رَضيَ بالعَملِ بغَيرِ عِوَضٍ؛ كالمُتبرِّعِ؛ فالأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا لَم يَرضَ إلَّا بعِوَضٍ، وهو جُزءٌ مِنْ الثَّمرةِ، وذلك الجُزءُ مَوجودٌ، غيرَ أنَّه لا يُمكِنُ تَسليمُه إلَيه، فلَمَّا تَعذَّرَ دَفعُ العِوَضِ الذي اتَّفَقا عليه إليه كانَ أجْرُه أجْرَ مِثلِه، كَما في الإجارةِ الفاسِدةِ، وفارَقَ المُتبرِّعَ؛ فإنَّه رَضيَ بغَيرِ شَيءٍ، وإنْ لَم تَظهَرِ الثَّمرةُ؛ فلا شَيءَ له في أصَحِّ الوجهيْنِ؛ لأنَّه رَضيَ بالعَملِ بغَيرِ عِوَضٍ.
وإنْ ساقاه إلى مدَّةٍ تَكمُلُ فيها الثَّمرةُ في الأغلَبِ فلَم تَحمِلْ تلك السَّنَةَ فلا شَيءَ لِلعاملِ؛ لأنَّه عَقدٌ صَحيحٌ لَم يَظهَرْ فيه النَّماءُ الذي اشتُرِطَ جُزؤُه، فأشبَهَ المُضارَبةَ إذا لَم يَربَحْ فيها، وإنْ ظَهرَتِ الثَّمرةُ ولَم تَكمُلْ فلَه نَصيبُه مِنها، وعليه إتمامُ العَملِ فيها، كَما لَو انفَسخَتْ قبلَ كَمالِها.
وإنْ ساقاه إلى مدَّةٍ يُحتَمَلُ أنْ يَكونَ لِلشَّجرِ ثَمرةٌ فيها، ويُحتَمَلُ ألَّا يَكونَ، ففي صِحَّةِ المُساقاةِ وَجهانِ:
أحَدُهما: تَصحُّ؛ لأنَّ الشَّجرَ يُحتَمَلُ أنْ يَحمِلَ، ويُحتَمَلُ ألَّا يَحمِلَ، والمُساقاةُ جائِزةٌ فيه.
والآخَرُ: لا يَصحُّ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَعدومٍ، لَيسَ وُجودُه الأغلَب، فلَم تَصحَّ؛ كالسَّلمِ في مِثلِ ذلك، ولأنَّ ذلك غَرَرٌ أمْكَنَ التحَرُّزُ عنه؛ فلَم يَجُزِ العَقدُ مَعَه، كَما لَو شرطَ ثَمرَ نَخلةٍ بعَينِها، وفارَقَ ما إذا شرطَ مدَّةً تَكمُلُ فيها الثَّمرةُ؛ فإنَّ الأغلَب أنَّ الشَّجرَ يَحمِلُ، واحتِمالُ ألَّا يَحمِلَ نادِرٌ، لَم يُمكِنِ التحَرُّزُ عَنه.
فَإنْ قُلْنا: «العَقدُ صَحيحٌ» فلَه حِصَّتُه مِنْ الثَّمرِ؛ فإنْ لَم يَحمِلْ فلا شَيءَ لَه.
стр. 5322
وإنْ قُلْنا: «هو فاسِدٌ» استَحقَّ أجْرَ المِثْلِ، سَواءٌ حَمَلَ أو لَم يَحمِلْ؛ لأنَّه لَم يَرضَ بغَيرِ عِوَضٍ، ولَم يُسَلَّمْ له العِوَضُ، فكانَ له العِوَضُ وَجهًا واحِدًا، بخِلافِ ما لَو جُعِلَ الأجَلُ إلى مدَّةٍ لا يَحمِلُ في مِثلِها في الأغلَبِ.
ومتى خَرجَتِ الثَّمرةُ قبلَ انقِضاءِ الأجَلِ فلَه حَقُّه مِنها، إذا قُلْنا بصِحَّةِ العَقدِ، وإنْ خَرجَتْ بَعدَه فلا حَقَّ له فيها، ومَذهَبُ الشافِعيِّ في هذا قَريبٌ ممَّا ذَكَرْنا (١).
