صاحِبِ الألفَيْن مِئتَيْن، ويَستحِقُّ عليه صاحِبُ الألفَيْن خَمسينَ، فيُقاصُّه بها، ويَبقى لِصاحبِ الألفِ على صاحبِ الألفَيْن مِئةٌ وخَمسونَ. وإنْ عمِل كلُّ واحِدٍ منهما على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه مِئةٌ وخَمسونَ فإنَّ صاحِبَ الألفِ يَستحِقُّ على صاحِبِ الألفَيْنِ مِئةً، ويَستحِقُّ صاحِبُ الألفَيْن عليه خَمسينَ، فيُقاصُّه بها، ويَبقى لِصاحبِ الألفِ على صاحبِ الألفَيْن خَمسونَ. وإنْ شرَط صاحِبُ الألفَيْن جَميعَ العَملِ على صاحِبِ الألفِ، وشرَط له نِصفَ الرِّبحِ فإنَّ هذه الشَّركةَ صَحيحةٌ، والقِراضُ صَحيحٌ؛

стр. 4905

لأنَّ صاحبَ الألفِ يَستحِقُّ ثُلثَ الرِّبحِ بالشَّركةِ؛ لأنَّ له ثُلثَ المالِ، ولِصاحبِ الألفَيْن ثُلثا الرِّبحِ، فلَمَّا شرَط جَميعَ العَملِ على صاحِبِ الألفِ، وشرَط له نِصفَ الرِّبحِ فقد شرَط لِعَملِه سُدسَ الرِّبحِ، فجازَ، كما لو قارَضه على سُدسِ الرِّبحِ (١). وقال الحَنابِلةُ: متى فُقِد شَرطٌ مِنْ شُروطِ الشَّركةِ فهي فاسِدةٌ، وحيث فَسدَت؛ فالرِّبحُ على قَدْرِ المالَيْن في شَركةِ عِنانٍ ووُجوهٍ، لأنَّ الرِّبحَ استُحِقَّ بالمالَيْن، فكان على قَدْرِهما، لا على ما شرَطا؛ لِفَسادِ الشَّركةِ. لكنْ يَرجعُ كلٌّ منهما على صاحِبِه بأجْرِ نِصفِ عَملِه لِعَملِه في نَصيبِ شَريكِه بعَقدٍ يَبتَغى به الفَضلَ في الحالةِ الأُخرى، فوجَب أنْ يُقابِلَ العَملَ فيه عِوضٌ كالمُضارَبةِ؛ فإذا كان عَملُ أحَدِهما مَثلًا يُساوي عَشَرةَ دَراهمَ، والآخَرُ يُساوي خَمسةً، تَقاصَّا بدِرهَمَيْن ونِصفِ دِرهَمٍ، ورَجعَ ذو العَشَرةِ بدِرهَمَيْن ونِصفِ دِرهَمٍ. وقُسِّمت أُجرةُ ما تَقبَّلاه في شَركةِ الأبدانِ إذا فَسدَت بالسَّويَّةِ، ويَرجعُ كلُّ واحِدٍ منهما فيها على الآخَرِ بأُجرةِ نِصفِ عَملِه لِما تَقدَّم (٢).

стр. 4906

إذا هلَك مالُ الشَّركةِ قبلَ الشِّراءِ: اختلَف الفُقهاءُ في مالِ الشَّركةِ إذا تَلِف كلُّه أو تلِف أحَدُ المالَيْن، هل يَكونُ مِنْ ضَمانِهما إذا خلَطا المالَ، أو لَم يَخلِطا أو يَكونُ مِنْ ضَمانِ صاحِبِه. فقال الحَنفيَّةُ: إذا هلَك مالُ الشَّركةِ كلُّه بَطلَت الشَّركةُ، وكذا لو هلَك أحَدُ المالَيْن قبلَ الخَلطِ وقبلَ الشِّراءِ يَهلِكُ مِنْ مالِ صاحِبِه وَحدَه، سَواءٌ هلَك في يَدِ مالِكِه أو يَدِ شَريكِه؛ لأنَّه أمانةٌ في يَدِه، بخِلافِ ما بَعدَ الخَلطِ، حيث يَهلِك عليهما؛ لِعَدمِ التَّمييزِ، فتَبطُلُ الشَّركةُ، أمَّا الأولُ فلأنَّ مالَ كلِّ واحِدٍ قبلَ الشِّراءِ وقبلَ الخَلطِ باقٍ على مِلكِه، وأمَّا بُطلانُ الشَّركةِ فلأنَّ المَعقودَ عليه عَقدُ الشَّركةِ هو المالُ المُعيَّنُ، لأنَّه يَتعيَّنُ بالتَّعيينِ في الشَّركةِ والهِبةِ والوَصيَّةِ، وبهَلاكِ المَعقودِ عليه يَبطُلُ العَقدُ، كما في البَيعِ، بخِلافِ المُضارَبةِ والوَكالةِ المُفردةِ. وهذا ظاهِرٌ فيما إذا هلَك المالانِ، وكذا إذا هلَك أحَدُهما؛ لأنَّ الشَّريكَ الذي لَم يَهلِكْ مالُه لَم يَرضَ بشَركةِ صاحبِه في مالِه إلا لِيُشرِكَه هو أيضًا في مالِه بتَقديرِ بَقائِه؛ فإذا فات ذلك ظهَر وُقوعُ ما لَم يَكُنْ راضيًا به عندَ عَقدِ الشَّركةِ، فيَبطُلُ العَقدُ لِعَدمِ فائِدتِه، وهي الاشتِراكُ فيما يَحصُلُ. فإنِ اشتَرى أحَدُهما بمالِه ثم هلَك مالُ الآخَرِ فالمُشتَرَى بينَهما على ما شرَطا، لأنَّ المِلكَ حين وقَع وقَع مُشترَكًا بينَهما؛ لِقيامِ الشَّركةِ وَقتَ الشِّراءِ، لأنَّ الهَلاكَ لَم يَقعْ قبلَه لِيَبطُلَ، فيَختَصُّ المُشتَري بما

стр. 4907

اشتَراه، فلا يَتغيَّرُ حُكمُ الشَّركةِ بهَلاكِ مالِ الآخَرِ بَعدَ ذلك (١). وقال الشافِعيَّةُ: إذا تَلِف أحدُ المالَيْن قبلَ الخَلطِ وقبلَ التَّصرُّفِ تَلِف على صاحبِه فَقطْ، وتَعذَّر إثباتُ الشَّركةِ في البَقيَّةِ (٢). وقال الحَنابِلةُ: إنْ تَلِف أحدُ المالَيْن أو بَعضُه ولو قبلَ الخَلطِ فالتالِفُ مِنْ ضَمانِهما معًا؛ لأنَّ الشَّركةَ اقتَضتْ ثُبوتَ المِلكِ لكلِّ واحِدٍ منهما في نِصفِ مالِ صاحِبِه، فيَكونُ تَلفُه منها وزيادَتُه لها. فالوَضيعةُ -ولو في أحَدِ المالَيْن قبلَ الخَلطِ- عليهما على قَدْرِ المالِ بالحِسابِ؛ لأنَّها عِبارةٌ عن نُقصانِ رأسِ المالِ، وهو مُختَصٌّ بالقَدْرِ؛ فيَكونُ النَّقصُ منه دونَ غَيرِه، وسَواءٌ كانت الوَضيعةُ لِتَلفٍ أو نُقصانٍ في الثَّمنِ أو غَيرِ ذلك (٣). وقال المالِكيَّةُ في المَشهورِ: ما تلِف مِنْ مالِ الشَّركةِ قبلَ الخَلطِ فمِن رَبِّه دونَ صاحبِه، إنْ كان مالُ الشَّركةِ مِثلِيًّا، كعَينٍ، وإلا بأنْ حصَل التَّلفُ بَعدَ الخَلطِ، أو كان المالُ عَرضًا فمِنهما الضَّمانُ معًا، ولا يَختَصُّ برَبِّ المالِ، ثم إذا تَلِف شَيءٌ قبلَ الخَلطِ -وقُلنا: ضَمانُه مِنْ رَبِّه فَقطْ- فالشَّركةُ لَم تَنفسِخْ؛ لأنَّها لَازمةٌ بالعَقدِ.

стр. 4908

ويَكونُ ما اشتَرى بالسالِم بينَهما على ما دخَلا عليه مِنْ مُناصَفةٍ أو غَيرِها، وعلى المالِ التالِفِ ثَمنُ ما يَخُصُّه مِنَ الشَّركةِ نِصفًا أو أقَلَّ أو أكثَرَ، أي: فإذا اشتَرى بالسالِمِ سِلعةً بمِئةٍ فعلى الذي تلِف مالُه نِصفُ المِئةِ، حيث كانت الشَّركةُ على المُناصَفةِ. ولا فَرقَ في الخَلطِ بينَ كَونِه حِسًّا، بألَّا يَتميَّزَ مالُ أحدِهما مِنَ الآخَرِ، أو حُكمًا بأنْ جعَلا مَجموعَ المالَيْن ببَيتٍ واحِدٍ، وجعَلا عليه قُفلَيْن بيَدِ كلٍّ منهما مِفتاحُ الآخَرِ، أو جعَل كلٌّ منهما ذَهبَه في صُرَّةٍ وجعَلاهما تحتَ يَدِ أحَدِهما أو في تابوتِه أو خُرجِه (١). وفي «المُدوَّنةِ» في الشَّركةِ بالمالَيْن يَضيعُ أحَدُ المالَيْن. قُلتُ: أرأيتَ إنِ اشتَرَك رَجلانِ، مِنْ عندِ كلِّ واحِدٍ منهما ألفُ دِرهَمٍ، فأخرَج كلُّ واحِدٍ منهما ألْفَه فصَرَّها، وجعَل كلُّ واحِدٍ منهما ألْفَه عندَه، ولَم يَخلِطاهما حتى ضاعَ أحد الألفَيْن؟ قال: سُئلَ مالِكٌ عنها فقال: إذا كان في يَدِ كلِّ واحِدٍ منهما دَراهِمُه ولَم يَخلِطاها، فضاعَ منها شَيءٌ، فهو مِنْ عندِ صاحبِه الذي ضاعَ منه، لأنَّ هذَيْن لَم يَخلِطا المالَ الذي اشتَركا به. قال مالِكٌ: فلَو كانا قد صَرَّا كلَّ ألْفٍ في خِرقةٍ على حِدةٍ، ثم جَمعاهما

