منها من ثَمرٍ أو زَرعٍ، فكَانَ يُعطِي أَزوَاجَهُ مِئةَ وَسقٍ: ثَمانُونَ وَسقَ تَمرٍ، وَعِشرُونَ وَسقَ شَعِيرٍ، فقَسَمَ عُمرُ خَيبَرَ، فخَيَّرَ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُقطِعَ لَهُنَّ مِنْ المَاءِ وَالأَرْضِ، أو يُمضِيَ لَهُنَّ، فَمِنهنَّ مَنِ اختَارَ الأَرْضَ، وَمِنهنَّ مَنِ اختَارَ الوَسْقَ، وكَانَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ ممَّنِ اخْتارَتَا الأرْضَ والمَاءَ» (١).
وَمِنْ طَريقِ القياسِ والنَّظَرِ أنَّ الأُصولَ مالٌ لا يَنمو بنَفْسِه، ولا تَجوزُ إجارَتُه، وإنَّما يُنَمَّى بالعَملِ عليه، فجازَ العَملُ عليه ببَعضِ ما يَخرُجُ مِنه، كالقِراضِ، بَلِ المُساقاةُ أوْلَى بالجَوازِ مِنْ القِراضِ، لأنَّ الغَرَرَ والخِطارَ في القِراضِ أكثَرُ، لأنَّه قد يَكونُ في المالِ رِبْحٌ، وقَد لا يَكونُ فيه رِبحٌ، وجَوازُ أحَدِ الأمرَيْنِ كَجَوازِ الآخَرِ، لَيسَ أحَدُهما أغلَب مِنْ صاحِبِه، والنَّخلُ قد أجرَى اللَّهُ تَعالى العادةَ بأنْ تَحمِلَ كلَّ سَنةٍ، فلا بدَّ أنْ يكونَ لِلنَّخلِ ثَمرةٌ في الأغلَبِ مِنْ الأحوالِ.
وأمَّا الضَّرورةُ والحاجةُ: فلأنَّ الحاجةَ ماسَّةٌ وداعيةٌ إليها؛ لأنَّ صاحِبَ الشَّجرِ قد لا يَقدِرُ على العَملِ بنَفْسِه، ولا يُحسِنُ تَعَهُّدَه، أو لا يَتفرَّغُ لَه، والقادِرُ على العَملِ والمُتفرِّغُ له لا يَجِدُ أرضًا ولا شَجرًا، فيَحتاجُ ذلك إلى الِاستِعمالِ، وهذا إلى العَملِ، ولَوِ استَأجَرَ المالِكُ مَنْ يَقُومُ بهذا لَزِمتْه الأُجرةُ في الحالِ، وقَد لا يَجِدُ ما يَستَأجِرُ به، وقَد لا يَحصُلُ له مِنْ الثِّمارِ شَيءٌ، ويَتَهاوَنُ العامِلُ، فدَعَتِ الحاجةُ إلى تَجويزِها؛
стр. 5252
دَفعًا لِلحاجَتَيْنِ، وتَحصيلًا لمَنفَعةِ كُلٍّ مِنهما، فجازَتْ، كالمُضارَبةِ (١).
وذَهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ وزُفَرُ إلى عَدَمِ جَوازِ المُساقاةِ والمُزارَعةِ؛ لأنَّها استِئجارٌ ببَعضِ الخارِجِ، وأنَّه مَنهيٌّ عنه بالنَّصِّ والمَعقولِ.
أمَّا النَّصُّ، فما رُوِيَ عن رافِعٍ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه مَرَّ بِحائِطٍ فأَعْجَبَهُ، فقالَ: «لِمَنْ هذا؟ قُلتُ: هو لي. قالَ: مِنْ أيْنَ لكَ هذا؟ قُلتُ: اسْتأْجَرْتُهُ. قالَ: لا تَسْتَأْجِرْهُ بِشَيْءٍ» (٢).
ورُوِيَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ «أنَّه نَهَى عن قَفيزِ الطَّحَّانِ» (٣)، والاستِئجارُ ببَعضِ الخارِجِ في مَعناه، والمَنهيُّ عنه غيرُ مَشروعٍ.
وَعن رَافعِ بنِ أُسيْدِ بنِ ظُهيْرٍ عن أبيه «أنَّه خَرجَ إلى قَوْمهِ إلى بَني حَارِثَةَ، فقالَ: يا بَني حَارِثَةَ لقد دخلَتْ علَيْكُمْ مُصيبَةٌ. قالوا: ما هيَ؟ قال: نَهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن كِراءِ الأرضِ. قُلنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذًا
стр. 5253
نُكرِيهَا بِشَيءٍ مِنْ الحَبِّ، قالَ: لا، قالَ: وكُنَّا نُكرِيهَا بِالتِّبنِ، فقالَ: لا، وكُنَّا نُكرِيهَا بِما على الرَّبِيعِ السَّاقِي، قالَ: لا، ازرَعْهَا أوِ امنَحْهَا أخَاكَ» (١).
وظاهِرُ قَولِه ﷺ : «ازْرَعْهَا أوِ امْنَحْهَا أخَاكَ» يَدلُّ على سَدِّ بابِ المُزارَعةِ والمُساقاةِ عليهم بالنَّهيِ مُطلَقًا.
وأمَّا المَعقولُ: فهو أنَّ الِاستِئجارَ ببَعضِ الخارِجِ مِنْ النِّصفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ ونَحوِها استِئجارٌ ببَدَلٍ مَجهولٍ، وأنَّه لا يَجوزُ، كَما إذا استَأْجَرَه أنْ يَرعَى غَنَمَه ببَعضِ الخارِجِ منها، تَبيَّنَ أنَّ حَديثَ خَيبَرَ مَحمولٌ على الجِزيةِ دونَ المُزارَعةِ، صِيانةً لِدَلائلِ الشَّرعِ عن التَّناقُضِ، والدَّليلُ على أنَّه لا يُمكِنُ حَملُه على المُزارَعةٍ: أنَّه ﵊ قالَ فيهِ: «أُقِرُّكُمْ ما أَقَرَّكُمُ اللهُ بهِ» (٢). وهذا منه ﵊ تَجهيلٌ لِلمدَّةِ، وجَهالةُ المدَّةِ تَمنَعُ صِحَّةَ المُزارَعةِ بلا خِلافٍ، بَقيَ تَركُ الإنكارِ على التَّعامُلِ، وذا يُحتَمَلُ أنْ يَكونَ لِلجَوازِ، ويُحتَمَلُ أنْ يَكونَ لِكَونِه مَحَلَّ الِاجتِهادِ، فلا يَدلُّ على الجَوازِ مع الِاحتِمالِ (٣).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ دَفعَ الرجُلِ نَخلًا مُساقاةً على الثُّلُثِ أو الرُّبُعِ أو النِّصفِ؛ جائِزٌ، وأنكَرَ النُّعمانُ المُعامَلةَ على شَيءٍ مِنْ الغَرسِ ببَعضِ ما يَخرُجُ مِنها (٤).
стр. 5254
أركانُ المُساقاةِ وشُرُوطُها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في عَدَدِ أركانِ المُساقاةِ وشُروطِها، فاتَّفَقوا على رُكنٍ، وهو الإيجابُ والقَبولُ، واختَلفوا في البَقيَّةِ، هَلْ هي أركانٌ أو شُروطٌ؟ فالحَنفيَّةُ يَجعَلونَ الإيجابَ والقَبولَ هُمَا الرُّكنَ، والبَقيَّةَ شُروطًا، والحَنابِلةُ أيضًا يَجعَلونَ البَقيَّةَ شُروطًا، والمالِكيَّةُ جَعَلوا لِلمُساقاةِ أربَعةَ أركانٍ، وهي:
الأولُ: مُتعلِّقُ العَقدِ، وهو الأشجارُ وسائِرُ الأُصولِ المُشتَمِلةِ على الشُّروطِ الآتي بَيانُها.
الثَّاني: الجُزءُ المُشترَطُ لِلعاملِ مِنْ الثَّمرةِ.
الثَّالث: العَملُ.
الرَّابِعُ: ما يَنعَقِدُ به، وهو الصِّيغةُ.
وقالَ الشافِعيَّةُ: أركانُها خَمسةٌ:
الرُّكنُ الأولُ: الصِّيغةُ، وهي الإيجابُ والقَبولُ.
الرُّكنُ الثَّاني: العاقِدانِ.
الرُّكنُ الثَّالث: مَورِدُ العَملِ.
الرُّكنُ الرَّابِعُ: الثِّمارُ.
الرُّكنُ الخامِسُ: العَملُ.
وَتَفصيلُ ذلك فيما يَلي:
стр. 5255
الرُّكنُ الأولُ: الصِّيغةُ أو الإيجابُ والقَبولُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الصَّحيحِ والحَنابِلةُ على أنَّ المُساقاةَ لا تَنعقِدُ إلَّا بالإيجابِ والقَبولِ.
قالَ الحَنفيَّةُ: رُكنُ المُساقاةِ والمُزارَعةِ هو الإيجابُ والقَبولُ، فإذا قالَ صاحِبُ الأشجارِ لِلعاملِ: أعطَيتُكَ هذه الأشجارَ على وَجْهِ المُساقاةِ، على أنْ تَأخُذَ مِنْ ثَمرَتِها كَذا حِصَّةً، وقالَ العامِلُ: قَبِلتُ، أو رَضيتُ، أو ما يَدلُّ على قَبولِه ورِضاه، فإذا وُجِدا تَمَّ العَقدُ بَينَهما.
وَلا تَنعقِدُ المُساقاةُ بدونِ الإيجابِ والقَبولِ. مثلًا: لَو رَمَى الرِّيحُ بَذْرَ أحَدٍ في عَرصةِ آخَرَ، وحَصَلَ مِنْ ذلك البَذْرِ فسائِلُ أشجارٍ، تَكونُ تلك الفَسائِلُ لِصاحِبِ الأرضِ؛ لأنَّه لا قِيمةَ لِلبَذْرِ، وكذلك لَو سقطَ بَذْرُ شَجرِ خَوخٍ لِأحَدٍ في عَرصةِ أحَدٍ ونَبتَ، تَكونُ الفَسيلةُ لِصاحِبِ العَرصةِ؛ لأنَّه لَم يَنبُتْ بَذْرُ الخَوخِ إلَّا بعدَ ذَهابِ اللَّحمِ، وليسَ له قِيمةٌ بعدَ ذلك (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ؛ فقالَ سُحنونُ ﵀: تَنعقِدُ المُساقاةُ بصِيغةِ: ساقَيتُ، أو بصِيغةِ عامَلتُ؛ لأنَّ كِلتَيْهِما عَقدٌ عن مَنافِعَ.
وقالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: لا تَنعقِدُ إلَّا بساقَيتُ فقَطْ، لا بلَفظِ إجارةٍ أو شَرِكةٍ أو بَيعٍ، فلا تَنعقِدُ بذلك، أي: مِنْ البادِئِ مِنهما، كالنِّكاحِ، ويَكفي مِنْ الثَّاني أنْ يَقولَ: قَبِلتُ، أو رَضيتُ، ونَحوَ ذلك.
وَدَليلُ ابنِ القاسِمِ على أنَّها لا تَجوزُ بغَيرِ ساقَيتُ: أنَّ المُساقاةَ أصْلٌ
стр. 5256
بنَفْسِها، وعَقدٌ على حِيالِه، حتى لَو قالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: استَأجَرتُكَ على عَملِ حائِطِي هَذا، أو سَقْيِه بنِصفِ ثَمرَتِه، لَم يَجُزْ على مَذهبِهِ؛ كَما لا تَجوزُ الإجارةُ بلَفظِ المُساقاةِ، قالَ ابنُ رُشدٍ، وكَلامُ ابنِ القاسِمِ أصَحُّ، لأنَّ المُساقاةَ والإجارةَ أصْلانِ، وأحكامُهما مُفتَرِقةٌ، فلا يَنعَقِدُ أصْلٌ مِنهما بلَفظِ الآخَرِ.
