الرُّكنُ الثالِثُ: التَّرتيبُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ التَّرتيبِ في التَّيممِ ووُجوبِ الفَورِ فيه هل يَجبُ أو لا؟
وهو بعَينِه اختِلافُهم في ذلك في الوُضوءِ، وأَسبابُ الخِلافِ هنالك هي أَسبابُه هنا.
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ التَّرتيبَ في التَّيممِ بينَ الوَجهِ واليَدينِ بأنْ يَمسحَ الوَجهَ أولًا ثم اليَدينِ، ليسَ بواجِبٍ، بل مُستحبٌّ؛ لأنَّ الفَرضَ الأَصليَّ المَسحُ، وإِيصالُ التُّرابِ وَسيلةٌ إليه، فلا يَجبُ التَّرتيبُ في الفِعلِ الذي يَتمُّ به المَسحُ (١).
إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: إنْ نكَّسَ أعادَ اليَدينِ إنْ قرُبَ الزَّمنُ ولم يُصَلِّ به، وأمَّا لو بعُدَ الزَّمنِ أو صلَّى بهذا التَّيممِ فاتَتَ سُنةُ التَّرتيبِ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ التَّرتيبَ فَرضٌ، فيَجبُ عليه تَقديمُ الوَجهِ على اليَدينِ، سَواءٌ في ذلك تَيممٌ للوُضوءِ أو للجَنابةِ؛ لأنَّ التَّيممَ طَهارةٌ في عُضوَين، فأشبَهَت الوُضوءَ لحَديثِ عَمارٍ ﵁، فلو ترَكَه ناسيًا لم يَصحَّ على المَذهبِ كالوُضوءِ (٣).
стр. 527
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالوا: إنَّ التَّرتيبَ واجِبٌ في الطَّهارةِ الصُّغرى ولا يَجبُ التَّرتيبُ لحَدثٍ أكبَرَ ولا لنَجاسةٍ ببَدنٍ (١).
الرُّكنُ الرابِعُ: المُوالاةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوالاةِ في التَّيممِ هل هي فَرضٌ أو سُنةٌ كاختِلافِهم في الوُضوءِ.
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ المُوالاةَ في التَّيممِ سُنةٌ كما في الوُضوءِ، بحيث لو كانَ الاستِعمالُ بالماءِ لا يَجفُّ المُتقدمُ، وكذا تُسنُّ المُوالاةُ بينَ التَّيممِ والصَّلاةِ.
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ -وهو قَولُ الشافِعيِّ في القَديمِ- إلى أنَّ المُوالاةَ في التَّيممِ عن الحَدثِ الأصغَرِ فَرضٌ، وأمَّا عن الحَدثِ الأكبَرِ فهي فَرضٌ عندَ المالِكيةِ وسُنةٌ عندَ الحَنابِلةِ، وزادَ المالِكيةُ وُجوبَ المُوالاةِ بينَ التَّيممِ وبينَ ما يُفعلُ له من صَلاةٍ ونَحوِها (٢).
стр. 528
الأعذارُ التي يُشرعُ بسَببِها التَّيممُ:
المُبيحُ للتَّيممِ هو العَجزُ عن استِعمالِ الماءِ، والعَجزُ إمَّا لفَقدِ الماءِ وإمَّا لعَدمِ القُدرةِ على استِعمالِه مع وُجودِه.
أولاً: فَقدُ الماءِ:
أ- فَقدُ الماءِ للمُسافرِ:
إذا فقَدَ المُسافرُ الماءَ بأنْ لم يَجِدْه أصلًا، أو وجَدَ ماءً لا يَكفي للطَّهارةِ حِسًّا جازَ له التَّيممُ، لكنْ يَجبُ عليه عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ أنْ يَستعملَ ما تيسَّرَ له منه في بعضِ الأَعضاءِ ثم يَتيمَّمُ للباقي إنْ كانَ جُنبًا عندَ الحَنابِلةِ لقَولِه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وهذا واجِدُ ماءٍ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «وإذا أمَرتُكم بأمرٍ فأْتُوا منه ما استَطعتُم» (١).
وإنْ كانَ مُحدِثًا ففيه رِوايتانِ:
إحداهُما: يَلزمُه استِعمالُه، والأُخرى لا يَلزمُه.
ويَكونُ فَقدُ الماءِ شَرعًا للمُسافرِ بأنْ خافَ الطَّريقَ إلى الماءِ أو كانَ بَعيدًا عنه فلا يُكلَّفُ المُسافرُ حينَئذٍ بطَلبِه، ويُشترطُ عندَ الشافِعيةِ ما لو توَهَّم وُجودَه أنْ يَطلُبَه فيما قرُبَ منه لا فيما بعُدَ.
وأمَّا الحَنفيةُ والمالِكيةُ فلا يَشتَرِطون عليه أنْ يَستَخدمَ ما معه من الماءِ؛ لأنَّه يُشترطُ أنْ يَكونَ الماءُ كافيًا لجَميعِ الأَعضاءِ؛ فإنْ لم يَكفِ فهو كالعَدمِ، فيَنتقِلُ للتَّيممِ (٢).
стр. 529
حَدُّ البُعدِ عن الماءِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حَدِّ البُعدِ عن الماءِ الذي يُبيحُ التَّيممَ.
فذهَبَ الحَنفيةُ في المُختارِ عندَهم إلى أنَّه مِيلٌ (١)، وهو ما يُساوي أربَعةَ آلافِ ذِراعٍ؛ فإنْ زادَ على ذلك لم يَلزمْه طَلبُه، وقالوا: إنْ لم يَكنْ بحَضرتِه أحدٌ يُخبرُه بقُربِ الماءِ ولا غلَبَ على ظَنِّه أيضًا قُربُ الماءِ لا يَجبُ عليه الطَّلبُ ولو كانَ أقَلَّ من مِيلٍ (٢).
وحَدَّه المالِكيةُ بمِيلَين لكنَّهم قالوا: إنَّ لهذه المَسألةِ -وهي مَسألةُ طَلبِ الماءِ في كلِّ حالةٍ- ثَلاثَ صُورٍ:
الأُولى: أنْ يَكونَ الماءُ المَطلوبُ للوُضوءِ مُحقَّقَ العَدمِ في المَكانِ المَطلوبِ منه أو مَظنونَ العَدمِ، فلا يَجبُ على المُكلَّفِ طَلبُه مُطلقًا، سَواءٌ كانَ الماءُ على بُعدِ مِيلَين أو لا، وسَواءٌ كانَ فيه مَشقةٌ أو لا.
الثانيةُ: أنْ يَكونَ الماءُ المَطلوبُ مُحقَّقَ الوُجودِ أو مَظنونَه أو مَشكوكَه فيَلزمُه طَلبُه بشَرطَين:
الأولُ: أنْ يَكونَ بُعدُه أقَلَّ من مِيلَين.
стр. 530
والثاني: ألَّا تَحصُلَ مَشقةٌ في الطَّلبِ.
الثالِثةُ: أنْ يَكونَ الماءُ المُطلوبُ مُحقَّقَ الوُجودِ أو مَظنونَه أو مَشكوكَه، وكانَ البُعدُ مِيلَين فأكثَرَ أو كانَ في طلَبِه مِشقةٌ أو فَواتُ رُفقةٍ، ولو كانَ على أقَلَّ من مِيلَين فلا يَجبُ عليه طَلبُه (١).
وحَدَّه الشافِعيةُ بأربَعمِئةِ ذِراعٍ، وهو حَدُّ الغَوثِ، وهو مِقدارُ رَميةِ سَهمٍ، وذلك في حالةِ تَوهُّمِه للماءِ أو ظَنِّه أو شَكِّه فيه؛ فإنْ لم يَجدْ ماءً وتَيقَّنَ فَقْدَ الماءِ حَولَه تَيممَ بلا طَلبٍ، أمَّا إذا تَيقَّنَ وُجودَ الماءِ حَولَه طلَبَه في حَدِّ القُربِ (وهو سِتةُ آلافِ خُطوةٍ) ولا يُطلبُ الماءُ سَواءٌ في حَدِّ القُربِ أو الغَوثِ إلا إذا أمِنَ على نَفسِه ومالِه وانقِطاعِه عن الرُّفقةِ (٢).
أمَّا عن الحَنابِلةِ؛ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وصِفةُ الطَّلبِ أنْ يَطلبَه في رَحلِه ثم إنْ رأى خُضرةً أو شَيئًا يَدلُّ على الماءِ قصَدَه فاستَبرأَه، وإنْ كانَ بقُربِه رَبوةٌ أو شَيءٌ قائِمٌ أتاه وأتى عندَه، وإنْ لم يَكنْ نظَرَ أَمامَه ووَراءَه وعن يَمينِه ويَسارِه وإنْ كانَت له رُفقةٌ يَدلُّ عليهم طَلبٌ منهم، ومَن وجَدَ مَنْ له خِبرةٌ بالمَكانِ سألَه عن مِياهِه؛ فإنْ لم يَجدْ فهو عادِمٌ، وإنْ دُلَّ على ماءٍ لزِمَه قَصدُه إنْ كانَ قَريبًا ما لم يَخَفْ على نَفسِه أو مالِه أو يَخشَ فَواتَ رُفقتِه ولم يَفُتِ الوَقتُ، قالَ: وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ (٣).
стр. 531
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: هل الطَّلبُ شَرطٌ في جَوازِ التَّيممِ عندَ عَدمِ الماءِ أو لا؟
فإنَّ مالِكًا ﵁ اشتَرَط الطَّلبَ، وكذلك الشافِعيُّ، ولم يَشتَرِطْه أبو حَنيفةَ.
