← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

والمُعتَمَدُ عندَ الشافِعيَّةِ أنَّه لا يَصحُّ بالوَصفِ، ولا بدَّ فيه مِنْ الرُّؤيةِ؛ لأنَّ المُساقاةَ مَعقودةٌ على الغَرَرِ؛ فلا يَجوزُ أنْ يُضافَ إلَيها الغَرَرُ؛ لِعَدَمِ الرُّؤيةِ، بخِلافِ البَيعِ. وإنْ ساقاه على أحَدِ هَذَيْنِ الحائِطَيْنِ لَم يَصحَّ اتِّفاقًا؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ يَختَلِفُ الغَرَضُ فيها باختِلافِ الأعيانِ؛ فلَم يَجُزْ على غيرِ مُعيَّنٍ، كالبَيعِ (١). وَأجازَ المالِكيَّةُ المُساقاةَ على الحائِطِ، ولَو كانَ غائِبًا، سَواءٌ كانَ قَريبَ الغَيبةِ أو بَعيدَها، بشَرطَيْنِ: الأولُ: أنْ يُوصَفَ لِلعاملِ، والمُرادُ بالوَصفِ أنْ يَذكُرَ جَميعَ ما يَحتاجُ إليه مِنْ العَملِ، فيَذكُرَ ما فيه مِنْ الرَّقيقِ والدَّوابِّ، أو لا شَيءَ فيه، وهَل هو بَعلٌ أو سَقْيٌ بالعَينِ أو بالغَربِ، وتُوصَفُ أرضُه وما هي عليه مِنْ الصَّلابةِ أو غَيرِها، ويُذْكَرُ ما فيها مِنْ أجناسِ الأشجارِ وعَدَدُها والقَدْرُ المُعتادُ ممَّا يُوجَدُ فيها. وَيَكتَفي بوَصفِ ربِّ الحائِطِ، كَما في البَيعِ. والظَّاهِرُ أنَّ رُؤيةَ العامِلِ لِلحائِطِ قبلَ عَقدِ المُساقاةِ بمدَّةٍ لا يَتغَيَّرُ بَعدَها، تَقومُ مَقامَ الوَصفِ. والظَّاهِرُ أنَّه يَجوزُ أنْ تُعقَدَ المُساقاةُ معه مِنْ غيرِ وَصفٍ، على أنَّه بالخيارِ، إذا رَآه، كَما في البَيعِ.

стр. 5287

الشَّرطُ الآخَرُ: أنْ يَعقِدَ المُساقاةَ في زَمنٍ يُمكِنُ وُصولُ العامِلِ فيه قبلَ طِيبِ الحائِطِ، وأمَّا إنْ كانَ لا يَصِلُ إليه إلَّا بعدَ طِيبِه فلا تَجوزُ، على أصلِ ابنِ القاسِمِ، ويَجوزُ ذلك على قَولِ سُحنونَ، وإنْ كانَ لا يَصِلُ إلَّا بعدَ الطِّيبِ. فَإنْ عَقدَ المُساقاةَ في زَمنٍ يُمكِنُ وُصولُه قبلَ الطِّيبِ، فتَوانَى في طَريقِه فلَم يَصِلْ إلَّا بعدَ الطِّيبِ، لَم تَفسُدِ المُساقاةُ بذلك. وَنَفَقةُ الحَملِ في خُروجِه عليه، وليسَ كالقِراضِ (١).

стр. 5288

الرُّكنُ الرابعُ: الثِّمارُ: ويُشتَرطُ فيها ما يَلي: ١ - أنْ يَشتَرِكا في الخارِجِ: ذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في المُساقاةِ أنْ يَكونَ الخارِجُ مِنْ الثِّمارِ بينَ العاقِدَيْنِ، فلَو شَرَطا أنْ يَكونَ لِأحَدِهِما فسَدَتِ المُساقاةُ؛ لأنَّ مَعنَى الشَّرِكةِ لازِمٌ لِهَذا العَقدِ، وكلُّ شَرطٍ يَكونُ قاطِعًا لِلشَّرِكةِ يَكونُ مُفسِدًا لِلعَقدِ. وقالَ الشَّافِعيةُ: وفي استِحقاقِ الأُجرةِ عندَ شَرطِ الكلِّ لِلمالِكِ وَجهانِ: أصَحُّهُما: المَنعُ؛ لأنَّه عَمِلَ مَجَّانًا. ذَهَبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ جَميعُ الثَّمرةِ لِلعاملِ أو لربِّ الحائِطِ؛ لأنَّه إذا جازَ أنْ يَترُكَ بَعضَ الثَّمرةِ بالعَملِ جازَ أنْ يَترُكَها كلَّها، ولأنَّ مِنْ الحَوائِطِ ما لَو اشترَطَ صاحِبُه مِنْ ثَمرَتِه شَيئًا لَم يَجِدْ مِنْ يُساقيه عليه، ولا يَقوَى هو على عَملِه، وإنْ تَركَه هَلَكَ، ومُساقاتُه كلِّه أنفَعُ له بعدَ اليَومِ، فعلى هذا تَكونُ مُساقاةً حَقيقةً، ويُجبَرُ العامِلَ على العَملِ أو يَستَأجِرُ مَنْ يَعمَلُ، إلَّا أنْ يَقومَ دَليلٌ على أنَّه أرادَ الهِبةَ لِقِلَّةِ المُؤنةِ وكَثرةِ الخَراجِ فلا يُجبَرُ على العَملِ ويَجري على أحكامِ الهِبةِ، ومتى أشكَلَ الأمْرُ حُمِلَا على المُعاوَضةِ (١).

стр. 5289

٢ - أنْ يَختَصَّ المالِكُ والعامِلُ بالخارِجِ، فلو شرطَ بَعضَ الثِّمارِ لِثالِثٍ فَسَد العَقدُ عندَ الشافِعيَّةِ (١). ٣ - أنْ تَكونَ حِصَّةُ كلِّ واحِدٍ منهما مِنْ بَعضِ الخارِجِ مَشاعًا مَعلومَ القَدْرٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يُشترَطُ أنْ يَكونَ نَصيبُ كُلٍّ مِنْ المالِكِ والعامِلِ جُزءًا مَعلومًا مِنْ الثَّمرةِ مَشاعًا؛ كالنَّصفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ، ولا تَجوزُ مِنْ غيرِ الخارِجِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمرَ ﵄ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أَوْ زَرْعٍ» (٢). وَسَواءٌ قَلَّ الجُزءُ أو كَثُرَ بلا خِلافٍ؛ لأنَّها مُبايَعةٌ، فجازَ أنْ تَكونَ مِنْ الرُّخصِ والغَلاءِ على ما يَتراضَيانِ عليه؛ لأنَّ الحَوائِطَ تَختَلِفُ في الأعمالِ، فمِنها ما يَقِلُّ تكَلُّفُه فيه فيَقِلُّ جُزؤُه، ومِنها ما يَكثُرُ تَعَبُه فيه فيَكثُرُ جُزؤُه. فَلَو شرطَ لِلعاملِ جُزءًا مِنْ مِئةِ جُزءٍ، أو جعلَ جُزءًا مِنها لِنَفْسِه والباقيَ لِلعاملِ، جازَ ما تَراضَوْا عليه؛ لأنَّ الحقَّ لا يَعدُوهُما ما لَم يكُنْ شَرطُهما لربِّ الشَّجرِ جُزءًا مِنْ مِئة جُزءٍ، والبقيَّةُ لِلعاملِ حِيلةً على بَيعِ الثَّمرِ قبلَ بُدُوِّ

стр. 5290

صَلاحِه؛ فلا يَصحُّ، كَما نَصَّ على ذلك الحَنابِلةُ. وإنْ عَقدَه على أجزاءٍ مَعلومةٍ؛ كالخَمسينَ، وثَلاثةِ أثمانٍ، أو سُدُسٍ ونِصفِ سُبُعٍ، ونَحوَ ذلك، جازَ. وَلَو قالَ: «على أنَّها بَينَنا، أو على أنَّ نِصفَها لي، أو على أنَّ نِصفَها لَك» وسَكَتَ عن البَقيَّةِ صَحَّ، كَما نَصَّ على ذلك الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ. وإنْ عَقدَ على جُزءٍ مُبهَمٍ؛ كالسَّهمِ والجُزءِ والنَّصيبِ والحَظِّ ونَحوِه بأنْ قالَ: «ساقَيْتُكَ على أنَّ لَكَ جُزءًا مِنْ الثَّمرةِ» فَسَدَتْ ولَم تَجُزْ؛ لأنَّه إذا لَم يكُنْ مَعلومًا لَم تَكُنِ القِسمةُ بَينَهما. وَلَو ساقاه على آصُعٍ مَعلومةٍ، أو جعلَ مع الجُزءِ المَعلومِ آصُعًا لَم تَجُزْ؛ لأنَّه رُبَّما لَم يَحصُلْ ذلك، أو لَم يَحصُلْ غَيرُه، فيُضَرَّ ربُّ الشَّجرِ، أو رُبَّما كَثُرَ الحاصِلُ فيُضَرُّ العامِلُ. وَكَذا إنْ شرطَ له ثَمرَ نَخلاتٍ بعَينِها لَم يَجُزْ؛ لأنَّها قد لا تَحمِلُ، فتَكونَ الثَّمرةُ كلُّها لربِّ المالِ، وقَد لا تَحمِلُ غَيرُها، فتَكونَ الثَّمرةُ كلُّها لِلعاملِ، ولِهَذِه العِلَّةِ نَهَى النَّبيُّ ﷺ عن المُزارَعةِ التي يُجعَلُ فيها لربِّ الأرضِ مَكانٌ مُعيَّنٌ، ولِلعاملِ مَكانٌ مُعيَّنٌ. قالَ رافِعُ بنُ خَديجٍ ﵁: «كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ على أنَّ لنا هذه، وَلَهمْ هذه، فَربَّمَا أَخرَجَتْ هذه ولمْ تُخْرِجْ هذه؛ فنَهَانَا عن ذلك، وأَمَّا الوَرِقُ فلم يَنهَنَا» (١).

стр. 5291

قالَ الحَنابِلةُ: فمتى شرطَ شَيئًا مِنْ هذه الشُّروطِ الفاسِدةِ فَسَدتِ المُساقاةُ والثَّمرةُ كلُّها لربِّ المالِ؛ لأنَّها نَماءُ مِلكِه، ولِلعاملِ أجْرُ مِثلِه، كالمُضارَبةِ الفاسِدةِ (١). إذا سَاقاه على حائِطٍ مُختَلِفِ الثِّمارِ: قالَ المالِكيَّةُ: ويُشترَطُ في الجُزءِ المَشروطِ أنْ يَكونَ شائِعًا في جَميعِ الحائِطِ، فلا يَصحُّ أنْ يَكونَ مِنْ ثَمرِ شَجرٍ مُعيَّنٍ مِنْ الحائِطِ، وألَّا يَكونَ مُختَلِفًا؛ فلَو كانَ في الحائِطِ أصنافٌ مِنْ الثَّمرِ، وشرطَ أنْ يَأخُذَ مِنْ صِنفٍ مِنها النِّصفَ، ومِن صِنفٍ آخَرَ الثُّلُثَ، لَم يَجُزْ، وكذلك لَو كانَ فيه أنواعٌ مِنْ الثِّمارِ، فساقاه في نَوعٍ مِنْ الثِّمارِ بالنِّصفِ، وفي نَوعٍ مِنها بالثُّلُثِ، لَم يَجُزْ ذلك (٢). وقالَ الشافِعيَّةُ: وإنْ كانَ لرَجلٍ بُستانٌ فيه أنواعٌ مِنْ النَّخيلِ، وساقَى رَجُلًا على أنَّ له نِصفَ الثَّمرةِ صَحَّ وإنْ لَم يَعرِفْ كلَّ نَوعٍ فيهِ؛ لأنَّ ذلك

