لِلضَّرورةِ، لأنَّ ذلك مما لا بُدَّ منه، فكان مُستَثنًى مِنَ المُفاوَضةِ فاختَصَّ به المُشتَري، لكنْ لِلبائِعِ أنْ يُطالِبَ بالثَّمنِ أيَّهما شاءَ، وإنْ وقَع المُشتَرى لِلذي اشتَراه خاصَّةً؛ لأنَّ هذا مما يَجوزُ فيه الاشتِراكُ، وكلُّ واحِدٍ منهما كَفيلٌ عن الآخَرِ ببَدلِ ما يَجوزُ فيه الاشتِراكُ، إلا أنَّهم قالوا: إنَّ الشَّريكَ يَرجعُ على شَريكِه بنِصفِ ثَمنِ ذلك؛ لأنَّه قَضى دَينًا عليه مِنْ مالِه، لا على وَجهِ التَّبرُّعِ؛ لأنَّه التَزمَ ذلك فيَرجعُ عليه.
ولو أقال أحَدُهما في بَيعٍ ما باعَه الآخَرُ جازَتِ الإقالةُ عليهما؛ لِما ذكَرنا مِنْ أنَّ الإقالةَ في مَعنى الشِّراءِ، وهو يَملِكُ الشِّراءَ على الشَّركةِ، فيَملكُ الإقالةَ، ولأنَّ الشَّريكَ في شَركةِ العِنانِ يَملِكُ الإقالةَ، فالمُفاوِضُ أوْلَى.
وإذا ماتَ أحدُ المُتفاوضَيْن أو تَفرَّقا لَم يَكُنْ لِلذي لَم يَلِ المُدايَنةَ أنْ يَقبضَ الدَّينَ؛ لأنَّ الشَّركةَ بَطلَت بمَوتِ أحَدِهما؛ لأنَّها وَكالةٌ، والوَكالةُ تَبطُلُ بمَوتِ المُوكِّلِ؛ لِبُطلانِ أمرِه بمَوتِه، وتَبطُلُ بمَوتِ الوَكيلِ لِتَعذُّرِ تَصرُّفِه، فتَبطُلُ الشَّركةُ، فلا يَجوزُ لِأحدِهما أنْ يَقبِضَ نَصيبَ الآخَرِ إذا لَم يَكُنْ هو الذي تَولَّى العَقدَ، ويَجوزُ قَبضُه في نَصيبِ نَفْسِه؛ لأنَّه مُوكِّلٌ فيه، وقَبضُ الوَكيلِ جائِزٌ استِحسانًا.
أمَّا الذي وَليَ المُداينةَ فلَه أنْ يَقبِضَ الجَميعَ؛ لأنَّه ملَك ذلك بعَقدِ المُداينةِ؛ لِكَونِه مِنْ حُقوقِ العَقدِ، فلا يَبطُلُ بانفِساخِ الشَّركةِ بمَوتِ الشَّريكِ، كما لا يَبطُلُ بالعَزلِ.
ولو آجَرَ أحَدُهما نَفْسَه في الخياطةِ أو عَملٍ مِنَ الأعمالِ؛ فالأجرُ بينَهما
стр. 4937
نِصفانِ، وإنْ أجَّر نَفْسَه لِلخِدمةِ فالأجرُ له خاصَّةً؛ لأنَّ في الفَصلِ الأولِ آجَرَ نَفْسَه في عَملٍ يَملِكُ أنْ يَتقبَّلَ على نَفْسِه وعلى صاحبِه؛ فإذا عَمِل فقد أوفى ما عليهما، فكانت الأُجرةُ بينَهما، وفي الثاني لا يَملِكُ التَّقبُّلَ على صاحبِه، بل على نَفْسِه خاصَّةً، فكانت الأُجرةُ له خاصَّةً.
قال الحَسَنُ بنُ زيادٍ: قال أبو حَنيفةَ ﵀: لو أقرَض أحَدُ المُتفاوِضَيْن مالًا فأعطاه رَجلًا ثم أخذ به سَفتجةً كان ذلك جائِزًا عليهما، ولا يَضمنُ هَلَك المالُ أو لَم يَهلِكْ.
وفي قياسِ قَولِ أبي يُوسُفَ أنَّ الذي أقرَضَ وأخَذ السَّفتجةَ يَضمنُ حصَّةَ شَريكِه مِنْ ذلك، وهذا فَرعُ اختِلافِهم في الكَفالةِ أنَّ الكَفيلَ في حُكمِ المُقرِضِ؛ فإذا جازَتِ الكَفالةُ عندَ أبي حَنيفةَ جازَ القَرضُ، وعندَ أبي يُوسُفَ، لا تَجوزُ الكَفالةُ؛ لِما فيها مِنْ مَعنى التَّبرُّعِ، فكذلك القَرضُ (١).
وقال المالِكيَّةُ: شَركةُ العِنانِ جائِزةٌ لَازمةٌ، مَأخوذةٌ مِنْ عِنانِ الدَّابَّةِ، أي: كلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن شَرَط على صاحبِه ألَّا يَستبدَّ بفِعلِ شَيءٍ في الشَّركةِ إلا بإذنِ شَريكِه ومَعرِفتِه، فكأنَّه أخذَ بعِنانِه، أي: بناصيَتِه، ألَّا يَفعلَ فِعلًا إِلَّا بإذنِه، فلو تَصرَّف واحِدٌ منهما بدونِ إذنِ الآخَرِ كان له رَدُّه (٢).
وقال الحَنابِلةُ: حُقوقُ العَقدِ لا تَختصُّ بالعاقِدِ مِنَ الشَّريكَيْن فله المُطالَبةُ بالأجرِ لهما، ودَفعُه عليهما.
стр. 4938
ولكلٍّ منهما أنْ يَرُدَّ بالعَيبِ لِلحَظِّ فيما وَليَه مِنَ البَيعِ أو وَليَه صاحبُه؛ لأنَّ الوَكيلَ يَرُدُّ، فالشَّريكُ أوْلَى، ولو رَضيَ به شَريكُه.
وله أنْ يُقِرَّ بالعَيبِ فيما بِيعَ مِنْ مالِهما، ويَقبَلَ إقرارَ الوَكيلِ على مُوكِّلِه به، ولأنَّه مِنْ مُتعلِّقاتِها.
وإنْ رُدَّت السِّلعةُ على الشَّريكِ بعَيبٍ فلَه أنْ يَقبلَها ويَرُدَّ الثَّمنَ.
وله أنْ يُعطيَ الأرشَ أو يَحُطَّ مِنْ ثَمنِه لِأجلِ العَيبِ أو يُؤخِّرَ ثَمنَه لِأجلِ العَيبِ؛ لأنَّه عادةُ التِّجارةِ.
وله أنْ يُقايلَ؛ لأنَّ الحَظَّ قد يَكون فيها؛ لأنَّها إنْ كانت بَيعًا فقد أذنَ له فيه، وإنْ كانت فَسخًا؛ فكالرَّدِّ بالعَيبِ.
وله أنْ يُقِرَّ بالثَّمنِ وببَعضِه وبأُجرةِ المُنادي والحَمَّالِ ونَحوِهما، لأنَّ ذلك مما يُحتاجُ إليه؛ كالإقرارِ بالعَيبِ.
وله أنْ يَفعلَ كلَّ ما هو مِنْ مَصلحةِ تِجارَتِهما؛ لأنَّ مَبناها على الوَكالةِ والأمانةِ (١).
حُكمُ الشَّركةِ هل هي جائِزةٌ أو لازمةٌ؟
اختلَف الفُقهاءُ في الشَّركةِ هل هي مِنَ العُقودِ اللَّازمةِ التي لا تَنفسِخُ إلا برِضا الطَّرفَيْن كالبَيعِ أو جائِزةٌ يَحِقُّ لكلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن أنْ يَفسخَ الشَّركةَ متى شاءَ.
فذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الشَّركةَ ابتِداءً جائِزةٌ، إلا أنَّها إذا
стр. 4939
انعَقدتْ لَزِمت وصارَت مِنَ العُقودِ اللَّازمةِ التي تَلزَمُ بمُجرَّدِ العَقدِ؛ كالبَيعِ، أي: بما يَدلُّ عليها عُرفًا، سَواءٌ كان قَولًا، ك: «اشتَرَكْنا»، أو فِعلًا كخَلطِ المالَيْن أو هُما معًا، ولا رُجوعَ لِأحدِهما فيها كالبَيعِ، فلو أراد أحَدُهما المُفاصَلةَ قبلَ الخَلطِ وامتنَع الآخَرُ فالقَولُ لِلمُمتنِعِ حتى يَنِضَّ المالُ بعدَ العَملِ.
وأمَّا شَركةُ الأعمالِ أو الأبدانِ أو الحَرثِ -الآتي ذِكرُها- ففيها قَولانِ، أحَدُهما أنَّها كشَركةِ الأموالِ، تَلزمُ بالعَقدِ، وهو قَولُ سَحنونٍ، والثاني: أنَّها لا تَلزمُ إلا بالعَملِ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ (١).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ ومُقابِلُ المَشهورِ عندَ المالِكيَّةِ إلى أنَّ الشَّركةَ مِنَ العُقودِ الجائِزةِ التي يَجوزُ لِأحدِ الشَّريكَيْن أنْ يَفسخَها كالوَكالةِ؛ لأنَّها عَقدٌ جائِزٌ، فبَطلَت بذلك، كالوَكالةِ، إلا أنَّهم اختلَفوا فيما بينَهم هل يُشترطُ أن يَعلمَ الشَّريكُ الآخَرُ بالفَسخِ أو لا؟ وهل يُشترطُ أنْ يَكونَ المالُ ناضًّا أو لا؟
قال الحَنفيَّةُ: الشَّركةُ عَقدٌ جائِزٌ غَيرُ لَازمٍ، حتى يَنفرِدَ كلُّ واحِدٍ منهما بالفَسخِ، إلا أنَّ مِنْ شَرطِ جَوازِ الفَسخِ أنْ يَكونَ بحَضرةِ صاحبِه، أي: بعِلمِه، حتى لو فسَخ بمَحضَرٍ مِنْ صاحِبِه جازَ الفَسخُ، وكذا لو كان صاحبُه غائبًا وعلِمَ بالفَسخِ، وإنْ كان غائِبًا ولَم يَبلُغْه الفَسخُ لَم يَجُزِ الفَسخُ، ولَم
стр. 4940
يَنفسِخِ العَقدُ؛ لأنَّ الفَسخَ مِنْ غَيرِ عِلمِ صاحِبِه إضرارٌ بصاحبِه، ولِهذا لَم يَصحَّ عَزلُ الوَكيلِ مِنْ غَيرِ عِلمِه، مع أنَّ الشَّركةَ تَتضمَّنُ الوَكالةَ، وعِلمُ الوَكيلِ بالعَزلِ شَرطُ جَوازِ العَزلِ، فكَذا في الوَكالةِ التي تَضمَّنتْه الشَّركةُ.
قال الكاسانيُّ ﵀: وهل يُشترطُ أنْ يَكونَ مالُ الشَّركةِ عَينًا وَقتَ الشَّركةِ لِصِحَّةِ الفَسخِ، وهي أنْ يَكونَ دَراهمَ أو دَنانيرَ؟ ذكَر الطَّحاويُّ أنَّه شَرطٌ حتى لو كان مالُ الشَّركةِ عُروضًا وَقتَ الفَسخِ، لا يَصحُّ الفَسخُ، ولا تَنفسِخُ الشَّركةُ، ولا رِوايةَ عن أصحابِنا في الشَّركةِ، وفي المُضاربةِ رِوايةٌ، وهي أنَّ رَبَّ المالِ إذا نَهى المُضارِبِ عن التَّصرُّفِ؛ فإنَّه يُنظَرُ إنْ كان مالُ المُضاربةِ وَقتَ النَّهيِ دَراهمَ أو دَنانيرَ صَحَّ النَّهيُ، لكنْ له أنْ يَصرِفَ الدَّراهمَ إلى الدَّنانيرِ، والدَّنانيرَ إلى الدَّراهمِ؛ لأنَّهما في الثَّمنيَّةِ جِنسٌ واحِدٌ فكأنَّه لَم يَشتَرِ بها شَيئًا، وليس له أنْ يَشتريَ بها عُروضًا.
