السِّلعِ، ولا كَلامَ لِواحِدٍ منهما في فَسخِه، فيَبقى المالُ تحتَ يَدِ العامِلِ لِنُضوضِه، والنُّضوضُ خُلوصُ المالِ ورُجوعُه عَينًا كما كان، وبه تَمَّ العَملُ، فليس لِلعامِلِ تَحريكُ المالِ بَعدَه في الحَضرِ إلا بإذنٍ، وجازَ في السَّفرِ إلى أنْ يَصِلَ لِبَلدِ القِراضِ إلا لِمَنعٍ مِنْ رَبِّ المالِ لِلعامِلِ عن التَّحريكِ في السَّفرِ بعدَ النُّضوضِ فليس له التَّحريكُ حينَئذٍ.
وإنْ طلَب أحَدُهما نُضوضَه ببَيعِ سِلعةٍ لِيَظهرَ المالُ، وطَلَبَ الآخَرُ الصَّبرَ لِغَرضٍ كزِيادةِ رِبحٍ؛ نَظرَ الحاكِمُ فيما هو الأصلَحُ مِنْ تَعجيلٍ أو تأخيرٍ لِسُوقٍ يَرجوه ونَحوِه، أخَّره فيَحكُمُ به وإلا أمَرَ ببَيعِه.
فإنِ اتَّفقا على نُضوضِه جازَ، كما لو اتَّفَقا على قِسمةِ العُروضِ بالقيمةِ؛ فإذا لَم يَكُنْ حاكِمٌ شَرعيٌّ فجَماعةُ المُسلِمينَ ويَكفي منهم اثنان أو واحِدٌ عارِفٌ يَرضَيانِه (١).
وقد تَقدَّم هذا التَّفصيلُ في حُكمِ القِراضِ هل هو عَقدٌ لَازِمٌ أو جائِزٌ؟ لكنْ أُعيده هنا لِأهمِّيَّتِه.
٢ - إذا ماتَ رَبُّ المالِ أو العامِلُ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا مات رَبُّ المالِ أو المُضارِبُ بطَل عَقدُ المُضاربةِ، أما مَوتُ المُضارِبِ:
стр. 5217
فلأنَّ عَقدَ المُضاربةِ عُقِد له، دونَ غَيرِه، فأشبَهَ الوَكالةَ، ومَوتُ الوَكيلِ يُبطِلُ الوَكالةَ.
وأمَّا مَوتُ رَبِّ المالِ: فلأنَّ المُضاربةَ تُصرَفُ بالإذنِ، والمَوتَ يُزيلُ الإذنَ، ولأنَّ المُضاربةَ تَوكيلٌ، ومَوتَ المُوكِّلِ يُبطِلُ الوَكالةَ.
وسَواءٌ عَلِم المُضارِبُ بمَوتِ رَبِّ المالِ أو لَم يَعلَمْ؛ لأنَّه عَزلٌ حُكميٌّ، فلا يَقِفُ على العِلمِ، كما نَصَّ على ذلك الحَنفيَّةُ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: وإذا كان المَيِّتُ المالِكَ فلِلعامِلِ البَيعُ واستيفاءُ الدُّيونِ بغَيرِ إذنِ الوارِثِ، بخِلافِ ما إذا ماتَ العامِلُ؛ فإنَّه لا يَملِكُ وارِثُه البَيعَ والاستيفاءَ دونَ إذنِ المالِكِ؛ لأنَّه لَم يَرضَ بتَصرُّفِه؛ فإنْ أذِن المالِكُ لِوَرثتِه بالبَيعِ والتَّنضيضِ فذاك، وإلا تَولَّاه أمينٌ مِنْ جِهةِ الحاكِمِ.
ولو أرادَ الاستِمرارَ على العَقدِ؛ فإنْ كان المالُ ناضًّا فلَهما ذلك، بأنْ يَستأنِفا عَقدًا بشَرطِه، ولا بأسَ بوُقوعِه قبلَ القِسمةِ، وهل يَنعَقِدُ بلَفظِ التَّركِ والتَّقريرِ، بأنْ يَقولَ الوارِثُ، أو القائِمُ بأمرِه: «تَركتُك أو قَرَّرتُك على ما كُنْتَ عليه»؟ فيه وَجهانِ: أصَحُّهما: نَعَمْ؛ لِفَهمِ المَعنى.
وإذا كان المالُ عَرضًا ففي جَوازِ تَقريرِه على القِراضِ وَجهانِ: أصَحُّهما المَنعُ؛ لأنَّ القِراضَ الأولَ انقَطَع بالمَوتِ، ولا يَجوزُ ابتِداءُ القِراضِ على عَرضٍ.
стр. 5218
ولا يَجوزُ تَقريرُ وارِثِه على القِراضِ إذا كان المالُ عَرضًا؛ فإنْ كان ناضًّا فلَهما ذلك بعَقدٍ مُستأنَفٍ.
فإنْ كان رأسُ مالِ المَيِّتِ مِئةً والرِّبحُ مِئتَيْن وجَدَّد الوارِثُ العَقدَ مع العامِلِ مُناصَفةً كما كان بلا قِسمةٍ فرأسُ مالِ الوارِثِ مِئتانِ مِنْ ثَلاثِمِئةٍ، والمِئةُ المُتبَقِّيةُ لِلعامِلِ، فعندَ المُقاسمةِ يأخُذُها وقِسطَها مِنَ الرِّبحِ، ويأخُذُ الوارِثُ رأسَ مالِه مِئتَيْن ويَقتَسِمان ما بَقيَ (١).
وقال الحَنابِلةُ: إنْ كان المَيِّتُ -أو المَجنونُ ونَحوُه- هو العامِلَ وأرادَ رَبُّ المالِ ابتِداءَ القِراضِ مع وارِثِ العامِلِ أو مع وَليِّه إنْ لَم يَكُنِ الوارِثُ جائِزَ التَّصرُّفِ وكانَ المالُ ناضًّا جازَ لِعَدمِ المانِعِ، ويَكونُ رأسُ المالِ الذي أعطاه المَوروثُ وحِصَّتُه مِنَ الرِّبحِ رأسَ مالٍ، وحِصَّةُ العَملِ مِنَ الرِّبحِ شَركةً له مَشاعًا، وهذه الإشاعةُ لا تَمنَعُ صِحَّةَ العَقدِ؛ لأنَّ الشَّريكَ هو العامِلُ، وذلك لا يَمنَعُ التَّصرُّفَ.
وإنْ كان المالُ عَرضًا وأرادَ الوارِثُ مع العامِلِ إتمامَه لَم يَجُزِ القِراضُ عليه؛ لأنَّ القِراضَ قد بطَل بالمَوتِ، ودفَع العَرضَ إلى الحاكِمِ فيَبيعُه ويُقسِّمُ الرِّبحَ على ما شرَطا عندَ ابتِداءِ المُضاربةِ ولا يَبيعُه أحَدُهما بغَيرِ إذنِ الآخَرِ لِاشتِراكِهما فيه.
وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ جَوازُه؛ لأنَّه قال في رِوايةِ علِيِّ بنِ سَعيدٍ: إذا ماتَ
стр. 5219
رَبُّ المالِ لَم يَجُزْ لِلعامِلِ أنْ يَبيعَ وأنْ يَشتريَ إلا بإذنِ الوَرثةِ، فظاهِرُ هذا بَقاءُ العامِلِ على قِراضِه؛ لأنَّ هذا إتمامٌ لِلقِراضِ لا ابتداءٌ له، ولأنَّ القِراضَ إنَّما مُنِعَ في العُروضِ؛ لأنَّه يَحتاجُ عندَ المُفاصَلةِ إلى رَدِّ مِثلِها أو قِسمَتِها، ويَختلِفُ ذلك باختِلافِ الأوقاتِ، وهذا غَيرُ مَوجودٍ ههنا؛ لأنَّ رأسَ المالِ غَيرُ العُروضِ، وحُكمُه باقٍ، ألَا تَرى أنَّ لِلعامِلِ أنْ يَبيعَه لِيُسلِّمَ رأسَ المالِ ويُقسِّمَ البَقيَّةَ.
والوَجهُ الأولُ أقيَسُ؛ لأنَّ المالَ لو كان ناضًّا كان ابتِداءَ قِراضٍ، وكانت حِصَّةُ العامِلِ مِنَ الرِّبحِ شَركةً له يَختَصُّ بها دونَ رَبِّ المالِ، وإنْ كان المالُ ناضًّا بخَسارةٍ أو تَلفٍ كان رأسُ المالِ المَوجودِ منه حالَ ابتِداءِ القِراضِ، فلو جَوَّزنا ابتِداءَ القِراضِ ههنا وبِناءَهما على القِراضِ لَصارتْ حِصَّةُ العامِلِ مِنَ الرِّبحِ غَيرَ مُختَصَّةٍ به، وحِصَّتُهما مِنَ الرِّبحِ مُشتَركةً بينَهما، وحُسِبت عليه العُروضُ بأكثَرَ مِنْ قيمَتها فيما إذا كان المالُ ناقِصًا، وهذا لا يَجوزُ في القِراضِ بغَيرِ خِلافٍ، وكَلامُ أحمدَ يُحمَلُ على أنَّه يَبيعُ ويَشتري بإذنِ الوَرثةِ كبَيعِه وشِرائِه بعدَ انفِساخِ القِراضِ.
ولِلعامِلِ بَيعُ عُروضٍ، واقتِضاءُ دُيونٍ.
وإنْ كان المَيِّتُ -أو المَجنونُ ونَحوُه- هو العامِلَ، وأرادَ رَبُّ المالِ ابتِداءَ القِراضِ مع وارِثِه أو وَلِيِّه؛ فإنْ كان ناضًّا جازَ كما قُلنا فيما إذا ماتَ رَبُّ المالِ، وإنْ كان عَرضًا لَم يَجُزِ ابتِداءُ القِراضِ إلا على الوَجهِ الذي يَجوزُ ابتِداءُ القِراضِ على العُروضِ فيه، بأنْ تُقوَّمَ العُروضُ ويُجعَلَ رأسُ المالِ قيمَتَها يَومَ العَقدِ؛ لأنَّ الذي كان منه العَملُ قد ماتَ أو جُنَّ وذهَب
стр. 5220
عَملُه، ولَم يُخلِّفْ أصلًا يَبني عليه وارِثُه، بخِلافِ ما إذا مات رَبُّ المالِ؛ فإنَّ المالَ المُقارَضَ عليه مَوجودٌ ومَنافِعَه مَوجودةٌ فأمكَن استِدامةُ العَقدِ وبِناءُ الوارِثِ عليه.
وعلى الأولِ يَدفَعُ العَرضَ إلى الحاكِمِ فيَبيعَه ويُقسِّمَ الرِّبحَ على ما شرَطا عندَ ابتِداءِ المُضاربةِ، ولا يَبيعُه أحَدُهما بغَيرِ إذنِ الآخَرِ؛ لِاشتِراكِهما فيه (١).
وقال المالِكيَّةُ: لا يَنفسِخُ عَقدُ القِراضِ بمَوتِ العامِلِ؛ وإنَّما لَم يَنفسِخِ ارتِكابًا لِأخَفِّ الضَّررَيْن، وهُما ضَررُ الوَرثةِ في الفَسخِ، وضَررُ رَبِّه في إبقائِه عِندَهم ولا شَكَّ أنَّ ضَرَرَ الوَرثةِ بالفَسخِ أشَدُّ لِضَياعِ حَقِّهم في عَملِ مُورِّثِهم.