стр. 5292

عِوَضٌ مَعلومٌ، وإنْ قالَ: «على أنَّ لَكَ مِنْ النَّوعِ الفُلانيِّ النِّصفَ، ومِنَ الفُلانيِّ الثُّلُثَ، ومِنَ الفُلانيِّ السُّدُسَ» فإنْ عَرفَ العامِلُ ورَبُّ المالِ قَدْرَ كلِّ واحِدٍ مِنْ الأنواعِ صَحَّ؛ لأنَّ لكلِّ واحِدٍ مِنهما سَهمًا مَعلومًا، وإنْ لَم يَعلَما ذلك أو أحَدُهما لَم يَصحَّ؛ لأنَّ نَصيبَ كلِّ واحِدٍ مِنهما يَقِلُّ ويَكثُرُ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إذا كانَ في البُستانِ شَجرٌ مِنْ أجناسٍ كالتِّينِ والزَّيتونِ والكَرْمِ والرُّمَّانِ فشرطَ لِلعاملِ مِنْ كلِّ جِنسٍ قَدْرًا كَنِصفِ ثَمرِ التِّينِ وثُلُثِ الزَّيتونِ ورُبُعِ الكَرْمِ وخُمُسِ الرُّمَّانِ، أو كانَ فيه أنواعٌ مِنْ جِنسٍ فشرطَ مِنْ كلِّ نَوعٍ قَدْرًا، وهُما يَعلَمانِ قَدْرَ كلِّ نَوعٍ، صَحَّ؛ لأنَّ ذلك كَأربَعةِ بَساتينَ، ساقاهُ على كلِّ بُستانٍ بقَدْرٍ مُخالِفٍ لِلقَدْرِ المَشروطِ مِنْ الآخَرِ، وإنْ لَم يَعلَما قَدْرَه أو لَم يَعلَمْ أحَدُهما لَم يَجُزْ؛ لأنَّه قد يَكونُ أكثَرُ ما في البُستانِ مِنْ النَّوعِ الذي شرطَ فيه القَليلَ، أو أكثَرُه ممَّا شرطَ فيه الكَثيرَ. وَلَو قالَ: «ساقَيتُكَ على هَذَيْنِ البُستانَيْنِ بالنِّصفِ مِنْ هذا والثُّلُثِ مِنْ هَذا» صَحَّ؛ لأنَّها صَفقةٌ واحِدةٌ، جَمَعَتْ عِوَضَيْنِ، فصارَ كَأنَّه قالَ: «بِعتُكَ دارَيَّ هاتَيْنِ هذه بألفٍ وهذه بمِئةٍ»، وإنْ قالَ: «بالنِّصفِ مِنْ أحَدِ البُستانَيْنِ والثُّلُثِ مِنْ الآخَرِ» لَم يَصحَّ؛ لأنَّه مَجهولٌ، لا يَدري أيُّهما الذي يَستَحقُّ نِصفَه، وأيُّهما الذي يَستَحقُّ ثُلُثَه. وَلَو ساقاه على بُستانٍ واحِدٍ نِصفُه هذا بالنِّصفِ ونِصفُه هذا بالثُّلُثِ وهُما مُتمَيِّزانِ صَحَّ؛ لأنَّهما كَبُستانَيْنِ (٢).

стр. 5293

٤ - ألَّا يَجعَلَ له فَضلَ دَراهِمَ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ مالِكَ الشَّجرِ أو العامِلَ إذا شرطَ جُزءًا مَعلومًا مِنْ الثَّمرةِ ودَراهِمَ مَعلومةً كَعَشَرةٍ ونَحوِها، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لَم يَجُزْ بغَيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه رُبَّما لَم يَحدُثْ مِنْ النَّماءِ ما يُساوي تلك الدَّراهِمِ؛ فيَتَضرَّرَ المالِكُ أو العامِلُ، والمُساقاةُ فاسِدةٌ لا تَجوزُ (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه لا يَجوزُ فيها اشتِراطُ مَنفَعةٍ زائِدةٍ، مثلَ أنْ يَشتَرِطَ أحَدُهما على صاحِبِه زيادةَ دَراهِمَ أو دَنانيرَ (٢). ولأنَّ باشتِراطِ الدَّراهِمِ عليه يَجتَمِعُ الإجارةُ مع الشَّرِكةِ في الخارِجِ، وذلك مُفسِدٌ لِلمُساقاةِ (٣). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولِذلك مَنَعْنا مِنْ اشتِراطِ أقفِزةٍ مَعلومةٍ، ولَو شرطَ له دَراهِمَ مُنفَرِدةً عن الجُزءِ، لَم يَجُزْ لِذلك، ولَو جُعِلَ له ثَمرةُ سَنةٍ غيرِ السَّنَةِ التي ساقاه فيها، أو ثَمرَ شَجرٍ غيرِ الشَّجرِ الذي ساقاه عليه، أو شرطَ عليه عَملًا في غيرِ الشَّجرِ الذي ساقاه عليه، أو عَملًا في غيرِ السَّنةِ، فَسَدَ العَقدُ، سَواءٌ جعلَ ذلك كلَّ حَقِّه أو بَعضَه، أو جَميعَ العَملِ أو بَعضَه؛ لأنَّه يُخالِفُ مَوضوعَ المُساقاةِ؛ إذْ مَوضوعُها أنْ يَعمَلَ في شَجرٍ مُعيَّنٍ بجُزءٍ مَشاعٍ مِنْ ثَمرَتِه في ذلك الوَقتِ الذي يَستَحقُّ عليه فيه العَملَ (٤).

стр. 5294

حُكمُ الزِّيادةِ والحَطِّ بعدَ العَقدِ: نَصَّ الحَنفيَّةُ على جَوازِ الزِّيادةِ على الشَّرطِ المَذكورِ، وجَوازِ الحَطِّ عَنه. قالوا: الأصلُ فيه أنَّ كلَّ مَوضِعٍ احتَمَلَ إنشاءَ العَقدِ احتَمَلَ الزِّيادةَ، وإلَّا فلا، والحَطُّ جائِزٌ في المَوضِعَيْنِ كَما في الزِّيادةِ في الثَّمنِ والمُثَمنِ في البَيعِ. فَإذا تَعاقَدَ الرجُلانِ على مُساقاةٍ بالنِّصفِ وعَمِلَ فيها العامِلُ حتى حَصَلَ الخارِجُ ثم زادَ أحَدُهما الآخَرَ مِنْ نَصيبِه السُّدُسَ وحَصَلَ له الثُّلُثَانِ ورَضيَ بذلك الآخَرُ؛ فإنْ كانَ ذلك قبلَ أنْ يَتناهَى عِظَمُ البُسْرِ جازَ؛ لأنَّ ابتِداءَ العَقدِ بَينَهما في هذه الحالةِ يَصحُّ، ما دامَ المَعقودُ عليه بحَيثُ يَزدادُ بعَملِ العامِلِ؛ فتَصحُّ الزِّيادةُ أيضًا مِنْ أيِّهِما كانَ لِصاحِبِه. وإنْ كانَ بعدَ تَناهِي عِظَمِ البُسْرِ؛ فإنْ كانَ الزَّائِدُ صاحِبَ النَّخلِ فهو باطِلٌ؛ لأنَّ ابتِداءَ العَقدِ بَينَهما في هذه الحالةِ لا يَصحُّ، فكانَ بمَعنَى الزِّيادةِ في الثَّمنِ بعدَ هَلاكِ المَعقودِ عليه، وهذا لأنَّ العَقدَ قد انتَهَى؛ فلا يُمكِنُ إسنادُ الزِّيادةِ على سَبيلِ الِالتِحاقِ بأصلِ العَقدِ، وهي في الحالِ هِبةُ غيرِ مَقسومٍ؛ فلا يَكونُ صَحيحًا. وإنْ كانَ العامِلُ هو الزَّائِدَ فهو جائِزٌ؛ لأنَّه يَستَوجِبُ بالشَّرطِ، فيَكونُ هذا منه حَطًّا لا زيادةً؛ لأنَّه يَصحُّ الحَطُّ مِنْ الأُجرةِ، واحتِمالُ الإنشاءِ لَيسَ بشَرطٍ لِصِحَّةِ الحَطِّ (١).

стр. 5295

الرُّكنُ الخامِسُ: العَملُ: يُشترَطُ في العَملِ في المُساقاةِ ثَلاثةُ شُروطٍ: الشَّرطُ الأولُ والثَّاني: أنْ يَنفَرِدَ العامِلُ بالعَملِ، وأنْ يُخَلِّيَ بَينَه وبَينَ الشَّجرِ: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ على أنَّه يُشترَطُ لِصِحَّةِ المُساقاةِ أنْ يَنفَرِدَ العامِلُ بالعَملِ، وأنْ يُخَلِّيَ المالِكُ بَينَه وبَينَ الشَّجرِ، ولا يَصحُّ اشتِراطُ عَملِ ربِّ الشَّجرِ مع العامِلِ. قالَ الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ لِصِحَّةِ المُساقاةِ التَّسليمُ إلى العامِلِ، وهو التَّخليةُ، حتى لَو شَرَطا العَملَ عليهما، فَسَدَتْ؛ لِانعِدامِ التَّخليةِ (١). وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ لربِّ الحائِطِ أنْ يَقولَ لِشَخصٍ: «اسْقِ أنتَ وأنا في حائِطِي ولَكَ نِصفُ ثَمرَتِه» مثَلًا، إنَّما المُساقاةُ أنْ يُسَلِّمَ الحائِطَ إلَيه، قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وهو ممَّا لا اختِلافَ فيه أنَّ ذلك لا يَصلُحُ، ولأنَّ هذا على خِلافِ ما جاءَتْ به السُّنةُ؛ لأنَّ السُّنةَ إنَّما جاءَتْ بتَسليمِ الحائِطِ لِلعاملِ. فَإنْ وقعَ وعَمِلَ فإنْ كانَ المُشتَرِطُ هُنا ربَّ الحائِطِ فلِلعاملِ أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّه لَمَّا اشترَطَ ربُّ الحائِطِ على العامِلِ أنْ يَعمَلَ هو معه ولَم يُسَلِّمْه الحائِطَ، فكَأنَّه آجَرَه على مُعاوَنَتِه في العَملِ على جُزءٍ مِنْ الثَّمرةِ. وإنْ كانَ المُشتَرِطُ هو العامِلَ فلَه مُساقاةُ مِثلِه؛ لأنَّه لَمَّا سَلَّمَ له الحائِطَ

стр. 5296

وكانَ المُشتَرِطُ العامِلَ، تَرجَّحَ جانِبُ المُساقاةِ دونَ الإجارةِ؛ فكانَ لِلعاملِ مُساقاةُ مِثلِه (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: يُشترَطُ لِصِحَّةِ المُساقاةِ أنْ يَنفَرِدَ العامِلُ بالعَملِ؛ لِيَتمكَّنَ مِنْ العَملِ متى شاءَ؛ فلَو شرطَ أنْ يَعمَلَ معه مالِكُ الأشجارِ فُسِخَ العَقدُ؛ لأنَّه مُخالِفٌ لِوَضعِ المُساقاةِ، ولَو كانَ الشَّجرُ في يَدِ العامِلِ. والقاعِدةُ: أنَّ كلَّ ما يَجِبُ على العامِلِ إذا شُرِطَ على المالِكِ يُفسِدُ العَقدَ، على الأصَحِّ، وقيلَ: يُفسِدُ الشَّرطَ فَقَطْ. وَلَو شرطَا عَملَ غُلامِ المالِكِ معه بلا شَرطِ يَدٍ ولا مُشارَكةٍ في تَدبيرٍ؛ فإنَّه يَصحُّ على المَذهبِ المَنصوصِ، ولا بدَّ مِنْ مَعرِفَتِه بالرُّؤيةِ أوِ الوَصفِ، ونَفقَتُه على المالِكِ؛ بحُكمِ المِلْكِ، وإنْ شُرِطَتْ في الثَّمرةِ بغَيرِ تَقديرِ جُزءٍ مَعلومٍ، لَم يَصحَّ؛ لأنَّ ما يَبقَى يَكونُ مَجهولًا، أو شُرِطَتْ على العامِلِ وقُدِّرتْ، صَحَّ؛ لأنَّ العَملَ عليه؛ فلا يَبعُدُ أنْ تَلزَمه مُؤنةُ مَنْ يَعمَلُ مَعَه، وهو كاستِئجارِ مَنْ يَعمَلُ مَعَه، ولَو لَم يُقدَّرْ، صَحَّ أيضًا، والعُرفُ كافٍ؛ لأنَّه يُتَسامَحُ بمِثلِه في المُعامَلاتِ. وَيُشترَطُ أيضًا أنْ يَنفَرِدَ العامِلُ باليَدِ في الحَديقةِ؛ ليَتمكَّنَ مِنْ العَملِ متى شاءَ، فلَو شرطَ كَونَها في يَدِ المالِكِ أو بيَدَيْهِما لَم يَصحَّ (٢).