وإنْ كان رأسُ المالِ وَقتَ النَّهيِ عُروضًا فلا يَصحُّ نَهيُه؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى بَيعِها لِيَظهرَ الرِّبحُ، فكان الفَسخُ إبطالًا لِحَقِّه في التَّصرُّفِ، فجعَل الطَّحاويُّ الشَّركةَ بمَنزِلةِ المُضارَبةِ، وبَعضُ مَشايخِنا فَرَّقَ بينَ الشَّركةِ والمُضارَبةِ.
فقال: يَجوزُ فَسخُ الشَّركةِ، وإنْ كان رأسُ المالِ عُروضًا، ولا يَجوزُ فَسخُ المُضاربةِ؛ لأنَّ مالَ الشَّركةِ في يَدِ الشَّريكَيْن جَميعًا، ولهما جَميعًا وِلايةُ التَّصرُّفِ، فيَملِكُ كلُّ واحِدٍ منهما نَهيَ صاحبِه عَينًا كان المالُ أو عُروضًا.
стр. 4941
فأمَّا مالُ المُضاربةِ ففي يَدِ المُضارِبِ، ووِلايةُ التَّصرُّفِ له، لا لِرَبِّ المالِ، فلا يَملِكُ رَبُّ المالِ نَهيَه بعدَما صارَ المالُ عُروضًا (١).
وقال الشافِعيَّةُ: لكلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن فَسخُ الشَّركةِ متى شاءَ؛ كالوَكالةِ، ويَنعزِلانِ عن التَّصرُّفِ جَميعًا بفَسخِ كلٍّ منهما؛ لأنَّ العَقدَ قد زالَ، ولكلِّ واحِدٍ منهما أنْ يَتصرَّفَ في نَصيبِ نَفْسِه.
فإنْ لَم يَفسَخا ولا أحَدُهما، لكنْ قال أحَدُهما لِلآخَرِ: «عَزلتُك عن التَّصرُّفِ»، أو: «لا تَتصرَّفْ في نَصيبي»، انعَزل المُخاطَبُ ولا يَنعزِلُ العازِلُ عن التَّصرُّفِ في نَصيبِ المَعزولِ فيَتصرَّفُ في نَصيبِ المَعزولِ، لأنَّ العازِلَ لَم يَمنَعْه أحَدٌ، بخِلافِ المُخاطَبِ؛ فإنْ أرادَ المُخاطَبُ عَزلَه فليَعزِلْه.
وصُورتُه في المَعزولِ: أنْ يُميِّزَ حِصَّةً مِنَ المالِ المَخلوطِ لِلشَّريكِ، ثم يَعزِلَ أحَدُهما الآخَرَ فيَتصرَّفَ العازِلُ في الجَميعِ دونَ المَعزولِ (٢).
وقال الحَنابِلةُ: تَبطُلُ الشَّركةُ بالفَسخِ مِنْ أحَدِهما وسائِرِ ما يُبطِلُ الوَكالةَ، فلَو قال أحَدُهما: فُسِخت الشَّركةُ انعَزلا جَميعًا فلا يَتصرَّفُ كلٌّ منهما إلا في قَدْر نَصيبِه مِنَ المالِ؛ لأنَّ فَسخَ الشَّركةِ يَقتَضي عَزلَ نَفْسِه مِنَ التَّصرُّفِ في مالِ صاحبِه، وعَزلَ صاحبِه مِنَ التَّصرُّفِ في مالِ نَفْسِه، وسَواءٌ كان المالُ نَقدًا أو عَرضًا؛ لأنَّ الشَّركةَ وَكالةٌ، والرِّبحَ يَدخُلُ ضِمنًا، ولأنَّ حَقَّ المُضارِبِ أصليٌّ.
стр. 4942
فإنْ عَزلَ أحَدُهما صاحبَه بأنْ قال: «عَزلتُ شَريكي»، انعَزَل المَعزولُ ولو لَم يَعلَمْ؛ كالوَكيلِ، ولَم يَكُنْ لِلمَعزولِ أنْ يَتصرَّفَ إلا في قَدْرِ نَصيبِه مِنَ المالِ فَقطْ؛ فإنْ تَصرَّف في أكثَرَ ضمِنَ الزائِدَ، ولِلعازلِ التَّصرُّفُ في جَميعِ مالِ الشَّركةِ؛ لأنَّها باقيةٌ في حَقِّه، لأنَّ شَريكَه لَم يَعزلْه، بخِلافِ ما إذا فسَخَ أحَدُهما الشَّركةَ فلا يَتصرَّفُ كلٌّ إلا في قَدْرِ مالِه.
وهذا -أي ما ذُكِر مِنَ العَزلِ إذا نَضَّ المالُ، أي: صارَ مِثلَ حالِه وَقتَ العَقدِ عليه دَنانيرَ أو دراهِمَ.
فإنْ كان المالُ عَرضًا فعلى رِوايتَيْن:
إحداهما: لَم يَنعزِلْ أحَدُهما بعَزلِ شَريكِه له، وله التَّصرُّف بالبَيعِ لِتَنضيضِ المالِ؛ كالمُضارِبِ، دونَ المُعاوَضةِ بسِلعةٍ أُخرى، ودونَ التَّصرُّفِ بغَيرِ ما يَنِضُّ به المالُ؛ لأنَّه مَعزولٌ ولا حاجةَ تَدعو إلى ذلك، بخِلافِ التَّنضيضِ، هذا ما ذكَره القاضي وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ.
والأُخرى: وهي المَذهبُ أنَّه يَنعزلُ مُطلَقًا، وإنْ كان عَرضًا، وهو قَولُ الشافِعيِّ؛ لأنَّه عَقدٌ جائِزٌ، فأشبَهَ الوَكالةَ، فعلى هذا إنِ اتَّفقا على البَيعِ أو القِسمةِ فَعَلا.
وإنْ طلَب أحَدُهما القِسمةَ والآخَرُ البَيعَ أُجيبَ طالِبُ القِسمةِ دونَ طالِبِ البَيعِ.
فإنْ قيلَ: أليسَ إذا فسَخ رَبُّ المالِ المُضاربةَ وطلَب العامِلُ البَيعَ أُجيبَ إليه؟
стр. 4943
فالجَوابُ: حَقُّ العامِلِ في الرِّبحِ ولا يَظهَرُ الرِّبحُ إلا بالبَيعِ، فاستَحقَّه العامِلُ؛ لِوُقوفِ حُصولِ حَقِّه عليه، وفي مَسألتِنا ما يَحصُلُ مِنَ الرِّبحِ يَستدرِكُه كلُّ واحِدٍ منهما في نَصيبِه مِنَ المَتاعِ، فلَم يُجبَرْ على البَيعِ (١).
مُبطِلاتُ عَقدِ الشَّركةِ:
تَبطُلُ الشَّركةُ بما يَلي:
١ - بالفَسخِ: إذا فسَخ أحَدُ الشَّريكَيْن الشَّركةَ انفَسخَت كما تَقدَّم تَفصيلُه في المَسألةِ السابِقةِ.
٢ - بمَوتِ أحَدِ الشَّريكَيْن: اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الشَّركةَ تَنفسِخُ بمَوتِ أحَدِ الشَّريكَيْن؛ لأنَّها عَقدٌ جائِزٌ فبَطلَت بذلك كالوَكالةِ.
قال الحَنفيَّةُ: فأيُّهما ماتَ انفَسخَت الشَّركةُ؛ لِبُطلانِ المِلكِ وأهليَّةِ التَّصرُّفِ بالمَوتِ؛ لأنَّ الشَّركةَ تَتضمَّنُ الوَكالةَ، والوَكالةَ تَبطُلُ بالمَوتِ، سَواءٌ عَلِم بمَوتِ صاحبِه أو لَم يَعلَمْ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما وَكيلُ صاحبِه، ومَوتُ المُوكِّلِ يَكونُ عَزلًا لِلوَكيلِ، عَلِم به أو لَم يَعلَمْ؛ لأنَّه عَزلٌ حُكميٌّ، فلا يَقِفُ على العِلمِ (٢).
стр. 4944
وجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى» لِلمالكيةِ: القَضاءُ في أحدِ الشَّريكَيْن يَموتُ:
قُلتُ: أرأيتَ إذا ماتَ أحَدُ الشَّريكَيْن؟ قال: إذا ماتَ أحَدُهما لَم يَكُنْ لِلباقي منهما أنْ يُحدِثَ في المالِ المُتبَقِّي، ولا في السِّلعِ، قَليلًا ولا كَثيرًا، إلا برِضا الوَرثةِ؛ لأنَّ الشَّركةَ حين ماتَ أحَدُهما انقَطعَت فيما بينَهما وصارَ نَصيبُ المَيِّتِ لِلوَرثةِ، وهذا رأيي (١).
وقال الشافِعيَّةُ: إذا مات أحَدُ الشَّريكَيْن انفسَخَت الشَّركةُ بمَعنى بطَل الإذنُ بالتَّصرُّفِ، لأنَّ العُقودَ الجائِزةَ تَبطُلُ بالمَوتِ، كالوَكالةِ، وإذا كان كذلك فلا يَخلو أنْ يَكونَ على المُتوَفَّى دُيونٌ ووَصايا، أو لا يَكونَ عليه دُيونٌ ولا وَصايا؛ فإذا لَم يَكُنْ عليه دُيونٌ ولا وَصايا فلا يَخلو حالُ الوارِثِ مِنْ أنْ يَكونَ جائِزَ الأمرِ أو غَيرَ جائِزٍ؛ فإنْ كان جائِزَ الأمرِ بالبُلوغِ والرُّشدِ فهو بالخيارِ في مالِ الشَّركةِ بينَ ثَلاثةِ أشياءَ:
إمَّا أنْ يُقاسِمَ عليها فتَمتازَ حِصَّتُه فيَتصرَّفَ فيها، وإمَّا أنْ يَتركَ المالَ مُشترَكًا على حالِه مِنْ غَيرِ أنْ يأذَنَ لِلشَّريكِ بالتَّصرُّفِ فيه، وإمَّا أنْ يُقيمَ على الشَّركةِ، ويأذنَ لِلشَّريكِ بالتَّصرُّفِ فيه فيَصيرَ شَريكًا، كما كان شَريكًا لِمُورِّثِه، فأيُّ هذه الثلاثةِ فعَل كان له ذلك، سَواءٌ كان فيه الحَظُّ أو في غَيرِه، لأنَّ مَنْ جازَ أمرُه نفَذت عُقودُه، وإنْ لَم يَكُنْ فيها حَظٌّ له، ويَختارُ لِهذا الوارِثِ إذا أحَبَّ المُقامَ على الشَّركةِ أنْ يَعلمَ قَدْرَ المالِ الذي وَرِثه عن مَيِّتِه قبلَ الإذنِ في التَّصرُّفِ فيه خَوفًا مِنْ ظُهورِ دَينٍ يَتعلَّقُ بالشَّركةِ، فيَعلمَ قَدرَه
стр. 4945
لِيَمتازَ عما ملَكه الوارِثُ مِنْ رِبحِها الذي لا يَتعلَّقُ بالذي له؛ فإنْ لَم يَفعلْ جازَ، لأنَّ التَّخوُّفَ مِنْ ظُهورِ الدَّينِ مُلغًى باعتبارِ أنَّ الأصلَ بَراءةُ الذِّمَّةِ.