متى يَملِكُ العامِلُ حِصَّتَه مِنْ الثَّمرةِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في العامِلِ المُساقي، هَلْ يَملِكُ حِصَّتَه مِنْ الثَّمرةِ بظُهورِها؟ أم بقِسمَتِها؟
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ العامِلَ يَملِكُ حِصَّتَه مِنْ الثَّمرةِ بالظُّهورِ، فلَو أُتلِفَتْ كلُّها إلَّا واحِدةً كانَت بَينَهما؛ لأنَّ نَصيبَ العامِلِ في المُساقاةِ لَم يُجعَلْ وِقايةً لِرَأْسِ المالِ، بخِلافِ القِراضِ، فإنَّ الرِّبحَ كلَّه وِقايةٌ لِرَأْسِ المالِ؛ فلِذلك لَم يَملِكِ العامِلُ شَيئًا منه قبلَ القِسمةِ على أحَدِ القوليْنِ، كَما سَبَقَ في القِراضِ، ولأنَّ الشَّرطَ صَحيحٌ، فيثبُتُ مُقتَضاه كَسائِرِ الشُّروطِ الصَّحيحةِ، ومُقتَضاه كَونُ الثَّمرةِ بَينَهما على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه لَو لَم يَملِكْها قبلَ القِسمةِ لَما وجبَتِ القِسمةُ، ولا ملكَها، كالأُصولِ.
стр. 5323
قالَ المالِكيَّةُ: يَستَحقُّ العامِلُ الثِّمارَ في المُساقاةِ بظُهورِ الثَّمرةِ على الشَّجرِ، أو الزَّرعِ، فيَكونُ شَريكًا بجُزئِه مِنْ حِينِه، لا قَبلَه، ولا بالجِذاذِ، ولا بالطِّيبِ.
وَإذا وقعَ العَقدُ وهي بارِزةٌ استَحقَّه مِنْ حِينِ العَقدِ، فإذا طَرَأَ دَيْنٌ على ربِّ الحائِطِ، لا يُوَفَّى فيه جُزءُ العامِلِ؛ لأنَّه شَريكٌ له بهِ (١).
وذَهَبَ الشافِعيَّةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ العامِلَ لا يَملِكُ حِصَّتَه مِنْ الثَّمرةِ إلَّا بالقِسمةِ، كالقِراضِ (٢).
زَكاةُ الثَّمرِ المُساقَى عليه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في زَكاةِ الثَّمرِ المُساقَى عليه أوِ الزَّرعِ، هَلْ تَكونُ على العامِلِ؟ أم على مالِكِ الشَّجرِ؟ أو عليهما فتَخرُجَ مِنْ مَجموعِ الثَّمرةِ إذا بَلَغَتْ نِصابًا؟ وهَل يَصحُّ اشتِراطُها على أحَدٍ مِنهما أو لا؟
فذهبَ الحَنفيَّةُ -أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ على المُفتَى به عِندَهم خِلافًا لِأبي حَنيفةَ- والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزَّكاةَ في المُساقاةِ وكَذا المُزارَعةُ على المالِكِ والعامِلِ على قَدْرِ حِصَصِهِما؛ لأنَّ العُشرَ يَجِبُ في الخارِجِ، والخارِجُ بَينَهما، فيَجِبُ العُشرُ عليهما؛ فيُخرَجُ أوَّلًا ثم يَقتَسِمانِ البقيَّةَ، وإنْ كانَ هُناكَ تَفصيلٌ في كلِّ مَذهَبٍ.
стр. 5324
قالَ المالِكيَّةُ: يَجِبُ إخراجُ زَكاةِ الحائِطِ (البُستانِ المُساقَى عليه) مِنْ جُملةِ الثَّمرةِ إنْ بَلَغَتْ نِصابًا، وهو خَمسةُ أوسُقٍ، أو كانَ لربِّ الحائِطِ ما إنْ ضَمَّه إلَيها مِنْ حائِطٍ آخَرَ بَلَغَتْ نِصابًا، ثم يَقتَسِمانِ ما بَقيَ، ولَو كانَ العامِلُ مِمَّنْ لا تَجِبُ عليه الزَّكاةُ؛ كالذِّميِّ.
وَتَسقُطُ الزَّكاةُ إنْ كانَ ربُّ الحائِطِ مِمَّنْ لا تَجِبُ عليه الزَّكاةُ، بأنْ كانَ كافِرًا، وإنْ كانَ العامِلُ مِمَّنْ تَجِبُ عليه الزَّكاةُ؛ لأنَّه أجيرٌ.
فإنْ لَم يكُنْ رَبُّه مِنْ أهلِها، أو لَم يَبلُغِ الثَّمرُ أو الزَّرعُ ولَو مع مالِه مِنْ غَيرِها، نِصابًا لَم تَجِبْ عليه، ولا تَجِبُ على العامِلِ في حِصَّتِه ولَو كانَتْ نِصابًا ولَو كانَ مِنْ أهلِ الزَّكاةِ؛ لأنَّه أجيرٌ.
وَلا بَأْسَ أنْ تُشترَطَ الزَّكاةُ على أحَدِهِما فيها على الآخَرِ على المَشهورِ، بأنْ تُخرَجَ مِنْ حِصَّةِ أحَدِهِما؛ لأنَّه يَرجِعُ إلى جُزءٍ مَعلومٍ ساقَى عليه، فإنْ لَم يَشتَرِطا شَيئًا فشَأنُ الزَّكاةِ أنْ يُبدَأَ بها ثم يَقتَسِما ما بَقيَ.