стр. 5297

وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ شُرِطَ في المُساقاةِ والمُزارَعةِ عَملُ مالِكٍ أو عَملُ غُلامِه مع العامِلِ بأنْ شرطَ أنْ يُعينَه في العَملِ صَحَّ، كَشَرطِه عليه عَمل بَهيمةٍ، وَلا يَضُرُّ عَملُ المالِكِ بلا شَرطٍ. وإنْ شرطَ العامِلُ أنَّ أجرَ الأجيرِ الذي يَستَعينُ به يُؤخَذُ مِنْ ثَمنِ الثَّمرةِ وقدَّرَ العامِلُ الأُجرةَ أو لَم يُقَدِّرْها لَم يَصحَّ ذلك؛ كَما لَو شرطَ لِنَفسِه أجْرَ عَملِهِ؛ لأنَّ العَملَ عليه؛ فلا يَصحُّ شَرطُ أخْذِ عِوَضِه (١). الشَّرطُ الثالِثُ: ألا يُشترَطَ عليه عَملٌ ليس مِنْ أعمالِ المُساقاةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ لِصِحَّةِ المُساقاةِ ألَّا يَشتَرِطَ المالِكُ على العامِلِ ما لَيسَ مِنْ جِنسِ أعمالِ المُساقاةِ، كَما إذا شرطَ عليه أنْ يَبنيَ له جِدارَ الحائِطِ، أو أنْ يَحفِرَ بِئرًا جَديدةً؛ لأنَّه شرطَ إدخالَ عَقدٍ في عَقدٍ. قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه لا يَجوزُ فيها اشتِراطُ مَنفَعةٍ زائِدةٍ، مثلَ أنْ يَشتَرِطَ أحَدُهما على صاحِبِه زيادةَ دَراهِمَ أو دَنانيرَ، أو زِيادةَ شَيءٍ مِنْ الأشياءِ الخارِجةِ عن المُساقاةِ، إلَّا الشَّيءَ اليَسيرَ عندَ مالِكٍ، مثلَ سَدِّ الحِظارِ، وإصلاحِ الظَّفيرةِ، وهي مُجتَمَعُ الماءِ (٢).

стр. 5298

وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: والسُّنةُ في المُساقاةِ أنَّه يَجوزُ لربِّ الحائِطِ أنْ يَشتَرِطَ على العامِلِ شَدَّ الحِظارِ، وخَمَّ العَينِ -تَنقيَتَها-، وسِرْوَ الشُّربِ، وإبارَ النَّخلِ، وقَطعَ الجَريدِ، وجَدَّ الثَّمرِ وشِبْهَه، على أنَّ له شَطرَ الثَّمرِ، أو أقَلَّ، أو أكثَرَ، ما تَراضَيا عليه. وَلا يَجوزُ له أنْ يَشتَرِطَ ابتِداءً عَملًا جَديدًا يُحدِثُه العامِلُ فيه مِنْ بِئرٍ يَحفِرُها أو حَظيرةٍ يَبنيها أو عَينٍ أو غِراسٍ يَغرِسُه، يَأتي بالأصلِ مِنْ عِندِه، وهذا كلُّه قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ (١). ما يَلزَمُ العامِلَ في المُساقاةِ: هُناكَ اختِلافٌ وتَفصيلٌ مِنْ مَذهَبٍ لِآخَرَ فيما يَجِبُ على العامِلِ عَملُه في المُساقاةِ، وما يَجوزُ أنْ يَشتَرِطَ عليه، وما لا يَجوزُ، وهي على التَّفصيلِ الآتي: قالَ الحَنفيَّةُ: كلُّ ما كانَ مِنْ عَملِ المُساقاةِ ممَّا يَحتاجُ إليه الشَّجرُ، والكَرْمُ والرِّطابُ، وأُصولُ الباذِنجانِ، مِنْ السَّقْيِ وإصلاحِ النَّهَرِ، والحِفظِ، والتَّلقيحِ لِلنَّخلِ فعلى العامِلِ؛ لأنَّها مِنْ تَوابِعِ المَعقودِ عليه، فيَتَناوَلُه العَقدُ. وَكلُّ ما كانَ مِنْ بابِ النَّفَقةِ على الشَّجرِ والكَرْمِ والأرضِ مِنْ السِّرقينِ وتَقليبِ الأرضِ -الَّتي فيها الكَرْمُ والشَّجرُ والرِّطابُ- ونَصْبِ العَرائِشِ، ونَحوِ ذلك؛ فعليهما على قَدْرِ حَقَّيهِما؛ لأنَّ العَقدَ لَم يَتناوَلْه، لا مَقصودًا

стр. 5299

ولا ضَرورةً، وكذلك الجِذاذُ والقِطافُ؛ لأنَّ ذلك يَكونُ بعدَ انتِهاءِ العَملِ، فلا يَكونُ مِنْ حُكمِ عَقدِ المُعامَلةِ. وَقيلَ: كلُّ ما كانَ قبلَ الإدراكِ -كَسَقْيٍ وتَلقيحٍ وحِفظٍ- فعلى العامِلِ، وما بَعدَهُ -كَجِذاذٍ وحِفظٍ- عليهما، ولَو شُرِطَ على العامِلِ فَسَدَتِ اتِّفاقًا. واشتِراطُ ما لا تَبقَى مَنفعَتُه بعدَ المدَّةِ على المُساقي؛ كالتَّلقيحِ، والتَّأبيرِ، والسَّقْيِ جائِزٌ. وَما تَبقَى مَنفعَتُه بعدَ انقِضاءِ مدَّةِ المُساقاةِ؛ كَإلقاءِ السِّرقينِ، ونَصبِ العَرائِشِ، وغَرسِ الأشجارِ، وتَقليبِ الأرضِ، ونَحوِ ذلك، مُفسِدٌ لِلعَقدِ؛ لأنَّه لا يَقتَضيه العَقدُ، ولا هو مِنْ ضَرورياتِ المَعقودِ عليه ومَقاصِدِه. كالعَملِ الذي بعدَ قِسمةِ الخارِجِ، كالحَملِ إلى البَيتِ، والطَّحنِ، وأشباهِهما، وهُما لَيسا مِنْ أعمالِها؛ فيَكونانِ عليهما، لَكِنْ فيما هو قبلَ القِسمةِ على الِاشتِراكِ، وفيما هو بَعدَها على كلِّ واحِدٍ مِنهما في نَصيبِه خاصَّةً؛ لتَميُّزِ مِلْكِ كلِّ واحِدٍ مِنهما عن مِلكِ الآخَرِ (١). وقالَ المالِكيَّةُ: ويَجِبُ على العامِلِ جَميعُ ما يَفتقِرُ الحائِطُ إليه عُرفًا، ولَو بَقيَ بعدَ مدَّةِ المُساقاةِ، ولا يُشترَطُ تَفصيلُه عندَ العَقدِ، بَلْ يُحمَلُ على العُرفِ، كَإبارٍ -وهو تَعليقُ طَلْعِ الذَّكَرِ على الأُنثَى-، وتَنقيةٍ لِمَنافِعِ الشَّجرِ، وتَقليمٍ لِلنَّخلِ وإزالةِ ما يَضُرُّ بالشَّجرِ مِنْ نَباتٍ وغَيرِه.

стр. 5300

وعلى العامِلِ إقامةُ الأدَواتِ كالدِّلاءِ والمَساحي، وكذلك الأُجَراءُ والدَّوابُّ، ويُنفِقُ العامِلُ مِنْ يَومِ عَقدِ المُساقاةِ على مَنْ في الحائِطِ مِنْ رَقيقٍ وأُجَراءَ ودَوابٍّ وكَسا مَنْ يَحتاجُ لِلكِسوةِ؛ سَواءٌ كانوا في الحائِطِ لربِّه قبلَ عَقدِ المُساقاةِ، أو أتَى بهمُ العامِلُ فيه بَعدَه. وَعليه بَدَلُ ما رَثَّ فيها مِنْ دِلاءٍ وحِبالٍ، في الأصَحِّ، وقيلَ: على ربِّ الحائِطِ. وعلى العامِلِ الجِدادُ والحَصادُ وتَيبيسُ الثَّمرةِ، والدِّراسُ. قالَ الحَطَّابُ ﵀: قالَ في «المُدوَّنة»: ووَجْهُ العَملِ في المُساقاةِ أنَّ جَميعَ العَملِ والنَّفَقةِ وجَميعَ المُؤنةِ على العامِلِ، وإنْ لَم يُشترَطْ ذلك عليه، انتَهَى. يُريدُ جَميعَ الذي تَفتقِرُ إليه الثَّمرةُ، ويُقطَعُ بانقِطاعِها، أو يَبقَى منه بَعدَها شَيءٌ يَسيرٌ. قالَ في «المُقدِّمات»: عَملُ الحائِطِ إنْ لَم يَتعَلَّقْ بإصلاحِ الثَّمرةِ لَم يَلزَمِ العامِلَ، ولا يَصحُّ أنْ يُشترَطَ عليه منه إلَّا اليَسيرَ، يَعني: كَسَدِّ الحَظيرةِ، وإصلاحِ الظَّفيرةِ. قالَ: وإنْ تَعلّقَ بإصلاحِ الثَّمرةِ وكانَ يَنقَطِعُ بانقِطاعِها، أو يَبقَى بَعدَها شَيءُ يَسيرٌ، فهذا يَلزَمُ المُساقي، وذلك كالحَفرِ، والسَّقْيِ، وزَبْرِ الكُرومِ، وتَقليمِ الشَّجرِ، والتَّسريبِ، والتَّسديدِ، وصَلاحِ مَواضِعِ السَّقْيِ، والتَّذكيرِ، والجِدادِ، وما أشبَهَ ذلك.

стр. 5301

قالَ: وإنْ كانَ يَتأبَّدُ ويَبقَى بعدَ الثَّمرةِ؛ كَإنشاءِ حَفرِ بِئرٍ، أو إنشاءِ ظفيرةٍ، أو إنشاءِ غِراسٍ، أو بِناءِ بَيتٍ تُجْنَى فيه الثَّمرةُ؛ كالجَرينِ وما أشبَهَ ذلك، فلا يَلزَمُ العامِلَ، ولا يَجوزُ اشتِراطُ ذلك عليه عندَ المُساقاةِ. انتَهَى (١). وأمَّا الشافِعيَّةُ فلَهم تَفصيلٌ أيضًا في هَذا، وبَيانُهُ: عَلَى العامِلِ ما يَحتاجُ إليه لِصَلاحِ المُثمِرِ واستَزادَتِه، ممَّا يَتكرَّرُ كلَّ سَنةٍ؛ كَسَقْيٍ، وتَنقيةِ نَهَرٍ، وإصلاحِ الأجاجينِ -الَّتي يثبُتُ فيها الماءُ-، وتَلقيحٍ، وتَنحيةِ حَشيشٍ، وقُضبانٍ مُضِرَّةٍ، وتَعريشٍ جَرَتْ به العادةُ، وكَذا حِفظُ الثَّمرِ، وجِذاذُه، وتَجفيفُه في الأصَحِّ. وَما قُصِدَ به حِفظُ الأصلِ ولا يَتكرَّرُ كلَّ سَنةٍ؛ كَبِناءِ الحِيطانِ، وحَفرِ نَهَرٍ جَديدٍ، فعلى المالِكِ. وأمَّا ما يَصحُّ اشتِراطُه على العامِلِ وما لا يَصحُّ فقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وكلُّ ما كانَ فيه مُستَزادٌ في التَّمرِ مِنْ إصلاحِ الماءِ وطَريقِه وتَصريفِ الجَريدِ وإبارِ النَّخلِ وقَطعِ الحَشيشِ المُضِرِّ بالنَّخلِ ونَحوِه، جازَ شَرطُه على العامِلِ، فأمَّا شَدُّ الحِظارِ فليسَ فيه مُستَزادٌ ولا صَلاحٌ في الثَّمرةِ، فلا يَجوزُ شَرطُه على العامِلِ.