فإنْ قيلَ: الشَّركةُ عَقدٌ فكيف يَصحُّ مع الجَهلِ بقَدْرِ المالِ المَعقودِ عليه.
قيلَ: إنَّما يَلزمُ العِلمُ بقَدْرِ نَصيبِ كلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن مِنْ جُملةِ المالِ مِنْ نِصفٍ أو ثُلثٍ أو رُبعٍ، ولا يَلزمُ مَعرفةُ وَزنِه، ألَا تَرى لو أنَّ رَجلَيْن اشتَركا ووضَع أحَدُهما دَراهمَ في كِفَّةِ مِيزانٍ، ووضَع الآخَرُ بإزائِها واشتَركا بها واتَّجَرا مِنْ غَيرِ أنْ يَعلَما وَزنَها صَحَّت الشَّركةُ لِلعِلمِ بحِصةِ كلِّ واحِدٍ منهما مِنَ الجُملةِ؛ كذلك الوارِثُ في التَّركةِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: تَبطُلُ الشَّركةُ بمَوتِ أحَدِ الشَّريكَيْن، وإذا مات أحَدُ الشَّريكَيْن وله وارِثٌ رَشيدٌ فله أنْ يُقيمَ على الشَّركةِ ويأذنَ له الشَّريكُ في التَّصرُّفِ ويأذنَ هو أيضًا لِشَريكِه فيه، وبَقاؤُه على الشَّركةِ إتمامُ الشَّركةِ، وليس بابتِدائها؛ فلا تُعتبَرُ شُروطُها، أي: شُروطُ الشَّركةِ مِنْ حُضورِ المالِ وكَونِه نَقدًا مَضروبًا، وبَيانِ الرِّبحِ، ونَحو ذلك مما تَقدَّم، قال البُهوتيُّ: هذا مُقتَضى كَلامِه في المُغني والمُبدِعِ.
وقال في «المُستوعِبِ»: إنْ ماتَ يَخرجُ مِنَ الشَّركةِ ويَتسلَّمُ حَقَّه وَرثتُه، انتَهى، فصَريحُه بُطلانُ الشَّركةِ بمَوتِ أحَدِهما، وهو صَريحُ كَلامِه قَريبًا،
стр. 4946
وكَلامُ المُنتَهى وغَيرِهما فيما تَقدَّم في الوَكالةِ، ومُقتَضى ما يأتي في المُضاربةِ، إذْ لا فَرقَ.
ولِلوارِثِ المُطالَبةُ لِلشَّريكِ بالقِسمةِ لِمالِ الشَّركةِ؛ فإنْ كان الوارِثُ مَولًى عليه لِكَونِه مَحجورًا عليه، قامَ وليُّه مَقامَه في ذلك، أي: في إبقاءِ الشَّركةِ والمُقاسَمةِ، ولا يَفعلُ الوَليُّ إلا ما فيه المَصلحةُ لِلمُوَلَّى عليه، كسائِرِ التَّصرُّفاتِ؛ فإنْ كان المَيِّتُ قد وَصَّى بمالِ الشَّركةِ أو ببَعضِه لِمُعيَّنٍ فالمُوصى له إذا قَبِلَ يُعَدُّ كالوارِثِ فيما ذكَرنا؛ لِانتِقالِ المِلكِ إليه، وإنْ كان الإيصاءُ به لِغَيرِ مُعيَّنٍ؛ كالفُقراءِ، لَم يَجُزْ لِلوَصيِّ الإذنُ في التَّصرُّفِ، ووجَب دَفعُ المالِ المُوصى به إلى المُوصى لَهم، ويَعزِلُ الوَصيُّ نَصيبَ الميِّتِ ويُفرِّقُه على المُوصى لهم، عَملًا بالوَصيَّةِ.
فإنْ كان على الميِّتِ دَينٌ تَعلَّقَ الدَّينُ بتَركتِه؛ فليس لِلوارثِ إمضاءُ الشَّركةِ حتى يَقضيَ دَينَه؛ فإنْ قَضاه الوارِثُ مِنْ غَيرِ مالِ الشَّركةِ فله إتمامُ الشَّركةِ.
وإنْ قَضاه منه بَطلت الشَّركةُ في قَدْرِ ما قَضى، ذكَره في «المُغني»، و «المُبدعِ»، وغَيرِهما.
لكنَّ مُقتَضى ما تَقدَّم أنَّ الوارِثَ لا يَمنعُ مِنْ إتمامِ الشَّركةِ قبلَ القَضاءِ، لكنْ يَكونُ مَوقوفًا إنْ قَضاه نفَذت الشَّركةُ، كسائِرِ تَصرُّفاتِه؛ وإلا نُقِضت ووَفَّى الدَّينَ مِنْ حِصَّةِ الميِّتِ (١).
стр. 4947
٣ - جُنونُ أحَدِ الشَّريكَيْن: وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ العُلماءِ على أنَّه إذا جُنَّ أحَدُ الشَّريكَيْن جُنونًا مُطبِقًا انفسَخت الشَّركةُ؛ لأنَّ به يَخرجُ الوَكيلُ عن الوَكالةِ، وجَميعُ ما يَخرجُ به الوَكيلُ عن الوَكالةِ يَبطُلُ به عَقدُ الشَّركةِ؛ لأنَّ الشَّركةَ تَتضمَّنُ الوَكالةَ؛ فإذا جُنَّ أحَدُهما انفسَخت الشَّركةُ وانعَزلَ كلُّ واحِدٍ منهما عن التَّصرُّفِ في نَصيبِ شَريكِه؛ لأنَّ الإذنَ عَقدٌ جائِزٌ، فبطَل بالجُنونِ، كالوَكالةِ (١).
٤ - إغماءُ أحدِ الشَّريكَيْن: نَصَّ الشافِعيَّةُ على أنَّ الشَّركةَ تَنفسِخُ بإغماءِ أحَدِ الشَّريكَيْن؛ فإذا أُغميَ على أحَدِهما انفسَخت الشَّركةُ وانعَزلَ كلُّ واحِدٍ منهما عن التَّصرُّفِ في نَصيبِ شَريكِه؛ لأنَّ الإذنَ عَقدٌ جائِزٌ فبطَل بالإغماءِ كالوَكالةِ؛ فإذا أفاقَ تَخيَّرَ بَينَ القِسمةِ واستِئنافِ الشَّركةِ، ولو بلَفظِ التَّقريرِ إنْ كان المالُ عَرضًا.
وقيلَ: إنَّ مَحلَّ الفَسخِ بالإغماءِ: إذا طال زَمنُه، بحيث أُسقِط عنه فَرضُ صَلاةٍ واحِدةٍ بمُرورِ وَقتِها، فلو أُغميَ عليه أقَلَّ مِنْ ذلك لَم يَضرَّه (٢).
٥ - الحَجرُ على أحَدِهما: نَصَّ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الشَّركةَ تَنفسِخُ بالحَجْرِ على أحَدِهما، سَواءٌ كان الحَجْرُ لِسَفهٍ أو فَلَسٍ أو فيما حُجِرَ عليه فيه، أو حُجِرَ عليه في كلِّ تَصرُفٍ لا يَنفُذُ منهما كالوَكالةِ (٣).
стр. 4948
٦ - الرِّدَّةُ مع اللُّحوقِ بدارِ الحَربِ: نَصَّ الحَنفيَّةُ على أنَّ أحَدَ الشَّريكَيْنِ إذا ارتَدَّ ولَحِقَ بدارِ الحَربِ مُرتَدًّا، وحَكمَ القاضي بلَحاقِه انفسَختِ الشَّركةُ؛ لأنَّه بمَنزلةِ المَوتِ، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن يَتصرَّفُ بالإذنِ، والمَوتُ يَقطَعُ الإذنَ، ولا فَرقَ بينَ ما إذا عَلِم الشَّريكُ برِدَّةِ صاحبِه أو لَم يَعلمْ؛ لأنَّه عَزلٌ حُكميٌّ، بخِلافِ الفَسخِ، كما تَقدَّم.
فإنْ رجَع المُرتدُّ مُسلِمًا بعدَ لَحاقِه قبلَ أنْ يَقضيَ القاضي لَم تَبطُلِ الشَّركةُ، وإنْ كان رُجوعُه بَعدَما قَضى بلَحاقِه فلا شَركةَ بينَهما؛ لأنَّه لَمَّا قَضى بلَحاقِه زالَتْ أملاكُه، فانفَسختِ الشَّركةُ، فلا تَعودُ إلا بعَقدٍ جَديدٍ (١).
يَدُ الشَّريكِ يَدُ أمانةٍ:
اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ يَدَ الشَّريكِ في مالِ الشَّركةِ يَدُ أمانةٍ؛ كالمُودَعِ والوَكيلِ، وليست يَدَ ضَمانٍ، فلا يَضمنُ أحَدُ الشَّريكَيْن ما ذهَب مِنْ مالِ التِّجارةِ مِنْ غَيرِ تَعدٍّ ولا تَفريطٍ باتِّفاقِ الفُقهاءِ؛ لأنَّه قبَض المالَ بإذنِ صاحبِه، لا على وَجهِ المُبادلةِ، كالمَقبوضِ على سَومِ الشِّراءِ، ولا على وَجهِ الوَثيقةِ كالرَّهنِ، ولأنَّه نائِبٌ عن شَريكِه في الحِفظِ، فكان الهالِكُ في يَدِه مِنْ غَيرِ تَعدٍّ ولا تَفريطٍ كالهالِكِ في يَدِ المالِكِ.
стр. 4949
ولا يَضمنُ الشَّريكُ إلا إذا تَعدَّى أو فرَّط، والتَّعدي هو فِعلُ ما لا يَجوزُ له فِعلُه، وقد سبَق بَيانُه، فكلُّ ما لا يَجوزُ لِلشَّريكِ فِعلُه ففعَله ضَمِن حِصَّةَ شَريكِه.
والتَّفريطُ هو تَركُ ما يَنبَغي فِعلُه؛ فإذا فرَّط ضمِن حِصَّةَ شَريكِه.
وبِناءً على أنَّ الشَّريكَ أمينٌ يُقبلُ قَولُه بلا بَيِّنةٍ في رَدِّ نَصيبِ الشَّريكِ، وفي الخُسرانِ، وفي التَّلفِ إنِ ادَّعاه بلا سَببٍ أو بسَببٍ خَفيٍّ كالسَّرقةِ؛ لأنَّه يَتعذَّرُ عليه إقامةُ البَيِّنةِ.
فإنِ ادَّعى التَّلفَ بسَببٍ ظاهِرٍ -كحَريقٍ- لَم يُقبلْ قَولُه عندَ الشافِعيَّةِ حتى يُقيمَ البَيِّنةَ على السَّببِ الظاهِرِ؛ لأنَّه يُمكِنُه إقامةُ البَيِّنةِ عليه؛ فإنْ شَهِدتِ البَيِّنةُ بالسَّببِ وبهَلاكِ المالِ فيه فلا كَلامَ، وإنْ شهِدت البَيِّنةُ بالسَّببِ ولَم تَذكرْ هَلاكَ المالِ؛ فالقَولُ قَولُ الشَّريكِ مع يَمينِه: أنَّه هلَك بذلك.
ولو ادَّعى أحَدُهما خِيانةَ صاحبِه لَم يُسمعْ حتى يُبيِّنَ قَدْرَ ما خانَ به، فإذا بيَّن فالقَولُ قَولُ المُنكرِ مع يَمينِه (١).