وَلأنَّ الجائِحةَ في المُساقاةِ تُذهِبُ عَملَه باطِلًا، وفي الإجارةِ له أجْرُ مِثلِه، فَهُما بابانِ مُتبايِنانِ؛ فلا يُعَبَّرُ بلَفظِ أحَدِهِما عن الآخَرِ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: صِيغةُ المُساقاةِ: ساقَيتُكَ على هذا النَّخلِ أو العِنَبِ بكَذا مِنْ ثَمرِه، كَنِصفِه؛ لأنَّه المَوضوعُ لَها، وهذه أصرَحُ الألفاظِ، وهي أُمُّ البابِ. أو سَلَّمتُه إلَيكَ لتَتعهَّدَه، أو اعمَلْ في نَخيلي، أو تَعهَّدْ نَخيلي بكَذا؛ لِأدائِه مَعناه، وهذه الثَّلاثةُ تَحتَمِلُ أنْ تَكونَ كِنايةً، وتَحتَمِلُ أنْ تَكونَ صَريحةً، ومِثلُ النَّخلِ في ذلك العِنَبُ.
وَلا بدَّ مِنْ ذِكرِ العِوَضِ، فلَو عَقدَها مِنْ غيرِ تَعَرُّضٍ لِمَا يَستَحقُّه العامِلُ لَم تَصحَّ، وفي استِحقاقِه الأُجرةَ وَجهانِ، كالقِراضِ، أوْجَهُهُما عَدَمُ الِاستِحقاقِ.
وَلَو ساقاه بلَفظِ الإجارةِ، فقالَ: «استَأجَرتُكَ لِتَتعهَّدَ نَخلي بكَذا مِنْ ثَمرِها» لَم يَصحَّ على الأصَحِّ؛ لأنَّ لَفظَ الإجارةِ صَريحٌ في عَقدٍ آخَرَ، فإنْ أمكَنَ تَنفيذُه في مَحَلِّه نُفِّذَ فيه، وإلَّا فالإجارةُ فاسِدةٌ.
стр. 5257
والوَجْهُ الآخَرُ: يَصحُّ؛ لِمَا بينَ البابيْنِ مِنْ المُشابَهةِ، واحتِمالِ كلِّ لَفظٍ مَعنَى الآخَرِ.
والخِلافُ راجِعٌ إلى أنَّ الِاعتِبارَ باللَّفظِ أو المَعنَى، ولَو قالَ: «ساقَيتُكَ على هذه النَّخيلِ بكَذا لِيَكونَ أُجرةً لَكَ» فلا بَأْسَ؛ لِسَبْقِ لَفظِ المُساقاةِ.
هَذا إذا قَصَدَ بلَفظِ الإجارةِ المُساقاةَ، أمَّا إذا قَصَدَ الإجارةَ نَفْسَها، يُنظَرُ إنْ لَم تكُنْ خَرجَتِ الثَّمرةُ لَم يَجُزْ؛ لأنَّ شَرطَ الأُجرةِ أنْ تَكونَ في الذِّمةِ، أو مَوجودةً مَعلومةً؛ لأنَّ الإجارةَ تَفتقِرُ إلى أنْ تَكونَ الأُجرةُ مَعلومةُ القَدْرِ والأُجرةِ، وههُنا هي مَجهولةُ القَدْرِ؛ فلَم تَصحَّ.
وإنْ كانَتِ الثَّمرةُ خَرجَتْ وبَدَا فيها الصَّلاحُ جازَ، سَواءٌ شرطَ ثَمرةَ نَخلةٍ مُعيَّنةٍ أو شرطَ جُزءًا شائِعًا.
وإنْ لَم يَبدُ فيها الصَّلاحُ، فإنْ شرطَ له ثَمرةَ نَخلةٍ بعَينِها، جازَ بشَرطِ القَطعِ، وكَذا لَو شرطَ كلَّ الثِّمارِ لِلعاملِ.
وإنْ شرطَ جُزءًا شائِعًا لَم يَجُزْ، وإنْ شرطَ القَطعَ؛ لِمَا سَبَقَ في البَيعِ.
وَيُشترَطُ في المُساقاةِ القَبولُ لَفظًا مِنْ النَّاطِقِ؛ لأنَّها عَقدٌ لَازِمٌ كالإجارةِ وغَيرِها، وتَصحُّ بإشارةِ الأخرَسِ المُفهِمةِ، كَكِتابَتِه.
وَلا يُشترَطُ التَّعرُّضُ لِتَفصيلِ الأعمالِ في العَقدِ، ويُحمَلُ المُطلَقُ في كلِّ ناحيةٍ على العُرفِ الأغلَبِ فيها في العَملِ؛ إذِ المَرجِعُ في مِثْلِه إلى العُرفِ، هذا إذا عَرفاه، فإنْ جَهِلاه أو أحَدُهما أو لَم يكُنْ عُرْفٌ وجبَ التَّفصيلُ (١).
стр. 5258
وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ بلَفظِ المُساقاةِ؛ لأنَّه مَوضوعُها حَقيقةً، وبِلَفظِ المُعامَلةِ؛ لِقَولِه ﷺ في الحَديثِ: «عامَلَ أهلَ خَيبَرَ على شَطرِ ما يَخرُجُ منها»، وتَصحُّ بكلِّ ما يُؤدِّي مَعناها مِنْ الألفاظِ، نَحوَ: «فالَحَتُكُ، واعمَلْ في بُستاني هذا حتى تَكمُلَ ثَمرَتُه، أو تَعهَّدْ نَخلي، أو أبِّرْه، أو اسقِهِ ولَكَ كَذا، أو أسلَمتُه إلَيكَ لِتَتعهَّدَه بكَذا مِنْ ثَمرِه» وما أشبَهَهُ؛ لأنَّ القَصدَ المَعنَى، فإذا أتَى بأيِّ لَفظٍ دَلَّ عليه صَحَّ، كالبَيعِ.
وَتَصحُّ المُساقاةُ وكَذا المُزارَعةُ بلَفظِ الإجارةِ في أحَدِ الوجهيْنِ، وهو المَذهَبُ؛ لأنَّه مُؤَدٍّ لِلمَعنَى؛ فصَحَّ به العَقدُ، كَسائِرِ الألفاظِ المُتفَقِ عليها.
والثَّاني: لا تَصحُّ، وهو اختِيارُ أبي الخطَّابِ؛ لأنَّ الإجارةَ يُشترَطُ لَها كَونُ العِوَضِ مَعلومًا، وتَكونُ لَازِمةً، والمُساقاةُ بخِلافِه، والأولُ أقيَسُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وقد نَصَّ أحمَدُ في رِوايةِ جَماعةٍ فيمَن قالَ: «أجَّرتُكَ هذه الأرضَ بثُلُثِ ما يَخرُجُ مِنها» أنَّه يَصحُّ، وهذه مُزارَعةٌ بلَفظِ الإجارةِ، ذكرَه أبو الخطَّابِ، فمَعنَى قَولِه: «أجَّرتُكَ هذه الأرضَ بثُلُثٍ، أي: زارَعتُكَ عليها بثُلُثٍ»، عَبَّرَ عن المُزارَعةِ بالإجارةِ على سَبيلِ المَجازِ، كَما يُعَبَّرُ عن الشُّجاعِ بالأسَدِ، فعلى هذا يَكونُ نَهْيُه ﷺ عَنها بثُلُثٍ أو رُبُعٍ إنَّما يَنصَرِفُ إلى الإجارةِ الحَقيقيَّةِ، أمَّا إذا أُريدَ بالإجارةِ المُزارَعةُ، فلا يُشترَطُ لَها غيرُ شَرطِ المُزارَعةِ.
стр. 5259
وقالَ أكثَرُ الحَنابِلةِ: هي إجارةٌ؛ لأنَّها مَذكورةٌ بلَفظِها، فتَكونُ إجارةً حَقيقيَّةً، ويُشترَطُ فيها شُروطُ الإجارةِ.
وَتَصحُّ إجارةُ الأرضِ بطَعامٍ مَعلومٍ بجِنسِ الخارِجِ مِنها، أو مِنْ غَيرِه، بأنْ أجَّرَها سَنةً لِزَرعِ بُرٍّ بقَفيزِ بُرٍّ أو بقَفيزِ شَعيرٍ، كَما لَو أجَّرَها بدَراهِمَ مَعلومةٍ.
وَعَنِ الإمامِ أحمدَ: لا تَصحُّ الإجارةُ بجُزءٍ ممَّا يَخرُجُ مِنْ الأرضِ.
وَقيلَ: تُكرَهُ.
وَتَصحُّ المُساقاةُ بالمُعاطاةِ، وكَذا القَبولُ، فلا تَفتقِرُ المُساقاةُ والمُزارَعةُ إلى القَبولِ لَفظًا، بَلْ يَكفي الشُّروعُ في العَملِ قَبولًا، كالوَكيلِ (١).
هل لِلعاملِ أنْ يُساقيَ غَيرَه؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في عامِلِ المُساقاةِ، هَلْ له أنْ يُساقيَ غَيرَه؟ أم لا يَجوز له أنْ يُساقيَ غيرَه إلَّا بإذْنِ المالِكِ؟
فذهبَ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّه يَجوزُ لِلعاملِ في المُساقاةِ أنْ يُساقيَ غيرَه بغَيرِ إذْنِ ربِّ الحائِطِ إذا كانَ أمينًا، ولَو كانَ أقَلَّ أمانةً مِنه، لا غيرَ أمينٍ، فلا تَجوزُ مَساقاتُه، وإنْ كانَ الأولُ مِثلَه في عَدَمِ الأمانةِ؛ لأنَّ ربَّ الحائِطِ رُبَّما رَغِبَ في الأولِ؛ لِأمْرٍ لَيسَ في الثَّاني، كَما نَصَّ على ذلك
стр. 5260
المالِكيَّةُ. وهذا بخِلافِ عامِلِ القِراضِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُقارِضَ عامِلًا آخَرَ، ولَو كانَ أمينًا، فإنْ فعلَ ضَمِنَ، والفَرقُ أنَّ مالَ القِراضِ يُغابُ عليه، والحائِطُ لا يُغابُ عليه.
والفَرقُ بينَ المُساقاةِ -حَيثُ كانَ لِلعاملِ أنْ يُساقيَ عليها-، وبَينَ المُضارَبةِ -حَيثُ لَم يَجُزْ لِلعاملِ أنْ يُضارِبَ بها- أنَّ تَصرُّفَ العامِلِ في المُضارَبةِ تَصرُّفٌ في حَقِّ ربِّ المالِ؛ لأنَّ العَقدَ لَيسَ بلازِمٍ، فلَم يَمْلِكْ الِافْتِياتَ عليه في تَصرُّفِه، وأنَّ تَصرُّفَ العامِلِ في المُساقاةِ تَصرُّفٌ في حَقِّ نَفْسِه؛ لِلُزومِ العَقدِ، فملكَ الِاستِنابةَ في تَصرُّفِه.
وتكونُ المُساقاةُ على مِثلِ نَصيبِه أو أقَلَّ.