وسَببُ اختِلافِهم في هذا هو: هل يُسمَّى مَنْ لم يَجدِ الماءَ دونَ طَلبٍ غيرَ واجِدٍ للماءِ، أو لا يُسمَّى غيرَ واجِدٍ للماءِ إلا إذا طلَبَ الماءَ، فلم يَجدْه، لكنَّ الحَقَّ في هذا أنْ يَعتقدَ أنَّ المُتيقِّنَ لعَدمِ الماءِ إمَّا بطَلبٍ مُتقدِّمٍ وإمَّا بغيرِ ذلك هو عادِمٌ للماءِ، وأمَّا الظَّانُّ فليسَ بعادِمٍ للماءِ، ولذلك يَضعفُ القَولُ بتَكرُّرِ الطَّلبِ الذي في المَذهبِ في المَكانِ الواحِدِ بعَينِه، ويَقوَى اشتِراطُه ابتِداءً إذا لم يَكنْ هنالك عِلمٌ قَطعيٌّ بعَدمِ الماءِ (١).
ثانيًا: عَدمُ القُدرةِ على استِعمالِ الماءِ:
يَجبُ على مَنْ وجَدَ الماءَ أنْ يَستعملَه في عِبادةٍ وجَبَت عليه لا تَصحُّ إلا بالطَّهارةِ كالصَّلاةِ ونَحوِها، ولا يَجوزُ العُدولُ عن ذلك إلى التَّيممِ إلا إذا عُدِمت قُدرتُه على استِعمالِ الماءِ، ويَتحقَّقُ ذلك بالمَرضِ، أو خَوفِ المَرضِ من البَردِ ونَحوِه، أو العَجزِ عن استِعمالِه.
أ- المَرضُ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على جَوازِ التَّيممِ للمَريضِ إذا تيقَّنَ التَّلفَ لقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ولحَديثِ جابِرٍ ﵁ قالَ: خرَجنا في سَفرٍ فأصابَ
стр. 532
رَجلًا منَّا حَجرٌ فشَجَّه في رأسِه، ثم احتلَمَ، فسألَ أَصحابَه فقالَ: هل تَجدونَ لي رُخصةً في التَّيممِ؟ فقالوا: ما نَجدُ لك رُخصةً وأنتَ تَقدِرُ على الماءِ، فاغتسَلَ فماتَ، فلمَّا قدِمنا على النَّبيِّ ﷺ أُخبِرَ بذلك، فقالَ: «قَتَلوه قتَلَهم اللهُ، ألَا سألوا إذْ لم يَعلَموا، فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ» (١).
وإذا خافَ من استِعمالِ الماءِ للوُضوءِ أو الغُسلِ على نَفسِه، أو خافَ زيادةَ مَرضِه، أو تأخَّر بُرؤُه أو خافَ شَيئًا فاحِشًا أو ألمًا غيرَ مُحتمَلٍ يَجوزُ له التَّيممُ عندَ الحَنفيةِ ومالِكٍ والشافِعيِّ في قَولٍ وهو ظاهِرُ المَذهبِ عندَ الحَنابِلةِ لعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ولأنَّه يَجوزُ له التَّيممُ إذا خافَ ذَهابَ شَيءٍ من مالِه أو ضَررًا في نَفسِه من لِصٍّ أو سَبعٍ، أو لم يَجدِ الماءَ إلا بزِيادةٍ كَثيرةٍ على ثَمنِ مِثلِه، فلَأنْ يَجوزَ ههنا أَولى، ولأنَّ تَركَ القيامِ في الصَّلاةِ وتأخيرَ الصَّلاةِ لا يَنحصِرانِ في خَوفِ التَّلفِ، وكذلك تَركُ الاستِقبالِ، فكذا ههنا، ويُعرفُ ذلك بالعادةِ أو بإِخبارِ طَبيبٍ حاذِقٍ مُسلمٍ عَدلٍ واكتَفى بعضُ الحَنفيةِ بأنْ يَكونَ مَستورًا أي غيرَ ظاهِرِ الفِسقِ.
فأمَّا المَريضُ أو الجَريحُ الذي لا يَخافُ الضَّررَ باستِعمالِ الماءِ مِثلَ مَنْ به صُداعٌ وحُمَّى حارةٌ أو أمكَنَه استِعمالُ الماءِ الحارِّ أو يَكونُ به مَرضٌ لا يَخافُ مَحذورًا من استِعمالِ الماءِ معه في العاقِبةِ وإنْ تألَّمَ في الحالِ لجِراحةٍ أو بَردٍ أو حَرٍّ … فلا يَجوزُ التَّيممُ لشَيءٍ من هذا؛ لأنَّ إِباحةَ التَّيممِ لنَفيِ الضَّررِ ولا ضَررَ ههنا (٢).
стр. 533
وذهَبَ الشافِعيُّ وأحمدُ إلى أنَّ الجَريحَ والمَريضَ إذا أمكَنَه غَسلُ بعضِ جَسدِه دونَ بَعضٍ لزِمَه غَسلُ ما أمكَنَه وتَيممَ للباقي (١).
وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ أكثَرُ بَدنِه صَحيحًا غسَلَه ويَسقطُ حُكمُ الجَريحِ إلا أنَّه يُستحبُّ مَسحُه، وإنْ كانَ أكثَرُه جَريحًا تَيممَ ولا غَسلَ عليه؛ لأنَّ الجَمعَ بينَ البَدلِ والمُبدلِ لا يَجبُ كالصيامِ والإطعامِ (٢).
وقالَ الإمامُ مالِكٌ: الصَّحيحُ يَغسلُ، ويَمسحُ الجَريحُ ولا يَتيممُ (٣).
ب- خَوفُ المَريضِ من البَردِ ونَحوِه:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى جَوازِ التَّيممِ في السَّفرِ والحَضرِ خِلافًا لأبي يُوسفَ ومُحمدٍ في الحَضرِ، لمَن خافَ من استِعمالِ الماءِ هَلاكًا أو حُدوثَ مَرضٍ، أو زيادَتَه، أو بُطءَ بُرءٍ إذا لم يُوجدِ الحَدثُ الأصغَرُ أو الحَدثُ الأكبَرُ لقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ولمَا رَوى عَمرُو بنُ العاصِ ﵁ قالَ: «احتَلَمتُ في لَيلةٍ بارِدةٍ
стр. 534
في غَزوةِ ذاتِ السَّلاسِلِ فأشفَقتُ إنِ اغتَسَلت أنْ أهلِكَ فتَيمَّمت ثم صلَّيت بأَصحابي الصُّبحَ فذَكَروا ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقالَ يا عَمرُو: صَلَّيتَ بأَصحابِكَ وأنتَ جُنبٌ؟ فأخبَرتُه بالذي منَعَني من الاغتِسالِ وقُلتُ: إنِّي سمِعتُ اللهَ يَقولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ فضحِكَ رَسولُ اللهِ ﷺ ولم يَقُلْ شَيئًا» (١)، وسُكوتُ النَّبيِّ ﷺ يَدلُّ على الجَوازِ؛ لأنَّه لا يُقرُّ على خَطأٍ، ولأنَّه خائِفٌ على نَفسِه فأُبيحَ له التَّيممُ كالجَريحِ والمَريضِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ جَوازَ التَّيممِ للبَردِ خاصٌّ بالجُنبِ؛ لأنَّ المُحدِثَ لا يَجوزُ له التَّيممُ للبَردِ إلا إذا تحقَّقَ الضَّررُ من الوُضوءِ فيَجوزُ التَّيممُ حينَئذٍ.
ثم إنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما إذا تَيممَ وصلَّى هل يُعيدُ؟
فذهَبَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَلزمُه الإعادةُ لحَديثِ عَمرِو بنِ العاصِ المُتقدِّمِ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمُرْه بالإعادةِ ولو وجَبَت لأمَرَه بها، ولأنَّه خائِفٌ على نَفسِه أشبَهَ المَريضَ؛ لأنَّه أتى بما أمَرَ به فأشبَهَ سائِرَ من يُصلِّي بالتَّيممِ (٢).
стр. 535
وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ -وهو قَولُ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ من الحَنفيةِ- إلى أنَّه يَلزمُه الإعادةُ؛ لأنَّه عُذرٌ نادِرٌ.
وقالَ أبو الخَطابِ: لا إعادةَ عليه إنْ كانَ مُسافِرًا، وإنْ كانَ حاضِرًا فعلى رِوايَتينِ، وذلك لأنَّ الحَضَرَ مَظِنةُ القُدرةِ على تَسخينِ الماءِ ودُخولِ الحَمامِ بخِلافِ المُسافرِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إنْ تَيممَ المَريضُ وهو واجِدٌ للماءِ خَوفَ التَّلفِ وصلَّى، ثم بَرئَ لم تَلزمْه الإعادةُ قَولًا واحِدًا؛ فإنْ لم يَخَفِ التَّلفَ، وخافَ زيادةَ المَرضِ أو بُطءَ البُرءِ باستِعمالِ الماءِ فهل يَجوزُ له التَّيممُ ففيه قَولانِ: أحدُهما: لا يَجوزُ إلا مع خَوفِ التَّلفِ، والثاني: يَجوزُ؛ فإنْ تَيممَ الصَّحيحُ لشِدةِ البَردِ وصلَّى وهو مُقيمٌ لزِمَته الإعادةُ قَولًا واحِدًا، وفي المُسافرِ في وُجوبِ الإعادةِ قَولانِ (٢).
ج- العاجِزُ عن استِعمالِ الماءِ:
ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ إلى أنَّ العاجِزَ الذي لا قُدرةَ له على استِعمالِ الماءِ كالمُكرهِ، والمَحبوسِ، والمَربوطِ بقُربِ الماءِ، والخائِفُ من حَيوانٍ أو إِنسانٍ في السَّفرِ والحَضرِ يَتيممُ ولا يُعيدُ؛ لأنَّه عادِمٌ للماءِ حُكمًا، وقد قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ الصَّعيدَ الطَّيبَ طَهورُ المُسلمِ وإنْ لم يَجدِ
стр. 536
الماءَ عَشرَ سِنينَ فإذا وجَدَ الماءَ فليُمِسَّه بَشرتَه؛ فإنَّ ذلك خَيرٌ» (١)، واستَثنَى الحَنفيةُ مما تَقدمَ المُكرهَ على تَركِ الوُضوءِ؛ فإنَّه يَتيممُ ويُعيدُ صَلاتَه.