стр. 5302

قالَ الماوَرديُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ العَملَ المَشروطَ في المُساقاةِ على أربَعةِ أضرُبٍ: أحَدُها: ما يَعودُ نَفْعُه على الثَّمرةِ دونَ النَّخلِ. والثَّاني: ما يَعودُ نَفْعُه على النَّخلِ دونَ الثَّمرةِ. والثَّالث: ما يَعودُ نَفعُه على النَّخلِ والثَّمرةِ. والرَّابِعُ: ما لا يَعودُ نَفعُه على الثَّمرةِ، ولا على النَّخلِ. فَأمَّا الضَّربُ الأولُ: وهو ما يَعودُ نَفعُه على الثَّمرةِ دونَ النَّخلِ فمِثلُ إبارِ النَّخلِ، وتَصريفِ الجَريدِ، وتَلقيحِ الثَّمرةِ، ولِقاطِها رُطَبًا، وجِدادِها تَمرًا؛ فهذا الضَّربُ يَجوزُ اشتِراطُه على العامِلِ، ويَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ كما يَلي: أ- قِسمٌ يَجِبُ عليه فِعلُه مِنْ غيرِ شَرطٍ، وهو كلُّ ما لا تَحصُلُ الثَّمرةُ إلَّا بهِ؛ كالتَّلقيحِ والإبارِ. ب- وقِسمٌ لا يَجِبُ عليه فِعلُه إلَّا بالشَّرطِ، وهو كلُّ ما فيه مُستَزادٌ لِلثَّمرةِ، وقَد تَصلُحُ بعَدَمِه، كَتَصريفِ الجَريدِ وتَدْليةِ الثَّمرةِ. ج- قِسمٌ مُختَلفٌ فيه، وهو كلُّ ما تَكامَلَتِ الثَّمرةُ قَبلَهُ؛ كاللِّقاطِ، والجِدادِ، ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: أنَّه لا يَجِبُ على العامِلِ إلَّا بشَرطٍ؛ لِتَكامُلِ الثَّمرةِ بعَدَمِه. والوَجهُ الآخَرُ: أنَّه واجِبٌ على العامِلِ بغَيرِ شَرطٍ؛ لأنَّ الثَّمرةَ لا تَستَغني عنه، وإنْ تَكامَلَتْ قَبلَه.

стр. 5303

وأمَّا الضَّربُ الثَّاني: وهو ما يَعودُ نَفعُه على النَّخلِ دونَ الثَّمرةِ، فمِثلُ سَدِّ الحَظائِرِ، وحَفرِ الآبارِ، وشَقِّ السَّواقي، وكَرْيِ الأنهارِ. فكلُّ هذا ممَّا يَعودُ نَفعُه على النَّخلِ دونَ الثَّمرةِ، فلا يَجوزُ اشتِراطُ شَيءٍ مِنْ ذلك على العامِلِ، وكَذا ما شاكَلَه مِنْ عَملِ الدَّواليبِ، وإصلاحِ الزَّرانيقِ؛ فإنْ شرطَ ربُّ المالِ على العامِلِ شَيئًا ممَّا ذَكَرْنا، كانَ الشَّرطُ باطِلًا، وكانَتِ المُساقاةُ فاسِدةً، وقالَ بَعضُ أصحابِنا: يَبطُلُ الشَّرطُ، وتَصحُّ المُساقاةُ؛ حَملًا على الشُّروطِ الزَّائِدةِ في الرَّهنِ، تَبطُلُ ولا يَبطُلُ مَعَها الرَّهنُ في أحَدِ القوليْنِ، وهذا خَطَأٌ؛ لأنَّ عُقودَ المُعاوَضاتِ إذا تَضَمَّنَتْ شُروطًا فاسِدةً بَطَلَتْ؛ كالشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ، والإجارةِ، واللَّهُ أعلمُ. وأمَّا الضَّربُ الثَّالث: وهو ما يَعودُ نَفعُه على النَّخلِ والثَّمرةِ؛ كالسَّقيِ، والإثارةِ، وقَطعِ الحَشيشِ المُضِرِّ بالنَّخلِ … ، إلى ما جَرَى هذا المَجرَى ممَّا فيه صَلاحُ النَّخلِ ومُستَزادٌ في الثَّمرةِ؛ فهذا على ضَربيْنِ: أحَدُهما: ما لا تَصلُحُ الثَّمرةُ إلَّا به، كالسَّقْيِ فيما لا يَشرَبُ بعُروقِه مِنْ النَّخلِ حتى يُسقَى سَيْحًا، فهو على العامِلِ كَنَخلِ البَصرةِ، فهو وغَيرُه مِنْ شُروطِ هذا الفَصلِ سَواءٌ، وهو الضَّربُ الثَّاني في هَذَيْنِ الضَّربيْنِ، وفيه لِأصحابِنا ثَلاثةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّه واجِبٌ على العامِلِ بالعَقدِ نَفْسِه، واشتِراطُه عليه تَأكيدٌ، لِمَا فيه مِنْ صَلاحِ النَّخلِ وزيادةِ الثَّمرةِ. والوَجهُ الثَّاني: أنَّه واجِبٌ على ربِّ النَّخلِ، واشتِراطُه على العامِلِ مُبطِلٌ لِلعَقدِ؛ لأنَّه بصَلاحِ النَّخلِ أخَصُّ منه بصَلاحِ الثَّمرةِ.

стр. 5304

والوَجهُ الثَّالث: أنَّه يَجوزُ اشتِراطُه على العامِلِ؛ لِمَا فيه مِنْ زِيادةِ الثَّمرةِ، ويَجوزُ اشتِراطُه على ربِّ النَّخلِ؛ لِمَا فيه مِنْ صَلاحِ النَّخلِ؛ فلَم يَتنافَ الشَّرطانِ فيهِ؛ فإنْ شرطَه على العامِلِ لَزِمَه، وإنْ شُرِطَ على ربِّ النَّخلِ لَزِمَه، وإنْ أُعقِلَ لَم يَلزَمْ أحَدًا مِنهما، أمَّا العامِلُ فلأنَّه لا يَلزَمُه إلَّا ما كانَ مِنْ مُوجِباتِ العَقدِ، أو مِنْ شُروطِه، وأمَّا ربُّ النَّخلِ فلأنَّه لا يُجبَرُ على تَثميرِ مالِه. وأمَّا الضَّربُ الرَّابِعُ: وهو ما لا يَعودُ نَفعُه على النَّخلِ ولا على الثَّمرةِ فهو كاشتِراطِه على العامِلِ أنْ يَبنيَ له قَصرًا، أو يَخدُمَه شَهرًا، أو يَسقيَ له زَرعًا، فهذه شُروطٌ تُنافِي العَقدَ، وتَمنَعُ مِنْ صِحَّتِه؛ لأنَّه لا تَعلّقَ لَها به، ولا تَختَصُّ بشَيءٍ في مَصلَحَتِه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: يَلزَمُ العامِلَ بإطلاقِ عَقْدِ المُساقاةِ ما فيه صَلاحُ الثَّمرةِ وزيادَتُها، مثلَ حَرثِ الأرضِ تَحتَ الشَّجرِ، والبَقَرِ التي تَحرُثُ، وآلةِ الحَرثِ، وسَقْيِ الشَّجرِ، واستِقاءِ الماءِ، وإصلاحِ طُرُقِ الماءِ وتَنقيَتها، وقَطعِ الحَشيشِ المُضِرِّ والشَّوكِ، وقَطعِ الشَّجرِ اليابِسِ، وزِبارِ الكَرْمِ، وقَطعِ ما يَحتاجُ إلى قَطعِه، وتَسويةِ الثَّمرةِ، وإصلاحِ الأجاجينِ، وهي الحُفَرُ التي يَجتَمِعُ فيها الماءُ على أُصولِ النَّخلِ، وإدارةِ الدُّولابِ، والحِفظِ لِلثَّمرِ في الشَّجرِ وبَعدَه، حتى يُقَسَّمَ، وإنْ كانَ ممَّا يُشَمَّسُ فعليه تَشميسُه.

стр. 5305

وعلى ربِّ المالِ ما فيه حِفظُ الأصلِ؛ كَسَدِّ الحِيطانِ وإنشاءِ الأنهارِ وعَملِ الدُّولابِ وحَفرِ بِئرِه وشِراءِ ما يُلقَّحُ به. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وعَبَّرَ بَعضُ أهلِ العِلمِ عن هذا بعِبارةٍ أُخرَى، فقالَ: «كلُّ ما يَتكرَّرُ كلَّ عامٍ فهو على العامِلِ، وما لا يَتكرَّرُ فهو على ربِّ المالِ»، وهذا صَحيحٌ في العَملِ، فأمَّا شِراءُ ما يُلقَّحُ به فهو على ربِّ المالِ، وإنْ تكَرَّرَ؛ لأنَّ هذا لَيسَ مِنْ العَملِ. فَأمَّا البَقَرةُ التي تُديرُ الدُّولابَ، فقالَ أصحابُنا: هي على ربِّ المالِ؛ لأنَّها لَيسَتْ مِنْ العَملِ، فأشبَهَتْ ما يُلقَّحُ به، والأَوْلَى أنَّها على العامِلِ؛ لأنَّها تُرادُ لِلعَملِ؛ فأشبَهَتْ بَقَرَ الحَرثِ، ولأنَّ استِقاءَ الماءِ على العامِلِ إذا لَم يَحتَجْ إلى بَهيمةٍ، فكانَ عليه، وإنِ احتاجَ إلى بَهيمةٍ كَغَيرِه مِنْ الأعمالِ. فَأمَّا تَسميدُ الأرضِ بالزِّبلِ إنِ احتاجَتْ إلَيهِ، فشِراءُ ذلك على ربِّ المالِ؛ لأنَّه لَيسَ مِنْ العَملِ، فجَرَى مَجرَى ما يُلقَّحُ به، وتَفريقُ ذلك في الأرضِ على العامِلِ؛ كالتَّلقيحِ. وإنْ أطلَقا العَقدَ ولَم يُبيِّنا ما على كلِّ واحِدٍ مِنهما فعلى كلِّ واحِدٍ مِنهما ما ذَكَرْنا أنَّه عليه، وإنْ شرطَا ذلك كانَ تَأكيدًا. وإنْ شرطَا على أحَدِهِما شَيئًا ممَّا يَلزَمُ الآخَرَ، فقالَ القاضي وأبو الخطَّابِ: لا يَجوزُ ذلك، فعلى هذا تَفسُدُ المُساقاةُ؛ لأنَّه شَرطٌ يُخالِفُ مُقَتَضَى العَقدِ، فأفسَدَهُ، كالمُضارَبةِ، إذا شُرِطَ العَملُ فيها على ربِّ المالِ. وقد رُويَ عن أحمدَ ما يَدلُّ على صِحَّةِ ذلك؛ فإنَّه ذكرَ أنَّ الجِذاذَ عليهما؛ فإنْ شرطَه على العامِلِ جازَ، وهذا مُقتَضَى كَلامِ الخِرَقيِّ في

стр. 5306

المُضارَبةِ؛ لأنَّه شَرطٌ لا يُخِلُ بمَصلَحةِ العَقدِ، ولا مَفسَدةَ فيه، فَصَحَّ؛ كَتَأجيلِ الثَّمنِ في المَبيعِ، وشَرطِ الرَّهنِ، والضَّمينِ، والخيارِ فيه، لَكِنْ يُشترَطُ أنْ يَكونَ ما يَلزَمُ كلَّ واحِدٍ مِنْ العَملِ مَعلومًا؛ لِئلَّا يُفضيَ إلى التَّنازُعِ والتَّواكُلِ؛ فيَختَل العَملُ، وألَّا يَكونَ ما على ربِّ المالِ أكثَرَ العَملِ؛ لأنَّ العامِلَ يَستَحقُّ بعَملِهِ؛ فإذا لَم يَعمَلْ أكثَرَ العَملِ كانَ وُجودُ عَملِه كَعَدَمِه؛ فلا يَستَحقَّ شَيئًا (١). الجِذاذُ والحَصادُ: اختَلفَ العُلماءُ في الجِذاذِ والحَصادِ -وَهو قَطعُ الثِّمارِ وحِفظُها في الجَرينِ- هَلْ يَكونُ على المالِكِ؟ أم على العامِلِ؟ أم عليهما معًا؟ وهَل يَصحُّ اشتِرَاطُه أم لَا؟ فذهبَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إلى أنَّ الجِذاذَ والقِطافَ على المالِكِ والعامِلِ على قَدْرِ حَقَّيْهِما؛ لأنَّه إنَّما يَكونُ بعدَ تَكامُلِ الثَّمرةِ، وانقِضاءِ المُساقاةِ، فكانَ عليهما. ثم اختَلفوا فيما لَو شُرِطَ الجِذاذُ والقِطافُ على العامِلِ هَلْ يَصحُّ أو لا؟ فَقالَ الحَنفيَّةُ: لَو شُرِطَ الجِذاذُ والقِطافُ على العامِلِ فَسَدَ بلا خِلافٍ؛ لأنَّه لَيسَ مِنْ المُعامَلةِ في شَيءٍ، ولِانعِدامِ التَّعامُلِ به أيضًا، فكانَ مِنْ