فَإنْ ساقاه على أكثَرَ مِنْ الجُزءِ الذي ساقَى عليه صاحِبَ الحائِطِ -مِثلَ أنْ يَكونَ ساقاه صاحِبُ الحائِطِ على أنْ يَكونَ له النِّصفُ، وساقَى الآخَرَ على أنْ يَكونَ له الثُّلُثانِ- لا يَجوزُ عندَ الشافِعيَّةِ؛ لأنَّه لا يَملِكُ الزِّيادةَ.
وعِندَ المالِكيةِ في المَشهورِ -وهو قولُ مالِكٍ- أنَّه يَصحُّ، وتَكونُ له الزِّيادةُ، فتَكونُ الزِّيادةُ عليه إذا كانَ الجُزءُ الذي جعلَه أكثَرَ، وتَكونُ له إذا كانَ الجُزءُ المَشروطُ لِلعاملِ الثَّاني أقَلَّ.
وعلى القَولِ الذي يَقولُ: «إنَّها لا تَلزَمُ بالقَولِ، بَلْ هي مِنْ العُقودِ الجائِزةِ» فلا تَصحُّ (١).
стр. 5261
وَذَهَبَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُساقِي أنْ يُساقيَ غَيرَه؛ قالَ الحَنفيَّةُ: لأنَّ الدَّفعَ إلى غَيرِه إثباتٌ لِلشَّرِكةِ في مالِ غَيرِه بغَيرِ إذْنِه؛ فلا يَصحُّ.
أمَّا إذا أذِنَ صاحِبُ الأشجارِ صَراحةً أو قالَ لَهُ: «اعمَلْ برَأيِكَ» ففي هذه الحالِ له أنْ يُساقيَ آخَرَ.
وَلَو لَم يَقُلْ لَه: «اعمَلْ برَأيِكَ فيه» فدفعَ العامِلُ إلى رَجُلٍ آخَرَ مُعامَلةً، فعَمِلَ فيه فأخرَجَ، فهو لِصاحِبِ النَّخلِ، ولا أجْرَ لِلعاملِ الأولِ، ولأنَّ استِحقاقَه بالشَّرطِ، وهو شَرطُ العَملِ، ولَم يُوجَدْ منه العَملُ بنَفْسِه، ولا بغَيرِه أيضًا؛ لأنَّ عَقدَه معه لَم يَصحَّ، فلَم يكُنْ عَملُه مُضافًا إلَيه، ولَه على العامِلِ الأولِ أجْرُ مِثلِ عَملِه يَومَ عَمِلَ؛ لأنَّه عَمِلَ له بأمْرِه فاستَحقَّ أجْرَ المِثْلِ، ولَو هَلَكَ الثَّمرُ في يَدِ العامِلِ الأخيرِ مِنْ غيرِ عَملِه، وهو في رُؤُوسِ النَّخلِ، فلا ضَمانَ على واحِدٍ مِنهما؛ لِانعِدامِ الغَصبِ مِنْ واحِدٍ مِنهما، وهو تَفويتُ يَدِ المالِكِ.
وَلَو هَلَكَ مِنْ عَملِه في أمْرٍ خالَفَ فيه أمْرَ العامِلِ الأولِ، فالضَّمانُ لِصاحِبِ النَّخلِ على العامِلِ الآخَرِ دونَ الأولِ؛ لأنَّ الخِلافَ قَطَعَ نِسبةَ عَملِه إلَيه، فبَقيَ مُتلِفًا على المالِكِ مالَه، فكانَ الضَّمانُ عليه.
وَلَو هَلَكَ في يَدِه مِنْ عَملِه في أمْرٍ لَم يُخالِفْ فيه أمْرَ العامِلِ الأولِ، فلِصاحِبِ النَّخلِ أنْ يُضَمِّنَ أيَّهما شاءَ؛ لأنَّه إذا لَم يُوجَدْ منه بخِلافٍ بَقيَ عَملُه مُضافًا إلَيه، كَأنَّه عَمِلَ لِنَفْسِه؛ فكانَ له أنْ يُضَمِّنَه، ولَه أنْ يُضَمِّنَ الثَّاني؛ لأنَّه في مَعنَى غاصِبِ الغاصِبِ، فإنِ اختارَ تَضمينَ الأولِ لَم يَرجِعْ
стр. 5262
على الآخَرِ بشَيءٍ؛ لأنَّه عَمِلَ بأمرِ الأولِ، فلَو رَجعَ عليه لَرَجعَ هو عليه أيضًا؛ فلا يُفيدُ، وإنِ اختارَ تَضمينَ الآخَرِ يَرجِعُ على الأولِ؛ لأنَّه غرَّه في هذا العَقدِ؛ فيَرجِعُ عليه بضَمانِ الغَررِ، وهو ضَمانُ السَّلامةِ.
هَذا إذا لَم يَقُلْ لَه: «اعمَلْ فيه برَأيِك» فأمَّا إذا قالَ وشرطَ النِّصفَ فدفعَه إلى رَجلٍ آخَرَ بثُلُثِ الخارِجِ، فهو جائِزٌ؛ لِمَا ذَكَرْنا، وما خَرجَ مِنْ الثَّمرِ فنِصْفُه لِربِّ النَّخلِ، والسُّدُسُ لِلعاملِ الأولِ؛ لأنَّ شَرطَ الثُّلُثِ يَرجِعُ إلى نَصيبِه خاصَّةً؛ لأنَّ العَملَ واجِبٌ عليه، فبَقيَ له السُّدُسُ ضَرورةً.
وَذكرَ مُحمَّدٌ ﵀ في «الأصلِ»: أنَّه إذا لَم يَقُلْ لَهُ: «اعمَلْ فيه برَأيِكَ» وشرطَ له شَيئًا مَعلومًا، وشرطَ الأولُ لِلثَّاني مثلَ ذلك، فهُما فاسِدانِ، ولا ضَمانَ على العامِلِ الأولِ (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا ساقَى رَجُلًا أو زارَعَه، فعامَلَ العامِلُ غيرَه على الأرضِ والشَّجرِ، لَم يَجُزْ ذلك، وبِهَذا قالَ أبو يُوسفَ وأبو ثَورٍ، وأجازَه مالِكٌ إذا جاءَ برَجُلٍ أمينٍ.
وَلَنا: أنَّه عامِلٌ في المالِ بجُزءٍ مِنْ نَمائِه، فلَم يَجُزْ أنْ يُعامِلَ غيرَه فيه، كالمُضارِبِ، ولأنَّه إنَّما أذِنَ له في العَملِ فيه، فلَم يَجُزْ أنْ يَأذَنَ لِغَيرِه، كالوَكيلِ.
فَأمَّا إنِ استَأجَرَ أرضًا فلَه أنْ يُزارِعَ غيرَه فيها؛ لأنَّها صارَتْ مَنافِعُها مُستَحقَّةً لَه، فملكَ المُزارَعةَ فيها، كالمالِكِ، والأُجرةُ على المُستَأجِرِ دونَ المُزارِعِ، كَما ذَكَرْنا في الخَراجِ.
стр. 5263
وَكذلك يَجوزُ لِمَنْ في يَدِه أرضٌ خَراجيَّةٌ أنْ يُزارِعَ فيها؛ لأنَّه بمَنزِلةِ المُستَأجِرِ لَها، ولِلمَوقوفِ عليه أنْ يُزارِعَ في الوَقفِ ويُساقيَ على شَجرِهِ؛ لأنَّه إمَّا مالِكٌ لِرَقَبةِ ذلك، أو بمَنزِلةِ المالِكِ، ولا نَعلَمُ في هذا خِلافًا عندَ مَنْ أجازَ المُساقاةَ والمُزارَعةَ، واللَّهُ أعلمُ (١).
حُكمُ استِئجارِ الأشجارِ مِنْ أجْلِ الثَّمرِ:
ذَهَبَ جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ استِئجارُ الأشجارِ بأُجرةٍ مَعلومةٍ؛ لِاستِيفاءِ ثَمرِها؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى بَيعِ الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، وهو لا يَجوزُ؛ ولأنَّها أعيانٌ بِيعَتْ قبلَ الوُجودِ.
وَلأنَّ الثَّمرةَ عَينٌ لا يَجوزُ استِحقاقُها بعَقدِ الإجارةِ، فإنَّه يَجوزُ بَيعُها بعدَ الوُجودِ، وإنَّما يَستَحقُّ بقَدْرِ الإجارةِ ممَّا لا يَجوزُ بَيعُه بعدَ الوُجودِ، ولأنَّ مَحَلَّ الإجارةِ المَنفَعةُ، وهي عَرضٌ لا يَقومُ بنَفْسِه، ولا يُتصوَّرُ بَقاؤُها، والثَّمرةُ تَقومُ بنَفْسِها، كالشَّجرةِ، فكَما لا يَجوزُ أنْ يَتملكَ الشَّجرةَ بعَقدِ الإجارةِ، فكذلك الثَّمرةُ؛ ولأنَّ المُؤاجِرَ يَلتَزِمُ ما لا يَقدِرُ على إبقائِه، فرُبَّما تُصيبُ الثَّمرةَ آفةٌ وليسَ في وُسعِ البَشَرِ مَنعُها، وكذلك ألبانُ الغَنَمِ وصُوفُها وسَمنُها ووَلَدُها، كلُّ ذلك عَينٌ يَجوزُ بَيعُه، فلا يُتَمَلَّكُ بعَقدِ الإجارةِ.
قالَ ابنُ مُفلِحٍ والمَرداوِيُّ -رحمهما الله-: لا تَجوزُ إجارةُ أرضٍ وفيها
стр. 5264
شَجرٌ، قالَ أحمَدُ: أخافُ أنَّه استَأجَرَ شَجرًا لَم يُثمِرْ، وذكرَ أبو عُبَيدٍ تَحريمَه إجماعًا (١).
وَذَهَبَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ والسُّبكيُّ مِنْ الشافِعيَّةِ إلى أنَّه يَصحُّ استِئجارُ الشَّجرِ مِنْ أجْلِ الثَّمرةِ، واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ عن هِشامِ بنِ عُروةَ عن أبيهِ: «أنَّ أُسَيدَ بنَ حُضَيرٍ ماتَ وعليه دَيْنٌ أربَعةُ آلافِ دِرهَمٍ، فبِيعَتْ أرضُه، فقالَ عمرُ: لا أترُكُ بَني أخي عالةً، فرَدَّ الأرضَ، وباعَ ثَمرَها مِنْ الغُرَماءِ أربَعَ سِنينَ بأربَعةِ آلافٍ، كلُّ سَنةٍ بألفٍ» (٢).
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: المِثالُ الثَّاني عَشَرَ: لا تَجوزُ إجارةُ الأشجارِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنها الفَواكِهُ، وذلك بمَنزِلةِ بَيعِها قبلَ بُدُوِّها.
قالوا: والحيلةُ في جَوازِه: أنْ يُؤجِّرَه الأرضَ، ويُساقيَه على الشَّجرِ بجُزءٍ مَعلومٍ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ﵀: وهذا لا يُحتاجُ إلَيه، بَلِ الصَّوابُ جَوازُ إجارةِ الشَّجرِ، كَما فعَلَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ بحَديقةِ أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ، فإنَّه آجَرَها سِنينَ وقَضَى بها دَيْنَه.
стр. 5265
قالَ: وإجارةُ الأرضِ لِأجْلِ ثَمرِها بمَنزِلةِ إجارةِ الأرضِ لمَغْلِها، فإنَّ المُستَأجِرَ يَقومُ على الشَّجرِ بالسَّقْيِ والإصلاحِ والذِّيارِ في الكَرْمِ حتى تَحصُلَ الثَّمرةُ، كَما يَقومُ على الأرضِ بالحَرثِ والسَّقْيِ والبَذْرِ حتى يَحصُلَ المَغْلُ، فثَمرةُ الشَّجرِ تَجرِي مَجرَى مَغْلِ الأرضِ.
