← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

ولأنَّ استِحقاقَ الأجرِ في هذه الشَّركةِ بضَمانِ العَملِ، ولأنَّ العَملَ مَضمونٌ عليهما اتَّفق العَملانِ أو اختَلفا. وذهَب المالِكيَّةُ وزُفَرُ مِنَ الحَنفيَّةِ وأبو الخَطَّابِ مِنَ الحَنابِلةِ إلى أنَّه يُشترطُ اتِّحادُ الصَّنعةِ، فلا تَصحُّ بينَ نَجَّارٍ وحَدَّادٍ؛ لأنَّ شَركةَ الأبدانِ أُجيزتْ لِلمُعاونةِ، وإذا اختلَفت الصَّنعةُ انتَفَت المُعاونةُ، ويَكونُ كلُّ واحِدٍ باعَ نِصفَ كَسبِه بنِصفِ كَسبِ صاحبِه لِغَيرِ ضَرورةٍ. ولأنَّ أحدَهما لا رِفقَ له في مُشاركةِ الآخَرِ، فلا حاجةَ به إلى مُعاوَنتِه، ولا تَعلُّقَ لِكَسبِه بعَملِه؛ فإنَّما قصَد الغَررَ والقِمارَ فَقطْ، فلأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُشارِكُ الآخَرَ فيما يَنفرِدُ بكَسبِه لِيُشارِكَه الآخَرُ في مِثلِ ذلك فلَم يَصحَّ، أصلُه إذا قال: «اتَّجِرْ في مالِك لِنَفْسِك وأتَّجِرُ أنا في مالي لِنَفْسي، فما رَبِحتُ فلك نِصفُه، وما رَبِحتَ أنتَ فلي نِصفُه». ولأنَّ مُقتَضاها أنَّ ما يَتقبَّلُه كلُّ واحِدٍ منهما مِنَ العَملِ يَلزَمُه ويَلزمُ صاحِبَه، ويُطالَبُ به كلُّ واحِدٍ منهما؛ فإذا تَقبَّل أحَدُهما شَيئًا مع اختِلافِ صَنعَتَيْهما لَم يُمكِنِ الآخَرَ أنْ يَقومَ به، فكيف يَلزَمُه عَملُه وكيف يُطالَب بما لا قُدرةَ له عليه؟ إلا أنَّ المالِكيَّةَ أجازوا هذه الشَّركةَ إنْ تَلازمَ عَملُهما بأنْ كان أحَدُهما يَنسِجُ، والآخَرُ يُنيرُ أو يَدورُ، أو أحَدُهما يَصوغُ والآخَرُ يَسبِكُ له، أو أحَدُهما يَغوصُ لِطَلبِ اللُّؤلُؤِ والآخَرُ يُمسِكُ عليه ويُجدِّفُ؛ فالمُرادُ بالتَّلازُمِ تَوقُّفُ أحَدِ العَملَيْن على الآخَرِ (١).

стр. 4972

٢ - اتِّحادُ المَكانِ: اختلَف الفُقهاءُ هل يُشترطُ أنْ يَتَّحدَ الصانِعانِ في مَكانٍ واحِدٍ أو يَجوزُ أنْ يَكونَ كلُّ واحِدٍ منهما في مَكانٍ غَيرِ الآخَرِ. فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ اتِّحادُ المَكانِ؛ لأنَّ المَعنى المُجوِّزَ لِلشَّركةِ -وهو ما ذكَرناه مِنْ أنَّ المَقصودَ منه التَّحصيلُ، وهو مُمكِنٌ بالتَّوكيلِ- لا يَتفاوَتُ باتِّحادِ المَكانِ أو اختِلافِه؛ لأنَّ أحَدَ الشَّريكَيْن لو عَمِل في دُكَّانٍ والآخَرُ في دُكَّانٍ آخَرَ لا يَتفاوَتُ الحالُ، وهو ظاهِرٌ. وقال المالِكيَّةُ: لا يُشترطُ أنْ يَكونا بمَكانٍ واحِدٍ إنْ حصَل التَّعاوُنُ بينَهما، وإنْ بمَكانَيْن، بحيث تَجولُ يَدُ كلٍّ منهما على ما بيَدِ صاحبِه، كخياطَيْن في حانوتَيْن يأخُذُ كلٌّ منهما ما بيَدِ صاحبِه، إذْ ليس المَقصودُ مِنَ الجُلوسِ في مَوضعٍ واحِدٍ إلا التَّعاونَ. فإنْ لَم يَحصُلِ التَّعاونُ بينَهما فلا يَجوزُ إلا في مَوضعٍ واحِدٍ؛ لأنَّ التَّساويَ في العَملِ لَمَّا كان مُعتبَرًا، وكان لا يُمكِنُ الرِّفقُ والمُعاونةُ إلا على هذا الوَجهِ وجَب اعتِبارُه (١).

стр. 4973

٣ - التَّساوي في الرِّبحِ: اختلَف الفُقهاءُ في الرِّبحِ في شَركةِ الأبدانِ، هل يَكونُ على قَدْرِ العَملِ أو يُشترطُ التَّفاضُلُ مع التَّساوي في العَملِ. فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الرِّبحَ في شَركةِ الأبدانِ على ما اتَّفقوا عليه مِنْ مُساواةٍ أو تَفاضُلٍ، وإنْ كان أحَدُهما أكثَرَ عَملًا مِنَ الآخَرِ؛ لأنَّ العَملَ يُستحَقُ به الرِّبحُ ويَجوزُ تَفاضُلُهما في العَملِ، فجازَ تَفاضُلُهما في الرِّبحِ الحاصِلِ به. ولأنَّهما يَستحِقانِ الرِّبحَ بالضَّمانِ فما حصَل مِنْ أحَدِهما مِنْ زيادةِ عَملٍ فهو إعانةٌ لِصاحبِه، ولأنَّ الأُجرةَ بَدلُ عَملِهما، وأنَّهما يَتفاوَتانِ، فيَكونُ أحَدُهما أجوَدَ عَملًا وأحسَنَ صِناعةً فيَجوزُ (١). وقال المالِكيَّةُ: يُشترَطُ أنْ يأخُذَ كلٌّ منهما مِنَ الرِّبحِ بقَدْرِ عَملِه، ولا يَضُرُّ التَّبرُّعُ بعدَ العَقدِ، وفسَدت إنْ شرَطا التَّفاوُتَ، ولا يَضُرُّ شَرطُ التَّساوي إنْ تَقارَبا في العَملِ.

стр. 4974

لأنَّه يُشترطُ في صِحَّةِ شَركةِ الأبدانِ أنْ يَتساوَيا في العَملِ بأنْ يأخُذَ كلُّ واحِدٍ بقَدْرِ عَملِه فيما إذا اتَّحدَ، وبقَدْرِ قيمَتِه في غَيرِه؛ فإذا كان عَملُ أحَدِهما الثُّلثَ وعَملُ الآخَرِ الثُّلثَيْن وكان يأخُذُ كلُّ واحِدٍ مِنَ الغَلَّةِ بقَدْرِ ما عَمِل جازَ، وليس المُرادُ بالتَّساوي أنْ يَكونَ عَملُ كلِّ واحِدٍ كعَملِ الآخَرِ، والتَّقارُبُ كالتَّساوي؛ فإذا كان عَملُ أحَدِهما يَقرُبُ مِنَ الثُّلثِ وعَملُ الآخَرِ يَزيدُ على الثُّلثَيْن على أنْ يأخُذَ قَدْرَ الثُّلثِ ويأخُذَ الآخَرُ الثُّلثَيْن جازَ، ويُرجَعُ في التَّقارُبِ لِأهلِ المَعرِفةِ. واغتُفِرَ التَّفاوُتُ اليَسيرُ في العَملِ مع كَونِ الرِّبحِ بينَهما بالسَّويَّةِ؛ ككَونِ عَملِ أحدِهما أقَلَّ مِنَ النِّصفِ قَليلًا، وعَملُ الآخَرِ أكثَرَ منه قَليلًا، أو كان عَملُ أحدِهما أكثَرَ مِنَ الثُّلثِ قَليلًا وعَملُ الآخَرِ أقَلَّ مِنَ الثُّلثَيْن قَليلًا وقَسَّما على الثُّلثِ والثُّلثَيْن (١). ٤ - الاشتِراكُ في الآلةِ: نَصَّ المالِكيَّةُ على أنَّه يُشترطُ أنْ يَشترِكا في الآلةِ التي بها العَملُ؛ كالفأسِ والقَدومِ والمِطرقةِ وغَيرِ ذلك، إمَّا بمِلكٍ أو بإجارةٍ لهما مِنْ غَيرِهما، أو كان أحَدُهما يَملِكُ الآلةَ واستأجَر صاحبُه منه نِصفَها؛ فإنْ كانت الآلةُ مِنْ أحَدِهما دونَ الآخَرِ لَم يَجُزْ (٢).

стр. 4975

إذا كان العَملُ مِنْ جانبٍ والدُّكَّانُ أو الآلةُ مِنْ جانِبٍ آخَرَ: قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: ولو أنَّ رَجُلًا أجلَسَ في دُكَّانِه رَجلًا يَطرحُ عليه العَملَ بالنِّصفِ فالقياسُ ألَّا تَجوزَ هذه الشَّركةُ؛ لأنَّها شَركةُ العُروضِ؛ لأنَّ العَملَ مِنْ أحَدِهما، ومِنَ الآخَرِ الحانوتَ، ولأنَّ الحانوتَ مِنَ العُروضِ، وشَركةَ العُروضِ غَيرُ جائِزةٍ. وفي الاستِحسانِ جائِزةٌ؛ لأنَّ هذه شَركةُ الأعمالِ؛ لأنَّها شَركةُ التَّقبُّلِ، وتَقبُّلُ العَملِ مِنْ صاحِبِ الحانوتِ عَملٌ، وشَركةُ الأعمالِ جائِزةٌ بلا خِلافٍ بينَ أصحابِنا؛ لأنَّ مَبناها على الوَكالةِ، والوَكالةُ على هذا الوَجهِ جائِزةٌ، بأنْ يُوكِّلَ خَيَّاطٌ أو قَصَّارٌ وَكيلًا يَتقبَّلُ له عَملَ الخياطةِ والقِصارةِ، وكذا يَجوزُ لكلِّ صانِعٍ يَعملُ بأجْرٍ أنْ يُوكِّلَ وَكيلًا يَتقبَّلُ العَملَ. فإنْ كان لَهما كَلبٌ فأرسَلاه جَميعًا كان ما أصابَ بينَهما لاستِوائِهما في سَببِ الاستِحقاقِ. ولو كان الكَلبُ لِأحَدِهما وكان في يَدِه فأرسَلاه جَميعًا فما أصابَ الكَلبَ فهو لِصاحِبِه خاصَّةً؛ لأنَّ إرسالَ الأجنبيِّ لا عِبرةَ به مع إرسالِ المالِكِ، فكان مُلحقًا بالعَدمِ، كأنَّ المالِكَ أرسَلَه وَحدَه. وإنْ كان لكلِّ واحِدٍ منهما كَلبٌ فأرسلَ كلُّ واحِدٍ منهما كَلبَه فأصابا صَيدًا واحِدًا كان بينَهما نِصفَيْن لأنَّهما تَساوَيا في سَببِ الاستِحقاقِ، وإنْ أصابَ كَلبُ كلِّ واحِدٍ منهما صَيدًا على حِدةٍ كان له خاصَّةً؛ لأنَّه مِلكُه بفِعلِه فاختَصَّ به.