وقال الحَنفيَّةُ: الشَّريكُ أمينٌ في المالِ فيُقبلُ قَولُه بيَمينِه في مِقدارِ الرِّبحِ والخُسرانِ والضَّياعِ والدَّفعِ لِشَريكِه، ولو ادَّعاه بعدَ مَوتِه.
стр. 4950
ويَضمنُ بالتَّعدِّي، وهذا حُكمُ الأماناتِ، فلو قال: «لا تُجاوِزْ خُوارِزمَ»، فجاوَزَها، ضمِنَ حِصَّةَ شَريكِه.
وكذا يَضمنُ إذا مات مُجهِلًا نَصيبَ صاحبِه، إذا كان مالُ الشَّركةِ ديونًا على الناسِ؛ فإنَّه يَضمنُ، كما يَضمنُ لو مات مُجهِلًا عَينَ مالِ الشَّركةِ الذي في يَدِه، وكذا بَقيَّةُ الأماناتِ؛ إلا إذا كان يَعلمُ أنَّ وارثَه يَعلمُ ذلك، فلا يَضمنُ (١).
وقال المالِكيَّةُ: الشَّريكُ أمينٌ في مالِ الشَّركةِ؛ فإذا كان بيَدِ أحَدِهما شَيءٌ مِنْ مالِ الشَّركةِ، فقال: «تَلِف ما بيَدي كُلًّا أو بَعضًا، أو خَسِرت فيه»، فإنَّه يُصدَّقُ بيَمينٍ إنِ اتُّهِم ولو كان غَيرَ مُتَّهمٍ في الأمرِ نَفْسِه، ما لَم تَقُمْ عليه تُهمةٌ، كدَعوى التَّلفِ، وهو في رُفقةٍ لا يَخفى ذلك فيها، فيُسألُ أهلُ الرُّفقةِ، فلَم يَعلمْ ذلك أحَدٌ منهم، أو يَدَّعي الخَسارةَ في سِلعةٍ لَم يُعلمْ ذلك فيها؛ لِشُهرةِ سِعرِها، ونَحوِ ذلك، وكذلك يُقبلُ قَولُ أحَدِ الشَّريكَيْن إذا اشتَرى شَيئًا يُناسِبُه مِنَ المأكلِ والمَشربِ والمَلبسِ أنَّه اشتَراه لِنَفْسِه، وأمَّا إذا اشتَرى عُروضًا أو عَقارًا أو حَيوانًا، وقالَ: اشتَريتُه لِنَفْسي؛ فإنَّه لا يُصدَّقُ في ذلك، ولِشَريكِه الدُّخولُ فيه معه.
والقَولُ لِمُدَّعي أخذٍ لَائِقٌ له، وهو خاصٌّ بالمأكولِ ونَحوِه، كما مَرَّ (٢).
стр. 4951
النَّوعُ الثاني: شَركةُ المُفاوضةِ:
شَركةُ المُفاوَضةِ عندَ الحَنفيَّةِ: هي أنْ يَشتركَ الرَّجلانِ فيَتساويا في مالِهما وتَصرُّفِهما ودَينِهما، ويَكونَ كلٌّ منهما كَفيلًا عن الآخَرِ في كلِّ ما يَلزمُه مِنْ عُهدةِ ما يَشتريه، كما أنَّه وَكيلٌ عنه؛ لأنَّها شَركةٌ عامَّةٌ يُفوِّضُ كلٌّ منهما صاحبَه على العُمومِ في التِّجاراتِ والتَّصرُّفاتِ؛ لأنَّ الفَوضةَ الشَّركةُ، والمُفاوضةَ المُساواةُ، فلَزمَ مُطلقُ المُساواةِ فيما يُمكِنُ الاشتِراكُ فيه، فعَمَّ التَّساوي في ذلك.
وهي مِنَ التَّفويضِ أو الفَوضِ الذي منه فاضَ الماءُ، إذا عَمَّ وانتشَر؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُفوِّضُ التَّصرُّفَ إلى صاحبِه على أيِّ حالٍ، ومنه قَولُ الشاعِرِ:
تُهدى الْأمُورُ بأَهْلِ الرَّأيِ ما صَلحَتْ … فَإنْ توَلَّتْ فَبالْأَشْرَارِ تَنقَادُ
لا يَصْلحُ الناسُ فَوضى لا سراةَ لهم … ولَا سرَاة إذا جهَّالُهُمْ سَادوا
إذا تولى سراةُ الناس أمرَهم … نما على ذاك أمرُ القوم وازدادوا
ومعنى البَيتِ: إذا كان الناسُ مُتساوين لا كَبيرَ لهم ولا سَيِّدَ يَرجعون إليه؛ بل كان كلُّ واحِدٍ مُستقلًّا يُنفِّذُ مُرادَه كيف كان، تَحقَّقت المُنازعةُ، كما في قَولِ اللهِ : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، والسُّراةُ: جَمع سَرى، وهو السَّيِّدُ، وسيأتي وَجهُ المُساواةِ فلا بُدَّ مِنْ تَحقُّقِ المُساواةِ ابتِداءً عندَ عَقدِ الشَّركةِ، وانتِهاءً، أي: في مُدَّةِ البَقاءِ؛ لأنَّ عَقدَ الشَّركةِ عَقدٌ غَيرُ لَازمٍ؛ فإنَّ لكلٍّ منهما أنْ يَفسخَه إذا شاءَ، فكان لِبقائِه حُكمُ الابتِداءِ،
стр. 4952
فما يَمنعُ ابتِداءَ العَقدِ مِنَ التَّفاوُتِ في المالِ يَمنعُ بَقاءَه حتى لو كان المالانِ سَواءً يَومَ العَقدِ، ثم ازدادت قيمةُ أحَدِهما قبلَ الشِّراءِ فسَدت المُفاوضةُ وصارت عِنانًا، بخِلافِ ما لو زاد بعدَ الشِّراءِ بالمالَيْن؛ لأنَّ الشَّركةَ انتَقلت إلى المُشتَري؛ فإنَّما تَغيَّر سِعرُ رأسِ المالِ بعدَ خُروجِه عن الشَّركةِ فيه (١).
وقال المالِكيَّةُ: شَركةُ المُفاوضةِ: هي أنْ يُفوِّضَ كلُّ واحِدٍ منهما إلى الآخَرِ التَّصرُّفَ والبَيعَ والشِّراءَ، حضَر الآخَرُ أو غابَ، وتَكونُ يَدُه كيَدِه، ولا يَكونانِ شَريكَيْن إلا بقَدْرِ ما يَعقِدانِ الشَّركةَ عليه، دونَ ما يَنفرِدُ أحَدُهما بمِلكِه مما لَم يَدخلْه في رأسِ مالِ الشَّركةِ، ويَجوزُ فيها تَساوي رُؤوسِ الأموالِ وتَفاضُلُها؛ إذا كان العَملُ والرِّبحُ بقُدرةِ اللهِ.
فإنْ أطلَقَ كلُّ واحِدٍ التَّصرُّفَ -وإنْ كان الإطلاقُ في نَوعٍ خاصٍّ- لِصاحبِه بالبَيعِ والشِّراءِ والأخذِ والعَطاءِ دونَ تَوقُّفٍ على إذنِ الآخرِ، فهي شَركةُ مُفاوَضةٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ فَوَّضَ لِصاحبِه التَّصرُّفَ، إلا أنَّها إذا لَم تُقيَّدْ بنَوعٍ تُسمَّى مُفاوضةً عامَّةً، وإذا خُصَّت بنَوعٍ -كشِراءِ الرَّقيقِ- سُمِّيت مُفاوضاتٍ خاصَّةً، أي: بنَوعِ الذي أُطلِق التَّصرُّفَ فيه.
وسُمِّيت مُفاوضةً لِاستِوائِهما في الرِّبحِ والضَّمانِ وشُروعِهما في الأخذِ والإعطاءِ، مِنْ قَولِهم: تَفاوَض الرَّجلانِ في الحَديثِ؛ إذا شرَعا فيه، وهي جائِزةٌ على ما يَتفاوضانِ عليه مِنَ الأجزاءِ.
стр. 4953
ولا تَفسُدُ المُفاوضةُ بينَهما، وإنْ كان لِأحَدِهما مالٌ على حِدةٍ لَم يُدخلِهْ في المُفاوضةِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: والمُفاوضةُ أنْ يُفوِّضَ كلُّ واحِدٍ منهما إلى الآخَرِ كلَّ تَصرُّفٍ ماليٍّ وبَدنيٍّ مِنْ أنواعِ الشَّركةِ في كلِّ وَقتٍ ومَكانٍ على ما يَرى، والرِّبحُ على ما شرَطا، والوَضيعةُ بقَدْرِ المالِ؛ فتَكونُ شَركةَ عِنانٍ أو وُجوهٍ أو أبدانٍ، وتَكونُ مُضاربةً (٢).
حُكمُ شَركةِ المُفاوضةِ:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ شَركةِ المُفاوضةِ، هل هي صَحيحةٌ وجائِزةٌ أو فاسِدةٌ؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ شَركةَ المُفاوضةِ جائِزةٌ، واستدلَّ الحَنفيَّةُ بما رُويَ مَرفوعًا: «تَفاوَضوا؛ فإنَّه أعظَمُ لِلبَركةِ»، وقَولُه: «إذا تَفاوَضتُم فأحسِنوا المُفاوَضةَ»، ولأنَّها مُشتمِلةٌ على أمرَيْن جائِزَيْن، وهُما الوَكالةُ والكَفالةُ؛ لأنَّ كلَّ واحِدةٍ منهما جائِزةٌ حالَ الانفِرادِ، وكذا حالَ الاجتِماعِ، كالعِنانِ، ولأنَّها طَريقُ استِنماءِ المالِ أو تَحصيلِه، والحاجةُ إلى ذلك مُتحقَّقةٌ، فكانت جائِزةً كالعِنانِ.
وهي جائِزةٌ استِحسانًا عندَ الحَنفيَّةِ، وفي القياسِ: لا تَجوزُ.
стр. 4954
وَجهُ القياسِ: أنَّها تَضمَّنت الوَكالةَ بمَجهولِ الجِنسِ، والكَفالةَ بمَجهولٍ، وكلُّ ذلك بانفِرادِه فاسِدٌ.
وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّ الناسَ كانوا يُعامِلونها مِنْ غَيرِ نَكيرٍ، وبه يُتركُ القياسُ؛ لأنَّ التَّعامُلَ كالإجماعِ، والجَهالةُ مُحتمَلةٌ تَبعًا كما في المُضاربةِ، ولا تَنعقِدُ إلا بلَفظةِ المُفاوضةِ لِبُعدِ شَرائِطِها مِنْ عِلمِ العَوامِّ حتى لو بَيَّنَّا جَميعَ ما تَقتضيه تَجوزُ؛ لأنَّ المُعتبَرَ هو المَعنى (١).
وقال المالِكيَّةُ: شَركةُ المُفاوضةِ جائِزةٌ؛ لأنَّ تَقديرَ الشَّركةِ أنَّهما أخرَجا المالَيْن، ثم وَكَّل كلُّ واحِدٍ منهما الآخَرَ في التَّصرُّفِ فيه على الإطلاقِ، وذلك جائِزٌ، ولأنَّ شَركةَ المُفاوضةِ تَتضمَّنُ الوَكالةَ والكَفالةَ، وتَعلُّقُ الوَكالةِ بها كتَعلُّقِها بالعِنانِ، لكنْ تَزيدُ المُفاوضةُ بالكَفالةِ فيما يَثبُتُ لِأحدِهما قبلَ صاحبِه مِنَ الحُقوقِ، والضَّمانُ يَصحُّ في الذِّمَّةِ لِمَجهولٍ، كمَنِ استَهلَك شَيئًا لمَن لا يَعرِفُه.