стр. 4909

عندَ أحَدِ الشَّريكَيْن، أو جَعلاهما في خُرجِ أحَدِهما، فضاعَ الألْفُ مِنْ أحَدِهما، كانتِ المُصيبةُ منهما جَميعًا، وإنْ كان كلُّ واحِدٍ منهما في خَريطَتِه لَم يَخلِطاهما. قال: وسألنا مالِكًا عن الرَّجُلَيْن يَشترِكان بمِئتَيْ دِينارٍ، يُخرِجُ أحَدُهما مِئةَ دِينارٍ عُتَّقًا، وهذا مِئةَ دِينارٍ هاشِميَّةً، فاشتَركا، ثم ضاعَت إحدى المِئتَيْن، وقد كانت كلُّ واحِدةٍ منهما في خَريطةٍ؟ قال: إنْ كانَتا كلُّ واحِدةٍ منهما مع صاحبِها فمُصيبَتُها منه، وإنْ كانا قد جَمعاهما في خُرجٍ أو مع أحَدِهما إلا أنَّ كلَّ واحِدةٍ منهما مَصرورةٌ على حِدةٍ فأُصيبَت إحداهما؟ قال مالِكٌ: المُصيبةُ منهما جَميعًا إذا جَعلاهما عندَ أحَدِهما، أو جَمعاهما في خُرجِ أحَدِهما، فلو كان هذا عندَ مالِكٍ مَكروهًا لَقال لنا: لا خَيرَ في هذه الشَّركةِ، ولَكانَ يَنبَغي -في قَولِه: إنْ كان هذا مَكروهًا- أنْ يَجعلَ المُصيبةَ فيه مِنَ الذي ذَهبتْ دَنانيرُه. قال: وإنَّما جَوَّزه مالِكٌ عندي لأنَّه لا فَضلَ فيما بينَ العُتَّقِ والهاشِميَّةِ في العَينِ، وعلى هذا حمَله مالِكٌ على أنَّه لا فضَل بينَهما. قُلتُ: أرأيتَ شَريكَيْن اشتَرَكا، ورأسُ مالِ كلِّ واحِدٍ منهما ألفُ دِرهَمٍ، على أنْ يَشتَريا جَميعًا التِّجاراتِ، وألْفُ كلِّ واحِدٍ منهما معه لَم يَخلِطاهما، حتى اشتَرى أحَدُهما بألْفٍ جاريةً على الشَّركةِ، وتَلِفت الألْفُ التي لِشَريكِه قبلَ أنْ يَشتريَ بها شَريكُه سِلعةً؟

стр. 4910

قال: أرى الجاريةَ بينَهما، ومُصيبةُ الألْفِ مِنْ صاحِبِ الألْفِ، لأنَّ مالِكًا قال لي غَيرَ مَرَّةٍ في الرَّجلَيْن يَشتِركانِ بمالَيْن، ورأسُ مالِ كلِّ واحِدٍ منهما ألْفٌ، وهي في يَدِ صاحبِها، قال: مُصيبةُ مالِ كلِّ واحِدٍ منهما مِنْ نَفْسِه، إلا أنْ يَخلِطا ذلك أو يَجمَعا ذلك في خُرجٍ واحِدٍ. وإنْ كانت كلُّ ألْفٍ مَصرورةً على حِدةٍ، فضاعَتْ ألْفُ أحَدِهما بعدَ ما فعَلا ما وَصفتُ لكَ؟ قال مالِكٌ: فالمُصيبةُ منهما جَميعًا، والذي ذَكرتُ أنَّهما لَم يَخلِطا، فهذا لَمَّا اشتَرى الجاريةَ، فقد فعَل في ألْفِه ما أمرَه به صاحِبُه. فمُصيبةُ الجاريةِ منهما جَميعًا، وضياعُ الألْفِ التي لَم يَفعَلْ فيها صاحِبُها شَيئًا مِنْ صاحِبِها (١). إذا عمِل أحَدُ الشَّركَيْن في شَركةِ العِنانِ أو المُفاوضةِ ولَم يَعمَلِ الآخَرُ: قال الحَنفيَّةُ: وإنْ عمِل أحَدُهما في المالَيْن في شَركةِ عِنانٍ أو مُفاوَضةٍ، ولَم يَعملِ الآخَرُ لِعُذرٍ، أو لِغَيرِ عُذرٍ: صارا كأنَّهما عمِلا جَميعًا، والرِّبحُ بينَهما على الشَّرطِ؛ لأنَّ استِحقاقَ الرِّبحِ في الشَّركةِ بالأعمالِ بشَرطِ العَملِ، لا بوُجودِ العَملِ، بدَليلِ أنَّ المُضارِبَ إذا استَعانَ برَبِّ المالِ استحَقَّ الرِّبحَ، وإنْ لَم يُوجَدْ منه العَملُ؛ لِوُجودِ شَرطِ العَملِ عليه، والوَضيعةُ على قَدْرِ المالَيْن لِما قُلنا (٢).

стр. 4911

وقال الحَنفيَّةُ أيضًا: وإذا اشتَرى شريكا العِنانِ أمتِعةً، ثم قال أحَدُهما لِصاحِبِه: لا أعمَلُ معك بالشَّركةِ، وغاب، فعمِل الحاضِرُ بالأمتِعةِ، فما اجتمَع كان لِلعاملِ، وهو ضامِنٌ لِقيمةِ نَصيبِ شَريكِه، لأنَّ قَولَه: لا أعمَلُ معك، بمَنزلةِ قَولِه: فاسَختُك الشَّركةَ، وأحَدُ الشَّريكَيْن إذا فسَخ الشَّركةَ، ومالُ الشَّركةِ عُروضٌ، صَحَّ فَسخُه، بخِلافِ المُضاربةِ. والفَرقُ أنَّ مالَ الشَّركةِ في أيديهما معًا، ووِلايةُ التَّصرُّفِ إليهما جَميعًا، فيَملِكُ كلٌّ نَهيَ صاحِبِه عن التَّصرُّفِ في مالِه نَقدًا كان أو عُروضًا، بخِلافِ مالِ المُضاربةِ؛ لأنَّه بعدَما صارَ عُروضًا ثبَت حَقُّ المُضارِبِ فيه؛ لِاستِحقاقِه رِبحَه، وهو المُنفرِدُ بالتَّصرُّفِ فلا يَملِكُ رَبُّ المالِ نَهيَه (١). ما يَجوزُ لِلشَّريكَيْن أنْ يَفعَلاه في مالِ الشَّركةِ وما لا يَجوزُ: ١ - السَّفرُ بمالِ الشَّركةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ أحَدَ الشَّريكَيْن لو أذِنَ لِشَريكِه بالسَّفرِ بمالِ الشَّركةِ فسافَرَ؛ فإنَّه لا يَضمَنُ إذا تَلِف مالُ الشَّركةِ. واتَّفقوا أيضًا على أنَّه لو نَهى شَريكَه عن السَّفرِ بمالِ الشَّركةِ فسافَر بعدَ النَّهيِ وتَلِف مالُ الشَّركةِ؛ فإنَّه يَضمنُ حِصَّةَ شَريكِه؛ لأنَّه يَكونُ قد نقَل حِصَّةَ شَريكِه بلا إذنٍ، وكذلك لو قال أحَدُهما لِآخَرَ: اذهَبْ أنتَ حتى دِمَشقَ -الشامِ- ولا تَتجاوَزْها؛ فإذا تَجاوَزَ دِمشقَ وذهَب إلى بغدادَ وتَلِف مالُ الشَّركةِ يَضمنُ حِصَّةَ شَريكِه.

стр. 4912

واختَلفوا هل يَجوزُ لأحَدِ الشَّريكَيْن أنْ يُسافِرَ بمالِ الشَّركةِ بدونِ إذنِ الآخَرِ أو لا يَجوزُ؟ فذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ في الصَّحيحِ عنه ومُحمدُ بنُ الحَسَنِ -وهو قَولُ المالِكيَّةِ في شَركةِ المُفاوضةِ- والحَنابِلةُ -كما سيأتي مُفصَّلًا- إلى أنَّه يَجوزُ لِأحدِ شَريكَيِ العِنانِ أنْ يُسافِرَ بمالِ الشَّركةِ بغَيرِ إذنِ الآخَرِ، أي أنَّه إذا أرادَ السَّفرَ فله أخْذُ مالِ الشَّركةِ في صُحبتِه سَواءٌ كان هذا المالُ مُحتاجًا لِلحَملِ والمُؤنةِ أو لا يَحتاجُ، والتُّجارُ يَعُدُّون المُؤنةَ ومَصارِفَ النَّقلِ مُلحَقةً برأسِ المالِ، ولا يَعُدُّونها مِنْ بابِ الغَرامةِ، ووَجهُه أنَّ الإذنَ بالتَّصرُّفِ ثبَت بمُقتَضى الشَّركةِ؛ لأنَّها صدَرت مُطلَقةً عن المَكانِ، والمُطلقُ يَجري على إطلاقِه إلا لِدَليلٍ، ولِهذا جازَ لِلمُودَعِ أنْ يُسافِرَ على أنَّه في مَعنى المُودَعِ؛ لأنَّه مُؤتمَنٌ في مالِ الشَّركةِ كالمُودَعِ في مالِ الوَديعةِ مع ما أنَّ الشَّريكَ يَملِكُ أمرًا زائِدًا لا يَملِكُه المُودَعُ، وهو التَّصرُّفُ، فلَمَّا مَلَك المُودَعُ السَّفرَ فلَأنْ يَملِكَه الشَّريكُ أوْلَى. وعلى قَولِ مَنْ يُجوِّزُ المُسافرةَ لِشَريكِ العِنانِ، لو أُذِنَ له بالمُسافَرةِ نَصًّا، أو قال له: اعمَلْ فيه برأيِكَ، فسافَرَ، كان له أنْ يُنفِقَ على نَفْسِه مِنْ كِرائِه ونَفقَتِه وطَعامِه وإدامِه مِنْ جُملةِ رأسِ المالِ، في رِوايةِ الحَسَنِ عن أبي حَنيفةَ. قال مُحمدٌ ﵀: وهذا استِحسانٌ؛ فإنْ رَبِح تُحسَبُ النَّفقةُ مِنَ الرِّبحِ، وإنْ لَم يَربَحْ كانت النَّفقةُ مِنْ رأسِ المالِ، لأنَّ النَّفقةَ جُزءٌ تالِفٌ مِنَ المالِ؛ فإنْ كان هناك رِبحٌ فهو منه، وإلا فهو مِنَ الأصلِ كالمُضارِبِ. والقياسُ ألَّا يَكونَ له ذلك؛ لأنَّ الإنفاقَ مِنْ مالِ الغَيرِ لا يَجوزُ إلا بإذْنِه نَصًّا.