стр. 4976

وعلى هذا يَخرُجُ ما إذا اشتَركَ رَجلانِ ولأحَدِهما بَغلٌ ولِلآخَرِ بَعيرٌ على أنْ يُؤاجِرا ذلك، فما رزَق اللهُ تَعالى مِنْ شَيءٍ فهو بينَهما فآجَراهما بأجْرٍ مَعلومٍ في عَملٍ مَعلومٍ وحِملٍ مَعلومٍ أنَّ هذه الشَّركةَ فاسِدةٌ ويُقسَّمُ الأجْرُ بينَهما على مِثلِ أجرِ البَغلِ ومِثلِ أجرِ البَعيرِ. أمَّا فَسادُ الشَّركةِ فلأنَّ الوَكالةَ على هذا الوَجهِ لا تَصحُّ. ألَا تَرى أنَّ مَنْ قال لِآخَرَ: «أجِّرْ بَعيرَك على أنْ تَكونَ الأُجرةُ بَينَنا»، لا تَصحُّ الوَكالةُ، كذا الشَّركةُ، ولأنَّ الشَّركةَ لا تَصحُّ في أعيانِ الحَيوانِ، فكذا في مَنافِعها. وأمَّا قِسمةُ الأجْرِ بينَهما على مِثلِ أجْرِ البَغلِ ومِثلِ أجرِ البَعيرِ فلأنَّ الشَّركةَ إذا فسَدت فالإجارةُ صَحيحةٌ؛ لأنَّها وَقعَت على مَنافعَ مَعلومةٍ ببَدلٍ مَعلومٍ، ومَن حُكمِ الأُجرةِ أنْ تُقسَّمَ على قيمةِ المَنافعِ، كما يُقسَّمُ الثَّمنُ على قيمةِ المُبيعَيْن المُختلِفَيْن، وإنْ لَم يُؤاجِرا البَغلَ والبَعيرَ ولكنَّهما تَقبَّلا حُمولةً مَعلومةً ببَدلٍ مَعلومٍ فحَمَلا الحُمولةَ على ذلك فالأجرُ بينَهما نِصفَيْن؛ لأنَّ هذه شَركةُ العَملِ لأنَّ الحَملَ صارَ مَضمونًا عليهما بالعَقدِ بمَنزلةِ عَملِ الخِياطةِ والقِصارةِ، فكان البَدلُ بينَهما على قَدْرِ الضَّمانِ، وقد تَساوَيا في الضَّمانِ فتَساوَيا في الأُجرةِ، ولا عِبرةَ بزِيادةِ حِملِ البَعيرِ على البَغلِ كما لا عِبرةَ بكَثرةِ عَملِ أحدِ الشَّريكَيْن في شَركةِ الصَّنائِعِ؛ لأنَّ البَدلَ يُقابِلُ الضَّمانَ، والبَغلَ والبَعيرَ هنا آلةُ إيفاءِ العَملِ. ولو آجَرَ البَعيرَ بعَينِه كانت أُجرتُه لِصاحِبِه، لا لصاحبِ البَغلِ، وكذا إذا

стр. 4977

آجَرَ البَغلَ بعَينِه كانت الأُجرةُ لِصاحِبِ البَغلِ، لا لِصاحِبِ البَعيرِ؛ لأنَّ العَقدَ وقَع على مَنافعِ البَعيرِ والبَغلِ بإذنِ مالِكِهما، فكانت الأُجرةُ له؛ فإنْ كان الآجِرُ أعانَه على الحُمولةِ والنُّقلانِ كان لِلذي أعانَه أجرُ مِثلِه؛ لأنَّه استَوفى مَنفعةَ شَريكِه بعَقدٍ فاسِدٍ. ثم عندَ أبي يُوسُفَ ﵀ لا يُجاوِزُ به نِصفَ الأجرِ الذي آجَرَ به في قَولِ أبي يُوسُفَ، وقال مُحمدٌ: له أجرُ مِثلِه بالِغًا ما بلَغ على ما ذكَرنا في شَركةِ الاحتِطابِ. قَصارانِ لِأحدِهما أداةُ القِصارةِ، ولِلآخرِ بَيتٌ، اشتَركا على أنْ يَعمَلا بأداةِ هذا في بَيتِ هذا، على أنَّ الكَسبَ بينَهما نِصفانِ، كان ذلك جائِزًا، وكذلك الصاغةُ والخَيَّاطونَ والصَّباغونَ؛ لأنَّ الأجرَ هنا بَدلٌ عن العَملِ، لا عن الآلةِ، وقد صارَ العَملُ مَضمونًا عليهما، فكان بَدلُه لهما، وكان أحدُهما مُعِينًا لِلآخرِ بنِصفِ الآلةِ، والآخَرُ مُعِينًا له بنِصفِ الدُّكَّانِ وهو نَظيرُ المَسألةِ المُتقدِّمةِ، وهي أنْ يَتقبَّلا حُمولةً ويَحمِلاها على دابَّتِهما. ولو اشتَركا ولِأحدِهما دابَّةٌ، ولِلآخَرِ إكافٌ وجُوالِقانِ على أنْ يُؤاجِرا الدَّابَّةَ على أنَّ أجرَهما بينَهما نِصفانِ، كانتِ الشَّركةُ فاسِدةً وأجرُ الدَّابَّةِ لِصاحبِها، ولِلآخَرِ معه أجرُ مِثلِه في قَولِهم جَميعًا، أما فَسادُ الشَّركةِ فلِما ذكَرنا أنَّ الوَكالةَ على هذا الوَجهِ لا تَصحُّ، كذا الشَّركةُ، وأمَّا الأجرُ فلأنَّه بَدلُ مَنافِعِ الدَّابَّةِ، فكانت لِصاحبِها، وقد استَوفى مَنافعَ آلةِ الآخَرِ بعَقدٍ فاسِدٍ، فكانَ عليه أجرُ مِثلِها.

стр. 4978

ولو دفَع دابَّةً إلى رَجلٍ لِيُؤاجِرَها على أنَّ الأجرَ بينَهما كان فاسِدًا والأجرَ لِصاحبِ الدَّابَّةِ ولِلآجِرِ أجرَ مِثلِه. وكذلك السَّفينةُ والبَيتُ؛ لأنَّ الوَكالةَ على هذا الوَجهِ لا تَصحُّ، فلا تَصحُّ الشَّركةُ والأجْرُ لِصاحِبِ الدَّابَّةِ؛ لأنَّ العاقِدَ عَقدَ على مِلكِ غَيرِه بأمرِه، ويَكونُ لِلرَّجلِ أجرُ مِثلِه؛ لأنَّ صاحبَ الدَّابَّةِ استَوفى مَنافِعَها بعَقدٍ فاسِدٍ، ولو كان دفَع إليه الدَّابَّةَ لِيَبيعَ عليها الطَّعامَ على أنَّ الرِّبحَ بينَهما نِصفانِ، كان فاسِدًا، وكان الرِّبحُ لِصاحبِ المَتاعِ ولِصاحِبِ الدَّابةِ أجرُ مِثلِها. وكذا البَيتُ؛ لأنَّ الكَسبَ حَصلَ بعَملِه، وقد استَوفى مَنفعةَ الدَّابَّةِ بعَقدٍ فاسِدٍ، فكان عليه أجرُها ولا يُشترطُ لِصِحَّةِ هذه الشَّركةِ اتِّفاقُ العَملِ، ويَجوزُ إنِ اتَّفَقت أعمالُهما أو اختلَفت، كالخَيَّاطِ مع القَصَّارِ، ونَحوِ ذلك، وهذا قَولُ أصحابِنا. وقال زُفَرُ ﵀: لا تَجوزُ هذه الشَّركةُ إلا عندَ اتِّفاقِ الصَّنعةِ، كالقَصَّارينَ والخَيَّاطينَ بِناءً على أنَّ الشَّركةَ تَجوزُ بالمالَيْن المُختلفَيْن عندَنا، كذا بالعَملَيْن المُختلفَيْن، وعندَه لا تَجوزُ بالمالَيْن المُختلفَيْن، فكذا بالعَملَيْن المُختلفَيْن، والصَّحيحُ قَولُنا؛ لأنَّ استِحقاقَ الأجرِ في هذه الشَّركةِ بضَمانِ العَملِ، ولأنَّ العَملَ مَضمونٌ عليهما، اتَّفق العَملانِ أو اختلَفا، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 4979

لُزومُ كلِّ واحِدٍ منهما ما قَبِلَه صاحِبُه: قال جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ: يَلزمُ كلَّ واحِدٍ مِنْ شُركاءِ العَملِ ما قَبِلَه صاحبُه، ويَلزمُه ضَمانُ ما قَبِلَه صاحبُه بلا إذنِه. قال الحَنفيَّةُ: ما يَتقبَّلُه كلُّ واحِدٍ منهما مِنَ العَملِ يَلزمُه ويَلزمُ شَريكَه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مُتقبِّلٌ لِنَفْسِه أصالةً، ولِشَريكِه وَكالةً، وفائِدتُه: أنَّ لكلِّ واحدٍ منهما أنْ يُطالِبَ بالعَملِ ويُطالِبَ بالأُجرةِ، ويُبرأُ الدافِعُ بالدَّفعِ إليه، فلِصاحبِ الثَّوبِ أنْ يأخذَ الشَّريكَ بعَملِه، ولِلشَّريكِ الذي لَم يَتقبَّلِ العَملَ أنْ يُطالبَ رَبَّ الثَّوبِ مَثلًا بالأُجرةِ، ويُبرأُ الدافِعُ بدَفعِ الأُجرةِ إليه، وإنْ كان عَملَه الذي تَقبَّلَه (١). وقال المالِكيَّةُ: ولَزِم كُلًّا مِنْ شُركاءِ العَملِ ما قَبِلَه صاحبُه، فيَلزمُ الآخرَ عَملُه، ولَزمَه ضَمانُ ما قَبِلَه صاحبُه بلا إذنِه؛ لأنَّهما صارا كالرَّجلِ الواحِدِ، فمَتى ضاعَ شَيءٌ عن أحَدِهما أو تَلِف ضَمِناه معًا. وإنِ افتَرقا فما قَبِلاه أو أحَدُهما حالَ الاجتِماعِ فهو في ضَمانِهما. وهذا إذا قَبِله في حُضورِ صاحبِه أو غَيبتِه القَريبةِ كاليَومَيْن، أو حالَ مَرضِه القَريبِ اللَّذَيْن يُلغيانِ؛ فإنْ قَبِله في غَيبَتِه أو مَرضِه الطَّويلَيْن؛ فإنَّه لا يَلزمُ صاحبَه ضَمانُه، ولا العَملُ معه (٢).