فَإنْ قيلَ: الفَرقُ بينَ المَسألتَيْنِ: أنَّ المَغْلَ مِنْ البَذْرِ، وهو مِلكُ المُستَأجِرِ، وأنَّ المَعقودَ عليه الِانتِفاعُ بإيداعِه في الأرضِ وبسَقْيِه وبالقيامِ عليه، بخِلافِ استِئجارِ الشَّجرِ، فإنَّ الثَّمرةَ مِنْ الشَّجرةِ، وهي مِلكُ المُؤجِّرِ.
والجَوابُ مِنْ وُجوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هذا لا تَأثيرَ له في صِحَّةِ العَقدِ وبُطلانِه، وإنَّما هو فَرقٌ عَديمُ التَّأثيرِ.
الثَّاني: أنَّ هذا يَبطُلُ باستِئجارِ الأرضِ لِكَلَئِها وعُشْبِها الذي يُنبِتُه اللَّهُ بدونِ بَذْرٍ مِنْ المُستَأجِرِ، فهو نَظيرُ ثَمرةِ الشَّجرةِ.
الثَّالث: أنَّ الثَّمرةَ إنَّما حَصَلَتْ بالسَّقْيِ والخِدمةِ والقيامِ على الشَّجرةِ، فهي مُتوَلِّدةٌ مِنْ عَملِ المُستَأجِرِ، ومِنَ الشَّجرةِ، فلِلمُستَأجِرِ سَعيٌ وعَملٌ في حُصولِها.
الرَّابِعُ: أنَّ تَوَلُّدَ الزَّرعِ لَيسَ مِنْ البَذْرِ وَحدَه، بَلْ مِنْ البَذْرِ والتُّرابِ والماءِ والهَواءِ، فحُصولُ الزَّرعِ مِنْ التُّرابِ الذي هو مِلكُ المُؤجِّرِ، كَحُصولِ الثَّمرةِ مِنْ الشَّجرةِ، والبَذْرُ في الأرضِ قائِمٌ مَقامَ السَّقيِ لِلشَّجرةِ، فهذا أودَعَ في أرضِ المُؤجِّرِ عَينًا جامِدةً، وهذا أودَعَ في شَجرةٍ عَينًا مائِعةً، ثم حَصَلَتِ الثَّمرةُ مَنْ
стр. 5266
أصْلِ هَذا، وماءِ المُستَأجِرِ وعَملِه، كَما حَصَلَ العَملُ مِنْ أرضِ هَذا، وبَذْرِ المُستَأجِرِ وعَملِه، وهذا مِنْ أصَحِّ القياسِ على وَجْهِ الأرضِ.
وبِه يَتبَين أنَّ الصَّحابةَ أفقَهُ الأُمَّةِ، وأعلَمُهم بالمَعاني المُؤثِّرةِ في الأحكامِ، ولَم يُنكِرْ أحَدٌ مِنْ الصَّحابةِ على عُمرَ، فهو إجماعُ مِنهم (١).
وقالَ في «الزَّادِ»: أمَّا مَنعُ كَوْنِ عَقدِ الإجارةِ لا يُرَدُّ إلَّا على مَنفَعةٍ؛ فإنَّ هذا لَيسَ ثابِتًا بالكِتابِ ولا بالسُّنةِ ولا بالإجماعِ، بَلِ الثَّابِتُ عن الصَّحابةِ خِلافُه، كَما صَحَّ عن عُمرَ ﵁ أنَّه قبلَ حَديقةَ أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ ثَلاثَ سِنينَ، وأخَذَ الأُجرةَ، فقَضَى بها دَيْنَه، والحَديقةُ هي النَّخلُ، فهذه إجارةُ الشَّجرِ لِأخْذِ ثَمرِها، وهو مَذهَبُ أميرِ المُؤمِنينَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ، ولا يُعلَمُ له في الصَّحابةِ مُخالِفٌ، واختارَه أبو الوَفاءِ بنُ عَقيلٍ مِنْ أصحابِ أحمدَ، وهو اختيارُ شَيخِنا (٢).
وقالَ أيضًا: فإنَّه لا فَرقَ في القياسِ بينَ إجارةِ الأرضِ لِمَنْ يَقومُ عليها حتى تُنبِتَ، وبَينَ إجارةِ الشَّجرِ لِمَنْ يَقومُ عليها حتى تَطلُعَ، فكِلتاهُما في القياسِ سَواءٌ … والفَرقُ بينَ إجارةِ الشَّجرِ لِمَنْ يَخدُمُها ويَقومُ عليها حتى تُثمِرَ، وبَينَ بَيعِ الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها مِنْ ثَلاثةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ العَقدَ هُنا وقعَ على بَيعِ عَينٍ، وفي الإجارةِ وقعَ على مَنفَعةٍ، وإنْ كانَ المَقصودُ مِنها العَينَ، فهذا لا يَضُرُّ، كَما أنَّ المَقصودَ مِنْ مَنفَعةِ الأرضِ المُستَأجَرةِ لِلزِّراعةِ العَينُ.
стр. 5267
الثَّاني: أنَّ المُستَأجِرَ يَتسَلَّمُ الشَّجرَ فيَخدُمُها ويَقومُ عليها كَما يَتسَلَّمُ الأرضَ، وفي البَيعِ البائِعُ هو الذي يَقومُ على الشَّجرِ ويَخدُمُها، وليسَ لِلمُشتَري الِانتِفاعُ بظِلِّها، ولا برُؤيَتها، ولا بنَشرِ الثِّيابِ عليها، فأينَ أحَدُ الرَّأيَيْنِ مِنْ الآخَرِ؟
الثَّالث: أنَّ إجارةَ الشَّجرِ عَقدٌ على عَينٍ مَوجودةٍ مَعلومةٍ، لِيَنتفِعَ بها في سائِرِ وُجوهِ الِانتِفاعِ، وتَدخُلُ الثَّمرةُ تَبَعًا، وإنْ كانَ هو المَقصودُ كَما قُلتُم في نَفعِ البِئرِ ولَبنِ الظِّئرِ بأنَّه يَدخُلُ تَبَعًا، وإنْ كانَ هو المَقصودَ.
وأمَّا البَيعُ فعَقدٌ على عَينٍ لَم تُخلَقْ بَعدُ، فهذا لَونٌ، وهذا لَونٌ.
وَسِرُّ المَسألةِ: أنَّ الشَّجرَ كالأرضِ، وأنَّ خِدمَتَه والقيامَ عليه كَشَقِّ الأرضِ وخِدمَتِها والقيامِ عليها، وأنَّ مَغْلَ الزَّرعِ كَمَغْلِ الثَّمرِ، فإنْ كانَ في الدُّنيا قياسٌ صَحيحٌ فهذا مِنه (١).
وقالَ تَقيُّ الدِّينِ السُّبكيُّ ﵀: أمَّا الإجارةُ فيَنبَغي أنْ يَجوزَ فيها، كَما يَستَأجِرُ الأرضَ لِيَزرَعها، تُستَأجَرُ الشَّجرُ لِثَمرِها، لا أجِدُ فَرقًا بَينَهما، ولا دَليلًا على بُطلانِهِما، وليسَ في كَلامِ أبي عُبَيدٍ تَصريحٌ بمَنعِ إجارةِ الأشجارِ، ولا لِجَوازِها، واللَّهُ أعلمُ (٢).
стр. 5268
الرُّكنُ الثَّاني: العاقِدانِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ في العاقِدَيْنِ في المُساقاةِ والمُزارَعةِ أنْ يَكونا جائِزَيِ التَصرُّفِ؛ لأنَّ كُلًّا مِنهما عَقْدُ مُعاوَضةٍ ومُعامَلةٌ على المالِ، فعُدَّ لَها ذلك كالبَيعِ والإجارةِ والقِراضِ.
وأمَّا المَحجورُ عليه لِصِغَرٍ أو جُنونٍ -وكَذا لِسَفَهٍ عندَ مَنْ يَقولُ بالحَجرِ على السَّفيهِ- فلا يَصحُّ أنْ يُساقَى ولا أنْ يُزارَعَ؛ لأنَّ العَقلَ شَرطُ أهليَّةِ التَصرُّفاتِ، فيَقومُ وَلِيُّه عَنه بذلك عندَ المَصلَحةِ لِلِاحتياجِ إلَيه، ولِبَيتِ المالِ مِنْ الإمامِ ولِلوَقفِ مِنْ ناظِرِه، كَما يَقولُ الشافِعيَّةُ.
وأمَّا البُلوغُ فليسَ بشَرطٍ لِجَوازِ المُزارَعةِ والمُساقاةِ عندَ الحَنفيَّةِ، خِلافًا لِلجُمهورِ، حتى مُزارَعةُ الصَّبيِّ المَأْذونِ ومُساقاتُه دَفعًا واحِدًا تَجوزُ عِندَهم؛ لأنَّ المُزارَعةَ استِئجارٌ ببَعضِ الخارِجِ، ولأنَّ الصَّبيَّ المَأْذونَ يَملِكُ الإجارةَ؛ لأنَّها تِجارةٌ؛ فيَملِكُ المُزارَعةَ (١).
стр. 5269
الرُّكنُ الثالِثُ: مَورِدُ العَملِ:
مَوردُ العَملِ هو الشَّجرُ المُساقَى عليه، اتَّفقَ الفُقهاءُ على صِحَّةِ المُساقاةِ في النَّخلِ والعِنَبِ؛ لِلنَّصِّ في النَّخلِ، فعنِ ابنِ عُمرَ ﵄ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أَوْ زَرْعٍ» (١).
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «افتَتحَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ خَيبَرَ، وَاشترَطَ أنَّ له الأَرْضَ، وَكلَّ صَفرَاءَ وَبَيضَاءَ، قالَ أَهلُ خَيبَرَ: نَحنُ أَعلَمُ بالأَرْضِ مِنْكمْ، فَأَعْطِنَاهَا على أنَّ لَكمْ نِصْفَ الثَمرَةِ ولَنَا نِصْفَها، فزَعَم أنَّه أَعْطَاهمْ على ذلك، فلَمَّا كان حينَ يُصْرَمُ النَّخلُ بَعَثَ إلَيْهِمْ عبدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ، فحَزَرَ عليهمُ النَّخلَ، وهو الذي يُسَمِّيهِ أَهلُ المَدينَةِ الخَرْصَ، فقالَ: في ذا كذا وكذا. قالوا: أَكثَرْتَ عَلَينَا يا ابنَ رَوَاحَةَ. فقال: فأَنَا أَلِي حَزرَ النَّخلِ وَأُعْطِيكُمْ نِصْفَ الذي قُلتُ. قالوا: هذا الحَقُّ وَبهِ تَقُومُ السَّمَاءُ والأَرْضُ، قد رَضينَا أنْ نَأْخُذَهُ بالَّذِي قُلتَ» (٢).
والحِقَ به العِنَبُ؛ بجامِعِ وُجوبِ الزَّكاةِ وإمكانِ الخَرصِ.