وَقيلَ: لا يَصحُّ اشتِراطُها على واحِدٍ مِنهما، وقيلَ: يَجوزُ اشتِراطُه على العامِلِ فقَطْ، وقيلَ: على ربِّ الحائِطِ فقَطْ (١).
وذَهَبَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّها تَجِبُ على كلِّ واحِدٍ مِنهما في حِصَّتِه إذا بَلَغَتْ نِصابًا؛ فإنْ لَم تَبلُغِ النِّصابَ إلَّا بجَمعِهِما لَم تَجِبْ؛ لأنَّ الخُلطةَ لا تُؤثِّرُ في غيرِ المَواشي على أحَدِ القوليْنِ عِندَهُما.
стр. 5325
وإنْ كانَتْ حِصَّةُ أحَدِهِما تَبلُغُ نِصابًا دونَ الآخَرِ فعلى مَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُه نِصابًا الزَّكاةُ دونَ الآخَرِ، يُخرِجُها بعدَ المُقاسَمةِ؛ إلَّا أنْ يَكونَ لِمَنْ لَم تَبلُغْ حِصَّتُه نِصابًا ما يَتمُّ به النِّصابُ مِنْ مَواضِعَ أُخرى؛ فتَجِبُ عليهما جَميعًا الزَّكاةُ، وكذلك إنْ كانَ لِأحَدِهِما ثَمرٌ مَنْ جِنسِ حِصَّتِه يَبلُغانِ بمَجموعِهِما نِصابًا؛ فعليه الزَّكاةُ في حِصَّتِه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ كانَ أحَدُ الشَّريكَيْنِ مِمَّنْ لا زَكاةَ عليه كالمُكاتِبِ والذِّميِّ فعلى الآخَرِ زَكاةُ حِصَّتِه إنْ بَلَغَتْ نِصابًا، وبِهَذا كلِّه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ، وقالَ اللَّيثُ: إنْ كانَ شَريكُه نَصرانيًّا أعْلَمَه أنَّ الزَّكاةَ مُؤَدَّاةٌ في الحائِطِ، ثم قاسَمَه بعدَ الزَّكاةِ ما بَقيَ.
وَلَنا: أنَّ النَّصرانيَّ لا زَكاةَ عليه؛ فلا يُخرِجُ مِنْ حِصَّتِه شَيئًا، كَما لَوِ انفَرَدَ بها، وقَد رَوَى أبو داوُدَ في السُّنَنِ عن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ عبدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ فيَخْرُصُ النَّخْلَ حينَ يَطيبُ قبلَ أنْ يُؤْكَلَ منه، ثمَّ يُخَيِّرُ يَهُودَ يأْخُذُونَهُ بذلك الخَرْصِ أو يَدْفَعُونَهُ إلَيْهِمْ بذلك الخَرْصِ؛ لكي تُحْصَى الزَّكَاةُ قبلَ أنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وتُفرَّقَ» (١). قال جابِرٌ: «خَرَصَهَا ابنُ رَوَاحَةَ أَربَعِينَ ألفَ وَسقٍ، وزَعَم أنَّ اليَهُودَ لَمَّا خَيَّرَهُمُ ابنُ رَوَاحَةَ أخَذُوا الثَمرَ وَعليهمْ عِشرُونَ ألفَ وَسقٍ» (٢)(٣).
وذَهَبَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ ﵀ إلى أنَّ العُشرَ يَجِبُ في المُزارَعةِ على
فصل في حُكمُ المُساقاةِ الصَّحيحةِ والمُساقاةِ الفاسِدةِ
المُساقاةُ إمَّا أنْ تَكونَ صَحيحةً بأنْ تُستَكمَلَ شُروطُها وأركانُها، وإمَّا أنْ يَختَل شَرطٌ مِنْ شُروطِ صِحَّتِها فتَكونَ فاسِدةً، ولِكُلٍّ حُكمُها.
أولاً: حُكمُ المُساقاةِ الصَّحيحةِ:
إذا صَحَّتِ المُساقاةُ تَرتَّبَ عليها ما يَلي:
١ - أنَّه يَجِبُ على العامِلِ أنْ يَقومَ بالواجِبِ عليه ممَّا يَحتاجُ إليه الشَّجرُ على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ في كلِّ مَذهَبٍ.
٢ - أنْ يُقسَمَ الخارِجُ بَينَهما على حَسَبِ الشَّرطِ الذي اتَّفَقا عليه، كَما تَقدَّمَ، وهذا باتِّفاقِ العُلماءِ.
٣ - إذا لَم يُخرِجِ الشَّجرُ شَيئًا فلا شَيءَ لِواحِدٍ مِنهما على الآخَرِ اتِّفاقًا.