стр. 4980

وقال الحَنابِلةُ: ما يَتقبَّلُه أحَدُهما مِنَ العَملِ يَصيرُ في ضَمانِهما يُطالِبانِ به ويَلزَمُهما عَملُه؛ لأنَّ مَبنى هذه الشَّركةِ على الضَّمانِ، فكأنَّها تَضمَّنت ضَمانَ كلِّ واحِدٍ منهما عن الآخَرِ ما يَلزمُه. ويَلزمُ غَيرَ العارِفِ منهما بذلك العَملِ أنْ يُقيمَ مَقامَه في العَملِ لِيَحصُلَ المَقصودُ لكلٍّ مِنَ الشَّريكَيْن والمُستأجِرِ. ولو قال أحَدُهما: «أنا أتقَبَّلُ وأنتَ تَعمَلُ»، صَحَّت الشَّركةُ، جعَلا ضَمانَ المُتقبِّلِ كالمالِ. ولكلٍّ منهما المُطالبةُ بالأُجرةِ؛ لِعَملٍ تَقبَّله هو أو صاحبُه، ولِلمُستأجرِ دَفعُها إلى كلِّ واحِدٍ منهما، ويُبرأُ المُستأجِرُ بالدَّفعِ لِأحدِهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما كالوَكيلِ عن الآخَرِ. وإنْ تَلِفت الأُجرةُ في يَدِ أحَدِهما مِنْ غَيرِ تَفريطٍ، فهي مِنْ ضَمانِهما تَضيعُ عليهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما وَكيلُ الآخَرِ في المُطالبةِ والقَبضِ. وما يَتلفُ مِنَ الأعيانِ أو الأُجرةِ بتَعدِّي أحَدِهما أو تَفريطِه أو تَحتَ يَدِه على وَجهٍ يُوجِبُ الضَّمانَ عليه، كمَنعٍ أو جُحودٍ، فهو -أي: التالِفُ- عليه وَحدَه؛ لِانفرادِه بما يُوجِبُ الضَّمانَ. وإنْ أقرَّ أحَدُهما بما في يَدِه مِنَ الأعيانِ قُبِل إقرارُه عليه، وعلى شَريكِه؛ لأنَّ اليَدَ له، فيُقبَلُ إقرارُه بما فيها، بخِلافِ إقرارِه بما في يَدِ شَريكِه، أو بدَينٍ

стр. 4981

عليه، ولا يُقبَلُ إقرارُه بما في يَدِ شَريكِه، ولا بدَينٍ على شَريكِه؛ لأنَّه لا يَدَ له على ذلك (١). الاشتِراكُ في المُباحِ: اختلَف الفُقهاءُ في الاشتِراكِ في المُباحِ، كالاحتِشاشِ والاصطيادِ، هل يَجوزُ أو لا؟ فذهَب المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ الاشتِراكُ في تَملُّكِ المُباحاتِ مِنَ الاحتِشاشِ والاصطيادِ والتَّلصُّصِ على دارِ الحَربِ وسائِرِ المُباحاتِ، كالثِّمارِ المَأخوذةِ مِنَ الجِبالِ والمَعادِنِ؛ لِما رَواه أبو عُبيدةَ عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قال: «اشْترَكْتُ أنا وعَمَّارٌ وسَعْدٌ فِيما نُصِيبُ يَومَ بَدْرٍ، قال فجَاءَ سَعْدٌ بِأسِيرَيْنِ ولَم أجِئْ أنا وعَمَّارٌ بِشَيْءٍ» (٢). ومِثلُ هذا لا يَخفى على رَسولِ اللهِ ﷺ ، وقد أقرَّهم عليه؛ لأنَّ غَنائِمَ بَدرٍ كانت لِمَنْ أخذَها مِنْ قَبلِ أنْ يُشرِكَ اللهُ تعالى بينَهم، ولهذا نُقِل أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أخَذَ شَيئًا فهو له»، فكان ذلك مِنْ قَبيلِ المُباحاتِ، مَنْ سبَق إلى أخْذِ شَيءٍ فهو له، فاشتَركوا في مَكسَبٍ مُباحٍ، وفيما ليس بصِناعةٍ، فصَحَّ كما لو اشتَركا في الخياطةِ والقِصارةِ، ولا نُسلِّمُ أنَّ الوَكالةَ لا تَصحُّ في المُباحاتِ؛

стр. 4982

فإنَّه يَصحُّ أنْ يَستنيبَ في تَحصيلِها بأُجرةٍ، فكذلك يَصحُّ بغَيرِ عِوضٍ إذا تَبرَّعَ أحَدُهما بذلك، كالتَّوكيلِ في بَيعِ مالِه. ولأنَّها شَركةُ بَدنٍ في تَكسُّبٍ مُباحٍ يَكسِبُه، فجازَت الشَّركةُ فيه كالخياطةِ، ولأنَّ الحاجةَ في التَّعاونِ إلى ذلك كالحاجةِ إليه في سائِرِ الصِّناعاتِ (١). وذهَب الحَنفيَّةُ: إلى أنَّه لا تَجوزُ الشَّركةُ في الاحتِطابِ والاصطيادِ وسُؤالِ الناسِ، وما اصطادَه كلُّ واحِدٍ منهما أو احتَطَبه فهو له دونَ صاحبِه، وعلى هذا الاشتِراكِ في كلِّ مُباحٍ كأخْذِ الحَطبِ والثِّمارِ مِنَ الجِبالِ، كالجَوزِ والتِّينِ والفُستُقِ وغَيرِها، وكذا في نَقلِ الطِّينِ وبَيعِه مِنْ أرضٍ مُباحةٍ أو الحَصى أو المِلحِ أو الثَّلجِ أو الكُحلِ أو المَعدِنِ أو الكُنوزِ الجاهِليَّةِ؛ لأنَّ الشَّركةَ مُتضمِّنةٌ مَعنى الوَكالةِ، والتَّوكيلُ في أخذِ المالِ المُباحِ باطِلٌ، فكلُّ ما تَجوزُ فيه الوَكالةُ تَجوزُ فيه الشَّركةُ، وما لا تَجوزُ فيه الوَكالةُ لا تَجوزُ فيه الشَّركةُ؛ لأنَّ أمرَ المُوكِّلِ به غَيرُ صَحيحٍ، والوَكيلُ يَملِكُه بدونِ أمْرِه، فلا يَصلُحُ نائِبًا عنه؛ وإنَّما يَثبُتُ المِلكُ لهما بالأخْذِ وإحرازِ المُباحِ؛ فإنْ أخذاه معًا فهو بينَهما نِصفانِ لِاستِوائِهما في سَببِ الاستِحقاقِ، وإنْ أخذَه أحَدُهما ولَم يَعمَلِ الآخَرُ شَيئًا فهو لِلعامِلِ، وإنْ عَمِلَ أحَدُهما وأعانَه الآخَرُ في عَملِه بأنْ قَلعَه أحَدُهما وجَمعَه الآخَرُ أو قلَعه وجمَعه وحمَله الآخَرُ فلِلمُعينِ أجرُ المِثلِ بإلغاءِ ما بلَغ

стр. 4983

عندَ مُحمدٍ وعند أبي يُوسُفَ -رحمهما الله-، لا يُجاوزُ به نِصفَ ثَمنِ ذلك (١). إذا عمِل أحَدُ الشَّريكَيْن في شَركةِ الأبدانِ ولَم يَعمَلِ الآخَرُ: قال الحَنفيَّةُ: إنْ عمِل أحَدُهما دونَ الآخَرِ بأنْ مرِض أو سافَر أو بطَل فالأجرُ بينَهما على ما شرَطا؛ لأنَّ الأجرَ في هذه الشَّركةِ إنَّما يُستحَقُّ بضَمانِ العَملِ لا بالعَملِ؛ لأنَّ العَملَ قد يَكونُ منه، وقد يَكونُ مِنْ غَيرِه، كالقَصَّارِ والخَيَّاطِ، إذا استَعان برَجلٍ على القِصارةِ والخياطةِ أنَّه يَستحِقُّ الأجرَ، وإنْ لَم يَعملْ لِوُجودِ ضَمانِ العَملِ منه، وههنا شَرطُ العَملِ عليهما؛ فإذا عمِل أحَدُهما يَصيرُ الشَّريكُ القابِلُ عامِلًا لِنَفْسِه في النِّصفِ، ولِشَريكِه في النِّصفِ الآخَرِ، ويَجوزُ شَرطُ التَّفاضُلِ في الكَسبِ إذا شُرِط التَّفاضُلُ في الضَّمانِ بأنْ شرَطا لِأحدِهما ثُلثَيِ الكَسبِ، وهو الأجرُ، ولِلآخَرِ الثُّلثَ وشرَطا العَملَ عليهما كذلك، سَواءٌ عمِل الذي شُرِط له الفَضلُ أو لَم يَعملْ بعدَ أنْ شرَطا العَملَ عليهما؛ لأنَّ استِحقاقَ الأُجرةِ في هذه الشَّركةِ بالضَّمانِ، لا بالعَملِ، بدَليلِ أنَّه لو عمِل أحَدُهما استَحقَّ الآخَرُ الأجرَ، وإذا كان استِحقاقُ أصلِ الأجرِ بأصلِ ضَمانِ العَملِ، لا بالعَملِ، كان استِحقاقُ زيادةِ الأجرِ بزِيادةِ الضَّمانِ، لا بزيادةِ العَملِ (٢). وقال الحَنابِلةُ: إنْ عمِل أحَدُهما دونَ صاحبِه فالكَسبُ بينَهما؛ لأنَّ العَملَ مَضمونٌ عليهما معًا، وبضَمانِهما له وجَبت الأُجرةُ، فيَكونُ لهما كما

стр. 4984

كان الضَّمانُ عليهما، ويَكونُ العامِلُ عَونًا لِصاحبِه في حِصَّتِه، ولا يَمنعُ ذلك استِحقاقَه، كمَنِ استأجَر رَجلًا لِيُقصِّرَ له ثَوبًا فاستَعانَ القَصَّارُ بإنسانٍ فقَصَّر معه، كانت الأُجرةُ لِلقَصَّارِ المُستأجِرِ، كذا ههنا، وسَواءٌ ترَك العَملَ لِمَرضٍ أو غَيرِه؛ فإنْ طالَب أحَدُهما الآخَرَ أنْ يَعملَ معه أو يُقيمَ مَقامَه مَنْ يَعمَلُ فله ذلك؛ فإنِ امتَنعَ فلِلآخَرِ الفَسخُ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَحتمِلُ أنَّه مَتى ترَك العَملَ مِنْ غَيرِ عُذرٍ لا يُشارِكُ صاحبَه في أُجرةِ ما عمِله دونَه؛ لأنَّه إنَّما شارَكه لِيَعمَلا جَميعًا؛ فإذا ترَك أحَدُهما العَملَ فما وَفَّى بما شرَط على نَفْسِه، فلَم يَستحِقَّ ما جُعِلَ له في مُقابَلتِه، وإنَّما احتمَل ذلك فيما إذا ترَك أحَدُهما العَملَ لِعُذرٍ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ منه (١). وقال المالِكيَّةُ: إذا مَرِض أحَدُ شَريكَيِ العَملِ يَومًا أو يَومَيْن أو غابَ مِثلَ ذلك وعَمِل شَريكُه؛ فإنَّ المَرضَ يُلغَى، أو الغَيبةُ، ويَكونُ ما عَمِله الحاضِرُ الصَّحيحُ بينَهما. بمَعنى أنَّه يَرجعُ عليه بأُجرةِ مِثلِه، وتَكونُ الأُجرةُ الأصليةُ بينَهما، والضَّمانُ منهما، مِثالُه لو عاقَدَا شَخصًا على خياطةِ ثَوبٍ مَثلًا بعَشرةِ دَراهمَ وغابَ أحَدُهما أو مَرِض كَثيرًا فخاطَه الآخَرُ؛ فإنَّ الدَّراهمَ العَشرةَ بينَهما، ويُقالُ: «ما أُجرةُ مِثلِه في خياطَتِه لِهذا الثَّوبِ؟»، فإذا قيلَ: أربَعةُ دَراهمَ مَثلًا، رجَع على صاحبِه بدِرهَمَيْن.