ولا يُشترطُ فيها تَساوي رُؤوسِ الأموالِ، ويَجوزُ أنْ يَنفردَ أحَدُهما بمالٍ لا يُدخِلُه في الشَّركةِ؛ وإنْ تَفاضلَ رُؤوسُ الأموالِ، خِلافًا لِأبي حَنيفةَ في مَنعِه كلَّ ذلك؛ لأنَّ كلَّ شَركةٍ جازَتْ مع تَساوي رُؤوسِ الأموالِ جازَتْ مع اختِلافِهما، كالعِنانِ، ولأنَّها شَركةٌ بمالٍ في مَكسَبٍ مُباحٍ، فوجَب أنْ يَستويَ في الجَوازِ استِواءُ المالَيْن واختِلافُهما كالعِنانِ، ولأنَّ عَقدَ الشَّركةِ
стр. 4955
هو بَيعُ نَصيبِ أحَدِهما بقِسطِه مِنْ نَصيبِ الآخَرِ، وتَوكيلُ أحَدِهما الآخَرَ في التَّصرُّفِ، وذلك لا يَفتقِرُ إلى تَساوي المالَيْن (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ فشَركةُ المُفاوضةِ عندَهم على ضَربَيْن:
أحَدُهما: أنْ يُفوِّضَ كلُّ واحِدٍ منهما إلى صاحبِه الشِّراءَ أو البَيعَ والمُضاربةَ والتَّوكيلَ والابتياعَ في الذِّمَّةِ، والمُسافَرةَ بالمالِ، والارتِهانَ وضمانَ ما يَرى مِنَ الأعمالِ؛ فهذه شَركةٌ صَحيحةٌ؛ لأنَّها لا تَخرجُ عن شَركةِ العِنانِ والوُجوهِ والأبدانِ، وجَميعُها مَنصوصٌ على صِحَّتِها، والرِّبحُ على ما شرَطاه، والوَضيعةُ على قَدْرِ المالِ.
الضَّربُ الثاني: أنْ يُدخِلا فيها الأكسابَ النادِرةَ ونَحوَها، أو ما يَلزمُ أحَدَهما مِنْ ضَمانٍ أو كَفالةٍ أو غَصبٍ، أو ما يَجِدُه مِنْ رِكازٍ أو لُقطةٍ، بأنْ يَقولَ: أنتَ شَريكٌ لي في كلِّ ما يَحصُلُ لي بأيِّ جِهةٍ كانت مِنْ إرْثٍ وغَيرِه، فهذه شَركةٌ فاسِدةٌ على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ؛ لأنَّه عَقدٌ لا يَصحُّ بينَ الكافِرين ولا بينَ كافِرٍ ومُسلِمٍ، فلَم يَصحَّ بينَ المُسلِمينَ، كسائِرِ العُقودِ الفاسِدةِ، ولأنَّه عَقدٌ لَم يَرِدِ الشَّرعُ بمِثلِه، فلَم يَصحَّ، كما ذكَرنا، ولأنَّ فيه غَررًا، فلَم يَصحَّ كبَيعِ الغَررِ، وبَيانُ غَررِه: أنَّه يَلزمُ كلَّ واحِدٍ ما لَزمَ الآخَرَ، وقد يَلزَمُه شَيءٌ لا يَقدرُ على القيامِ به، وقد أدخَلا فيه الأكسابَ النادِرةَ.
стр. 4956
فعلى المَذهبِ لكلٍّ منهما رِبحُ مالِه وأُجرةُ عَملِه وما يَستفيدُه له ويَختصُّ بضَمانِ ما غصَبه أو جَناه أو ضمِنه عن الغَيرِ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: شَركةُ المُفاوضةِ هي أنْ يَشترِكا في الناضِّ مِنْ أموالِها كلِّه دونَ العُروضِ، ويَشتَرطا أنْ يَكونَ ما يَملكانِ مِنَ المالِ بينَهما، وأنْ يَضمنَ كلُّ واحِدٍ منهما ما يَجِبُ على الآخَرِ بغَصبٍ، أو بَيعٍ، أو ضَمانٍ.
فهذه شَركةٌ باطِلةٌ، قال الإمامُ الشافِعيُّ: «المُفاوَضةُ باطِلةٌ ولا أعرِفُ شَيئًا مِنَ الدُّنيا يَكونُ باطِلًا إنْ لَم تَكُنْ شَركةُ المُفاوَضةِ باطِلةً» (٢).
والدَّليلُ على بُطلانِها: «نَهيُه ﷺ عن الغَرَرِ»، ولا غَررَ أعظَمُ مِنَ المُفاوَضةِ فيما يُدخِلُ كَسبًا أو يُخرِجُ غُرمًا.
ولأنَّها شَركةٌ لا تَصحُّ مع تَفاضُلِ المالِ وجَب ألَّا تَصحَّ مع التَّساوي، أصلُه إذا كان أحَدُهما مُكاتَبًا أو ذِمِّيًّا، ولأنَّ كلَّ شَركةٍ لا تَصحُّ بينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ والحُرِّ والمُكاتَبِ لا تَصحُّ بينَ الحُرَّيْن المُسلمَيْن. أصلُه: إذا تَفاضَلا في المالِ، ولأنَّ ما لَم يَتفرَّعْ عن أصلِ تَناوُلِه عَقدُ الشَّركةِ، فلَم تَصحَّ فيه الشَّركةُ كالمِيراثِ، ولأنَّها شَركةُ لا تَصحُّ مع مُختَلِفَيِ الدِّينَيْن، فلَم تَصحَّ، مع مُتَّفِقَيِ الدِّينَيْن، كشَركةِ العُروضِ.
ولأنَّهما عقَدا الشَّركةَ على أنْ يُشاركَ كلُّ واحِدٍ منهما الآخَرَ فيما
стр. 4957
يَختصُّ بسَبَبه، فلَم يَصحَّ، كما لو عقَدا الشَّركةَ على ما يَملِكانِ بالإرثِ، أو نَقولُ: شَركةٌ على أنْ يَضمنَ كلُّ واحِدٍ منهما ما يَجِبُ على الآخَرِ بعُدوانِه، فلَم يَصحَّ، كما لو عقَدا الشَّركةَ على أنْ يَضمنَ كلُّ واحِدٍ منهما ما يَجِبُ على كلِّ واحِدٍ منهما بالجِنايةِ.
إذا ثبَت هذا: فإنْ كسَبا اختُصَّ كلُّ واحِدٍ منهما بمِلكِ ما كسَبه، ووجَب عليه ضَمانُ ما أتلَفه أو غصَبه؛ لأنَّ وُجودَ هذا العَقدِ بمَنزِلةِ عَدمِه.
وإذا استَعمَلا لَفظَ المُفاوضةِ وأرادا شَركةَ العِنانِ فالمَنصوصُ عليه الجَوازُ (١).
شُروطُ صِحَّةِ شَركةِ المُفاوضةِ عندَ الحَنفيَّةِ:
١ - التَّساوي في المالِ، فلو كان أحَدُ الشُّركاءِ أكثَرَ مالًا فإنَّ الشَّركةَ لا تَصحُّ؛ لأنَّ المالَ الأصلُ في الشَّركةِ، ومنه يَكونُ الرِّبحُ.
٢ - التَّساوي في التَّصرُّفِ، فلا تَصحُّ الشَّركةُ بينَ الصَّبيِّ والبالِغِ، ولا بينَ الحُرِّ والعَبدِ؛ لأنَّها تَقتَضي الكَفالةَ، ولأنَّ كَفالةَ هؤلاء لا تَصحُّ، وإذا لَم تَصحَّ كانت عِنانًا، ولأنَّه مَتى تَصرَّف أحَدُهما تَصرُّفًا لا يَقدِرُ الآخَرُ عليه فاتَتِ المُساواةُ.
٣ - التَّساوي في الدَّينِ، فلا تَنعقِدُ بينَ مُسلِمٍ وذِمِّيٍّ؛ لأنَّ المُسلِمَ والذِّمِّيَّ
стр. 4958
لا يَتساويانِ في التَّصرُّفِ، بدَليلِ أنَّ الذِّمِّيَّ يَتصرَّفُ في الخَمرِ والخِنزيرِ، دونَ المُسلِمِ، وتَكونُ عِنانًا؛ لأنَّ العِنانَ يَجوزُ بينَهما إجماعًا، وإنْ تَفاوضَ الذِّمِّيانِ جازَت مُفاوَضتُهما، وإنِ اختلَف دِيناهما؛ لأنَّهما مُتساويانِ في التَّصرُّفِ.
٤ - أنْ يَكونَ كلُّ واحِدٍ مِنَ الشُّركاءِ كَفيلًا عن الآخَرِ فيما يَجِبُ عليه مِنْ شِراءٍ وبَيعٍ، كما أنَّه وَكيلٌ عنه، فلا يَصحُّ أنْ يَكونَ تَصرُّفُ أحَدِ الشُّركاءِ أكثَرَ مِنْ تَصرُّفِ الآخَرِ؛ فإذا تَحقَّقت المُساواةُ في هذه النَّواحي كلِّها انعَقدَت الشَّركةُ، وصارَ كلُّ شَريكٍ وَكيلًا عن صاحبِه وكَفيلًا عنه يُطالِبُ بعَقدِ صاحبِه، ويَسألُ عن جَميعِ تَصرُّفاتِه.
وفي كلِّ مَوضعٍ لا تَصحُّ المُفاوضةُ -لِفَقدِ شَرطِها، ولا يُشترَطُ ذلك في العِنانِ- كانت عِنانًا.
فإن وَرِث أحَدُهما مالًا تَصحُّ فيه الشَّركةُ، أو وُهِبَ له ووصَل إلى يَدِه، بَطلَت المُفاوَضةُ وصارَت عِنانًا، وإنْ وَرِث أحَدُهما عَرضًا فهو له، ولا تَفسُدُ المُفاوضةُ، وكذا العَقارُ.
وتَنعقِدُ المُفاوضةُ على الوَكالةِ والكَفالةِ، وما يَشتريه كلُّ واحِدٍ منهما يَكونُ على الشَّركةِ، إلا طَعامَ أهلِه وكِسوَتُهم، وكذا كِسوتُه، وكذا الإدامُ، ولِلبائعِ أنْ يأخُذَ بالثَّمنِ أيَّهما شاءَ: المُشتَريَ بالأصالةِ، وصاحبَه بالكَفالةِ، ويَرجعُ على المُشتَري بحِصَّتِه ممَّا أدى عندَ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ.
وما يَلزمُ كلَّ واحِدٍ منهما مِنَ الدُّيونِ بَدلًا مما يَصحُّ فيه الاشتِراكُ،
стр. 4959
فالآخَرُ ضامِنٌ له، تَحقيقًا لِلمُساواةِ؛ لأنَّها مُنعقدةٌ على الكَفالةِ، فكأنَّه كفَل عنه ببَدلِ ذلك، فيُطالَبُ به، والمُرادُ بَدلُ الشَّيءِ الذي يَصحُّ الاشتِراكُ فيه، حتى إذا اشتَرى العِقالَ بَطلَت شَركتُه، والذي يَصحُّ فيه الاشتِراكُ البَيعُ والشِّراءُ والاستِئجارُ، والذي لا يَصحُّ الاشتِراكُ فيه: الجِنايةُ والنِّكاحُ والخُلعُ والصُّلحُ عن دَمِ العَمدِ، وعن النَّفقةِ، فعلى هذا إذا تَزوَّجَ أحَدُ الشَّريكَيْن فذلك لَازمٌ له خاصَّةً؛ لأنَّه لا يَصحُّ الشَّركةُ عليه، وليس لِلمرأةِ أنْ تأخُذَ شَريكَه بالمَهرِ؛ لأنَّه بَدلٌ عما لا يَصحُّ فيه الاشتِراكُ، وكذا لو جَنى أحَدُهما على آدَميٍّ فهو لَازمٌ له خاصَّةً؛ لأنَّ الجِنايةَ ليست مِنَ التِّجارةِ؛ وإنْ جَنى على دابَّةٍ أو ثَوبٍ لَزمَ شَريكَه؛ لأنَّه يَملِكُ المَجنيَّ عليه بالضَّمانِ، وذلك مما يَصحُّ فيه الاشتِراكُ.