فإنْ ماتَ العامِلُ قَبلَ نُضوضِ المالِ وله وارِثٌ أمينٌ، ولو كان دونَ أمانةِ مُورِّثِهم أنْ يُكمِلَه على حُكمِ ما كان مُورِّثُه؛ فإنْ لَم يَكُنْ أمينًا فعَليه أنْ يأتيَ بأمينٍ، كالمَيِّتِ في الأمانةِ والثِّقةِ؛ فإنْ لَم يَجِدْ أمينًا سلَّم الوَرثةُ المالَ لِرَبِّه هَدرًا، أي: بغَيرِ شَيءٍ مِنْ رِبحٍ أو أُجرةٍ؛ لأنَّ عَملَ القِراضِ كالجُعلِ لا يَستحِقُّ العامِلُ فيه شَيئًا إلا بتَمامِ العَملِ.
وهذا إذا مات العامِلُ بعدَ الشُّروعِ في العَملِ؛ فإنْ ماتَ قَبلَ أنْ يَعملَ فيه فالمالُ لِصاحِبِه.
стр. 5221
وإنْ ماتَ رَبُّ المالِ قبلَ أنْ يَعملَ المُقارِضُ فيه ويُشخِّصَ فأحَبَّ الوَرثةُ أو الوَصيُّ أخذَ المالِ فذلك لَهم، وإنْ أحَبُّوا أقرُّوه على قِراضِه وليس لهم أنْ يَنتزِعوا المالَ إذا كان قد شرَع فيه بالعَملِ والتِّجارةِ، ولو تَجهَّز منه طَعامٌ أو كِسوةٌ لِسَفرِه ثم مات رَبُّ المالِ وأرادَ الوَرثةُ رَدَّ القِراضِ أخَذوا ما تَجهَّز به بعَينِه ولَم يُضمِّنوه ما نقَص ذلك.
وإذا مات رَبُّ المالِ والحالُ أنَّ العاملَ ببَلدِ رَبِّ المالِ والمالَ بيَدِه عَينًا ثم حَرَّكه العامِلُ بعدَ مَوتِ رَبِّ المالِ وعِلمِه بمَوتِه؛ فإنَّه يَكونُ ضامِنًا لِتَعدِّيه؛ لأنَّ المالَ انتَقَل إلى الوَرثةِ بمُجرَّدِ المَوتِ، أمَّا لو كان المالُ عَرضًا فحَرَّكه فلا ضَمانَ عليه، وليس لِلوَرثةِ أنْ يَمنَعوه مِنَ التَّصرُّفِ فيه وهُم في ذلك كمُورِّثِهم سَواءٌ، وكذلك لا ضَمانَ عليه إذا اتَّجَر قبلَ عِلمِ مَوتِه.
ولا ضَمانَ إذا لَم يَكُنِ العامِلُ في بَلدِ رَبِّ المالِ، ولو قَرُبتِ الغَيبةُ، ويَنبَغي أنْ تَكونَ الغَيبةُ القَريبةُ كالحاضِرِ، وإذا فعَل به بعدَ عِلمِه بمَوتِه؛ فإنَّه يَضمنُ، سَواءٌ اتَّجَر لِنَفْسِه أو لِلقِراضِ، والرِّبحُ له إنِ اتَّجَر لِنَفْسِه وإلا فلا، وأمَّا إنِ اتَّجَر به قبلَ العِلمِ فخَسِر؛ فإنَّه يَضمَنُ لِخَطَئِه على مالِ الوارِثِ، وقيلَ: لا يَضمَنُ؛ لأنَّ له شُبهةً، وهذا هو المُعتَمدُ (١).
стр. 5222
حُكمُ الرِّبحِ الحاصِلِ بعدَ مَوتِ رَبِّ المالِ:
سُئِل شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عن رَجُلٍ دفَع مالًا مُضاربةً وماتَ، فعَمِل فيه العامِلُ بعدَ مَوتِه بغَيرِ إذنِ الوَرثةِ، فهل تَنفسِخُ المُضاربةُ؟ وما حُكمُ الرِّبحِ بعدَ مَوتِ المالِكِ؟
فأجابَ: نَعَمْ تَنفسِخُ المُضاربةُ بعدَ مَوتِ المالِكِ؛ ثم إذا عَلِم العامِلُ بمَوتِه وتَصرَّفَ بلا إذنِ المالِكِ لَفظًا أو عُرفًا، ولا وِلايةَ شَرعيَّةً، فهو غاصِبٌ.
وقد اختَلَف العُلماءُ في الرِّبحِ الحاصِلِ في هذا: هل هو لِلمالِكِ فَقط، كنَماءِ الأعيانِ أو لِلعامِلِ فَقط، لأنَّ عليه الضَّمانَ، أو يَتصدَّقان به؛ لأنَّه رِبحٌ خَبيثٌ، أو يَكونُ بينَهما؟ على أربَعةِ أقوالٍ:
أصَحُّها الرابِعُ، وهو: أنَّ الرِّبحَ بينَهما كما يَجري به العُرفُ في مِثلِ ذلك، وبهذا حَكَم أميرُ المُؤمِنين عُمرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ فيما أخَذَه ابناه مِنْ مالِ بَيتِ المالِ فاتَّجَرا فيه بغَيرِ استِحقاقٍ، فجَعَله مُضاربةً، وعليه اعتمَد الفُقهاءُ في «بابِ المُضاربةِ»؛ لأنَّ الرِّبحَ نَماءٌ حاصِلٌ مِنْ مَنفَعةِ بَدنِ هذا، ومالِ هذا، فكان بينَهما، كسائِرِ النَّماءِ الحادِثِ مِنْ أصلَيْن، والحَقُّ لَهما لا يَعدوهما، ولا وَجهَ لِتَحريمِه عليهما، ولا لِتَخصيصِ أحَدِهما به.
وإيجابُ قِسطِ مِثلِه مِنَ الرِّبحِ أصَحُّ مِنْ قَولِ مَنْ يُوجِبُ أُجرةَ المِثلِ؛ فإنَّ المالَ قد لا يَكونُ له رِبحٌ، وقد تَكونُ أُجرَتُه أضعافَ رِبحِه، وبالعَكسِ وليس المَقصودُ مِنْ هذه المُشارَكاتِ العَملَ حتى يَستحِقَّ عليه أُجرةً، ولا
стр. 5223
هي عَقدُ إجارةٍ؛ وإنَّما هي أصلٌ مُستقِلٌّ، وهي نَوعٌ مِنَ المُشاركاتِ، لا مِنَ المُؤاجَراتِ حتى يَبطُلَ فيها ما يَبطُلُ فيها، فمَن أوجَب فيها ما لا يُوجِبُ فيها، فقد غَلِط.
وإنِ كان جَرى بينَ العامِلِ والوَرثةِ مِنَ الكَلامِ ما يَقتَضي في العُرفِ أنْ يَكونَ إبقاءً لِعَقدِ المُضاربةِ، استَحقَّ المُسمَّى له مِنَ الرِّبحِ، وكان ذلك مُضاربةً مُستحَقَّةً، وإذا أقَرَّ بالرِّبحِ لَزِمه ما أقَرَّ به؛ فإنِ ادَّعى بعدَ ذلك غَلطًا لا يُعذَرُ في مِثلِه لَم يُقبَلْ قَولُه.
وإنْ كان يُعذَرُ في مِثلِه ففي قَبولِه خِلافٌ مَشهورٌ، وليس له أنْ يَدفعَ المالَ إلى غَيرِه إلا بإذنِ المالِكِ، أو الشارِعِ.
ومَتى فعَل كان ضامِنًا لِلمالِ، سَواءٌ كان دَفعَه بعَقدٍ صَحيحٍ، أو بعَقدٍ فاسِدٍ، فما ضُمِن بالعَقدِ الصَّحيحِ، ضُمِن بالفاسِدِ، وما لَم يُضمَنْ بالصَّحيحِ لَم يُضمَنْ بالفاسِدِ.
وأمَّا إنْ كان المالُ غَصبًا فهو ضامِنٌ بكلِّ حالٍ، ومَتى فرَّط العامِلُ في المالِ، أو اعتَدى، فعَليه ضَمانُه، وكذلك العامِلُ الثاني إذا جحَد الحَقَّ، أو كتَم المالَ الواجِبَ عليه، أو طلَب التِزامَهم إجارةً لِغَيرِ مُسوِّغٍ شَرعيٍّ، أثِمَ بذلك، وعلى وَليِّ الأمرِ إيصالُ الحُقوقِ إلى مُستحِقِّيها، واللهُ أعلَمُ (١).
стр. 5224
مَنْ ماتَ وعِندَه قِراضٌ:
قال الحَنفيَّةُ: لو ماتَ المُضارِبُ ولَم يُوجَدْ مالُ المُضاربةِ فيما خلَّفَ؛ فإنَّه يَعودُ دَيْنًا فيما خلَّف المُضارِبُ، وكذا المُودعُ والمُستعيرُ والمُستبضِعُ وكلُّ مَنْ كان المالُ في يَدِه أمانةً إذا مات قبلَ البَيانِ، ولا تُعرفُ الأمانةُ بعَينِها؛ فإنَّه يَكونُ عليه دَيْنًا في تَرِكتِه؛ لأنَّه صارَ بالتَّجهيلِ مُستهلِكًا لِلوَديعةِ ولا تُصدَّقُ وَرَثتُه على الهَلاكِ والتَّسليمِ إلى رَبِّ المالِ.
ولو عيَّن المَيِّتُ المالَ في حالِ حياتِه أو عَلِم ذلك يَكونُ ذلك أمانةً في يَدِ وَصيِّه أو في يَدِ وارِثِه، كما كان في يَدِه، ويُصدَّقون على الهَلاكِ والدَّفعِ إلى صاحبِه كما يُصدَّقُ المَيِّتُ في حالِ حَياتِه (١).
قال المالِكيَّةُ: مَنْ ماتَ وعندَه قِراضٌ أو وَديعةٌ أو بِضاعةٌ؛ فإنْ وُجِد في تَركتِه بعَينِه وثبَت؛ أُخِذ بعَينِه، وإنْ لَم يُوجَدْ ذلك في تَرِكتِه بعَينِه ولَم يُوصِ ولَم يُعلَمْ أنَّه رَدَّه إلى رَبِّه ولا ادَّعى تَلفَه ولا ما يُسقِطُه؛ فإنَّه يُؤخَذُ مِنْ تَرِكتِه المِثلُ أو القيمةُ؛ لاحتِمالِ أنْ يَكونَ أنَفقَه أو ضاعَ منه بتَفريطٍ بعدَ أنْ يَحلفَ رَبُّ المالِ أنَّه لَم يَصِلْ إليه ولا قبَض منه شَيئًا، وهذا ما لَم يَتقادَمِ الأمرُ،
стр. 5225
كعَشرِ سِنينَ؛ فإنَّه يُحمَلُ على رَدِّه لِرَبِّه كما في الوَديعةِ ولا تُقبَلُ دَعوى رَبِّه أنَّه باقٍ.
فإنِ ادَّعى وارِثُه أنَّ المَيِّتَ قد رَدَّه أو تَلِف بسَماويٍّ أو بغَيرِ تَفريطٍ: فقال العَوْفيُّ: قبلَ قَولِه: وقال أبو علِيٍّ: هذا خَطأٌ، ومُجرَّدُ قَولِ الوارِثِ ما ذُكِر لا يُقبلُ كما هو ظاهِرُ القَولِ.