стр. 4985

ومَحلُّ هذا فيما قَبِلاه، ثم طرَأ مَرضُ أحَدِهما أو غَيبتُه بَعدَما قَبِلاه معًا، ومِثلُه إذا قَبِله أحَدُهما مع وُجودِ الآخَرِ أو في مَرضِه القَريبَيْن اللَّذَيْن يُلغَيانِ. أمَّا ما قَبِله أحَدُهما بعدَ طُولِ غَيبةِ الآخَرِ أو طُولِ مَرضِه فالأُجرةُ الأصليَّةُ كلُّها له. فإنْ كَثُرَ وتَفاحشَ وطالَ زَمنُ المَرضِ أو الغَيبةِ بأنْ زادَ على يَومَيْن -وقيلَ: على خَمسةٍ- فلا يُلغى عَملُه، ويَكونُ العامِلُ أحَقَّ به. فإنِ اشتَركا وشرَطا على أنَّ مَنْ مَرِض منهما مَرضًا طَويلًا أو غابَ غَيبةً بَعيدةً يَكونُ ما عمِلَ الآخَرُ بينَهما؛ فإنَّ الشَّركةَ تَفسُدُ؛ فإنْ عَمِلا كان ما اشتَركا فيه بينَهما، وما انفَرد به أحَدُهما اختَصَّ بأُجرتِه دونَ الآخَرِ. وإنْ لَم يَشتَرِطاه وأحَبَّ أحَدُهما أنْ يُعطيَ صاحبَه نَصيبَه مما عَمِله جازَ. وهل يُلغى اليَومانِ مِنَ المُدَّةِ الطَّويلةِ كما تُلغى المُدةُ القَصيرةُ أو لا يُلغيانِ؟ الأوَّلُ قالَه بَعضُ القُرويِّينَ، والآخَرُ قاله اللَّخميُّ (١). وجاء في «المُدَوَّنةِ» في الصانِعَيْن والشَّريكَيْن بعَملِ أيديهما يَمرَضُ أحَدُهما أو يَغيبُ: قُلتُ: أرأيتَ لو أنَّ قَصارَيْن أو حَدادَيْن أو أهلَ الصِّناعاتِ كلَّهم، اشتَرَك أهلُ نَوعٍ على ما رزَق اللهُ بينَهما فمَرِض أحَدُهما وعمِل الآخَرُ؟

стр. 4986

قال: قال مالِكٌ: إذا اشتَركا وكانا في حانُوتٍ، فمَرِض أحَدُهما وعمِلَ الآخَرُ، والعَملُ بينَهما فلا بأسَ بذلك، وكذلك إنْ غابَ أحَدُهما اليَومَ واليَومَيْن وما أشبَهَ، وعمِل الآخَرُ، فالعَملُ بينَهما؛ لأنَّ هذا أمرٌ جائِزٌ بينَ الشُّركاءِ. قال ابنُ القاسِمِ ﵀: ولكنْ إنْ مَرِض فتَطاوَل به مَرضُه وما أشبَهَه، وغابَ فتَطاوَل ذلك فهذا يَتفاحَشُ؛ فإنْ عمِل الحاضِرُ والصَّحيحُ فأحَبَّ أنْ يَجعلَ نِصفَ العَملِ لِشَريكِه الغائِبِ أو المَريضِ مِنْ غَيرِ شَرطٍ كان بينَهما في أصلِ الشَّركةِ أنَّه: مَنْ مَرِض مِنَّا المَرضَ الطَّويلَ، أو غابَ مِثلَ الغَيبةِ البَعيدةِ، فما عمِل الآخَرُ فهو بينَهما؛ فإذا لَم يَكُنْ هذا الشَّرطُ فأرادَ العامِلُ أنْ يُعطيَ المَريضَ أو الغائِبَ نِصفَ ما عمِل فلا بأسَ بذلك، وإنْ كان الشَّرطُ بينَهما فالشَّركةُ فاسِدةٌ. قُلتُ: تَحفَظُ هذا عن مالِكٍ في المَرضِ الطَّويلِ والغَيبةِ الطَّويلةِ؟ قال: لا، إلا أنَّ مالِكًا قال: يَتعاوَنُ الشَّريكانِ في المَرضِ والشُّغلِ، فحَملتُ أنا ذلك على المَرضِ الخَفيفِ والغَيبةِ القَريبةِ، قُلتُ: فإنْ كان هذا الشَّرطُ بينَهما وأُفسِدت هذه الشَّركةُ بَينَهما، كيف يَصنَعُ بما عمِلا؟ قال: يَكونُ ما عمِلا إلى يَومِ مَرِضَ أو غابَ بينَهما على قَدْرِ عَملِهما، وما عَمِلَ الصَّحيحُ بَعدَ المَريضِ أو الحاضِرُ بعدَ الغائِبِ فذلك لِلعاملِ، ولا يَكونُ لِصاحبِه فيه شَيءٌ (١).

стр. 4987

النَّوعُ الرابِعُ: شَركةُ الوُجوهِ: شَركةُ الوُجوهِ عندَ الحَنفيَّةِ هي أنْ يَشتركَ اثنانِ مِنَ الناسِ دونَ أنْ يَكونَ لهما رأسُ مالٍ، لكنْ لهما وَجاهةٌ عندَ الناسِ وثِقةُ التُّجارِ بهما، فيَقولا: «اشتَركنا على أنْ نَشتَريَ بالنَّسيئةِ ونَبيعَ بالنَّقدِ على أنَّ ما رزَق اللهُ مِنْ رِبحٍ فهو بينَنا على شَرطِ كذا»، وسُمِّيَ هذا النَّوعُ شَركةَ الوُجوهِ؛ لأنَّه لا يُباعُ بالنَّسيئةِ إلا الوَجيهُ مِنَ الناسِ عادةً، ويَحتمِلُ أنَّه سُمِّيَ بذلك لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُواجِهُ صاحبَه يَنتَظِرانِ مَنْ يَبيعُهما بالنَّسيئةِ (١). والتَّعريفُ نَفْسُه أيضًا عندَ الحَنابِلةِ، فقالوا: شَركةُ الوُجوهِ أنْ يَشتركَ اثنانِ فيما يَشتريانِ بجاهِهما وثِقةِ التُّجارِ بهما مِنْ غَيرِ أنْ يَكونَ لهما رأسُ مالٍ على أنَّ ما اشتَريا بينَهما نِصفانِ أو أثلاثًا أو أرباعًا أو نَحوَ ذلك، ويَبيعانِ ذلك، فما قسَم اللهُ تَعالى فهو بينَهما (٢). وقال المالِكيَّةُ: هي أنْ يَشترِكا على غَيرِ مالٍ ولا عَملٍ، وهي الشَّركةُ على الذِّمَمِ، بحيث إذا اشتَريا شَيئًا كان في ذِمَّتِهما، وإذا باعاه اقتَسما رِبحَه، وما حصَل مِنْ ضَمانٍ فعليهما (٣). وفسَّرها الشافِعيَّةُ على صُورٍ: أشهَرُها أنْ يَشتركَ وَجيهانِ عندَ الناسِ لِيَبتاعا في الذِّمَّةِ إلى أجَلٍ على أنَّ

стр. 4988

ما يَبتاعُه كلُّ واحِدٍ يَكونُ بينَهما فيَبيعاه ويُؤدِّيا الأثمانَ، فما بَقيَ فهو بينَهما. الثانية: أنْ يَبتاعَ وَجيهٌ في الذِّمَّةِ ويُفوِّضَ بَيعَه إلى خامِلٍ ويَشتَرِطا أنْ يَكونَ رِبحُه بينَهما. والثالِثةُ: أنْ يَشتريَ وَجيهٌ لا مالَ له، وخامِلٌ ذو مالٍ، لِيَكونَ العَملُ مِنَ الوَجيهِ والمالُ مِنَ الخامِلِ، ويَكونَ المالُ في يَدِه لا يُسلِمُه إلى الوَجيهِ، والرِّبحُ بينَهما، وبهذا الثالِثِ فَسَّرها ابنُ كَجٍّ والإمامُ. ويَقرُبُ منه ما ذكَره الغَزاليُّ، وهو أنْ يَبيعَ الوَجيهُ مالَ الخامِلِ بزيادةِ رِبحٍ لِيَكونَ له بَعضُ الرِّبحِ (١). حُكمُ شَركةِ الوُجوهِ: اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ شَركةِ الوُجوهِ هل هي جائِزةٌ أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ هذه الشَّركةَ جائِزةٌ باعتِبارِ ما فيها مِنَ الوَكالةِ؛ فإنَّ تَوكيلَ كلِّ واحِدٍ منهما صاحبَه بالشِّراءِ على أنْ يَكونَ المُشْتَرَى بينَهما نِصفَيْن أو أثلاثًا صَحيحٌ، فكذا الشَّرطُ الذي يَتضمَّنُ هذه الوَكالةَ،

стр. 4989

ولِتَعامُلِ الناسِ بها مِنْ غَيرِ نَكيرٍ، ولأنَّها مُشتمِلةٌ على مَصلحةٍ مِنْ غَيرِ مَضرَّةٍ. وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى بُطلانِ هذه الشَّركةِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ شَرعيَّتِها، ولأنَّ حَقيقةَ الشَّركةِ أنْ يَشترِكا في شَيءٍ عندَ العَقدِ، إمَّا يَكونُ مالًا وإمَّا يَكونُ بَدنًا، وكِلاهما مَعدومانِ في هذه المَسألةِ، فلا يَصحُّ، ولا يَكفي العَقدُ؛ لأنَّهما لو جعَلا الرِّبحَ كلَّه لِأحدِهما لامتنَع، مع ما في ذلك مِنَ الغَررِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما عارَضَ صاحبَه بكَسبٍ غَيرِ مَحدودٍ بصِناعةٍ، وليس بعَملٍ مَخصوصٍ. ولأنَّ ما يَشتريه كلُّ واحِدٍ منهما مِلكٌ له، فلا يُشارِكُه غَيرُه فيه؛ فإنْ أذنَ أحَدُهما لِصاحبِه أنْ يَشتريَ له عَينًا مُعيَّنةً، أو مَوصوفةً، وبَيَّن له الثَّمنَ، فاشتَرى له، ونَواه عندَ الشِّراءِ، كان ذلك لِلآمِرِ (١). التَّفاضُلُ في الرِّبحِ والوَضيعةِ: اختلَف الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في الرِّبحِ هل يَجوزُ لِأحدِهما أنْ يَكونَ له رِبحٌ أكثَرُ مِنَ الآخَرِ أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والقاضي مِنَ الحَنابِلةِ إلى أنَّه لا بُدَّ أنْ يَكونَ الرِّبحُ

