← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

وَجهُ القياسِ: أنَّه ذكَر الشِّراءَ ولَم يَذكُرِ البَيعَ، ولا يَتحقَّقُ مَعنى المُضاربةِ إلا بالشِّراءِ والبَيعِ. وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّه ذكَر الفَضلَ، ولا يَحصُلُ الفَضلُ إلا بالشِّراءِ والبَيعِ، فكان ذِكرُ الابتياعِ ذِكرًا لِلبَيعِ، وهذا مَعنى المُضاربةِ. ولو قال: «خُذْ هذه الألْفَ بالنِّصفِ»، ولَم يَزِدْ عليه، كان مُضاربةً استِحسانًا. والقياسُ ألَّا يَكونَ؛ لأنَّه لَم يَذكُرِ الشِّراءَ والبَيعَ، فلا يَتحقَّقُ مَعنى المُضاربةِ. وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّه لَمَّا ذكَر الأخْذَ، والأخذُ ليس عَملًا يُستحَقُّ به العِوضَ؛ وإنَّما يُستحَقُّ بالعَملِ في المأخوذِ، وهو الشِّراءُ والبَيعُ، فتَضمَّن ذِكرُه ذِكرَ الشِّراءِ والبَيعِ (١). وقال المالِكيَّةُ: يُشترطُ صيغةٌ دالَّةٌ على ذلك، ولو مِنْ أحَدِهما، ويَرضى الآخَرُ، ولا يُشترطُ اللَّفظُ؛ كالبَيعِ والإجارةِ، فيَكفي فيه المُعاطاةُ؛ لأنَّ التِّجارةَ يَكفي فيها المُعاطاةُ؛ كالبَيعِ إذا وُجِدت القَرينةُ (٢). وقال الشافِعيَّةُ: يُشترطُ لِصِحَّةِ القِراضِ صيغةٌ، وهي: إيجابٌ وقَبولٌ

стр. 5007

كـ: «قارَضتُكَ» أو «ضارَبتُك» أو «عامَلتُك» أو «بِعْ واشتَرِ على أنَّ الرِّبحَ بينَنا نِصفانِ». ويُشترطُ في الصِّيغةِ: أنْ تَكونَ مُنجَزةً، فلا يَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ، ك: «إذا جاءَ رَمضانُ فقد قارَضتُك»، ونَحوِ ذلك. كما يُشترطُ أنْ يَكونَ القَبولُ مُتَّصِلًا بالإيجابِ عُرفًا بالطَّريقِ المُعتبَرِ في البَيعِ، فلَو فصَل بينَهما سُكوتٌ طَويلٌ أو كَلامٌ لا عَلاقةَ له بالعَقدِ لَم يَصحَّ. وقيلَ: يَكفي القَبولُ بالفِعلِ، كما في الوَكالةِ والجَعالةِ، إنْ كانت صيغةُ الإيجابِ لَفظَ أمْرٍ، ك: «خُذْ هذا الألفَ واتَّجِرْ فيه على أنَّ الرِّبحَ بينَنا نِصفانِ»، فيَكفي أخْذُ الدَّراهمِ مَثلًا، ولا يُشترطُ له القَبولُ، فلو كانت لَفظَ عَقدٍ، ك: «قارَضتُك»؛ فلا بُدَّ في القَبولِ مِنَ اللَّفظِ. والأصَحُّ المَنعُ مُطلَقًا؛ لأنَّ القِراضَ عَقدُ مُعاوضةٍ يَختَصُّ بمُعيَّنٍ، فلا يُشبِهُ الوَكالةَ؛ لأنَّها مُجرَّدُ إذنٍ، ولا الجَعالةَ؛ لأنَّها لا تَختَصُّ بعَينٍ. ولو قال: «قارَضتُك على أنَّ نِصفَ الرِّبحِ لي» وسكَت عن جانِبِ العامِلِ، لَم يَصحَّ على الأصَحِّ، وقيلَ: يَصحُّ ويَكونُ بينَهما نِصفَيْن. ولو قال: «على أنَّ نِصفَ الرِّبحِ لك»، وسكَت عن جانِبِ نَفْسِه، أو «على أنَّ لك النِّصفَ ولي السُّدسَ»، وسكَت عن البَقيَّةِ صَحَّ على الصَّحيحِ، وكان بينَهما نِصفَيْن (١).

стр. 5008

وقال الحَنابِلةُ: تَنعقِدُ المُضاربةُ بما يُؤدِّي مَعناها مِنْ كلِّ قَولٍ دَلَّ عليها؛ لأنَّ المَقصودَ المَعنى، فجازَ بكلِّ ما يَدلُّ عليها، ولا يُعتبَرُ فيها القَبولُ، ك: «قَبِلتُ» ونَحوِه، بل تَكفي مُباشرةُ العامِلِ لِلعَملِ، ويَكونُ قَبولًا لها كالوَكالةِ (١). ثانيًا: العاقِدانِ: يُشترطُ في كلٍّ مِنَ العاقِدَيْن -وهُما العامِلُ المُضارِبُ ورَبُّ المالِ- شُروطٌ ذكَرها الفُقهاءُ لا بُدَّ منها: ١ - أهليَّةُ التَّوكُّلِ والتَّوكيلِ: اشتَرطَ عامَّةُ الفُقهاءِ في العاقدَيْن -وهُما رَبُّ المالِ والمُضارِبُ- أهليَّةَ التَّوكيلِ والوَكالةِ، أي: التَّأهُّلُ لأنْ يُوكِّلَ غَيرَه ويَتوكَّلَ لِغَيرِه؛ لأنَّ العاقِدَيْن كلُّ واحِدٍ منهما وَكيلٌ عن صاحبِه، ومُوكِّلٌ لِصاحبِه، فمَن جازَ له أنْ يُوكِّلَ ويَتوكَّلَ جازَ له عَقدُ المُضاربةِ، ومَن لا فلا؛ لأنَّ المُضارِبَ يَتصرَّفُ بأمرِ رَبِّ المالِ، وهذا مَعنى التَّوكيلِ، ولأنَّه عَقدٌ على التَّصرُّفِ في المالِ لَم يَصحَّ مِنْ غَيرِ جائِزِ التَّصرُّفِ في المالِ كالبَيعِ (٢).

стр. 5009

وقال الشافِعيَّةُ: يَجوزُ لِوَليِّ المَحجورِ عليه مِنْ صَبيٍّ ومَجنونٍ وسَفيهٍ أنْ يُقارِضَ مَنْ يَجوزُ إيداعُ مالِ اليَتيمِ عندَه، ولا شُبهةَ في مالِه إنْ سلِمَ مالُ المَولى عنها، فلا يَجوزُ لِلوَليِّ أنْ يُشارِكَ فاسِقًا؛ لأنَّه يُشترطُ أنْ يَكونَ الشَّريكُ بحيث يَجوزُ إيداعُ مالِ المَحجورِ عندَه. وسَواءٌ أكانَ الوَليُّ أبًا أم جَدًّا أم وَصيًّا أم حاكِمًا أم أمينَه. أمَّا المَحجورُ عليه بالفَلَسِ، فلا يَصحُّ أنْ يُقارِضَ، ويَصحُّ أنْ يَكونَ عامِلًا. ويَصحُّ القِراضُ مِنَ المَريضِ، وإنْ شُرِط لِلعامِلِ أكثَرُ مما جرَت به العادةُ، ولا يُحسَبُ ما زادَ على أُجرةِ المِثلِ مِنَ الثُّلثِ؛ لأنَّ المَحسوبَ منه ما يَفوتُه مِنْ مالِه، والرِّبحَ ليس بحاصِلٍ حتى يَفوتَه؛ وإنَّما هو شَيءٌ يُتوقَّعُ حُصولُه، وإذا حصَل حصَل بتَصرُّفِ العامِلِ، بخِلافِ مُساقاتِه إذا جعَل لِلعاملِ مِنَ الثَّمرةِ أكثَرَ مِنْ أُجرةِ مِثلِه؛ فإنَّ الزِّيادةَ تُحسَبُ مِنَ الثُّلثِ؛ لأنَّ الثِّمارَ فيها مِنْ عَينِ المالِ، بخِلافِه (١). ٢ - إسلامُ العامِلِ ورَبِّ المالِ: قال الحَنفيَّةُ: لا يُشترطُ إسلامُهما، فتَصحُّ المُضاربةُ بينَ أهلِ الذِّمَّةِ وبينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ والحَربيِّ المُستأمَنِ حتى لو دخَل حَربيٌّ دارَ الإسلامِ

стр. 5010

بأمانٍ، فدفَع مالَه إلى مُسلِمٍ مُضاربةً، أو دفَع إليه مُسلِمٌ مالَه مُضاربةً فهو جائِزٌ؛ لأنَّ المُستأمَنَ في دارِنا بمَنزِلةِ الذِّمِّيِّ، والمُضاربةَ مع الذِّمِّيِّ مُضاربةٌ جائِزةٌ، فكذلك مع الحَربيِّ المُستأمَنِ؛ فإنْ كان المُضارِبُ هو المُسلِمَ فدخَل دارَ الحَربِ بأمانٍ فعمِل بالمالِ فهو جائِزٌ؛ لأنَّه دخَل دارَ رَبِّ المالِ فلَم يُوجَدْ بينَهما اختِلافُ الدارَيْن فصارَ كأنَّهما في دارٍ واحِدةٍ. وإنْ كان المُضارِبُ هو الحَربيَّ فرجَع إلى دارِه الحَربيُّ؛ فإنْ كان بغَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ بطَلت المُضاربةُ، وإنْ كان بإذنِه فذلك جائِزٌ، ويَكونُ على المُضاربةِ، ويَكونُ الرِّبحُ بينَهما على ما شرَطا إنْ رجَع إلى دارِ الإسلامِ، مُسلِمًا أو مُعاهَدًا، أو بأمانٍ استِحسانًا، والقياسُ أنْ تَبطُلَ المُضاربةُ. وَجهُ القياسِ: أنَّه لَمَّا عادَ إلى دارِ الحَربِ بطَل أمانُه وعادَ إلى حُكمِ الحَربِ كما كان، فبطَل أمرُ رَبِّ المالِ عندَ اختِلافِ الدارَيْن، فإذا تَصرَّفَ فيه فقد تَعدَّى بالتَّصرُّفِ، فملَك ما تَصرَّفَ فيه. وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّه لَمَّا خرَج بأمرِ رَبِّ المالِ صارَ كأنَّ رَبَّ المالِ دخَل معه، ولو دخَل رَبُّ المالِ معه إلى دارِ الحَربِ لَم تَبطُلِ المُضاربةُ، فكذا إذا دخَل بأمرِه بخِلافِ ما إذا دخَل بغَيرِ أمرِه؛ لأنَّه لَمَّا لَم يأذَنْ له بالدُّخولِ انقطَع حُكمُ رَبِّ المالِ عنه، فصارَ تَصرُّفُه لِنَفْسِه فمَلَك الأمرَ به. وقد قالوا في المُسلِمِ إذا دخَل دارَ الحَربِ بأمانٍ فدفَع إليه حَربيٌّ مالًا مُضاربةً مِئةَ دِرهَمٍ: على قياسِ قَولِ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ جائِزٌ؛ فإنِ اشتَرى المُضارِبُ على هذا ورَبِح أو وضَع فالوَضيعةُ على رَبِّ المالِ، والرِّبحُ على