وحاصَّ رَبُّ القِراضِ والبِضاعةِ والوَديعةِ الغُرماءَ في المالِ المُخلَّفِ عن المَيِّتِ.
وإنْ أوصى أو أقَرَّ في مَرَضِه أو في صِحَّتِه بقِراضٍ لِزَيدٍ أو بوَديعةٍ؛ فإنَّه يُؤخذُ ذلك بعَينِه ويُقدَّمُ على غُرماءِ المُقِرِّ، وسَواءٌ كان على أصلِ ذلك القِراضِ أو الوَديعةِ بَيِّنةٌ أو لا، حيث كان غَيرَ مُفلِسٍ؛ فإنْ كان مُفلِسًا لا يُقبلُ تَعيينُه القِراضَ والوَديعةَ إلا إذا قامَت بَيِّنةٌ بأصلِه، سَواءٌ كان مَريضًا أو صَحيحًا (١).
وقال الشافِعيَّةُ: إذا ماتَ العامِلُ ولَم يَعرِفْ مالَ القِراضِ مِنْ غَيرِه فهو كمَن ماتَ وعندَه وَديعةٌ ولَم يَعرِفْ عينَها، وفيها إذا لَم تُوجَدِ الوَديعةُ بعَينِها فهذا على ثلاثةِ أقسامٍ:
أحَدُها: أنْ يُعلَمَ تَلفُها بغَيرِ تَفريطٍ، إمَّا بوَصيِّةِ المَيِّتِ أو ببَيِّنةٍ تَشهَدُ
стр. 5226
بذلك، فلا ضَمانَ في تَركةِ المَيِّتِ؛ فإنْ أكذَبَ المالِكُ المَيِّتَ في وَصيَّتِه بتَلَفِها فله إحلافُ الوَرثةِ ثم هُمْ بَراءٌ.
والقِسمُ الثاني: أنْ يُعلَمَ أنَّها تَلِفت بتَفريطِه وتَعدِّيه إمَّا بوَصيَّةٍ أو ببَيِّنةٍ تَشهَدُ له بذلك، فهي مَضمونةٌ في مالِه ويُحاصِصُ المالِكُ بها جَميعَ الغُرماءِ.
والقِسمُ الثالِثُ: أنْ يَجهَلَ حالَها، فقد قال الشافِعيُّ: ويُحاصِصُ رَبُّ الوَديعةِ الغُرماءَ، قال الماوَرديُّ ﵀: فاختلَف أصحابُنا في ذلك على أربَعةِ مَذاهبَ:
أحَدُها: وهو ظاهِرُ كَلامِ الشافِعيِّ: أنَّها مَضمونةٌ في تَركةِ المَيِّتِ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الظاهِرَ مِنْ ثُبوتِ يَدِه عليها أنَّها تَلِفت بفِعلِه.
والَمذهَبُ الثاني: أنَّها غَيرُ مَضمونةٍ في تَرِكتِه، وهو قَولُ ابنِ أبي لَيلى؛ لأنَّ الأصلَ بَقاؤُه على أمانَتِه.
والمَذهبُ الثالِثُ: أنَّه إنْ وُجِد في تَرِكتِه مِنْ جِنسِها كانت مَضمونةً فيها، وإنْ لَم يُوجَدْ مِنْ جِنسِها شَيءٌ في تَرِكتِه لَم يَضمَنْ، وهذا قَولُ أبي حامِدٍ المَروَزيِّ؛ لأنَّ الظاهِرَ مِنْ وُجودِ جِنسِها أنَّها فيه أو منه.
والمَذهَبُ الرابِعُ: أنَّه إنْ ذكَر في وَصيَّتِه عندَ مَوتِه أنَّ عندَه وَديعةً كانت مَضمونةً في تَرِكتِه، وإنْ لَم يَذكُرْ ذلك لَم يَضمَنْ؛ لأنَّه لا يُوصي بالوَديعةِ إلا وهي عندَه أو عليه، ثم إذا صارَتْ على ما ذكَرنا مِنْ هذه الوُجوهِ مَضمونةً في تَرِكتِه؛ فإنْ لَم يَكُنْ في التَّركةِ مِنْ جِنسِها شَيءٌ حاصَّ رَبُّ الوَديعةِ بها جَميعَ الغُرماءِ، وإنْ كان في التَّركةِ شَيءٌ مِنْ جِنسِها فيه وَجهانِ:
стр. 5227
أحَدُهما: يَتقدَّم بها على الغُرماءِ اعتِبارًا بالظاهِرِ مِنَ الجِنسِ أنَّه منها.
والوَجهُ الآخَرُ: يَكونُ أُسوَتَهم ولا يَتقدَّمُ عليهم اعتِبارًا باليَقينِ في الاشتِراكِ (١).
وقال الدَّميريُّ ﵀: ماتَ العامِلُ ولَم نَجِدْ مالَ القِراضِ بعَينِه في تَرِكتِه أفتى ابنُ الصَّلاحِ وِفاقًا لِصاحِبَيِ البَيانِ والشامِلِ بأنَّه يَضمَنُ، ولا شَكَّ أنَّه أولى بالتَّضمينِ مِنَ المُودَعِ؛ لأنَّ الوَديعةَ ليس له التَّصرُّفُ فيها، بخِلافِ القِراضِ، وصَرَّح الخُوارِزميُّ بعَكسِ ما قالَه ابنُ الصَّلاحِ وغَيرُه.
وقال الشَّيخُ: إنْ وُجِد في التَّركةِ ما يُمكِنُ أنْ يَكونَ اشتَرى بمالِ القِراضِ يُوفَّى القِراضُ منه مُقدَّمًا على الدُّيونِ، وإذا لَم يُوجَدْ ما يَحتمِلُ فلا ضَمانَ، وتَختَصُّ التَّركةُ بالغُرماءِ والوَرثةِ، والمَسألتانِ في غايةِ الإشكالِ؛ لِتَعارُضِ الأمانةِ ووُجوبِ الأداءِ وبَراءةِ الذِّمَّةِ وبَقاءِ المالِ (٢).
وقال الحَنابِلةُ: إنْ ماتَ المُضارِبُ فَجأةً أو على غَيرِ فَجأةٍ ولَم يُعرَفْ مالُ المُضاربةِ لِعَدمِ تَعيينِ العامِلِ لِلمالِ وجُهِلَ بَقاؤُه فهو دَينٌ في تَرِكةِ العامِلِ لِصاحِبِه أُسوةِ الغُرماءِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ المالِ في يَدِ المَيِّتِ واختِلاطُه بجُملةِ التَّركةِ، ولا سَبيلَ إلى مَعرِفةِ عَينِه فكان دَينًا، ولأنَّه لا سَبيلَ إلى إسقاطِ حَقِّ مالِكِ المالِ، ولا إلى إعطائِه عَينًا مِنَ التَّركةِ؛
стр. 5228
لِاحتِمالِ أنْ تَكونَ غَيرَ عَينِ مالِه، فلَم يَبقَ إلا تَعلُّقُه بالذِّمَّةِ وكذلك الوَديعةُ إذا ماتَ المُودِعُ وجُهِل بَقاؤُه.
ومِثلُه لو مات وَصَّى وجُهِل بَقاءُ مالِ مُوِلِّيه فيَكونُ دَينًا في تَرِكتِه.
وعن الإمامِ أحمدَ ﵀: لا يَكونُ دَينًا في تَرِكتِه إلا إذا ماتَ غَيرَ فَجأةٍ (١).
مَنْ دفَع مالًا لِآخَرَ وقال: «اعمَلْ فيه بعدَ مَوتي»:
نَصَّ الشافِعيَّةُ على أنَّ الإنسانَ لو دفَع آخَرُ إليه مالًا وقال: «إذا مِتُّ فتَصرَّفْ فيه بعدَ مَوتي بالبَيعِ والشِّراءِ قِراضًا على أنَّ لكَ نِصفَ الرِّبحِ»، فمات، لَم يَصحَّ ولا يَجوزُ له التَّصرُّفُ بعدَ مَوتِه؛ لأنَّه تَعليقٌ، ولِبُطلانِ القِراضِ بمَوتِه لو صَحَّ، بخِلافِ ما لو أوصى له بمَنفَعةِ عَينٍ؛ لأنَّه تَعليقٌ (٢).
٣ - جُنونُ أحدِ المُتعاقِدَيْن:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُضاربةَ تَبطُلُ بجُنونِ أحَدِهما إذا كان جُنونًا مُطبِقًا؛ لأنَّه يُبطِلُ أهليَّةَ الأمرِ لِلآمرِ، وأهليَّةَ التَّصرُّفِ لِلمأمورِ، وكذا الإغماءُ على الصَّحيحِ عندَ الشافِعيَّةِ، وقيلَ: إنَّ الإغماءَ لا يُوجِبُ العَزلَ ولا يَسلُبُ الوِلاياتِ (٣).
стр. 5229
٤ - الحَجرُ عليه لِسَفهٍ:
ذكَر الحَنابِلةُ أنَّه لو حجَر عليه لِسَفهٍ انفسَخ القِراضُ؛ لأنَّه عَقدٌ جائِزٌ مِنَ الطَّرفَيْن فبطَل بذلك كالوَكالةِ، وكذا لو تَوسوَس بحيث لا يُحسِنُ التَّصرُّفَ (١).
٥ - ارتِدادُ رَبِّ المالِ عن الإسلامِ:
قال الحَنفيَّةُ: إذا ارتَدَّ رَبُّ المالِ عن الإسلامِ والعِياذُ باللهِ ولَحِق بدارِ الحَربِ بَطلَت المُضارَبةُ؛ لأنَّ اللُّحوقَ بمَنزِلةِ المَوتِ، ألَا تَرى أنَّه يُقسَّمُ مالُه بينَ وَرَثتِه وقبلَ لُحوقِه يَتوَقَّفُ تَصرُّفُ مُضارِبِه؛ لأنَّه يَتصرَّفُ له فصارَ كتَصرُّفِه بنَفْسِه؛ فإنْ رجَع إلى دارِ الإسلامِ مُسلِمًا جازَت المُضاربةُ، ولَم تَبطُلْ.
وإنْ كان المُضارِبُ قد اشتَرى بالمالِ عَرضًا فارتَدَّ رَبُّ المالِ بعدَ ذلك ولَحِق بدارِ الحَربِ فبَيعُ المُضارِبِ لذلك العَرضِ جائِزٌ؛ لأنَّه لو مات في هذه الحالةِ لَم يَنعزِلْ، فلا يَنعزِلُ برِدَّتِه قبلَ الحُكمِ بلِحاقِه.
والأصلُ أنَّ مِلكَ المُرتَدِّ مَوقوفٌ عندَ أبي حَنيفةَ، فتَصرُّفُه كذلك، وعندَ أبي يُوسُفَ ومُحمدٍ الرِّدَّةُ لا تُؤثِّرُ في حُكمِ الأملاكِ، فتَصرُّفُ المُضارِبِ في حالِ رِدَّةِ رَبِّ المالِ جائِزٌ؛ فإنْ مات رَبُّ المالِ، أو قُتِل، أو لَحِق بدارِ الحَربِ وحُكِم بلِحاقِه بَطَلت أيضًا عندَهما؛ لأنَّ هذه الأسبابَ تُزيلُ الأملاكَ عندَهما أيضًا.