стр. 4990

بينَهما على قَدْرِ مِلكَيْهما؛ فإنْ شرَط مُناصَفةَ المُشتَرى بَينَهما أو مُثالَثتَه فالرِّبحُ كذلك، أي: يَكونُ بينَهما مُناصَفةً في صُورةِ مُناصَفةِ المُشتَرى، ومُثالَثةً في صُورةِ مُثالَثةِ المُشتَرى. فإنْ شرَط الفَضلَ في الرِّبحِ بأنْ تَكونَ حِصَّةُ رِبحِ أحَدِهما زائِدةً على قَدْرِ مِلكِه فهذا الشَّرطُ باطِلٌ؛ فإنَّ الرِّبحَ يَكونُ على قَدْرِ المِلكِ في المُشتَرى، فكان الزائِدُ عليه رِبحِ ما لَم يُضمَنْ، وهو غَيرُ جائِزٍ، وإنَّما جازَ في العِنانِ ذلك باعتِبارِ جَوازِ زيادةِ العَملِ مِنْ أحَدِهما، وهذا الاعتِبارُ إنَّما يَجوزُ إذا كان المالُ مَعلومًا، كما في المُضاربةِ والعِنانِ، وهنا ليس كذلك. ولأنَّ هذه شَركةٌ مُنعقِدةٌ على الضَّمانِ، ولأنَّ الضَّمانَ يُستحَقُّ به الرِّبحُ بمِقدارِ ما ضمِن كلُّ واحِدٍ منهما بالعَقدِ؛ فإنْ شرَط له أكثَرَ مِنْ نَصيبِه لَم يَجُزْ؛ لأنَّه رِبحٌ شُرِط له مِنْ غَيرِ مالٍ ولا عَملٍ فلا يَجوزُ، ولأنَّ استِحقاقَ الرِّبحِ في شَركةِ الوُجوهِ بالضَّمانِ، ولأنَّ الضَّمانَ على قَدْرِ المِلكِ في المُشتَرى، فكان الرِّبحُ الزائِدُ عليه رِبحَ ما لَم يُضمَنْ، فلا يَصحُّ اشتِراطُه، كما تَقدَّم. فإنْ أرادَ التَّفاوُتَ في الرِّبحِ يَنبَغي أنْ يَشترطَ التَّفاوُتَ في مِلكِ المُشتَري بأنْ يَكونَ لِأحدِهما الثُّلثُ ولِلآخَرِ الثُّلثانِ حتى يَكونَ لكلِّ واحِدٍ منهما الرِّبحُ بقَدْرِ مِلكِه. وقال القاضي ﵀: الرِّبحُ بينَهما على قَدْرِ مِلكَيْهما في المُشتَرى؛ لأنَّ الرِّبحَ يَستحِقُّ الضَّمانَ، إذِ الشَّركةُ وقَعت عليه خاصَّةً، إذْ لا مالَ

стр. 4991

عندَهما فيشتَرِكان على العَملِ والضَّمانِ، لا تَفاضُلَ فيه، فلا يَجوزُ التَّفاضُلُ في الرِّبحِ. وقال الحَنابِلةُ في المَذهَبِ: الرِّبحُ بينَهما كما شرَطا مِنْ تَساوٍ وتَفاضُلٍ؛ لأنَّ أحدَهما قد يَكونُ أوثَقَ عندَ التُّجارِ وأبصَرَ بالتِّجارةِ مِنَ الآخَرِ، ولأنَّها مُنعقِدةٌ على عَملٍ وغَيرِه، فكان رِبحُها على ما شُرِط كشَركةِ العِنانِ. ولأنَّها شَركةٌ فيها عَملٌ جازَ ما اتَّفقا عليه في الرِّبحِ كسائِرِ الشَّرِكاتِ، وقَولُ القاضي: «لا مالَ لهما يَعمَلانِ فيه»، قُلنا: إنَّما يَشتَرِكانِ لِيَعمَلا في المُستقبَلِ فيما يَتَّخِذانِه بجاهِهما كما أنَّ سائِرَ الشَّركاتِ إنَّما يَكونُ العَملُ فيها فيما يأتي، فكذا ههنا. وأمَّا الوَضيعةُ -أي: الخُسرانُ- بتَلَفٍ أو بَيعٍ بنُقصانٍ عما اشتَرى به أو غَيرِ ذلك، فتَكونُ على قَدْرِ مِلكَيْهما فيما يَشتريانِه عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ، فمَن له فيه ثُلُثانِ فعليه ثُلُثا الوَضيعةِ، ومَن له الثُّلثُ فعليه ثُلثُها. وقال الحَنابِلةُ: سَواءٌ كان الرِّبحُ بينَهما كذلك أو لا؛ لأنَّ الوَضيعةَ نَقصُ رأسِ المالِ، وهو مُختَصٌّ بمِلاكِه، فيُوزَّعُ بينَهما على قَدْرِ الحِصصِ (١).

стр. 4992

وقال الحَنفيَّةُ: كلُّ واحِدٍ مِنْ شَريكَيِ الوُجوهِ وَكيلٌ لِلآخَرِ فيما يَشتريه (١). وقال الحَنابِلةُ: ولا يُشترطُ لِصِحَّتِها ذِكرُ جِنسِ ما يَشتريانِه، ولا ذِكرُ قَدْرِه ولا ذِكرُ وَقتِ الشَّركةِ، فلو قال أحَدُهما لِلآخَرِ: «كلُّ ما اشتَريتَ مِنْ شَيءٍ فبينَنا»، وقال له آخَرُ كذلك، صَحَّ العَقدُ، ولا يُعتبَرُ ذِكرُ شُروطِ الوَكالةِ؛ لأنَّها داخِلةٌ في ضِمنِ الشَّركةِ، بدَليلِ المُضاربةِ وشِركةِ العِنانِ. وكلٌّ مِنْ شَريكَيِ الوُجوهِ وَكيلُ الآخَرِ في بَيعٍ وشِراءٍ، وكَفيلُه بالثَّمنِ؛ لأنَّ مَبناها على الوَكالةِ والكَفالةِ، ومِلكٍ فيما يَشتريانِ، كما شرَطا لِحَديثِ: «المُؤمِنونَ عندَ شُروطِهم»، ولأنَّها مَبنيَّةٌ على الوَكالةِ، فتَتقيَّدُ بما وقَع الإذنُ والقَبولُ فيه. وتَصرُّفُهما -أي: شَريكَيِ الوُجوهِ- فيما يَجوزُ وما يُمتنَعُ وما يَجِبُ، ومِن شُروطٍ وإقرارٍ وخُصومةٍ وغَيرِها، كتَصرُّفِ شَريكَيْ عِنانٍ على ما سبَق (٢).

стр. 4993

كتاب المُضاربةُ أو القراض

стр. 4994

كتاب المُضاربةُ أو القراض تَعريفُ المُضاربةِ: المُضاربةُ والقِراضُ اسمانِ دالَّانِ على مَعنًى واحِدٍ، والمُضاربةُ مَأخوذةٌ مِنَ الضَّربِ في الأرضِ، وهو السَّفرُ لِلتِّجارةِ، سُمِّيَ بها لأنَّ المُضارِبَ يَستحِقُّ الرِّبحَ بسَعيِه وعَملِه، يَقولُ اللهُ : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، أي: يُسافِرونَ لِلتِّجارةِ ونَحوِها، وقيلَ: مِنْ ضرَب كلُّ واحِدٍ منهما في الرِّبحِ بسَهمٍ. والقِراضُ: مَأخوذٌ مِنَ القَرضِ، وهو القَطعُ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ قطَع لِلعامِلِ قِطعةً مِنْ مالِه يَتصرَّفُ فيها بقِطعةٍ مِنَ الرِّبحِ، وقيلَ: أصلُها مِنَ القَرضِ في الأرضِ، وهو قَطعُها بالسَّيرِ فيها. وقيلَ: المُقارضةُ المُوازنةُ، يُقالُ: تَقارَضَ الشاعِرانِ إذا وازَنَ كلُّ واحِدٍ صاحبَه، وههنا مِنَ العامِلِ العَمَلُ، ومِنَ الآخَرِ المالُ، فتَوازَنا.

стр. 4995

وتَسميةُ المُضاربةِ بهذا الاسمِ لُغةُ أهلِ العِراقِ، أمَّا أهلُ الحِجازِ فيُسمُّونَ عَقدَ المُضاربةِ قِراضًا أو مُقارضةً. والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ يُسمُّونَه قِراضًا، والحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ يُسمُّونَه مُضاربةً. وتُسمَّى أيضًا مُعاملةً. المُضاربةُ والقِراضُ في اصطِلاحِ الفُقهاءِ: المُضاربةُ أو القِراضُ عَرَّفها الفُقهاءُ بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ، مَضمونُها أنْ يَدفعَ الرَّجلُ مالًا إلى غَيرِه لِيَتَّجِرَ فيه ويَشتريَ ويَبيعَ ويَبتغيَ مِنْ فَضلِ اللهِ ويَكونَ الرِّبحُ بينَهما على جُزءٍ مَشاعٍ يَتَّفِقانِ عليه مِنْ قَليلٍ أو كَثيرٍ على ما نُبيِّنُه. قال الحَنفيَّةُ: دَفعُ المالِ إلى مَنْ يَتصرَّفُ فيه لِيَكونَ الرِّبحُ بينَهما على ما شرَطا (١). وقيلَ: عبارةٌ عن عَقدٍ بينَ اثنَيْن، يَكونُ مِنْ أحَدِهما المالُ، ومِنَ الآخَرِ التِّجارةُ فيه، ويَكونُ الرِّبحُ بينَهما (٢). وقال المالِكيَّةُ: القِراضُ دَفعُ مالِكٍ مالًا مِنْ نَقدٍ مَضروبٍ مُسَلَّمٍ - لا بدَينٍ عليه أو مُحالٍ على أحَدٍ- مَعلومٍ قَدرًا وصِفةً لِمَنْ يَتَّجِرُ به في نَظيرِ جُزءٍ شائِعٍ مَعلومٍ مِنْ رِبحِه قَلَّ أو كَثُرَ بصيغةٍ دالَّةٍ على ذلك، ولو مِنْ أحَدِهما وبرِضا الآخَرِ، ولا يُشترطُ اللَّفظُ؛ كالبَيعِ والإجارةِ (٣).

стр. 4996

وقيلَ: تَوكيلٌ على تَجْرٍ بنَقدٍ مَضروبٍ مُسلَمٍ مِنْ رَبِّه لِلعامِلِ بجُزءٍ شائِعٍ مِنْ رِبحِه، أي: مِنْ رِبحِ ذلك المالِ، فلا يَجوزُ أنْ يَعملَ بجُزءٍ مِنْ رِبحِ غَيرِه (١). وقيلَ: تَمكينُ مالٍ لِمَنْ يَتَّجِرُ به بجُزءٍ مِنْ رِبحِه لا بلَفظِ إجارةٍ (٢). وقال الشافِعيَّةُ: أنْ يَدفعَ المالِكُ إلى العامِلِ مالًا لِيَتَّجِرَ العامِلُ فيه بالتِّجارةِ، ويَكونَ الرِّبحُ مُشتركًا بينَهما على حَسَبِ الشَّرطِ مِنْ مُساواةٍ أو مُفاضَلةٍ. فخرَج ب: «يَدفعَ»: عَدمُ صِحَّةِ القِراضِ على مَنفعةٍ، كسُكنى الدارِ، وعَدمِ صِحَّتِه على دَينٍ، سَواءٌ كان على العامِلِ أو غَيرِه (٣). وقال الحَنابِلةُ: المُضاربةُ هي دَفعُ مالٍ أو ما في مَعناه -أي: مَعنى الدَّفعِ، كوَديعةٍ وعاريَّةٍ وغَصبٍ، إذا قال رَبُّها لِمَنْ هي تَحتَ يَدِه: «ضارِبْ بها على كذا» - مُعيَّنٍ مَعلومٍ قَدْرُه لِمَنْ يَتَّجِرُ فيه -واحِدًا أو أكثَرَ- بجُزءٍ مَعلومٍ مِنْ رِبحِه له، أو شُرِط الجُزءُ لِلعاملِ ولِأجنبيٍّ -ولو كان والِدًا أو وَلَدًا- مع عَملٍ مِنَ الأجنبيِّ بأنْ يَقولَ: «اعمَلْ في هذا المالِ بثُلثِ الرِّبحِ لكَ، ولِزَيدٍ على أنْ يَعملَ معك»؛ لأنَّه في قُوَّةِ قَولِه: «اعمَلا في هذا المالِ بالثُّلثِ» (٤).