стр. 5011

ما اشتَرط، ويَستوفي المُضارِبُ مِئةَ دِرهمٍ، والبَقيَّةُ لِرَبِّ المالِ، وإنْ لَم يَكُنْ في المالِ رِبحٌ إلا مِئةً، فهي كلُّها لِلمُضارِبِ، وإنْ كان أقَلَّ مِنْ مِئةٍ، فذلك لِلمُضارِبِ أيضًا، ولا شَيءَ لِلمُضارِبِ على رَبِّ المالِ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ لَم يَشترطِ المِئةَ إلا مِنَ الرِّبحِ. فأمَّا على قَولِ أبي يُوسُفَ فالمُضارَبةُ فاسِدةٌ، ولِلمُضارِبِ أجْرُ مِثلِه، وهذا فَرعُ اختِلافِهم في جَوازِ الرِّبا في دارِ الحَربِ لِما عُلِم (١). وقال المالِكيَّةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ: تُكرهُ شَركةُ كِتابِيٍّ ولو غَيرَ ذِمِّيٍّ، وكذا المَجوسيُّ، قال الحَنابِلةُ: لأنَّه لا يُؤمَنُ مُعامَلتُهم بالرِّبا، والعُقودِ الفاسِدةِ، إلا أنْ يَليَ المُسلِمُ التَّصرُّفَ، أو يَتصرَّفَ الذِّمِّيُّ بحَضرَتِه، ولا يَغيبُ عنه في شِراءٍ ولا بَيعٍ ولا تَقاضٍ، فلا تُكرهُ لِلأمنِ مِنَ الرِّبا؛ لأنَّ الذِّمِّيَّ إذا تَولَّى الشِّراءَ باعَ بحُكمِ دِينِه، وأدخَلَ في مالِ المُسلِمِ ما لا يَحِلُّ له، والمُسلِمُ مَمنوعٌ مِنْ أنْ يَجعلَ مالَه مُتَّجرًا في الرِّبا والخَمرِ والخِنزيرِ (٢). وجاءَ في «المُدوَّنةِ» في مُقارضةِ مَنْ لا يَعرِفُ الحَلالَ والحَرامَ: قال: وقال مالِكٌ: لا أُحِبُّ لِلرَّجلِ أنْ يُقارِضَ رَجلًا إلا رَجلًا يَعرِفُ الحَلالَ والحَرامَ، وإنْ كان رَجلًا مُسلِمًا، فلا أُحِبُّ له أنْ يُقارضَ مَنْ يَستحِلُّ شَيئًا مِنَ الحَرامِ في البَيعِ والشِّراءِ، رُويَ أنَّ سَعيدَ بنَ المُسيِّبِ قال:

стр. 5012

«لا يَصلُحُ أنْ يُقارِضَ الرَّجلُ اليَهوديَ والنَّصرانيَّ»، قال اللَّيثُ، وقال رَبيعةُ: «لا يَنبَغي له أنْ يُقارِضَ رَجلًا يَستِحلُّ في دِينِه أكلَ الحَرامِ» (١). وقال الشافِعيَّةُ: تُكرَهُ مُشارَكةُ الذِّمِّيِّ مُطلَقًا، ومَن لا يَحترِزُ مِنَ الرِّبا ونَحوِه، سَواءٌ كان هو المُتصرِّفَ بالبَيعِ والشِّراءِ، أو المُسلِمُ؛ لِما رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: «أكرَهُ أنْ يُشارِكَ المُسلِمُ اليَهوديَّ والنَّصرانيَّ»، ولا مُخالِفَ له. ولأنَّهم لا يَمتَنِعون مِنَ الرِّبا، ومِن بَيعِ الخُمورِ، ولا يُؤمَنُ أنْ يَكونَ مالُه الذي عَقدَ عليه الشَّركةَ مِنْ ذلك، فكُرِه؛ فإنْ عَقدَ الشَّركةَ معه صحَّ؛ لأنَّ الظاهِرَ مما هو بأيديهم أنَّه مِلكُهم، وقد «اقتَرضَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ يَهوديٍّ شَعيرًا، ورَهنَه دِرعَه» (٢). ثالثًا: المالُ: يُشترطُ في مالِ القِراضِ ما يَلي: ١ - أنْ يَكونَ مِنَ النَّقدَيْن، فلا تَصحُّ بالعُروضِ: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ القِراضَ بالدَّنانيرِ والدَّراهمِ جائِزٌ (٣) لأنَّهما ثَمنُ المَبيعاتِ، وقيمُ المُتلفاتِ، والناسُ يَشترِكونَ بهما مِنْ زَمنِ النَّبيِّ ﷺ إلى زَمنِنا مِنْ غَيرِ نَكيرٍ.

стр. 5013

واتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ -وكذا الظاهِريَّةُ- على أنَّ المُضاربةَ لا تَصحُّ بالعُروضِ، ولو كان العَرضُ مِثليًّا مِثلَ بُرٍّ وحَريرٍ؛ لأنَّ قيمَتَه ربَّما زادت قبلَ بَيعِه، فيُشارِكُه الآخَرُ في نَماءِ العَينِ التي هي مِلكُه، ولأنَّ القِراضَ في الأصلِ غَررٌ؛ لأنَّه إجارةٌ مَجهولةٌ، إذْ لا يَدري العامِلُ كم يَربَحُ في المالِ، ولا إنْ كان يَربَحُ أو لا، إلا أنَّ الشَّرعَ جَوَّزه لِلاضطِرارِ إليه، وحاجةِ الناسِ إلى التَّعاملِ عليه، فيَجِبُ ألَّا يَجوزَ منه إلا مِقدارُ ما جَوَّزه الشَّرعُ، وأنْ يَكونَ ما عَداه مَمنوعًا بالأصلِ. وأيضًا فإنَّ القِراضَ بالعُروضِ لا يَخلو مِنْ أربَعةِ أوْجُهٍ: إمَّا أنْ يَجعَلا رأسَ مالِ القِراضِ العَرضَ بعَينِه، أو ثَمنَه الذي يَبيعُه به، أو قيمَتَه يَومَ العَقدِ، أو قيمَتَه يَومَ التَّفاضُلِ؛ لأنَّ مَعرِفةَ رأسِ المالِ ومِقدارِه لا بُدَّ منها في القِراضِ؛ لِيَعرِفَ العامِلُ علامَ يَعمَلُ؛ فإنْ كان العَرضُ نَفْسُه هو رأسَ المالِ فذلك غَررٌ؛ لأنَّه قد يأخُذُ السِّلعةَ وقيمَتُها ألفُ دِينارٍ ويَردُّها وقيمَتُها مِئةُ دينارٍ، فيَذهَبُ العامِلُ ببَعضِ رأسِ المالِ، أو يأخُذُها وقيمَتُها مِئةُ دِينارٍ فيَرُدُّها وهي تُساوي ألفَ دِينارٍ فيَذهَبُ رَبُّ المالِ بأُجرةِ العامِلِ. وإنْ كان الثَّمنُ الذي يَبيعُه به هو رأسَ المالِ فقد اشتَرطَ رَبُّ المالِ مَنفعةً لِنَفْسِه على العامِلِ فيما تَحمَّل عنه مِنْ مُؤنةِ بَيعِها وما يَكفيه مِنْ ذلك. إنْ كانت قيمَتُها يَومَ يَدفَعُها إليه هي رأسَ المالِ كان رَبُّ المالِ قد باعَ منه العَرضَ بما قَوَّماه به على أنَّه إنْ باعَه بأقَلَّ مِنْ ذلك جبَره مِنْ رِبحِه، وإنْ كان باعَه بأكثَرَ مِنْ ذلك كان له نِصفُ الفَضلِ، فذلك مِنَ الغَررِ البَيِّنِ

стр. 5014

والمُزابَنةِ، كمَن دفَع إلى رَجلٍ ثَوبًا لِيَبيعَه بعَشَرةِ دَنانيرَ على أنَّ عليه ما نقَص وله بعضَ ما زاد. وإنْ كان رأسُ المالِ قيمتَها يَومَ التَّفاضُلِ فذلك أيضًا غَررٌ بَيِّنٌ؛ لأنَّ قيمَتَه يَومَ التَّفاضُلِ مَجهولةٌ، فيَكونُ العامِلُ يَعملُ على رأسِ مالٍ مَجهولٍ، قد يَكثُرُ فيَغترِقُ رِبحَه أو يَقلُّ فيَذهَبُ ببَعضِ رأسِ مالِ رَبِّ المالِ، فصارت جَميعُ وُجوهِ هذه المَسألةِ إلى غَررٍ وفَسادٍ (١). ولأنَّ مَوضوعَ القِراضِ أنْ يَنفرِدَ رَبُّ المالِ برأسِ مالِه، ويَكونَ حَقُّ العامِلِ في الرِّبحِ مُشترَكًا هو ورَبُّ المالِ فيه على شَرطِهما، وتَجويزُ القِراضِ بالعُروضِ يُؤدِّي إلى مُشاركةِ العامِلِ لِرَبِّ المالِ في رأسِ مالِه، وأنْ يَنفردَ المالِكُ بالرِّبحِ ويَذهبَ عَملُ العامِلِ باطِلًا؛ لأنَّ رأسَ المالِ إذا كان عَرضًا لَم يَخلُ أنْ يَكونَ مما له مِثلٌ، أو لا مِثلَ له؛ فإنْ كان مما له مِثلٌ، كالطَّعامِ وغَيرِه، فإنَّ العامِلَ يَحتاجُ عندَ المُفاضلةِ إلى رَدِّ مِثلِه، وقد يَعقِدانِ القِراضَ على كُرِّ حِنطةٍ يُساوي وَقتَ العَقدِ عَشرةَ دَنانيرَ، فيَعملُ العامِلُ ويَربحُ عَشَرةً أُخرى، فإذا أرادَ المُفاضَلةَ جازَ أنْ يَغلوَ ثَمنُه، فيُساويَ الآنَ عِشرينَ، فيَنفردَ رَبُّ المالِ برأسِ المالِ وبالرِّبحِ، وجازَ أنْ يَرخُصَ فيُساويَ خَمسةَ دَنانيرَ، فيُشاركَ العامِلُ رَبَّ المالِ في قَطعِه مِنْ رأسِ مالِه، وإنْ كان مما لا مِثلَ له فالاعتِبارُ بقيمَتِه، فلا يَخلو أنْ تَكونَ مُعتبرةً وَقتَ العَقدِ أو وَقتَ المُفاضَلةِ، ولا يَجوزُ اعتبارُها وَقتَ العَقدِ؛

стр. 5015

لأنَّه يُؤدِّي إلى ما ذكَرناه، وكذلك اعتِبارُها وَقتَ المُفاضَلةِ، وإذا أدَّى إلى هذا وجَب مَنعُه (١). ٢ - أنْ يَكونَ رَأسُ المالِ عَينًا لا دَينًا: اشتَرطَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ أنْ يَكونَ رأسُ المالِ شَيئًا مُعيَّنًا حاضِرًا لا دَينًا في الذِّمَّةِ؛ فإنْ كان دَينًا لَم تَصحَّ. والمُضاربةُ بالدَّينِ لا تَخلو مِنْ أنْ تَكونَ بالدَّينِ على العامِلِ أو بالدَّينِ على غَيرِ العامِلِ. أ- المُضارَبةُ بالدَّينِ على العامِلِ: ذهَب عامَّةُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ، وحَكاه ابنُ المُنذِرِ إجماعًا إلى أنَّ المُضاربةَ بدَينٍ لِرَبِّ المالِ على العامِلِ لا تَصحُّ، فإنْ كان لِرَبِّ المالِ دَينٌ على رَجُلٍ فقال له: اعمَلْ بدَيْني الذي عِندَك مُضارَبةً بالنِّصفِ أو الثُّلثِ فسَدت المُضارَبةُ. قال ابنُ المُنذِرِ ﵀ (٢): أجمَع كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّه

стр. 5016

لا يَجوزُ أنْ يَجعلَ الرَّجلُ دَينًا له على رَجلٍ مُضارَبةً، وممَّن حَفِظنا ذلك عنه عَطاءٌ والحَكمُ وحَمَّادٌ ومالِكٌ والثَّوريُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، وبه قال الشافِعيُّ؛ لأنَّ المالَ الذي في يَدِ مَنْ عليه الدَّينُ له؛ وإنَّما يَصيرُ لِغَريمِه بقَبضِه، ولَم يُوجَدِ القَبضُ ههنا. وقال بَعضُ الحَنابِلةِ: تَصحُّ المُضاربةُ؛ لأنَّه إذا اشتَرى شَيئًا لِلمُضارَبةِ فقد اشتَراه بإذنِ رَبِّ المالِ، ودفَع الدَّينَ إلى مَنْ أذِنَ له في دَفعِه إليه، فتُبرأُ ذِمَّتُه منه، ويَصيرُ كما لو دفَع إليه عَرضًا وقال: «بِعْه وضارِبْ بثَمَنِه». ثم اختلَف الفُقهاءُ فيما لو عمِل العامِلُ بالدَّينِ الذي عليه؛ فإنِ اشتَرى هذا المُضارِبُ وباعَ فلَه رِبحُه وعليه وَضيعَتُه، والدَّينُ في ذِمَّتِه بحالٍ عندَ أبي حَنيفةَ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ. وقال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: ما اشتَرى وباعَ يَكونُ لِرَبِّ المالِ له رِبحُه وعليه وَضيعتُه. بِناءً على أنَّ مَنْ وَكَّل رَجلًا يَشتَري له بالدَّينِ الذي في ذِمَّتِه لَم يَصحَّ عندَ أبي حَنيفةَ، حتى لو اشتَرى لا يُبرأُ عما في ذِمَّتِه عندَه، وإذا لَم يَصحَّ الأمْرُ بالشِّراءِ بما في الذِّمَّةِ لَم تَصحَّ إضافةُ المُضاربةِ إلى ما في الذِّمَّةِ. وعندَهما يَصحُّ التَّوكيلُ، ولكنْ لا تَصحُّ المُضاربةُ؛ لأنَّ الشِّراءَ يَقعُ لِلمُوكِّلِ فتَصيرُ المُضاربةُ بعدَ ذلك مُضاربةً بالعُروضِ؛ لأنَّه يَصيرُ في التَّقديرِ كأنَّه وَكَّله بشِراءِ العُروضِ، ثم دفَعه إليه مُضاربةً، فتَصيرُ مُضاربةً بالعُروضِ، فلا تَصحُّ.

стр. 5017

قال المالِكيَّةُ: ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ مالُ القِراضِ دَينًا ولا رَهنًا ولا وَديعةً عندَ العامِلِ أو غَيرِه، كأمينٍ، فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ واحِدٌ مِنْ هذه الثلاثةِ قِراضًا. ولو وقَع القِراضُ بدَينٍ على العاملِ، بأنْ قالَ رَبُّه: «اجعَلْ ما عليك مِنَ الدَّينِ قِراضًا على أن الرِّبحَ بينَنا كذا»، استمَرَّ الدَّينُ دَينًا على العاملِ يَضمنُه لِرَّبِه ويَختَصُّ العامِلُ بالرِّبحِ، وعليه الخُسرانُ، ولا عِبرةَ بما وقَع منهما إلا أنْ يَقبِضَ الدَّينَ، بأنْ يَقبِضَه رَبُّه مِنَ المَدينِ، ثم يَرُدَّه على أنَّه قِراضٌ، ولو بالقُربِ، أو يَحضُرَ لِرَبِّه ويَشهدَ عليه بعَدلَيْن أو عَدلٍ وامرأتَيْن: على أنَّ هذا المالَ الذي أحضَر هو ما علَيَّ مِنْ دَينٍ لِفُلانٍ، ثم يَدفَعُه له رَبُّه قِراضًا؛ يَجوزُ. وقال الشافِعيَّةُ: إذا تَصرَّف العامِلُ في هذه الحالةِ نُظِر: فإنِ اشتَرى بعَينِه لِلمُضارَبةِ فهو كالفُضوليِّ يَشتَري لِغَيرِه بعَينِ مالِه، وإنِ اشتَرى في الذِّمَّةِ فوَجهانِ: أصَحُّهما عندَ البَغويِّ: أنَّه لِلمالِكِ؛ لأنَّه اشتَرى له بإذنِه، وأصَحُّهما عندَ أبي حامِدٍ: لِلعاملِ؛ لأنَّ المالِكَ لَم يَملِكِ الثَّمنَ (١).

стр. 5018

ب- المُضاربةُ بدَينٍ على غَيرِ العاملِ: اختلَف الفُقهاءُ في المُضاربةِ بدَينٍ على غَيرِ العاملِ هل تَصحُّ أو لا؟ كما لو قال له: «قارَضتُك على دَيْني الذي على فُلانٍ فاقبِضْه واتَّجِرْ فيه» أو نَحوَ ذلك. فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ ذلك عَقدٌ على ما لا يَملِكُه؛ لأنَّه لا يَملِكُ ما في يَدِ مَدينٍ إلا بقَبضِه، ولَم يُوجَدْ. وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّه لو قال لِرَجلٍ: «اقبِضْ مالي على فُلانٍ مِنَ الدَّينِ واعمَلْ به مُضاربةً»، جازَ؛ لأنَّ المُضاربةَ هنا أُضيفت إلى المَقبوضِ، فكان رأسُ المالِ عَينًا لا دَينًا. فإنْ قبَضه وعَمِل به جازَ في قَولِهم جَميعًا، ويَكونُ وَكيلًا في قَبضِه مُؤتَمنًا عليه؛ لأنَّه قبَضه بإذنِ مالِكِه مِنْ غَيرِه، فجازَ أنْ يَجعلَه مُضاربةً كما لو قال: «اقبِضِ المالَ مِنْ غُلامي وضارِبْ به» (١). ج- المُضاربةُ بالوَديعةِ التي عندَ العاملِ: اختلَف الفُقهاءُ في الرَّجلِ يَكونُ له عندَ الرَّجلِ وَديعةٌ فيأمُرُه أنْ يَعملَ بها مُضاربةً. فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ هذا جائِزٌ، لأنَّ المُضاربةَ تَصحُّ بالوَديعةِ، ولو كانت في يَدِ غَيرِه كما يَقولُ الحَنابِلةُ، فلو

стр. 5019

أضافَ المُضاربةَ إلى عَينٍ هي أمانةٌ في يَدِ المُضاربِ مِنَ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ بأنْ قال لِلمُودَعِ: «اعمَلْ بما في يَدِك مُضاربةً بالنِّصفِ»، جازَ ذلك (١). وقال المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ أنْ يَكونَ مالُ القِراضِ وَديعةً -أو رَهنًا- عندَ العاملِ أو غَيرِه كأمينٍ، وذلك لِاحتِمالِ كَونِ المُودَعِ أنفَقها، فتَكونُ دَينًا، فلو قال رَبُّها له: اتَّجِرْ بما عندَك مِنْ وَديعةٍ على أنَّ الرِّبحَ بينَنا كذا قِراضًا، فالرِّبحُ لِرَبِّها وعليه الخُسرانُ، ولِلعاملِ أجرُ مِثلِه، ولا عِبرةَ بما وقَع منهما، إلا أنْ يَقبِضَ الوَديعةَ، بأنْ يَقبِضَها رَبُّها مِنَ المُودَع ثم يَرُدَّها على أنَّها قِراضٌ، ولو بالقُربِ، أو يُحضِرها لِرَبِّها ويُشهِدَ عليها بعَدلَيْن أو عَدلٍ وامرأتَيْن أنَّ هذا المالَ الذي أحضَره هو وَديعةُ فُلانٍ عِندي ثم يَدفعَها المُودَعُ مُضاربةً فيَجوزُ (٢). د- المُضاربةُ بالمالِ المَغصوبِ: ذهَب أبو يُوسُفَ والحَسَنُ بنُ زيادٍ مِنَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ المُضاربةِ بالمَغصوبِ الذي في يَدِ الغاصِبِ، فلو قال: «ضارِبْ بعَينِ مالي الذي غَصبتَه مِني»، صحَّ ذلك؛ لأنَّه في مَعنى الدَّفعِ،

стр. 5020

وزالَ ضَمانُ الغَصبِ بمُجرَّدِ عَقدِ المُضاربةِ، وصارَ المالُ أمانةً بيَدِه؛ لِإذنِ رَبِّه في بَقائِه في يَدِه، ولأنَّ ما في يَدِه مَضمونٌ إلى أنْ يأخُذَ في العَملِ؛ فإذا أخَذَ في العَملِ -وهو الشِّراءُ- تَصيرُ أمانةً في يَدِه ويَتحقَّقُ مَعنى المُضاربةِ وتَصحُّ. وذهَب زُفَرُ مِنَ الحَنفيَّةِ وهو مُقابِلُ الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ إلى أنَّه لا يَصحُّ؛ لأنَّ المُضاربةَ تَقتَضي كَونَ المالِ أمانةً في يَدِ المُضارِبِ، والمَغصوبِ مَغصوبًا في يَدِه مَضمونًا عليه، وهما مُتنافيانِ، فلا يَتحقَّقُ التَّصرُّفُ لِلمُضاربةِ فلا يَصحُّ (١). ٣ - أنْ يَكونَ رَأسُ المالِ مَعلومًا: اشتَرَط الفُقهاءُ في رأسِ المالِ أنْ يَكونَ مَعلومًا عندَ العَقدِ لِلمُتعاقدَيْن، فلا تَصحُّ المُضاربةُ على مَجهولِ القَدرِ دَفعًا لِجهالةِ الرِّبحِ، ولا على مَجهولِ الصِّفةِ، ومِثلُها الجِنسُ؛ لأنَّ جَهالةَ رأسِ المالِ تُؤدِّي إلى جَهالةِ الرِّبحِ، وكَونُ الرِّبحِ مَعلومًا شَرطُ صِحَّةِ المُضاربةِ، فلو قارَضه على صُبرةٍ أو كَفٍّ مِنَ الدَّراهمِ أو نَقدٍ في كِيسٍ مَجهولِ القَدْرِ، أو دفَع إليه ثَوبًا وقال: «بِعْه، وقد قارَضتُك على ثَمنِه»، لَم يَصحَّ؛ لِلغَررِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ

стр. 5021

نَهى عنِ الغَرَرِ، وفي القِراضِ على مالٍ لا يَعرفانِ قَدْرَه غَررٌ؛ لأنَّه لا يَدري إلى ماذا يَرجِعُ رَبُّ المالِ عندَ المُفاصَلةِ، ولِلجَهلِ بالرِّبحِ (١). ٤ - أنْ يَكونَ المالُ مُسلَّمًا إلى المُضارِبِ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّه يُشتَرطُ في مالِ المُضاربةِ أنْ يَكونَ مُسلَّمًا لِلمُضارَبِ -العامِلِ- لِيَتمكَّنَ مِنَ التَّصرُّفِ، فلا يَصحُّ اشتِراطُ كَونِ رأسِ المالِ في يَدِ المالِكِ؛ لأنَّ مَقصودَ القِراضِ التَّوسُّعُ، وعَدمُ التَّسليمِ يُنافيه؛ لأنَّه قد لا يَجِدُه وَقتَ الحاجةِ، ولأنَّ يَدَ المُضارِبِ على المالِ يَدُ أمانةٍ، فلا تَصحُّ المُضاربةُ إلا بالتَّسليمِ إليه، وهو التَّخليةُ كالوَديعةِ. لكنْ قال الشافِعيَّةُ: ليس المُرادُ تَسليمَه حالَ العَقدِ أو في المَجلِسِ، بل ألَّا يُشترَطَ عَدمُ تَسليمِه (٢). وذهَب الحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ لِصِحَّةِ المُضاربةِ قَبضُ العامِلِ

стр. 5022

رأسَ المالِ، فتَصحُّ المُضاربةُ وإنْ كان المالُ في يَدِ رَبِّه؛ لأنَّ مَوردَ العَقدِ العَملُ (١). ٥ - أنْ يَكونَ العامِلُ مُستقِلًّا بالتَّصرُّفِ: اشتَرطَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ أنْ يَكونَ العامِلُ مُستقِلًّا بالتَّصرُّفِ. قال الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ تَسليمُ رأسِ المالِ إلى المُضارِبِ؛ لأنَّه أمانةٌ فلا يَصحُّ إلا بالتَّسليمِ، وهو التَّخليةُ كالوَديعةِ، ولا يَصحُّ مع بَقاءِ يَدِ الدافِعِ على المالِ؛ لِعَدمِ التَّسليمِ مع بَقاءِ يَدِه حتى لو شُرِط بَقاءُ يَدِ المالِكِ على المالِ فَسدتِ المُضاربةُ. فَرقٌ بينَ هذا وبينَ الشَّركةِ؛ فإنَّها تَصحُّ مع بَقاءِ يَدِ رَبِّ المالِ على مالِه، والفَرقُ أنَّ المُضاربةَ انعَقدَت على رأسِ مالٍ مِنْ أحَدِ الجانبَيْن، وعلى العَملِ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، ولا يَتحقَّقُ العَملُ إلا بَعدَ خُروجِه مِنْ يَدِ رَبِّ المالِ، فكان هذا شَرطًا مُوافِقًا مُقتَضى العَقدِ بخِلافِ الشَّركةِ؛ لأنَّها انعَقدَت على العَملِ مِنَ الجانبَيْن، فشَرطُ زَوالِ يَدِ رَبِّ المالِ عن العَملِ يُناقِضُ مُقتَضى العَقدِ. وكذا لو شرَط في المُضاربةِ عَملَ رَبِّ المالِ فَسدتِ المُضاربةُ، سَواءُ عَمِل رَبُّ المالِ معه أو لَم يَعملْ؛ لأنَّ شَرطَ عَملِه معه شَرطُ بَقاءِ يَدِه على المالِ وهو شَرطٌ فاسِدٌ.

стр. 5023

ولو سلَّمَ رأسَ المالِ إلى رَبِّ المالِ، ولَم يَشترِطْ عَملَه ثم استَعانَ به على العَملِ أو دفَع إليه المالَ بِضاعةً جازَ؛ لأنَّ الاستِعانةَ لا تُوجِبُ خُروجَ المالِ عن يَدِه، وسَواءٌ كان المالِكُ عاقِدًا أو غَيرَ عاقِدٍ لا بُدَّ مِنْ زَوالِ يَدِ رَبِّ المالِ عن مالِه لِتَصحَّ المُضاربةُ حتى إنَّ الأبَ أو الوَصيَّ إذا دفَع مالَ الصَّغيرِ مُضاربةً وشَرطَ عَملَ الصَّغيرِ لَم تَصحَّ المُضاربةُ؛ لأنَّ يَدَ الصَّغيرِ باقيةٌ لِبَقاءِ مِلكِه، فتَمنَعُ التَّسليمَ. أمَّا لو شرَطا -الأبُ والوَصيُّ- العَملَ مع المُضاربِ صَحَّ؛ لأنَّهما ليسا بمالِكَيْن لِلمالِ، فصارا كالأجنبِيَّين؛ لأنَّ لِكلِّ واحِدٍ منهما أنْ يأخُذَ مال الصَّغيرِ مُضاربةً (١). وقال المالِكيَّةُ: إذا اشتَرط رَبُّ المالِ على العامِلِ أنْ تَكونَ يَدُه معه في المالِ بالبَيعِ والشِّراءِ والأخْذِ والعَطاءِ فيما يَتعلَّقُ بالقِراضِ، أو اشتَرَط عليه أنْ يُراجِعَه فيما يَفعَلُ بحيث لا يَعملُ عَملًا فيه إلا بإذنِه، أو جعَل معه أمينًا؛ فإنَّه يَكونُ فاسِدًا؛ لِما فيه مِنَ التَّحجيرِ عليه والتَّضييقِ، وهو مُخالِفٌ لِسُنَّةِ القِراضِ، ويُرَدُّ العامِلُ فيه إلى أُجرةِ مِثلِه؛ لأنَّه لَمَّا لَم يأتَمِنِ العاملَ على مالِ القِراضِ وجعَل معه أمينًا صارَ العامِلُ شَبيهًا بالأجيرِ، فلِهذا كانت له أُجرةُ مِثلِه (٢).

стр. 5024

وقال الشافِعيَّةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ العامِلُ مُستقِلًّا بالتَّصرُّفِ إذْنًا مُطلَقًا، فلا يَجوزُ شَرطُ كَونِ المالِ في يَدِ المالِكِ أو غَيرِه لِيُوفِّيَ منه ثمَن ما اشتَراه العامِلُ؛ لأنَّ مَقصودَ القِراضِ التَّوسُّعُ، وعَدمُ تَسليمِ المالِ لِلعاملِ يُنافيه؛ لأنَّه قد لا يَجِدُه وَقتَ الحاجةِ، وكذا لا يَجوزُ شَرطُ مُراجَعتِه في التَّصرُّفِ مُطلَقًا، ولا يَجوزُ على الصَّحيحِ شَرطُ مُشرِفٍ يَطَّلِعُ على عَملِه ولا يُراجِعُه، ولا يَجوزُ شَرطُ عَملِه -أي: المالِكِ أو غَيرِه- معه -أي: العامِلِ-؛ لأنَّ انقِسامَ التَّصرُّفِ يُفضي إلى انقِسامِ اليَدِ؛ ولأنَّه يُنافي استِقلالَ العامِلِ بالعَملِ؛ لأنَّ مَوضوعَ القِراضِ أنْ يَكونَ المالُ مِنْ رَبِّ المالِ، والعَملُ مِنَ العاملِ، وهذه الشُّروطُ كلُّها مُفسِدةٌ لِعَقدِ القِراضِ، لكنْ إنْ شرَط عليه أنْ يُعطيَه دابَّتَه يَحمِلُ عليها، أو شرَط عَملَ غُلامِ المالِكِ معه جازَ على المَذهبِ (١). وقال الحَنابِلةُ: إنْ شُرِط في المُضاربةِ -والمُساقاةِ- عَملُ المالِكِ مع العامِلِ، أو عَملُ غُلامِه مع العامِلِ صَحَّ العَقدُ والشَّرطُ كاشتِراطِ العاملِ بهيمةَ المالِكِ يَحمِلُ عليها ونَحوَه. ولا يَضُرُّ -أي: لا يُفسِدُ المُضاربةَ والمُساقاةَ- عَملُ المالِكِ مع العامِلِ بلا شَرطٍ (٢).

стр. 5025

وقال أبو يَحيى البَلخيُّ مِنَ الشافِعيَّةِ: لو شُرِط أنْ يَعملَ معه المالِكُ بنَفْسِه يَجوزُ على سَبيلِ المُعاونةِ والتَّبعيَّةِ (١). وهذا الخِلافُ المُتقدِّمُ فيما لو شرَط، أمَّا إذا عَمِل معه وأعانَه دونَ شَرطٍ صَحَّ بالإجماعِ. قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا دفَع لِرَجلٍ مالًا مُعاملةً -أي: مُضاربةً- وأعانه رَبُّ المالِ مِنْ غَيرِ شَرطٍ، جائِزٌ (٢). رابِعًا: الرِّبحُ: يُشترطُ في الرِّبحِ ما يَلي: ١ - أنْ يَكونَ الرِّبحُ مَعلومًا: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترطُ لِصِحَّةِ المُضاربةِ أنْ يَكونَ الرِّبحُ مَعلومًا بأنْ تَكونَ نِسبةُ كلِّ واحِدٍ مِنَ المالِكِ والمُضارِبِ مَعلومةً عندَ العَقدِ، كنِصفِه أو ثُلثِه أو رُبعِه؛ لأنَّ المَعقودَ عليه هو الرِّبحُ ولأنَّ جَهالةَ المَعقودِ عليه تُوجِبُ فَسادَ العَقدِ. وقال الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ: لو دفَع إليه مالًا مَعلومًا وقال له: اتَّجِرْ فيه والرِّبحُ بينَنا صَحَّ، وكان بينَهما نِصفَيْن؛ لِإضافتِه إليهما إضافةً واحدةً ولَم يَترجَّحْ به أحَدُهما. وزاد الحَنفيَّةُ أنَّه لو دفَع إليه ألفَ دِرهَمٍ عن أنَّهما يَشتركانِ في الرِّبحِ

стр. 5026

ولَم يُبيِّن مِقدارَ الرِّبحِ جازَ ذلك، ويَكونُ الرِّبحُ بينَهما نِصفَيْن؛ لأنَّ الشَّركةَ تَقتَضي المُساواةَ، قال اللهُ وعَزَّ شأنُه: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. ولو قال على أنَّ لِلمُضاربِ شِركًا في الرِّبحِ جازَ في قَولِ أبي يُوسُفَ وعَبدِ المَلكِ مِنَ المالِكيَّةِ، ويَكونُ الرِّبحُ بينَهما نِصفَيْن. وقال مُحمدٌ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ: المُضاربةُ فاسِدةٌ. وَجهُ قَولِ مُحمدٍ أنَّ الشَّركةَ هي النَّصيبُ، قال اللهُ : ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠]، أي: نَصيبٌ، وقالَ : ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢]، أي: نَصيبٌ، فقد جعَل له نَصيبًا مِنَ الرِّبحِ، والنَّصيبُ مَجهولٌ، فصارَ الرِّبحُ مَجهولًا. وَجهُ قَولِ أبي يُوسفَ أنَّ الشِّركَ بمَعنى الشَّركةِ، يُقالُ: «أشرَكتُه في هذا الأمرِ أُشرِكُه شَركةً وشِركًا» قال القائِلُ: وشَارَكْنَا قُريْشًا في بقَاهَا … وفي أحْسَابِهَا شرْكَ الْعِنانِ ويُذكَرُ بمَعنى النَّصيبِ أيضًا، لكنْ في الحَملِ على الشَّركةِ تَصحيحٌ لِلعَقدِ فيُحمَلُ عليها. وقال المالِكيَّةُ: لو قال له: «اعمَلْ ولكَ في الرِّبحِ شِركٌ»، والحالُ أنَّه لا عادةَ بينهما تُعيِّنُ قَدْرَ الجُزءِ في القِراضِ المَقولِ فيه ذلك فسَد القِراضُ، وكان فيه قِراضُ المِثلِ؛ فإنْ كان لَهم عادةٌ تُعينُ إطلاقَ الشِّركِ على النِّصفِ والثُّلثِ مَثلًا عَمِل عليها.