وكذلك المَرأةُ؛ فإنَّه لو كانَ الماءُ بمَجمعِ الفُساقِ وتَخافُ المَرأةُ على نَفسِها منهم تَتيممُ، ولا إعادةَ عليها في أصَحِّ الوَجهَينِ عندَ الحَنابِلةِ، بل لا يَحلُّ لها المُضيُّ إلى الماءِ لمَا فيه من التَّعرُّضِ للزِّنا وهَتكِ نَفسِها وعِرضِها، وتَنكيسِ رُؤوِس أهلِها، وربَّما أفضَى إلى قَتلِها، وقد أُبيحَ لها التَّيممُ حِفظًا للقَليلِ من مالِها المُباحِ لها بَذلُه وحِفظًا لنَفسِها من المَرضِ أو تَباطؤِ بُرءٍ، فهنا أَولى.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن كانَ في مَوضعٍ عندَ رَحلِه فخافَ إنْ ذهَبَ إلى الماءِ ذهَبَ شَيءٌ من رَحلِه، أو شرَدَت دابَّتُه أو سُرِقت، أو خافَ على أهلِه لِصًّا أو سَبعًا خَوفًا شَديدًا فهو كالعادِمِ.
ومَن كانَ خَوفُه جُبنًا لا عن سَببٍ يُخافُ من مِثلِه لم تُجزئْه الصَّلاةُ بالتَّيممِ، نَصَّ عليه أحمدُ في رَجلٍ يَخافُ باللَّيلِ، وليسَ شَيءٌ يُخافُ منه، فقالَ: لا بدَّ من أنْ يَتوضَّأَ، ويُحتملُ أنْ يُباحَ له التَّيممُ، ويُعيدَ إذا كان ممَّن يَشتدُّ خَوفُه؛ لأنَّه بمَنزلةِ الخائِفِ لسَببٍ، ومَن كانَ خَوفُه لسَببٍ ظَنَّه فتَبيَّن عَدمُ السَّببِ مِثلَ مَنْ رأى سَوادًا باللَّيلِ ظَنَّه عَدوًّا، فتَبيَّن أنَّه ليسَ بعَدوٍّ، أو رأى كَلبًا فظَنَّه أسَدًا أو نَمرًا، فتَيممَ وصلَّى ثم بانَ خِلافُه، فهل يَلزمُه الإعادةُ؟
стр. 537
على وَجهَينِ:
أحدُهما: لا يَلزمُه الإعادةُ؛ لأنَّه أتى بما أُمرَ به فخرَجَ عن عُهدتِه.
والثاني: يَلزمُه الإعادةُ؛ لأنَّه تَيممَ من غيرِ سَببٍ يُبيحُ التَّيممَ، فأشبَهَ مَنْ نَسيَ الماءَ في رَحلِه وتَيممَ (١).
د- الحاجةُ إلى الماءِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الإِنسانَ إذا خافَ العَطشَ؛ فإنَّ له أنْ يَحبسَ الماءَ الذي معه لشُربِه ويَتيممَ ويُصليَ ولا إعادةَ عليه، ولأنَّه خائِفٌ على نَفسِه من استِعمالِ الماءِ فأُبيحَ له التَّيممُ كالمَريضِ.
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ المُسافرَ إذا كانَ معه ماءٌ وخَشيَ العَطشَ أنْ يُبقيَ ماءَه للشُّربِ ويَتيممَ (٢).
وكذلك إنْ خافَ على رَفيقِه أو بَهائِمِه؛ لأنَّ حُرمةَ رَفيقِه كحُرمةِ نَفسِه، والخائِفُ على بَهائمِه خائِفٌ من ضَياعِ مالِه وكذلك إنْ وجَدَ عَطشانَ يَخافُ تَلفَه لزِمَه سَقيُه ويَتيممُ، قيلَ للإمامِ أحمدَ: الرَّجلُ معه إِداوةٌ من ماءٍ للوُضوءِ، فيَرى قَومًا عِطاشًا أحَبُّ إليك أنْ يَسقيَهم أو أنْ يَتوضَّأَ؟ قالَ يَسقيهم، ثم
стр. 538
ذكَرَ عِدةً من أَصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ يَتيمَّمون ويَحبِسون الماءَ لشِفاهِهم، ولأنَّ حُرمةَ الآدَميِّ تَتقدَّمُ على الصَّلاةِ بدَليلِ ما لو رأى حَريقًا أو غَريقًا في الصَّلاةِ عندَ ضِيقِ وَقتِها لزِمَه تَركُ الصَّلاةِ، والخُروجُ لإِنقاذِه فلَأنْ يُقدِّمَها على الطَّهارةِ بالماءِ أَولى، وقد رَوى البُخاريُّ ومُسلمٌ: «أنَّ بَغيًّا أصابَها العَطشُ فنزَلَت بِئرًا فشرِبَت منه، فلمَّا صعِدَت رَأت كَلبًا يَلحسُ الثَّرَى من العَطشِ، فقالَت: لقد أصابَ هذا من العَطشِ مِثلُ ما أَصابَني، فنزَلَت فسَقَتْه بمُوقِها فغفَرَ اللهُ لها» (١). فإذا كان هذا أَجرَ مَنْ سَقى الكَلبَ، فغيرُه أَولى (٢).
التَّيممُ للنَّجاسةِ:
نَصَّ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ مَنْ كانَ على بَدنِه نَجاسةٌ وعجَزَ عن غَسلِها لعَدمِ الماءِ أو لخَوفِ الضَّررِ باستِعمالِ الماءِ تَيممَ لها وصلَّى لعُمومِ قَولِه ﷺ : «إنَّ الصَّعيدَ الطَّيبَ طَهورُ المُسلمِ، وإنْ لم يَجدِ الماءَ عَشرَ سِنينَ» (٣). وقَولِه: «جُعلَت لي الأرضُ طَهورًا ومَسجدًا» (٤). ولأنَّها
стр. 539
طَهارةٌ في البَدنِ تُرادُ للصَّلاةِ، جازَ لها التَّيممُ عندَ عَدمِ الماءِ، وخَوفِ الضَّررِ باستِعمالِه كالحَدثِ.
وقالَ الإمامُ أحمدُ: هو بمَنزلةِ الجُنبِ الذي يَتيممُ، قالَ القاضِي: يَحتملُ أنْ يَكونَ مَعنى قَولِ أحمدَ إنَّه بمَنزلةِ الجُنبِ الذي يَتيممُ، أي أنَّه يُصلِّي على حَسَبِ حالِه كما يُصلِّي الجُنبُ الذي يَتيممُ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا قَولُ الأكثَرين من الفُقهاءِ؛ لأنَّ الشَّرعَ إنَّما ورَدَ بالتَّيممِ للحَدثِ، وغَسلُ النَّجاسةِ ليسَ في مَعناه؛ لأنَّه إنَّما يُؤتَى به في مَحلِّ النَّجاسةِ لا في غيرِه، ولأنَّ مَقصودَ الغَسلِ إِزالةُ النَّجاسةِ ولا يَحصلُ ذلك بالتَّيممِ (١).
إذا ثبَتَ هذا؛ فإنَّه إذا تَيممَ للنَّجاسةِ وصلَّى يَلزمُه الإعادةُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في رِوايةٍ.
والصَّحيحُ عندَ الحَنابِلةِ أنَّه لا تَلزمُه الإعادةُ؛ لقَولِه ﷺ : «الصَّعيدُ الطَّيبُ طَهورٌ ما لم يُوجدِ الماءُ، ولو إلى عَشرِ حِججٍ» (٢)، ولأنَّها طَهارةٌ نابَ عنها التَّيممُ لم تَجِبِ الإعادةُ فيها كطَهارةِ الحَدثِ، وكما لو تَيممَ لنَجاسةٍ على جُرحِه يَضرُّه إِزالتُها، ولأنَّه لو صلَّى من غيرِ تَيممٍ لم تَلزمْه الإعادةُ فمَع التَّيممِ أَولى.
стр. 540
فأمَّا إنْ كانَت النَّجاسةُ على ثَوبِه أو غيرِ بَدنِه؛ فإنَّه لا يَتيممُ لها؛ لأنَّ التَّيممَ طَهارةٌ في البَدنِ فلا يَنوبُ من غيرِ البَدنِ كالغَسلِ، ولأنَّ غيرَ البَدنِ لا يَنوبُ فيه الجامِدُ عندَ العَجزِ بخِلافِ البَدنِ (١).
إذا اجتمَعَ عليه نَجاسةٌ وحَدثٌ، ومعه ماءٌ لا يَكفي إلا لأحَدِهما:
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنِ اجتمَعَ عليه نَجاسةٌ وحَدثٌ، ومعه ماءٌ يَكفي لأحدِهما، غسَلَ النَّجاسةَ وتَيممَ للحَدثِ، نَصَّ على هذا أحمدُ، وقالَ الخَلَّالُ: اتَّفقَ أبو عبدِ اللهِ وسُفيانُ على هذا، ولا نَعلمُ فيه خِلافًا: وذلك لأنَّ التَّيممَ للحَدثِ ثابِتٌ بالنَّصِّ والإِجماعِ ومُختلَفٌ فيه للنَّجاسةِ، وإنْ كانَت النَّجاسةُ على ثَوبِه قدَّمَ غَسلَها وتَيممَ للحَدثِ، ورُويَ عن أحمدَ: أنَّه يَتوضَّأُ ويَدعُ الثَّوبَ؛ لأنَّه واجِدٌ للماءِ، والوُضوءُ أشَدُّ من غَسلِ الثَّوبِ، وحَكاه أبو حَنيفةَ عن حَمادٍ في الدَّمِ، والأولُ أَولى؛ لمَا ذكَرناه، ولأنَّه إذا قدَّمَ غَسلَ نَجاسةِ البَدنِ مع أنَّ للتَّيممِ فيها مَدخلًا فتَقديمُ طَهارةِ الثَّوبِ أَولى.
وإنِ اجتمَعَ نَجاسةٌ على الثَّوبِ ونَجاسةٌ على البَدنِ وليسَ معه إلا ما يَكفي لإحداهُما، غسَلَ الثَّوبَ وتَيممَ لنَجاسةِ البَدنِ؛ لأنَّ للتَّيممِ فيها مَدخلًا (٢).