стр. 4997

حُكمُ المُضاربةِ أو القِراضِ: لَم يَثبُتْ في المُضاربةِ حَديثٌ صَحيحٌ مَرفوعٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، لكنْ أجمَعَ أهلُ العِلمِ على مَشروعيَّةِ المُضاربةِ أو القِراضِ، وقد نقَل عَددٌ كَبيرٌ مِنْ أهلِ العِلمِ الإجماعَ على ذلك. قال أبو بَكرِ بنُ المُنذِرِ ﵀: لَم نَجِدْ لِلقِراضِ في كِتابِ اللهِ ذِكرًا، ولا في سُنَّةِ نَبيِّ اللهِ ﷺ ، ووَجدنا أهلَ العِلمِ قد أجمَعوا على إجازةِ القِراضِ بالدَّنانيرِ والدَّراهمِ، فوجَب إنْ كان الأمرُ كذلك أنْ نُجيزَ منه ما أجمَعوا عليه، ونَقِفَ عن إجازةِ ما اختلَفوا فيه منه. وقد رُوِيت أخبارٌ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ وعُثمانَ بنِ عَفَّانَ وعلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵃ تَدلُّ على تَصحيحِ المُضاربةِ (١). وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: ودَليلُ صِحَّتِه -أي: القِراضِ- إجماعُ الصَّحابةِ ﵃ (٢). وقال الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: كلُّ أبوابِ الفِقهِ ليس منها بابٌ إلا له أصلٌ في القُرآنِ والسُّنَّةِ نَعلَمُه وللهِ الحَمدُ، حاشا القِراضَ، فما وَجدنا له أصلًا فيهما ألبَتَّةَ، ولكنَّه إجماعٌ صَحيحٌ مُجرَّدٌ، والذي نقطَعُ به أنَّه كان في عَصرِ النَّبيِّ ﷺ وعَلِمه فأقَرَّه، ولولا ذلك ما جازَ (٣).

стр. 4998

وقال أيضًا: القِراضُ كان في الجاهِليَّةِ، وكانت قُريشٌ أهلَ تِجارةٍ لا مَعاشَ لهم مِنْ غَيرِها، وفيهم الشَّيخُ الكَبيرُ الذي لا يُطيقُ السَّفرَ، والمَرأةُ والصَّغيرُ واليَتيمُ، فكانوا وذَوو الشُّغلِ والمَرضِ يُعطونَ المالَ مُضاربةً لِمَنْ يَتَّجِرُ به بجُزءٍ مُسمًّى مِنَ الرِّبحِ، فأقَرَّ رَسولُ اللهِ ﷺ ذلك في الإسلامِ، وعَمِل به المُسلمونَ عَملًا مُتيَقَّنًا لا خِلافَ فيه، ولو وُجِد فيه خِلافٌ ما التُفِت إليه؛ لأنَّه نَقلُ الجَميعِ بعدَ الجَميعِ إلى زَمنِ رَسولِ اللهِ ﷺ وعَلِمه بذلك، وقد خرَج ﷺ في قِراضٍ بمالِ خَديجةَ ﵂ (١). وقال الإمامُ الجُوَينيُّ ﵀: وهذه المُعاملةُ -أي: القِراضُ- صَحيحةٌ باتِّفاقِ العُلماءِ في الجُملةِ … ثم قال: ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ لِلإجماعِ مُستنَدٌ يَحتاجُ الناظِرُ إلى الغَوصِ فيه، وتَدقيقُ النَّظرِ في دَرْكِه إلى هذا الحَدِّ، ولا بُدَّ أنْ يَكونَ لِلإجماعِ صُدورٌ عن أصلٍ، ويَبعُدُ في مُطَّرِدِ العُرفِ خَفاؤُه، فلا وَجهَ فيه إلا القَطعُ بأنَّهم ألِفوا هذه المُعاملةَ في عَصرِ رَسولِ اللهِ ﷺ شائِعةً بينَ المُتعامِلينَ وتَحقَّقوا التَّقريرَ عليها شَرعًا، وكان شُيوعُ ذلك في الخَلقِ أظهَرَ مِنْ أنْ يُحتاجَ فيه إلى نَقلِ أقاصيصَ، فكان الإجماعُ عن مِثلِ هذا (٢). وقال ابنُ القَيِّمِ ﵀: وأجمَع المُسلِمونَ على جَوازِ المُضاربةِ، وأنَّها دَفعُ مالِه لِمَنْ يَعمَلُ عليه بجُزءٍ مِنْ رِبحِه، فكُلُّ عَينٍ تُنمَّى فائِدتُها مِنَ

стр. 4999

العَملِ عليها جازَ لِصاحبِها دَفعُها لِمَنْ يَعمَلُ عليها بجُزءٍ مِنْ رِبحِها (١). وقال ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفَقوا على جَوازِ المُضاربةِ، وهي القِراضُ (٢). وقد استدَلَّ بَعضُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ -كالماوَرديِّ- على جَوازِ المُضاربةِ بالكِتابِ والسُّنَّةِ. أمَّا بالكِتابِ: فقَولُ اللهِ : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]. والمُضارِبُ يَضرِبُ في الأرضِ يَبتَغي مِنْ فَضلِ اللهِ ، وقَولُه : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقَولُه تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وأمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِذَا دَفَعَ مَالًا مُضَارَبَةً اشْتَرَطَ عَلَى صَاحِبِهِ أَلَّا يَسْلُكَ بِهِ بَحْرًا، وَلَا يَنْزِلَ بِهِ وَادِيًا، وَلَا يَشْتَرِيَ بِهِ ذَاتَ كَبِدٍ رَطْبَةٍ؛ فإنْ فَعَلَ فَهُوَ ضَامِنٌ، فَرَفَعَ شَرْطَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَجَازَهُ» (٣). وكذا بُعِثَ رَسولُ اللهِ ﷺ والناسُ يَتعاقَدون المُضاربةَ فلَم يُنكِرْ عليهم، وذلك تَقريرٌ لهم على ذلك، والتَّقريرُ أحَدُ وُجوهِ السُّنَّةِ.

стр. 5000

قال الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا الإجماعُ فإنَّه رُويَ عن جَماعةٍ مِنَ الصَّحابةِ ﵃ أنَّهم دَفعوا مالَ اليَتيمِ مُضاربةً، منهم سَيِّدُنا عُمَرُ وسَيِّدُنا عُثمانُ وسَيِّدُنا علِيٌّ وعَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ وعَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ وعُبَيدُ اللهِ بنُ عَمرٍو وسَيِّدتُنا عائِشةُ ﵃ ولَم يُنقَلْ أنَّه أنكَر عليهم مِنْ أقرانِهم أحَدٌ، ومِثلُه يَكونُ إجماعًا. وعلى هذا تَعاملَ الناسُ مِنْ لَدُنْ رَسولِ اللهِ ﷺ إلى يَومِنا هذا في سائِرِ الأعصارِ مِنْ غَيرِ إنكارٍ مِنْ أحَدٍ. وإجماعُ أهلِ كلِّ عَصرٍ حُجَّةٌ فتُرِكَ به القياسُ، ونَوعٌ مِنَ القياسِ يَدلُّ على الجَوازِ أيضًا، وهو أنَّ الناسَ يَحتاجونَ إلى عَقدِ المُضاربةِ؛ لأنَّ الإنسانَ قد يَكونُ له مالٌ لكنَّه لا يَهتَدي إلى التِّجارةِ، وقد يَهتَدي إلى التِّجارةِ لكنَّه لا مالَ له، فكان في شَرعِ هذا العَقدِ دَفعُ الحاجتَيْن، واللهُ ما شرَع العُقودَ إلا لِمَصالحِ العِبادِ ودَفعِ حَوائِجِهم (١). واستدلَّ العُلماءُ أيضًا بما رَواه مالِكٌ والشَّافِعيُّ عن زَيدِ بنِ أسلَمَ عن أبيه أنَّه قال: «خرَجَ عَبدُ اللهِ وعُبَيْدُ اللهِ ابْنا عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ في جَيْشٍ إلى الْعِراقِ، فلَمَّا قَفَلا مَرَّا على أبي مُوسى الأشْعَرِيِّ وهو أمِيرُ الْبَصْرَةِ فرَحَّبَ بِهِما وسَهَّلَ، ثمَّ قال: لو أقدَرُ لَكُمَا على أمْرٍ أنفَعُكُما بهِ لَفَعَلْتُ، ثمَّ قال: بَلَى، ههنا مالٌ مِنْ مالِ اللهِ أُرِيدُ أنْ أبعَثَ بهِ إلى أمِيرِ الْمؤْمِنِينَ فأُسْلِفُكُمَاهُ فتَبْتَاعَانِ بهِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْعِراقِ، ثمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمدِينَةِ فتُؤَدِّيَانِ رأْسَ الْمالِ

стр. 5001

إلى أمِيرِ الْمؤْمِنِينَ، ويَكُونُ الرِّبْحُ لكُمَا، فقَالا: وَدِدْنَا ذلك، ففَعَلَ، وكَتَبَ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ أنْ يَأْخُذَ مِنْهمَا المَالَ، فلَمَّا قَدِمَا باعَا فَأُرْبِحَا، فلَمَّا دفَعَا ذلك إلى عُمَرَ قال: أَكُلَّ الجَيْشِ أَسلَفَهُ مِثْلَما أسلَفَكما؟ قالا: لَا، فقال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: ابنَا أَميرِ الْمؤْمِنِينَ فَأَسْلَفَكمَا، أَدِّيَا المَالَ وَرِبْحَهُ، فأَمَّا عَبدُ اللهِ فسَكَتَ، وأمَّا عُبَيدُ اللهِ فقالَ: ما يَنبَغي لكَ يا أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ هذا، لو نَقَصَ هذا المَالُ أو هلَكَ لَضَمِنَّاهُ، فقال عُمَرُ: أَدِّيَاهُ، فسَكَتَ عَبدُ اللهِ ورَاجَعَهُ عُبَيدُ اللهِ، فقالَ رَجلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ: يا أَميرَ الْمؤْمِنِينَ، لو جَعَلتَهُ قِرَاضًا، فقالَ عُمَرُ: قد جَعَلْتُهُ قِرَاضًا، فأَخَذَ عُمَرُ رَأسَ المَالِ وَنصَّفَ رِبْحَهُ، وأَخَذَ عَبدُ اللهِ وَعُبَيْدُ اللهِ ابنَا عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ نِصْفَ رِبْحِ المَالِ» (١). ووَجهُ الحُجَّةِ منه، قَولُ الرَّجلِ لِعُمرَ ﵁: لَو جَعَلتَه قِراضًا. ولَم يُنكِرْ عليه عُمَرُ ولا غَيرُه القِراضَ (٢). قال الجُوَينيُّ ﵀: وقال قائِلونَ: مُستنَدُ الإجماعِ في القِراضِ حَديثُ عَبدِ اللهِ وعُبيدِ اللهِ ابنَيْ عُمَرَ ﵁ … وتَعلَّق العُلماءُ بقَولِ عَبدِ الرَّحمنِ: لو جَعلتَه قِراضًا؟ وقالوا: التَّقريرُ على ذلك، والعَملُ بحُكمِه يَدلُّ على أنَّ القِراضَ كان مَعلومًا فيهم. وليس في هذا كَثيرُ تَعلُّقٍ عِندَنا، ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ لِلإجماعِ مُستَندٌ يَحتاجُ