стр. 4913

وَجهُ الاستِحسانِ: العُرفُ والعادةُ؛ لأنَّ عادةَ التُّجارِ الإنفاقُ مِنْ مالِ الشَّركةِ، والمَعروفُ كالمَشروطِ، ولأنَّ الظاهِرَ هو التَّراضي بذلك؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ الإنسانَ لا يُسافِرُ بمالِ الشَّركةِ ويَلتزِمُ النَّفقةَ مِنْ مالِ نَفْسِه لِرِبحٍ يُحتمَلُ أنْ يَكونَ ويُحتمَلُ ألَّا يَكونَ؛ لأنَّه التِزامُ ضَررٍ لِلحالِ لِنَفعٍ يُحتمَلُ أنْ يَكونَ ويُحتمَلُ ألَّا يَكونَ، فكان إقدامُهما على عَقدِ الشَّركةِ دَليلًا على التَّراضي بالنَّفقةِ مِنْ مالِ الشَّركةِ، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما في مالِ صاحبِه كالمُضارِبِ، لأنَّ ما يَحصُلُ مِنَ الرِّبحِ فهو فَرعُ جَميعِ المالِ، وهو يَستحِقُّ نِصفَ الرِّبحِ شائِعًا كالمُضارِبِ، فتَكونُ النَّفقةُ مِنْ جَميعِ المالِ؛ كالمُضارِبِ إذا سافَرَ بمالِ نَفْسِه وبمالِ المُضارَبةِ كانت نَفَقتُه في جَميعِ ذلك، كذا هذا. وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأبو يُوسُفَ وأبو حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِأحدِ الشَّريكَيْن أنْ يُسافِرَ بمالِ الشَّركةِ بدونِ إذنِ شَريكِه؛ فإنْ سافَرَ ضمِن ما تَلِف أو ضاعَ مِنْ مالِ الشَّركةِ؛ لأنَّ السَّفرَ له خَطرٌ، فلا يَجوزُ في مِلكِ الغَيرِ إلا بإذنِه. وعن أبي يُوسُفَ في رِوايةٍ: فَرقٌ بينَ السَّفرِ القَريبِ والسَّفرِ البَعيدِ، فقال: إذا كان لا يَغيبُ لَيلًا عن مَنزلِه، كان بمَنزلةِ المِصْرِ. وعنه في رِوايةٍ: يَجوزُ المُسافَرةُ بما لا حَملَ له ولا مُؤنةَ، ولا يَجوزُ بما له حَملٌ ومُؤنةٌ؛ لأنَّ ما لَه حَملٌ إذا احتاجَ شَريكُه إلى رَدِّه يَلزمُه مُؤنةُ الرَّدِّ فيَتضرَّرُ به، ولا مُؤنةَ تَلزمُه فيما لا حَملَ له. وقال الشافِعيَّةُ: وإنْ عقَد الشَّركةَ بمَفازةٍ لَم يَضمنْ بالسَّفرِ إلى مَقصِدِه،

стр. 4914

لأنَّ القَرينةَ قاضيةٌ له بذلك، ومِثلُ ذلك ما لو أُجليَ أهلُ بَلدٍ لِقَحطٍ أو عَدُوٍّ ولَم تُمكِنْه مُراجَعةُ الشَّريكِ فله السَّفرُ بالمالِ، بل يَجِبُ عليه. وكذا مَنْ جرَت عادَتُهم بالذَّهابِ إلى أسواقٍ مُتعدِّدةٍ ببِلادٍ مُختلِفةٍ؛ كبَعضِ بائِعي الأقمِشةِ، فيَجوزُ له السَّفرُ بالمالِ على العادةِ، ولو في البَحرِ، حيث غَلبَت السَّلامةُ، ويَنبَغي الاكتِفاءُ بالإذنِ له في السَّفرِ على وَجهِ التَّعميمِ، أو يُطلقُ الإذنُ فيُحمَلُ على العُمومِ. وأمَّا الحَنابِلةُ فقالوا في الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ: لِلشَّريكِ السَّفرُ مع أمْنِ البَلدِ والطَّريقِ؛ كوَليِّ اليَتيمِ؛ لِانصِرافِ الإذنِ المُطلَقِ إلى ما جَرتْ به العادةُ، وعادةُ التُّجارِ جاريةٌ بالتِّجارةِ سَفرًا وحَضرًا، فلو سافَر والأغلَبُ العَطَبُ ضمِن؛ لِتَفريطِه، وكذا لو سافَر فيما ليس الأغلَبُ السَّلامةُ فيه، وكذا حُكمُ المُضاربةِ، ولو استَوى الأمرانِ؛ لِتَفريطِه، ومِثلُه وَليُّ اليَتيمِ ومُضارِبٌ، وإنْ لَم يَعلَما -أي: الشَّريكُ ووَليُّ اليَتيمِ، ومِثلُه المُضارِبُ- بخَوفِه، أي: البَلدِ أو الطَّريقِ، أو لَم يَعلَما بفَلَسِ مُشتَرٍ لَم يَضمَنا ما فاتَ بذلك؛ لِأنَّهما لا يُعدَّانِ مُفرِّطَيْن. وإنْ عَلِم الشَّريكُ أو وَليُّ يَتيمٍ عُقوبةَ سُلطانٍ ببَلدٍ يَأخُذُ مالًا فسافَرَ إليه فأخذَه، ضمِن المالَ لِتَعريضِه المالَ لِلأخْذِ (١).

стр. 4915

٢ - الإبضاعُ والمُضارَبةُ بمالِ الشَّركةِ: الإبضاعُ: مَصدَرُ «أبضَعَ»، ومنه البِضاعةُ، والبِضاعةُ مِنْ مَعانيها القِطعةُ مِنَ المالِ تُبعَثُ لِلتِّجارةِ، وأبضَعَه البِضاعةَ أعطاه إيَّاها. ويُعرِّفُ الفُقهاءُ الإبضاعَ بأنَّه البَعثُ بالمالِ مع مَنْ يَتَّجِرُ به تَبرُّعًا، والرِّبحُ كلُّه لِلعاملِ وشَريكِه، والأصلُ أنْ يَكونَ الإبضاعُ تَبرُّعًا مِنَ العاملِ، واعتَبرَه المالِكيَّةُ إبضاعًا، ولو كان بأجْرٍ. وحُكمُ الإبضاعِ: الجَوازُ؛ لِكَونِه سَبيلًا إلى نَماءِ المالِ، وهو في مَصلَحةِ الشُّركاءِ، وهو مِنْ عادةِ التُّجارِ التي تَقومُ على التَّعاونِ في عَرضِ سِلعِ بَعضِهم والتَّناوبِ في حُضورِ الأسواقِ. والمُضاربةُ: هي أنْ يَدفعَ المالَ لِمَنْ يَعملُ به ويَكونُ الرِّبحُ بينَهما على ما يَتَّفِقانِ عليه. واختلَف الفُقهاءُ هل يَجوزُ لِأحَدِ الشَّريكَيْن أنْ يُبضِعَ أو أنْ يُضارِبَ أو يُشارِكَ بمالِ الشَّركةِ بدُونِ إذنِ الآخَرِ أو لا يَجوزُ؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِكلِّ واحِدٍ مِنَ المُتفاوِضَيْن وشَريكَيِ العِنانِ أنْ يُبضِعَ المالَ؛ لأنَّه مُعتادٌ في عَقدِ الشَّركةِ مِنَ المُتشارِكَيْن؛ ولأنَّه له أنْ يستأجِرَ على عَملِ التِّجارةِ والتَّحصيلِ لِلرِّبحِ بغَيرِ عِوَضٍ دونَه، وأنَّه أقَلُّ ضَررًا؛ فإذا ملَك ما هو أكثَرُ ضَررًا ملَك ما هو أقَلُّ.

стр. 4916

وكذا له أنْ يُودعَه؛ لأنَّه مُعتادٌ ولا يَجِدُ التاجِرُ منه بُدًّا. ويَجوزُ أنْ يَدفعَه مُضارَبةً في الأصَحِّ عندَ الحَنفيَّةِ؛ لأنَّ الوَضيعةَ في الشَّركةِ تَلزمُ الشَّريكَ ولا تَلزمُ المُضارِبَ، فتَتضمَّنُ الشَّركةُ المُضارَبةَ. وعن أبي حَنيفةَ ﵀ أنَّه ليس له ذلك؛ لأنَّ المُضاربةَ نَوعُ شَركةٍ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ مع المُضارِبِ يَشترِكان في الرِّبحِ، وهو لا يَملِكُ الشَّركةَ بإطلاقِ العَقدِ، فلا يَملِكُ المُضارَبةَ. والأصَحُّ هو الأولُ، وهو رِوايةُ الأصلِ، لأنَّ الشَّركةَ غَيرُ مَقصودةٍ؛ وإنَّما المَقصودُ تَحصيلُ الرِّبحِ، فصارَ كما إذا استأجَرَه بأُجرةٍ لِيَعملَ له بَعضَ أعمالِ التِّجارةِ، بل أوْلَى؛ لأنَّ الأجيرَ يَستحِقُّ الأجرَ، سَواءٌ حصَل في الشَّركةِ رِبحٌ أو لَم يَحصُلْ، والمُضارِبُ لا يَستحِقُّ شَيئًا بعَملِه إلا إذا كان في المُضاربةِ رِبحٌ، فلَمَّا ملَك الاستِئجارَ فلَأنْ يَملِكَ الدَّفعَ مُضاربةً أوْلَى. والاستِدلالُ بالشَّركةِ غَيرُ سَديدٍ؛ لأنَّ الشَّركةَ فوقَ المُضاربةِ؛ لأنَّها تُوجِبُ الشَّركةَ في الأصلِ والفَرعِ، والمُضاربةُ تُوجِبُ الشَّركةَ في الفَرعِ، لا في الأصلِ، والشَّيءُ يَستَتبِعُ ما هو دونَه، ولا يَستَتبِعُ ما هو فوقَه، أو مِثلَه، ولِهذا لا يَملِكُ المُضارِبُ أنْ يَدفعَ المالَ مُضاربةً بمُطلقِ العَقدِ، لأنَّ المُضاربةَ مِثلُ المُضاربةِ، ويَملِكُ التَّوكيلَ؛ لأنَّه دونَ المُضاربةِ، والوَكيلُ لا يَملِكُ أنْ يُوكِّلَ غَيرَه بإطلاقِ الوَكالةِ، لأنَّ الوَكالةَ مِثلُ الوَكالةِ، وله أنْ يَعملَ في مالِ الشَّركةِ كلَّ ما لِلمُضارِبِ أنْ يَعمَلَه في مالِ المُضاربةِ، لأنَّ تَصرُّفَ الشَّريكِ أقوى مِنْ تَصرُّفِ المُضاربِ وأعَمُّ منه، فما كان لِلمُضارِبِ أنْ

стр. 4917

يَعملَ فالشَّريكُ أوْلَى، وله أنْ يأخُذَ مالًا مُضاربةً ويَكونَ رِبحُه له خاصَّةً، لأنَّ المُضارِبَ يَستحِقُّ الرِّبحَ بعَملِه فيَختصُّ به كما لو آجَرَ نَفْسَه (١). قال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِأحدِ شَريكَيِ المُفاوَضةِ والعِنانِ أنْ يُبضِعَ المالَ دونَ إذنِ الآخَرِ بأنْ يَدفعَ مالًا لِمَنْ يَشتَري به بِضاعةً مِنْ بَلدِ كذا، كان بأُجرةٍ أو لا، لكنْ إنْ كان بأجْرٍ يُسمَّى بِضاعةً بأجْرٍ. وكذلك يَجوزُ له المُقارضةُ، أي: يَدفعُ مالًا مِنْ مالِ الشَّركةِ قِراضًا لِشَخصٍ يَعملُ فيه بجُزءٍ مِنْ رِبحِه مَعلومٍ، وقيَّد اللَّخميُّ كُلًّا منهما بما إذا كان المالُ واسِعًا يَحتاجُ فيه إلى مِثلِ ذلك (٢). مَلحوظةٌ: أشكَلَ النَّقلُ عندَ المالِكيَّةِ هل هذه الأُمورُ التي تُجيزُ لِلشَّريكِ المُفاوضةَ جائِزةٌ أيضًا لِشَريكِ العِنانِ أو لا؟ نقَل الدَّرديرُ في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: وله -أي: لِأحدِ المُتفاوِضَيْن أنْ يَتبرَّعَ بشَيءٍ مِنْ مالِ الشَّركةِ إنِ استألَفَ به لِلتِّجارةِ، وهذا وما بعدَه يَجري في شَركةِ العِنانِ أيضًا (٣)، ثم ذكَر ما يَجوزُ بعدَ ذلك لِأحدِ الشَّريكَيْن فِعلُه دونَ إذنِ الآخَرِ.