стр. 5307

بابِ مُؤنةِ المِلْكِ، والمِلْكُ مُشترَكٌ بَينَهما، فكانَتْ مُؤنَتُه عليهما على قَدْرِ مِلْكَيْهِما. وَعَنْ نَصرِ بنِ يَحيَى ومُحمَّدِ بنِ سَلَمةَ أنَّ هذا كلَّه على العامِلِ شُرِطَ عليه أو لا؛ لِلعُرفِ، قالَ السَّرخَسيُّ ﵀: وهو الصَّحيحُ في دِيارِنا أيضًا، وإنْ شرطَا شَيئًا مِنْ ذلك على ربِّ الأرضِ فَسَدَ العَقدُ عندَ الكلِّ؛ لِعَدَمِ العُرفِ. قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: وعَنِ الشَّيخِ الإمامِ أبي بَكرٍ مُحمَّدِ بنِ الفَضلِ أنَّه كانَ إذا استُفتِيَ عن هذه المَسألةِ يَقولُ: فيه عُرفٌ ظاهِرٌ، ومَن أرادَ ألَّا يَتعَطَّلَ فليَعمَلْ بالعُرفِ، ولا يَمنَعْ عنه، ثم في المَوضِعِ الذي يَكونُ الحَصادُ فيه على العامِلِ عُرفًا، فلَو أخَّرَه وتَغافَلَ عن الحَصادِ حتى هَلَكَ، قالَ أبو بَكرٍ البَلخيُّ: يَضمَنُ ذلك، وقالَ الفَقيهُ أبو اللَّيثِ: إذا أخَّرَ تَأخيرًا فاحِشًا لا يُؤَخِّرُ النَّاسُ إلى مِثلِه كانَ ضامِنًا؛ وإلَّا فلا، هذا إذا شرطَا هذه الأعمالَ على العامِلِ، وإنْ شُرِطَ شَيءٌ مِنْ ذلك على صاحِبِ الأرضِ فَسَدَ العَقدُ عندَ الكلِّ (١). وَأجازَ الحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ اشتِراطَه على العامِلِ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بمَصلَحةِ العَقدِ. وَذَهَبَ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الجِذاذَ والحَصادَ واللِّقاطَ على العامِلِ؛ لأنَّه مِنْ العَملِ؛ فكانَ على العامِلِ، ولأنَّ

стр. 5308

الثَّمرةَ لا تَستَغني عنه، وإنْ تَكامَلَتْ قَبلَه، و «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ دفعَ خَيبَرَ إلى يَهودٍ على أنْ يَعمَلوها مِنْ أموالِهم»، ولأنَّ هذا مِنْ العَملِ؛ فيَكونُ عليه كالتَّشميسِ. وقالَ الحَنابِلةُ: فإنْ شرطَ العامِلُ أنَّ أجْرَ الأُجَراءِ الذين يَحتاجُ إلى الِاستِعانةِ بهم يُؤخَذُ مِنْ ثَمنِ الثَّمرةِ، وقدَّرَ العامِلُ الأُجرةَ، أو لَم يُقَدِّرْها، لَم يَصحَّ ذلك، كَما لَو شرطَ لِنَفْسِه أجْرَ عَملِه؛ لأنَّ العَملَ عليه؛ فلا يَصحُّ شَرطُ أخْذِ عِوَضِه. وَيَجوزُ شَرطُ الجِذاذِ على المالِكِ والعامِلِ عندَ المالِكيَّةِ (١). إذا قَصَّرَ العامِلُ عمَّا شُرِطَ عليه هل يُحَطُّ مِنْ نَصيبِه أو لا؟ قالَ المالِكيَّةُ: إنْ قَصَّرَ العامِلُ عَما شُرِطَ عليه عَملُه، أو جَرَى العُرفُ به، حُطَّ مِنْ نَصيبِه بنِسبَتِه، كَأنْ شُرِطَ عليه الحَرثُ أوِ السَّقْيُ ثَلاثًا، فحَرَثَ أو سَقَى مَرَّتيْنِ، يُنظَرُ قِيمةُ ما عَمِلَ، مع قِيمةِ ما تَركَ، فإنْ كانَتْ قِيمةُ ما تَركَ

стр. 5309

الثُّلُثَ، حُطَّ مِنْ جُزئِه المُشترَطِ له ثُلُثُه، كَأنْ يُقالَ: ما أُجرةُ مِثلِه لَو حَرَثَ مثلًا ثَلاثَ مَرَّاتٍ؟ فإذا قيلَ عَشَرةٌ، يُقالُ: وما أُجرَتُه لَو حَرَثَ مَرَّتيْنِ؟ فإذا قيلَ: ثَمانيةٌ، حُطَّ مِنْ حِصَّتِه مِنْ الثَّمرةِ خُمُسُها، وهَكَذا. وأمَّا إذا لَم يُقصِّرْ، بأنْ شُرِطَ عليه السَّقيُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فسَقَى مَرَّتيْنِ وأغناه المَطَرُ أو السَّيحُ عن الثَّالثةِ، لَم يُحَطَّ مِنْ حِصَّتِه شَيءٌ، وكانَ له جُزؤُه بالتَّمامِ بلا خِلافٍ، كَما يَقولُ ابنُ رُشدٍ، قالَ بخِلافِ الإجارةِ بالدَّنانيرِ والدَّراهِمِ على سِقايةِ حائِطِه زَمنَ السَّقْيِ، وهو مَعلومٌ عندَ أهلِ المَعرِفةِ، فجاءَ ماءُ السَّماءِ فأقامَ به حِينًا، حُطَّ مِنْ إجارَتِه بقَدْرِ إقامةِ الماءِ فيه، والفَرقُ أنَّ الإجارةَ مَبنيَّةٌ على المُشاحَّةِ، بخِلافِ المُساقاةِ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ في الصَّحيحِ: لَو شرطَ المالِكُ على العامِلِ أعمالًا تَلزَمُه، فأثمَرَتِ الأشجارُ، والعامِلُ لَم يَعمَلْ بَعضَ تلك الأعمالِ، استَحقَّ جَميعَ ما شُرِطَ لَه، كَما لَو لَم يَعمَلْ شَيئًا؛ لأنَّه شَريكٌ. وقالَ القاضي ﵀ في فَتاوِيه: إذا شرطَ المالِكُ على العامِلِ أعمالًا تَلزَمُه، فأثمَرَتِ الأشجارُ، والعامِلُ لَم يَعمَلْ بَعضَ تلك الأعمالِ، استَحقَّ مِنْ الثَّمرةِ بقَدْرِ ما عَمِلَ؛ فإنْ عَمِلَ نِصفَ ما لَزِمَه استَحقَّ نِصفَ ما شُرِطَ. وَهَذا مَبنيٌّ على أنَّ العامِلَ لَيسَ بشَريكٍ، والرَّاجِحُ أنَّه شَريكٌ؛ فيَستَحقُّ حِصَّتَه، وإنْ لَم يَعمَلْ، كَما تَقدَّمَ (٢).

стр. 5310

هل عَقدُ المُساقاةِ لازِمٌ أو جائِزٌ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في عَقدِ المُساقاةِ هَلْ هو جائِزٌ مِنْ الطَّرفَيْنِ، فيَحِقَّ لِكُلٍّ مِنهما أنْ يَفسَخَه متى شاءَ؟ أو هو عَقدٌ لَازِمٌ لا يَحِقُّ لِأحَدٍ مِنهما أنْ يَفسَخَه إلَّا برِضا الآخَرِ؟ فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ عَقدَ المُساقاةِ عَقدٌ لَازِمٌ مِنْ الجانبيْنِ قبلَ العَملِ وبَعدَه؛ كالإجارةِ؛ فليسَ لِأحَدِهِما فَسخُها بعدَ العَقدِ دونَ الآخَرِ، ما لَم يَتراضَيا عليه، إلَّا مِنْ عُذرٍ؛ لأنَّه لَو كانَ جائِزًا لَجازَ لربِّ المالِ فَسخُه إذا أدرَكَتِ الثَّمرةُ، فيَسقُطَ حَقُّ العامِلِ؛ ولأنَّه كالإجارةِ مِنْ حَيثُ وُرودِ العَقدِ على عَملٍ يَتعَلَّقُ بالعَينِ مع بَقائِها، فهو كَسائِرِ الإجاراتِ. وَفي قَولٍ لِلمالِكيَّةِ: لا تَلزَمُ إلَّا بالعَملِ، لا بمُجرَّدِ العَقدِ، كالقِراضِ، قالَ القَرافيُّ ﵀: ولا يَصحُّ قِياسُها على القِراضِ؛ لأنَّ أرباحَ القِراضِ مَنوطةٌ بالأسواقِ، وهي غيرُ مُنضَبِطةٍ في مدَّةٍ مُعيَّنةٍ؛ فكانَتْ غايةُ النُّضوضِ المالَ، وغايةُ المُساقاةِ الجِدادَ، وما تَجَدَّدَ مِنْ المدَّةِ، ويَكونُ آخِرُها الجِدادَ، فلا يَختَلُّ مَقصودُها (١).

стр. 5311

وَذَهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ، والمالِكيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّ المُساقاةَ مِنْ العُقودِ الجائِزةِ مِنْ الطَّرفَيْنِ، قياسًا على المُضارَبةِ؛ لأنَّها عَقدٌ على جُزءٍ مِنْ النَّماءِ في المالِ، فلا يَفتقِرُ إلى ذِكرِ مدَّةٍ، ولِكُلٍّ مِنهما فَسخُها متى شاءَ. وَلِحَديثِ ابنِ عُمرَ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أجلَى اليَهودَ والنَّصارَى مِنْ أرضِ الحِجازِ، وكانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهرَ على أهلِ خَيبَرَ أرادَ أنْ يُخرِجَ اليَهودَ مِنها، وكانَتِ الأرضُ -لَمَّا ظَهرَ عليها- لِليَهودِ ولِلرَّسولِ ﷺ ولِلمُسلِمينَ، فسَألَ اليَهودُ رَسولَ اللَّهِ أنْ يَترُكَهم على أنْ يَكْفُوه العَملَ ولَهم نِصفُ الثَّمرِ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «نُقِرُّكم على ذلك ما شِئْنا»، فأُقِرُّوا، حتى أجلاهم عُمرُ في إمارَتِه إلى تَيماءَ وأريحا (١). وَلَو كانَ لَازِمًا لَم يَجُزْ تَقديرُ مدَّةٍ، ولا أنْ يَجعَلَ الخِيَرةَ إليه في مدَّةِ إقرارِهم، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لَم يُنقَلْ عنه أنَّه قدَّرَ لَهم ذلك بمدَّةٍ، ولَو قدَّرَ لَم يُترَكْ نَقلُه؛ لأنَّ هذا ممَّا يُحتاجُ إلَيه، فلا يَجوزُ الإخلالُ بنَقلِه، وعُمرُ أجْلاهم مِنْ الأرضِ، وأخرَجَهم مِنْ خَيبَرَ، ولَو كانَتْ لَهم مدَّةٌ مُقدَّرةٌ لَم يَجُزْ إخراجُهم مِنها. وَلأنَّه عَقدٌ على جُزءٍ مِنْ نَماءِ المالِ، فكانَ جائِزًا؛ كالمُضارَبةِ، أو عَقدٌ على المالِ بجُزءٍ مِنْ نَمائِه، فأشبَهَ المُضارَبةَ. وَفارَقَ الإجارةَ؛ لأنَّها بَيعٌ، فكانَتْ لَازِمةً كَبَيعِ الأعيانِ، ولأنَّ عِوَضَها مُقدَّرٌ مَعلومٌ، فأشبَهَتِ البَيعَ، وقياسُها على الإجارةِ يَنتقِضُ بالمُضارَبةِ، وهي أشبَهُ بالمُساقاةِ مِنْ الإجارةِ؛ فقياسُها عليها أوْلَى.