стр. 5002

الناظِرُ إلى الغَوصِ فيه، وتَدقيقِ النَّظرِ في دَرْكِه إلى هذا الحَدِّ، ولا بُدَّ أنْ يَكونَ لِلإجماعِ صُدورٌ عن أصلٍ، ويَبعُدُ في مُطَّرِدِ العُرفِ خَفاؤُه، فلا وَجهَ فيه إلا القَطعُ بأنَّهم ألِفوا هذه المُعاملةَ في عَصرِ رَسولِ اللهِ ﷺ شائِعةً بينَ المُتعامِلينَ، وتَحقَّقوا التَّقريرَ عليها شَرعًا، وكان شُيوعُ ذلك في الخَلقِ أظهَرَ مِنْ أنْ يُحتاجَ فيه إلى نَقلِ أقاصيصَ، فكان الإجماعُ عن مِثلِ هذا (١). وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: والقِراضُ ممَّا كان في الجاهِليَّةِ، فأُقِرَّ في الإسلامِ؛ لأنَّ الضَّرورةَ دَعت إليه؛ لِحاجةِ الناسِ إلى التَّصرُّفِ في أموالِهم وتَنميتِها بالتِّجارةِ فيها، وليس كلُّ أحَدٍ يَقدِرُ على ذلك بنَفْسِه فاضطُرَّ فيه إلى استِنابةِ غَيرِه، ولعَلَّه لا يَجِدُ مَنْ يَعملُ له فيه بإجارةٍ لِما جَرَت عادةُ الناسِ فيه في ذلك على القِراضِ، فرُخِّص فيه لِهذه الضَّرورةِ، واستُخرِج بسَببِ هذه العِلةِ مِنَ الإجارةِ المَجهولةِ على نَحوِ ما رُخِّص فيه في المُساقاةِ وبَيعِ العاريَّةِ والشَّركةِ في الطَّعامِ والتَّوليةِ فيه، وصارَ لِهذا الوَجهِ سُنَّةٌ، فلا خِلافَ في جَوازِه بينَ الأُمَّةِ في الجُملةِ، وإنِ اختلَفوا في كَثيرٍ مِنْ شُروطِه وأحكامِه، عمِل به الصَّحابةُ والسَّلَفُ، واتَّبَعهم عليه الخَلفُ (٢). وقد قاسَ الشافِعيَّةُ القِراضَ على المُساقاةِ؛ لأنَّها إنَّما جُوِّزت لِلحاجةِ مِنْ حيث إنَّ مالِكَ النَّخيلِ قد لا يُحسِنُ تَعهُّدَها ولا يَتفرَّغُ له، ومَن يُحسِنُ العَملَ قد لا يَملِكُ ما يَعملُ فيه، وهذا المَعنى مَوجودٌ في القِراضِ.

стр. 5003

وهو -كما قيلَ- رُخصةٌ خارجةٌ عن قياسِ الإجاراتِ، كما خَرجَت المُساقاةُ عن بَيعِ ما لَم يُخلَقْ، والحَوالةُ عن بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ، والعَرايا عن المُزابَنةِ (١). لكنْ ذهَب ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القَيِّمِ إلى أنَّ المُضاربةَ على وَفقِ القياسِ وليست مُخالِفةً لِلقياسِ، وعلى وَفقِ القياسِ؛ لأنَّها مِنْ جِنسِ المُشارَكاتِ، لا مِنْ جِنسِ الإجاراتِ. قال ابنُ تَيميَّةَ ﵀: فالذين قالوا: المُضاربةُ والمُساقاةُ والمُزارعةُ على خِلافِ القياسِ، ظَنُّوا أنَّ هذه العُقودَ مِنْ جِنسِ الإجارةِ؛ لأنَّها عَملٌ بعِوَضٍ، ولأنَّ الإجارةَ يُشترطُ فيها العِلمُ بالعِوَضِ والمُعوَّضِ، فلَمَّا رَأوُا العَملَ في هذه العُقودِ غَيرَ مَعلومٍ، والرِّبحَ فيها غَيرَ مَعلومٍ، قالوا: تخالَف القياسُ، وهذا مِنْ غلَطِهم؛ فإنَّ هذه العُقودَ مِنْ جِنسِ المُشاركاتِ، لا مِنْ جِنسِ المُعاوضاتِ الخاصَّةِ التي يُشترطُ فيها العِلمُ بالعِوَضَيْن، والمُشارَكاتُ جِنسٌ غَيرُ جِنسِ المُعاوضةِ، وإنْ قيل: إنَّ فيها شَوبَ المُعاوَضةِ وكذلك المُقاسَمةُ جِنسٌ غَيرُ جِنسِ المُعاوضةِ الخاصَّةِ، وإنْ كان فيها شَوبُ مُعاوضةٍ حتى ظَنَّ بَعضُ الفُقهاءِ أنَّها بَيعٌ يُشترطُ فيها شُروطُ البَيعِ الخاصِّ، وإيضاحُ هذا أنَّ العَملَ الذي يُقصَدُ به المالُ ثَلاثةُ أنواعٍ: أحَدُها: أنْ يَكونَ العَملُ مَقصودًا مَعلومًا مَقدورًا على تَسليمِه، فهذه الإجارةُ اللَّازمةُ.

стр. 5004

والثاني: أنْ يَكونَ العَملُ مَقصودًا لكنَّه مَجهولٌ، أو غَرَرٌ، فهذه الجَعالةُ، وهي عَقدٌ جائِزٌ ليس بلَازمٍ؛ فإذا قال: «مَنْ رَدَّ عَبدي الآبِقَ فله مِئةٌ»، فقد يَقدِرُ على رَدِّه وقد لا يَقدِرُ، وقد يَرُدُّه مِنْ مَكانٍ قَريبٍ وقد يَرُدُّه مِنْ مَكانٍ بَعيدٍ، فلِهذا لَم تَكُنْ لَازمةً، لكنْ هي جائِزةٌ؛ فإنْ عَمِل هذا العَملَ استَحقَّ الجُعلَ، وإلَّا فلا. وأمَّا النَّوعُ الثالِثُ: فهو ما لا يُقصَدُ فيه العَملُ، بل المَقصودُ المالُ، وهو المُضارَبةُ؛ فإنَّ رَبَّ المالِ ليس له قَصدٌ في عَملِ العامِلِ نَفْسِه، كما لِلجاعِلِ والمُستأجِرِ قَصدٌ في عَملِ العامِلِ، ولِهذا لو عَمِل ما عَمِل ولَم يَربَحْ شَيئًا لَم يَكُنْ له شَيءٌ، وإنْ سَمَّى هذا جَعالةً بجُزءٍ مما يَحصُلُ بالعَملِ كان نِزاعًا لَفظيًّا، بل هذه مُشاركةُ هذا بنَفعِ بَدنِه، وهذا بنَفعِ مالِه، وما قَسَم اللهُ مِنَ الرِّبحِ كان بينَهما على الإشاعةِ، ولِهذا لا يَجوزُ أنْ يُخصَّ أحَدُهما برِبحٍ مُقدَّرٍ؛ لأنَّ هذا يُخرِجُهما عن العَدلِ الواجبِ في الشَّركةِ (١). أركانُ المُضاربةِ وشُروطُ صِحَّتِها: أركانُ المُضاربةِ عندَ الجُمهورِ خَمسةٌ: ١ - صِيغة. ٢ - عاقِدانِ. ٣ - مالٌ. ٤ - رِبحٌ. ٥ - عَملٌ. وعندَ الحَنفيَّةِ الرُّكنُ هو الإيجابُ والقَبولُ.

стр. 5005

أوَّلاً: الصِّيغةُ الإيجابُ والقَبولُ: اتَّفق الفُقهاءُ إلى أنَّه يُشترطُ الإيجابُ والقَبولُ في الصِّيغةِ، ولا يُشترطُ لها لَفظٌ مُعيَّنٌ؛ وإنَّما تَنعقِدُ بكلِّ ما يَدلُّ على المُضاربةِ. قال الحَنفيَّةُ: ورُكنُها الإيجابُ والقَبولُ، وذلك بألفاظٍ تَدُلُّ عليها، فالإيجابُ هو لَفظُ المُضاربةِ والمُقارَضةِ والمُعامَلةِ، وما يُؤدِّي مَعنى هذه الألفاظِ بأنْ يَقولَ رَبُّ المالِ: «دَفعتُ إليكَ هذا المالَ مُضارَبةً، أو مُعامَلةً، أو مُقارَضةً»، أو: «خُذْ هذا المالَ واعمَلْ فيه مُضارَبةً على أنَّ ما رزَق اللهُ مِنْ شَيءٍ فهو بينَنا على كذا مِنْ نِصفٍ أو رُبعٍ أو ثُلثٍ أو غَيرِ ذلك مِنَ الأجزاءِ المَعلومةِ»، أو قال: «ابتَعْ به مَتاعًا فما كان مِنْ فَضلٍ فلَك منه كذا»، أو: «خُذْ هذا بالنِّصفِ»، فيَقولَ المُضارِبُ: «قَبِلتُ أو أخَذتُ، أو رَضيتُ»، ونَحوَ ذلك. ولو قال: «خُذْ هذا المالَ واعمَلْ به على أنَّ ما رزَق اللهُ مِنْ شَيءٍ فهو بينَنا على كذا»، ولَم يَزِدْ على هذا، فهو جائِزٌ؛ لأنَّه أتى بلَفظٍ يُؤدِّي مَعنى هذا العَقدِ، ولأنَّ العِبرةَ في العُقودِ بمَعانيها، لا بصُورِ الألفاظِ حتى يَنعقِدَ البَيعُ بلَفظِ التَّمليكِ بلا خِلافٍ، ويَنعقِدُ النِّكاحُ بلَفظِ البَيعِ والهِبةِ والتَّمليكِ عندَنا. وذكَر في الأصلِ: لو قال: «خُذْ هذه الألفَ فابتَعْ بها مَتاعًا، فما كان مِنْ فَضلٍ فلك النِّصفُ»، ولَم يَزِدْ على هذا، فقَبِلَ هذا، كان مُضارَبةً استِحسانًا، والقياسُ ألَّا يَكونَ مُضارَبةً.