стр. 5027

وأمَّا لو قال: والرِّبحُ مُشترَكٌ بَينَنا، أو شَركةً، فهو ظاهِرٌ في أنَّ له النِّصفَ؛ لأنَّه يُفيدُ التَّساويَ عُرفًا، بخِلافِ: «لكَ شِركٌ»؛ فإنَّ المُتبادِرَ منه: «لك جُزءٌ» (١). ١ - تَغييرُ مِقدارِ رِبحِ العاملِ: اختلَف الفُقهاءُ فيما إذا دخَل العامِلُ على رِبحٍ مُسمًّى ثم بعدَ ذلك تَراضَيا على أكثَر منه أو أقَلَّ، هل يَجوزُ أو لا؟ فذهَب المالِكيَّةُ خِلافًا لابنِ حَبيبٍ وأبو حَنيفةَ -كما نقَلَه عنه العِمرانيُّ الشافِعيُّ- إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَتراضَيا بعدَ القِراضِ على جُزءٍ، قَلَّ أو كَثُرَ، وقد كانا دخَلا قَبلَ ذلك على جُزءٍ مَعلومٍ؛ لأنَّ الرِّبحَ لَمَّا كان غَيرَ مُحقَّقٍ اغتُفِر فيه ذلك، خِلافًا لابنِ حَبيبٍ في مَنعِه الزِّيادةَ بعدَ العَملِ، وأمَّا بعدَ العَقدِ وقبلَ العَملِ فلا يُتوَهَّمُ المَنعُ؛ لأنَّ العَقدَ ليس لَازمًا، فكأنهما ابتَدآ الآنَ العَقدَ. وذهَب الشافِعيَّةُ وابنُ حَبيبٍ مِنَ المالِكيَّةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ الزِّيادةُ بعدَ الشُّروعِ في العَملِ.

стр. 5028

قال العِمرانيُّ الشافِعيُّ ﵀: قال في العُدةِ: لو شرَط لِلعاملِ نِصفَ الرِّبحِ، ثم بعدَ أيامٍ رَدَّه إلى ثُلثِ الرِّبحِ أو رُبعِه لَم يَجُزْ ما لَم يَفسَخا العَقدَ الأوَّلَ، ويُجدِّدا عَقدًا آخَرَ، خِلافًا لِأبي حَنيفةَ رَحمةُ اللهِ عليه. دَليلنا: أنَّ عَقدَ المُضاربةِ الصَّحيحةِ لا يَقبلُ تَغييرَ المَشروطِ مِنَ الرِّبحِ، فلَم يَصحَّ، كما لو انفَرَد به أحَدُهما (١). ٢ - أنْ يَكونَ الرِّبحُ مَشاعًا: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه يُشترطُ أنْ يَكونَ الرِّبحُ مَعلومًا بالجُزئيَّةِ، ككَونِ الرِّبح بَينَهما نِصفَيْن أو أثلاثًا، ونَحوِ ذلك، فلو قال: على أنَّ لك نَصيبًا أو جُزءًا فهو فاسِدٌ لِلجَهلِ بالعِوَضَ. وكذا لو اشتَرط لِلعامِلِ قَدرًا مَعلومًا، كمِئةٍ مَثلًا، أو رِبحِ نَوعٍ، كرِبحِ هذه البِضاعةِ فسَد؛ لاحتِمالِ ألَّا يَربحَها أو ألَّا يَربحَ غَيرَها؛ لأنَّ الرِّبحَ قد يَنحصرُ في المِئةِ، أو في ذلك النَّوعِ، فيُؤدِّي إلى اختِصاصِ العامِلِ بالرِّبحِ، وقد لا يَربحُ ذلك النَّوعُ ويَربحُ غَيرُه، فيُؤدِّي إلى أنَّ عَملَه يَضيعُ، وهو خِلافُ مَقصودِ العَقدِ. قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَع كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على إبطالِ القِراضِ إذا شرَط أحَدُهما أو كِلاهما لِنَفْسِه دَراهمَ مَعلومةً.

стр. 5029

وممَّن حَفِظنا ذلك عنه مالِكٌ والأوزاعيُّ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ (١). وكذلك الحالُ لو شُرِطَ لِلعاملِ نَصيبٌ جُزئيٌّ مِنَ الرِّبحِ ومِقدارٌ مُعيَّنٌ منه، كأنْ يُشرطَ له راتِبٌ شَهريٌّ قَدرُه ألْفٌ -مَثلًا- وخَمسةٌ في المِئةِ مِنَ الرِّبحِ، لِلمَعنى المَذكورِ قبلَه، وهناك احتِمالٌ ألَّا يَكونَ الرِّبحُ أكثَرَ مما عُيِّنَ له. وعليه يَتبيَّنُ فسادُ كَثيرٍ مِنْ تَصرُّفاتِ الناسِ في هذا الزَّمنِ، حيث يَتعاقَدون مع مَنْ يَعملُ بأموالِهم، على أنْ يَتقاضى راتِبًا شَهريًّا مُعيَّنًا، ويَكونَ له نِسبةٌ مُعيَّنةٌ مِنَ الأرباحِ عندَ الجَردِ السَّنويِّ أو غَيرِه. وإنَّما لَم يَصحَّ ذلك لِمَعنَيَيْن: أحَدُهما أنَّه إذا شُرِط دَراهمُ مَعلومةٌ احتَملَ ألَّا يَربحَ غَيرَها، فيَحصُلَ على جَميعِ الرِّبحِ، واحتَملَ ألَّا يَربَحها فيأخُذَ مِنْ رأسِ المالِ جُزءًا وقد يَربَحُ كَثيرًا فيَستضِرُّ مَنْ شُرِطت له الدَّراهمُ. والثاني: أنَّ حِصَّةَ العامِلِ يَنبَغي أنْ تَكونَ مَعلومةً بالأجزاءِ لَمَّا تَعذَّر كَونُها مَعلومةً بالقَدْرِ؛ فإذا جُهلتِ الأجزاءُ فَسدتْ كما لو جُهِل القَدْرُ فيما يُشترطُ أنْ يَكونَ مَعلومًا به؛ لأنَّ العامِلَ متى شرَط لِنَفْسِه دَراهمَ ربَّما تَوانى في طلَبِ الرِّبحِ لِعَدمِ فائِدتِه فيه، وحُصولِ نَفعِه لِغَيرِه بخِلافِ ما إذا كان له جزءٌ مِنَ الرِّبحِ (٢).

стр. 5030

٣ - اشتِراطُ جَميعِ الرِّبحِ لِلمُضاربِ: اختلَف الفُقهاءُ فيما لو اشتُرِطَ جَميعُ الرِّبحِ لِلمُضاربِ. فقال الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في مُقابلِ الأصَحِّ: لو شُرِطَ جَميعُ الرِّبحِ لِلمُضارِبِ فهو قَرضٌ، وإذا لَم يُمكِنْ تَصحيحُها مُضاربةً تُصحَّحُ قَرضًا؛ لأنَّه أتى بمَعنى القَرضِ، والعِبرةُ في العُقودِ بِمعانيها، وعلى هذا إذا شُرِط جَميعُ الرِّبحِ لِرَبِّ المالِ فهو إبضاعٌ؛ لِوُجودِ مَعنى الإبضاعِ. قال الحَنابِلةُ: وإذا قال: «خُذْه فاتَّجِرْ به والرِّبحُ كلُّه لكَ»، فالمالُ المَدفوعُ قَرضٌ لا قِراضٌ؛ لأنَّ اللَّفظَ يَصلُحُ له، وقد قُرِن به حُكمُه، فانصرَف إليه كالتَّمليكِ، والرِّبحُ كلُّه لِلعاملِ، لا حَقَّ لِرَبِّ المالِ فيه، أي: الرِّبحِ، وإنَّما يَرجِعُ بمِثلِ ما دفَعه. وليسا -أي: الإبضاعُ والقَرضُ- بشَركةٍ ولا مُضاربةٍ؛ لِعَدمِ تَحقُّقِ معناها فيهما. فإنْ زاد رَبُّ المالِ مع قَولِه: «والرِّبحُ كلُّه لكَ ولا ضَمانَ عليكَ»،

стр. 5031

فهو قَرضٌ شُرِط فيه نَفيُ الضَّمانِ، فلا يَنتَفي؛ لأنَّه شَرطٌ فاسِدٌ لِمُنافاتِه مُقتَضى العَقدِ. وقال الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ: فلو قال: قارَضتُك على أنَّ الرِّبحَ كلَّه لي، أو كلَّه لك، فسَد العَقدُ، اعتِبارًا باللَّفظِ، ولأنَّه على خِلافِ مُقتَضى العَقدِ؛ فإنْ عمِل العامِلُ ورَبِح كان الرِّبحُ كلُّه لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّه نَماءُ مالِه، ولِلعامِلِ أُجرةُ المِثلِ؛ لأنَّه عَمِل على عِوضٍ، ولَم يُسلَّمْ له، فكان له أُجرةُ المِثلِ (١). وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ اشتِراطُ رِبحِ القِراضِ كلِّه لِرَبِّ المالِ، أو لِلعاملِ أو لِغَيرِهما؛ لأنَّه مِنْ بابِ التَّبرُّعِ، ويَكونُ إطلاقُ القِراضِ عليه حينَئذٍ مَجازًا، ويَلزَمُهما الوَفاءُ بذلك إنْ كان المُشترَطُ له مُعيَّنًا، وقيلَ: ويُقضى به إنِ امتَنعَ المُلتزِمُ منهما، فإنْ لَم يَقبَلِ المُعيَّنُ فإنْ كان هناك عُرفٌ بقَدْرِ ما لِلعاملِ مِنَ الرِّبحِ في مِثلِ ذلك القِراضِ عُمِل به، وإلا فهل يُقسَمُ الرِّبحُ بينَهما بالسَّويَّةِ، أو يَكونُ كقِراضٍ وقَع بجُزءٍ مُبهَمٍ، وأمَّا إنْ كان لغَيرِ مُعَيَّنٍ كالفُقراءِ؛ فإنَّه يَجِبُ مِنْ غَيرِ قَضاءٍ. ويَضمنُ العامِلُ المالَ إذا أخَذَه على أنَّ الرِّبحَ كلَّه له؛ لأنَّه حينَئِذٍ يُشبِهُ السَّلَفَ، اللَّهمَّ إلا أنْ يَنفيَ العامِلُ الضَّمانَ بأنْ يَقولَ عندَ أخْذِه المالَ: أنا

стр. 5032

لا ضَمانَ علَيَّ في المالِ إذا تَلِف، وكذلك لا ضَمانَ عليه إذا سُمِّيَ المالُ قِراضًا، أي: ولو شُرِط عليه الضَّمانُ، أي: ويَكونُ قِراضًا فاسِدًا. فالضَّمانُ عليه مَشروطٌ بشَرطَيْن: الأولُ: إنْ لَم يَنفِ الضَّمانَ عن نَفْسِه، أو لَم يَنفِه عنه رَبُّ المالِ؛ فإنْ نَفاه بأنْ قال: ولا ضَمانَ علَيَّ، أو قال له رَبُّه: ولا ضَمانَ عليكَ، لَم يَضمَنْ؛ لأنَّه زيادةُ مَعروفٍ. والآخَرُ: ألَّا يُسمِّيَ ذلك قِراضًا؛ فإنْ قال له رَبُّ المالِ: «اعمَلْ في هذا المالِ على القِراضِ»، فلا ضَمانَ عليه في المَشهورِ، خِلافًا لِسَحنونٍ، ولو اشتَرط عليه الضَّمانَ، ولكنَّه مع اشتِراطِ الضَّمانِ يَكونُ قِراضًا فاسِدًا يُفسَخُ قبلَ العَملِ (١). ٤ - اختِصاصُ الرِّبحِ بهما: اشتَرط الشافِعيَّةُ أنْ يَكونَ الرِّبحُ مُختَصًّا بالعاقِدَيْن، فلو قال: «قارَضتُك على أنْ يَكونَ ثُلثُ الرِّبحِ لكَ والثُّلثُ لي والثُّلثُ لِوَلَدي أو لِأجنَبيٍّ - مثلًا-»، فسَد الشَّرطُ والعَقدُ، إلا أنْ يَشتَرِطَ على مَنْ جعَل له شَيئًا مِنَ الرِّبحِ العَملَ مع العاملِ، فيَكونَ قِراضًا مع اثنَيْن، فلو كان المَشروطُ له عَبدًا لِأحَدِهما صَحَّ.