ولو كفَل أحَدُهما بمالٍ عن أجنبيٍّ بأمْرِه، لَزمَ صاحبَه -شَريكَه- عندَ أبي حَنيفةَ ﵀، وقال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: لا يَلزمُه، كالإقراضِ والكَفالةِ بالنَّفْسِ.
وعن أبي حَنيفةَ ﵀: يَلزمُ صاحبَه في الإقراضِ، ولو كانت الكَفالةُ بغَيرِ أمرِه لَم يَلزَمْ صاحبَه في الصَّحيحِ، وضَمانُ الغَصبِ والاستِهلاكِ بمَنزِلةِ الكَفالةِ بأمرِه عندَ أبي حَنيفةَ (١).
стр. 4960
مُفاوضةُ المُسلِمِ والمُرتَدِّ:
وأمَّا مُفاوضةُ المُسلِمِ والمُرتَدِّ فذكَر الكَرخيُّ أنَّها غَيرُ جائِزةٍ، وكذا رَوى عيسى بنُ أبانَ عن أبي حَنيفةَ -رحمهما اللهُ-؛ لأنَّ تَصرُّفاتِ المُرتدِّ مُتوقِّفةٌ عندَه لِوُقوفِ أملاكِه فلا يُساوي المُسلِمَ في التَّصرُّفِ، فلا تَجوزُ، كما لا تَجوزُ بينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ، وذكَر مُحمدٌ في الأصلِ وقال: قياسُ قَولِ أبي يُوسُفَ أنه يَجوزُ، يَعني قياسَ قَولِه في الذِّمِّيِّ.
ولِأبي يُوسُفَ أنَّه يُفرَّقُ بينَهما مِنْ حيث إنَّ مِلكَ المُرتَدِّ ناقِصٌ؛ لِكَونِه على شَرفِ الزَّوالِ، ألَا تَرى أنَّ قاضيًا لو قَضى ببُطلانِ تَصرُّفِه وزَوالِ مِلكِه يَنفُذُ قَضاؤُه، وإذا كان ناقِصَ المِلكِ والتَّصرُّفِ نزَل مَنزلةَ المُكاتَبِ، بخِلافِ الذِّمِّيِّ.
ولو فاوَض مُسلِمٌ مُرتدَّةً، ذكر الكَرخيُّ أنَّها لا تَجوزُ، وقال القُدُوريُّ ﵀: وهو ظاهِرٌ على أصلِ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ الكُفرَ عندَهما يَمنعُ انعِقادَ المُفاوضةِ بينَ المُسلِمِ والكافِرِ.
وأمَّا أبو يُوسُفَ فالكُفرُ عندَه غَيرُ مانِعٍ؛ وإنَّما المانِعُ نُقصانُ المِلكِ والتَّصرُّفِ، وهذا لا يُوجدُ في المَرأةِ.
وأمَّا مُفاوضةُ المُرتَدِّينَ أو شَركَتُهما شَركةَ العِنانِ فذلك مَوقوفٌ عندَ أبي حَنيفةَ على ما أصلُه في عُقودِ المُرتدِّ أنَّها مَوقوفةٌ؛ فإنْ أسلَما جازَ عَقدُهما، وإنْ قُتِلا على رِدَّتِهما أو ماتا أو لَحِقا بدارِ الحَربِ بَطَل.
وأمَّا على قَولِهما فشَركةُ العِنانِ جائِزةٌ؛ لأنَّ عُقودَهما نافِذةٌ.
стр. 4961
وأمَّا مُفاوَضتُهما فقد ذكَر القُدُوريُّ ﵀ أنَّه يَنبَغي ألَّا يَجوزَ.
أمَّا عندَ أبي يُوسُفَ فلأنَّ نُقصانَ المِلكِ يَمنعُ المُفاوَضةَ، كالمُكاتِبِ، ومِلكُهما ناقِصٌ؛ لِما ذكَرنا فصارا كالمُكاتَبَيْن.
وأمَّا عندَ مُحمدٍ فلأنَّ المُرتدَّ عندَه بمَنزِلةِ المَريضِ مَرضَ المَوتِ، وكَفالةُ المَريضِ مَرضَ المَوتِ لا تَصحُّ إلا مِنَ الثُّلثِ، والمُفاوضةُ تَقتَضي جَوازَ الكَفالةِ على الإطلاقِ.
وإنْ شارَك مُسلِمٌ مُسلِمًا ثم ارتَد أحَدُهما؛ فإنْ قُتِلَ أو مات أو لَحِق بدارِ الحَربِ بَطلت الشَّركةُ، وإنْ رجَع قبلَ ذلك فهُما على الشَّركةِ؛ لأنَّه إذا قُتِل أو مات أو لَحِق بدارِ الحَربِ زالَتْ أملاكُه عندَ أبي حَنيفةَ مِنْ حينِ ارتَدَّ، فكأنَّه ماتَ، فبَطلت شَركَتُه وإنْ أسلَم، فقد زالَ التَّوقُّفُ وجُعِل كأنَّ الرِّدَّةَ لَم تَكُنْ، ولِهذا قال أبو حَنيفةَ: إنَّ المُرتدَّ منهما إذا أقَرَّ ثم قُتِل لَم يَلزمْ إقرارُه شَريكَه؛ لأنَّ المِلكَ يُحكمُ بزَوالِه مِنْ وَقت الرِّدَّةِ فقد أقَرَّ بعدَ بُطلانِ الشَّركةِ.
وأمَّا على قَولِهما فإقرارُه جائِزٌ على شَريكِه وكذا بَيعُه وشِراؤُه؛ لأنَّ الشَّركةَ عندَهما إنَّما بَطلتْ بالقَتلِ، أو باللَّحاقِ فكانت باقيةً قَبلَ ذلك فنفَذ تَصرُّفُه وإقرارُه (١).
بَيانُ ما يَجوزُ لأحدِ شَريكَيِ المُفاوَضةِ وما لا يَجوزُ:
قد تَقدَّم في شَركةِ العِنانِ ما يَجوزُ وما لا يَجوزُ لكلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن أنْ يَفعلَه في مالِ الشَّركةِ وذكَرتُ هناك ما يَجوزُ لشَريكَيِ المُفاوَضةِ.
стр. 4962
وهي عندَ المالِكيَّةِ ما يَلي، وقد تَقدَّم الكَلامُ فيه مُفصَّلًا:
قالوا: لأحَدِ المُتفاوِضَيْن التَّبرُّعُ في مالِ الشَّركةِ بغَيرِ إذنِ شَريكِه بشَيءٍ، كهِبةٍ وحَطيطةٍ لبَعضِ ثَمنٍ بالمَعروفِ إنِ استألَفَ بالتَّبرُّعِ قُلوبَ الناسِ لِلتِّجارةِ.
وله أنْ يُبضِعَ مِنْ مالِ الشَّركةِ، بأنْ يُعطيَ إنسانًا مالًا منه لِيَشتريَ له بِضاعةً مِنْ بَلدِ كذا.
وله أنْ يُقارِضَ: بأنْ يُعطيَ مالًا لِغَيرِه قِراضًا، حيث اتَّسعَ المالُ، وإلا مُنِعَ، وأنْ يُودِعَ وَديعةً منه لِعُذرٍ اقتَضى الإيداعَ، وإلا يَكُنِ الإيداعُ لِعُذرٍ ضَمِن إنْ ضاعَتِ الوَديعةُ.
وله أنْ يُشارِكَ في شَيءٍ مُعيَّنٍ أجنَبيًّا حيث لا تَجولُ يَدُه في مالٍ لِلشَّركةِ.
وأنْ يَقبلَ المَعيبَ إذا باعَه هو أو شَريكُه، ثم رَدَّ بالعَيبِ، وإنْ أبى الآخَرُ.
وله أنْ يُقرَّ بدَينٍ عليه مِنْ مالِ الشَّركةِ لِمَنْ لا يُتَّهمُ عليه، ويَلزمُ شَريكَه الآخَرَ، لا لِمَنْ يُتَّهمُ عليه؛ كابنٍ وزَوجةٍ وصَديقٍ مُلاطِفٍ فلا يَلزمُ صاحِبَه.
وله أنْ يَبيعَ سِلعةً مِنْ مالِ الشَّركةِ بدَينٍ، أي بثَمنٍ لِأجلٍ مَعلومٍ.
ولا يَجوزُ له الشِّراءُ بالدَّينِ؛ لأنَّه إذا اشتَرى بدَينٍ في ذِمَّتِه لِلشَّركةِ مِنْ غَيرِ إذنِ شَريكِه لَم يَكُنْ لِصاحِبِه شَيءٌ مِنْ رِبحِها، ولا عليه شَيءٌ مِنْ خَسارَتِها؛ لأنَّهما مِنْ شَركةِ الذِّممِ، وهي لا تَجوزُ، لِئلَّا يَأكُلَ شَريكُه رِبحَ ما لَم يُضمَنْ، أو يُغرَّمَ ما ليس عليه؛ لأنَّ ضَمانَ الدَّينِ مِنَ المُشتَري وَحدَه؛
стр. 4963
فإنْ أذِنَ له في سِلعةٍ مُعيَّنةٍ جازَ؛ لأنَّه صارَ بالإذنِ له وَكيلًا عنه فيما يَخُصُّه، فكانا بمَنزلةِ رَجُلَيْن اشتَريا سِلعةْ بينَهما بدَينٍ؛ فإنَّه جائِزٌ قَطعًا (١).
غَصْبُ أحدِ المُفاوضَيْن شَيئًا فهلَك أو غاب حتى ضمِن:
ولو غصَب أحدُ المُفاوضَيْن شَيئًا فهلَك أو غاب حتى ضمِن، لا يُؤاخَذُ به شَريكُه عندَ أبي يُوسُفَ وابنِ القاسِمِ مِنَ المالِكيَّةِ، وقال أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ: يُؤاخَذُ به شَريكُه أيضًا (٢).
وجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: في كَفالةِ أحدِ المُتفاوِضَيْن وغَصبِه وجِنايَتِه أتَلزمُ شَريكَه أم لا؟
قُلتُ: أيَلزمُ كَفالةُ أحدِ المُتفاوضَيْن شَريكَه أم لا؟ قال: لا يَلزمُ ذلك شَريكَه؛ لأنَّ هذا مَعروفٌ.
قُلتُ: أرأيتَ ما اغتصَب أحَدُ المُتفاوضَيْن، أو عقَر دابَّةً أو أحرَقَ ثَوبًا، أو تَزوَّج امرأةً، أو آجَرَ نَفْسَه فعمِل الطِّينَ والطُّوبَ، أو حمَل على رأسِه، أو نَحوَ هذه الأشياءِ، أو جَنى جِنايةً، أيَلزمُ مِنْ ذلك شَريكَه شَيءٌ أم لا؟
قال: لا شَيءَ على شَريكِه في شَيءٍ مِنْ هذا، ولا يَكونُ له فيما أصابَ شَيءٌ.
قُلتُ: تَحفَظُه عن مالِك؟ قال: لا، ولكنْ هذا رَأيي (٣).