стр. 5006

وَجهُ القياسِ: أنَّه ذكَر الشِّراءَ ولَم يَذكُرِ البَيعَ، ولا يَتحقَّقُ مَعنى المُضاربةِ إلا بالشِّراءِ والبَيعِ. وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّه ذكَر الفَضلَ، ولا يَحصُلُ الفَضلُ إلا بالشِّراءِ والبَيعِ، فكان ذِكرُ الابتياعِ ذِكرًا لِلبَيعِ، وهذا مَعنى المُضاربةِ. ولو قال: «خُذْ هذه الألْفَ بالنِّصفِ»، ولَم يَزِدْ عليه، كان مُضاربةً استِحسانًا. والقياسُ ألَّا يَكونَ؛ لأنَّه لَم يَذكُرِ الشِّراءَ والبَيعَ، فلا يَتحقَّقُ مَعنى المُضاربةِ. وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّه لَمَّا ذكَر الأخْذَ، والأخذُ ليس عَملًا يُستحَقُّ به العِوضَ؛ وإنَّما يُستحَقُّ بالعَملِ في المأخوذِ، وهو الشِّراءُ والبَيعُ، فتَضمَّن ذِكرُه ذِكرَ الشِّراءِ والبَيعِ (١). وقال المالِكيَّةُ: يُشترطُ صيغةٌ دالَّةٌ على ذلك، ولو مِنْ أحَدِهما، ويَرضى الآخَرُ، ولا يُشترطُ اللَّفظُ؛ كالبَيعِ والإجارةِ، فيَكفي فيه المُعاطاةُ؛ لأنَّ التِّجارةَ يَكفي فيها المُعاطاةُ؛ كالبَيعِ إذا وُجِدت القَرينةُ (٢). وقال الشافِعيَّةُ: يُشترطُ لِصِحَّةِ القِراضِ صيغةٌ، وهي: إيجابٌ وقَبولٌ

стр. 5007

كـ: «قارَضتُكَ» أو «ضارَبتُك» أو «عامَلتُك» أو «بِعْ واشتَرِ على أنَّ الرِّبحَ بينَنا نِصفانِ». ويُشترطُ في الصِّيغةِ: أنْ تَكونَ مُنجَزةً، فلا يَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ، ك: «إذا جاءَ رَمضانُ فقد قارَضتُك»، ونَحوِ ذلك. كما يُشترطُ أنْ يَكونَ القَبولُ مُتَّصِلًا بالإيجابِ عُرفًا بالطَّريقِ المُعتبَرِ في البَيعِ، فلَو فصَل بينَهما سُكوتٌ طَويلٌ أو كَلامٌ لا عَلاقةَ له بالعَقدِ لَم يَصحَّ. وقيلَ: يَكفي القَبولُ بالفِعلِ، كما في الوَكالةِ والجَعالةِ، إنْ كانت صيغةُ الإيجابِ لَفظَ أمْرٍ، ك: «خُذْ هذا الألفَ واتَّجِرْ فيه على أنَّ الرِّبحَ بينَنا نِصفانِ»، فيَكفي أخْذُ الدَّراهمِ مَثلًا، ولا يُشترطُ له القَبولُ، فلو كانت لَفظَ عَقدٍ، ك: «قارَضتُك»؛ فلا بُدَّ في القَبولِ مِنَ اللَّفظِ. والأصَحُّ المَنعُ مُطلَقًا؛ لأنَّ القِراضَ عَقدُ مُعاوضةٍ يَختَصُّ بمُعيَّنٍ، فلا يُشبِهُ الوَكالةَ؛ لأنَّها مُجرَّدُ إذنٍ، ولا الجَعالةَ؛ لأنَّها لا تَختَصُّ بعَينٍ. ولو قال: «قارَضتُك على أنَّ نِصفَ الرِّبحِ لي» وسكَت عن جانِبِ العامِلِ، لَم يَصحَّ على الأصَحِّ، وقيلَ: يَصحُّ ويَكونُ بينَهما نِصفَيْن. ولو قال: «على أنَّ نِصفَ الرِّبحِ لك»، وسكَت عن جانِبِ نَفْسِه، أو «على أنَّ لك النِّصفَ ولي السُّدسَ»، وسكَت عن البَقيَّةِ صَحَّ على الصَّحيحِ، وكان بينَهما نِصفَيْن (١).

стр. 5008

وقال الحَنابِلةُ: تَنعقِدُ المُضاربةُ بما يُؤدِّي مَعناها مِنْ كلِّ قَولٍ دَلَّ عليها؛ لأنَّ المَقصودَ المَعنى، فجازَ بكلِّ ما يَدلُّ عليها، ولا يُعتبَرُ فيها القَبولُ، ك: «قَبِلتُ» ونَحوِه، بل تَكفي مُباشرةُ العامِلِ لِلعَملِ، ويَكونُ قَبولًا لها كالوَكالةِ (١). ثانيًا: العاقِدانِ: يُشترطُ في كلٍّ مِنَ العاقِدَيْن -وهُما العامِلُ المُضارِبُ ورَبُّ المالِ- شُروطٌ ذكَرها الفُقهاءُ لا بُدَّ منها: ١ - أهليَّةُ التَّوكُّلِ والتَّوكيلِ: اشتَرطَ عامَّةُ الفُقهاءِ في العاقدَيْن -وهُما رَبُّ المالِ والمُضارِبُ- أهليَّةَ التَّوكيلِ والوَكالةِ، أي: التَّأهُّلُ لأنْ يُوكِّلَ غَيرَه ويَتوكَّلَ لِغَيرِه؛ لأنَّ العاقِدَيْن كلُّ واحِدٍ منهما وَكيلٌ عن صاحبِه، ومُوكِّلٌ لِصاحبِه، فمَن جازَ له أنْ يُوكِّلَ ويَتوكَّلَ جازَ له عَقدُ المُضاربةِ، ومَن لا فلا؛ لأنَّ المُضارِبَ يَتصرَّفُ بأمرِ رَبِّ المالِ، وهذا مَعنى التَّوكيلِ، ولأنَّه عَقدٌ على التَّصرُّفِ في المالِ لَم يَصحَّ مِنْ غَيرِ جائِزِ التَّصرُّفِ في المالِ كالبَيعِ (٢).

стр. 5009

وقال الشافِعيَّةُ: يَجوزُ لِوَليِّ المَحجورِ عليه مِنْ صَبيٍّ ومَجنونٍ وسَفيهٍ أنْ يُقارِضَ مَنْ يَجوزُ إيداعُ مالِ اليَتيمِ عندَه، ولا شُبهةَ في مالِه إنْ سلِمَ مالُ المَولى عنها، فلا يَجوزُ لِلوَليِّ أنْ يُشارِكَ فاسِقًا؛ لأنَّه يُشترطُ أنْ يَكونَ الشَّريكُ بحيث يَجوزُ إيداعُ مالِ المَحجورِ عندَه. وسَواءٌ أكانَ الوَليُّ أبًا أم جَدًّا أم وَصيًّا أم حاكِمًا أم أمينَه. أمَّا المَحجورُ عليه بالفَلَسِ، فلا يَصحُّ أنْ يُقارِضَ، ويَصحُّ أنْ يَكونَ عامِلًا. ويَصحُّ القِراضُ مِنَ المَريضِ، وإنْ شُرِط لِلعامِلِ أكثَرُ مما جرَت به العادةُ، ولا يُحسَبُ ما زادَ على أُجرةِ المِثلِ مِنَ الثُّلثِ؛ لأنَّ المَحسوبَ منه ما يَفوتُه مِنْ مالِه، والرِّبحَ ليس بحاصِلٍ حتى يَفوتَه؛ وإنَّما هو شَيءٌ يُتوقَّعُ حُصولُه، وإذا حصَل حصَل بتَصرُّفِ العامِلِ، بخِلافِ مُساقاتِه إذا جعَل لِلعاملِ مِنَ الثَّمرةِ أكثَرَ مِنْ أُجرةِ مِثلِه؛ فإنَّ الزِّيادةَ تُحسَبُ مِنَ الثُّلثِ؛ لأنَّ الثِّمارَ فيها مِنْ عَينِ المالِ، بخِلافِه (١). ٢ - إسلامُ العامِلِ ورَبِّ المالِ: قال الحَنفيَّةُ: لا يُشترطُ إسلامُهما، فتَصحُّ المُضاربةُ بينَ أهلِ الذِّمَّةِ وبينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ والحَربيِّ المُستأمَنِ حتى لو دخَل حَربيٌّ دارَ الإسلامِ

стр. 5010

بأمانٍ، فدفَع مالَه إلى مُسلِمٍ مُضاربةً، أو دفَع إليه مُسلِمٌ مالَه مُضاربةً فهو جائِزٌ؛ لأنَّ المُستأمَنَ في دارِنا بمَنزِلةِ الذِّمِّيِّ، والمُضاربةَ مع الذِّمِّيِّ مُضاربةٌ جائِزةٌ، فكذلك مع الحَربيِّ المُستأمَنِ؛ فإنْ كان المُضارِبُ هو المُسلِمَ فدخَل دارَ الحَربِ بأمانٍ فعمِل بالمالِ فهو جائِزٌ؛ لأنَّه دخَل دارَ رَبِّ المالِ فلَم يُوجَدْ بينَهما اختِلافُ الدارَيْن فصارَ كأنَّهما في دارٍ واحِدةٍ. وإنْ كان المُضارِبُ هو الحَربيَّ فرجَع إلى دارِه الحَربيُّ؛ فإنْ كان بغَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ بطَلت المُضاربةُ، وإنْ كان بإذنِه فذلك جائِزٌ، ويَكونُ على المُضاربةِ، ويَكونُ الرِّبحُ بينَهما على ما شرَطا إنْ رجَع إلى دارِ الإسلامِ، مُسلِمًا أو مُعاهَدًا، أو بأمانٍ استِحسانًا، والقياسُ أنْ تَبطُلَ المُضاربةُ. وَجهُ القياسِ: أنَّه لَمَّا عادَ إلى دارِ الحَربِ بطَل أمانُه وعادَ إلى حُكمِ الحَربِ كما كان، فبطَل أمرُ رَبِّ المالِ عندَ اختِلافِ الدارَيْن، فإذا تَصرَّفَ فيه فقد تَعدَّى بالتَّصرُّفِ، فملَك ما تَصرَّفَ فيه. وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّه لَمَّا خرَج بأمرِ رَبِّ المالِ صارَ كأنَّ رَبَّ المالِ دخَل معه، ولو دخَل رَبُّ المالِ معه إلى دارِ الحَربِ لَم تَبطُلِ المُضاربةُ، فكذا إذا دخَل بأمرِه بخِلافِ ما إذا دخَل بغَيرِ أمرِه؛ لأنَّه لَمَّا لَم يأذَنْ له بالدُّخولِ انقطَع حُكمُ رَبِّ المالِ عنه، فصارَ تَصرُّفُه لِنَفْسِه فمَلَك الأمرَ به. وقد قالوا في المُسلِمِ إذا دخَل دارَ الحَربِ بأمانٍ فدفَع إليه حَربيٌّ مالًا مُضاربةً مِئةَ دِرهَمٍ: على قياسِ قَولِ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ جائِزٌ؛ فإنِ اشتَرى المُضارِبُ على هذا ورَبِح أو وضَع فالوَضيعةُ على رَبِّ المالِ، والرِّبحُ على
следующие страницы →