стр. 5230
وإنْ كان المُضارِبُ هو المُرتدَّ فالمُضاربةُ على حالِها في قَولِهم جَميعًا؛ فإنْ مات المُضارِبُ، أو قُتِل، أو لَحِق بدارِ الحَربِ وحُكِم بلَحاقِه بَطلَت المُضاربةُ؛ لأنَّ هذه الأشياءَ كالمَوتِ.
وأمَّا المَرأةُ فارتِدادُها وغَيرُ ارتِدادِها سَواءٌ إجماعًا، سَواءٌ كانت هي صاحِبةَ المالِ، أو المُضاربةَ، إلا أنْ تَموتَ، أو تَلحَقَ بدارِ الحَربِ فيُحكَمَ بلِحاقِها؛ لأنَّ رِدَّتَها لا تُؤثِّرُ في أملاكِها فكذا لا تُؤثِّرُ في تَصرُّفِها (١).
٦ - هَلاكُ مالِ المُضاربةِ:
مالُ المُضاربةِ إمَّا أنْ يَهلِك كلُّه وإمَّا أنْ يَهلِك بَعضُه، وأيضًا إمَّا أنْ يَهلِكَ قَبلَ الشِّراءِ به، وإمَّا أنْ يَهلِكَ بعدَ الشِّراءِ به، ولكلٍّ حُكمُه.
قال الحَنفيَّةُ: تَبطُلُ المُضاربةُ بهَلاكِ مالِ المُضاربةِ في يَدِ المُضارِبِ قبلَ أنْ يَشتريَ به شَيئًا؛ لأنَّه تَعيَّن لِعَقدِ المُضاربةِ بالقَبضِ فيَبطُلُ العَقدُ بهَلاكِه كالوَديعةِ.
وكذلك لو استَهلَكه المُضارِبُ أو أنفَقَه أو دفَعه إلى غَيرِه فاستَهلَكه لِما قُلنا حتى لا يَملِكَ أنْ يَشتريَ به شَيئًا لِلمُضاربةِ.
هذا إذا هلَك مالُ المُضاربةِ قبلَ أنْ يَشتريَ المُضارِبُ شَيئًا؛ فإنْ هلَك بعدَ الشِّراءِ بأنْ كان مالُ المُضاربةِ ألفًا فاشتَرى بها جاريةً ولَم
стр. 5231
يَنقُدِ الثَّمَنَ البائِعَ حتى هَلكت الألفُ، فالجاريةُ على المُضاربةِ، ويَرجِعُ على رَبِّ المالِ بالألفِ فيُسلِّمُها إلى البائِعِ، وكذلك إنْ هَلكَت الثانيةُ التي قبَض يَرجعُ بمِثلِها على رَبِّ المالِ، وكذلك سَبيلُ الثالِثةِ والرابِعةِ وما بعدَ ذلك أبدًا حتى يُسلِّمَ إلى البائِعِ، ويَكونَ ما دفَعه أولًا رَبُّ المالِ وما غُرِّمَ كلُّه مِنْ رأسِ المالِ، وإنَّما كان كذلك لأنَّ المُضارِبَ مُتصرِّفٌ لِرَبِّ المالِ فيَرجِعُ بما لَحِقَه مِنَ الضَّمانِ بتَصرُّفِه له، كالوَكيلِ غَيرَ أنَّ الفَرقَ بينَ الوَكيلِ والمُضارِبِ أنَّ الوَكيلَ إذا هلَك الثَّمنُ في يَدِه فرجَع بمِثلِه إلى المُوكِّلِ ثم هلَك الثاني لَم يَرجِعْ على المُوكِّلِ، والمُضارِبُ يَرجِعُ في كلِّ مَرَةٍ، ووَجهُ الفَرقِ أنَّ الوَكالةَ قد انتَهَت بشِراءِ الوَكيلِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنَ الوَكالةِ بالشِّراءِ استِفادةُ مِلكِ المَبيعِ لا الرِّبحُ؛ فإذا اشتَرى فقد حصَل المَقصودُ فانتَهى عَقدُ الوَكالةِ بانتِهائِه ووَجَب على الوَكيلِ الثَّمنُ لِلبائِعِ؛ فإذا هلَك في يَدِه قَبلَ أنْ يَنقُدَه البائِعُ وَجَب لِلوَكيلِ على المُوكِّلِ مِثلُ ما وَجَب لِلبائِعِ عليه؛ فإذا قبَضه مَرَّةً فقد استَوفى حَقَّه فلا يَجِبُ له عليه شَيءٌ آخَرُ، فأمَّا المُضاربةُ؛ فإنَّها لا تَنتَهي بالشِّراءِ؛ لأنَّ المَقصودَ منها الرِّبحُ ولا يَحصُلُ إلا بالبَيعِ والشِّراءِ مَرَّةً بعدَ أُخرى؛ فإذا بَقيَ العَقدُ كان له أنْ يَرجِعَ ثانيًا وثالِثًا وما غُرِّمَ رَبُّ المالِ مع الأولِ يَصيرُ كلُّه رأسَ المالِ؛ لأنَّه غُرِّمَ لِرَبِّ المالِ بسَبَبِ المُضاربةِ فيَكونُ كلُّه مِنْ مالِ المُضاربةِ، ولأنَّ المَقصودَ مِنْ هذا العَقدِ هو الرِّبحُ، فلو لَم يُعتَبَرْ ما غُرِّمَ رَبُّ المالِ مِنْ رأسِ
стр. 5232
المالِ ويَهلِكْ مَجَّانًا يَتضَرَّرْ به رَبُّ المالِ؛ لأنَّه يَخسَرُ ويَربَحُ المُضارِبُ، وهذا لا يَجوزُ.
ولو قبَض المُضارِبُ الألفَ الأُولى فتَصرَّف فيها حتى صارَت ألفَيْن ثم اشتَرى بها جاريةً قيمَتُها ألفان فهَلَكت الألفان قَبلَ أنْ يَنقُدَها البائِعَ؛ فإنَّه يَرجِعُ على رَبِّ المالِ بألفٍ وخَمسِمِئةٍ، ويُغرَّمُ المُضارِبُ مِنْ مالِه خَمسَمِئةٍ، وهي حِصَّتُه مِنَ الرِّبحِ فيَكونُ رُبعُ الجاريةِ لِلمُضارِبِ خاصَّةً، وثَلاثةُ أرباعِها على المُضاربةِ (١).
وقال المالِكيَّةُ: إنْ تَلِف جَميعُ مالِ المُضاربةِ مِنْ يَدِ العامِلِ انفسَخ العَقدُ.
وإنْ تَلِف بَعضُ المالِ بيَدِ العامِلِ قبلَ العَملِ أو بَعدَه أو خَسِره أو أخَذه اللُّصوصُ أو العَشَّارُ ظُلمًا، أو تَلِف بآفَةٍ سَماويَّةٍ لَم يَضمَنْه العامِلُ وظَلَّ القِراضُ قائِمًا فيما بَقيَ على المَشهورِ ويُجبَرُ (٢) بما رَبِح به أصلُ المالِ، فما بَقيَ بعدَ تَمامِ رأسِ المالِ الأولِ كان بينَهما على ما شرَطًا.
ولو كان العامِلُ قد قال لِرَبِّ المالِ: لا أعمَلُ حتى تَجعلَ ما بَقيَ رأسَ المالِ، ففعَل وأسقَطا الخَسارةَ فهو أبدًا على القِراضِ الأولِ، وإنْ حاسَبَه وأحضَرَه ما لَم يَقبِضْه منه رَبُّ المالِ بعدَ الخَسارةِ والتَّلفِ ثم يَرُدُّه منه على بابِ الصِّحَّةِ والبَراءةِ فلا يُجبَرُ بالرِّبحِ بعدَ ذلك؛ لأنَّه يَكونُ بعدَ قَبضِ مالِكِه
стр. 5233
قِراضًا آخَرَ مُؤتَنِفًا على المَشهورِ، ومَعلومٌ أنَّ الجَبرَ إنَّما يَكونُ إذا بَقيَ شَيءٌ مِنَ المالِ؛ فإنْ تَلِف جَميعُه فأتاه رَبُّه ببَدَلِه فرَبِح الآخَرُ فلا يَجبُرُ رِبحُه الأولَ؛ لأنَّه قِراضٌ ثانٍ، وهو ظاهِرٌ.
ونقَل ابنُ حَبيبٍ عن مالِكٍ وغَيرِه ممَّن لَقِيَه مِنْ أصحابِ مالِكٍ: أنَّه إذا أخبَرَه بما نقَص، وقال: «اعمَلْ بما بَقيَ وقد أسقَطتُ عنكَ قِراضَ ما ذهَب»، فهو قِراضٌ مُؤتَنِفٌ.
وإذا دفَع رَبُّ المالِ لِلعامِلِ المالَ ثم اشتَرى العامِلُ سِلعةً ثم ضاعَ المالُ فرَبُّ المالِ مُخيَّرٌ بينَ أنْ يُخلِفَه -أي: يَدفَعَ بَدَلَ ما تَلِف لِلعامِلِ لِيَتَّجِرَ به- أو ألَّا يُخلِفَه، سَواءٌ تَلِف بَعضُه أو كلُّه، وسَواءٌ كان التَّلفُ قبلَ العَملِ أو بَعدَه؛ فإنْ أخلَفَه رَبُّ المالِ لَزمَ العامِلَ القَبولُ إنْ تَلِف بَعضُه، لا كلُّه إنْ كان التَّلفُ بعدَ العَملِ، وإنْ تَلِف قبلَ العَملِ لَم يَلزَمْه؛ لأنَّ لكلٍّ منهما الفَسخُ قبلَ العَملِ.
وفي تَلَفِ الجَميعِ يَكونُ الثاني قِراضًا مُؤتَنِفًا ولا يُجبَرُ خُسرُ الأولِ بالثاني وفي تَلَفِ بَعضِه يَكونُ رأسُ المالِ الأولِ، ويُجبَرُ خُسرُ الأولِ بالثاني.
وإذا اشتَرى العامِلُ سِلعةً لِلقِراضِ فذهَب لِيأتيَ لِبائِعِها بثَمَنِها فوَجَد المالَ قد ضاعَ وأبى رَبُّ المالِ خَلَفه لَزِمت العامِلَ السِّلعةُ التي اشتَراها إنْ تَلِف الجَميعُ حيث لَم يُخلِفْ رَبُّ المالِ ما تَلِف أو أخلَفَه وأبَى العامِلُ قَبولَه فيَكونُ له رِبحُها وخَسارتُها، وأمَّا إذا أخلَفَ رَبُّ المالِ ما تَلِف وقَبِله العامِلُ؛ فإنَّها تَكونُ على القِراضِ.
стр. 5234
وأمَّا إذا اشتَرى بجَميعِ المالِ سِلعةً وتَلِف بَعضُ المالِ قبلَ إقباضِه وبعدَ الشِّراءِ ولَم يُخلِفْ ما تَلِف رَبُّ المالِ وأخلَفه العامِلُ؛ فإنَّه يُفَضُّ الرِّبحُ على ما دفَع العامِلُ مِنْ ثَمنِ السِّلعةِ وعلى ما دفَع فيها مِنْ رأسِ المالِ، فما نابَ ما دفَع فيها مِنْ رأسِ المالِ؛ فإنَّه يُجبَرُ به الخُسرُ؛ فإنْ فَضَلت منه فَضلةٌ كانت بينَهما على ما شرَطا، وأمَّا ما يَنوبُ عما دفَعه العامِلُ فيَختَصُّ به (١).