стр. 541
ما يَجوزُ به التَّيممُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على جَوازِ التَّيممِ بالصَّعيدِ الطاهِرِ لقَولِه تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما يُقصدُ بالصَّعيدِ هل هو كلُّ شَيءٍ على وَجهِ الأرضِ أو هو التُّرابُ فقط؟
فذهَبَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ إلى أنَّ الصَّعيدَ وَجهُ الأرضِ، فيَجوزُ عندَهم التَّيممُ بكلِّ ما هو مِنْ جِنسِ الأرضِ فيَجوزُ التَّيممُ عندَهم بالتُّرابِ وهو الأفضَلُ، وبالرَّملِ والحَصى والجَصِّ الذي لم يُحرقْ بالنارِ؛ فإنْ أُحرقَ أو طُبخَ به لم يَجزِ التَّيممُ به.
ويَجوزُ التَّيممُ بالمَعادنِ ما دامَت في مَواضِعِها ولم تُنقلْ من مَحلِّها إذا لم تَكنْ من أحدِ النَّقدَين -الذَّهبِ والفِضةِ- أو من الجَواهرِ كاللُّؤلؤِ، فلا يَتيممُ على المَعادنِ من شَبٍّ ومِلحٍ وحَديدٍ ورَصاصٍ إنْ نُقلَت من مَحلِّها ولهم تَفاصيلُ في ذلك.
إلا أنَّ الإمامَ أبا حَنيفةَ قالَ: يَجوزُ التَّيممُ بكلِّ ما هو من جِنسِ الأرضِ التزَقَ بيَدِه شَيءٌ أو لا؛ لأنَّ المَأمورَ به هو التَّيممُ بالصَّعيدِ مُطلقًا من غيرِ شَرطِ التِزاقٍ، ولا يَجوزُ تَقييدُ المُطلقِ إلا بدَليلٍ.
وقالَ مُحمدٌ: لا يَجوزُ إلا إذا التزَقَ بيَدِه شَيءٌ من أجزائِه، فعلى قَولِ أبي حَنيفةَ يَجوزُ التَّيممُ بالحَصى، والنَّورةِ، والزَّرنيخِ، والطِّينِ الأحمرِ والأسودِ والأبيضِ، والكُحلِ، والحَجرِ الأملَسِ، والحائِطِ المُطيَّنِ
стр. 542
والمُجصَّصِ، والمِلحِ الجَبليِّ دونَ المائيِّ والآجُرِّ، والخَزفِ المُتَّخذِ من طينٍ خالِصٍ والأرضِ النَّديةِ والطِّينِ الرَّطبِ، ويَجوزُ التَّيممُ عندَهما -وهو أيضًا قَولُ الإمامِ أحمدَ كما سيَأتي- بالغُبارِ بأنْ ضرَبَ يَدَه على ثَوبٍ، أو لُبدٍ، أو صُفةِ سَرجٍ، فارتفَعَ غُبارٌ، أو كانَ على الحَديدِ، أو على الحِنطةِ أو الشَّعيرِ، أو نَحوِهما؛ فإنْ تَيممَ به أجزَأَه في قَولِهما؛ لأنَّ الغُبارَ -وإنْ كانَ لَطيفًا- جُزءٌ من أجزاءِ الأرضِ فيَجوزُ التَّيممُ به.
وما لم يَكنْ من جِنسِ الأرضِ لا يَجوزُ التَّيممُ به اتِّفاقًا عندَ الحَنفيةِ كالمُحترقِ بالنار فيَصيرُ رَمادًا كالحَطبِ والحَشيشِ ونَحوِهما، أو ما يَنطبعُ ويَلينُ كالحَديدِ، والصُّفرِ، والنُّحاسِ، والزُّجاجِ ونَحوِها، فليسَ من جِنسِ الأرضِ فلا يَجوزُ التَّيممُ به.
كما لا يَجوزُ التَّيممُ بالرَّمادِ؛ لأنَّه من أجزاءِ الحَطبِ، فليسَ من أجزاءِ الأرضِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ وأبو يُوسفَ من الحَنفيةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ التَّيممُ إلا بتُرابٍ طاهِرٍ ذي غُبارٍ يَعلَقُ باليَدِ غيرِ مُحترقٍ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وهذا يَقتَضي أنْ يَمسحَ بشَيءٍ منه، وقَولِه ﷺ : «جُعلَ التُّرابُ لي طَهورًا»، وقَولِه ﵇: «جُعلَت لي الأرضُ مَسجدًا وتُربتُها طَهورًا»،
стр. 543
فخَصَّ تُرابَها بكَونِه طَهورًا، ولأنَّ الطَّهارةَ اختُصَّت بأعَمِّ المائِعاتِ وُجودًا، وهو الماءُ، فتَختَصُّ بأعَمِّ الجَماداتِ وُجودًا، وهو التُّرابُ.
فإنْ كانَ جَريشًا أو نَديًّا لا يَرتفعُ له غُبارٌ لم يَكفِ؛ لأنَّ الصَّعيدَ الطَّيبَ هو التُّرابُ المُنبِتُ، وأضافَ الشافِعيةُ إلى التُّرابِ الرَّملَ الذي فيه غُبارٌ، وعن أبي يُوسفَ وأحمدَ رِوايتانِ بالجَوازِ وعَدمِه.
ولا يَجوزُ عندَهم بتُرابٍ مُختلِطٍ بدَقيقٍ ونَحوِه، كزَعفرانٍ وجَصٍّ؛ لمَنعِه وُصولَ التُّرابِ إلى العُضوِ، وهذا فيما يَعلَقُ باليَدِ، وأمَّا ما لا يَعلَقُ باليَدِ فلا يَمنعُ عندَ الحَنابِلةِ؛ فإنَّ الإمامَ أحمدَ نَصَّ على أنَّه يَجوزُ التَّيممُ من الشَّعيرِ، وذلك لأنَّه لا يَحصلُ على اليَدِ منه ما يَحولُ بينَ الغُبارِ وبينَها، ولا يَجوزُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ وأبي يُوسُفَ التَّيممُ بطِينٍ رَطبٍ؛ لأنَّه ليسَ بتُرابٍ ولا بتُرابٍ نَجسٍ كالوُضوءِ، وهذا باتِّفاقِ العُلماءِ لقَولِه تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفَقوا على جَوازِها بتُرابِ الحَرثِ الطَّيبِ، واختَلَفوا في جَواز فِعلِها بما عَدا التُّرابِ من أجزاءِ الأرضِ المُتولِّدةِ عنها كالحِجارةِ؟
стр. 544
فذهَبَ الشافِعيُّ إلى أنَّه لا يَجوزُ التَّيممُ إلا بالتُّرابِ الخالِصِ.
وذهَبَ مالِكٌ وأَصحابُه إلى أنَّه يَجوزُ التَّيممُ بكلِّ ما صعِدَ على وَجهِ الأرضِ من أجزائِها في المَشهورِ عنه، كالحَصى والرَّملِ والتُّرابِ، وزادَ أبو حَنيفةَ فقالَ: وبكلِّ ما يَتولَّدُ من الأرضِ من الحِجارةِ، مِثلَ النَّورةِ والزَّرنيخِ والجَصِّ والطِّينِ والرُّخامِ.
ومنهم من شرَطَ أنْ يَكونَ التُّرابُ على وَجهِ الأرضِ، وهُم الجُمهورُ.
وقالَ أحمدُ بنُ حَنبلٍ: يَتيمَّمُ بغُبارِ الثَّوبِ واللُّبدِ.
والسَّببُ في اختِلافِهم شَيئان:
أحدُهما: اشتِراكُ اسمِ الصَّعيدِ في لِسانِ العَربِ؛ فإنَّه مَرةً يُطلقُ على التُّرابِ الخالِصِ ومَرةً يُطلقُ على جَميعِ أجزاءِ الأرضِ الظاهِرةِ حتى إنَّ مالِكًا وأَصحابَه حمَلَهم دِلالةُ اشتِقاقِ هذا الاسمِ -أعني الصَّعيدَ- على أنْ يُجيزوا في إحدَى الرِّواياتِ عنهم التَّيممَ على الحَشيشِ وعلى الثَّلجِ، قالوا: لأنَّه يُسمَّى صَعيدًا في أصلِ التَّسميةِ، أعني من جِهةِ صُعودِه على الأرضِ، وهذا ضَعيفٌ.
والسَّببُ الثاني: إِطلاقُ اسمِ الأرضِ في جَوازِ التَّيممِ بها في بعضِ رِواياتِ الحَديثِ المَشهورِ وتَقييدُها بالتُّرابِ في بَعضِها، وهو قَولُه ﷺ : «جُعلَت لي الأرضُ مَسجدًا وطَهورًا»؛ فإنَّ في بعضِ رِواياتِه: «جُعلَت لي الأرضُ مَسجدًا وجُعلَت لي تُربتُها طَهورًا».
وقد اختَلفَ أهلُ الكَلامِ الفِقهيِّ هل يُقضَى بالمُطلقِ على المُقيدِ أو بالمُقيدِ على المُطلقِ، والمَشهورُ عندَهم أنْ يُقضَى بالمُقيَّدِ على المُطلقِ،
стр. 545
وفيه نَظرٌ، ومَذهبُ ابنِ حَزمٍ أنْ يُقضَى بالمُطلقِ على المُقيدِ؛ لأنَّ المُطلقَ فيه زِيادةُ مَعنًى، فمَن كانَ رأيُه القَضاءَ بالمُقيدِ على المُطلقِ وحمَلَ اسمَ الصَّعيدِ الطَّيبِ على التُّرابِ لم يُجِزِ التَّيممَ إلا بالتُّرابِ، ومَن قضَى بالمُطلقِ على المُقيدِ وحمَلَ اسمَ الصَّعيدِ على كلِّ ما على وَجهِ الأرضِ من أَجزائِها أجازَ التَّيممَ بالرَّملِ والحَصى.