стр. 4918

فجُعِل كلُّ ما هو جائِزٌ في شَركةِ المُفاوضةِ لِأحَدِ الشَّريكَيْن جائِزًا في شَركةِ العِنانِ. وقال النَّفَراويُّ المالِكيُّ ﵀: تَنبيهاتٌ: الأولُ: أجمَلَ المُصنِّفُ حيث لَم يُبيِّنْ هل يَجوزُ لِلشَّريكِ التَّصرُّفُ بغَيرِ إذنِ شَريكِه أو أنْ يَتوقَّفَ على إذنِه؟ ومُحصِّلةُ ما قالَه خَليلٌ: أنَّه إنْ أطلَقَ كلُّ واحِدٍ لِصاحِبِه التَّصرُّفَ في العَقدِ أو بعدَه كانت شَركةَ مُفاوَضةٍ يَجوزُ لكلِّ واحِدٍ التَّصرُّفُ بالمَصلحةِ مِنْ غَيرِ إذنِ شَريكِه، فيَبيعُ ويَشتَري ويَقبَلُ ويُولِّي ويَقبَلُ العَيبَ، وإنْ أبى شَريكُه وإنْ لَم يُطلِقْ له بأنْ سكَت كلٌّ حينَ العَقدِ، أو حجَر على صاحبِه باللَّفظِ، كانت شَركةَ عِنانٍ، أي: إذَنْ هي جائِزةٌ أيضًا، إلا أنَّه لا يَجوزُ له التَّصرُّفُ في هذه إلا بإذنِ صاحبِه (١). فجعَل شَركةَ العِنانِ مُخالِفةً لِشَركةِ المُفاوَضةِ، ولا يَجوزُ لِشَريكِ العِنانِ أنْ يَفعلَ شَيئًا في مالِ الشَّركةِ إلا بإذنِ شَريكِه. وهو أيضًا ما يُفهَمُ مِنْ كَلامِ الخِرَشيِّ، حيث قال ﵀: وإنْ شرَطا نَفيَ الاستِبدادِ فعِنانٌ. لَمَّا أنهى الكَلامَ على شَركةِ المُفاوضةِ شرَع في الكَلامِ على شَركةِ العِنانِ، وهي بكَسرِ العَينِ وتَخفيفِ النُّونِ، والمَعنى أنَّ شَركةَ العِنانِ جائِزةٌ لَازمةٌ مَأخوذةٌ مِنْ عِنانِ الدَّابةِ، أي: كلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن شرَط على

стр. 4919

صاحبِه ألَّا يَستبدَّ بفِعلِ شَيءٍ في الشَّركةِ إلا بإذنِ شَريكِه ومَعرِفتِه، فكأنَّه أخذَ بعِنانِه، أي: بناصيَتِه ألَّا يَفعلَ فِعلًا إلا بإذنِه (١). لكنْ لَمَّا كان قَولُ الدَّرديرِ واضِحًا مَشيتُ عليه، واللهُ أعلَمُ بالصَّوابِ. وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه ليس لِلشَّريكِ أنْ يُبضِعَ مِنْ مالِ الشَّركةِ بغَيرِ إذنِ شَريكِه، وهو أنْ يَدفعَ مِنْ مالِ الشَّركةِ إلى مَنْ يَتَّجِرُ فيه، والرِّبحُ كلُّه لِلدافِعِ وشَريكِه لِمَا فيه مِنَ الغَررِ؛ ولأنَّه لَم يَرضَ بغَيرِ يَدِه، فلَو فعَل ضمِن؛ فإنْ فعَل بإذنِه جازَ. وكذا لا يَجوزُ له أنْ يُضارِبَ بمالِ الشَّركةِ لِإثباتِه في المالِ حُقوقًا، واستِحقاقِ رِبحِه لِغَيرِه (٢). ٣ - الشَّركةُ بمالِ الشَّركةِ: اختلَف الفُقهاءُ هل يَجوزُ لأحَدِ الشَّريكَيْن أنْ يُشارِكَ آخَرَ بمالِ الشَّركةِ بدونِ إذنِ الآخَرِ أو لا يَجوزُ؟ فذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّه ليس لِأحَدِ الشَّريكَيْن في شَركةِ العِنانِ أنْ يُشارِكَ

стр. 4920

إلا أنْ يُؤذنَ له بذلك لأنَّ الشَّيءَ لا يَستتبِعُ مِثلَه؛ فإنْ شارَك رَجلٌ رَجلًا شَركةَ عِنانٍ فما اشتَراه الشَّريكُ فنِصفُه له، ونِصفُه لِلشَّريكَيْن؛ لأنَّه إنْ كان لا يَملِكُ الشَّركةَ في حَقِّ الشَّريكِ يَملِكُ التَّوكيلَ، وعَقدُ الشَّركةِ يَتضمَّنُ التَّوكيلَ، فكان نِصفُ ما اشتَراه بينَهما. وإنِ اشتَرى الشَّريكُ الذي لَم يُشارِكْ، فما اشتَراه يَكونُ بينَه وبينَ شَريكِه نِصفَيْن، ولا شَيءَ لِلأجنبيِّ فيه؛ لأنَّه لَم يُوكِّلْه، فبَقيَ ما اشتَراه على حُكمِ الشَّركةِ. وقال الحَسَنُ بنُ زِيادٍ ﵀: إذا شارَك أحَدُ شَريكَيِ العِنانِ رَجلًا شَركةَ مُفاوَضةٍ بغَيرِ مَحضَرٍ مِنْ شَريكِه لَم تَكُنْ مُفاوَضةً، وكانت شَركةَ عِنانٍ، لأنَّ المُفاوَضةَ تَقتَضي فَسخَ شَركةِ العِنانِ، لأنَّ المُفاوِضَ يَجِبُ أنْ يَكونَ شَريكَه في كلِّ المالِ، وذلك لا يَصحُّ في حَقِّ شَريكِه، فكان ذلك فَسخًا لِلشَّركةِ وهو لا يَملِكُ الفَسخَ مع غَيبَتِه، وإنْ كان بمَحضَرٍ مِنْ صاحبِه صَحَّت المُفاوَضةُ، وذلك إبطالٌ لِشَركةِ العِنانِ؛ لأنَّه يَملِكُ فَسخَ الشَّركةِ مع حُضورِ صاحبِه. وأمَّا شَركةُ المُفاوَضةِ فيَجوزُ لِشَريكِ المُفاوَضةِ أنْ يُشارِكَ شَركةَ عِنانٍ عندَ أبي يُوسُفَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ شَركةَ العِنانِ أخَصُّ مِنْ شَركةِ المُفاوَضةِ، فكانت دونَها؛ فجازَ أنْ تَتضمَّنها المُفاوضةُ كما تَتضمَّنُ العِنانُ المُضارَبةَ؛ لأنَّها دونَها فتَتبَعُها، ولأنَّ الأبَ يَملِكُ ذلك في مالِ ابنِه فيَملِكُ المُفاوِضُ على شَريكِه مِنْ طَريقِ الأوْلَى.

стр. 4921

ورَوى الحَسَنُ عن أبي حَنيفةَ أنَّه لا يَجوزُ له ذلك؛ لأنَّه يُوجِبُ لِلشَّريكِ الثالِثِ حَقًّا في مالِ شَريكِه، وذلك لا يَجوزُ إلا بإذنِه. هذا إذا شارَك رَجلًا شَركةَ عِنانٍ، فأمَّا إذا فاوَض جازَ عليه وعلى شَريكِه، ذكَره مُحمدٌ في الأصلِ. وقال أبو يُوسُفَ ﵀: لا يَجوزُ، وكذا في رِوايةِ الحَسَنِ عن أبي حَنيفةَ. ووَجهُ قَولِ مُحمدٍ ﵀ أنَّ عَقدَ المُفاوَضةِ عامٌّ فيَصيرُ تَصرُّفُ كلِّ واحِدٍ منهما كتَصرُّفِ الآخَرِ. ولِأبي يُوسُفَ أنَّ المُفاوَضةَ شَركةٌ مِثلُ المُفاوضةِ، والشَّيءُ لا يَستتبِعُ مِثلَه (١). قال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِأحَدِ شَريكَيِ المُفاوَضةِ والعِنانِ أنْ يُشارِكَ شَخصًا أجنَبيًّا في شَيءٍ مُعيَّنٍ مِنْ مالِ الشَّركةِ بغَيرِ إذنِ شَريكِه، والمُرادُ بالمُعيَّنِ أنْ يُشارِكَ ببَعضِ مالِ الشَّركةِ بحيث لا تَجولُ يَدُ مَنْ يُشارِكُه في مالِ الشَّركةِ، ولو شارَك في ذلك البَعضِ مُفاوَضةً (٢). وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه ليس لِلشَّريكِ أنْ يُشارِكَ مِنْ مالِ الشَّركةِ بغَيرِ إذنِ شَريكِه؛ لِإثباتِه في المالِ حُقوقًا، واستِحقاقُ رِبحِه لِغَيرِه (٣).

стр. 4922

٤ - إيداعُ مالِ الشَّركةِ: اختلَف الفُقهاءُ في الشَّريكِ هل يَجوزُ له أنْ يُودِعَ مالَ الشَّركةِ بغَيرِ إذنِ شَريكِه أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ لِأحدِ الشَّريكَيْن أنْ يُودِعَ مالَ الشَّركةِ بغَيرِ إذنِ الآخَرِ إذا كان لِحاجةٍ؛ لأنَّه عادةُ التُّجارِ، وقد تَدعو الحاجةُ إلى الإيداعِ؛ لأنَّه مِنْ ضَرورةِ الشَّركةِ، أشبَهَ دَفعَ المَتاعِ إلى الحَمَّالِ، ولأنَّ لِلشَّريكِ أنْ يَدفعَ مالَ الشَّركةِ لِمَنْ يَحفَظُه بأجْرٍ، فلَأنْ يَدفعَه لِمَنْ يَحفَظُه بلا أجْرٍ -وهو المُودَعُ- أوْلَى. وعن الإمامِ أحمدَ ﵀ رِوايةٌ: لا يَجوزُ؛ لأنَّه ليس مِنَ الشَّركةِ، وفيه غَررٌ (١). وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِلشَّريكِ أنْ يُودعَ مالَ الشَّركةِ لِعُذرٍ، كنُزولِه في مَحلِّ خَوفٍ بغَيرِ إذنِ شَريكِه؛ فإنْ أودَعَ لِغَيرِ عُذرٍ وتَلِف المالُ؛ فإنَّه يَضمنُ، وسَواءٌ كان المالُ واسِعًا أو لا؟ ويُصدَّقُ في دَعوى العُذرِ (٢).