وقال الشافِعيَّةُ: النَّقصُ الحاصِلُ في مالِ القِراضِ بالرُّخصِ أو العَيبِ أو المَرضِ الحادثَيْن مَحسوبٌ مِنَ الرِّبحِ ما أمكَنَ الحِسابُ منه، ومَجبورٌ ذلك النَّقصُ بالرِّبحِ لاقتِضاءِ العُرفِ ذلك.
وكذا لو تَلِف بَعضُ مالِ القِراضِ بآفةٍ سَماويَّةٍ كحَرقٍ وغَرقٍ أو غَصبٍ أو سَرقةٍ وتَعذَّرَ أخذُه أو أخذُ بَدَلِه بَعدَ تَصرُّفِ العامِلِ فيه بالبَيعِ أو الشِّراءِ فهو مَحسوبٌ مِنَ الرِّبحِ في الأصَحِّ؛ لأنَّه نَقصٌ حصَل في المالِ فيُجبَرُ بالرِّبحِ كالنَّقصِ الحاصِلِ بالرُّخصِ قياسًا على ما سبَق؛ لأنَّ العامِلَ إنَّما يَستحقُّ مِنَ الزائِدِ على رأسِ المالِ.
стр. 5235
والآخَرُ وهو مُقابِلُ الأصَحِّ: لا؛ لأنَّه نَقصٌ لا تَعلُّقَ له بتَصرُّفِ العامِلِ وتِجارتِه بخِلافِ الحاصِلِ بالرُّخصِ، وليس ناشِئًا مِنْ نَفْسِ المالِ، بخِلافِ المَرضِ والعَيبِ.
وما ذكَره مِنْ صُورةِ الغَصبِ والسَّرقةِ هو فيما إذا تَعذَّرَ أخذُ البَدلِ مِنَ المُتلَفِ؛ فإنْ أخَذَ استمَرَّ القِراضُ فيه كما كان، والمُخاصِمُ المالِكُ فَقط إنْ لَم يَكُنْ في المالِ رِبحٌ، وهُما جَميعًا إنْ كان فيه رِبحٌ.
وقيلَ: لِلعامِلِ المُخاصَمةُ مُطلَقًا حِفظًا لِلمالِ.
وإنْ تَلِف بَعضُ المالِ بما ذُكِر قبلَ تَصرُّفِه فيه ببَيعٍ أو شِراءٍ يُحسَبُ ما تَلِف مِنْ رأسِ المالِ لا مِنَ الرِّبحِ في الأصَحِّ؛ لأنَّ العَقدَ لَم يَتأكَّدْ بالعَملِ.
والآخَرُ: مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّه بقَبضِ العامِلِ صارَ مالَ قِراضٍ.
وهذا كلُّه إذا تَلِف بَعضُه، أمَّا لو تَلِف كلُّه؛ فإنَّ القِراضَ يَرتَفِعُ، سَواءٌ تَلِف بآفةٍ سَماويَّةٍ أو بإتلافِ المالِكِ أو العامِلِ أو أجنَبيٍّ، لكنْ يَستقِرُّ نَصيبُ العامِلِ مِنَ الرِّبحِ في الثانيةِ كما مَرَّ ويَبقَى القِراضُ في البَدلِ إنْ أخَذه في الرابِعةِ والخَصمِ في البَدلِ المالِكُ إنْ لَم يَكُنْ في المالِ رِبحٌ، والمالِكُ والعامِلُ إن كان فيه رِبحٌ.
وأمَّا إنْ أتلَفه العامِلُ فقيلَ: يَرتَفِعُ القِراضُ؛ لأنَّه -وإنْ وجَب عليه بَدَلُه- لا يَدخُلُ في مِلكِ المالِكِ إلا بقَبضِه منه، وحينَئِذٍ يَحتاجُ إلى استِئنافِ القِراضِ، وقيلَ: لا يَرتفِعُ، لِقيامِ البَدَلِ مَقامَه.
стр. 5236
وإنْ تلَف مالُ قِراضٍ اشتَرى بعَينِه شَيئًا قبلَ تَسليمِه انفسَخ البَيعُ والقِراضُ أو في الذِّمَّةِ وتَلِف قبلَ الشِّراءِ انقَلَب الشِّراءُ لِلعامِلِ فيَرتفِعُ القِراضُ، وإنْ تَلِف بعدَ الشِّراءِ وقَع لِلمالِكِ، فلو كان المالُ مِئةً وتَلِف لَزِمه مِئةٌ أُخرى (١).
وقال الحَنابِلةُ: إنْ تَلِف رأسُ المالِ أو تَلِف بَعضُه بعدَ تَصرُّفِه أو تَعيَّبَ رأسُ المالِ أو خَسِر رأسُ المالِ أو نزَل السِّعرُ بعدَ تَصرُّفِه في رأسِ المالِ جُبِرتِ الوَضيعةُ مِنْ رِبحِ بَقيَّتِه قبلَ قِسمَتِه ناضًّا أو تَنضيضِه مع المُحاسَبةِ؛ لأنَّها مُضاربةٌ واحِدةٌ فلا شَيءَ لِلعامِلِ إلا بَعدَ كَمالِ رأسِ المالِ.
وإنْ تَلِف بَعضُ رأسِ المالِ قبلَ تَصرُّفِ العامِلِ فيه انفَسَخت فيه المُضاربةُ، وكان رأسُ المالِ هو الباقيَ خاصَّةً؛ لأنَّه مالٌ هلَك على جِهتِه قبلَ التَّصرُّفِ أشبَهَ التالِفَ قَبلَ القَبضِ وفارَقَ ما بعدَ التَّصرُّفِ؛ لأنَّه دارَ في التِّجارةِ وشرَع فيما قصَد بالعَقدِ مِنَ التَّصرُّفاتِ المُؤدِّيةِ لِلرِّبحِ.
وإنْ تَلِف المالُ قبلَ التَّصرُّفِ ثم اشتَرى المُضارِبُ سِلعةً في ذِمَّتِه لِلمُضاربةِ فهي له -أي: لِلمُضارِبِ- وثَمنُها عليه، سَواءٌ عَلِم المُضارِبُ تَلَف المالِ قبلَ نَقدِ الثَّمنِ أو جَهِلَه؛ لأنَّه اشتَراها في ذِمَّتِه وليست مِنَ المُضاربةِ؛ لِانفِساخِها بالتَّلفِ، فاختَصَّت به، ولو كانت لِلمُضاربةِ لَكان
стр. 5237
مُستَدينًا على غَيرِه والاستِدانةُ على الغَيرِ بغَيرِ إذنِه لا تَجوزُ إلا أنْ يُجيزَه رَبُّ المالِ فيَكونَ له كمَنِ اشتَرى لِغَيرِه سِلعةً في ذِمَّتِه ولَم يُسَمِّه.
وإنْ تَلِف مالُ المُضاربةِ بعدَ الشِّراءِ قبلَ نَقدِ ثَمنِ السِّلعةِ بأنِ اشتَرى في الذِّمَّةِ لِلمُضاربةِ سِلعةً في ذِمَّتِه ثم تَلِف مالُ المُضاربةِ قبلَ إقباضِه أو تَلِف هو والسِّلعةُ فالمُضاربةُ باقيةٌ بحالِها؛ لأنَّ المُوجِبَ لِفَسخِها هو التَّلفُ، ولَم يُوجَدْ حين الشِّراءِ ولا قَبلَه، والثَّمنُ على رَبِّ المالِ؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ مُتعلِّقةٌ به كالمُوكِّلِ ويَصيرُ رأسُ الثَّمنِ دونَ التالِفِ لِفَواتِه ولِصاحِبِ السِّلعةِ مُطالبةُ كلٍّ مِنْ رَبِّ المالِ والعامِلِ بالثَّمنِ لِبَقاءِ الإذنِ مِنْ رَبِّ المالِ ولِمُباشَرةِ العامِلِ؛ فإنْ غَرَّمَه رَبُّ المالِ لَم يَرجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ مُتعلِّقةٌ به ويَرجِعُ به العامِلُ إنْ غَرِمَه على رَبِّ المالِ لِما تَقدَّمَ.
فلو كان رأسُ المالِ مِئةً فخَسِر عَشَرةً ثم أخذَ رَبُّه عَشَرةً لَم يَنقُصْ رأسُ المالِ بالخُسرانِ؛ لأنَّه قد يَربَحُ فيُجبَرُ الخُسرانُ مِنَ الرِّبحِ لكنَّ رأسَ المالِ يَنقُصُ بما أخَذَه رَبُّ المالِ وهو العَشرةُ، وقِسطُها مِنَ الخُسرانِ، وهو دِرهَمٌ وتُسعُ دِرهَمٍ، ويَبقى رأسُ المالِ ثَمانيةً وثَمانينَ وثمانيةَ أتساعِ دِرهَمٍ.
فإنْ كان رَبُّ المالِ أخَدَ نِصفَ التِّسعينَ المُتبَقِّيةَ وهو خَمسةٌ وأربَعونَ بَقيَ رأسُ المالِ خَمسينَ دِرهمًا؛ لأنَّ رَبَّ المالِ أخَذَ نِصفَ المالِ فسَقَط نِصفُ الخُسرانِ، وإنْ كان رَبُّ المالِ أخَذَ خَمسينَ بَقيَ أربَعةٌ وأربَعونَ وأربَعةٌ أتساعٍ؛ لأنَّه أخَذَ خَمسةَ أتساعِ المالِ، فسَقَط خَمسةُ أتساعِ الخُسرانِ، وهو خَمسةٌ وخَمسةُ أتساعِ دِرهَمٍ، يَتبَقَّى ما ذُكِر.
стр. 5238
وكذلك إذا رَبِح المالُ ثم أخَذَ رَبُّ المالِ بَعضَ المالِ كان ما أخَذَه رَبُّ المالِ مِنَ الرِّبحِ ورأسِ المالِ، فلو كان رأسُ المالِ مِئةً فرَبِح عِشرينَ فأخَذَها رَبُّ المالِ فقد أخَذَ سُدسَه فيَنقُصُ المالُ وهو مِئةٌ، سُدسُه سِتةَ عَشَرَ وثُلثانِ، وقِسطُها مِنَ الرِّبحِ ثلاثةٌ وثُلثٌ، صارَ رأسُ المالِ، ثَلاثةً وثَمانينَ وثُلثًا، ولو كان أخَذَ سِتِّينَ لَصار رأسُ المالِ خَمسينَ؛ لأنَّه أخَذَ نِصفَ المالِ فصارَ نِصفَ المالِ، وإنْ أخَذَ خَمسينَ تَبَقَّى ثَمانيةٌ وخَمسونَ وثُلثٌ؛ لأنَّه أخَذَ رُبعَ المالِ وسُدسَه فيَبقَى ثُلثُه ورُبعُه وهو ما ذَكَرنا.