стр. 5033

ولو قال: «نِصفُ الرِّبحِ لكَ، ونِصفُه لي، ومِن نَصيبي نِصفُه لِزَوجَتي»، صَحَّ، وذلك منه لِزَوجَتِه وَعدُ هِبةٍ (١). وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ اشتِراطُ رِبحِ القِراضِ كلِّه لِرَبِّ المالِ، أو لِلعاملِ أو لِغَيرِهما؛ لأنَّه مِنْ بابِ التَّبرُّعِ، ويَكونُ إطلاقُ القِراضِ عليه حينَئِذٍ مَجازًا، ويَلزَمُهما الوَفاءُ بذلك إنْ كان المُشترَطُ له مُعيَّنًا، وقيلَ: ويُقضى به إنِ امتنَعَ المُلتزِمُ منهما، وأمَّا إنْ كان لِغَيرِ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ؛ فإنَّه يَجِبُ مِنْ غَيرِ قَضاءٍ. وجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: في المُقارِضَيْن يَشتَرِطان عندَ مُعامَلتِهما ثُلثَ الرِّبحِ لِلمَساكينِ: قُلتُ: أرأيتَ المُتقارِضَيْن يَشتَرِطان عندَ مُعامَلتِهما ثُلثَ الرِّبحِ لِلمَساكينِ، أيَجوزُ ذلك؟ قال: نَعَمْ، قُلتُ: فهل يَرجِعانِ فيما جعَلا مِنْ ذلك؟ قال: لا، وليس يُقضى بذلك عليهما، ولا أُحِبُّ لهما فيما بينَهما وبينَ اللهِ أنْ يَرجِعا فيما جعَلا (٢). وقال الحَنفيَّةُ: لو شُرِط بَعضُ الرِّبحِ لِلمَساكينِ أو لِزَوجةِ المُضاربِ صَحَّ العَقدُ، ولَم يَصحَّ الشَّرطُ، ويَكونُ المَشروطُ لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّه ليس

стр. 5034

لِهؤلاء عَملٌ، أمَّا إذا شُرِط عَملُ زَوجةِ المُضاربِ في المُضاربةِ ففي تلك الحالِ تَستحِقُّ الرِّبحَ المَشروطَ. كذلك لو شُرِط إعطاءُ بَعضِ الرِّبحِ لِمَنْ يُريدُ المُضارِبُ؛ فإذا طلَب المُضاربُ هذه الحِصَّةَ لِنَفْسِه أو لِرَبِّ المالِ صَحَّ الشَّرطُ، أمَّا إذا طلَبها لِأجنَبيٍّ فلا يَصحُّ، أي أنَّه حيث ليس لِلأجنَبيِّ مِنْ عَملٍ يَستحِقُّ الرِّبحَ المَذكورَ، أمَّا إذا شُرِط عَملُ ذلك الأجنبيِّ يَستحِقُّ الرِّبحَ المَشروطَ، وكذلك لو شُرِط بَعضُ الرِّبحِ رأسًا لِأجنبيٍّ؛ فإذا كان مَشروطًا عَملُ ذلك الأجنبيِّ يَستحِقُّ الرِّبحَ، أمَّا إذا كان غَيرَ مَشروطٍ تَصحُّ المُضاربةُ ولا يَستحِقُّ الأجنَبيُّ الرِّبحَ وتَعودُ حِصَّتُه لِرَبِّ المالِ (١). خامسًا: العَملُ: اختلَف العُلماءُ في العَملِ في المُضاربةِ، هل لا بُدَّ أنْ يَكونَ في الاستِرباحِ بالبَيعِ والشِّراءِ فَقطْ أو يَصحُّ إذا احتَرف العامِلُ بالمالِ؟ فمنَعه المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأجازَه الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ. قال الشافِعيَّة: وَظيفةُ العامِلِ التِّجارةُ، وهي الاستِرباحُ بالبَيعِ والشِّراءِ، وكذا تَوابِعُها مما جَرَت العادةُ أنْ يَتولَّاه بنَفْسِه، كطَيِّ الثَّوبِ ونَشرِه وذَرعِ الثَّوبِ وإدراجِه في الصُّندوقِ ووَزنِ الخَفيفِ كذَهَبٍ وفِضَّةٍ ومِسكٍ؛ لِاقتِضاءِ العُرفِ ذلك، ليس كالأمتِعةِ الثَّقيلةِ، فليس عليه وَزنُها ولا

стр. 5035

نَحوُه، كحَملِها ونَقلِها مِنَ الخانِ مَثلًا لِلسُّوقِ وعَكسُه لِجَريانِ العُرفِ بالاستِئجارِ لذلك. وأما ما لا يَلزَمُه كأُجرةِ كَيلٍ وحِفظٍ، فله الاستِئجارُ عليه مِنْ مالِ القِراضِ؛ لأنَّه مِنْ تَتمَّةِ التِّجارةِ ومَصالِحِها، ولو فعَله بنَفْسِه لَم يَستحِقَّ أُجرةً. وما يَلزَمُه فِعلُه لو اكتَرى عليه مِنْ فِعلِه فالأُجرةُ في مالِه، لا في مالِ القِراضِ، فلو شرَط على المالِك الاستِئجارَ عليه مِنْ مالِ القِراضِ ففيه وَجهانِ، والظاهِرُ منهما عَدمُ الصِّحَّةِ. وخرَج بالتِّجارةِ استِخراجُ العاملِ الرِّبحَ باحتِرافٍ، فلو قارَضه لِيَشتريَ حِنطةً فيَطحنَ ويَخبِزَ، أو غَزلًا يَنسِجُه ويَبيعُه فسَد القِراضُ في الصُّورتَيْن؛ لأنَّ القِراضَ شُرِع رُخصةً لِلحاجةِ، وهذه الأعمالُ مَضبوطةٌ يُمكِنُ الاستِئجارُ عليها، فلَم تَشمَلْها الرُّخصةُ، والعامِلُ فيها ليس مُتَّجِرًا، بل مُحتَرِفٌ، فليست مِنْ وَظيفةِ العاملِ. فلو اشتَرى الحِنطةَ وطَحَنها مِنْ غَيرِ شَرطٍ لَم يَنفسِخِ القِراضُ فيها في الأصَحِّ، ثم إنْ طحَن بغَيرِ الإذنِ فلا أُجرةَ له، ولو استأجَرَ عليه لَزِمتْه الأُجرةُ ويَصيرُ ضامِنًا، وعليه غُرمُ ما نقَص بالطَّحنِ؛ فإنْ باعَه لَم يَكُنِ الثَّمنُ مَضمونًا عليه؛ لأنَّه لَم يَتعدَّ فيه، وإنْ رَبِح فالرِّبحُ بينَهما كما شرَطا. ولو شرَط أنْ يَستأجِرَ العامِلُ مَنْ يَفعلُ ذلك مِنْ مالِ القِراضِ وحَظُّ العامِلِ التَّصرُّفُ فَقطْ قال في المَطلَبِ يَظهَرُ الجَوازُ.

стр. 5036

قال الأذرَعيُّ ﵀: وفيه نَظرٌ؛ لأنَّ الرِّبحَ لَم يَنشأْ عن تَصرُّفِ العامِلِ، وقد قال القاضي حُسَينٌ: لو قارَضه على أنْ يَشتريَ الحِنطةَ ويُخزِّنَها مُدةً؛ فإذا ارتفَع سِعرُها باعَها، لَم يَصحَّ؛ لأنَّ الرِّبحَ ليس حاصِلًا مِنْ جِهةِ التَّصرُّفِ. قال الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وفي البَحرِ نَحوُه، وهذا هو الظاهِرُ، بل لو قال: «علَى أنْ تَشتريَ الحِنطةَ وتَبيعَها في الحالِ»، فإنَّه لا يَصحُّ. ويُشترطُ ألَّا يُضيِّقَ المالِكُ على العامِلِ في التَّصرُّفِ، وحينَئِذٍ لا يَجوزُ أنْ يَشرُطَ عليه شِراءَ مَتاعٍ مُعيَّنٍ كهذه الحِنطةِ أو هذا الثَّوبِ أو شِراءِ نَوعٍ يَندُرُ وُجودُه، أو شرَط مُعاملةَ شَخصٍ بعَينِه، ك: «لا تَبِعْ إلا لِزَيدٍ»، أو: «لا تَشتَرِ إلا مِنه»، لِإخلالِه بالمَقصودِ؛ لأنَّ المتاعَ المُعيَّنَ قد لا يَربَحُ، والنادِرُ قد لا يَجِدُه، والشَّخصُ المُعيَّنُ قد لا يُعامِلُه، وقد لا يَجِدُ عندَه ما يظُنُّ أنَّ فيه رِبحًا. أمَّا النَّوعُ الذي لا يَندُرُ وُجودُه فإنَّه يَصحُّ، ولو كان يَنقطِعُ كالفَواكِهِ الرَّطبةِ؛ لانتِفاءِ الضِّيقِ، وكذا إنْ ندَر وكان بمَكانٍ يُوجَدُ فيه في الأغلَبِ، ولو نَهاه عن هذه الأُمورِ صَحَّ؛ لأنَّه يُمكِنُه شِراءُ غَيرِ هذه السِّلعِ، والشِّراءُ والبَيعُ مِنْ غَيرِ زَيدٍ (١). وقال المالِكيَّةُ: وعلى العامِلِ ما جَرتِ العادةُ به، كالنَّشرِ والطَّيِّ لِلثِّيابِ