стр. 4923

ولو أودَعَ رَجلٌ عندَ رَجلٍ عَينًا، فباعَها المُودَعُ فإنَّه يَضمنُ ذلك بالبَيعِ نَفْسِه، وإذا لَم يُسلِمْ؛ لأنَّ المُودَعَ لا يَجوزُ له البَيعُ بالإجماعِ (١). ٥ - البَيعُ نَسيئةً: اختلَف الفُقهاءُ هل يَجوزُ لِأحدِ الشَّريكَيْن أنْ يَبيعَ نَسيئةً بدونِ إذنِ الآخَرِ أو لا يَجوزُ؟ فذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِأحدِ الشَّريكَيْن أنْ يَبيعَ نَسيئةً بغَيرِ إذنِ شَريكِه؛ لأنَّ فيه تَغريرًا بالمالِ؛ فإنْ فعَل صَحَّ في نَصيبِه، فتُفسَخُ الشَّركةُ فيه، ويَصيرُ مُشترَكًا بينَ المُشتَري والشَّريكِ (٢). وذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ لِلشَّريكِ -في المُفاوَضةِ والعِنانِ- البَيعُ نَساءً، أي: إلى أجَلٍ مَعلومٍ؛ لأنَّ الإذنَ بالبَيعِ بمُقتَضى الشَّركةِ وُجِد مُطلَقًا، ولأنَّ الشَّركةَ تَنعقِدُ على عادةِ التُّجارِ، ومِن عادَتِهم البَيعُ نَقدًا ونَسيئةً، ولأنَّ المَقصودَ الرِّبحُ، وهو في هذه أكثَرُ، ومهما فاتَ مِنَ الثَّمنِ لَم يَلزَمْه ضَمانُه، إلا أنْ يُفرَضَ ببَيعِ مَنْ لا يُوثَقُ به، أو مَنْ لا يَعرِفُه فيَلزمُه ضَمانُ الثَّمنِ الذي انكَسَر على المُشتَري (٣).

стр. 4924

وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِأحدِ شَريكَيِ المُفاوَضةِ والعِنانِ أنْ يَبيعَ بالدَّينِ نَسيئةً، أي بثَمنٍ مَعلومٍ إلى أجَلٍ مَعلومٍ؛ فإنْ باع بالدَّينِ وأفلَسَ المُشتَري أو ماتَ مُعدِمًا ضاعَ الثَّمنُ عليهما معًا، لا على البائِعِ وَحدَه. وأمَّا الشِّراءُ ففيه قَولانِ لِلمالِكيَّةِ: أحَدُهما: لا يَشتَري بالدَّينِ في شَيءٍ غَيرِ مُعيَّنٍ، فلا يَجوزُ لِأحدِهما ولا لَهما؛ لِئلَّا يَأكُلَ شَريكُه رِبحَ ما لَم يُضمَنْ؛ لأنَّ ضَمانَ الدَّينِ مِنَ المُشتَري. فإنِ اشتَرى بالدَّينِ بغَيرِ إذنِ شَريكِه خُيِّرَ شَريكُه بينَ القَبولِ والرَّدِّ فيَكونُ الثَّمنُ على المُشتَري خاصَّةً؛ فإنْ أذِنَ له في شِراءِ سِلعةٍ مُعيَّنةٍ بالدَّينِ جازَ، وإذا لَم تَكُنْ مُعيَّنةً -بأنْ قال له: كلُّ سِلعةٍ وَجَدتَها وأعجبَتْك فاشتَرِها بالدَّينِ- لا يَجوزُ. والآخَرُ وهو المَذهبُ: أنَّه يَجوزُ شِراءُ أحَدِ الشَّريكَيْن بالدَّينِ، إذْ لا بُدَّ لِلناسِ مِنْ ذلك، وحينَئذٍ لا فَرقَ بينَ البَيعِ بالدَّينِ والشِّراءِ (١). ٦ - البَيعُ بغَبنٍ فاحِشٍ: قال الحَنفيَّةُ: لكلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن أنْ يَبيعَ بقَليلِ الثَّمنِ وكَثيرِه؛

стр. 4925

لأنَّ الإذنَ بالبَيعِ بمُقتَضى الشَّركةِ وُجِد مُطلَقًا، ولأنَّ الشَّركةَ تَنعقِدُ على عادةِ التُّجارِ، ومِن عادَتِهم هذا، إلا بما لا يَتغابَنُ الناسُ في مِثلِه؛ لأنَّ المَقصودَ مِنَ العَقدِ -وهو الاستِرباحُ- لا يَحصُلُ به، فكان مُستَثنًى مِنَ العَقدِ دِلالةً. وقيلَ: إنَّه مَبنيُّ على الخِلافِ في الوَكالةِ بالبَيعِ مُطلَقًا؛ فيَجوزُ لِكلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن أنْ يَبيعَ بما عَزَّ وهانَ عندَ أبي حَنيفةَ؛ وعندَهما لا يَجوزُ إلا بمِثلِ قيمَتِه، أو بنُقصانٍ لا يُتغابَنُ فيه (١). وقال الشافِعيَّةُ: وتَصرُّفُ الشَّريكِ؛ كتَصرُّفِ الوَكيلِ، فلا يَبيعُ ولا يَشتَري بغَبنٍ فاحِشٍ إلا بإذنِ الشَّريكِ. فإنْ باع بالغَبنِ الفاحِشِ لَم يَصحَّ في نَصيبِ شَريكِه ويَصحُّ في نَفْسِه على الصَّحيحِ في المَذهبِ، وتَنفسِخُ الشَّركةُ في المُشتَرى أو المَبيعِ ويَصيرُ مُشترَكًا بينَ البائعِ أو المُشتَري، والشَّريكِ إنِ اشتَراه بعَينِ مالِ الشَّركةِ. وإنِ اشتَرى في الذِّمَّةِ لَم يَقعْ لِلشَّريكِ، وعليه وَزنُ الثَّمنِ مِنْ خالِصِ مالِه. وإنْ باع أحَدُ الشَّريكَيْن شَيئًا مِنْ مالِ الشَّركةِ بأقَلَّ مِنْ ثَمنِ المِثلِ بما لا يَتغابَنُ الناسُ بمِثلِه بطَل البَيعُ في نَصيبِ شَريكِه؛ لأنَّ مُطلَقَ الإذنِ يَقتَضي البَيعَ بثَمنِ المِثلِ، وهل يَبطُلُ البَيعُ في نَصيبِ البائعِ؟ فيه قَولانِ، بِناءً على القَولَيْن في تَفريقِ الصَّفقةِ.

стр. 4926

فإذا قُلنا: يَبطُلُ البَيعُ في نَصيبِ البائعِ فهُما على الشَّركةِ كما كانا. وإنْ قُلنا: لا يَبطُلُ بَطلتِ الشَّركةُ بينَهما في المِبيعِ؛ لأنَّ حِصَّتَه منه صارَتْ لِلمُشتَري بالابتياعِ، فيَكونُ المُشتَري شَريكَ شَريكِه. قال أبو إسحاقَ ﵀: ولا يَضمنُ البائِعُ نَصيبَ شَريكِه ما لَم يُسلِمْه؛ لأنَّ ذلك مَوضِعُ اجتِهادٍ لِوُجودِ الاختِلافِ فيه (١). وقال الحَنابِلةُ: لا يَجوزُ لِأحدِ الشَّريكَيْن أنْ يُحابيَ فيَبيعَ بأنقَصَ مِنْ ثَمنِ المِثلِ أو يَشتريَ بأكثَرَ منه؛ لأنَّ الشَّركةَ انعَقدتْ على التِّجارةِ بالمالِ، وهذه ليست منها، ولأنَّه تَبرُّعٌ وليس له التَّبرُّعُ، ولِمُنافاتِه مَقصودَ الشَّركةِ، وهو طَلبُ الرِّبحِ (٢). ٧ - التَّبرُّعُ والإقراضُ بمالِ الشَّركةِ: قال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِأحدِ شَريكَيِ المُفاوضةِ والعِنانِ مِنْ غَيرِ إذنِ شَريكِه أنْ يَتبرَّعَ بشَيءٍ مِنْ مالِ الشَّركةِ مِنْ هِبةٍ ونَحوِها بشَرطِ أنْ يَفعلَ ذلك استِئلافًا لِلشَّركةِ لِيُرغِّبَ الناسَ في الشِّراءِ منه؛ لأنَّه يَعودُ بنَفعٍ على المالِ، وكذلك يَجوزُ له أنْ يَتبرَّع بشَيءٍ خَفيفٍ مِنْ مالِ الشَّركةِ، ولو كان بغَيرِ استِئلافٍ؛ كإعارةِ آلةٍ، كماعونٍ، ودَفعِ كِسرةٍ لِسائِلٍ أو شَربةِ ماءٍ أو

стр. 4927

غُلامٍ لِسَقيِ دابَّةٍ، وتَكونُ الكَثرةُ والقِلَّةُ بالنِّسبةِ لِمالِ الشَّركةِ (١). وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِأحدِ الشَّريكَيْن أنْ يَتبرَّعَ مِنْ مالِ الشَّركةِ ولا أنْ يَهَبَ، ولا أنْ يُقرِضَ، لأنَّ القَرضَ تَبرُّعٌ، وهو لا يَملِكُه؛ لأنَّه إنَّما فَوَّض إليه العَملَ برأيِه في التِّجارةِ، وليس هذا منها، وعن الإمامِ أحمدَ أنَّه يَجوزُ له أنْ يَتبرَّعَ ببَعضِ الثَّمنِ لِمَصلحةٍ (٢). وقال الشافِعيَّةُ: إنْ قال أحَدُهما لِصاحِبِه: «بِعْ بما تَرى»، وجَب مُراعاةُ النَّظرِ؛ لأنَّ فيه تَفويضًا لِرأيِه، وهو يَقتَضي النَّظرَ بالمَصلحةِ. وإنْ قال: «بِعْ بما شِئتَ»، كان له أنْ يَبيعَ بالمُحاباةِ (٣). ٨ - التَّوكيلُ بالبَيعِ والشِّراءِ في مالِ الشَّركةِ: ذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ لكلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن أنْ يُوكِّلَ غَيرَه بالبَيعِ والشِّراءِ، وذلك لِعُمومِ تَصرُّفِهما وكَثرَتِه وطُولِ مُدَّتِه في الأغلَبِ، وهذه قَرائِنُ تَدلُّ على الإذنِ في التَّوكيلِ في البَيعِ والشِّراءِ، ولأنَّ الشَّركةَ تَنعقِدُ على عادةِ التُّجارِ، والتَّوكيلَ بالبَيعِ والشِّراءِ