ومهما بَقيَ العَقدُ على رأسِ المالِ وجَب جَبرُ خُسرانِه مِنْ رِبحِه، وإنِ اقتَسَما الرِّبحَ؛ لأنَّها مُضاربةٌ واحِدةٌ وتَحرُمُ قِسمةُ الرِّبحِ والعَقدُ باقٍ إلا باتِّفاقِهما على قِسمَتِه؛ لأنَّه مع امتِناعِ رَبِّ المالِ وِقايةً لِرأسِ مالِه؛ لأنَّه لا يأمَنُ الخُسرانَ فيَجبُرُه بالرِّبحِ ومع امتِناعِ العامِلِ لا يأمَنُ أنْ يَلزَمَه رَدُّ ما أخَذَ في وَقتٍ لا يَقدِرُ عليه، فلا يُجبَرُ واحِدٌ منهما، قال الإمامُ أحمَدُ وقد سُئِلَ عن المُضارِبِ يَربَحُ ويَضعُ مِرارًا: يَرِدُّ الوَضيعةَ على الرِّبحِ إلا أنْ يَقبِضَ رأسَ المالِ صاحِبُه ثم يَرُدَّه إليه فيَقولَ: اعمَلْ به ثانيةً فما رَبِحَ بعدَ ذلك لا يَجبُرُ به وَضيعةَ الأولِ؛ لأنَّه مُضاربةٌ أُخرى، قال: فهذا ليس في نَفْسي منه شَيءٌ، وأمَّا ما لا يُدفَعُ إليه فمَتى يَحتَسِبا حِسابًا كالقَبضِ كما قال ابنُ سِيرينَ، قيلَ: وكيف يَكونُ حِسابًا كالقَبضِ؟ قال: يَظهَرُ المالُ، يَعني يَنِضُّ ويَجيءُ فيَحتَسِبان عليه؛ وإنْ شاءَ صاحِبُه قبَضه، قيلَ لِلإمامِ: فيَحتَسبانِ على المَتاعِ؟ قال: لا يَحتَسبان إلا على الناضِّ؛ لأنَّ المَتاعَ قد يَنحَطُّ سِعرُه ويَرتَفِعُ. انتَهى.
стр. 5239
وأمَّا قَبلَ قَبضِ رَبِّ المالِ رأسَ مالِه وتَنضيضِه مع المُحاسَبةِ فالوَضيعةُ إذا حَصَلت تُحسَبُ مِنَ الرِّبحِ لِبَقاءِ المُضاربةِ، وكذلك لو طلَب أحَدُهما قِسمةَ الرِّبحِ دونَ رأسِ المالِ لَم تَجِبْ إجابَتُه؛ لأنَّه -أي: المُمتَنِعَ- لا يأمَنُ الخُسرانَ في ثانية الحالاتِ؛ فإنْ كان المُمتَنعُ المالِكَ فهو يَجبُرُ الخُسرانَ بالرِّبحِ، وإنْ كان العامِلُ؛ فإنَّه لا يأمَنُ أنْ يَلزَمَه الرَّدُّ في وَقتٍ لا يَقدِرُ عليه (١).
الحُكمُ إذا فسَد القِراضُ:
إذا فسَد القِراضُ فلَه ثلاثةُ أحكامٍ:
الأولُ: أنَّ الرِّبحَ كلَّه لِرَبِّ المالِ، ولِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِه:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُضاربةَ إذا فَسدَت بانَ تَخلُّفُ شَرطٍ مِنْ شُروطِ صِحَّتِها المُتقَدِّمِ بَيانُها؛ فإنَّ العامِلَ لا يَستحِقُّ الجُزءَ المُسمَّى مِنَ الرِّبحِ بل يَكونُ جَميعُ الرِّبحِ لِرَبِّ المالِ ولِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِ عَملِه بالِغةً ما بَلَغت عندَ الجُمهورِ -خِلافًا لِأبي يُوسُفَ وأحمدَ في رِوايةٍ- سَواءٌ كان في المُضاربةِ رِبحٌ أو لَم يَكُنْ؛ لأنَّ المُضاربةَ الفاسِدةَ في مَعنى الإجارةِ الفاسِدةِ، والأجيرَ لا يَستحِقُّ النَّفقةَ ولا المُسمَّى في الإجارةِ الفاسِدةِ؛ وإنَّما يَستحِقُّ أجرَ المِثلِ، ولأنَّ عَمَله إنَّما كان
стр. 5240
في مُقابَلةِ المُسمَّى؛ فإذا لَم تَصِحَّ التَّسميةُ وجَب رَدُّ عَمَلِه عليه؛ لأنَّه لَم يَعملْ إلا لِيأخُذَ عِوَضه، وذلك مُتعذَّرٌ، فوجَب له قيمَتُه، وهي أجرُ مِثلِه؛ كالبَيعِ الفاسِد، كما لو اشتَرى شِراءً فاسِدًا فقبَضه وتَلِف أحَدُ العِوَضَيْن في يَدِ قابِضِه فوجَب رَدُّ بَدَلِه.
والرِّبحُ كلُّه يَكونُ لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّ الرِّبحَ نَماءُ مِلكِه؛ وإنَّما يَستحِقُّ المُضارِبُ شَطرًا منه بالشَّرطِ ولَم يَصحَّ الشَّرطُ، فكانَ كلُّه لِرَبِّ المالِ والخُسرانُ عليه.
وعن الإمامِ أحمدَ وأبي يُوسُفَ أنَّ له الأقَلَّ مِنَ الأُجرةِ أو ما شُرِط له مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّه إنْ كان الأقَلُّ الأُجرةَ فهو لا يَستحِقُّ غَيرَها؛ لِبُطلانِ الشَّرطِ، وإنْ كان الأقَلُّ المُشروطَ فهو قد رَضيَ به.
واختارَ الشَّريفُ أبو جَعفَرٍ أنَّ الرِّبحَ بينَهما على ما شرَطاه، واحتَجَّ بأنَّ أحمدَ قال: إذا اشتَرَكا في العُروضِ قُسِّمَ الرِّبحُ على ما شرَطاه، فأثبَت فيها ذلك مع فَسادِها.
وفي قَولٍ عندَ الشافِعيَّةِ وهو رِوايةٌ عن أبي يُوسُفَ أنَّ العامِلَ لا يَستحِقُّ أُجرةً عِنْدَ عَدمِ الرِّبحِ اعتِبارًا بالمُضاربةِ الصَّحيحةِ، وهو القياسُ؛ لأنَّ القِراضَ الصَّحيحَ لا يَستحِقُّ فيه شَيئًا عندَ عَدَمِ الرِّبحِ؛ لأنَّه إذا أخَذَ أجرًا مع عَدمِ الرِّبحِ تَكونُ المُضاربةُ الفاسِدةُ أروَجَ مِنَ الصَّحيحةِ؛ لأنَّ الصَّحيحةَ إذا لَم يَربَحْ فيها لَم يَكُنْ له شَيءٌ، فكيف يَستحِقُّ في الفاسِدةِ مع عَدمِ الرِّبحِ؟!
стр. 5241
أمَّا إنْ رَضيَ المُضارِبُ بالعَملِ بغَيرِ عِوضٍ بأنْ قال المالِكُ: «قارَضتُكَ وجَميعُ الرِّبحِ لي»، وقَبِل العامِلُ، فلا شَيءَ له عندَ الحَنابِلةِ والشافِعيَّةِ في الأصَحِّ؛ لأنَّه عَمِل مَجانًا غَيرَ طامِعٍ في شَيءٍ.
والآخَرُ: له أُجرةُ المِثلِ، كسائِرِ أسبابِ الفَسادِ (١).
أمَّا المالِكيَّةُ فعِندَهم القِراضُ إذا فسَدت له قِسمانِ:
القِسمُ الأولُ: ما فيه قِراضُ المِثلِ إذا كان في المالِ رِبحٌ؛ فإذا لَم يَكُنْ فيه رِبحٌ فلا شَيءَ لِلعامِلِ:
١ - ك: «لكَ شِركٌ في رِبحِه».
٢ - والقِراضُ المُبهَمُ بأنْ قال: «اعمَلْ فيه قِراضًا»، وأطلَقَ.
٣ - أو قِراضُ أجَلٍ فيه العَملُ ابتِداءً أو انتِهاءً، ك: «اعمَلْ فيه سَنةً مِنَ الآنَ»، أو: «إذا جاءَ الوَقتُ الفُلانيُّ فاعمَلْ فيه».
٤ - أو قِراضٌ شُرِط فيه على العامِلِ ضَمانُ رأسِ المالِ إذا أُتلِف أو ضاعَ بلا تَفريطٍ، ففاسِدٌ.
стр. 5242
٥ - أو قِراضٌ قال فيه لِلعامِلِ: «اشتَرِ السِّلعَ بدَيْنٍ في ذِمَّتِك»، فخالَف العامِلُ واشتَرى بنَقدٍ.
٦ - أو شَرَط عليه ما يَقِلُّ وُجودُه.
٧ - وكذا إذا اختلَف العامِلُ ورَبُّ المالِ في قَدْرِ الرِّبحِ بعدَ العَملِ وادَّعى كلٌّ منهما ما لا يُشبِهُ العادةَ.
القِسمُ الآخَرُ: ما فيه أُجرةُ المِثلِ: في ذِمَّةِ رَبِّ المالِ، رَبِح العامِلُ أو لَم يَربَحْ.
١ - عندَ اشتِراطِ يَدِ رَبِّ المالِ مع العامِلِ في البَيعِ والشِّراءِ والأخْذِ والعَطاءِ مما يَتعلَّقُ بالقِراضِ.
٢ - أو اشتِراطِ مُشاورةِ رِبِّ المالِ في البَيعِ والشِّراءِ.
٣ - أو اشتِراطِ أمينٍ على العامِلِ.
٤ - أو اشتِراطِ تَعيينِ مَحلٍّ لِلتَّجْرِ لا يَتعَداه لِغَيرِه كسُوقٍ أو حانوتٍ.
٥ - أو اشتِراطِ تَعيينِ زَمنٍ له لا يُتاجِرُ في غَيرُه ولو تَعدَّد ك: «لا تَشتَرِ أو لا تَبِعْ إلا في الشِّتاءِ، أو اشتَرِ في الصَّيفِ وبِعْ في الشِّتاءِ».
٦ - أو اشتِراطِ ألَّا يَشتَريَ بالمالِ شَيئًا إلى بُلوغِ بَلدِ كذا، وبعدَ بُلوغِه يَكونُ له التَّصرُّفُ في أيِّ مَحلٍّ.
٧ - أو تَعيينِ شَخصٍ لِلشِّراءِ منه بحيث لا يَشتَري شَيئًا مِنْ غَيرِه أو البَيعِ له بحيث لا يَبيعُ سِلعةً لِغَيرِه.
стр. 5243
٨ - أو اشتَرَط عليه رَبُّ المالِ أنْ يُشارِكَ غَيرَه في مالِ القِراضِ.
٩ - أو اشتَرَط عليه أنْ يَخلِطَ مالَ القِراضِ بمالٍ عندَه ويَعمَلَ فيهما.
١٠ - أو اشتَرَط عليه أنْ يُبضِعَ المالَ بأنْ يُرسِلَ جُزءًا مِنْ مالِ القِراضِ مع غَيرِه لِلتِّجارةِ دونَ مُقابِلٍ.
١١ - أو اشتَرَط عليه أنْ يَزرعَ مِنْ مالِ القِراضِ.
فيَفسُدُ القِراضُ في ذلك كلِّه لِلتَّحجيرِ المُخالِفِ لِسُنَّةِ القِراضِ، وفيه أُجرةُ المِثلِ والرِّبحُ لِرَبِّ المالِ والخَسارةُ عليه في الجَميعِ (١).