стр. 5312

وَعن قَولِهم: إنَّه يُفضي إلى أنَّ ربَّ المالِ يَفسَخُ بعدَ إدراكِ الثَّمرةِ، قُلُنا: إذا ظَهرَتِ الثَّمرةُ تَظهَرُ على مِلْكِهِما؛ فلا يَسقُطَ حَقُّ العامِلِ مِنها بفَسخٍ ولا غَيرِه، كَما لَو فَسخَ المُضارَبةَ بعدَ ظُهورِ الرِّبحِ. ومتى فَسخَ أحَدُهما بعدَ ظُهورِ الثَّمرةِ فهي بَينَهما على ما شَرَطاه، وعَلَى العامِلِ تَمامُ العَملِ، كَما يَلزَمُ المَضارِبَ بَيعُ العُروضِ إذا فُسِخَتِ المُضارَبةُ بعدَ ظُهورِ الرِّبحِ، وإنْ فَسخَ العامِلُ قبلَ ذلك فلا شَيءَ لَهُ؛ لأنَّه رَضيَ بإسقاطِ حَقِّه، فصارَ كَعامِلِ المُضارَبةِ إذا فَسخَ قبلَ ظُهورِ الرِّبحِ، وعامِلِ الجَعالةِ إذا فَسخَ قبلَ إتمامِ عَملِه. وإنْ فَسخَ ربُّ المالِ قبلَ ظُهورِ الثَّمرةِ فعليه أجْرُ المِثلِ لِلعاملِ؛ لأنَّه مَنَعَه إتمامَ عَملِه الذي يَستَحقُّ به العِوَضَ، فأشبَهَ ما لَو فَسخَ الجاعِلُ قبلَ إتمامِ عَملِ الجَعالةِ، وفارَقَ ربَّ المالِ في المُضارَبةِ إذا فَسخَها قبلَ ظُهورِ الرِّبحِ؛ لأنَّ عَملَ هذا مُفضٍ إلى ظُهورِ الثَّمرةِ في الأغلَبِ، فلَولا الفَسخُ لَظَهرَتِ الثَّمرةُ، فملكَ نَصيبَه مِنها، وقَد قَطَعَ ذلك بفَسخِه، فأشبَهَ فَسخَ الجَعالةِ، بخِلافِ المُضارَبةِ؛ فإنَّه لا يُعلَمُ إفضاؤُها إلى الرِّبحِ، ولأنَّ الثَّمرةَ إذا ظَهرَتْ في الشَّجرِ كانَ العَملُ عليها في الِابتِداءِ مِنْ أسبابِ ظُهورِها، ولأنَّ الرِّبحَ إذا ظَهرَ في المُضارَبةِ قد لا يَكونُ لِلعَملِ الأولِ فيه أثَرٌ أصلًا. وَفي قَولٍ لِلحَنابِلةِ: جائِزةٌ مِنْ جِهةِ العامِلِ، لَازِمةٌ مِنْ جِهةِ المالِكِ (١).

стр. 5313

وعلى القَولِ بلُزومِها قالَ الشافِعيَّةُ: لَو هَرَبَ العامِلُ أو مَرِضَ أو عَجَزَ بغَيرِ ذلك قبلَ الفَراغِ مِنْ عَملِها وأتَمَّه المالِكُ بنَفْسِه أو مالِه مُتبرِّعًا بالعَملِ أو بمُؤنَتِه عن العامِلِ بَقيَ استِحقاقُ العامِلِ كَتَبَرُّعِ الأجنَبيِّ بأداءِ الدَّيْنِ، وكَذا لَو تَبرَّعَ عنه بحُضورِه كانَ كذلك، أو تَبرَّعَ عنه بجَميعِ العَملِ كانَ كذلك، وكَذا لَو فعلَه أجنَبيٌّ مُتبرِّعًا عن العامِلِ فكذلك، سَواءٌ جَهِلَهُ المالِكُ أو عَلِمَه، ولا يَلزَمُ المالِكَ إجابةُ الأجنَبيِّ المُتطوِّعِ. وإنْ لَم يُوجَدْ مُتبرِّعٌ استَأجَرَ الحاكِمُ عليه -بَعدَ رَفعِ الأمْرِ إليه وثُبوتِ كُلٍّ مِنْ المُساقاةِ، وهُروبِ العامِلِ، وتَعذُّرِ طَلَبِه، كَألَّا يُعرَفَ مَكانُه- مَنْ يُتِمُّه مِنْ مالِ العامِلِ، ولَو كانَ مالُه عَقارًا؛ فإنْ لَم يكُنْ له مالٌ، فإنْ كانَ بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ باعَ نَصيبَ العامِلِ كلَّه أو بَعضَه، بحَسَبِ الحاجةِ، واستَأجَرَ بثَمنِه، وإنْ كانَ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، سَواءٌ ظَهرَتِ الثَّمرةُ أو لا، اقتَرضَ عليه مِنْ المالِكِ أو أجنَبيٍّ أو بَيتِ المالِ، إنْ لَم يَجِدْ مَنْ يَعمَلُ بأُجرةٍ مُؤجَّلةٍ مدَّةَ إدراكِ الثَّمرِ؛ لِتَعذُّرِ بَيعِ بَعضِه وَحدَه؛ لِلحاجةِ إلى شَرطِ قَطعِه، وتَعذُّرِه في الشَّائِعِ، واستَأجَرَ بما اقتَرضَه ويَقضيهِ العامِلُ بعدَ زَوالِ المانِعِ، أو يَقضيه الحاكِمُ مِنْ نَصيبِه، مِنْ الثَّمرةِ بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ؛ فإنْ وُجِدَ العَملُ بذلك استُغنِيَ عن الِاقتِراضِ، وحَصَلَ الغَرَضُ. وَلَوِ استَأجَرَ الحاكِمُ المالِكَ، أو أذِنَ له في الإنفاقِ، فأنفَقَ لِيَرجِعَ، رَجعَ، كَما لَوِ اقتَرضَ مِنه، ومتى تَعذَّرَ الِاقتِراضُ وغَيرُه قبلَ خُروجِ الثَّمرةِ وبَعدَ بُدُوِّ صَلاحِها لَم يَفسَخِ المالِكُ لِأجلِ الشَّرِكةِ.

стр. 5314

وَلا تُباعُ الثَّمرةُ بشَرطِ القَطعِ؛ لتَعذُّرِ قَطعِها لِلشُّيوعِ، إلَّا إنْ رَضيَ المالِكُ ببَيعِ الجَميعِ؛ فيَصحُّ البَيعُ. وإنْ كانَ ذلك قبلَ خُروجِ الثَّمرةِ فلَه الفَسخُ، ولِلعاملِ أُجرةُ ما عَمِلَ. وَكَذا يَستَأجِرُ الحاكِمُ أيضًا إذا كانَ العامِلُ حاضِرًا، وامتَنَعَ مِنْ العَملِ. فَإنْ لَم يَقدِرِ المالِكُ على مُراجَعةِ الحاكِمِ إمَّا لِكَونِه فَوقَ مَسافةِ العَدْوَى، أو حاضِرًا، ولَم يُجِبْه إلى ما التَمَسَهُ؛ فليُشهِدْ على العَملِ بنَفْسِه، أو الإنفاقِ، إنْ أرادَ الرُّجوعَ بما يَعمَلُه أو يُنفِقُهُ؛ لأنَّ الإشهادَ حالَ العُذرِ كالحُكمِ، ويُصَرِّحُ في الإشهادِ بإرادةِ الرُّجوعِ، فإنْ لَم يَشهَدْ كَما ذُكِرَ فلا رُجوعَ لَه، وإنْ لَم يُمكِنْه الإشهادُ فلا رُجوعَ له أيضًا؛ لأنَّه عُذرٌ نادِرٌ. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ومتى أُنفِقَ وأُشهِدَ ثم اختَلفَ المالِكُ والعامِلُ في قَدْرِ النَّفَقةِ، ففي المُصدَّقِ مِنهما احتِمالانِ لِلإمامِ، رَجَّحَ السُّبكيُّ مِنهما قَولَ المالِكِ. ولَم يُصَرِّحِ الشَّيخانِ بالمَسألةِ، وكَلامُهما في هَرَبِ الجِمالِ يَقتَضي تَصديقَ العامِلِ؛ فأنَّهما رَجَّحا قَبولَ قَولِ الجَمَّالِ، وعَلَّلاه بأنَّ المُنفِقَ لَم يَستَنِدْ إلى ائتِمانٍ مِنْ جِهةِ الحاكِمِ فيَكونُ هُنا كذلك (١). ضَربُ مدَّةٍ لِلمُساقاةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُساقاةِ هَلْ يُشترَطُ أنْ يُضرَبَ لَها مدَّةٌ مُحَدَّدةٌ أو لا؟ وَهو مَبنيٌّ على الخِلافِ السَّابِقِ، هَلْ هي لَازِمةٌ أو جائِزةٌ، فمَن قالَ:

стр. 5315

إنَّها عَقدٌ لَازِمٌ، قالَ: لا بدَّ مِنْ المدَّةِ، ومَن قالَ: إنَّها جائِزةٌ قالَ: لا يُشترَطُ لَها المدَّةُ؛ لأنَّه يَجوزُ لِكُلٍّ مِنهما أنْ يَفسَخَها متى شاءَ، وهي على التَّفصيلِ الآتي في كلِّ مَذهَبٍ. قالَ الحَنفيَّةُ: القِياسُ في المُساقاةِ ألَّا تَصحَّ إلَّا بعدَ بَيانِ المدَّةِ؛ لأنَّها استِئجارُ العامِلِ ببَعضِ الخارِجِ، فكانَتْ إجارةً بمَنزِلةِ المُزارَعةِ، إلَّا أنَّها جازَتْ في الِاستِحسانِ بغَيرِ بَيانِ المدَّةِ؛ لِتَعامُلِ النَّاسِ على ذلك مِنْ غيرِ بَيانِ المدَّةِ، وتَقعُ على أوَّلِ جُزءٍ يَخرُجُ مِنْ الثَّمرةِ في أوَّلِ السَّنةِ؛ لأنَّ وَقتَ ابتِداءِ المُعامَلةِ مَعلومٌ؛ لأنَّ لِإدراكِ الثَمرَةَ وَقتًا مَعلومًا، وقَلَّما يَتفاوَتُ ويَدخُلُ فيها ما هو المُتيَقَّنُ، وإدراكُ البَذْرِ في أُصولِ الرَّطبةِ في هذا بمَنزِلةِ إدراكِ الثِّمارِ؛ لأنَّ له نِهايةً مَعلومةً؛ فلا يُشترَطُ بَيانُ المدَّةِ، بخِلافِ الزَّرعِ، لأنَّ ابتِداءَه يَختَلِفُ كَثيرًا خَريفًا وصَيفًا ورَبيعًا، ويَكونُ الِانتِهاءُ بِناءً عليه، فتَدخُلُه الجَهالةُ، وبِخِلافِ ما إذا دفعَ إليه غَرسًا قد عُلِّقَ، ولَم يَبلُغِ الثَّمرُ مُعامَلةً، حَيثُ لا يَجوزُ إلَّا ببَيانِ المدَّةِ؛ لأنَّه يَتفاوَتُ بقُوةِ الأراضي وضَعفِها تَفاوُتًا فاحِشًا، وبِخِلافِ ما إذا دفعَ نَخيلًا أو أُصولًا رَطبةً على أنْ يَقومَ عليها، أو أطلَقَ في الرَّطبةِ، تَفسُدُ المُعامَلةُ؛ لأنَّه لَيسَ لِذلك نِهايةٌ مَعلومةٌ؛ لأنَّها تَنمو ما تُرِكَتْ في الأرضِ، فجُهِلَتِ المدَّةُ (١). وأمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: يَجوزُ مُساقاةُ سِنينَ في عَقدٍ، ولَو كَثُرَتْ، ما لَم

стр. 5316

تَكثُرْ جِدًّا، وما لَم يَختَلِفِ الجُزءُ في السِّنينِ، فإنِ اختَلفَ -بأنْ كانَ في سَنةٍ يُخالِفُ غيرَه في أُخرَى- لَم يَجُزْ. وَإذا أُطلِقَتِ المُساقاةُ كانَتْ صَحيحةً، وتُحمَلُ على الجِدادِ، وإذا وُقِّتتْ فلا تُؤَقَّتُ إلَّا بالجِدادِ، ولا يَجوزُ تَوقيتُها شَهرًا ولا سَنةً مَحدودةً، وهي إلى الجِدادِ إذا لَم يُؤجِّلَا، كانَ الأجَلُ يَنقَضي قبلَ الجِدادِ أو بَعدَه؛ فهذا لا يَجوزُ؛ لأنَّه إنْ كانَ لا يَنقَضي إلَّا بعدَ الجِدادِ فهي زَائِدةٌ اشترَطَها العامِلُ على ربِّ الحائِطِ؛ لأنَّ ربَّ الحائِطِ يَعمَلُ في نَصيبِه؛ فلِهَذا لا تَجوزُ شَهرًا ولا سَنةً مَحدودةً. وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀ في سَماعِ أشهَبَ: مَسألةٌ: وسَألتُه عن الذي ساقَى ثَلاثَ سِنينَ ألَيسَ ذلك مِنْ جِدادٍ إلى جِدادٍ؟ قالَ: بَلَى. قالَ ابنُ رُشدٍ: هذا ممَّا لا اختِلافَ فيه أعلَمُه؛ لأنَّ السِّنينَ في المُساقاةِ إنَّما هي بالجِدادِ، لا بالأهِلَّةِ، بخِلافِ القُبالاتِ، التي إنَّما هي بالأهِلَّةِ، لا بالجِدادِ؛ فإنْ ساقاه السِّنينَ، واشترَطَ أحَدُهما على صاحِبِه الخُروجَ قبلَ الجِدادِ أو بَعدَه، رُدَّ في ذلك إلى مُساقاةِ مِثلِه. انتَهَى. وقالَ اللَّخميُّ ﵀: المُساقاةُ إلى السَنتَيْنِ والثَّلاثِ على وجهيْنِ، إنْ أُريدَ انقِضاءَ السَّقيِ بانقِضاءِ الثَّمرةِ التي تَكونُ في تلك السِّنينِ، جازَ، وإنْ كانَ القَصدُ التَّماديَ بالعَملِ إلى انقِضاءِ شُهورِ تلك السَّنةِ، وإنْ جُدَّتِ الثَّمرةُ لَم تَجُزْ، وكانَ العامِلُ في السِّنينِ الأُولَى على مُساقاةِ مِثلِه، وفي العامِ الأخيرِ مِنْ حينِ تُجَدُّ الثَّمرةُ إلى آخِرِ ذلك العامِ على إجارةِ مِثلِه. انتَهَى.