стр. 4928

مِنْ عاداتِهم؛ ولأنَّه مِنْ ضَروراتِ التِّجارةِ؛ لأنَّ التاجِرَ لا يُمكِنُه مُباشرةُ جَميعِ التَّصرُّفاتِ بنَفْسِه، فيَحتاجُ إلى التَّوكيلِ؛ فكان التَّوكيلُ مِنْ ضَروراتِ التِّجارةِ. فإنْ أخرَج الشَّريكُ الآخَرُ الوَكيلَ يَخرجُ مِنَ الوَكالةِ إنْ كان في بَيعٍ أو شِراءٍ أو إجارةٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لَمَّا ملَك التَّوكيلَ على صاحبِه ملَك العَزلَ عليه؛ ولأنَّ المُوكِّلَ وَكيلٌ لِشَريكِه؛ فإذا وَكَّل كان لِلمُوكِّلِ أنْ يَعزلَ وَكيلَه، وإنْ كان وَكيلًا في تَقاضي ما داينَه، فليس لِلآخَرِ إخراجُه؛ لأنَّه لا يَملِكُ أنْ يُوكِّلَ شَريكَه، فلا يَملِكُ أنْ يَعزلَ وَكيلَه عنه. وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ -وهو مُقتَضى مَذهبِ الشافِعيَّةِ- إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلشَّريكِ أنْ يُوكِّلَ في البَيعِ والشِّراءِ إذا لَم يَعجِزْ عنه، وهو القياسُ عندَ الحَنفيَّةِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما وَكيلُ صاحبِه، وليس لِلوَكيلِ أنْ يُوكِّلَ غَيرَه، لأنَّ المُوكِّلَ -أي: شَريكَه- إنَّما رَضيَ برأيِه ولَم يَرضَ برأيِ غَيرِه (١). ٩ - الرَّهنُ والارتِهانُ: اختلَف الفُقهاءُ هل يَجوزُ لِأحدِ الشَّريكَيْن أنْ يَرهَنَ بالدَّينِ الذي عليهما، أو بالدَّينِ الذي لَهما أو لا يَجوزُ؟ فذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ لِأحدِ الشَّريكَيْن عندَ الحاجةِ أنْ يَرهَنَ بالدَّينِ الذي عليهما، أو يَرهَنَ بالدَّينِ الذي لَهما، لأنَّ الرَّهنَ يُرادُ

стр. 4929

لِلإيفاءِ، والارتِهانَ يُرادُ لِلاستِيفاءِ، وهو يَملِكُ الإيفاءَ والاستيفاءَ، فملَك ما يُراد لهما، ولا فَرقَ بينَ مَنْ يَلي العَقدَ وغَيرِه؛ لِكونِ القَبضِ مِنْ حُقوقِ العَقدِ، وحُقوقُ العَقدِ لا تَختصُّ بالعاقِدِ، فكذلك ما يُرادُ له. وذهَب الحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه ليس له ذلك، لأنَّ فيه خَطرًا (١). أمَّا الحَنفيَّةُ فقالوا: يَجوزُ لِأحدِ شَريكَيِ المُفاوَضةِ أنْ يَرهَنَ ويَرتهِنَ، واختلَفوا في شَريكَيِ العِنانِ هل يَجوزُ له ذلك أو لا؟ ففي بَعضِ نُسخِ مُختصَرِ القُدُوريِّ أنَّه أثبَت له الرَّهنَ والارتِهانَ، وهو أيضًا ما ذكَره الكاسانيُّ، حيث قال: وله أنْ يَرهَنَ متاعًا مِنَ الشَّركةِ بدَينٍ وجَب بعَقدِه، وهو الشِّراءُ، وأنْ يَرتهِنَ بما باعَه؛ لأنَّ الرَّهنَ إيفاءُ الدَّينِ، والارتِهانَ استِيفاؤُه، وهو يَملِكُ الإيفاءَ والاستِيفاءَ فيَملِكُ الرَّهنَ والارتِهانَ. وأغلَبُ كُتُبِ الحَنفيَّةِ تَقولُ: إنَّه لا يَجوزُ لِشَريكِ العِنانِ أنْ يَرهَنَ أو يَرتهِنَ إلا بإذنِ شَريكِه (٢). وأمَّا المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ فلَم أقِفْ لهم على حُكمِ الرَّهنِ والارتِهانِ لِأحدِ الشَّريكَيْن، وإنْ كان الظاهِرُ مِنْ مَذهَبِهم أنَّه لا يَجوزُ لِأحدِهما أنْ يَفعلَ ذلك إلا بإذنِ الآخَرِ.

стр. 4930

وقد نَصَّ الإمامُ الشافِعيُّ في «الأُمِّ» على عَدمِ جَوازِ الرَّهنِ والارتِهانِ لِلمُقارِضِ، كما سيأتي -إنْ شاءَ اللهُ في المُقارَضةِ. ١٠ - الحَوالةُ بثَمنِ البِضاعةِ: نَصَّ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ لِأحَدِ الشَّريكَيْن أنْ يَحتالَ. قال الحَنفيَّةُ: وله -أي: الشَّريكِ- أنْ يَحتالَ؛ لأنَّ الحَوالةَ مِنْ أعمالِ التِّجارةِ؛ لأنَّ التاجِرَ يَحتاجُ إليها؛ لِاختِلافِ الناسِ في المَلاءةِ والإفلاسِ وكَونِ بَعضِهم أملأَ مِنْ بَعضٍ، وفي العادةِ يُختارُ الأملأُ فالأملأُ، فكانت الحَوالةُ وَسيلةً إلى الاستيفاءِ، فكانت في مَعنى الرَّهنِ في التَّوثُّقِ لِلاستيفاءِ، ولأنَّ الاحتيالَ تَمليكُ ما في الذِّمَّةِ بمِثلِه، فيَجوزُ، كالصَّرفِ (١). وقال الحَنابِلةُ: لِلشَّريكِ أنْ يُحيلَ ويَحتالَ؛ لأنَّ الحَوالةَ عَقدُ مُعاوَضةٍ وهو يَملِكُها (٢). الالتِزامُ بحُقوقِ العَقدِ: قال الحَنفيَّةُ: كلُّ ما يَتعلَّقُ بحُقوقِ العَقدِ الذي يَتولَّاه أحَدُ الشَّريكَيْن في شَركةِ العِنانِ يَرجعُ إلى العاقِدِ منهما وَحدَه، فيَلتزِمُ بها دونَ شَريكِه؛ لأنَّه ما دامَ الفَرضُ أنْ لا كَفالةَ فإنَّ حُقوقَ العَقدِ إنَّما تَكونُ لِلعاقِدِ. حتى لو باعَ أحَدُهما شَيئًا مِنَ الشَّركةِ لَم يَكُنْ لِلآخَرِ أنْ يَقبضَ شَيئًا مِنَ الثَّمنِ.

стр. 4931

وكذلك كلُّ دَينٍ لَزِم إنسانًا بعَقدٍ وَلِيَهُ أحَدُهما ليس لِلآخَرِ قَبضُه، ولِلمَدينِ أنْ يَمتنعَ مِنْ دَفعِه إليه؛ كالمُشتَري مِنَ الوَكيلِ بالبَيعِ له أنْ يَمتنِعَ عن دَفعِ الثَّمنِ إلى المُوكِّلِ، لأنَّ القَبضَ مِنْ حُقوقِ العَقدِ تَعودُ إلى العاقِدِ؛ لأنَّ المَدينَ لَم يَلتزمِ الحُقوقَ لِلمالِكِ، وإنَّما التَزمَها العاقِدُ فلا يَلزمُه ما لَم يَلتزمْه إلا بتَوكيلِ العاقِدِ؛ فإنْ دفَع إلى الشَّريكِ مِنْ غَيرِ تَوكيلٍ بَرئَ مِنْ حِصَّتِه، ولَم يُبرأْ مِنْ حِصَّةِ الدائِنِ، وهذا استِحسانٌ، والقياسُ ألَّا يُبرأَ الدافِعُ. وَجهُ القياسِ: أنَّ حُقوقَ العَقدِ لا تَتعلَّقُ بالقابِضِ، بل هو أجنبيٌّ عنها؛ وإنَّما تَتعلَّقُ بالعاقِدِ، فكان الدافِعُ إلى القابِضِ بغَيرِ حَقٍّ فلا يُبرأُ. وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّه لا فائِدةَ في نَقضِ هذا القَبضِ، إذْ لو نَقضْناه لاحتَجْنا إلى إعادَتِه؛ لأنَّ المَدينَ يَلزمُه دَفعُه إلى العاقِدِ، والعاقِدُ يَرُدُّ حِصَّةَ الشَّريكِ إليه، فلا يُفيدُ القَبضُ ثم الإعادةُ في الحالِ، وهذا على القياسِ والاستِحسانِ في الوَكيلِ بالبَيعِ إذا دفَع المُشتَري الثَّمنَ إلى المُوكِّلِ مِنْ غَيرِ إذنِ الوَكيلِ لا يُطالَبُ الشَّريكُ بتَسليمِ المَبيعِ؛ لِما قُلنا. وليس لِأحدِهما أنْ يُخاصِمَ فيما أدانَه الآخَرُ أو باعه، والخُصومةُ لِلذي باعَ وعليه، ليس على الذي لَم يَلِ مِنْ ذلك شَيئًا، فلا يُسمعُ عليه بَيِّنةٌ فيه، ولا يُستحلَفُ، وهو والأجنبيُّ في هذا سَواءٌ؛ لأنَّ الخُصومةَ مِنْ حُقوقِ العَقدِ، ولأنَّ حُقوقَ العَقدِ تَتعلَّقُ بالعاقِدِ. ولو اشتَرى أحَدُهما شَيئًا لا يُطالَبُ الآخَرُ بالثَّمنِ، وليس لِلشَّريكِ

стр. 4932

قَبضُ المَبيعِ؛ لِما قُلنا، ولِلعاقِدِ أنْ يُوكِّلَ وَكيلًا بقَبضِ الثَّمنِ والمَبيعِ فيما اشتَرى وباعَ؛ لِما ذَكَرْنا فيما تَقدَّم. ولِأحدِهما أنْ يُقايِلَ فيما باعَه الآخَرُ، لأنَّ الإقالةَ فيها مَعنى الشِّراءِ، وهو يَملِكُ الشِّراءَ على الشَّركةِ، فيَملِكُ الإقالةَ. وما باعه أحَدُهما أو اشتَرى فظهَر عَيبٌ لا يَرُدُّ الآخَرُ بالعَيبِ ولا يُرَدُّ عليه؛ لأنَّ الرَّدَّ بالعَيبِ مِنْ حُقوقِ العَقدِ، وهي تَرجِعُ إلى العاقِدِ، والرُّجوعُ بالثَّمنِ عندَ استِحقاقِ المَبيعِ على البائِعِ لأنَّه العاقِدُ؛ فإنْ أقرَّ أحَدُهما بعَيبِه في مَتاعٍ جازَ إقرارُه عليه وعلى صاحبِه. فإنْ باعَ أحَدُهما مَتاعًا مِنَ الشَّركةِ فرَدَّ عليه فقَبِله بغَيرِ قَضاءِ القاضي جازَ عليهما؛ لأنَّ قَبولَ المَبيعِ بالتَّراضي مِنْ غَيرِ قَضاءٍ بمَنزِلةِ شِراءٍ مُبتدأٍ بالتَّعاطي، وكلُّ واحِدٍ منهما يَملِكُ أنْ يَشتريَ ما باعَه على الشَّركةِ. وكذا القَبولُ مِنْ غَيرِ قَضاءِ القاضي بمَنزِلةِ الإقالةِ، وإقالةُ أحدِهما تَنفُذُ على الآخَرِ (١). وأمَّا شَركةُ المُفاوَضةِ: فجَميعُ حُقوقِ العَقدِ التي تَولَّاها أحَدُهما تَرجِعُ إليهما جَميعًا، فيَجوزُ إقرارُ أحَدِ شَريكَيِ المُفاوَضةِ بالدَّينِ عليه وعلى شَريكِه، ويُطالِبُ المُقَرُّ له أيَّهما شاءَ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما كَفيلٌ عن الآخَرِ فيُلزَمُ المُقِرُّ بإقرارِه ويُلزَمُ شَريكُه بكَفالَتِه. وكذلك ما وجَب على كلِّ واحِدٍ منهما مِنْ دَينِ التِّجارةِ؛ كثَمنِ