وأمَّا إِجازةُ التَّيممِ بما يَتولَّدُ منها فضَعيفٌ؛ إذْ كانَ لا يَتناولُه اسمُ الصَّعيدِ؛ فإنَّ أعَمَّ دِلالةٍ لاسمِ الصَّعيدِ أنْ يَدلَّ على ما تَدلُّ عليه الأرضُ، لا أنْ يَدلَّ على الزَّرنيخِ والنَّورةِ، ولا على الثَّلجِ والحَشيشِ، واللهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ، والاشتِراكُ الذي في اسمِ الطَّيِّبِ أيضًا من دَواعي الخِلافِ (١).
التَّيممُ بتُرابٍ مُستعمَلٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ في التُّرابِ المُتيمَّمِ به أنْ يَكونَ غيرَ مُستعمَلٍ في تَيممٍ أو يَجوزُ التَّيممُ به ولو كان تَيممَ به غيرُه من قَبلُ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ ما استُعملَ في التَّيممِ لا يَتيممُ به ثانيةً كالماءِ المُستعملِ، وزادَ الحَنابِلةُ المَغصوبَ ونَحوَه فلا يَجوزُ التَّيممُ به.
وقالَ أبو حَنيفةَ وأحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ: يَجوزُ التَّيممُ به ثانيةً؛ لأنَّه لم يَرفعِ الحَدثَ كما يَقولُ الحَنابِلةُ (٢).
стр. 546
سُنَنُ التَّيممِ:
يُسنُّ في التَّيممِ أُمورٌ:
أ- التَّسميةُ:
ذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ التَّسميةَ سُنةٌ من سُننِ التَّيممِ في أولِه كالوُضوءِ.
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّها واجِبةٌ كالتَّسميةِ في الوُضوءِ (١).
ب- التَّرتيبُ: وقد سبَقَ بَيانُه.
ج- المُوالاةُ: وقد سبَقَ بَيانُها.
د- سُننٌ أُخرى:
ذهَبَ الحَنفيةُ إلى سُنيةِ الضَّربِ بباطِنِ الكَفَّين وإِقبالِ اليَدينِ بعدَ وَضعِهما في التُّرابِ وإدبارِهما مُبالَغةً في الاستِيعابِ ثمَّ نفضِهما اتِّقاءَ تَلويثِ الوَجهِ وتَفريجِ الأَصابعِ ليَصلَ التُّرابُ إلى ما بينَها (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ كما سبَقَ إلى سُنيةِ ضَربِهما بالأرضِ قبلَ مَسحِ الوَجهِ واليَدينِ؛ فإنْ فعَلَ كُرهَ وأجزَأَه، وهذا لا يَمنعُ من نَفضِهما نَفضًا خَفيفًا.
ومِنَ الفَضائلِ عندَهم أيضًا استِقبالُ القِبلةِ والبَدءُ باليَمينِ، وتَخليلُ
стр. 547
الأَصابعِ، وعندَ الشافِعيةِ بأعلى الوَجهِ، وتَقديمُ اليُمنى، وتَفريقُ الأَصابعِ في الضَّربةِ الأُولى، وتَخليلُ الأَصابعِ بعدَ مَسحِ اليَدينِ احتِياطًا، وتَخفيفُ الغُبارِ لئلَّا تَتشَوَّه به خِلقتُه.
ويُسنُّ عندَهم أيضًا المُوالاةُ بينَ التَّيممِ والصَّلاةِ خُروجًا من خِلافِ من أوجَبَها -وهُم المالِكيةُ كما سبَقَ- ويُسنُّ أيضًا إمرارُ اليَدِ على العُضوِ كالدَّلكِ في الوُضوءِ، وعَدمُ تَكرارِ المَسحِ، واستِقبالُ القِبلةِ، والشَّهادَتانِ بعدَ التَّيممِ كالوُضوءِ.
ويُسنُّ نَزعُ الخاتَمِ في الضَّربةِ الأُولى باعتِبارِ اليَدِ فيها أداةً للمَسحِ، وفي الثانيةِ هي مَحلٌّ للتَّطهيرِ، وهو رُكنٌ فيَجبُ، ويُسنُّ السِّواكُ قبلَه، ونَقلُ التُّرابِ إلى أَعضاءِ التَّيممِ.
ويُسنُّ عندَ الحَنابِلةِ: تَخليلُ الأَصابعِ (١).
стр. 548
نَواقِضُ التَّيممِ:
يَنقضُ التَّيممَ ما يَلي:
أ- كلُّ ما يَنقضُ الوُضوءَ والغُسلَ يَنقضُ التَّيممَ ؛ لأنَّه بَدلٌ عنهما، وناقِضُ الأصلِ ناقِضٌ لخَلفِه، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ.
ب- رُؤيةُ الماءِ أو القُدرةُ على استِعمالِ الماءِ الكافي ولو مَرةً واحِدةً:
نَصَّ الحَنفيةُ والمالِكيةُ على أنَّ رُؤيةَ الماءِ أو القُدرةَ على استِعمالِ الماءِ الكافي ولو مَرةً واحِدةً تُبطِلان التَّيممَ؛ لأنَّه لو اقتصَرَ على المَرةِ كَفاه، ولو لم يَكفِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّه يَغسلُ ما قدِرَ عليه، ويَتيممُ للباقي، كما سيأتي: وذلك قبلَ الصَّلاةِ لا فيها، باتِّفاقِ الفُقهاءِ، بشَرطِ أنْ يَكونَ قادِرًا على استِعمالِ الماءِ، أو غيرَ مُحتاجٍ إليه، أمَّا إنْ كانَ يَحتاجُه لشُربٍ أو كانَ دونَ الماءِ حائِلٌ من سَبعٍ أو عَدوٍّ، أو رآه في قَعرِ بِئرٍ وهو يَعلمُ حالَ رُؤيتِه تَعذُّرَ استِعمالِه فلا يَبطلُ تَيمُّمُه؛ لأنَّ هذه الأسبابَ لا تَمنعُ صِحةَ التَّيممِ ابتِداءً، فلَأنْ لا تُبطلَه أَولى.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ مَنْ تَيممَ ما أُمرَ ثم وجَدَ الماءَ قبلَ دُخولِه في الصَّلاةِ طَهارتُه تُنتقَضُ، وعليه أنْ يُعيدَ الطَّهارةَ ويُصليَ (١).
وأيضًا إنْ تَيممَ لمَرضٍ ونَحوِه لم يَبطُلْ بوُجودِه.
стр. 549
أمَّا إذا رَأى الماءَ وقد تلبَّسَ بالصَّلاةِ؛ فإنَّه تَبطلُ صَلاتُه وتَيممُه عندَ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ في المَشهورِ لبُطلانِ الطَّهارةِ بزَوالِ سَببِها، ولأنَّ الأصلَ إيقاعُ الصَّلاةِ بالوُضوءِ لقَولِه ﷺ : «الصَّعيدُ الطَّيبُ وَضوءُ المُسلمِ، ولو إلى عَشرِ سِنينَ، فإذا وَجَدتَ الماءَ فأمْسِسْه جِلدَك»، دَلَّ بمَفهومِه على أنَّه لا يَكونُ طَهورًا عندَ وُجودِ الماءِ، وبمَنطوقِه على وُجوبِ إمساسِه جِلدَه عندَ وُجودِه، ولأنَّه قدِرَ على استِعمالِ الماءِ، فبَطلَ تَيممُه كالخارجِ من الصَّلاةِ، ولأنَّ التَّيممَ طَهارةُ ضَرورةٍ، فبطَلَت بزَوالِ الضَّرورةِ كطَهارةِ المُستحاضةِ إذا انقطَعَ دَمُها.
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ، وقيلَ: إنَّه رجَعَ عنها، إلى أنَّه إذا وُجدَ الماءُ وقد تلبَّسَ بالصَّلاةِ؛ فإنَّه يَمضي في صَلاتِه وهي صَحيحةٌ ولا يَقطعُها، إلا أنَّ الشافِعيَّ ﵀ اشتَرَط في صِحةِ الصَّلاةِ بهذا التَّيممِ أنْ يَكونَ مُسافِرًا، أمَّا المُقيمُ؛ فإنَّ صَلاتَه تَبطلُ إذا رأى الماءَ في أثناءِ الصَّلاةِ وتَلزمُه الإِعادةُ لوُجودِ الماءِ، لكنْ ليسَ مُطلقًا، بل قيَّدَ الشافِعيةُ ذلك بكَونِه في مَحلٍّ يَغلِبُ فيه الماءُ، أمَّا إذا كانَ المُقيمُ في مَحلٍّ لا يَغلِبُ فيه وُجودُ الماءِ فلا إعادةَ عليه، وحُكمُه حينَئذٍ حُكمُ المُسافرِ (١).
стр. 550
إذا رَأى الماءَ بعدَ فَراغِه من الصَّلاةِ:
أمَّا إذا رَأى الماءَ بعدَ فَراغِه من الصَّلاةِ فإنْ كانَ بعدَ خُروجِ وَقتِ الصَّلاةِ فلا يُعيدُها المُسافرُ باتِّفاقِ الفُقهاءِ، وإنْ كانَ في أثناءِ الوَقتِ لم يُعِدْها أيضًا باتِّفاقِ الفُقهاءِ، هذا بالنِّسبةِ للمُسافرِ.
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ مَنْ تَيممَ وصلَّى، ثم وجَدَ الماءَ بعدَ خُروجِ الوَقتِ أنَّه لا إعادةَ عليه (١).