стр. 5037

الخَفيفَيْن، لا الكَثيرَيْن، مما لَم تَجرِ العادةُ به، وعليه الأجرُ مِنْ مالِه إنِ استأجَرَ على ذلك، لا على رَبِّ المالِ، ولا مِنَ الرِّبحِ، ومِثلُ ما ذُكِر النَّقلُ الخَفيفُ. وأمَّا ما جرَت العادةُ ألَّا يَتولَّاه وتَولَّاه وهو مِنْ مَصلحةِ المالِ فله أجرُه إنِ ادَّعى أنَّه عَملُه؛ لِيَرجعَ بأجرِه، وخالَفه رَبُّ المالِ بيَمينٍ؛ لأنَّها دَعوى بشَيءٍ مَعروفٍ فتَتوجَّهُ عليه اليَمينُ حيث كانت دَعوى رَبِّ المالِ أنَّ العاملَ نَصَّ على أنَّه على وَجهِ المَعروفِ، وأمَّا إنْ كان لِسُكوتِه فلا يَحلِفُ. وله أيضًا أنْ يَستأجرَ مِنَ المالِ إذا كان كَثيرًا لا يَقوى عليه مَنْ يَكفيه بَعضَ مُؤنَتِه مِنَ الأعمالِ التي لا يَعمَلُها العامِلُ، وليس مِثلُه يَعمَلُها. ولا يَجوزُ لِرَبِّ المالِ أنْ يَشترطَ عَملَ يَدِ العاملِ والقِراضُ فاسِدٌ مع الشَّرطِ المَذكورِ، ولِلعاملِ أُجرةُ مِثلِه، كما إذا اشتَرط عليه أنْ يَخيطَ ثِيابًا أو يَخرِزَ نِعالًا أو يَخرِزَ الجُلودَ التي يَشتَريها بمالِ القِراضِ لِلتِّجارةِ فيها ثم يَبيعَها والرِّبحُ بينَهما، وما أشبَهَ ذلك، أو أنْ يُشاركَ أو يُبضِعَ أو يَزرعَ مِنْ مالِ القِراضِ، فلا يَجوزُ؛ فإنْ فعَل فسَد القِراضُ؛ لِما فيه مِنَ التَّحجيرِ، ولأنَّه يُوجِبُ زيادةَ جَهالةٍ في العَملِ، ولِلعاملِ أُجرةُ مِثلِه في ذِمَّةِ رَبِّ المالِ سَواءٌ حصَل رِبحٌ أو لا. مِنْ «المُدوَّنةِ» قال مالِكٌ: لا يَجوزُ لِرَبِّ المالِ أنْ يَشترطَ على العامِلِ أنْ يَجلسَ بالمالِ ههنا في حانوتٍ مِنَ البَزازينَ أو السَّقاطينَ يَعملُ فيه ولا يَعملُ في غَيرِه أو على أنْ يَجلسَ في القيساريةِ أو على ألَّا يَشتريَ إلا مِنْ

стр. 5038

فُلانٍ أو على ألَّا يَتَّجِرَ إلا في سِلعةٍ، كذا وليس وُجودُها بمأمونٍ أو على أنْ يَزرعَ فلا يَنبَغي ذلك كلُّه؛ فإنْ نزلَ ذلك كلُّه كان العامِلُ أجيرًا، وما كان مِنْ زَرعٍ أو فَضلٍ أو خَسارةٍ فلرَبِّ المالِ وعليه. ولو عَلِم رَبُّ المالِ أنَّه يَجلِسُ في حانوتٍ فهو جائِزٌ ما لَم يَشترطْ عليه. ولو زرَع العامِلُ مِنْ غَيرِ شَرطٍ في أرضٍ اشتَراها مِنْ مالِ القِراضِ أو اكتَراها جازَ ذلك إذا كان بمَوضِعِ أمْنٍ وعَدلٍ ولا يَضمنُ، وأمَّا إنْ خاطَرَ به في مَوضِعِ ظُلمٍ وغَررٍ يَرى أنَّه خَطرٌ؛ فإنَّه ضامِنٌ، ولو أخَذَ العامِلُ نَخلًا مُساقاةً فأنفَقَ عليها مِنْ مالِ القِراضِ كان كالزَّرعِ، ولَم يَكُنْ مُتعدِّيًا (١). وقال الحَنفيَّةُ: ولو دفَع إليه ألْفَ دِرهمٍ مُضاربةً على أنْ يَشتريَ بها الثِّيابَ ويَقطَعها بيَدِه ويَخيطَها على أنَّ ما رزَق اللهُ في ذلك مِنْ شَيءٍ فهو بينَهما نِصفانِ فهو جائِزٌ على ما اشتَرطا؛ لأنَّ العَملَ المَشروطَ عليه مما يَصنَعُه التُّجارُ على قَصدِ تَحصيلِ الرِّبحِ فهو؛ كالبَيعِ والشِّراءِ، وكذلك لو قال له: علَى أنْ يَشتريَ بها الجُلودَ والأُدمَ ويَخرِزَها خِفافًا ودِلاءً ورَوايا وأجرِبةً فكلُّ هذا مِنْ صُنعِ التُّجارِ على قَصدِ تَحصيلِ الرّبِح فيَجوزُ شَرطُه على المُضاربةِ. وإذا دفَع مالًا مُضاربةً وأمَرَ المُضارِبَ أنْ يَعملَ في ذلك برأيِه أو لَم

стр. 5039

يأمُرْه فاستأجَرَ المُضاربُ ببَعضِه أرضًا بَيضاءَ واشتَرى ببَعضِه طَعامًا فزَرعَه في الأرضِ فهو جائِزٌ على المُضاربةِ بمَنزِلةِ التِّجارةِ؛ لأنَّ عَملَ الزِّراعةِ مِنْ صُنعِ التُّجارِ يَقصِدونَ به تَحصيلَ النَّماءِ، وإليه أشارَ صاحِبُ الشَّرعِ ﷺ : «الزارِعُ يُتاجِرُ رَبَّه» (١) وما كان مِنْ عَملِ التُّجارِ يَملِكُه المُضارِبُ بمُطلقِ العَقدِ. ولو استأجَرَ أرضًا بَيضاءَ على أنْ يَغرِسَ فيها شَجرًا أو أرطابًا فقال: «ذلك مِنَ المُضاربةِ»، فهو جائِزٌ، والوَضيعةُ على رَبِّ المالِ، والرِّبحُ على ما اشتَرطا؛ لأنَّه مِنْ صَنيعِ التُّجارِ يَقصِدونَ به استِنماءَ المالِ، ولو كان دفَع إليه مُضاربةً بالنِّصفِ وقال له: «اعمَلْ فيه بِرأيكَ»، فأخَذَ المُضارِبُ نَخلًا وشَجرًا وأرطابًا مُعاملةً على أنَّ ما أخرَجَ اللهُ بعدُ مِنْ ذلك فنِصفُه لِصاحبِ النَّخلِ ونِصفُ المُضارِبِ على المُضارِبِ، فعمِل وأنفَق مالَ المُضاربةِ عليه؛ فإنَّ ما خرَج مِنْ ذلك بينَ صاحِبِ النَّخلِ والمُضارِبِ نِصفانِ، ولا يَكونُ لِرَبِّ المالِ شَيءٌ مِنْ ذلك؛ لأنَّه إنَّما استحَقَّ النِّصفَ بعَقدِ المُعاملةِ، وفي عَقدِ المُعاملةِ العامِلُ يُؤاجِرُ نَفْسَه، وصاحِبُ المالِ إنَّما فوَّض الأمرَ إلى رأيِه في المُضاربةِ؛ لأنَّ مَنافِعَ يَدِه فيما يَستوجِبُ بإقامتِه العَملَ بمَنافِعِه، تَكونُ له خاصَّةً، والنَّفقةَ التي أنفَقها مِنْ مالِه خاصَّةً، وهو ضامِنٌ لِما أنفَق مِنْ ذلك مِنْ مالِ المُضاربةِ؛ لأنَّه صرَف إلى حاجةِ نَفْسِه على وَجهٍ لَم يَأذنْ له رَبُّ المالِ فيه، ولو كان المُضارِبُ أخَذَ مِنْ رَجلٍ أرضًا بَيضاءَ على أنْ

стр. 5040

يَزرعَها طَعامًا فما خرَج منها فنِصفُه لِصاحبِ الأرضِ ونِصفُه على المُضاربةِ فاشتَرى طَعامًا ببَعضِ المالِ فزَرَعه في الأرضِ ثم أنفَق ما بَقيَ مِنَ المُضاربةِ عليه حتى بلَغ فهذا جائِزٌ؛ لأنَّه مُستأجِرٌ الأرضَ بنِصفِ الخارجِ منها، ولو استأجرَها بدَراهمَ جازتِ المُضاربةُ، فكذلك إذا استأجرَها بنِصفِ الخارجِ منها، ولو استأجرَها بدَراهمَ جازَ على المُضاربةِ لذلك، وتَصرُّفُه هنا في المالِ؛ فإنَّ استِحقاقَه لِلخارجِ باعتِبارِ أنَّه بما بَذرَه، والبَذرُ مِنْ مالِ المُضاربةِ، فلِهذا كان نِصفُ الخارجِ لِصاحبِ الأرضِ، ونِصفُه يُباعُ يَستوفي رَبُّ المالِ رأسَ مالِه والبَقيَّةُ بينَه وبينَ المُضاربِ على الشَّرطِ، وإنْ لَم يَكُنْ قال له: «اعمَلْ فيه بِرأيِكَ»، فالمُضارِبُ ضامِنٌ لِلمُضاربةِ؛ لأنَّه أشرَك غَيرَه في مالِ المُضاربةِ، وقد بَيَّنَّا أنَّ بمُطلَقِ العَقدِ لا يَملِكُ المُضارِبُ الإشراكَ، وهو بمَنزلةِ دَفعِه بَعضَ المالِ مُضاربةً إلى غَيرِه، وإذا صارَ مُخالِفًا بتَصرُّفِه ضمِن مالَ المُضاربةِ، وهو مِلكُ المَضمونِ به، فما خرَج مِنَ الزَّرعِ بينَ المُضاربِ ورَبِّ المالِ نِصفانِ على الشَّرطِ (١). وقال الحَنابِلةُ: على العامِلِ أنْ يَتولَّى بنَفْسِه كلَّ ما جرَت العادةُ أنْ يَتولَّاه المُضارِبُ بنَفْسِه مِنْ نَشرِ الثَّوبِ وطَيِّه وعَرضِه على المُشتَري وَمساومَتِه وعَقدِ البَيعِ معه، وأخْذِ الثَّمنِ وانتِقادِه وشَدِّ الكيسِ وخَتمِه وإحرازِه في الصُّندوقِ، ونَحوِ ذلك، ولا أجرَ له عليه؛ لأنَّه مُستحِقٌّ لِلرِّبحِ في