٤ - لا يَجوزُ لِواحِدٍ مِنهما أنْ يَفسَخَ العَقدَ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ في المَشهورِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ؛ لأنَّ عَقدَ المُساقاةِ عَقدٌ لَازِمٌ مِنْ الجانبيْنِ قبلَ العَملِ وبَعدَه؛ كالإجارةِ فليسَ لِأحَدِهِما فَسخُها بعدَ العَقدِ دونَ الآخَرِ ما لَم يَتراضَيَا عليه، إلَّا مِنْ عُذرٍ كَما تَقدَّمَ بَيانُه.
стр. 5328
٥ - أنَّه يَجوزُ الزِّيادةُ والحَطُّ على الشَّرطِ المَذكورِ عندَ الحَنفيَّةِ كَما تَقدَّمَ بَيانُه.
٦ - وأنْ يَكونَ الخارِجُ بينَ الطَّرفيْنِ على الشَّرطِ المُتفَقِ عليه عندَ الجُمهورِ، خِلافًا لِلمالِكيَّةِ، فإنَّه يَجوزُ أنْ يَختَصَّ به أحَدُهما، كَما تَقدَّمَ.
٧ - لا يَملِكُ العامِلُ مُساقاةَ غَيرِه عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ، ويَجوزُ له ذلك عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ، على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ.
٨ - يَد العامِلِ يَد أمانةٍ في المُساقاةِ والمُزارَعةِ والمُغارَسةِ، فلا يَضمَنُ بتَلَفِ شَيءٍ ما لَم يَتعَدَّ أو يُفرِّطْ، كَما سَيأتي مُفصَّلًا.
ثانيًا: حُكمُ المُساقاةِ الفاسِدةِ:
إذا فَسَدَتِ المُساقاةُ لِفَقدِ شَرطٍ مِنْ شُروطِ صِحَّتِها على الخِلافِ السَّابِقِ فيها؛ فإنْ عُثِرَ عليها قبلَ العَملِ فُسِخَتْ باتِّفاقِ الفُقهاءِ، ولا شَيءَ لِلعاملِ، وإنْ عَمِلَ العامِلُ فقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما يَتعَلَّقُ بالنَّاتِجِ ونَصيبِ العامِلِ والمالِكِ، أو ما يَكونُ لِلعاملِ ولِلمالِكِ، وهَل تُفسَخُ أو لا؟ على التَّفصيلِ الآتي:
١ - الخارِجُ كلُّه لِصاحِبِ الأرضِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُساقاةَ إذا فَسَدَتْ فإنَّ الخارِجَ كلَّه لِصاحِبِ الأرضِ؛ لأنَّ استِحقاقَ الخارِجِ لِكَونِه نَماءَ مِلكِه، ولأنَّ استِحقاقَ العامِلِ بالشَّرطِ ولَم يَصحَّ؛ فيَكونُ لِصاحِبِ المِلكِ (١).
стр. 5329
٢ - أنَّ لِلعاملِ أُجرةَ مِثلِه:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُساقاةَ إذا فَسَدَتْ وعَمِلَ العامِلُ ولَم يَعلَمْ بفَسادِها أنَّ له أُجرةَ مِثْلِه وإنْ لَم يُخرِجِ الشَّجرُ شَيئًا، بخِلافِ المُعامَلةِ الصَّحيحةِ أنَّه لا شَيءَ له إذا لَم يُخرِجِ الشَّجرُ شَيئًا.
إلَّا أنَّ هُناكَ تَفصيلًا في هذا الأمرِ، هَلْ تَكونُ له أُجرةُ المِثلِ بالِغةً ما بَلَغَتْ؟ أم له أُجرةُ المِثلِ لا تَتجاوَزُ المُسمَّى؟
فَعِنْدَ أبي يُوسفَ أنَّ أجْرَ المِثلِ فيها يَجِبُ مُقدَّرًا بالمُسمَّى، لا يَتجاوَزُه.
وَعِنْدَ مُحمَّدٍ يَجِبُ تامًّا، وهذا الِاختِلافُ فيما إذا كانَتْ حِصَّةُ كلِّ واحِدٍ مِنهما مُسمَّاةً في العَقدِ، فإنْ لَم تكُنْ مُسمَّاةً في العَقدِ يَجِبُ أجْرُ المِثْلِ تامًّا بلا خِلافٍ (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فعِندَهم تَفصيلٌ في هَذا، فقالوا:
المُساقاةُ الفاسِدةُ لَها ثَلاثُ حالاتٍ:
الأُولَى: أنْ يَطَّلِعَ على فسادِها قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، والحُكمُ حينئذٍ فَسخُها.