وكذلك إذا وجَدَه في الوَقتِ لم يَلزمْه الإعادةُ، لمَا رَوى أبو سَعيدٍ الخُدريُّ ﵁ قالَ: «خرَجَ رَجلانِ في سَفرٍ فحضَرَت الصَّلاةُ وليسَ معهما ماءٌ فتَيمَّما صَعيدًا طَيبًا فصَلَّيا ثم وجَدَا الماءَ في الوَقتِ فأعادَ أحَدُهما الصَّلاةَ والوُضوءَ، ولم يُعِدِ الآخَرُ، ثم أتَيا رَسولَ اللهِ ﷺ فذَكَرا ذلك له، فقالَ للذي لم يُعِدْ: أصَبتَ السُّنةَ وأجزَأَتك صَلاتُك، وقالَ للذي تَوضَّأَ وأعادَ: لكَ الأجرُ مرَّتينِ» (٢)، ولأنَّه أدَّى فَرضَه لمَا أُمرَ فلم يَلزمْه الإعادةُ كما لو وجَدَه بعدَ الوَقتِ، ولأنَّ عَدمَ الماءِ عُذرٌ مُعتادٌ، فإذا تَيممَ معه يَجبُ أنْ يُسقطَ فَرضَ الصَّلاةِ كالمَرضِ، ولأنَّه أسقَطَ فَرضَ الصَّلاةِ فلم يُعِدْ إلى ذِمتِه، كما لو وجَدَه بعدَ الوَقتِ.
стр. 551
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ عندَهم إلى أنَّ المُقيمَ في مَحلٍّ يَغلِبُ فيه وُجودُ الماءِ إذا تَيممَ لفَقدِه الماءَ؛ فإنَّه يُعيدُ صَلاتَه لنُدرةِ الفَقدِ في الحَضرِ وعَدمِ دَوامِه، وفي قَولٍ اختارَه النَّوويُّ: أنَّه لا يَقضي؟ لأنَّه أتَى بالمَقدورِ، وفي قَولٍ: لا تَلزمُه الصَّلاةُ في الحالِ بل يَصبِرُ حتى يَجدَه في الوَقتِ، بخِلافِ المُسافرِ؛ فإنَّه لا يُعيدُ إلا إذا كانَ في مَحلٍّ يَغلِبُ فيه وُجودُ الماءِ (١).
ج- زَوالُ العُذرِ المُبيحِ له، كذَهابِ العَدوِّ والمَرضِ والبَردِ؛ لأنَّ ما جازَ بعُذرٍ بطَلَ بزَوالِه.
د- خُروجُ الوَقتِ عندَ الحَنابِلةِ: إنْ خرَجَ وَقتُ الصَّلاةِ وهو فيها -أي: في أثناءِ الصَّلاةِ- لا يَبطلُ تَيممُه، وبطَلَت صَلاتُه إنْ كانَ في أثنائِها؛ لأنَّ طَهارتَه انتَهَت بانتِهاءِ وَقتِها، فبطَلَت صَلاتُه كما لو انقَضَت مُدةُ المَسحِ وهو في الصَّلاةِ (٢).
هـ - الرِّدةُ:
ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الرِّدةَ -والعِياذُ باللهِ- تُبطلُ التَّيممَ (٣).
стр. 552
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الرِّدةَ لا تُبطلُ التَّيممَ، فله أنْ يُصليَ به إذا أسلَمَ؛ لأنَّ الحاصِلَ بالتَّيممِ صِفةُ الطَّهارةِ، والكُفرُ لا يُنافيها كالوُضوءِ، ولأنَّ الرِّدةَ تُبطلُ ثَوابَ العَملِ لا زَوالَ الحَدثِ (١).
و- الفَصلُ الطَّويلُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ الفَصلَ الطَّويلَ بينَ التَّيممِ والصَّلاةِ لا يُبطلُه، والمُوالاةُ ليسَت واجِبةً بينَهما.
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الفَصلَ الطَّويلَ بينَ التَّيممِ والصَّلاةِ يُبطلُه لاشتِراطِهم المُوالاةَ بينَه وبينَ الصَّلاةِ (٢).
هل يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يُجامعَ زَوجتَه إذا كان فاقِدًا للماءِ؟
ذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ (٣) إلى أنَّه لا يُكرهُ للرَّجلِ أنْ يُصيبَ زَوجتَه إذا كانَ عادِمًا للماءِ لحَديثِ أبي ذَرٍّ ﵁: «قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ: إنِّي أعزُبُ عن الماءِ ومعي أهلي فتُصيبُني الجَنابةُ فأُصلِّي بغيرِ طُهورٍ؟ فقالَ النَّبيُّ ﷺ : الصَّعيدُ الطَّيبُ وَضوءُ المُسلمِ -أو طَهورٌ- ما لم تَجدِ الماءَ، ولو إلى عَشرِ حِججٍ فإذا وجَدتَ الماءَ فأمسِسْه بَشرَتَك» (٤).
стр. 553
إذا وجَدَ الجُنبُ ما يَكفي بعضَ أَعضائِه هل يَلزمُه استِعمالُه ويَتيممُ للباقي أو لا؟
إذا وجَدَ الجُنبُ ما يَكفي بعضَ أَعضائِه لزِمَه استِعمالُه ويَتيممُ للباقي عندَ الإمامِ أحمدَ، وهو أحَدُ قَولَيِ الشافِعيِّ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وقَولِه ﷺ : «إذا أمَرتُكم بأمرٍ فأْتُوا منه ما استَطَعتُم» مُتَّفقٌ عليه، ولأنَّه وجَدَ من الماءِ ما يُمكنُه استِعمالُه في بعضِ جَسدِه فلزِمَه ذلك.
وذهَبَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ في المَذهبِ إلى أنَّه يَتيممُ ويَتركُه؛ لأنَّه لا يَجمعُ بينَ طَهارةِ الماءِ وطَهارةِ التَّيممِ إمَّا هذا وإمَّا هذا، واحتَجُّوا على ذلك بقَولِه تَعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ الآيةَ.
قالَ ابنُ المُنذرِ: فأوجَبَ على الجُنبِ الاغتِسالَ بالماءِ؛ فإنْ لم يَجدْ تَيممَ، والواجِبُ على المُظاهرِ رَقبةٌ؛ فإنْ لم يَجدْ صامَ شَهرَين، فلمَّا كانَ الواجِدُ بعضَ رَقبةٍ في مَعنى مَنْ لا يَجدُ، وكانَ فَرضُه الصَّومَ، كانَ الواجِدُ من الماءِ ما يَغسلُ به بعضَ بَدنِه في مَعنى مَنْ لم يَجدْ، وكانَ فَرضُه التَّيممَ، والجَوابُ في المُتمتعِ يَجدُ بعضَ ثَمنِ الهَدْيِ، وفي الحانِثِ في يَمينِه يَجدُ ما يُطعمُ أقَلَّ من عَشرةِ مَساكينَ: حُكمُ مَنْ ذكَرنا، فأمَّا أنْ يُفرضَ على بعضِ مَنْ ذكَرنا فَرضان فغيرُ جائِزٍ (١).
стр. 554
ما يَصحُّ فِعلُه بالتَّيممِ مع وُجودِ الماءِ:
ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّه لا يَصحُّ فِعلُ عِبادةٍ مَبنيةٍ على الطَّهارةِ بالتَّيممِ عندَ وُجودِ الماءِ إلا لمَريضٍ، أو مُسافرٍ وجَدَ الماءَ لكنَّه مُحتاجٌ إليه، أو عندَ خَوفِ البَردِ.
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: إنَّ التَّيممَ -لمَّا لم تُشتَرطْ له الطَّهارةُ- غيرُ مُعتبَرٍ أصلًا مع وُجودِ الماءِ إلا إذا كانَ ممَّا يُخافُ فَوتُه لا إلى بَدلٍ، فلو تَيممَ المُحدثُ للنَّومِ أو لدُخولِ المَسجدِ مع قُدرتِه على الماءِ فهو لَغوٌ، بخِلافِ تَيمُّمِه لرَدِّ السَّلامِ مَثلًا؛ لأنَّه يَخافُ فَوتَه؛ لأنَّه على الفَورِ، ولذا فعَلَه ﷺ ، وهذا الذي يَنبَغي التَّعويلُ عليه (١).
مَنْ ضاقَ عليه الوَقتُ بحيثُ لو استَعملَ الماءَ فاتَ وَقتُ الصَّلاةِ:
ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا كانَ الماءُ مَوجودًا إلا أنَّه إذا اشتَغلَ بتَحصيلِه واستِعمالِه فاتَ الوَقتُ؛ فإنَّه لا يَجوزُ له التَّيممُ سَواءٌ كانَ حاضِرًا أو مُسافِرًا لقَولِه تَعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، ولقَولِه ﷺ : «التُّرابُ طَهورُ المُسلمِ ما لم يَجدِ الماءَ»، فمَتى كانَ واجِدًا الماءَ فليسَ التُّرابُ له طَهورًا، فلا تُجزئُه صَلاتُه.
стр. 555
ومِن جِهةِ النَّظرِ فإنَّ فَرضَ الطَّهارةِ آكَدُ من فَرضِ الوَقتِ بدِلالةِ أنَّه لا تَجوزُ صَلاةٌ بغيرِ طَهارةٍ وهي جائِزةٌ مع فَواتِ الوَقتِ.
وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ وزُفرُ من الحَنفيةِ -وهو أيضًا مَحكيٌّ عن أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ كما في «البَحر»؛ فإنَّ ابنَ نَجيمٍ قالَ: لكنْ ظَفِرتُ بأنَّ التَّيممَ لخَوفِ فَواتِ الوَقتِ رِوايةٌ عن مَشايخِنا ذكَرَها في «القُنية» - إلى أنَّ مَنْ خافَ فَواتَ الوَقتِ جازَ له التَّيممُ، وهذا القَولُ هو اختِيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ ﵀؛ فإنَّه قالَ: وأصَحُّ أَقوالِ العُلماءِ أنَّه يَتيممُ لكلِّ ما يُخافُ فَوتُه، كالجِنازةِ وصَلاةِ العيدِ، وغيرِها ممَّا يُخافُ فَوتُه؛ فإنَّ الصَّلاةَ بالتَّيممِ خَيرٌ من تَفويتِ الصَّلاةِ، كما أنَّ صَلاةَ التَّطوعِ بالتَّيممِ خَيرٌ من تَفويتِه، ولهذا يَتيممُ للتَّطوعِ مَنْ كانَ له وِردٌ في اللَّيلِ يُصليه، وقد أَصابَته الجَنابةُ، والماءُ بارِدٌ يَضرُّه، فإذا تَيممَ وصلَّى التَّطوعَ وقرَأَ القُرآنَ بالتَّيممِ كانَ خَيرًا من تَفويتِ ذلك (١).