ثم اختَلفَ الفُقهاءُ: هل تَصحُّ المُساقاةُ في غيرِ النَّخلِ والعِنبِ أو لا؟
فذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ -أبو يُوسفَ ومُحمدٌ وعليه الفَتوَى- والمالِكيَّةُ والشافِعيُّ في القَديمِ واختارَه النَّوَويُّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ أنَّها تَصحُّ في غيرِ النَّخلِ والعِنَبِ؛ فتَصحُّ في كلِّ شَجرٍ مُثمِرٍ؛ لِحَديثِ ابْنِ عُمرَ
стр. 5270
﵄ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أَوْ زَرْعٍ» (١). وهذا عامٌّ في كلِّ ثَمرٍ، ولا تَكادُ بَلدةٌ ذاتُ أشجارٍ تَخلو مِنْ شَجرةٍ غيرِ النَّخيلِ، ولأنَّه شَجرٌ يُثمِرُ كلَّ حَولٍ، فأشبَهَ النَّخيلَ والكَرْمَ، ولأنَّ الحاجةَ التي دَعَتْ إلى المُساقاةِ على النَّخلِ والعِنَبِ -أنَّ المالِكَ قد يَعجِزُ عن تَعَهُّدِه والقيامِ عليه بالسَّقْيِ والتَّنقيةِ- مَوجودةٌ في غَيرِه مِنْ الأُصولِ وأكثَرُ؛ لِكَثرَتِه، فجازَتِ المُساقاةُ عليه كالنَّخلِ، ووُجوبُ الزَّكاةِ لَيسَ مِنْ العِلَّةِ المُجوِّزةِ لِلمُساقاةِ، ولا أثَرَ له فيها، وإنَّما العِلَّةُ على ما ذَكَرناهُ (٢).
وَذَهَبَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّها لا تَجوزُ في غيرِ النَّخلِ والعِنَبِ؛ لأنَّها رُخصةٌ فتَختَصُّ بمَورِدِها، وهو النَّخلُ، وأُلحِقَ به العِنَبُ؛ بجامِعِ وُجوبِ الزَّكاةِ وإمكانِ الخَرْصِ (٣).
المُساقاةُ على شَجرٍ لا ثَمرَ له:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا تَجوزُ المُساقاةُ أصلًا لا تَبَعًا على شَجرٍ لا ثَمرَ
стр. 5271
لَه، كالصَّفصافِ والجَوزِ ونَحوِهِما، أو له ثَمرٌ غيرُ مَقصودٍ، كالصَّنَوبَرِ والأَرْزِ، فلا تَجوزُ المُساقاةُ عليه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وبِه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لَيسَ بمَنصوصٍ عليه ولا في مَعنَى المَنصوصِ، ولأنَّ المُساقاةَ إنَّما تَكونُ بجُزءٍ مِنْ الثَّمرةِ، وهذا لا ثَمرةَ له إلَّا أنْ يَكونَ ممَّا يُقصَدُ وَرقُه، كالتُّوتِ والوَردِ، فالقياسُ يَقتَضي جَوازَ المُساقاةِ عليه؛ لأنَّه في مَعنَى الثَّمرِ؛ لأنَّه نَماءٌ يَتكرَّرُ كلَّ عامٍ، ويُمكِنُ أخْذُه والمُساقاةُ عليه بجُزءٍ مِنه، فيثبُتُ له مِثلُ حُكمِه (١).
ما تَصحُّ فيه المُساقاةُ وما لا تَصحُّ:
ذكرَ فُقهاءُ كلِّ مَذهَبٍ بَعضَ الأنواعِ التي تَصحُّ فيها المُساقاةُ دونَ بَعضٍ، وهي على التَّفصيلِ الآتي:
قالَ الحَنفيَّةُ: تَجوزُ المُساقاةُ في النَّخلِ والشَّجرِ والكَرْمِ والرِّطابِ -جَمْعُ رَطبةٍ- وأُصولِ الباذِنجانِ والبُقولِ.
والبُقولُ غيرُ الرِّطابِ، فالبُقولُ مِثلُ الكُرَّاثِ والبَقلِ والسَّلقِ ونَحوِ ذلك، والرِّطابُ كالقِثَّاءِ والبِطِّيخِ والرُّمَّانِ والعِنَبِ والسَّفَرجَلِ والباذِنجانِ وأشباهِ ذلك؛ لأنَّ الشَّجرَ اسمٌ لِمَا له ساقٌ، وهذه لَها ساقٌ، ولأنَّ الجَوازَ لِلحاجةِ، وهي تَعُمُّ الجَميعَ (٢).
стр. 5272
وقالَ المالِكيةُ: تَصحُّ مُساقاةُ شَجرٍ وإنْ بَعْلًا؛ لأنَّ ما فيه مِنْ المُؤَنِ والكُلفةِ يَقومُ مَقامَ السَّقْيِ، والبَعلُ هو الذي لا سَقْيَ فيه، بَلْ يُسقَى مِنْ عُروقِه مِنْ غيرِ سَيْحٍ ولا عَينٍ، بِشَرطِ ألَّا يُخلِفَ؛ فإنْ كانَ يُخلِفُ، كالمَوزِ، ممَّا يُخلِفُ قبلَ قَطعِ البَطنِ الأولِ ولا يَنتَهي، وكالبَقلِ والرَّيحانِ والكُرَّاثِ؛ فلا تَصحُّ فيه مُساقاةٌ، إلَّا تَبَعًا لِغَيرِها. لأنَّ المُرادَ بالشَّجرِ الأُصولُ، وهذه لَها أُصولٌ، وإذا جُذَّتِ أخلَفَتْ، وإنَّما مَنَعوا مُساقاةَ البَقلِ وما مَعَه؛ لِبُعدِه عن مَحَلِّ النَّصِّ، وهو الشَّجرُ.
فَيُشترَطُ في الأُصولِ التي تَجوزُ مُساقَاتُها أنْ تَكونَ ممَّا تُجنَى ثَمرَتُه، ولَم تُخلِفْ، فإنْ كانَتْ تُخلِفُ، كالمَوزِ والقَصَبِ والقُرطِ -ما يُرعَى مِنْ العُشبِ- والبَقلِ، فلا يَجوزُ؛ لأنَّه بَطنٌ بعدَ بَطنٍ، وجُزءٌ بعدَ جُزءٍ.
فالمُساقاةُ على ثَلاثةِ أوْجُهٍ، كما يَلي:
١ - أُصولٌ ثابِتةٌ يُجدُّ ثَمرتُها ويَبقَى أصْلُها، فهي جائِزةٌ، عجزَ عَنها رَبُّها أو لا.
٢ - أُصولٌ تُجدُّ -تُجنَى- ثم تُخلِفُ، فلا تُساقَى في عَجزٍ ولا غَيرِه.
٣ - شَيءٌ تَزولُ أُصولُه، كالزَّرعِ وغَيرِه، فلا يُساقَى إلَّا عندَ العَجزِ (١).
стр. 5273
وأمَّا الشافِعيَّةُ؛ فقالَ النَّوَويُّ ﵀: الرُّكنُ الثَّاني: مُتعلِّقُ العَملِ، وهو الشَّجرُ، ولَه ثَلاثةُ شُروطٍ:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ نَخلًا أو عِنَبًا، فأمَّا غَيرُهُما مِنْ النَّباتِ فقِسمانِ:
القِسمُ الأولُ: ما له ساقٌ وما لا. والأولُ ضَربانِ:
الضَّربُ الأولُ: ما له ثَمرةٌ، كالتِّينِ والجَوزِ والمِشمِشِ والتُّفَّاحِ ونَحوِها، وفيها قولانِ: القَديمُ جَوازُ المُساقاةِ عليها، والجَديدُ المَنعُ، وعَلَى الجَديدِ في شَجرِ المُقْلِ وَجهانِ، جوَّزَها ابنُ سُرَيجٍ، ومَنَعَها غَيرُه، قُلتُ: الأصَحُّ المَنعُ، واللَّهُ أعلمُ.
الضَّربُ الثَّاني: ما لا ثَمرةَ لَه، كالدُّلْبِ -شَجرٌ مَعروفٌ لا ثَمرَ لَهُ- والخِلافِ (١) وغَيرِه، فلا تَجوزُ المُساقاةُ عليه. وقيلَ في الخِلافِ وَجهانِ لِأغصانِه.
القِسمُ الثَّاني: ما لا ساقَ لَهُ؛ كالبِطِّيخِ والقِثَّاءِ وقَصَبِ السُّكَّرِ والباذِنجانِ والبُقولِ التي لا تَثبُتُ في الأرضِ، ولا تُجَزُّ إلَّا مَرَّةً واحِدةً، فلا تَجوزُ المُساقاةُ عليها، كَما لا تَجوزُ على الزَّرعِ، فإنْ كانَتْ تَثبُتُ في الأرضِ وتُجَزُّ مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ فالمَذهَبُ المَنعُ. وقيلَ وَجهانِ، أصَحُّهُما المَنعُ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَجوزُ المُساقاةُ في كلِّ شَجرٍ له ثَمرٌ مَأكولٌ، وإنْ لَم يكُنْ
стр. 5274
نَخلًا ولا كَرْمًا؛ لِمَا تَقدَّمَ، والمَذهَبُ: لا تَصحُّ المُساقاةُ على ما لَيسَ له ثَمرٌ مَأكولٌ، كالصَّفصافِ والسَّرْوِ والوَردِ ونَحوِها؛ لأنَّه لَيسَ مَنصوصًا عليه، ولا في مَعنَى المَنصوصِ عليه، ولأنَّ المُساقاةَ إنَّما تَكونُ بجُزءٍ مِنْ الثَّمرةِ، وهذا لا ثَمرةَ لَه.
وقالَ المُوفَّقُ ابنُ قُدامةَ ﵀ وغَيرُه: تَصحُّ المُساقاةُ على ما له وَرقٌ يُقصَدُ، كَتُوتٍ، أو له زَهرٌ يُقصَدُ، كَوَردٍ ونَحوِه، كَالياسَمينِ، إجراءً للوَرقِ والزَّهرِ مَجرَى الثَّمرةِ.
وَلَو ساقاه على ما يَتكرَّرُ حَملُه مِنْ أُصولِ البُقولِ والخَضراواتِ، كالقُطنِ الذي يُؤخَذُ مَرَّةً بعدَ أُخرَى، وكالمَقاثيِّ مِنْ نَحوِ بِطِّيخٍ وقِثَّاءٍ، وكالباذِنجانِ ونَحوِه، لَم تَصحَّ؛ لأنَّ ذلك لَيسَ بشَجرٍ، وتَصحُّ المُزارَعةُ عليه على مُقتَضَى ما يَأتي تَفصيلُه.
أو ساقاه على شَجرٍ لا ثَمرَ لَه، كالحَوَرِ والصَّفصافِ، لَم يَصحَّ على الأولِ، كَما تَقدَّمَ (١).
المُساقاةُ على البَعلِ مِنْ الشَّجرِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ الذين يَقولونَ بجَوازِ المُساقاةِ على أنَّ المُساقاةَ تَصحُّ على البَعلِ مِنْ الشَّجرِ -وهو الذي لا سَقْيَ فيه، بَلْ يُسقَى مِنْ عُروقِه مِنْ غيرِ سَيْحٍ ولا عَينٍ-، كَما تَجوزُ فيما يَحتاجُ إلى سَقْيٍ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وبِهَذا قالَ مالِكٌ، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا عندَ مَنْ يُجَوِّزُ المُساقاةَ؛ لأنَّ الحاجةَ
стр. 5275
تَدعو إلى المُعامَلةِ في ذلك، كَدُعائِها إلى المُعامَلةِ في غَيرِه؛ فيُقاسُ عليه، وكذلك الحُكمُ في المُزارَعةِ (١).
المُساقاةُ على ثَمرٍ مَوجودٍ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على عَدَمِ صِحَّةِ جَوازِ المُساقاةِ على الثَّمرةِ المَوجودةِ إذا بَدا صَلاحُها، ولَم تَزِدْ بالعَملِ؛ لِكَونِ العَملِ لا يَزيدُ فيه، ولأنَّه يَصحُّ بَيعُه حينئذٍ؛ فلا ضَرورةَ تَدعو إلى مُساقاةِ ذلك. ولأنَّ العامِلَ إنَّما يَستَحقُّ بالعَملِ الأجْرَ، ولا أثَرَ لِلعَملِ بعدَ التَّناهي والإدراكِ؛ ولأنَّه إجارةٌ بأجْرٍ مَجهولٍ، وإنَّما جُوِّزَ بالمُعامَلةِ على خِلافِ القياسِ لفِعلِه، وهذا لَيسَ في مَعناه.