الحالة الثَّانيةُ: أنْ يَطَّلِعَ على فَسادِها في أثناءِ العَملِ، ولَو بعدَ سَنةٍ مِنْ السِّنينِ، كَما إذا كانَتِ المُساقاةُ وَقَعَتْ على سِنينَ كَثيرةٍ، والحُكمُ في هذا
стр. 5330
الوَجهِ أنْ يُنظَرَ إلى عَقدِ المُساقاةِ، فَإنْ كانَتْ ممَّا تَجِبُ فيه أُجْرةُ المِثلِ وجبَ فَسخُ المُساقاةِ حينَ يَعثُرُ على ذلك؛ لأنَّه يَكونُ لِلعاملِ حينئذٍ بحِسابِ ما عَمِلَ، وإنْ كانَ عَقدُ المُساقاةِ ممَّا تَجِبُ فيه مُساقاةُ المِثلِ لَم تُفسَخِ المُساقاةُ، ويَستَمِرَّانِ إلى تَمامِ العَملِ؛ لأنَّ الضَّرورةَ دَاعيةٌ إلى تَمامِ العَملِ؛ لأنَّه لا يُدفَعُ له نَصيبُه إلَّا مِنْ الثَّمرةِ، فلَو فَسَخناها لَزِمَ ألَّا يَكونَ لِلعاملِ شَيءٌ؛ لأنَّها كالجُعلِ، لا شَيءَ لِلعاملِ إلَّا بتَمامِ العَملِ.
الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يَطَّلِعَ على فَسادِ المُساقاةِ بعدَ تَمامِ العَملِ، ففي بَعضِ الصُّورِ تَجِبُ إجارةُ المِثلِ، وفي بَعضِها تَجِبُ مُساقاةُ المِثلِ:
أوَّلًا: تَجِبُ أُجرةُ المِثلِ إنْ خَرجَ عن المُساقاةِ إلى الإجارةِ الفاسِدةِ، أو إلى بَيعِ الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، ومِثالُ ذلك:
إذا ازدادَ أحَدُهما على الجُزءِ الذي اشترَطَ في المُساقاةِ عَينًا، أو عَرضًا؛ لأنَّه إنْ كانَتِ الزِّيادةُ مِنْ ربِّ الحائِطِ فقَد خَرَجا عَنها إلى الإجارةِ الفاسِدةِ، فكَأنَّه استَأجَرَه على أنْ يَعمَلَ له في حائِطِه بما أعطاه مِنْ الدَّنانيرِ أو الدَّراهِمِ أو العُروضِ، وبِجُزءٍ مِنْ ثَمرَتِه، وذلك إجارةٌ فاسِدةٌ، فوجبَ أنْ يُرَدَّ إلى أُجرةِ المِثلِ، ويُحاسِبَه ربُّ الحائِطِ بما كانَ أعطاه مِنْ أُجرةِ المِثلِ، ولا شَيءَ له مِنْ الثَّمرةِ.
стр. 5331
وأمَّا إنْ كانَتِ الزِّيادةُ مِنْ العامِلِ فقَد خَرَجا عَنها أيضًا إلى بَيعِ الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها؛ فكَأنَّه اشترَى منه الجُزءَ المُسمَّى له في المُساقاةِ بما دفعَ مِنْ الدَّنانيرِ أو الدَّراهِمِ أو العُروضِ، وبِأُجرةِ عَملِه، فوجبَ أنْ يُرَدَّ إلى أُجرةِ مِثلِه، ويَأخُذَ مِنْ ربِّ الحائِطِ ما زادَ، ولا شَيءَ له مِنْ الثَّمرةِ.
ثانيًا: تَجِبُ مُساقاةُ المِثلِ إنْ لَم يَكونا خَرَجًا عن المُساقاةِ؛ وإنَّما جاءَها الفَسادُ مِنْ جِهةِ أنَّهما عَقَداها على غَرَرٍ أو نَحوِ ذلك؛ فإنَّ الواجِبَ مُساقاةُ المِثلِ.
والفَرقُ بَينَها وبَينَ أُجرةِ المِثلِ أنَّ أُجرةَ المِثلِ مُتعلِّقةٌ بالذِّمةِ، ويَكونُ العامِلُ أحَقَّ بالثَّمرةِ في الفَلَسِ، لا المَوتِ، هذا في المُساقاةِ، وأمَّا ما يُرجَعُ فيه في القِراضِ بأُجرةِ المِثلِ فلا يَكونُ أحَقَّ به، لا في فَلَسٍ ولا في مَوتٍ، وأمَّا مُساقاةُ المِثلِ فمُتعلِّقةٌ بالثَّمرةِ، ويَكونُ العامِلُ أحَقَّ بالثَّمرةِ مِنْ الغُرَماءِ في المَوتِ والفَلسِ، وكذلك ما يُرَدُّ فيه في القِراضِ لِقِراضِ المِثلِ، يَكونُ العامِلُ أحَقَّ به في المَوتِ والفَلَسِ.