قالَ في «الدُّر المُختار»: فالأحوَطُ أنْ يَتيممَ ويُصليَ ثم يُعيدَه.
قالَ ابنُ عابِدينَ: هذا قَولُ زُفرَ، قالَ إِبراهيمُ الحَلبيُّ … ولعلَّ هذا من هؤلاء المَشايخِ اختيارٌ لقَولِ زُفرَ لقُوةِ دَليلِه، وهو أنَّ التَّيممَ إنَّما شُرعَ إلى أداءِ الصَّلاةِ في الوَقتِ فيَتيممُ عندَ خَوفِ فَواتِه، قالَ شَيخُنا ابنُ الهُمامِ: إنَّ الفُقهاءَ رَدُّوا على زُفرَ ولم يَتوجَّهْ لهم عليه سِوى أنَّهم قالوا: إنَّ مَنْ أخَّرَ الصَّلاةَ إلى آخِرِ الوَقتِ كانَ مُقصِّرًا وتَقصيرُه جاءَ مِنْ قِبَلِه فلا يَستحقُّ التَّرخيصَ له بجَوازِ
стр. 556
التَّيممِ، ولكنَّ هذا الرَّدَّ على زُفرَ إنَّما يَتمُّ لو أخَّرَ بعُذرٍ فيَلزمُهم أنْ يُرخِّصوا له التَّيممَ لو أخَّرَ لعُذرٍ، على أنَّه لو أخَّرَ بلا عُذرٍ فلا يَتَّجهُ أيضًا؛ لأنَّها غايَتُه أنَّه عاصٍ بالتَّأخيرِ والعاصِي عندَنا كالمُطيعِ في ثُبوتِ التَّرخيصِ له.
وأَقولُ: إذا أخَّرَ لا لعُذرٍ فهو عاصٍ.
والمَذهبُ عندَنا أنَّه كالمُطيعِ في الرُّخصِ، نَعمْ تَأخيرُه إلى هذا الحَدِّ عُذرٌ جاءَ من قِبَلِ غيرِ صاحِبِ الحَقِّ، فيَنبَغي أنْ يُقالَ: يَتيممُ ويُصلِّي ثم يُعيدُ الوُضوءَ، كمَن عجَزَ بعُذرٍ من قِبَلِ العِبادِ، وقد نقَلَ الزاهِديُّ في شَرحِه هذا الحُكمَ عن اللَّيثِ بنِ سَعدٍ.
وقد ذكَرَ ابنُ خِلِّكانَ أنَّه كانَ حَنفيَّ المَذهبِ، وكذا ذكَرَه في الجَواهرِ المُضيئةِ في طَبقاتِ الحَنفيةِ.
قالَ ابنُ عابِدينَ: وهذا قَولٌ مُتوسطٌ بينَ القَولَينِ، وفيه الخُروجُ عن العُهدةِ بيَقينٍ، لذا أقَرَّه الشارِحُ، ثم رأيتُه مَنقولًا في التاتَرخانيةِ عن أبي نَصرِ ابنِ سَلامٍ، وهو من كِبارِ أئِمةِ الحَنفيةِ قَطعًا، فيَنبَغي العَملُ به احتِياطًا ولا سيَّما أنَّ كَلامَ ابنِ الهُمامِ يَميلُ إلى تَرجيحِ قَولِ زُفرَ كما علِمتُه، بل قد علِمتُ من كَلامِ «القُنية» أنَّه رِوايةٌ عن مَشايخِنا الثَّلاثةِ، ونَظيرُ هذا مَسألةُ الضَّيفِ الذي خافَ رِيبةً؛ فإنَّهم قالوا: يُصلِّي ثم يُعيدُ، واللهُ تَعالى أعلَمُ (١).
стр. 557
مَنْ استَيقَظَ من نَومِه وقد ضاقَ وَقتُ الصَّلاةِ فهل يَتيممُ لإدراكِ الوَقتِ أو لا؟
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وإذا استَيقظَ آخِرَ وَقتِ الفَجرِ فإذا اغتسَلَ طلَعَت الشَّمسُ، فجُمهورُ العُلماءِ هنا يَقولونَ: يَغتسلُ ويُصلِّي بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ، وهذا مَذهبُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمدَ، وهو أحدُ القَولَينِ في مَذهبِ مالِكٍ، وقالَ في القَولِ الآخَرِ: بل يَتيممُ هنا ويُصلِّي قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ في الوَقتِ بالتَّيممِ خَيرٌ من الصَّلاةِ بعدَه بالغَسلِ.
والصَّحيحُ قَولُ الجُمهورِ؛ لأنَّ الوَقتَ في حَقِّ النائِمِ هو من حينِ يَستيقظُ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ نَسيَ صَلاةً أو نامَ عنها فكَفارَتُها أنْ يُصليَها إذا ذكَرَها» (١).
فالوَقتُ في حَقِّ النائِمِ هو مِنْ حيثُ يَستيقظُ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ، فلم يُمكنْه الاغتِسالُ والصَّلاةُ إلا بعدَ طُلوعِها فقد صلَّى الصَّلاةَ في وَقتِها ولم يُفوِّتْها بخِلافِ مَنْ استَيقظَ في أولِ الوَقتِ؛ فإنَّ الوَقتَ في حَقِّه قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ فليسَ له أنْ يُفوِّتَ الصَّلاةَ وكذلك مَنْ نَسيَ صَلاةً وذكَرَها؛ فإنَّه حينَئذٍ يَغتسلُ ويُصلِّي في أيِّ وَقتٍ كان، وهذا هو الوَقتُ في حَقِّه، فإذا لم يَستيقظْ إلا بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ كما استَيقظَ النَّبيُّ ﷺ لمَّا ناموا عن
стр. 558
الصَّلاةِ (١) عامَ خيبَرَ؛ فإنَّه يُصلِّي بالطَّهارةِ الكامِلةِ وإنْ أخَّرَها إلى حينِ الزَّوالِ، فإذا قُدِّرَ أنَّه كان جُنبًا؛ فإنَّه يَدخلُ الحَمامَ ويَغتسلُ، وإنْ أخَّرَها إلى قَريبِ الزَّوالِ، ولا يُصلِّي هنا بالتَّيممِ (٢).
إذا خافَ فَواتَ صَلاةِ الجِنازةِ وصَلاةِ العِيدَينِ في الحَضرِ:
ذهَبَ الشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ التَّيممُ لصَلاةِ العِيدَينِ ولا لصَلاةِ الجِنازةِ في الحَضرِ وإنْ خافَ فَواتَها وهو قَولُ مالِكٍ في العيدَينِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ -وهي الرِّاويُة الثانيةُ للإمامِ أحمدَ-: يَجوزُ التَّيممُ لصَلاةِ الجِنازةِ إذا خافَ فَواتَها، وكذلك صَلاةُ العيدَينِ عندَ أبي حَنيفةَ.
قالَ في «الدُّر المُختار»: وجازَ لخَوفِ فَوتِ صَلاةِ جِنازةٍ، أي: كلِّ تَكبيراتِها ولو جُنبًا أو خائِفًا، ولو جِيءَ بأُخرى إنْ أمكَنَه التَّوضُّؤُ بينَهما ثم زالَ تَمكُّنُه أعادَ التَّيممَ، وإلا فلا، به يُفتَى، أو لفَوتِ عِيدٍ.
قالَ ابنُ عابِدينَ: قَولُه: (وجازَ لخَوفِ فَوتِ صَلاةِ جِنازةٍ) ولو كانَ الماءُ قَريبًا، قَولُه: (أي: تَكبيراتِها)؛ فإنْ كانَ يَرجو أنْ يُدركَ بَعضَها لا يَتيممُ؛ لأنَّه يُمكنُه أَداءُ الباقي وَحدَه (٣).
стр. 559
فاقِدُ الطَّهورَينِ - الماءِ والتُّرابِ:
فاقِدُ الطَّهورَين هو الذي لم يَجدْ ماءً ولا صَعيدًا يَتيممُ به لمانِعٍ كمَن حُبسَ في مَكانٍ ليسَ فيه واحِدٌ منهما، أو في مَوضعٍ نَجسٍ ليسَ فيه ما يَتيممُ به، وكان مُحتاجًا للماءِ الذي معه لعَطشٍ، كالمَصلوبِ وراكِبِ سَفينةٍ لا يَصلُ إلى الماءِ، كمَن لا يَستطيعُ الوُضوءَ ولا التَّيممَ لمَرضٍ ونَحوِه.
فقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِه على أَقوالٍ كَثيرةٍ.
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والإمامُ مالِكٌ في رِوايةٍ -وهي إحدَى الرِّواياتِ عن الإمامِ الشافِعيِّ- إلى أنَّه يُؤخرُ الصَّلاةَ حتى يَجدَ الماءَ أو الصَّعيدَ.
ووَجهُ هذا القَولٍ: أي: القَولِ بعَدمِ الصَّلاةِ في الحالِ قَولُه ﷺ : «لا يَقبلُ اللهُ صَلاةً بغيرِ طَهورٍ»، وما لا يُقبلُ لا يَجوزُ فعِلهُ ولأنَّ عُمَرَ ابنَ الخَطابِ ﵁ أجنَبَ ولم يَعلَمْ أنَّ الجُنُبَ يَتيممُ فلم يُصلِّ كما في الصَّحيحَينِ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ والإمامُ مالِكٌ في رِوايةٍ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُصلِّي على حَسبِ حالِه وتَجبُ عليه الإعادةُ، أمَّا الصَّلاةُ فلقَولِه ﷺ : «إذا أمَرتُكم بأمرٍ فأْتوا منه ما استَطعتُم» (١)، وأمَّا الإعادةُ فلأنَّه عُذرٌ نادِرٌ فصارَ كما لو نَسيَ عُضوًا من أَعضاءِ طَهارتِه وصلَّى؛ فإنَّه يَجبُ عليه الإِعادةُ.