стр. 5041

مُقابَلتِه؛ فإنِ استأجرَ مَنْ يَفعَلُ ذلك فالأجرُ عليه خاصَّةً؛ لأنَّ العَملَ عليه، فأمَّا ما لا يَليه العامِلُ في العادةِ، مِثلَ النِّداءِ على المَتاعِ ونَقلِه إلى الخانِ، فليس على العامِلِ عَملُه، وله أنْ يَكتريَ مَنْ يَعملُه؛ لأنَّ العَملَ في المُضاربةِ غَيرُ مَشروطٍ لِمَشقَّةِ اشتِراطِه، فرُجِع فيه إلى العُرفِ. فإنْ فعَل العامِلُ ما لا يَلزَمُه فِعلُه مُتبرِّعًا فلا أجرَ له، وإنْ فعَله لِيأخُذَ عليه أجرًا فلا شَيءَ له أيضًا في المَنصوصِ عن أحمدَ، وفي وَجهٍ أنَّ له الأجرَ بِناءً على الشَّريكِ إذا انفَردَ بعَملٍ لا يَلزَمُه هل له أجرٌ لذلك؟ على رِوايتَيْن، وهذا مِثلُه، والصَّحيحُ أنَّه لا شَيءَ له في المَوضعَيْن؛ لأنَّه عمِل في مالِ غَيرِه عَملًا لَم يُجعَلْ له في مُقابَلتِه شَيءٌ فلَم يَستحِقَّ شَيئًا كالأجنَبيِّ (١). وقالوا: ويَصحُّ دَفعُ عَبدٍ أو دَفعُ دابَّةٍ أو قِربةٍ أو قِدرٍ أو آلةِ حَرثٍ أو نَورَجٍ أو مِنجَلٍ ونَحوِه لِمَنْ يَعملُ به بجُزءٍ مِنْ أُجرتِه، ويَصحُّ دَفعُ ثَوبٍ إلى مَنْ يَخيطه، أو دَفعُ غَزلٍ إلى مَنْ يَنسِجُه بجُزءٍ مِنْ رِبحِه. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ دفَع ثَوبَه إلى خَيَّاطٍ لِيُفصِّلَه قُمصانًا يَبيعُها وله نِصفُ رِبحِها بحَقِّ عَملِه جازَ، نَصَّ عليه في رِوايةِ حَربٍ. وإنْ دفَع غَزلًا إلى رَجلٍ يَنسِجُه ثَوبًا بثُلثِ ثَمنِه أو رُبعِه جازَ، نَصَّ عليه ولَم يُجِزْ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ شيئًا مِنْ ذلك؛ لأنَّه عِوَضٌ مَحمولٌ مَجهولٌ وعَملٌ مَجهولٌ، وقد ذكَرنا وَجهَ جَوازِه، وإنْ جعَل له مع ذلك

стр. 5042

دَراهمَ مَعلومةً لَم يَجُزْ، نَصَّ عليه، وعنه الجَوازُ، والصَّحيحُ الأولُ، وقال أبو بَكرٍ: هذا قَولٌ قَديمٌ، وما رُويَ غَيرُ هذا، فعليه المُعتمَدُ، قال الأثرَمُ: سَمِعتُ أبا عَبدِ اللهِ يَقولُ: لا بأسَ بالثَّوبِ يُدفَعُ بالثُّلثِ والرُّبعِ. وسُئِلَ عن الرَّجلِ يُعطي الثَّوبَ بالثُّلثِ ودِرهَمٍ ودِرهَمَيْن قال: أكرَهُه؛ لأنَّ هذا شَيءٌ لا يُعرَفُ، والثُّلثُ إذا لَم يَكُنْ معه شَيءٌ نَراه جائِزًا؛ لِحَديثِ جابِرٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطى خَيبَرَ على الشَّطرِ، قيلَ لِأبي عَبدِ اللهِ: فإنْ كان النَّساجُ لا يَرضى حتى يُزادَ على الثُّلثِ دِرهمٌ، قال: فليَجعَلْ له ثُلثًا وعُشرَيْ ثُلثٍ ونِصفَ عُشرٍ، وما أشبَهَه، ورَوى الأثرمُ عن ابنِ سِيرينَ والنَّخَعيِّ والزُّهريِّ وأيُّوبَ ويَعلَى بنِ حَكيمٍ أنَّهم أجازوا ذلك، وقال ابنُ المُنذِرِ: كَرِه هذا كلَّه الحَسَنُ وقال أبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ: هذا كلُّه فاسِدٌ، واختارَه ابنُ المُنذِرِ وابنُ عَقيلٍ، وقالوا لو دفَع شَبَكةً إلى الصَّيادِ لِيَصيدَ بها السَّمكَ بينَهما نِصفَيْن، فالصَّيدُ كلُّه لِلصَّيادِ، ولِصاحبِ الشَّبَكةِ أجرُ مِثلِها، وقياسُ ما نُقِل عن أحمدَ صِحَّةُ الشَّركةِ وما رزَق الله بينَهما على ما شرَطاه؛ لأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَملِ فيها، فصَحَّ دَفعُها ببَعضِ نَمائِها كالأرضِ (١). ويَصحُّ حَصادُ زَرعٍ ورَضاعُ قِنٍّ واستيفاءُ مالٍ ونَحوُ ذلك، كبِناءِ دارٍ وطاحونٍ ونَجرِ بابٍ وطَحنِ نَحوِ بُرٍّ بجُزءٍ مَشاعٍ منه؛ لأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَملِ عليها، فصَحَّ العَقدُ عليها ببَعضِ نَمائِها كالشَّجرِ في المُساقاةِ، ولا

стр. 5043

يَصحُّ تَخريجُها على المُضاربةِ بالعُروضِ؛ لأنَّها إنَّما تَكونُ بالتِّجارةِ والتَّصرُفِ في رَقبةِ المالِ وهذا بخِلافِه، ولا يُعارضُه حَديثُ الدارَقُطنيِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن عَسبِ الفَحلِ وعن قَفيزِ الطَّحَّانِ، لِحَملِه على قَفيزٍ مِنَ المَطحونِ، فلا يَدري البَقيَّةَ بَعدَه، فتَكونُ المَنفعةُ مَجهولةً، ويَكونُ المِقدارُ هنا جُزءًا مَشاعًا، بخِلافِ ما قَدَّر له قَفيزًا؛ فإنَّه لا يَدري البَقيَّةَ بَعدَ القَفيزِ كم هي؟ فتَكونُ المَنفعةُ مَجهولةً. وإنْ جعَل له مع الجُزءِ المَشاعِ دِرهمًا فأكثَرَ لَم يَصحَّ نَصًّا، ويَصحُّ بَيعٌ ونَحوُه، كإيجارٍ لِمَتاعٍ وغَزوٍ بدابَّةٍ وبجُزءٍ مِنْ رِبحِه، أي: المَتاعِ، أو بجُزءٍ مِنْ سَهمِها، أي: الدَّابَّةِ، نَصَّ عليه فيمَن أعطى فرَسه على النِّصفِ مِنَ الغَنيمةِ، بخِلافِ ما لو قال: بِعْ عَبدي أو أجِّرْه والثَّمنُ أو الأُجرةُ بينَنا، فلا يَصحُّ، والثَّمنُ أو الأُجرةُ لِرَبِّه ولِلآخَرِ أُجرةُ مِثلِه. ويَصحُّ دَفعُ دابَّةٍ أو نَحلٍ ونَحوِهما كعَبدٍ وأَمَةٍ لِمَنْ يَقومُ بهما مُدَّةً مَعلومةً، كسَنةٍ ونَحوِها، بجُزءٍ منهما، كرُبعِهما أو خُمسِهما، والنَّماءُ لِلدَّابَّةِ أو النَّحلِ ونَحوِهما مِلكٌ لهما، أي: الدافِعِ والمَدفوعِ إليه على حَسَبِ مِلكِهما؛ لأنَّه نَماؤُه. قال البُخاريُّ في «صَحيحِه»، وقال مَعمَرٌ: لا بأسَ أنْ تَكونَ الماشيةُ على الثُّلثِ أو الرُّبعِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى. ولا يَجوزُ دَفعُ دابَّةٍ ونَحلٍ ونَحوِهما لِمَنْ يَقومُ بهما مُدةً ولو مَعلومةً بجُزءٍ مِنْ نَماءٍ، كدَرٍّ ونَسلٍ وصُوفٍ وعَسلٍ ونَحوِ ذلك، كمِسكٍ وزُبادٍ، لِحُصولِ نَمائِه بغَيرِ عَملٍ، وله أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّه عَمِلَ بعِوضٍ لَم يُسَمَّ له.

стр. 5044

وعنه: يَصِحُّ، اختاره الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ (١). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ قال له: «اعمَلْ برأيِك»، هل له الزِّراعةُ؟ يَحتمِلُ ألَّا يَملِكَ ذلك؛ لأنَّ المُضاربةَ لا يُفهَمُ مِنْ إطلاقِها، وقد رُويَ عن أحمدَ ﵀ فيمَن دفَع إلى رَجلٍ ألفًا، وقال: «اتَّجِرْ فيها بما شِئتَ»، فزرَع فرِبحٍ فيه فالمُضاربةُ جائِزةٌ، والرِّبحُ بينَهما، قال القاضي: ظاهِرُ هذا أنَّ قَولَه: اتَّجِرْ بما شِئتَ دَخلَت فيه؛ لأنَّها مِنَ الوُجوهِ التي يُبتَغى بها النَّماءُ، وعلى هذا لو هلَك المالُ كلُّه لَم يَلزَمْه ضَمانُه (٢). شُروطُ العَملِ في المُضاربةِ: والعَملُ في المُضاربةِ يُشترطُ فيه شُروطٌ، بَعضُها لا تَصحُّ المُضاربةُ إلا بها، وتَفسُدُ المُضاربةُ إنْ تَخلَّفت هذه الشُّروطُ أو بَعضُها، وبَعضُها تَفسُدُ المُضاربةُ بوُجودِها، وهذه الشُّروطُ منها ما هو مُتَّفقٌ عليه، ومنها ما هو مُختلَفٌ فيه. تَصرُّفاتُ المُضاربِ العاملِ: تَصرُّفاتُ المُضاربِ منها ما يَجوزُ له فِعلُه مِنْ غَيرِ نَصٍّ عليه، ومنها ما لا يَجوزُ له فِعلُه إلا بالنَّصِّ عليه، ويَختلِفُ حُكمُ ذلك بحَسَبِ ما إذا كانت المُضاربةُ مُطلقةً أو مُقيَّدةً، وكذلك مِنْ مَذهبٍ لِآخَرَ.

стр. 5045

والمُضاربةُ المُطلقةُ: هي أنْ يَدفعَ رَبُّ المالِ لِلمُضاربِ مالًا بدونِ قَيدٍ، مِنْ غَيرِ تَعيينِ رَبِّ المالِ لِلمُضاربِ العَملَ أو المَكانَ الذي سيُضاربُ فيه أو الزَّمانَ أو صِفةَ العَملِ أو مَنْ يُعامِلُه، بل قال له: «خُذْ هذا المالَ مُضاربةً على أنَّ الرِّبحَ يَكونُ بينَنا مُناصَفةً أو أثلاثًا أو نَحوَ ذلك»، وهذا النَّوعُ جائِزٌ باتِّفاقِ المَذاهبِ (١)، إلا أنَّهم اختلَفوا فيما يَجوزُ لِلمُضاربِ فِعلُه وما لا يَجوزُ، كما سيأتي. والمُضاربةُ المُقيَّدةُ: هي أنْ يُعيِّنَ رَبُّ المالِ شَيئًا مِنْ ذلك، بأنْ يُعيِّنَ له العَملَ أو المَكانَ الذي سيُضاربُ ويُتاجرُ فيه، أو شِراءَ مَتاعٍ مُعيَّنٍ أو ألَّا يُتاجِرَ إلا مِنْ شَخصٍ مُعيَّنٍ، أو إلا في وَقتٍ مُعيَّنٍ (٢). وقد اختلَف العُلماءُ هل تَصحُّ هذه الشُّروطُ التي في المُضاربةِ المُقيَّدةِ أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم أنَّ القِراضَ لو سلِمَ مِنَ الشُّروطِ فهو جائِزٌ (٣). ذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ هذه الشُّروطِ في الجُملةِ على تَفصيلٍ سيأتي نَقلًا عنهم، ومنَع مِنْ ذلك المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ، وتَفسُدُ المُضاربةُ بذلك عندَهم على تَفصيلٍ سيأتي. قال الحَنفيَّةُ: المُضاربةُ المُقيَّدةُ حُكمُها حُكمُ المُضاربةِ المُطلَقةِ لا تُفارِقُها إلا في قَدْرِ القَيدِ.
следующие страницы →