والمَسائِلُ التي يَجِبُ فيها مُساقاةُ المِثلِ تِسعٌ:
الأُولَى: أنْ يُساقيَه على حائِطَيْنِ، أحَدُهما قد أطعَم، والآخَرُ لَم يُطعِمْ، أو يُساقيَه على حائِطٍ واحِدٍ فيه ثَمرٌ قد أطعَم، وفيه ثَمرٌ لَم يُطعِمْ، وليسَ تَبَعًا؛ لأنَّه بَيعُ ثَمرٍ مَجهولٍ بشَيءٍ مَجهولٍ.
الثَّانيةُ: أنْ تَجتَمِعَ مع بَيعٍ كانَ يَبيعُه سِلعةً مع المُساقاةِ، والإجارةُ مِثلُ البَيعِ، وما أشبَهَ، ذلك ممَّا يَمتَنِعُ اجتِماعُه مع المُساقاةِ.
الثَّالثةُ: إذا اشترَطَ العامِلُ على ربِّ الحائِطِ أنْ يَعمَلَ معه في الحائِطِ لِجَوَلانِ يَدِه على حائِطِه، وأمَّا لَو كانَ المُشتَرِطُ ربَّ الحائِطِ ففيه أُجرةُ المِثلِ.
الرَّابِعةُ: إذا اشترَطَ عَملَ دَابَّةِ ربِّ الحائِطِ والحالُ أنَّ الحائِطَ صَغيرٌ.
الخامِسةُ: إذا اشترَطَ عَملَ غُلامِ ربِّ الحائِطِ والحالُ أنَّ الحائِطَ صَغيرٌ؛ لأنَّها حينئذٍ زيادةٌ على ربِّ الحائِطِ، ويَجوزُ ذلك إذا كانَ الحائِطُ كَبيرًا.
стр. 5332
السَّادِسةُ: إذا اشترَطَ ربُّ الحائِطِ على العامِلِ عندَ عَقدِ المُساقاةِ أنْ يَحمِلَ ما يَخُصُّه مِنْ الثَّمرةِ مِنْ الأندَرِ إلى مَنزِلِه لِلعِلَّةِ السَّابِقةِ، وهذا إذا كانَ فيه بُعدٌ ومَشقَّةٌ، وإلَّا جازَ، ولا فَرقَ بينَ أنْ يَشتَرِطَ العامِلُ على ربِّ الحائِطِ أنْ يَحمِلَ ما يَخُصُّه إلى مَنزِلِه، أو يَشتَرِطَ ربُّ الحائِطِ على العامِلِ ذلك، فلَه مُساقاةُ مِثلِه، ما لَم تكُنْ أكثَرَ مِنْ الجُزءِ الذي شرطَه عليه؛ إنْ كانَ الشَّرطُ لِلمُساقَى، أو أقَلَّ إنْ كانَ الشَّرطُ لِلمُساقِي.
السَّابِعةُ: إذا اشترَطَ ربُّ الحائِطِ على العامِلِ أنْ يَكفيَه مُؤنةَ حائِطٍ آخَرَ بأنْ يَعمَلَ بنَفْسِه بغَيرِ عِوَضٍ أو بكِراءٍ؛ فإنْ وقعَ وَفاتَ العَملُ فلِلعاملِ مُساقاةُ مِثلِه، وفي الحائِطِ الآخَرِ أُجرةُ مِثلِه.
الثَّامِنةُ: إذا ساقاه على حائِطٍ واحِدٍ سِنينَ مَعلومةً سَنةً على النِّصفِ، وسَنةً على الثُّلُثِ، وسَنةً على الرُّبُعِ.
التَّاسِعةُ: إذا ساقاه على حَوائِطَ صَفقةً واحِدةً، حائِطًا على النِّصفِ، وآخَرَ على الثُّلُثِ مثلًا؛ لِاحتِمالِ أنْ يُثمِرَ أحَدُهما دونَ الآخَرِ، وأمَّا في الصَّفَقاتِ فتَجوزُ المُساقاةُ، ولَو مع اختِلافِ الجُزءِ.
وَكَذا إذا اختَلفا بعدَ العَملِ في الجُزءِ المُشترَطِ لِلعاملِ، فقالَ: دَخَلْنا على النِّصفِ مثلًا، وقالَ ربُّ الحائِطِ: دَخَلْنا على الرُّبُعِ مثلًا، والحالُ أنَّهما لَم يُشَبِّهْ واحِدٌ مِنهما؛ فأنَّهما يَتحالَفانِ، أي يَحلِفُ كلٌّ على ما يدَّعيه، مع نَفيِ دَعوَى صاحِبِه، ويُرَدُّ العامِلُ لِمُساقاةِ مِثلِه، ومِثلُه إذا نَكَلا، ويُقضَى لِلحالِفِ على النَّاكِلِ، فإنْ أشبَها معًا فالقولُ لِلعاملِ مع يَمينِه، فإنِ انفَرَدَ ربُّ الحائِطِ بالشَّبَهِ فالقولُ قولُه، مع يَمينِه، وأمَّا إنِ اختَلفا قبلَ العَملِ فأنَّهما
стр. 5333
يَتحالَفانِ ويَتَفاسَخانِ، ولا يُنظَرُ لِشَبَهٍ ولا عَدَمِه، ونُكولُهما كَحَلِفِهِما، وهذا بخِلافِ القِراضِ؛ فإنَّه لا تَحالُفَ فيه، بَلِ العامِلُ يَرُدُّ المالَ؛ لأنَّ القِراضَ عَقدٌ جائِزٌ غيرُ لَازِمٍ.