стр. 5317

قالَ الحَطَّابُ ﵀: قُلتُ: فتحَصَّلَ مِنْ هذا أنَّ المَطلوبَ في المُساقاةِ أنْ تُؤَقَّتَ بالجِدادِ، سَواءٌ عَقداها لِعامٍ واحِدٍ، أو لِسِنينَ مُتعَدِّدةٍ؛ فإنْ عَقَداها وأطلَقا حُمِلَتْ على الجِدادِ، وعَلَى أنَّها لِعامٍ واحِدٍ، وإنْ عَقَداها لِسَنةٍ أو لسَنتَيْنِ وأطلَقا، حُمِلَتْ أيضًا على الجِدادِ، وإنْ أرادَ التَّحديدَ بالسَّنَةِ العَربيَّةِ أوِ السِّنينِ العَربيَّةِ لَم يَجُزْ، وتَفسُدُ المُساقاةُ بذلك. انتَهَى. وَلَو كانَ هناك نَوعٌ يُطعِمُ في السَّنةِ بَطنَيْنِ يَتمَيَّزُ أحَدُهما مِنْ الآخَرِ، كَما في بَعضِ أجناسِ التِّينِ في بَعضِ بِلادِ المَغرِبِ، حُمِلَتِ المُساقاةُ -أي: انتِهاؤُها- على الأولِ مِنهما، إنْ لَم يُشترَطْ؛ فإنِ اشتُرِطَ الثَّاني جازَ، وأمَّا الجُمَّيزُ والنَّبقُ والتُّوتُ فإنَّ بُطونَه لا تَتميَّزُ؛ فلا بدَّ مِنْ انتِهاءِ الجَميعِ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: ولا تَصحُّ المُساقاةُ إلى مدَّةٍ مَعلومةٍ؛ لأنَّها عَقدٌ لَازِمٌ، فلَو جازَ عَقدُها إلى غيرِ مدَّةٍ لَاستَحقَّها العامِلُ على الدَّوامِ، وهذا حُكمُ الأملاكِ. إذا ثبَتَ هَذا: فإنْ ساقاه على نَخلٍ أو وَدْيٍ إلى مدَّةٍ يُحمَلُ فيها بحُكمِ الأغلَبِ صَحَّ؛ لأنَّ أكثَرَ ما فيه أنَّ العَملَ كَثيرٌ والنَّصيبَ قَليلٌ، وذلك لا يَمنَعُ صِحَّةَ العَقدِ، كَما لَو ساقاه على جُزءٍ مِنْ ألفِ جُزءٍ مِنْ الثَّمرةِ، فإنْ حَمَلَ النَّخلُ استَحقَّ العامِلُ ما شُرِط لَه، وإنْ لَم يَحمِلْ لِآفةٍ لَم يَستَحقَّ العامِلُ شَيئًا؛ لأنَّه في العَقدِ الصَّحيحِ لا يَستَحقُّ غيرَ ما شُرِطَ لَه.

стр. 5318

وإنْ ساقاه إلى مدَّةٍ لا تَحمِلُ فيها في العادةِ، مثلَ أنْ كانَتْ تَحمِلُ إلى خَمسِ سِنينَ، فساقاه إلى أربَعِ سِنينَ لَم تَصحَّ؛ لأنَّ المَقصودَ في المُساقاةِ أنْ يَشتَرِكا في الثَّمرةِ، وذلك غيرُ مَوجودٍ في هذه المُساقاةِ. فَإنْ عَمِلَ العامِلُ .. فهَل يَستَحقُّ الأُجرةَ؟ قالَ المَسعوديُّ ﵀: إنْ كانَ العامِلُ لا يَعلَمُ أنَّها تَحمِلُ لِأوانِ تلك المدَّةِ استَحقَّ الأُجرة، وَجهًا واحِدًا، وإنْ كانَ يَعلَمُ أنَّها لا تَحمِلُ .. ففيه وَجهانِ: قالَ المُزنِيُّ ﵀: وعامَّةُ أصحابِنا: لا يَستَحقُّ؛ لأنَّه دخلَ على أنَّه لا يَأخُذُ في مُقابَلةِ عَملِه أُجرةً، فصارَ مُتطوِّعًا بالعَملِ. وقالَ أبو العَبَّاسِ ﵀: يَستَحقُّ أُجرةَ المِثلِ؛ لأنَّ عَقدَ المُساقاةِ يَقتَضي عِوَضًا، فلا يَجوزُ أنْ يَخلُوَ مِنْ العِوَضِ، كالوَطءِ في النِّكاحِ. وإنْ ساقاه إلى مدَّةٍ قد تَحمِلُ فيها، وقَد لا تَحمِلُ، وليسَ أحَدُهما بأوْلَى مِنْ الآخَرِ ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: تَصحُّ المُساقاةُ؛ لأنَّه ساقاه إلى مدَّةٍ قد تَحمِلُ فيها، فصَحَّ، كَما لَو ساقاه إلى مدَّةٍ قد تَحمِلُ فيها في الأغلَبِ.

стр. 5319

فعلى هذا إذا عَمِلَ العامِلُ، فإنْ حَمَلَ النَّخلُ استَحقَّ العامِلُ ما شُرِطَ له مِنْ الثَّمرةِ، وإنْ لَم يَحمِلْ فلا أُجرةَ لَهُ؛ لأنَّ العَقدَ صَحيحٌ، فلا يَستَحقُّ غيرَ ما شُرِطَ لَه. والآخَرُ: لا تَصحُّ المُساقاةُ؛ لأنَّ المُساقاةَ إنَّما تَصحُّ إلى مدَّةٍ تَحمِلُ فيها في الأغلَبِ، وهذه المدَّةُ لا تَحمِلُ فيها في الأغلَبِ. فعلى هَذا: إذا عَمِلَ استَحقَّ أُجرةَ المِثلِ، وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّه لَم يَرضَ أنْ يَعمَلَ إلَّا بعِوَضٍ. وأمَّا مدَّةُ عَقدِ المُساقاةِ ففِيها ثَلاثةُ أقوالٍ: أحَدُها: لا تَجوزُ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ؛ لأنَّهما عَقدانِ على غَرَرٍ، فكانَ القياسُ يَقتَضي ألَّا تَصحَّ، وإنَّما حُكِمَ بصِحَّتِها لِلحاجةِ، والحاجةُ لا تَدعو إلى أكثَرَ مِنْ سَنةٍ؛ لأنَّ مَنافِعَ الأعيانِ تَتكامَلُ فيها. والثَّاني: تَجوزُ ثَلاثينَ سَنةً، ولا يَجوزُ أكثَرُ مِنها؛ لأنَّها مدَّةٌ كَثيرةٌ، ولأنَّها نِصفُ العُمُرِ؛ لِقَولِه ﷺ : «أعمارُ أُمَّتي ما بينَ السِّتِّينَ إلى السَّبعينَ»؛ فالأشياءُ لا تَبقَى على حالةٍ واحِدةٍ أكثَرَ مِنها. والثَّالث: يَجوزُ العَقدُ على كلِّ عَينٍ ما بَقِيتْ، قالَ العِمرانيُّ: وبِه قالَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ، وهو الصَّحيحُ. وإنْ ساقاه على أُصولِ سَنتَيْنِ فهَلْ يَجِبُ ذِكرُ قِسطِ كلِّ سَنةٍ؟ مِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: فيه قولانِ، كالإجارةِ. ومِنهم مَنْ قالَ: يَجِبُ ذِكرُه، قَولًا واحِدًا؛ لأنَّ الثِّمارَ تَختَلِفُ باختِلافِ السِّنينِ. وإنْ ساقاه عَشْرَ سِنينَ، فانقَضَتِ العَشرُ، ثم طَلَعتِ الثَّمرةُ فلا حَقَّ لِلعاملِ فيها؛ لأنَّها حادِثةٌ بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ، وإنْ طَلَعتْ في آخِرِ العَشرِ ملكَ العامِلُ جُزءًا مِنها؛ لأنَّها حَدَثَتْ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَفتقِرُ عَقدُ المُساقاةِ إلى ضَربِ مدَّةٍ، ولِذلك لَم

стр. 5320

يَضرِبِ النَّبيُّ ﷺ ولا خُلَفاؤُه ﵃ لِأهلِ خَيبَرَ مدَّةً مَعلومةً حينَ عامَلوهم. وَلأنَّه عَقدٌ جائِزٌ فلَم يَفتقِرْ إلى ضَربِ مدَّةٍ، كالمُضارَبةِ وسائِرِ العُقودِ الجائِزةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا إنْ قُلْنا: إنَّه عَقدٌ لَازِمٌ، لا يَصحُّ إلَّا على مدَّةٍ مَعلومةٍ، وبِهَذا قالَ الشافِعيُّ، وقالَ أبو ثَورٍ: صَحَّ مِنْ غيرِ ذِكرِ مدَّةٍ، ويَقَعُ على سَنةٍ واحِدةٍ، وأجازَه بَعضُ أهلِ الكُوفةِ استِحسانًا؛ لأنَّه لَمَّا شرطَ له جُزءًا مِنْ الثَّمرةِ كانَ ذلك دَليلًا على أنَّه أرادَ مدَّةً تَحصُلُ الثَّمرةُ فيها. ولَنا: أنَّه عَقدٌ لَازِمٌ فوجبَ تَقديرُه بمدَّةٍ، كالإجارةِ، ولأنَّ المُساقاةَ أشبَهُ بالإجارةِ؛ لأنَّها تَقتَضي العَملَ على العَينِ مع بَقائِها، ولأنَّها إذا وَقَعَتْ مُطلَقةً لَم يُمكِنْ حَملُها على إطلاقِها، مع لُزومِها؛ لأنَّه يُفضي إلى أنَّ العامِلَ يَستَبِدُّ بالشَّجرِ كلَّ مدَّتِه، فيَصيرُ كالمالِكِ، ولا يُمكِنُ تَقديرُه بالسَّنةِ؛ لأنَّه تحَكُّمٌ، وقَد تَكمُلُ الثَّمرةُ في أقَلَّ مِنْ السَّنةِ، فعلى هذا لا يُقدَّرُ أكثَرُ المدَّةِ، بَلْ يَجوزُ ما يَتَّفِقانِ عليه مِنْ المدَّةِ التي يَبقَى الشَّجرُ فيها؛ وإنْ طالَتْ. وقد قيلَ: لا يَجوزُ أكثَرُ مِنْ ثَلاثينَ سَنةً، وهذا تحَكُّمٌ وتَوقيتٌ لا يُصارُ إليه إلَّا بنَصٍّ أو إجماعٍ. فَأمَّا أقَلُّ المدَّةِ فيُقدَّرُ بمدَّةٍ تَكمُلُ الثَّمرةُ فيها؛ فلا يَجوزُ على أقَلَّ مِنها؛ لأنَّ المَقصودَ أنْ يَشتَرِكا في الثَّمرةِ، ولا يُوجَدُ في أقَلَّ مِنْ هذه المدَّةِ؛ فإنْ ساقاه على مدَّةٍ لا تَكمُلُ فيها الثَّمرةُ فالمُساقاةُ فاسِدةٌ، فإذا عَمِلَ فيها فظَهرَتِ الثَّمرةُ ولَم تَكمُلْ فلَه أجْرُ مِثلِه في أحَدِ الوجهيْنِ، وفي الآخَرِ لا شَيءَ لَه؛ لأنَّه