стр. 4933

المُشتَرى في البَيعِ الصَّحيحِ وقيمَتِه في البَيعِ الفاسِدِ، وأُجرةِ المُستأجَرِ أو ما هو في مَعنى التِّجارةِ؛ كالمَغصوبِ، والخلافِ في الوَدائعِ والعَواري والإجاراتِ والاستِهلاكاتِ، وصاحِبُ الدَّينِ بالخيارِ إنْ شاءَ أخذَ هذا بدَينِه، وإنْ شاءَ أخَذَ شَريكَه بحَقِّ الكَفالةِ. أمَّا دَينُ التِّجارةِ؛ فلأنَّه دَينٌ لَزمَه بسَببِ الشَّركةِ؛ لأنَّ البَيعَ الصَّحيحَ اشتَملَ عليه عَقدُ الشَّركةِ؛ لأنَّه تِجارةٌ، وكلُّ واحِدٍ منهما كَفيلٌ عن صاحبِه فيما يَلزمُه بسَببِ الشَّركةِ، ولِهذا قالوا: إنَّ البَيِّنةَ تُسمَعُ في ذلك على الشَّريكِ الذي لَم يَعقِدْ؛ لأنَّ الدَّينَ لَزِمه كما لَزِم شَريكَه؛ لأنَّه كَفيلٌ عن شَريكِه، والبَيِّنةُ بالدَّينِ تُسمَعُ على الكَفيلِ كما تُسمعُ على المَكفولِ عنه، وكذا البَيعُ الفاسِدُ، بدَليلِ أنَّ الأمرَ بالبَيعِ يَتناوَلُ الصَّحيحَ والفاسِدَ، وكذا الأُجرةُ؛ لأنَّ الإجارةَ تِجارةٌ. وأمَّا الغَصبُ فلِأنَّ ضَمانَه في مَعنى التِّجارةِ؛ لأنَّ تَقرُّرَ الضَّمانِ فيه يُفيدُ مِلكَ المَضمونِ، فكان في مَعنى ضَمانِ البَيعِ، والخِلافُ في الوَدائعِ والعَواري والإجاراتِ في مَعنى الغَصبِ؛ لأنَّه مِنْ بابِ التَّعدي على مالِ الغَيرِ بغَيرِ إذنِ مالِكِه، فكان في مَعنى الغَصبِ، فكان ضَمانُه ضَمانَ الغَصبِ. وأمَّا أُروشُ الجِناياتِ والمَهرِ والنَّفقةِ وبَدلُ الخُلعِ والصُّلحِ عن القِصاصِ فلا يؤاخَذُ به شَريكُه؛ لأنَّه ليس بضَمانِ التِّجارةِ ولا في مَعنى ضَمانِ التِّجارةِ أيضًا؛ لانعِدامِ مَعنى مُعاوَضةِ المالِ بالمالِ رأسًا. ولو كفَل أحَدُهما على إنسانٍ؛ فإنْ كفَل عنه بمالٍ يَلزمُ شَريكَه عندَ

стр. 4934

أبي حَنيفةَ، وعندَهما لا يَلزمُ، وإنْ كفَل بنَفْسٍ لا يُؤخَذُ بذلك شَريكُه في قَولِهم جَميعًا. وحُقوقُ عَقدٍ تَولَّاه أحَدُهما تَرجعُ إليهما جَميعًا كما قُلنا، حتى لو باع أحَدُهما شَيئًا مِنْ مالِ الشَّركةِ يُطالَبُ غَيرُ البائِعِ منهما بتَسليمِ المَبيعِ، كما يُطالَبُ البائِعُ ويُطالَبُ غَيرُ البائِعِ منهما المُشتَري بتَسليمِ الثَّمنِ، ويَجِبُ عليه تَسليمُه؛ كالبائعِ. ولو اشتَرى أحَدُهما شَيئًا يُطالَبُ الآخَرُ بالثَّمنِ، كما يُطالَبُ المُشتَري، وله أنْ يَقبضَ المَبيعَ، كما لِلمُشتَري. ولو وجَد المُشتَري منهما عَيبًا بالمَبيعِ فلِصاحبِه أنْ يَرُدَّه بالعَيبِ كما لِلمُشتَري، وله الرُّجوعُ بالثَّمنِ عندَ الاستِحقاقِ؛ كالمُشتَري. ولو باعَ أحَدُهما سِلعةً مِنْ شَركتِهما فوجَد المُشتَري بها عَيبًا فلَه أنْ يَرُدَّها على أيِّهما شاءَ، ولو أنكَر العَيبَ فله أنْ يُحلِّفَ البائِعَ على البَتاتِ وشَريكَه على العِلمِ. ولو أقرَّ أحَدُهما نفَذ إقرارُه على نَفْسِه وعلى شَريكِه. ولو باعا سِلعةً مِنْ شَركتِهما ثم وجَد المُشتَري بها عَيبًا فله أنْ يَحلِفَ كلُّ واحِدٍ منهما على النِّصفِ الذي باعه على البَتاتِ، وعلى النِّصفِ الذي باعه شَريكُه على العِلمِ بيَمينٍ واحِدةٍ على العِلمِ في قَولِ مُحمدٍ. وقال أبو يُوسُفَ ﵀: يَحلِفُ كلُّ واحِدٍ منهما على البَتاتِ فيما باعَ ويَسقُطُ عن كلِّ واحِدٍ منهما اليَمينُ على العِلمِ.

стр. 4935

وهُما جَميعًا في خَراجِ التِّجارةِ وضَمانِها سَواءٌ، ففِعْلُ أحَدِهما فيها كفِعلِهما، وقَول أحدِهما كقَولِهما، وهُما في الحَقيقةِ شَخصانِ، وفي أحكامِ التِّجارةِ كشَخصٍ واحِدٍ. وتَصرُّفُ المُفاوِضِ نافِذٌ في كلِّ ما يَعودُ نَفعُه إلى مالِ الشَّركةِ، سَواءٌ كان مِنْ بابِ التِّجارةِ أو لا، بخِلافِ الشَّريكِ شَركةَ العِنانِ؛ فإنَّ نَفاذَ تَصرُّفِه يَختصُّ بالتِّجارةِ. ويَجوزُ لكلِّ واحِدٍ منهما أنْ يَقتضيَ ما أداناه أو أدانه صاحبُه أو ما وجَب لهما مِنْ غَصبٍ على رَجلٍ، أو كَفالةٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما كَفيلُ الآخَرِ، فيَملِكُ أنْ يَستوفيَ حُقوقَه بالوَكالةِ. وما وجَب على أحدِهما فلِصاحِبِ الدَّينِ أنْ يأخُذَ كلُّ واحِدٍ منهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما كَفيلٌ عن الآخَرِ، وكلُّ واحِدٍ منهما خَصمٌ عن صاحبِه يُطالِبُ بما على صاحبِه، ويُقامُ عليه البَيِّنةُ. ويُستحلَفُ على عِلمِه فيما هو مِنْ ضَمانِ التِّجارةِ؛ لأنَّ الكَفيلَ خَصمٌ فيما يَدَّعِي على المَكفولِ عنه، ويُستحلَفُ على عِلمِه؛ لأنَّه يَمينٌ على فِعلِ الغَيرِ. وما اشتَراه أحَدُهما مِنْ طَعامٍ لِأهلِه أو كِسوةٍ أو ما لا بُدَّ له منه؛ فذلك جائِزٌ، وهو له خاصَّةً دونَ صاحبِه. والقياسُ أنْ يَكونَ المُشتَرَى مُشترَكًا بينَهما؛ لأنَّ هذا مما يَصحُّ الاشتِراكُ فيه كسائِرِ الأعيانِ، لكنَّهم استَحسَنوا أنْ يَكونَ له خاصَّةً

стр. 4936

لِلضَّرورةِ، لأنَّ ذلك مما لا بُدَّ منه، فكان مُستَثنًى مِنَ المُفاوَضةِ فاختَصَّ به المُشتَري، لكنْ لِلبائِعِ أنْ يُطالِبَ بالثَّمنِ أيَّهما شاءَ، وإنْ وقَع المُشتَرى لِلذي اشتَراه خاصَّةً؛ لأنَّ هذا مما يَجوزُ فيه الاشتِراكُ، وكلُّ واحِدٍ منهما كَفيلٌ عن الآخَرِ ببَدلِ ما يَجوزُ فيه الاشتِراكُ، إلا أنَّهم قالوا: إنَّ الشَّريكَ يَرجعُ على شَريكِه بنِصفِ ثَمنِ ذلك؛ لأنَّه قَضى دَينًا عليه مِنْ مالِه، لا على وَجهِ التَّبرُّعِ؛ لأنَّه التَزمَ ذلك فيَرجعُ عليه. ولو أقال أحَدُهما في بَيعٍ ما باعَه الآخَرُ جازَتِ الإقالةُ عليهما؛ لِما ذكَرنا مِنْ أنَّ الإقالةَ في مَعنى الشِّراءِ، وهو يَملِكُ الشِّراءَ على الشَّركةِ، فيَملكُ الإقالةَ، ولأنَّ الشَّريكَ في شَركةِ العِنانِ يَملِكُ الإقالةَ، فالمُفاوِضُ أوْلَى. وإذا ماتَ أحدُ المُتفاوضَيْن أو تَفرَّقا لَم يَكُنْ لِلذي لَم يَلِ المُدايَنةَ أنْ يَقبضَ الدَّينَ؛ لأنَّ الشَّركةَ بَطلَت بمَوتِ أحَدِهما؛ لأنَّها وَكالةٌ، والوَكالةُ تَبطُلُ بمَوتِ المُوكِّلِ؛ لِبُطلانِ أمرِه بمَوتِه، وتَبطُلُ بمَوتِ الوَكيلِ لِتَعذُّرِ تَصرُّفِه، فتَبطُلُ الشَّركةُ، فلا يَجوزُ لِأحدِهما أنْ يَقبِضَ نَصيبَ الآخَرِ إذا لَم يَكُنْ هو الذي تَولَّى العَقدَ، ويَجوزُ قَبضُه في نَصيبِ نَفْسِه؛ لأنَّه مُوكِّلٌ فيه، وقَبضُ الوَكيلِ جائِزٌ استِحسانًا. أمَّا الذي وَليَ المُداينةَ فلَه أنْ يَقبِضَ الجَميعَ؛ لأنَّه ملَك ذلك بعَقدِ المُداينةِ؛ لِكَونِه مِنْ حُقوقِ العَقدِ، فلا يَبطُلُ بانفِساخِ الشَّركةِ بمَوتِ الشَّريكِ، كما لا يَبطُلُ بالعَزلِ. ولو آجَرَ أحَدُهما نَفْسَه في الخياطةِ أو عَملٍ مِنَ الأعمالِ؛ فالأجرُ بينَهما