وَهَذا التَّفريعُ المَذكورُ على مَذهبِ ابنِ القاسِمِ، وهو مَشهورُ المَذهبِ، وقيلَ: لِلعاملِ أُجرةُ المِثلِ مُطلَقًا، وقيلَ: مُساقاةُ المِثلِ مُطلَقًا، وهو قولُ ابنِ الماجشونِ ورِوايَتُه عن مالِكٍ، وقيلَ: له مُساقاةُ مِثلِه ما لَم يكُنْ أكثَرَ مِنْ الجُزءِ الذي شُرِطَ عليه، إنْ كانَ الشَّرطُ لربِّ الحائِطِ، وإنْ كانَ الشَّرطُ لِلعاملِ فلَه مُساقاةُ مِثلِه، ما لَم يَكُنْ أقَلَّ مِنْ الجُزءِ الذي شُرِطَ لَهُ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا فَسَدَتِ المُساقاةُ بما ذَكَرْناه مِنْ قَبلُ عَنهم وجبَتْ أُجرةُ المِثلِ على صاحِبِ الشَّجرِ، ومِن صُوَرِ الفَسادِ ما يَلي:
١ - أنْ يُساقيَه على وَدْيٍ لِيَغرِسَه، ويَكونَ الشَّجرُ بَينَهما، أو لِيَغرِسَه في أرضِ نَفْسِه، ويَكونَ الثَّمرُ بَينَهما، أو أنْ يَدفَعَ إليه أرضًا لِيَغرِسَها والثَّمرُ بَينَهما.
٢ - أنْ يَشرُطَ الثَّمرةَ كلَّها لِلعاملِ، أو يَشرُطَ له جُزءًا مِنهما، أو مُشارَكةَ المالِكِ، أو غَيرَها في صُورةِ الإفسادِ، ويُستَثْنَى ما إذا شرطَ الثَّمرةَ كلَّها لِلمالِكِ، لا شَيءَ لِلعاملِ في الأصَحِّ، وكَذا نَظيرُه في القِراضِ.
٣ - وإذا خَرجَ الثَّمرُ مُستحَقًّا فلِلعاملِ على السَّاقي أُجرةُ المِثلِ لِعَملِه؛
стр. 5334
لأنَّه فَوَّتَ مَنافِعَه بعِوَضٍ فاسِدٍ؛ فيَرجِعُ ببَدَلِها، هذا إذا عَمِلَ جاهِلًا بالحالِ، فإنْ عَلِمَ الحالَ فلا شَيءَ لَه، وكَذا إذا كانَ الخُروجُ قبلَ العَملِ.
٤ - إذا فُسِخَ العَقدُ بتَحالُفٍ، أو بهَرَبِ العامِلِ، وتَعذَّرَ الإتمامُ (١). وقد تَقدَّمَ بَيانُ ذلك مُفصَّلًا.
وقالَ الحَنابِلةُ: فمتى شرطَ شَيئًا مِنْ هذه الشُّروطِ الفاسِدةِ -الَّتي سَبَقَ بَيانُها- فَسَدتِ المُساقاةُ، والثَّمرةُ كلُّها لربِّ المالِ؛ لأنَّها نَماءُ مِلكِه، ولِلعاملِ أجْرُ مِثلِه؛ كالمُضارَبةِ الفاسِدةِ (٢).
٣ - لا يُجبَرُ العامِلُ على العَملِ:
قالَ الحَنفيَّةُ: لا يُجبَرُ العامِلُ على العَملِ في المُساقاةِ الفاسِدةِ؛ لأنَّ الجَبرَ على العَملِ بحُكمِ العَقدِ، ولم يَصحَّ (٣).
стр. 5335
فصل في اختِلاف المَالِك والعَامِل
لا خِلافَ بَين العُلماءِ على أنَّ يدَ العامِلِ في المُساقاةِ يَد أمانةٍ، لا يَضمَنُ إلَّا إذا تَعدَّى أو فَرَّطَ، وإذا اختَلفَ هو والمالِكُ فالأصْلُ أنَّ قَولَه مُصدَّقٌ على تَفصيلٍ في ذلك، وبَيانُه في هذه المَسألةِ:
إذا اختَلفَ العامِلُ والمالِكُ في قَدْرِ الجُزءِ المَشروط:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا اختَلفَ العامِلُ والمالِكُ في قَدْرِ الجُزءِ المَشروطِ مِنْ الثَّمرةِ بأنْ قالَ العامِلُ: شرطَ لي النِّصفَ، وقالَ المالِكُ: بَلْ شَرَطتُ الثُّلُثَ، أوِ الرُّبُعَ.