стр. 4964
النَّوعُ الثالِثُ: شَركةُ الصَّنائِعِ أو الأبدانِ:
تَعريفُ شَركةِ الصَّنائِعِ أو الأبدانِ:
قال الحَنفيَّةُ: شَركةُ الصَّنائعِ أو الأبدانِ أو التَّقبُّلِ هي أنْ يَشتركَ صانِعانِ مُتَّفِقا الصَّنعةِ -كخياطَيْن-، أو مُخَتِلفاها -نَحوَ خَيَّاطٍ وصَبَّاغٍ- أو غَيرُهما، فيَقولا: «اشتَركْنا على أنْ نَعمَلَ فيه على أنَّ ما رزَق اللهُ مِنْ أُجرةٍ فهي بينَنا على شَرطِ كذا» (١).
وقال المالِكيَّةُ: شَركةُ الأبدانِ: هي عَقدٌ على عَملٍ، كخِياطةٍ أو حِياكةٍ بينَهما، والرِّبحُ في النَّوعَيْن بينَهما على حَسَبِ مالِ كلٍّ أو عَملِه بما يَدلُّ عُرفًا، فلا يُشترطُ صيغةٌ مَخصوصةٌ، بل المَدارُ على ما يَحصُلُ به الإذنُ والرِّضا مِنَ الجانبَيْن.
ولَزِمت بما يَدلُّ عليها مِنْ صيغةٍ لَفظيَّةٍ أو غَيرِها؛ واللَّفظيَّةُ ك: «شارِكْني»، فيَرضى الآخَرُ بسُكوتٍ أو إشارةٍ أو كِتابةٍ، فليس لِأحَدِهما المُفاضَلةُ قبلَ الخَلطِ إلا برِضاهما معًا (٢).
وقال الشافِعيَّةُ: شَركةُ الأبدانِ هي أنْ يَشتركَ صانِعانِ لِيَعمَلا ببَدَنَيْهما ويَشتَركا في كَسبِهما (٣).
стр. 4965
وقال الحَنابِلةُ: شَركةُ الأبدانِ على ضَربَيْن: أحَدُهما: أنْ يَشتركَ اثنان أو أكثَرُ فيما يَتقبَّلانِ ببَدَنَيْهما في ذِمَمِهما مِنَ العَملِ كالصُّنَّاعِ يَشترِكون على أنْ يَعمَلوا في صِناعاتِهم فيما رزَق اللهُ تَعالى، فهو بينَهم.
والضَّربُ الثاني: أنْ يَشترِكا في تَملُّكِ المُباحاتِ؛ كاحتِشاشِ واصطيادٍ وتَلصُّصٍ على دارِ الحَربِ ونَحو ذلك، كسَلبِ مَنْ يَقتُلانِه بدارِ حَربٍ (١).
حُكمُ شَركةِ الأبدانِ أو الصَّنائعِ:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ شَركةِ الأبدانِ هل هي جائِزةٌ أو لا؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ شَركةَ الأبدانِ جائِزةٌ إذا اتَّفقتِ الصَّنعةُ، كحَدَّادٍ مع حَدَّادٍ، ونَجَّارٍ مع نَجَّارٍ، وهكذا.
ودَليلُ جَوازِ هذه الشَّركةِ: ما رَواه أبو عُبيدةَ عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قال: «اشْترَكْتُ أنا وعَمَّارٌ وسَعْدٌ فِيما نُصِيبُ يَومَ بَدْرٍ، قال: فجَاءَ سَعْدٌ بِأسِيرَيْنِ، ولَمْ أجِئْ أنا وعَمَّارٌ بِشَيْءٍ» (٢).
ولأنَّ العَملَ مما يَجوزُ المُضاربةُ عليه، فجازت الشَّركةُ عليه مِنْ جِهتِهما كالمالِ، ولأنَّه أحَدُ أصلَيْ عَقدِ القِراضِ كالمالِ، ولأنَّ المَقصودَ
стр. 4966
مِنْ شَركةِ المالِ هو العَملُ، بدَليلِ أنَّ نَماءَ المالِ واستِحقاقَ الرِّبحِ يَكونُ على العَملِ وأنَّهما لو شرَطا العَملَ على أحَدِهما لَم يَجُزْ، ولو شرَطا المالَ مِنْ عندِ أحَدِهما والعَملَ مِنَ الآخَرِ لَجازَ، ولَكانَ مُضاربةً، وإذا صَحَّ هذا وجَب مَتى اشتَركا في عَملِ البَدنِ أنْ يَصحَّ لِإيقاعِهما العَقدَ على الوَجهِ الذي له يُقصدُ، وهو الأصلُ فيه، ولأنَّ العَملَ نَوعٌ مِنَ الشَّركةِ فصَحَّ أنْ يَكونَ مِنْ جِهةِ أحدِ الشَّريكَيْن ويَستحِقَّ به الرِّبحَ، بدَليلِ المُضاربةِ، وكلُّ ما جازَ أنْ يُستفادَ به الرِّبحُ في حَقِّ أحَدِهما جازَ أنْ يَشترِكا عليه كالمالِ.
ولأنَّ الناسَ يَتعامَلون بهذا النَّوعِ مِنَ الشَّركةِ في سائِرِ الأعصارِ والأمصارِ، مِنْ غَيرِ إنكارٍ عليهم مِنْ أحَدٍ، فصارَ ذلك إجماعًا منهم، ولأنَّها تَشتمِلُ على الوَكالةِ والوَكالةُ جائِزةُ، والمُشتمِلُ على الجائِزِ جائِزٌ.
ولأنَّه نَوعُ شَركةٍ، فوجَب أنْ يَكونَ منها ما يَصحُّ، كشَركةِ الأموالِ.
وهذه الشَّركةُ لَم تُشرَعْ لاستِنماءِ المالِ، بل لِتَحصيلِ أصلِ المالِ، والحاجةُ إلى تَحصيلِ أصلِ المالِ فَوقَ الحاجةِ إلى تَنميتِه، فلَمَّا شُرِعت لِتَحصيلِ الوَصفِ فلَأنْ تُشرَعَ لِتَحصيلِ الأصلِ أوْلَى.
ولأنَّ عَملَ البَدنِ أصلًا قد يُستفادُ به المالُ إذا انفَردَ، والمالُ فَرعٌ عليه لا يُستفادُ به النَّماءُ إلا مع العَملِ، فلَمَّا صَحَّت الشَّركةُ في الأموالِ فأوْلَى أنْ تَصحَّ في أعمالِ الأبدانِ، ولأنَّ العامِلَ في القِراضِ شَريكٌ ببَدنِه في مالٍ غَيرِ مُماثِلٍ لِعَملِه، فكانت الشَّركةُ في أعمالِ الأبدانِ المُماثِلةِ أوْلَى.
ولأنَّ كَثيرًا مِنْ مَصالِحِ المُسلِمينَ لا يَنتظِمُ بدونِها، كالصُّنَّاعِ المُشتَركينَ
стр. 4967
في الحَوانيتِ، مِنَ الدَّلالينَ وغَيرِهم؛ فإنَّ أحَدَهم لا يَستقِلُّ بأعمالِ الناسِ، فيَحتاجُ إلى مُعاوِنٍ، والمُعاوِنُ لا يُمكنُ أنْ تُقدَّرَ أُجرَتُه وعَملُه، كما لا يُمكِنُ مِثلُ ذلك في المُضاربةِ ونَحوِها، فيَحتاجون إلى الاشتِراكِ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: شَركةُ الأبدانِ باطِلةٌ، سَواءٌ اتَّفقا في الصَّنعةِ أو اختَلَفا، كالخَيَّاطِ والنَّجَّارِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مُتميِّزٌ ببَدنِه ومَنافِعِه، فاختَصَّ بفَوائِدِه كما لو اشتَركا في ماشيتِهما، وهي مُتميِّزةٌ؛ لِيَكونَ الدَّرُّ والنَّسلُ بينَهما؛ فإنَّه لا يَصحُّ.
و «لِنَهيِه ﷺ عن الغَررِ» وشَركةُ الأبدانِ غَررٌ؛ لأنَّه قد يَعمَلُ أحَدُهما ولا يَعملُ الآخَرُ، وقد يَعملُ أحَدُهما أقَلَّ مِنَ الآخَرِ، ولأنَّها شَركةٌ عُرِّيت عن مُشترَكٍ في الحالِ، فوجَب أنْ تَكونَ باطِلةً، أصلُه إذا اشتَركا فيما يَستوهِبانِه؛ ولأنَّها شَركةٌ في مَنافعِ أعيانٍ مُتميِّزةٍ، فوجَب أنْ تَكونَ باطِلةً إذا اشتَركا في بَعيرَيْن لا يُؤجِّراهما، ويَشَترِكا في أُجرَتِهما.
ولأنَّ المَقصودَ مِنْ شَركةِ الأبدانِ هو العَملُ، كما أنَّ المَقصودَ مِنْ شَركةِ الأموالِ هو المالُ، فلَمَّا كانت الجَهالةُ بقَدْرِ المالِ وجَب فَسادُ الشَّركةِ، ووجَب أنْ تَكونَ الجَهالةُ بالعَملِ تُوجِبُ فَسادَ الشَّركةِ والعَملُ مَجهولٌ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ ما يَعملُه كلُّ واحِدٍ منهما غَيرُ مُقدَّرٍ، وقد يَمرَضُ فلا يَعملُ.
стр. 4968
ويَتحرَّرُ مِنَ اعتِلالِ هذا الاستِدلالِ قياسانِ، أحَدُهما: هو أنَّ وُقوعَ الجَهالةِ بحِصَّةِ كلٍّ منهما يَمنعُ مِنْ صِحَّةِ الشَّركةِ، كما لو خلَطا مالَيْن لا يَعرِفانِ قَدْرَهما.
والآخَرُ: هو أنَّها مُعاوضةٌ لو كانت في الأموالِ بطَلت بالجَهالةِ، فوجَب إذا كانت في الأعمالِ أنْ تَبطُلَ بالجَهالةِ، أصلُه إذا قال قد استأجَرتُك لِتَبنيَ لي على ألَّا أُبضِعَ لكَ.
فإذا فعَلا ذلك واكتَسبا، نُظِر إنِ انفَردا فلكلٍّ كَسبُه، وإلا يُقسَّمِ الحاصِلُ على قَدْرِ أُجرةِ المِثلِ لا بحَسَبِ الشَّرطِ (١).
شُروطُ صِحَّةِ شَركةِ الأبدانِ:
تَجوزُ شَركةُ الأبدانِ -كما سبَق- كالخياطةِ والحياكةِ والتِّجارةِ، بشُروطٍ، هي:
١ - اتِّحادُ الصَّنعةِ، كخياطَيْن أو نجارَيْن:
اتَّفق الفُقهاءُ الذين قالوا بجَوازِ شَركةِ الأبدانِ، وهُم الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ، على أنَّ الشَّركةَ تَصحُّ إذا اتَّحدتِ الصَّنعةُ، كخياطَيْن أو نَجارَيْن أو حدادَيْن.
ثم اختلَفوا فيما إذا اختلَفت الصَّنعةُ، كنَجَّارٍ مع حَدَّادٍ، فذهَب الحَنفيَّةُ -خِلافًا لِزُفرَ- والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى جَوازِها، سَواءٌ اتَّحدت الصَّنعةُ أو اختلَفت؛ لأنَّهما اشتَركا في مَكسَبٍ مُباحٍ، فصَحَّ كما لو اتَّفقت الصَّنائعُ، ولأنَّ الصَّنائعَ المُتَّفِقةَ قد يَكونُ أحَدُ الرَّجلَيْن أحذَقَ فيها مِنَ الآخَرِ، فرُبَّما يَتقبَّلُ أحدُهما ما لا يُمكِنُ الآخَرَ عَملُه، ولَم يَمنَعْ ذلك صِحَّتَها، فكذلك إذا اختلَفت الصِّناعتانِ.