стр. 560
وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في الصَّحيحِ من مَذهبِه -وهو إحدَى الرِّواياتِ عن الإمامِ مالِكٍ والشافِعيِّ، وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ- إلى أنَّه يُصلِّي على حَسبِ حالِه ولا يُعيدُ، قالَ النَّوويُّ: وهو مَذهبُ المُزنِيِّ، وهو أقوى الأَقوالِ دَليلًا، ويُعضدُه هذا الحَديثُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ أُناسًا لطَلبِ قِلادةٍ أضلَّتها عائِشةُ، فأدركَتهم الصَّلاةُ فصلَّوْا بغيرِ وُضوءٍ، فلمَّا أتَوُا النَّبيَّ ﷺ شَكَوْا ذلك إليه، فنزَلَت آيةُ التَّيممِ» (١)، ولم يُنكرِ النَّبيُّ ﷺ ذلك، ولا أمَرَهم بالإعادةِ، فدَلَّ على أنَّها غيرُ واجِبةٍ، والقَضاءُ إنَّما يَجبُ بأمرٍ جَديدٍ ولم يَثبُتِ الأمرُ، فلا يَجبُ، ولأنَّه أتى بما أُمرَ فخرَجَ عن عُهدتِه، ولأنَّه شَرطٌ من شَرائطِ الصَّلاةِ، فيَسقطُ عندَ العَجزِ عنه كسائِرِ شُروطِها وأَركانِها، ولأنَّه أدَّى فَرضَه على حَسبِه، فلم يَلزمْه الإعادةُ كالعاجِزِ عن القيامِ إذا صلَّى جالِسًا.
وذهَبَ الإمامُ الشافِعيُّ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَجبُ عليه الصَّلاةُ ولكنْ يُستحبُّ، ويَجبُ القَضاءُ سَواءٌ صلَّى أو لم يُصلِّ.
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ فاقِدَ الطَّهورَينِ هو الذي لم يَجدْ ماءً ولا صَعيدًا يَتيممُ به لمانِعٍ كمَن حُبسَ في مَكانٍ ليسَ فيه واحِدٌ منهما، أو في مَوضعٍ نَجسٍ ليسَ فيه ما يَتيممُ به، وكانَ مُحتاجًا للماءِ الذي معه لعَطشٍ، كالمَصلوبِ وراكِبِ سَفينةٍ لا يَصلُ إلى الماءِ كمَن لا يَستطيعُ
стр. 561
الوُضوءَ ولا التَّيممَ لمَرضٍ ونَحوِه؛ فحُكمُه أنَّه تَسقطُ عنه الصَّلاةُ أداءً وقَضاءً كالحائِضِ.
حَكى هذا القَولَ عن مالِكٍ ابنُ خُوَيزِ مَندادَ وقال: إنَّه الصَّحيحُ من مَذهبِ مالِكٍ.
لكنْ تَعقَّبَ ذلك ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀ وقالَ: ما أعرِفُ كيف أقدَمَ على أنْ جعَلَ هذا هو الصَّحيحَ من المَذهبِ مع خِلافِه لجُمهورِ السَّلفِ وعامَّةِ الفُقهاءِ وجَماعةِ المالِكيةِ.
ثم قالَ: وهذا قَولٌ ضَعيفٌ مَهجورٌ شاذٌّ مَرغوبٌ عنه (١).
стр. 562
فصل في أَنواعِ النَّجاساتِ
النَّجاسةُ: ضدُّ الطَّهارةِ، وهي القَذارةُ، يُقالُ: تَنجَّسَ الشَّيءُ، صارَ نَجسًا، وتَلطَّخَ بالقَذرِ (١).
الأصلُ أنَّ كلَّ شَيءٍ طاهِرٌ، إلا أنَّ هناك أشياءَ نَصَّ الشَّرعُ على نَجاستِها، وبَيانُها فيما يَلي:
١ - غائِطُ الإِنسانِ وبَولُه:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على نَجاسةِ غائِطِ الإِنسانِ وبَولِه، واستدَلُّوا على ذلك بما يلي:
١ - بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا وَطِئَ أحدُكم بنَعلِه الأذَى؛ فإنَّ التُّرابَ له طَهورٌ» (٢).
٢ - وبما رَواه أبو سَعيدٍ الخُدريُّ ﵁: أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى فخلَعَ نَعلَيه فخلَعَ الناسُ نِعالَهم، قالَ: «لِمَ خلَعتُم نِعالَكم؟»،
стр. 563
قالوا: يا رَسولَ اللهِ، رأيناكَ خلَعتَ فخَلَعنا، قالَ: «إنَّ جِبرائيلَ أتاني فأخبَرَني أنَّ بهما خَبثًا -وفي رِوايةٍ: قَذرًا- فإذا جاءَ أحدُكم المَسجدَ فليَقلبْ نَعلَيه فليَنظرْ فيهما خَبثًا؛ فإنْ وجَدَ خَبثًا فليَمسَحْهما بالأرضِ، ثم ليُصلِّ فيهما» (١).
٣ - وبحَديثِ أنَسٍ أنَّ أعرابيًّا بالَ في المَسجدِ فقامَ إليه بعضُ القَومِ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «دَعوه ولا تُزرِموه»، قالَ: فلمَّا فرَغَ دَعا بدَلوٍ من ماءٍ فصَبَّه عليه (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فيه إِثباتُ نَجاسةِ بَولِ الآدَميِّ، وهو مُجمعٌ عليه، ولا فَرقَ بينَ الكَبيرِ والصَّغيرِ بإِجماعِ مَنْ يُعتدُّ به، لكنَّ بَولَ الصَّبيِّ يَكفي فيه النَّضحُ (٣).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقَ الفُقهاءُ على نَجاسةِ بَولِ ابنِ آدَمَ ورَجيعِه إلا بَولَ الصَّبيِّ الرَّضيعِ (٤).
стр. 564
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما خرَجَ من السَّبيلَينِ، كالبَولِ والغائِطِ والمَذيِ والوَديِ والدَّمِ وغيرِه، فهذا لا نَعلمُ في نَجاستِه خِلافًا (١).
وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على إِثباتِ نَجاسةِ البَولِ (٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: بَولُ الآدَميِّين نَجسٌ إِجماعًا، صَغيرًا كانَ أو كَبيرًا، ذكَرًا كانَ أو أُنثَى، لرِوايةِ الأعمَشِ عن أبي صالِحٍ عن أبي هُريرةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «أكثَرُ عَذابِ القَبرِ من البَولِ» ولولا أنَّه نَجسٌ يَلزمُه اجتِنابُه ما استحَقَّ عَذابَ القَبْرِ عليه، ورَوى الشافِعيُّ عن سُفيانَ بنِ عُيَينةَ عن الزُّهريِّ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ عن أبي هُريرةَ: أنَّ أعرابيًّا دخَلَ المَسجدَ فقالَ: اللَّهمَّ ارحَمْني ومُحمدًا ولا تَرحَمْ معنا أحَدًا، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لقد تَحجَّرتَ واسِعًا، فما لبِثَ أنْ بالَ فعجِلَ الناسُ عليه فنَهاهم رَسولُ اللهِ ﷺ وقالَ: يَسِّروا ولا تُعسِّروا، صُبُّوا عليه ذَنوبًا من ماءٍ» (٣).
فإذا ثبَتَت نَجاسةُ بَولِ الآدَميِّين بما ذكَرْناه من السُّنةِ والإِجماعِ، فالواجِبُ غَسلُه بالماءِ إلا بَولَ الصَّبيِّ قبلَ الطَّعامِ؛ فإنَّه يَطهُرُ برَشِّ الماءِ عليه.
فأمَّا بَولُ الصَّبيةِ فلا يَطهُرُ إلا بالغَسلِ قبلَ أكلِ الطَّعامِ وبعدَه.
وقالَ مالِكٌ، وأبو حَنيفةَ: لا يَطهُرُ بَولُهما جَميعًا إلا بالغَسلِ.
стр. 565
وقالَ الأَوزاعيُّ: يَطهُرُ بَولُهما جَميعًا بالرَّشِّ، والدِّلالةُ على الفَريقَين في جَوازِ الرَّشِّ على بَولِ الغُلامِ ووُجوبِ غَسلِ بَولِ الجارِيةِ رِوايةُ علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵇ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «يُغسلُ بَولَ الجارِيةِ ويُنضَحُ على بَولِ الغُلامِ ما لم يأكُلِ الطَّعامَ» (١).
وهذا نَصٌّ ذكَرَه ابنُ المُنذرِ ورَوَت لُبابةُ بِنتُ الحارِثِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أجلَسَ الحَسنَ في حِجرِه فبالَ عليه، فقالَت: قُلتُ له: لو أخَذتَ ثَوبًا وأعطَيتَني إزارَكَ لأغسِلَه، فقالَ ﷺ : «إنَّما يُغسلُ مِنْ بَولِ الأُنثَى، ويُنضحُ على بَولِ الذَّكرِ»، وهذا نَصٌّ أيضًا ذكَرَه أبو داودَ، ورُويَ عن أُمِّ قَيسٍ بِنتِ مِحصَنٍ «أنَّها جاءَت إلى رَسولِ اللهِ ﷺ بطِفلٍ لها ليُحنِّكَه، فبالَ في حِجرِه فنضَحَ عليه الماءَ» فثبَتَت سُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ قَولًا وفِعلًا بصِحةِ ما ذكَرْناه من جَوازِ الرَّشِّ على بَولِ الصَّبيِّ ما لم يأكُلِ الطَّعامَ، وغَسلِ بَولِ الصَّبيةِ قبلَ الطَّعامِ وبعدَه، ثم الفَرقُ بينَهما في المَعنى وَجهانِ:
أحدُهما: أنَّ بَولَ الجارِيةِ أحَرُّ من بَولِ الغُلامِ، وأنَّ مَنيَّ الغُلامِ أحَرُّ من مَنيِّ المَرأةِ على ما تَعارَفَه الناسُ في غالِبِ العادةِ، فمِن هذا الوَجهِ خَفَّ الحُكمُ في بَولِ الغُلامِ، وغَلُظَ في بَولِ الجارِيةِ.