ثم اختَلفَ الفُقهاءُ في الثَّمرةِ المَوجودةِ التي لَم يَبْدُ صَلاحُها وتَزيدُ بالعَملِ، هَلْ تَصحُّ المُساقاةُ عليها أو لا؟ على قوليْنِ:
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ -أي: على المُفتَى به، وهو قولُ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ- والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه تَصحُّ المُساقاةُ على ثَمرٍ بعدَ ظُهورِه إذا لَم يَبْدُ صَلاحُه إذا كانَتِ الثَّمرةُ تَزيدُ بالعَملِ، كَما قبلَ ظُهورِها، ولأنَّه أبعَدُ عن الغَرَرِ؛ لِلوُثوقِ بالثَّمرِ؛ فهو أَوْلَى بالجَوازِ، وكَذا على زَرعٍ نابِتٍ يُنَمَّى بالعَملِ، كَما نَصَّ على ذلك الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ.
стр. 5276
وَلأنَّها إذا جازَتْ في المَعدومِ مع كَثرةِ الغَرَرِ فيها، فمَعَ وُجودِها وقِلَّةِ الغَرَرِ فيها أوْلَى. ومَحَلُّها إذا بَقيَ مِنْ العَملِ ما تَزيدُ به الثَّمرةُ، كالتَّأبيرِ والسَّقْيِ والإصلاحِ، فإنْ بَقيَ ما لا تَزيدُ به كالجِدادِ، لَم يَجُزْ بغَيرِ خِلافٍ.
فَإنْ بَدا صَلاحُ الثَّمرِ المُساقَى عليه لَم يَصحَّ اتِّفاقًا، كَما تَقدَّمَ؛ إلَّا تَبَعًا، كَما يَقولُ المالِكيَّةُ؛ لأنَّ التَّابِعَ يَأخُذُ حُكمَ المَتبوعِ، فكَأنَّه هو.
وَذَهَبَ الشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابِلةُ في الرِّوايةِ الثَّانيةِ إلى أنَّه لا تَصحُّ المُساقاةُ على ثَمرٍ مَوجودٍ؛ لأنَّه ﷺ «عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أَوْ زَرْعٍ» (١)، وذلك مَفقودٌ هُنا، ولِفَواتِ بَعضِ الأعمالِ؛ ولأنَّ الثَّمرةَ إذا ظَهرَتْ، فقَد حَصَلَ المَقصودُ، وصارَ بمَنزِلةِ مُضارَبَتِه على المالِ بعدَ ظُهورِ الرِّبحِ، ولأنَّ المُساقاةَ عَقدٌ على غَرَرٍ؛ وإنَّما أُجيزَ على الثَّمرةِ المَعدومةِ لِلحاجةِ إلى استِخراجِها بالعَملِ، فإذا ظَهرَتِ الثَّمرةُ زالَتِ الحاجةُ؛ فلَم تَجُزْ.
وَلأنَّ هذا يُفضي إلى أنْ يَستَحقَّ بالعَقدِ عِوَضًا مَوجودًا يَنتقِلُ المِلْكُ فيه عن ربِّ المالِ إلى المُساقِي؛ فلَم يَصحَّ، كَما لَو بَدا صَلاحُ الثَّمرةِ، ولأنَّه عَقدٌ على العَملِ في المالِ ببَعضِ نَمائِه، لَم يَجُزْ بعدَ ظُهورِ النَّماءِ؛ كالمُضارَبةِ، ولأنَّ هذا يَجعَلُ إجارةً بمَعلومٍ ومَجهولٍ، فلَم يَصحَّ، كَما لَوِ استَأجَرَه على العَملِ بذلك، وقولُهم: أنَّهما أقَلُّ غَرَرًا، قُلنا: قِلَّةُ الغَرَرِ لَيسَتْ مِنْ المُقتَضي لِلجَوازِ، ولا كَثرَتُه المَوجودةُ في مَحَلِّ النَّصِّ مانِعةٌ مِنه؛ فلا تُؤثِّرُ قلَّتُه شَيئًا، والشَّرعُ وَردَ به على وَجْهٍ لا يَستَحقُّ العامِلُ فيه عِوَضًا
стр. 5277
مَوجودًا، ولا يَنتقِلُ إليه مِنْ مِلْكِ ربِّ المالِ شَيءٌ، وإنَّما يَحدُثُ النَّماءُ المَوجودُ على مِلكِهِما على ما شَرَطاه، فلَم تَجُزْ مُخالَفةُ هذا المَوضوعِ، ولا إثباتُ عَقْدٍ لَيسَ في مَعناه؛ إلحاقًا به، كَما لَو بَدا صَلاحُ الثَّمرةِ، وكالمُضارَبةِ بعدَ ظُهورِ الرِّبحِ (١).
المُساقاةُ على الشَّجرِ الصَّغيرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَدْيِ -وهو النَّخلُ الصَّغيرُ- هَلْ تَجوزُ المُساقاةُ عليه أو لا تَجوزُ؟
فذهبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في الشَّجرِ الذي يُساقَى عليه أنْ يُثمِرَ في عامِ المُساقاةِ؛ فلا تَصحُّ في الوَدْيِ -وَهو النَّخلُ الصَّغيرُ- الذي لا يُثمِرُ في عامِه؛ إلَّا إذا كانَ قَليلًا تابِعًا لِمَا يُثمِرُ في عامِه، فتَجوزُ المُساقاةُ في الحائِطِ، وفيه ما لا يُثمِرُ في عامِه، ويَكونُ ما لا يُثمِرُ في عامِه تابِعًا لِمَا يُثمِرُ فيهِ (٢).
стр. 5278
وقالَ الشَّافِعيةُ والحَنابِلةُ: إنْ سَقاهُ على وَدْيِ نَخلٍ -أي: صِغارِهِ- أو صِغارِ شَجرٍ -عِنْدَ الحَنابِلةِ- إلى مدَّةٍ، فلا تَخلو المدَّةُ مِنْ ثَلاثةِ أقسامٍ:
القِسمُ الأولُ: أنْ يُساقيَه على مدَّةٍ يَحمِلُ فيها في الأغلَبِ بجُزءٍ مِنْ الثَّمرةِ، فيَصحُّ العَقدُ ولا يَضُرُّ كَونُ أكثَرِ المدَّةِ لا ثَمرَ فيها، كَما لَو ساقاه خَمسَ سِنينَ، والثَّمرةُ يَغلِبُ وُجودُها في الخامِسةِ خاصَّةً؛ ولأنَّه لَيسَ فيه أكثَرُ مِنْ أنَّ عَملَ العامِلِ يَكثُرُ ونَصيبُه يَقِلُّ، وهذا لا يَمنَعُ صِحَّتَها، كَما لَو جُعِلَ له جُزءٌ مِنْ ألفِ جُزءٍ.
فَإنْ لَم يَحمِلِ النَّخلُ ولا الشَّجرُ في المدَّةِ ولَم يُثمِرْ، لَم يَستَحقَّ العامِلُ شَيئًا، كَما لَو سَقاه على النَّخيلِ المُثمِرِ؛ فلَم تُثمِرْ.
والقِسمُ الثَّاني: أنْ يُساقيَه على مدَّةٍ لا يَحمِلُ ولا تُثمِرُ فيه في الأغلَبِ، فلا يَصحُّ لِخُلُوِّها مِنْ العِوَضِ؛ كالمُساقاةِ على شَجرةٍ لا تُثمِرُ.
فَإنْ وقعَ في ذلك وعَمِلَ العامِلُ، لَم يَستَحقَّ الأُجرةَ عندَ الشافِعيَّةِ إنْ عَلِمَ أنَّها لا تُثمِرُ في تلك المدَّةِ، وإنْ عَلِمَ أنَّها تُثمِرُ في تلك المدَّةِ استَحقَّ الأُجرةَ ويُرجَعُ في المدَّةِ المَذكورةِ لِأهلِ الخِبرةِ بالشَّجرِ في تلك النَّاحيةِ.
وَعِنْدَ الحَنابِلةِ وَجهَانِ في استِحقاقِ الأُجرةِ إنْ عَمِلَ فيها ولَم تُثمِرْ، وإنْ حَمَلَ في المدَّةِ لَم يَستَحقَّ ما جُعِلَ لَهُ؛ لأنَّ العَقدَ وقعَ فاسِدًا، فلَم يَستَحقَّ ما شُرِطَ فيه.
стр. 5279
والقِسمُ الثَّالث: أنْ يَجعَلَ المدَّةَ زَمنًا يَحتَمِلُ أنْ يَحمِلَ فيه، ويَحتَمِلُ ألَّا يَحمِلَ، وليسَ أحَدُهما أَظهَرَ؛ فلا يَصحُّ في الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في وَجهٍ، كَما لَو أسلَمَ في مَعدومٍ إلى وَقتٍ يَحتَمِلُ وُجودَه وعَدَمَه، ويَستَحقُّ الأُجرةَ وإنْ لَم تُثمِرْ؛ لأنَّه عَمِلَ طامِعًا.
وَمُقابِلُ الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ ووَجهٌ لِلحَنابِلةِ أنَّه يَصحُّ؛ لأنَّ الثَمرَ مَرجُوٌّ، كالقِراضِ، فإنَّ الرِّبحَ مَرجُوٌّ لِلحُصولِ، فإنْ أثمَرَتِ استَحقَّ ما شُرِطَ لَه، وإنْ لَم تُثمِرْ لَم يَستَحقَّ شَيئًا (١).
المُساقاةُ على شَجرٍ يَغرِسُه ويَعمَلُ عليه حتى يُثمِرَ (وهي المُناصَبةُ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرجُلِ يَدفَعُ إلى آخَرَ شَجرًا صَغيرًا لِيَغرِسَه ويَعملَ عليه حتى يُثمِرَ بجُزءٍ مَشاعٍ مَعلومٍ، هَلْ يَصحُّ أو لا؟
فذهبَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لَو دفعَ إلى آخَرَ وَدْيًا -أي: نَخلًا صَغيرًا- لِيَغرِسَه ويَكونَ الشَّجرُ أو ثَمرَتُه إذا أثمَرَ بَينَهما، لَم يَجُزْ؛ لأنَّ المُساقاةَ لَم تَرِدْ إلَّا على أصْلٍ ثابِتٍ، وهي رُخصةٌ لا تَتعدَّى مَورِدَها، ولأنَّ الغَرسَ لَيسَ مِنْ أعمالِ المُساقاةِ، فأشبَهَ ضَمَّ غيرِ التِّجارةِ إلى القِراضِ.
فَإذا عَمِلَ فلَه أُجرةُ مِثلِ عَملِه على المالِكِ إنْ تُوقِّعتِ الثَّمرةُ في المدَّةِ، وإلَّا فلا، في الأصَحِّ.
стр. 5280
ولَه أُجرةُ الأرضِ أيضًا إنْ كانَت لَه، ولَو كانَ الغِراسُ لِلعاملِ، والأرضُ لِلمالِكِ، فلا أُجرةَ لَه، ويَلزَمُه أُجرةُ الأرضِ (١).
وَذَهَبَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه إنْ سَاقاه على شَجرٍ يَغرِسُه ويَعمَلُ عليه حتى يُثمِرَ ويَكونَ له جُزءٌ مَشاعٌ مَعلومٌ مِنْ الثَّمرةِ أو مِنْ الشَّجرِ، أو مِنهما، وهي المُغارَسةُ والمُناصَبةُ، صَحَّ العَقدُ، قالَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةِ المَرُّوذيِّ في رَجُلٍ قالَ: «اغرِسْ في أرضي هذه شَجرًا، أو نَخلًا، فما كانَ مِنْ غَلَّةٍ فلَكَ بعَملِ كَذا وكَذا سَهمًا مِنْ كَذا وكَذا» فأجازَه بحَديثِ خَيبَرَ في الزَّرعِ والنَّخيلِ، ولأنَّ العَملَ وعِوَضَه مَعلومانِ، صَحَّتْ، كالمُساقاةِ على شَجرٍ مَوجودٍ.
لَكِنْ بشَرطِ أنْ يَكونَ الغَرسُ مِنْ ربِّ الأرضِ، كَما يُشترَطُ في المُزارَعةِ كَوْنُ البَذرِ مِنْ ربِّ الأرضِ.
فَإنْ كانَ الغِراسُ مِنْ العامِلِ فصاحِبُ الأرضِ بالخِيارِ بينَ قَلعِه، ويَضمَنُ له نَقصَه، وبَينَ تَركِه في أرضِه ويَدفَعُ إلى العامِلِ قِيمةَ الغِراسِ؛ كالمُشتَرِي إذا غَرَسَ في الأرضِ التي اشتَراها، ثم جاءَ الشَّفيعُ فأخَذَها بالشُّفعةِ.
وَإنِ اختارَ العامِلُ قَلعَ شَجرِه فلَه ذلك، سَواءٌ بذلَ له صاحِبُ الأرضِ القِيمةَ أو لا؛ لأنَّه مِلْكُه؛ فلَم يُمنَعْ تَحويلُه.
وَإنِ اتَّفقَ صاحِبُ الأرضِ والعامِلُ على إبقاءِ الغِراسِ في الأرضِ، ودَفْعِ أُجرةِ الأرضِ، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَعدوهُما.
стр. 5281
وَقيلَ: يَصحُّ كَونُ الغِراسِ مِنْ مُساقٍ ومُناصِبٍ، قالَ الشَّيخُ: وعليه العَملُ، وقالَ في «الإنصاف»: حُكمُه حُكمُ المُزارَعةِ، اختارَه المُصَنِّفُ أي: المُوفَّقُ، والشَّارِحُ، وابنُ رَزينٍ، وأبو مُحمَّدٍ الجَوزيُّ، والشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ، والحاوي الصَّغيرُ، وجَزَم به ابنُ رَزينٍ في نِهايَته ونَظْمِها، قُلتُ: وهو أقوَى دَليلًا. انتَهَى (١).
وقالَ الطَّحاويُّ ﵀: قالَ بِشرٌ عن أبي يُوسفَ: إنْ كانَ لِلشَّجرِ قِيمةٌ عندَ الغَرسِ لَم يَجُزْ، وإنْ لَم يكُنْ له قِيمةٌ جازَ، وقالَ مُحمَّدٌ ﵀ في «المُزارَعةُ الكَبيرُ»: هذا جائِزٌ في غَرسِ الشَّجرِ والنَّخلِ، على أنْ يَكونَ الجَميعُ بَينَهما نِصفَيْنِ، وكذلك أُصولُ الرَّطبةِ، وإنْ شرطَ الثَّمرةَ نِصفَيْنِ جازَ أيضًا على ما اشترَطا، والأُصولُ لِلغارِسِ (٢).
وقالَ المالِكيَّةُ: المُغارَسةُ هي أنْ يَدفَعَ الرجُلُ أرضَه لِمَنْ يَغرِسُ فيها شَجرًا، وهي على ثَلاثةِ أوْجُهٍ:
الأولُ: إجارةٌ، وهو أنْ يَغرِسَ له بأُجرةٍ مَعلومةٍ.
الثَّاني: جُعلٌ، وهو أنْ يَغرِسَ له شَجرًا على أنْ يَكونَ له نَصيبٌ فيما يَنبُتُ مِنها خاصَّةً.
الثَّالث: مُتردِّدٌ بينَ الإجارةِ والجُعلِ، وهو أنْ يَغرِسَ له على أنْ يَكونَ له
стр. 5282
نَصيبٌ مِنها كلِّها، ومِنَ الأرضِ، فيَجوزُ بخَمسةِ شُروطٍ:
أحَدُها: أنْ يَغرِسَ فيها أشجارًا ثابِتةَ الأُصولِ، دونَ الزَّرعِ والمَقاثيِّ والبُقولِ.
الثَّاني: أنْ تَتفِقَ أصنافُ الأجناسِ، أو تَتقارَبَ في مدَّةِ إطعامِها؛ فإنِ اختَلفَتِ اختِلافًا مُتبايِنًا لَم يَجُزْ.
الثَّالث: ألَّا يَضرِبَ لَها أجَلًا إلى سِنينَ كَثيرةٍ؛ فإنْ ضَرَبَ لَها أجَلًا إلى ما فَوقَ الإطعامِ لَم يَجُزْ، وإنْ كانَ دونَ الإطعامِ جازَ، وإنْ كانَ إلى الإطعامِ فقولانِ.
الرَّابِعُ: أنْ يَكونَ لِلعاملِ حَظُّه مِنْ الأرضِ والشَّجرِ؛ فإنْ كانَ له حَظُّه مِنْ أيٍّ منهما خاصَّةً، لَم يَجُزْ، إلَّا إنْ جعلَ له مع الشَّجرِ مَواضِعَها مِنْ الأرضِ دونَ سائِرِ الأرضِ.
الخامِسُ: ألَّا تَكونَ المُغارَسةُ في أرضٍ مُحَبَّسةٍ؛ لأنَّ المُغارَسةَ كالبَيعِ.
وَقالوا: يُمنَعُ في المُغارَسةِ والمُساقاةِ والمُزارَعةِ شَيئانِ:
الأولُ: أنْ يَشتَرِطَ أحَدُهما لنَفْسِه شَيئًا دونَ الآخَرِ، إلَّا اليَسيرَ.
الآخَرُ: اشتِراطُ السَّلفِ.
وإذا وقَعَتِ المُغارَسةُ فاسِدةً فلربِّ الأرضِ الخيارُ بينَ أنْ يُعطيَ المُستَأجِرَ قِيمةَ الغَرسِ، أو أنْ يَأمُرَه بقَلعِهِ (١).
стр. 5283
إذا دفعَ أرضًا إلى رَجُلٍ يَغرِسُ فيها شَجرًا، على أنْ تَكونَ الأرضُ والشَّجرُ بَينَهما نِصفَيْنِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ دفعَ أرضًا بَيضاءَ إلى رَجُلٍ سِنينَ مَعلومةً يَغرِسُ فيها شَجرًا أو كَرْمًا أو نَخلًا على أنْ تَكونَ الأرضُ والشَّجرُ بينَ ربِّ الأرضِ والغارِسِ نِصفَيْنِ، لَم يَجُزْ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وبِهَذا قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ، ولا نَعلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه شَرطُ اشتِراكِهِما في الأصلِ، كَما لَو دفعَ إليه الشَّجرَ المَغروسَ مُساقاةً لِيَكونَ في الأصلِ والثَّمرةُ بَينَهما، أو شرطَ في المُزارَعةِ كَونَ الأرضِ والزَّرعِ بَينَهما، فلا يَصحَّانِ؛ لِمَا تَقدَّمَ، وكَذا المُضارَبةُ (١).
ثم جَميعُ الثَّمرِ والغَرسِ لربِّ الأرضِ، ولِلعاملِ قِيمةُ غَرسِه وأجْرُ مِثلِ عَملِه، وليسَ له في الأرضِ قَليلٌ ولا كَثيرٌ، كَما نَصَّ على ذلك الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ؛ لأنَّ العَقدَ في الشَّجرِ لَمَّا كانَ فاسِدًا وقَد غَرَسَه العامِلُ بأمْرِه في أرضِه، صارَ كَأنَّ صاحِبَ الأرضِ فعلَ ذلك بنَفْسِه، فيَصيرُ قابِضًا لِلغَرسِ باتِّصالِه بأرضِه، مُستَهلِكًا له بالعُلوقِ فيها؛ فيَجِبُ عليه قِيمةُ أشجارِه وأجْرُ مِثلِ عَملِه؛ لأنَّه ابتَغَى لِعَملِه أجْرًا، وهو نِصفُ الأرضِ، أو نِصفُ الخارِجِ، ولَم يَحصُلْ له منه شَيءٌ، فيَجِبُ عليه أجْرُ مِثلِه.
وحِيلةُ الجَوازِ عندَ الحَنَفيةِ أنْ يَبيعَ نِصفَ الغِراسِ بنِصفِ الأرضِ، ويَستَأجِرَ ربُّ الأرضِ العامِلَ ثَلاثَ سِنينَ مثلًا بشَيءٍ قَليلٍ لِيَعمَلَ في نَصيبِه «صَدرُ الشَّريعةِ».
стр. 5284
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: هذه الحِيلةُ -وإنْ أفادَتْ صِحَّةَ الِاشتِراكِ في الأرضِ والغِراسِ- تَضُرُّ صاحِبَ الأرضِ؛ لأنَّ استِئجارَ الشَّريكِ على العَملِ في المُشترَكِ لا يَصحُّ، ولا يَستَحقُّ أجرًا إنْ عَمِلَ، فقَد يَمتَنِعُ عن العَملِ، ويَأخُذُ نِصفَ الأرضِ بالثَّمنِ اليَسيرِ، اللَّهم إلَّا أنْ يُحمَلَ على أنَّهما أفرَزًا الغِراسَ، وغَرَسَ كلٌّ نِصفَه في جانِبٍ، فتَصحُّ الإجارةُ أيضًا، فتَأمَّلْ (١).
المُشارَكةُ في الشَّجرِ مع التَّفاضُلِ في الثَّمرِ:
قالَ الحَنابِلةُ: ولَو عَمِلَا في شَجرٍ لَهُما وهو بَينهُما نِصفانِ، وشرطَا التَّفاضُلَ في ثَمرِه، بأنْ قالَا: على أنَّ لَكَ الثُّلُثَ، ولي الثُّلثَيْنِ، صَحَّ؛ لأنَّ مَنْ شُرِطَ له الثُّلُثانِ قد يَكونُ أقوَى على العَملِ، وأعلَمَ به مِمَّنْ شُرِطَ له الثُّلُثُ (٢).
وقالَ الشافِعيَّةُ: لَو شرطَ في المُساقاةِ مع الشَّريكِ أنْ يَتعاوَنا على العَملِ فَسَدتْ، وإنْ أثبَتَ له زيادةً على النِّصفِ، كَما لَو ساقَى أجنَبيًّا على هذا الشَّرطِ.
стр. 5285
ثم إنْ تَعاوَنا واستَوَيَا في العَملِ فلا أُجرةَ لِواحِدٍ مِنهما؛ وإنْ تَفاوَتَا فإنْ كانَ عَمِلَ مَنْ شُرِطَ له الزِّيادةُ أكثَرَ استَحقَّ على الأُجرةِ بالحِصَّةِ مِنْ عَملِه، وإنْ كانَ عَمِلَ الآخَرُ أكثَرَ ففي استِحقاقِه الأُجرةَ وَجهانِ.
أمَّا لَو أعانَه مِنْ غيرِ شَرطٍ فلا يَضُرُّ.
وَلَو كانَتْ هناك حَديقةٌ بينَ اثنَيْنِ مُناصَفةً ساقَى أحَدُهما صاحِبَه وشرطَ له ثُلُثَيِ الثِّمارِ، صَحَّ، وقَد شرطَ له ثُلُثَ ثَمرَتِه.