الثاني: تَنفُذُ جَميعُ تَصرُّفاتِ العامِلِ:
نَصَّ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّ القِراضَ إذا فسَد نَفَذت تَصرُّفاتُ العامِلِ، كنُفوذِها في القِراضِ الصَّحيحِ لِلإذنِ فيه، كما في الوَكالةِ الفاسِدةِ؛ لأنَّه إذا بطَل العَقدُ بَقيَ الإذنُ، فملَك به التَّصرُّفَ كالوَكيلِ، وليس كما لو فسَد البَيعُ لا يَنفُذُ تَصرُّفُ المُشتَري؛ لأنَّه إنَّما يَتصرَّفُ بالمِلكِ ولا مِلكَ في البَيعِ الفاسِدِ، قال الشافِعيَّةُ: هذا إذا قارَضَه المالِكُ بمالِه، أمَّا إذا قارَضَه بمالِ غَيرِه بوَكالةٍ أو وِلايةٍ فلا (٢).
стр. 5244
الثالِثُ: لا ضَمانَ عليه كالقِراضِ الصَّحيحِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ أبو حَنيفةَ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وهو مَرويٌّ عن أبي يُوسُفَ ومُحمدٍ وهو ظاهِرُ الرِّوايةِ عندَ الحَنفيَّةِ وبه يُفتَى أنَّه لا ضَمانَ على المُضاربِ في المُضاربةِ الفاسِدةِ فيما يَتلَفُ بغَيرِ تَعدِّيه وتَفريطِه؛ لأنَّه ما كان القَبضُ في صَحيحِه مَضمونًا كان مَضمونًا في فاسِدِه، وما لَم يَكُنْ مَضمونًا في صَحيحِه لَم يُضمَنْ في فاسِدِه كالوَكالةِ، ولأنَّها إذا فسَدت صارتْ إجارةً، والأجيرَ لا يَضمَنُ سُكنى ما تَلِف بغَيرِ تَعدِّيه ولا فِعلِه، فكذا ههنا.
وذهَب أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ فيما نقَله عنهما الطَّحاويُّ ﵀ إلى أنَّه يَضمَنُ في المُضاربةِ الفاسِدةِ كما في الأجيرِ المُشتَرَكِ إذا هلَك المالُ في يَدِه بما يُمكِنُ التَّحرُّزُ عنه.
وقال الإسبيجابيُّ ﵀: والأصَحُّ أنَّه لا ضَمانَ على قَولِ الكلِّ كما في «العِنايةِ» (١).
стр. 5245
تم بحمد الله
стр. 5246
كتاب المساقاة
تَعريفُ المُساقاةِ:
المُساقاةُ لُغةً: مُفاعَلةٌ مِنْ السَّقْيِ، سُمِّيتْ بذلك لِاحتياجِها إلى السَّقْيِ في الأغلَبِ؛ لأنَّه أنفَعُ أعمالِها، وأصْلُ مَنفعَتِها، وأكثَرُها مُؤنةً، لا سيَّما أهلَ الحِجازِ؛ فإنَّهم يَسقونَ مِنْ الآبارِ نَضحًا، فيَعظُمُ أمْرُه وتَكثُرُ مَشَقَّتُه.
والبَعلُ يَجوزُ مُساقاتُه، ولا سَقْيَ فيه؛ لأنَّ ما فيه مِنْ المُؤَنِ يَقومُ مَقامَ السَّقْيِ.
وَقيلَ: مِنْ «السَّقِيِّ» بكَسرِ القافِ وتَشديدِ الياءِ، وهي: صِغارُ النَّخلِ.
وَأهلُ المَدينةِ يُسَمُّونَها المُعامَلةَ: وهي مُفاعَلةٌ مِنْ العَملِ (١).
стр. 5247
والمُساقاةُ شَرعًا:
تَعدَّدَتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ المُساقاةِ، وإنْ كانَتْ كلُّها بمَعنًى واحِدٍ، وهي دَفعُ الشَّجرِ إلى آخَرَ مُعامَلةً لِيَقومَ بسَقْيِه وعَملِ سائِرِ ما يَحتاجُ إليه بجُزءٍ مَعلومٍ له مِنْ ثَمرِه، كالنِّصفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ.
قالَ الحَنفيَّةُ: هي دَفعُ النَّخلِ، والكَرْمِ، والأشجارِ المُثمِرةِ مُعامَلةً إلى مَنْ يُصلِحُه بجُزءٍ مَعلومٍ مِنْ ثَمرِه، شائِعٍ، كالنِّصْفِ والرُّبُعِ، قَلَّ أو كَثُرَ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: عَقْدٌ مِنْ ربِّ الحائِطِ أوِ الزَّرعِ مع غَيرِه على القِيامِ بمُؤنةِ شَجرٍ، أو نَباتٍ، بجُزءٍ مِنْ غَلَّتِه، لا مَكِيلةٍ، ولا بجُزءٍ مِنْ غَلَّةِ غَيرِه، بصيغةِ: ساقَيتُ، أو لَفظِ: عامَلتُ، فقَطْ، لا بلَفظِ إجارةٍ أو شَرِكةٍ أو بَيعٍ؛ فلا تَنعقِدُ بذلك، أيْ: مِنْ البادِئِ مِنهما، ويَكفي مِنْ الثَّاني أنْ يَقولَ: قَبِلتُ، أو: رَضيتُ، ونَحوَ ذلك (٢).
وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: هي عَقدٌ على عَملِ مُؤنةِ النَّباتِ بقَدْرٍ لا مِنْ غيرِ غَلَّتِه، لا بلَفظِ بَيعٍ أو إجارةٍ أو جُعلٍ (٣).
وقالَ الشافِعيَّةُ: هي أنْ يَدفَعَ الإنسانُ نَخلًا أو شَجرَ عِنَبٍ فَقَطْ إلى مَنْ يُحسِنُ العَملَ فيها مدَّةً مَعلومةً؛ لِيَقومَ بسَقْيِها وتَعهُّدِها على أنَّ ما
стр. 5248
رَزَقَ اللَّهُ تَعالى مِنْ الثَّمرةِ يَكونُ بَينَهما على ما يَتَّفِقانِ عليه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: المُساقاةُ هي: دَفعُ شَجرٍ -لَه ثَمرٌ مَأكولٌ-، مَغروسٍ مَعلومٍ لِلمالِكِ والعامِلِ برُؤيةٍ، أو صِفةٍ لَهُما، لِمَنْ يَعمَلُ عليه، ويَقومُ بمَصلَحَتِه بجُزءٍ مَشاعٍ مَعلومٍ مِنْ ثَمرِه النَّامي بعَملِه المُتكرِّرِ كلَّ عامٍ؛ كالنَّخلِ والكَرْمِ والرُّمَّانِ والجَوزِ واللَّوزِ والزَّيتونِ؛ فلا تَصحُّ على ما يَتكرَّرُ حَملُه في عامٍ واحِدٍ؛ كالقُطنِ والقِثَّاءِ ونَحوِ ذلك.
والمُناصَبةُ هي: دَفعَ أرضٍ وشَجرٍ له ثَمرٌ مَأكولٌ، بلا غَرسٍ، لِمَنْ يَغرِسُه ويَعمَلُ عليه بجُزءٍ مَشاعٍ مَعلومٍ مِنْ ثَمرَتِه، أو مِنهما، أي: الشَّجرِ والثَّمرِ.
فالمُساقاةُ أعَمُّ مِنْ المُناصَبةِ (٢).
стр. 5249
حُكمُ المُساقاةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ المُساقاةِ هَلْ هي جائِزةٌ أو باطِلةٌ؟
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ -وعليه الفَتوَى عِندَهم- إلى أنَّ المُساقاةَ جائِزةٌ، واستَدَلُّوا على ذلك بالسُّنة وإجماعِ الصَّحابةِ والقِياسِ والحاجةِ.
أمَّا السُّنةُ: فحَدِيثُ ابنِ عُمرَ ﵄ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أَوْ زَرْعٍ» (١).
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «افتَتحَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ خَيبَرَ، وَاشترَطَ أنَّ له الأَرْضَ، وَكلَّ صَفرَاءَ وَبَيضَاءَ، قالَ أهلُ خَيبَرَ: نَحنُ أعلَمُ بالأَرْضِ مِنكم، فَأعطِناها على أنَّ لَكم نِصفَ الثَمرَةِ، ولَنَا نِصفَها، فزَعَم أنَّه أَعطاهم على ذلك، فلَمَّا كان حينَ يُصرَمُ النَّخلُ بَعَثَ إلَيهِم عبدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحةَ فحَزَرَ عليهم النَّخلَ، وهو الذي يُسَمِّيهِ أهلُ المَدينَةِ الخَرْصَ، فقالَ: في ذا كذا وكذا، قالوا: أَكثَرْتَ عَلَينَا يا ابنَ رَوَاحةَ. فقالَ: فأنَا ألِي حَزرَ النَّخلِ وَأُعطِيكم نِصفَ الذي قُلتُ. قالوا: هذا الحَقُّ وَبهِ تَقُومُ السَّمَاءُ والأَرضُ، قد رَضينَا أنْ نأْخُذَهُ بالَّذِي قُلتَ» (٢).
وعن أبي الزُّبَيرِ أنَّه سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ ﵄ يَقولُ: «خَرَصَهَا ابنُ
стр. 5250
روَاحَةَ أَربَعِينَ ألفَ وَسقٍ، وزَعَم أنَّ اليَهُودَ لَمَّا خَيَّرَهُمُ ابنُ رَوَاحَةَ أخَذُوا الثَمرَ وَعليهمْ عِشرُونَ ألفَ وَسقٍ» (١).
وأمَّا إجماعُ الصَّحابةِ: فعن أبي جَعْفَرٍ مُحمَّدِ بنِ عَلِيٍّ قالَ: «عَامَلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ، ثم أبو بَكْرٍ وَعُمرُ وَعُثمانُ وَعَلِيٌّ، ثم أَهْلُوهُم إِلَى اليَوْمِ يُعْطُونَ الثُّلُثَ أَوِ الرُّبُعَ» (٢).
وقالَ البُخاريُّ ﵀: وقالَ قَيسُ بنُ مُسْلِمٍ عن أبي جَعفَرٍ قال: «ما بالمَدِينَةِ أَهلُ بَيتِ هِجرَةٍ، إلا يَزْرَعونَ على الثُّلُثِ والرُّبُعِ، وزَارَعَ عَلِيٌّ، وسَعدُ بنُ مَالِكٍ، وعبدُ اللَّهِ بنُ مَسعودٍ، وعمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ، وَالقَاسِمُ، وعُروَةُ، وآلُ أبي بَكْرٍ، وآلُ عُمرَ، وآلُ عَلِيٍّ … » (٣).
وَهَذا أمرٌ صَحيحٌ مَشهورٌ عَمِلَ به رَسولُ اللَّهِ ﷺ حتى ماتَ، ثم خُلَفاؤُه الرَّاشِدونَ حتى ماتوا، ثم أهلُوهم مِنْ بَعدِهم، ولَم يَبقَ بالمَدينةِ أهلُ بَيتٍ إلَّا عَمِلَ بِهِ، فلم يُنكِرْه مُنكِرٌ؛ فكانَ إجماعًا، وفي إقرارِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ يَهودَ خَيبَرَ على مُساقاتِهمُ التي ساقاهم عليها النَّبيُّ ﷺ بَيانٌ واضِحٌ على أنَّ المُساقاةَ حُكمٌ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ مُحكَمٌ غيرُ مَنسوخٍ.