ويَدلُّ على صِحَّةِ هذا أنَّه لو قال أحَدُهما: «أنا أتقَبَّلُ وأنتَ تَعمَلُ»، صَحَّتِ الشَّركةُ وعَملَ كلُّ واحِدٍ منهما غَيرَ عَملِ صاحِبِه.
стр. 4971
ولأنَّ استِحقاقَ الأجرِ في هذه الشَّركةِ بضَمانِ العَملِ، ولأنَّ العَملَ مَضمونٌ عليهما اتَّفق العَملانِ أو اختَلفا.
وذهَب المالِكيَّةُ وزُفَرُ مِنَ الحَنفيَّةِ وأبو الخَطَّابِ مِنَ الحَنابِلةِ إلى أنَّه يُشترطُ اتِّحادُ الصَّنعةِ، فلا تَصحُّ بينَ نَجَّارٍ وحَدَّادٍ؛ لأنَّ شَركةَ الأبدانِ أُجيزتْ لِلمُعاونةِ، وإذا اختلَفت الصَّنعةُ انتَفَت المُعاونةُ، ويَكونُ كلُّ واحِدٍ باعَ نِصفَ كَسبِه بنِصفِ كَسبِ صاحبِه لِغَيرِ ضَرورةٍ.
ولأنَّ أحدَهما لا رِفقَ له في مُشاركةِ الآخَرِ، فلا حاجةَ به إلى مُعاوَنتِه، ولا تَعلُّقَ لِكَسبِه بعَملِه؛ فإنَّما قصَد الغَررَ والقِمارَ فَقطْ، فلأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُشارِكُ الآخَرَ فيما يَنفرِدُ بكَسبِه لِيُشارِكَه الآخَرُ في مِثلِ ذلك فلَم يَصحَّ، أصلُه إذا قال: «اتَّجِرْ في مالِك لِنَفْسِك وأتَّجِرُ أنا في مالي لِنَفْسي، فما رَبِحتُ فلك نِصفُه، وما رَبِحتَ أنتَ فلي نِصفُه».
ولأنَّ مُقتَضاها أنَّ ما يَتقبَّلُه كلُّ واحِدٍ منهما مِنَ العَملِ يَلزَمُه ويَلزمُ صاحِبَه، ويُطالَبُ به كلُّ واحِدٍ منهما؛ فإذا تَقبَّل أحَدُهما شَيئًا مع اختِلافِ صَنعَتَيْهما لَم يُمكِنِ الآخَرَ أنْ يَقومَ به، فكيف يَلزَمُه عَملُه وكيف يُطالَب بما لا قُدرةَ له عليه؟
إلا أنَّ المالِكيَّةَ أجازوا هذه الشَّركةَ إنْ تَلازمَ عَملُهما بأنْ كان أحَدُهما يَنسِجُ، والآخَرُ يُنيرُ أو يَدورُ، أو أحَدُهما يَصوغُ والآخَرُ يَسبِكُ له، أو أحَدُهما يَغوصُ لِطَلبِ اللُّؤلُؤِ والآخَرُ يُمسِكُ عليه ويُجدِّفُ؛ فالمُرادُ بالتَّلازُمِ تَوقُّفُ أحَدِ العَملَيْن على الآخَرِ (١).
стр. 4972
٢ - اتِّحادُ المَكانِ:
اختلَف الفُقهاءُ هل يُشترطُ أنْ يَتَّحدَ الصانِعانِ في مَكانٍ واحِدٍ أو يَجوزُ أنْ يَكونَ كلُّ واحِدٍ منهما في مَكانٍ غَيرِ الآخَرِ.
فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ اتِّحادُ المَكانِ؛ لأنَّ المَعنى المُجوِّزَ لِلشَّركةِ -وهو ما ذكَرناه مِنْ أنَّ المَقصودَ منه التَّحصيلُ، وهو مُمكِنٌ بالتَّوكيلِ- لا يَتفاوَتُ باتِّحادِ المَكانِ أو اختِلافِه؛ لأنَّ أحَدَ الشَّريكَيْن لو عَمِل في دُكَّانٍ والآخَرُ في دُكَّانٍ آخَرَ لا يَتفاوَتُ الحالُ، وهو ظاهِرٌ.
وقال المالِكيَّةُ: لا يُشترطُ أنْ يَكونا بمَكانٍ واحِدٍ إنْ حصَل التَّعاوُنُ بينَهما، وإنْ بمَكانَيْن، بحيث تَجولُ يَدُ كلٍّ منهما على ما بيَدِ صاحبِه، كخياطَيْن في حانوتَيْن يأخُذُ كلٌّ منهما ما بيَدِ صاحبِه، إذْ ليس المَقصودُ مِنَ الجُلوسِ في مَوضعٍ واحِدٍ إلا التَّعاونَ.
فإنْ لَم يَحصُلِ التَّعاونُ بينَهما فلا يَجوزُ إلا في مَوضعٍ واحِدٍ؛ لأنَّ التَّساويَ في العَملِ لَمَّا كان مُعتبَرًا، وكان لا يُمكِنُ الرِّفقُ والمُعاونةُ إلا على هذا الوَجهِ وجَب اعتِبارُه (١).
стр. 4973
٣ - التَّساوي في الرِّبحِ:
اختلَف الفُقهاءُ في الرِّبحِ في شَركةِ الأبدانِ، هل يَكونُ على قَدْرِ العَملِ أو يُشترطُ التَّفاضُلُ مع التَّساوي في العَملِ.
فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الرِّبحَ في شَركةِ الأبدانِ على ما اتَّفقوا عليه مِنْ مُساواةٍ أو تَفاضُلٍ، وإنْ كان أحَدُهما أكثَرَ عَملًا مِنَ الآخَرِ؛ لأنَّ العَملَ يُستحَقُ به الرِّبحُ ويَجوزُ تَفاضُلُهما في العَملِ، فجازَ تَفاضُلُهما في الرِّبحِ الحاصِلِ به.
ولأنَّهما يَستحِقانِ الرِّبحَ بالضَّمانِ فما حصَل مِنْ أحَدِهما مِنْ زيادةِ عَملٍ فهو إعانةٌ لِصاحبِه، ولأنَّ الأُجرةَ بَدلُ عَملِهما، وأنَّهما يَتفاوَتانِ، فيَكونُ أحَدُهما أجوَدَ عَملًا وأحسَنَ صِناعةً فيَجوزُ (١).
وقال المالِكيَّةُ: يُشترَطُ أنْ يأخُذَ كلٌّ منهما مِنَ الرِّبحِ بقَدْرِ عَملِه، ولا يَضُرُّ التَّبرُّعُ بعدَ العَقدِ، وفسَدت إنْ شرَطا التَّفاوُتَ، ولا يَضُرُّ شَرطُ التَّساوي إنْ تَقارَبا في العَملِ.
стр. 4974
لأنَّه يُشترطُ في صِحَّةِ شَركةِ الأبدانِ أنْ يَتساوَيا في العَملِ بأنْ يأخُذَ كلُّ واحِدٍ بقَدْرِ عَملِه فيما إذا اتَّحدَ، وبقَدْرِ قيمَتِه في غَيرِه؛ فإذا كان عَملُ أحَدِهما الثُّلثَ وعَملُ الآخَرِ الثُّلثَيْن وكان يأخُذُ كلُّ واحِدٍ مِنَ الغَلَّةِ بقَدْرِ ما عَمِل جازَ، وليس المُرادُ بالتَّساوي أنْ يَكونَ عَملُ كلِّ واحِدٍ كعَملِ الآخَرِ، والتَّقارُبُ كالتَّساوي؛ فإذا كان عَملُ أحَدِهما يَقرُبُ مِنَ الثُّلثِ وعَملُ الآخَرِ يَزيدُ على الثُّلثَيْن على أنْ يأخُذَ قَدْرَ الثُّلثِ ويأخُذَ الآخَرُ الثُّلثَيْن جازَ، ويُرجَعُ في التَّقارُبِ لِأهلِ المَعرِفةِ.
واغتُفِرَ التَّفاوُتُ اليَسيرُ في العَملِ مع كَونِ الرِّبحِ بينَهما بالسَّويَّةِ؛ ككَونِ عَملِ أحدِهما أقَلَّ مِنَ النِّصفِ قَليلًا، وعَملُ الآخَرِ أكثَرَ منه قَليلًا، أو كان عَملُ أحدِهما أكثَرَ مِنَ الثُّلثِ قَليلًا وعَملُ الآخَرِ أقَلَّ مِنَ الثُّلثَيْن قَليلًا وقَسَّما على الثُّلثِ والثُّلثَيْن (١).
٤ - الاشتِراكُ في الآلةِ: نَصَّ المالِكيَّةُ على أنَّه يُشترطُ أنْ يَشترِكا في الآلةِ التي بها العَملُ؛ كالفأسِ والقَدومِ والمِطرقةِ وغَيرِ ذلك، إمَّا بمِلكٍ أو بإجارةٍ لهما مِنْ غَيرِهما، أو كان أحَدُهما يَملِكُ الآلةَ واستأجَر صاحبُه منه نِصفَها؛ فإنْ كانت الآلةُ مِنْ أحَدِهما دونَ الآخَرِ لَم يَجُزْ (٢).
стр. 4975
إذا كان العَملُ مِنْ جانبٍ والدُّكَّانُ أو الآلةُ مِنْ جانِبٍ آخَرَ:
قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: ولو أنَّ رَجُلًا أجلَسَ في دُكَّانِه رَجلًا يَطرحُ عليه العَملَ بالنِّصفِ فالقياسُ ألَّا تَجوزَ هذه الشَّركةُ؛ لأنَّها شَركةُ العُروضِ؛ لأنَّ العَملَ مِنْ أحَدِهما، ومِنَ الآخَرِ الحانوتَ، ولأنَّ الحانوتَ مِنَ العُروضِ، وشَركةَ العُروضِ غَيرُ جائِزةٍ.
وفي الاستِحسانِ جائِزةٌ؛ لأنَّ هذه شَركةُ الأعمالِ؛ لأنَّها شَركةُ التَّقبُّلِ، وتَقبُّلُ العَملِ مِنْ صاحِبِ الحانوتِ عَملٌ، وشَركةُ الأعمالِ جائِزةٌ بلا خِلافٍ بينَ أصحابِنا؛ لأنَّ مَبناها على الوَكالةِ، والوَكالةُ على هذا الوَجهِ جائِزةٌ، بأنْ يُوكِّلَ خَيَّاطٌ أو قَصَّارٌ وَكيلًا يَتقبَّلُ له عَملَ الخياطةِ والقِصارةِ، وكذا يَجوزُ لكلِّ صانِعٍ يَعملُ بأجْرٍ أنْ يُوكِّلَ وَكيلًا يَتقبَّلُ العَملَ.
فإنْ كان لَهما كَلبٌ فأرسَلاه جَميعًا كان ما أصابَ بينَهما لاستِوائِهما في سَببِ الاستِحقاقِ.
ولو كان الكَلبُ لِأحَدِهما وكان في يَدِه فأرسَلاه جَميعًا فما أصابَ الكَلبَ فهو لِصاحِبِه خاصَّةً؛ لأنَّ إرسالَ الأجنبيِّ لا عِبرةَ به مع إرسالِ المالِكِ، فكان مُلحقًا بالعَدمِ، كأنَّ المالِكَ أرسَلَه وَحدَه.
وإنْ كان لكلِّ واحِدٍ منهما كَلبٌ فأرسلَ كلُّ واحِدٍ منهما كَلبَه فأصابا صَيدًا واحِدًا كان بينَهما نِصفَيْن لأنَّهما تَساوَيا في سَببِ الاستِحقاقِ، وإنْ أصابَ كَلبُ كلِّ واحِدٍ منهما صَيدًا على حِدةٍ كان له خاصَّةً؛ لأنَّه مِلكُه بفِعلِه فاختَصَّ به.