وإنْ شرطَ له ثُلُثَ الثِّمارِ أو نِصفَها لَم يَصحَّ؛ لأنَّه لَم يُثبِتْ له عِوَضًا بالمُساقاةِ؛ فإنَّه يَستَحقُّ النِّصفَ بالمِلْكِ، وإذا عَمِلَ ففي استِحقاقِه الأُجرةَ وَجهانِ، أصَحُّهما: لا أُجرةَ لَه؛ لأنَّه لَم يَطمَعْ في شَيءٍ.
وَلَو شرطَ له جَميعَ الثِّمارِ فَسَدَ العَقدُ، ولَه الأُجرةُ في أصَحِّ الوجهيْنِ؛ لأنَّه عَمِلَ طامِعًا (١).
يُشترَطُ في الشَّجرِ المُساقَى عليه أنْ يَكونَ مَعلومًا:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُساقاةَ لا تَصحُّ إلا على شَجرٍ مَعلومٍ، والعِلْمُ إمَّا:
١ - بالرُّؤيةِ اتِّفاقًا.
٢ - أو بالصِّفةِ التي لا يُختَلفُ معها؛ كالبَيعِ عندَ المالِكيَّةِ والحَنابِلةِ، فإنْ ساقاه على بُستانٍ بغَيرِ رُؤيةٍ ولا صِفةٍ لم يَصحَّ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَجهولٍ؛ فلم يَصحَّ، كالبَيعِ.
стр. 5286
والمُعتَمَدُ عندَ الشافِعيَّةِ أنَّه لا يَصحُّ بالوَصفِ، ولا بدَّ فيه مِنْ الرُّؤيةِ؛ لأنَّ المُساقاةَ مَعقودةٌ على الغَرَرِ؛ فلا يَجوزُ أنْ يُضافَ إلَيها الغَرَرُ؛ لِعَدَمِ الرُّؤيةِ، بخِلافِ البَيعِ.
وإنْ ساقاه على أحَدِ هَذَيْنِ الحائِطَيْنِ لَم يَصحَّ اتِّفاقًا؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ يَختَلِفُ الغَرَضُ فيها باختِلافِ الأعيانِ؛ فلَم يَجُزْ على غيرِ مُعيَّنٍ، كالبَيعِ (١).
وَأجازَ المالِكيَّةُ المُساقاةَ على الحائِطِ، ولَو كانَ غائِبًا، سَواءٌ كانَ قَريبَ الغَيبةِ أو بَعيدَها، بشَرطَيْنِ:
الأولُ: أنْ يُوصَفَ لِلعاملِ، والمُرادُ بالوَصفِ أنْ يَذكُرَ جَميعَ ما يَحتاجُ إليه مِنْ العَملِ، فيَذكُرَ ما فيه مِنْ الرَّقيقِ والدَّوابِّ، أو لا شَيءَ فيه، وهَل هو بَعلٌ أو سَقْيٌ بالعَينِ أو بالغَربِ، وتُوصَفُ أرضُه وما هي عليه مِنْ الصَّلابةِ أو غَيرِها، ويُذْكَرُ ما فيها مِنْ أجناسِ الأشجارِ وعَدَدُها والقَدْرُ المُعتادُ ممَّا يُوجَدُ فيها.
وَيَكتَفي بوَصفِ ربِّ الحائِطِ، كَما في البَيعِ.
والظَّاهِرُ أنَّ رُؤيةَ العامِلِ لِلحائِطِ قبلَ عَقدِ المُساقاةِ بمدَّةٍ لا يَتغَيَّرُ بَعدَها، تَقومُ مَقامَ الوَصفِ.
والظَّاهِرُ أنَّه يَجوزُ أنْ تُعقَدَ المُساقاةُ معه مِنْ غيرِ وَصفٍ، على أنَّه بالخيارِ، إذا رَآه، كَما في البَيعِ.
стр. 5287
الشَّرطُ الآخَرُ: أنْ يَعقِدَ المُساقاةَ في زَمنٍ يُمكِنُ وُصولُ العامِلِ فيه قبلَ طِيبِ الحائِطِ، وأمَّا إنْ كانَ لا يَصِلُ إليه إلَّا بعدَ طِيبِه فلا تَجوزُ، على أصلِ ابنِ القاسِمِ، ويَجوزُ ذلك على قَولِ سُحنونَ، وإنْ كانَ لا يَصِلُ إلَّا بعدَ الطِّيبِ.
فَإنْ عَقدَ المُساقاةَ في زَمنٍ يُمكِنُ وُصولُه قبلَ الطِّيبِ، فتَوانَى في طَريقِه فلَم يَصِلْ إلَّا بعدَ الطِّيبِ، لَم تَفسُدِ المُساقاةُ بذلك.
وَنَفَقةُ الحَملِ في خُروجِه عليه، وليسَ كالقِراضِ (١).
стр. 5288
الرُّكنُ الرابعُ: الثِّمارُ:
ويُشتَرطُ فيها ما يَلي:
١ - أنْ يَشتَرِكا في الخارِجِ:
ذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في المُساقاةِ أنْ يَكونَ الخارِجُ مِنْ الثِّمارِ بينَ العاقِدَيْنِ، فلَو شَرَطا أنْ يَكونَ لِأحَدِهِما فسَدَتِ المُساقاةُ؛ لأنَّ مَعنَى الشَّرِكةِ لازِمٌ لِهَذا العَقدِ، وكلُّ شَرطٍ يَكونُ قاطِعًا لِلشَّرِكةِ يَكونُ مُفسِدًا لِلعَقدِ.
وقالَ الشَّافِعيةُ: وفي استِحقاقِ الأُجرةِ عندَ شَرطِ الكلِّ لِلمالِكِ وَجهانِ: أصَحُّهُما: المَنعُ؛ لأنَّه عَمِلَ مَجَّانًا.
ذَهَبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ جَميعُ الثَّمرةِ لِلعاملِ أو لربِّ الحائِطِ؛ لأنَّه إذا جازَ أنْ يَترُكَ بَعضَ الثَّمرةِ بالعَملِ جازَ أنْ يَترُكَها كلَّها، ولأنَّ مِنْ الحَوائِطِ ما لَو اشترَطَ صاحِبُه مِنْ ثَمرَتِه شَيئًا لَم يَجِدْ مِنْ يُساقيه عليه، ولا يَقوَى هو على عَملِه، وإنْ تَركَه هَلَكَ، ومُساقاتُه كلِّه أنفَعُ له بعدَ اليَومِ، فعلى هذا تَكونُ مُساقاةً حَقيقةً، ويُجبَرُ العامِلَ على العَملِ أو يَستَأجِرُ مَنْ يَعمَلُ، إلَّا أنْ يَقومَ دَليلٌ على أنَّه أرادَ الهِبةَ لِقِلَّةِ المُؤنةِ وكَثرةِ الخَراجِ فلا يُجبَرُ على العَملِ ويَجري على أحكامِ الهِبةِ، ومتى أشكَلَ الأمْرُ حُمِلَا على المُعاوَضةِ (١).
стр. 5289
٢ - أنْ يَختَصَّ المالِكُ والعامِلُ بالخارِجِ، فلو شرطَ بَعضَ الثِّمارِ لِثالِثٍ فَسَد العَقدُ عندَ الشافِعيَّةِ (١).
٣ - أنْ تَكونَ حِصَّةُ كلِّ واحِدٍ منهما مِنْ بَعضِ الخارِجِ مَشاعًا مَعلومَ القَدْرٍ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يُشترَطُ أنْ يَكونَ نَصيبُ كُلٍّ مِنْ المالِكِ والعامِلِ جُزءًا مَعلومًا مِنْ الثَّمرةِ مَشاعًا؛ كالنَّصفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ، ولا تَجوزُ مِنْ غيرِ الخارِجِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمرَ ﵄ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أَوْ زَرْعٍ» (٢). وَسَواءٌ قَلَّ الجُزءُ أو كَثُرَ بلا خِلافٍ؛ لأنَّها مُبايَعةٌ، فجازَ أنْ تَكونَ مِنْ الرُّخصِ والغَلاءِ على ما يَتراضَيانِ عليه؛ لأنَّ الحَوائِطَ تَختَلِفُ في الأعمالِ، فمِنها ما يَقِلُّ تكَلُّفُه فيه فيَقِلُّ جُزؤُه، ومِنها ما يَكثُرُ تَعَبُه فيه فيَكثُرُ جُزؤُه.
فَلَو شرطَ لِلعاملِ جُزءًا مِنْ مِئةِ جُزءٍ، أو جعلَ جُزءًا مِنها لِنَفْسِه والباقيَ لِلعاملِ، جازَ ما تَراضَوْا عليه؛ لأنَّ الحقَّ لا يَعدُوهُما ما لَم يكُنْ شَرطُهما لربِّ الشَّجرِ جُزءًا مِنْ مِئة جُزءٍ، والبقيَّةُ لِلعاملِ حِيلةً على بَيعِ الثَّمرِ قبلَ بُدُوِّ
стр. 5290
صَلاحِه؛ فلا يَصحُّ، كَما نَصَّ على ذلك الحَنابِلةُ.
وإنْ عَقدَه على أجزاءٍ مَعلومةٍ؛ كالخَمسينَ، وثَلاثةِ أثمانٍ، أو سُدُسٍ ونِصفِ سُبُعٍ، ونَحوَ ذلك، جازَ.
وَلَو قالَ: «على أنَّها بَينَنا، أو على أنَّ نِصفَها لي، أو على أنَّ نِصفَها لَك» وسَكَتَ عن البَقيَّةِ صَحَّ، كَما نَصَّ على ذلك الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ.
وإنْ عَقدَ على جُزءٍ مُبهَمٍ؛ كالسَّهمِ والجُزءِ والنَّصيبِ والحَظِّ ونَحوِه بأنْ قالَ: «ساقَيْتُكَ على أنَّ لَكَ جُزءًا مِنْ الثَّمرةِ» فَسَدَتْ ولَم تَجُزْ؛ لأنَّه إذا لَم يكُنْ مَعلومًا لَم تَكُنِ القِسمةُ بَينَهما.
وَلَو ساقاه على آصُعٍ مَعلومةٍ، أو جعلَ مع الجُزءِ المَعلومِ آصُعًا لَم تَجُزْ؛ لأنَّه رُبَّما لَم يَحصُلْ ذلك، أو لَم يَحصُلْ غَيرُه، فيُضَرَّ ربُّ الشَّجرِ، أو رُبَّما كَثُرَ الحاصِلُ فيُضَرُّ العامِلُ.
وَكَذا إنْ شرطَ له ثَمرَ نَخلاتٍ بعَينِها لَم يَجُزْ؛ لأنَّها قد لا تَحمِلُ، فتَكونَ الثَّمرةُ كلُّها لربِّ المالِ، وقَد لا تَحمِلُ غَيرُها، فتَكونَ الثَّمرةُ كلُّها لِلعاملِ، ولِهَذِه العِلَّةِ نَهَى النَّبيُّ ﷺ عن المُزارَعةِ التي يُجعَلُ فيها لربِّ الأرضِ مَكانٌ مُعيَّنٌ، ولِلعاملِ مَكانٌ مُعيَّنٌ.
قالَ رافِعُ بنُ خَديجٍ ﵁: «كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ على أنَّ لنا هذه، وَلَهمْ هذه، فَربَّمَا أَخرَجَتْ هذه ولمْ تُخْرِجْ هذه؛ فنَهَانَا عن ذلك، وأَمَّا الوَرِقُ فلم يَنهَنَا» (١).