وقد عَمِلَ به أزواجُ رَسولِ اللهِ ﷺ مِنْ بَعدِه، فرَوَى البُخارِيُّ عن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عامَلَ خَيبَرَ بِشَطرِ ما يَخرُجُ
стр. 5251
منها من ثَمرٍ أو زَرعٍ، فكَانَ يُعطِي أَزوَاجَهُ مِئةَ وَسقٍ: ثَمانُونَ وَسقَ تَمرٍ، وَعِشرُونَ وَسقَ شَعِيرٍ، فقَسَمَ عُمرُ خَيبَرَ، فخَيَّرَ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُقطِعَ لَهُنَّ مِنْ المَاءِ وَالأَرْضِ، أو يُمضِيَ لَهُنَّ، فَمِنهنَّ مَنِ اختَارَ الأَرْضَ، وَمِنهنَّ مَنِ اختَارَ الوَسْقَ، وكَانَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ ممَّنِ اخْتارَتَا الأرْضَ والمَاءَ» (١).
وَمِنْ طَريقِ القياسِ والنَّظَرِ أنَّ الأُصولَ مالٌ لا يَنمو بنَفْسِه، ولا تَجوزُ إجارَتُه، وإنَّما يُنَمَّى بالعَملِ عليه، فجازَ العَملُ عليه ببَعضِ ما يَخرُجُ مِنه، كالقِراضِ، بَلِ المُساقاةُ أوْلَى بالجَوازِ مِنْ القِراضِ، لأنَّ الغَرَرَ والخِطارَ في القِراضِ أكثَرُ، لأنَّه قد يَكونُ في المالِ رِبْحٌ، وقَد لا يَكونُ فيه رِبحٌ، وجَوازُ أحَدِ الأمرَيْنِ كَجَوازِ الآخَرِ، لَيسَ أحَدُهما أغلَب مِنْ صاحِبِه، والنَّخلُ قد أجرَى اللَّهُ تَعالى العادةَ بأنْ تَحمِلَ كلَّ سَنةٍ، فلا بدَّ أنْ يكونَ لِلنَّخلِ ثَمرةٌ في الأغلَبِ مِنْ الأحوالِ.
وأمَّا الضَّرورةُ والحاجةُ: فلأنَّ الحاجةَ ماسَّةٌ وداعيةٌ إليها؛ لأنَّ صاحِبَ الشَّجرِ قد لا يَقدِرُ على العَملِ بنَفْسِه، ولا يُحسِنُ تَعَهُّدَه، أو لا يَتفرَّغُ لَه، والقادِرُ على العَملِ والمُتفرِّغُ له لا يَجِدُ أرضًا ولا شَجرًا، فيَحتاجُ ذلك إلى الِاستِعمالِ، وهذا إلى العَملِ، ولَوِ استَأجَرَ المالِكُ مَنْ يَقُومُ بهذا لَزِمتْه الأُجرةُ في الحالِ، وقَد لا يَجِدُ ما يَستَأجِرُ به، وقَد لا يَحصُلُ له مِنْ الثِّمارِ شَيءٌ، ويَتَهاوَنُ العامِلُ، فدَعَتِ الحاجةُ إلى تَجويزِها؛
стр. 5252
دَفعًا لِلحاجَتَيْنِ، وتَحصيلًا لمَنفَعةِ كُلٍّ مِنهما، فجازَتْ، كالمُضارَبةِ (١).
وذَهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ وزُفَرُ إلى عَدَمِ جَوازِ المُساقاةِ والمُزارَعةِ؛ لأنَّها استِئجارٌ ببَعضِ الخارِجِ، وأنَّه مَنهيٌّ عنه بالنَّصِّ والمَعقولِ.
أمَّا النَّصُّ، فما رُوِيَ عن رافِعٍ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه مَرَّ بِحائِطٍ فأَعْجَبَهُ، فقالَ: «لِمَنْ هذا؟ قُلتُ: هو لي. قالَ: مِنْ أيْنَ لكَ هذا؟ قُلتُ: اسْتأْجَرْتُهُ. قالَ: لا تَسْتَأْجِرْهُ بِشَيْءٍ» (٢).
ورُوِيَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ «أنَّه نَهَى عن قَفيزِ الطَّحَّانِ» (٣)، والاستِئجارُ ببَعضِ الخارِجِ في مَعناه، والمَنهيُّ عنه غيرُ مَشروعٍ.
وَعن رَافعِ بنِ أُسيْدِ بنِ ظُهيْرٍ عن أبيه «أنَّه خَرجَ إلى قَوْمهِ إلى بَني حَارِثَةَ، فقالَ: يا بَني حَارِثَةَ لقد دخلَتْ علَيْكُمْ مُصيبَةٌ. قالوا: ما هيَ؟ قال: نَهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن كِراءِ الأرضِ. قُلنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذًا
стр. 5253
نُكرِيهَا بِشَيءٍ مِنْ الحَبِّ، قالَ: لا، قالَ: وكُنَّا نُكرِيهَا بِالتِّبنِ، فقالَ: لا، وكُنَّا نُكرِيهَا بِما على الرَّبِيعِ السَّاقِي، قالَ: لا، ازرَعْهَا أوِ امنَحْهَا أخَاكَ» (١).
وظاهِرُ قَولِه ﷺ : «ازْرَعْهَا أوِ امْنَحْهَا أخَاكَ» يَدلُّ على سَدِّ بابِ المُزارَعةِ والمُساقاةِ عليهم بالنَّهيِ مُطلَقًا.
وأمَّا المَعقولُ: فهو أنَّ الِاستِئجارَ ببَعضِ الخارِجِ مِنْ النِّصفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ ونَحوِها استِئجارٌ ببَدَلٍ مَجهولٍ، وأنَّه لا يَجوزُ، كَما إذا استَأْجَرَه أنْ يَرعَى غَنَمَه ببَعضِ الخارِجِ منها، تَبيَّنَ أنَّ حَديثَ خَيبَرَ مَحمولٌ على الجِزيةِ دونَ المُزارَعةِ، صِيانةً لِدَلائلِ الشَّرعِ عن التَّناقُضِ، والدَّليلُ على أنَّه لا يُمكِنُ حَملُه على المُزارَعةٍ: أنَّه ﵊ قالَ فيهِ: «أُقِرُّكُمْ ما أَقَرَّكُمُ اللهُ بهِ» (٢). وهذا منه ﵊ تَجهيلٌ لِلمدَّةِ، وجَهالةُ المدَّةِ تَمنَعُ صِحَّةَ المُزارَعةِ بلا خِلافٍ، بَقيَ تَركُ الإنكارِ على التَّعامُلِ، وذا يُحتَمَلُ أنْ يَكونَ لِلجَوازِ، ويُحتَمَلُ أنْ يَكونَ لِكَونِه مَحَلَّ الِاجتِهادِ، فلا يَدلُّ على الجَوازِ مع الِاحتِمالِ (٣).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ دَفعَ الرجُلِ نَخلًا مُساقاةً على الثُّلُثِ أو الرُّبُعِ أو النِّصفِ؛ جائِزٌ، وأنكَرَ النُّعمانُ المُعامَلةَ على شَيءٍ مِنْ الغَرسِ ببَعضِ ما يَخرُجُ مِنها (٤).
стр. 5254
أركانُ المُساقاةِ وشُرُوطُها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في عَدَدِ أركانِ المُساقاةِ وشُروطِها، فاتَّفَقوا على رُكنٍ، وهو الإيجابُ والقَبولُ، واختَلفوا في البَقيَّةِ، هَلْ هي أركانٌ أو شُروطٌ؟ فالحَنفيَّةُ يَجعَلونَ الإيجابَ والقَبولَ هُمَا الرُّكنَ، والبَقيَّةَ شُروطًا، والحَنابِلةُ أيضًا يَجعَلونَ البَقيَّةَ شُروطًا، والمالِكيَّةُ جَعَلوا لِلمُساقاةِ أربَعةَ أركانٍ، وهي:
الأولُ: مُتعلِّقُ العَقدِ، وهو الأشجارُ وسائِرُ الأُصولِ المُشتَمِلةِ على الشُّروطِ الآتي بَيانُها.
الثَّاني: الجُزءُ المُشترَطُ لِلعاملِ مِنْ الثَّمرةِ.
الثَّالث: العَملُ.
الرَّابِعُ: ما يَنعَقِدُ به، وهو الصِّيغةُ.
وقالَ الشافِعيَّةُ: أركانُها خَمسةٌ:
الرُّكنُ الأولُ: الصِّيغةُ، وهي الإيجابُ والقَبولُ.
الرُّكنُ الثَّاني: العاقِدانِ.
الرُّكنُ الثَّالث: مَورِدُ العَملِ.
الرُّكنُ الرَّابِعُ: الثِّمارُ.
الرُّكنُ الخامِسُ: العَملُ.
وَتَفصيلُ ذلك فيما يَلي:
стр. 5255
الرُّكنُ الأولُ: الصِّيغةُ أو الإيجابُ والقَبولُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الصَّحيحِ والحَنابِلةُ على أنَّ المُساقاةَ لا تَنعقِدُ إلَّا بالإيجابِ والقَبولِ.
قالَ الحَنفيَّةُ: رُكنُ المُساقاةِ والمُزارَعةِ هو الإيجابُ والقَبولُ، فإذا قالَ صاحِبُ الأشجارِ لِلعاملِ: أعطَيتُكَ هذه الأشجارَ على وَجْهِ المُساقاةِ، على أنْ تَأخُذَ مِنْ ثَمرَتِها كَذا حِصَّةً، وقالَ العامِلُ: قَبِلتُ، أو رَضيتُ، أو ما يَدلُّ على قَبولِه ورِضاه، فإذا وُجِدا تَمَّ العَقدُ بَينَهما.
وَلا تَنعقِدُ المُساقاةُ بدونِ الإيجابِ والقَبولِ. مثلًا: لَو رَمَى الرِّيحُ بَذْرَ أحَدٍ في عَرصةِ آخَرَ، وحَصَلَ مِنْ ذلك البَذْرِ فسائِلُ أشجارٍ، تَكونُ تلك الفَسائِلُ لِصاحِبِ الأرضِ؛ لأنَّه لا قِيمةَ لِلبَذْرِ، وكذلك لَو سقطَ بَذْرُ شَجرِ خَوخٍ لِأحَدٍ في عَرصةِ أحَدٍ ونَبتَ، تَكونُ الفَسيلةُ لِصاحِبِ العَرصةِ؛ لأنَّه لَم يَنبُتْ بَذْرُ الخَوخِ إلَّا بعدَ ذَهابِ اللَّحمِ، وليسَ له قِيمةٌ بعدَ ذلك (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ؛ فقالَ سُحنونُ ﵀: تَنعقِدُ المُساقاةُ بصِيغةِ: ساقَيتُ، أو بصِيغةِ عامَلتُ؛ لأنَّ كِلتَيْهِما عَقدٌ عن مَنافِعَ.
وقالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: لا تَنعقِدُ إلَّا بساقَيتُ فقَطْ، لا بلَفظِ إجارةٍ أو شَرِكةٍ أو بَيعٍ، فلا تَنعقِدُ بذلك، أي: مِنْ البادِئِ مِنهما، كالنِّكاحِ، ويَكفي مِنْ الثَّاني أنْ يَقولَ: قَبِلتُ، أو رَضيتُ، ونَحوَ ذلك.
وَدَليلُ ابنِ القاسِمِ على أنَّها لا تَجوزُ بغَيرِ ساقَيتُ: أنَّ المُساقاةَ أصْلٌ