стр. 5321

رَضيَ بالعَملِ بغَيرِ عِوَضٍ؛ كالمُتبرِّعِ؛ فالأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا لَم يَرضَ إلَّا بعِوَضٍ، وهو جُزءٌ مِنْ الثَّمرةِ، وذلك الجُزءُ مَوجودٌ، غيرَ أنَّه لا يُمكِنُ تَسليمُه إلَيه، فلَمَّا تَعذَّرَ دَفعُ العِوَضِ الذي اتَّفَقا عليه إليه كانَ أجْرُه أجْرَ مِثلِه، كَما في الإجارةِ الفاسِدةِ، وفارَقَ المُتبرِّعَ؛ فإنَّه رَضيَ بغَيرِ شَيءٍ، وإنْ لَم تَظهَرِ الثَّمرةُ؛ فلا شَيءَ له في أصَحِّ الوجهيْنِ؛ لأنَّه رَضيَ بالعَملِ بغَيرِ عِوَضٍ. وإنْ ساقاه إلى مدَّةٍ تَكمُلُ فيها الثَّمرةُ في الأغلَبِ فلَم تَحمِلْ تلك السَّنَةَ فلا شَيءَ لِلعاملِ؛ لأنَّه عَقدٌ صَحيحٌ لَم يَظهَرْ فيه النَّماءُ الذي اشتُرِطَ جُزؤُه، فأشبَهَ المُضارَبةَ إذا لَم يَربَحْ فيها، وإنْ ظَهرَتِ الثَّمرةُ ولَم تَكمُلْ فلَه نَصيبُه مِنها، وعليه إتمامُ العَملِ فيها، كَما لَو انفَسخَتْ قبلَ كَمالِها. وإنْ ساقاه إلى مدَّةٍ يُحتَمَلُ أنْ يَكونَ لِلشَّجرِ ثَمرةٌ فيها، ويُحتَمَلُ ألَّا يَكونَ، ففي صِحَّةِ المُساقاةِ وَجهانِ: أحَدُهما: تَصحُّ؛ لأنَّ الشَّجرَ يُحتَمَلُ أنْ يَحمِلَ، ويُحتَمَلُ ألَّا يَحمِلَ، والمُساقاةُ جائِزةٌ فيه. والآخَرُ: لا يَصحُّ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَعدومٍ، لَيسَ وُجودُه الأغلَب، فلَم تَصحَّ؛ كالسَّلمِ في مِثلِ ذلك، ولأنَّ ذلك غَرَرٌ أمْكَنَ التحَرُّزُ عنه؛ فلَم يَجُزِ العَقدُ مَعَه، كَما لَو شرطَ ثَمرَ نَخلةٍ بعَينِها، وفارَقَ ما إذا شرطَ مدَّةً تَكمُلُ فيها الثَّمرةُ؛ فإنَّ الأغلَب أنَّ الشَّجرَ يَحمِلُ، واحتِمالُ ألَّا يَحمِلَ نادِرٌ، لَم يُمكِنِ التحَرُّزُ عَنه. فَإنْ قُلْنا: «العَقدُ صَحيحٌ» فلَه حِصَّتُه مِنْ الثَّمرِ؛ فإنْ لَم يَحمِلْ فلا شَيءَ لَه.

стр. 5322

وإنْ قُلْنا: «هو فاسِدٌ» استَحقَّ أجْرَ المِثْلِ، سَواءٌ حَمَلَ أو لَم يَحمِلْ؛ لأنَّه لَم يَرضَ بغَيرِ عِوَضٍ، ولَم يُسَلَّمْ له العِوَضُ، فكانَ له العِوَضُ وَجهًا واحِدًا، بخِلافِ ما لَو جُعِلَ الأجَلُ إلى مدَّةٍ لا يَحمِلُ في مِثلِها في الأغلَبِ. ومتى خَرجَتِ الثَّمرةُ قبلَ انقِضاءِ الأجَلِ فلَه حَقُّه مِنها، إذا قُلْنا بصِحَّةِ العَقدِ، وإنْ خَرجَتْ بَعدَه فلا حَقَّ له فيها، ومَذهَبُ الشافِعيِّ في هذا قَريبٌ ممَّا ذَكَرْنا (١). متى يَملِكُ العامِلُ حِصَّتَه مِنْ الثَّمرةِ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في العامِلِ المُساقي، هَلْ يَملِكُ حِصَّتَه مِنْ الثَّمرةِ بظُهورِها؟ أم بقِسمَتِها؟ فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ العامِلَ يَملِكُ حِصَّتَه مِنْ الثَّمرةِ بالظُّهورِ، فلَو أُتلِفَتْ كلُّها إلَّا واحِدةً كانَت بَينَهما؛ لأنَّ نَصيبَ العامِلِ في المُساقاةِ لَم يُجعَلْ وِقايةً لِرَأْسِ المالِ، بخِلافِ القِراضِ، فإنَّ الرِّبحَ كلَّه وِقايةٌ لِرَأْسِ المالِ؛ فلِذلك لَم يَملِكِ العامِلُ شَيئًا منه قبلَ القِسمةِ على أحَدِ القوليْنِ، كَما سَبَقَ في القِراضِ، ولأنَّ الشَّرطَ صَحيحٌ، فيثبُتُ مُقتَضاه كَسائِرِ الشُّروطِ الصَّحيحةِ، ومُقتَضاه كَونُ الثَّمرةِ بَينَهما على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه لَو لَم يَملِكْها قبلَ القِسمةِ لَما وجبَتِ القِسمةُ، ولا ملكَها، كالأُصولِ.

стр. 5323

قالَ المالِكيَّةُ: يَستَحقُّ العامِلُ الثِّمارَ في المُساقاةِ بظُهورِ الثَّمرةِ على الشَّجرِ، أو الزَّرعِ، فيَكونُ شَريكًا بجُزئِه مِنْ حِينِه، لا قَبلَه، ولا بالجِذاذِ، ولا بالطِّيبِ. وَإذا وقعَ العَقدُ وهي بارِزةٌ استَحقَّه مِنْ حِينِ العَقدِ، فإذا طَرَأَ دَيْنٌ على ربِّ الحائِطِ، لا يُوَفَّى فيه جُزءُ العامِلِ؛ لأنَّه شَريكٌ له بهِ (١). وذَهَبَ الشافِعيَّةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ العامِلَ لا يَملِكُ حِصَّتَه مِنْ الثَّمرةِ إلَّا بالقِسمةِ، كالقِراضِ (٢). زَكاةُ الثَّمرِ المُساقَى عليه: اختَلفَ الفُقهاءُ في زَكاةِ الثَّمرِ المُساقَى عليه أوِ الزَّرعِ، هَلْ تَكونُ على العامِلِ؟ أم على مالِكِ الشَّجرِ؟ أو عليهما فتَخرُجَ مِنْ مَجموعِ الثَّمرةِ إذا بَلَغَتْ نِصابًا؟ وهَل يَصحُّ اشتِراطُها على أحَدٍ مِنهما أو لا؟ فذهبَ الحَنفيَّةُ -أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ على المُفتَى به عِندَهم خِلافًا لِأبي حَنيفةَ- والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزَّكاةَ في المُساقاةِ وكَذا المُزارَعةُ على المالِكِ والعامِلِ على قَدْرِ حِصَصِهِما؛ لأنَّ العُشرَ يَجِبُ في الخارِجِ، والخارِجُ بَينَهما، فيَجِبُ العُشرُ عليهما؛ فيُخرَجُ أوَّلًا ثم يَقتَسِمانِ البقيَّةَ، وإنْ كانَ هُناكَ تَفصيلٌ في كلِّ مَذهَبٍ.

стр. 5324

قالَ المالِكيَّةُ: يَجِبُ إخراجُ زَكاةِ الحائِطِ (البُستانِ المُساقَى عليه) مِنْ جُملةِ الثَّمرةِ إنْ بَلَغَتْ نِصابًا، وهو خَمسةُ أوسُقٍ، أو كانَ لربِّ الحائِطِ ما إنْ ضَمَّه إلَيها مِنْ حائِطٍ آخَرَ بَلَغَتْ نِصابًا، ثم يَقتَسِمانِ ما بَقيَ، ولَو كانَ العامِلُ مِمَّنْ لا تَجِبُ عليه الزَّكاةُ؛ كالذِّميِّ. وَتَسقُطُ الزَّكاةُ إنْ كانَ ربُّ الحائِطِ مِمَّنْ لا تَجِبُ عليه الزَّكاةُ، بأنْ كانَ كافِرًا، وإنْ كانَ العامِلُ مِمَّنْ تَجِبُ عليه الزَّكاةُ؛ لأنَّه أجيرٌ. فإنْ لَم يكُنْ رَبُّه مِنْ أهلِها، أو لَم يَبلُغِ الثَّمرُ أو الزَّرعُ ولَو مع مالِه مِنْ غَيرِها، نِصابًا لَم تَجِبْ عليه، ولا تَجِبُ على العامِلِ في حِصَّتِه ولَو كانَتْ نِصابًا ولَو كانَ مِنْ أهلِ الزَّكاةِ؛ لأنَّه أجيرٌ. وَلا بَأْسَ أنْ تُشترَطَ الزَّكاةُ على أحَدِهِما فيها على الآخَرِ على المَشهورِ، بأنْ تُخرَجَ مِنْ حِصَّةِ أحَدِهِما؛ لأنَّه يَرجِعُ إلى جُزءٍ مَعلومٍ ساقَى عليه، فإنْ لَم يَشتَرِطا شَيئًا فشَأنُ الزَّكاةِ أنْ يُبدَأَ بها ثم يَقتَسِما ما بَقيَ. وَقيلَ: لا يَصحُّ اشتِراطُها على واحِدٍ مِنهما، وقيلَ: يَجوزُ اشتِراطُه على العامِلِ فقَطْ، وقيلَ: على ربِّ الحائِطِ فقَطْ (١). وذَهَبَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّها تَجِبُ على كلِّ واحِدٍ مِنهما في حِصَّتِه إذا بَلَغَتْ نِصابًا؛ فإنْ لَم تَبلُغِ النِّصابَ إلَّا بجَمعِهِما لَم تَجِبْ؛ لأنَّ الخُلطةَ لا تُؤثِّرُ في غيرِ المَواشي على أحَدِ القوليْنِ عِندَهُما.

стр. 5325

وإنْ كانَتْ حِصَّةُ أحَدِهِما تَبلُغُ نِصابًا دونَ الآخَرِ فعلى مَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُه نِصابًا الزَّكاةُ دونَ الآخَرِ، يُخرِجُها بعدَ المُقاسَمةِ؛ إلَّا أنْ يَكونَ لِمَنْ لَم تَبلُغْ حِصَّتُه نِصابًا ما يَتمُّ به النِّصابُ مِنْ مَواضِعَ أُخرى؛ فتَجِبُ عليهما جَميعًا الزَّكاةُ، وكذلك إنْ كانَ لِأحَدِهِما ثَمرٌ مَنْ جِنسِ حِصَّتِه يَبلُغانِ بمَجموعِهِما نِصابًا؛ فعليه الزَّكاةُ في حِصَّتِه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ كانَ أحَدُ الشَّريكَيْنِ مِمَّنْ لا زَكاةَ عليه كالمُكاتِبِ والذِّميِّ فعلى الآخَرِ زَكاةُ حِصَّتِه إنْ بَلَغَتْ نِصابًا، وبِهَذا كلِّه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ، وقالَ اللَّيثُ: إنْ كانَ شَريكُه نَصرانيًّا أعْلَمَه أنَّ الزَّكاةَ مُؤَدَّاةٌ في الحائِطِ، ثم قاسَمَه بعدَ الزَّكاةِ ما بَقيَ. وَلَنا: أنَّ النَّصرانيَّ لا زَكاةَ عليه؛ فلا يُخرِجُ مِنْ حِصَّتِه شَيئًا، كَما لَوِ انفَرَدَ بها، وقَد رَوَى أبو داوُدَ في السُّنَنِ عن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ عبدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ فيَخْرُصُ النَّخْلَ حينَ يَطيبُ قبلَ أنْ يُؤْكَلَ منه، ثمَّ يُخَيِّرُ يَهُودَ يأْخُذُونَهُ بذلك الخَرْصِ أو يَدْفَعُونَهُ إلَيْهِمْ بذلك الخَرْصِ؛ لكي تُحْصَى الزَّكَاةُ قبلَ أنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وتُفرَّقَ» (١). قال جابِرٌ: «خَرَصَهَا ابنُ رَوَاحَةَ أَربَعِينَ ألفَ وَسقٍ، وزَعَم أنَّ اليَهُودَ لَمَّا خَيَّرَهُمُ ابنُ رَوَاحَةَ أخَذُوا الثَمرَ وَعليهمْ عِشرُونَ ألفَ وَسقٍ» (٢) (٣). وذَهَبَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ ﵀ إلى أنَّ العُشرَ يَجِبُ في المُزارَعةِ على
следующие страницы →