стр. 4937

نِصفانِ، وإنْ أجَّر نَفْسَه لِلخِدمةِ فالأجرُ له خاصَّةً؛ لأنَّ في الفَصلِ الأولِ آجَرَ نَفْسَه في عَملٍ يَملِكُ أنْ يَتقبَّلَ على نَفْسِه وعلى صاحبِه؛ فإذا عَمِل فقد أوفى ما عليهما، فكانت الأُجرةُ بينَهما، وفي الثاني لا يَملِكُ التَّقبُّلَ على صاحبِه، بل على نَفْسِه خاصَّةً، فكانت الأُجرةُ له خاصَّةً. قال الحَسَنُ بنُ زيادٍ: قال أبو حَنيفةَ ﵀: لو أقرَض أحَدُ المُتفاوِضَيْن مالًا فأعطاه رَجلًا ثم أخذ به سَفتجةً كان ذلك جائِزًا عليهما، ولا يَضمنُ هَلَك المالُ أو لَم يَهلِكْ. وفي قياسِ قَولِ أبي يُوسُفَ أنَّ الذي أقرَضَ وأخَذ السَّفتجةَ يَضمنُ حصَّةَ شَريكِه مِنْ ذلك، وهذا فَرعُ اختِلافِهم في الكَفالةِ أنَّ الكَفيلَ في حُكمِ المُقرِضِ؛ فإذا جازَتِ الكَفالةُ عندَ أبي حَنيفةَ جازَ القَرضُ، وعندَ أبي يُوسُفَ، لا تَجوزُ الكَفالةُ؛ لِما فيها مِنْ مَعنى التَّبرُّعِ، فكذلك القَرضُ (١). وقال المالِكيَّةُ: شَركةُ العِنانِ جائِزةٌ لَازمةٌ، مَأخوذةٌ مِنْ عِنانِ الدَّابَّةِ، أي: كلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن شَرَط على صاحبِه ألَّا يَستبدَّ بفِعلِ شَيءٍ في الشَّركةِ إلا بإذنِ شَريكِه ومَعرِفتِه، فكأنَّه أخذَ بعِنانِه، أي: بناصيَتِه، ألَّا يَفعلَ فِعلًا إِلَّا بإذنِه، فلو تَصرَّف واحِدٌ منهما بدونِ إذنِ الآخَرِ كان له رَدُّه (٢). وقال الحَنابِلةُ: حُقوقُ العَقدِ لا تَختصُّ بالعاقِدِ مِنَ الشَّريكَيْن فله المُطالَبةُ بالأجرِ لهما، ودَفعُه عليهما.

стр. 4938

ولكلٍّ منهما أنْ يَرُدَّ بالعَيبِ لِلحَظِّ فيما وَليَه مِنَ البَيعِ أو وَليَه صاحبُه؛ لأنَّ الوَكيلَ يَرُدُّ، فالشَّريكُ أوْلَى، ولو رَضيَ به شَريكُه. وله أنْ يُقِرَّ بالعَيبِ فيما بِيعَ مِنْ مالِهما، ويَقبَلَ إقرارَ الوَكيلِ على مُوكِّلِه به، ولأنَّه مِنْ مُتعلِّقاتِها. وإنْ رُدَّت السِّلعةُ على الشَّريكِ بعَيبٍ فلَه أنْ يَقبلَها ويَرُدَّ الثَّمنَ. وله أنْ يُعطيَ الأرشَ أو يَحُطَّ مِنْ ثَمنِه لِأجلِ العَيبِ أو يُؤخِّرَ ثَمنَه لِأجلِ العَيبِ؛ لأنَّه عادةُ التِّجارةِ. وله أنْ يُقايلَ؛ لأنَّ الحَظَّ قد يَكون فيها؛ لأنَّها إنْ كانت بَيعًا فقد أذنَ له فيه، وإنْ كانت فَسخًا؛ فكالرَّدِّ بالعَيبِ. وله أنْ يُقِرَّ بالثَّمنِ وببَعضِه وبأُجرةِ المُنادي والحَمَّالِ ونَحوِهما، لأنَّ ذلك مما يُحتاجُ إليه؛ كالإقرارِ بالعَيبِ. وله أنْ يَفعلَ كلَّ ما هو مِنْ مَصلحةِ تِجارَتِهما؛ لأنَّ مَبناها على الوَكالةِ والأمانةِ (١). حُكمُ الشَّركةِ هل هي جائِزةٌ أو لازمةٌ؟ اختلَف الفُقهاءُ في الشَّركةِ هل هي مِنَ العُقودِ اللَّازمةِ التي لا تَنفسِخُ إلا برِضا الطَّرفَيْن كالبَيعِ أو جائِزةٌ يَحِقُّ لكلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن أنْ يَفسخَ الشَّركةَ متى شاءَ. فذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الشَّركةَ ابتِداءً جائِزةٌ، إلا أنَّها إذا

стр. 4939

انعَقدتْ لَزِمت وصارَت مِنَ العُقودِ اللَّازمةِ التي تَلزَمُ بمُجرَّدِ العَقدِ؛ كالبَيعِ، أي: بما يَدلُّ عليها عُرفًا، سَواءٌ كان قَولًا، ك: «اشتَرَكْنا»، أو فِعلًا كخَلطِ المالَيْن أو هُما معًا، ولا رُجوعَ لِأحدِهما فيها كالبَيعِ، فلو أراد أحَدُهما المُفاصَلةَ قبلَ الخَلطِ وامتنَع الآخَرُ فالقَولُ لِلمُمتنِعِ حتى يَنِضَّ المالُ بعدَ العَملِ. وأمَّا شَركةُ الأعمالِ أو الأبدانِ أو الحَرثِ -الآتي ذِكرُها- ففيها قَولانِ، أحَدُهما أنَّها كشَركةِ الأموالِ، تَلزمُ بالعَقدِ، وهو قَولُ سَحنونٍ، والثاني: أنَّها لا تَلزمُ إلا بالعَملِ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ (١). وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ ومُقابِلُ المَشهورِ عندَ المالِكيَّةِ إلى أنَّ الشَّركةَ مِنَ العُقودِ الجائِزةِ التي يَجوزُ لِأحدِ الشَّريكَيْن أنْ يَفسخَها كالوَكالةِ؛ لأنَّها عَقدٌ جائِزٌ، فبَطلَت بذلك، كالوَكالةِ، إلا أنَّهم اختلَفوا فيما بينَهم هل يُشترطُ أن يَعلمَ الشَّريكُ الآخَرُ بالفَسخِ أو لا؟ وهل يُشترطُ أنْ يَكونَ المالُ ناضًّا أو لا؟ قال الحَنفيَّةُ: الشَّركةُ عَقدٌ جائِزٌ غَيرُ لَازمٍ، حتى يَنفرِدَ كلُّ واحِدٍ منهما بالفَسخِ، إلا أنَّ مِنْ شَرطِ جَوازِ الفَسخِ أنْ يَكونَ بحَضرةِ صاحبِه، أي: بعِلمِه، حتى لو فسَخ بمَحضَرٍ مِنْ صاحِبِه جازَ الفَسخُ، وكذا لو كان صاحبُه غائبًا وعلِمَ بالفَسخِ، وإنْ كان غائِبًا ولَم يَبلُغْه الفَسخُ لَم يَجُزِ الفَسخُ، ولَم

стр. 4940

يَنفسِخِ العَقدُ؛ لأنَّ الفَسخَ مِنْ غَيرِ عِلمِ صاحِبِه إضرارٌ بصاحبِه، ولِهذا لَم يَصحَّ عَزلُ الوَكيلِ مِنْ غَيرِ عِلمِه، مع أنَّ الشَّركةَ تَتضمَّنُ الوَكالةَ، وعِلمُ الوَكيلِ بالعَزلِ شَرطُ جَوازِ العَزلِ، فكَذا في الوَكالةِ التي تَضمَّنتْه الشَّركةُ. قال الكاسانيُّ ﵀: وهل يُشترطُ أنْ يَكونَ مالُ الشَّركةِ عَينًا وَقتَ الشَّركةِ لِصِحَّةِ الفَسخِ، وهي أنْ يَكونَ دَراهمَ أو دَنانيرَ؟ ذكَر الطَّحاويُّ أنَّه شَرطٌ حتى لو كان مالُ الشَّركةِ عُروضًا وَقتَ الفَسخِ، لا يَصحُّ الفَسخُ، ولا تَنفسِخُ الشَّركةُ، ولا رِوايةَ عن أصحابِنا في الشَّركةِ، وفي المُضاربةِ رِوايةٌ، وهي أنَّ رَبَّ المالِ إذا نَهى المُضارِبِ عن التَّصرُّفِ؛ فإنَّه يُنظَرُ إنْ كان مالُ المُضاربةِ وَقتَ النَّهيِ دَراهمَ أو دَنانيرَ صَحَّ النَّهيُ، لكنْ له أنْ يَصرِفَ الدَّراهمَ إلى الدَّنانيرِ، والدَّنانيرَ إلى الدَّراهمِ؛ لأنَّهما في الثَّمنيَّةِ جِنسٌ واحِدٌ فكأنَّه لَم يَشتَرِ بها شَيئًا، وليس له أنْ يَشتريَ بها عُروضًا. وإنْ كان رأسُ المالِ وَقتَ النَّهيِ عُروضًا فلا يَصحُّ نَهيُه؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى بَيعِها لِيَظهرَ الرِّبحُ، فكان الفَسخُ إبطالًا لِحَقِّه في التَّصرُّفِ، فجعَل الطَّحاويُّ الشَّركةَ بمَنزِلةِ المُضارَبةِ، وبَعضُ مَشايخِنا فَرَّقَ بينَ الشَّركةِ والمُضارَبةِ. فقال: يَجوزُ فَسخُ الشَّركةِ، وإنْ كان رأسُ المالِ عُروضًا، ولا يَجوزُ فَسخُ المُضاربةِ؛ لأنَّ مالَ الشَّركةِ في يَدِ الشَّريكَيْن جَميعًا، ولهما جَميعًا وِلايةُ التَّصرُّفِ، فيَملِكُ كلُّ واحِدٍ منهما نَهيَ صاحبِه عَينًا كان المالُ أو عُروضًا.
следующие страницы →