فَأمَّا الحَنفيَّةُ فلَم أقِفْ لَهم على قَولٍ في الِاختِلافِ في المُساقاةِ، وإنَّما في المُزارَعةِ، فقالوا: إذا كانَ البَذْرُ مِنْ ربِّ الأرضِ فأخرَجَتِ الأرضُ زَرعًا كَثيرًا فقالَ ربُّ الأرضِ: «شَرَطتُ لَكَ الثُّلُثَ» وقالَ المُزارَعُ: «شَرَطْتَ لي النِّصفَ» فالقولُ قولُ ربِّ الأرضِ مع يَمينِهِ؛ لأنَّ المُزارَعَ يَستَحقُّ عليه الخارِجَ بمُقابَلةِ عَملِه بالشَّرطِ، فهو يدَّعي زِيادةً فيما شُرِطَ لَه، ورَبُّ الأرضِ يُنْكِرُ تلك الزِّيادةَ؛ فالقولُ قولُه مع يَمينِه، وعَلَى المُزارَعِ البيِّنةُ على ما ادَّعَى، وتَترَجَّحُ بيِّنَتُه عندَ المُعارَضةِ؛ لِمَا فيها مِنْ إثباتِ
стр. 5336
الزِّيادةِ، ولا يُصارُ إلى التَّحالُفِ بعدَ استِيفاءِ المَنفَعةِ؛ لِخُلُوِّهِ مِنْ الفائِدةِ.
وَإنِ اختَلفا قبلَ أنْ يَزرَعَ شَيئًا تَحالَفا، وتُرَدُّ اليَمينُ عليه أيضًا، وهُنا أوَّلُ المُزارَعةِ؛ لأنَّ المُزارَعةَ عَقدٌ مُحتَمِلٌ لِلفَسخِ، فإذا اختَلفا في مِقدارِ البَدَلِ فيه حالَ قيامِ المَعقودِ عليه تَحالَفَا، وتَرادَّا، وأيُّهما نَكَلَ عن اليَمينِ لَزِمَه دَعوَى صاحِبِه؛ لأنَّ نُكولَه كَإقرارِه، وإنْ أقاما البيِّنةَ قبلَ التَّحالُفِ أو بَعدَه، فالبيِّنةُ بيِّنةُ المُزارَعِ؛ لأنَّها مُثبِتةٌ لِلزِّيادةِ، واليَمينُ الفاجِرةُ أحَقُّ أنْ تُرَدَّ مِنْ البيِّنةِ العادِلةِ.
وَلَوِ اختَلفا والبَذْرُ مِنْ العامِلِ، وقَد أخرَجَتِ الأرضُ الزَّرعَ، فالقولُ قولُ العامِلِ؛ لأنَّ ربَّ الأرضِ هو الذي يَستَحقُّ الخارِجَ عليه بالشَّرطِ، فإذا ادَّعَى زيادةً فيما شُرِطَ له كانَ عليه أنْ يُثبِتَ تلك الزِّيادةَ بالبيِّنةِ، وعَلَى الآخَرِ اليَمينُ؛ لِإنكارِه، وإنِ اختَلفا قبلَ أنْ يَزرَعَ تَحالَفَا (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: إذا اختَلفَ العَملُ والمالِكُ بعدَ العَملِ في الجُزءِ المُشترَطِ لِلعاملِ فقالَ: «دَخَلْنا على النِّصفِ» مثلًا، وقالَ ربُّ الحائِطِ: «دَخَلْنا على الرُّبُعِ مثلًا»، والحالُ أنَّهما لَم يُشبِهْ واحِدٌ مِنهما؛ فأنَّهما يَتحالَفانِ -أي: يَحلِفُ كلٌّ على ما يدَّعيه مع نَفْيِ دَعوَى صاحِبِه- ويُرَدُّ العامِلُ لِمُساقاةِ مِثلِه، ومِثلُه إذا نَكَلَا، ويُقضَى لِلحالِفِ على النَّاكِلِ، فإنْ أشبَها معًا فالقولُ لِلعاملِ مع يَمينِه؛ لأنَّ اليَمينَ تَجِبُ على أقوَى المُتداعِيَيْنِ سَبَبًا، وههُنا العامِلُ أقوَى سَبَبًا لِتَسليمِ الحائِطِ والعَملِ فيه، ولأنَّ ذلك كاختِلافِ البائِعِ والمُشتَرِي في الثَّمنِ بعدَ قَبضِ السِّلعةِ، وقَد ذَكَرْناه.
стр. 5337
فَإنِ انفَرَدَ ربُّ الحائِطِ بالشَّبَهِ فالقولُ قولُه مع يَمينِه.
وأمَّا إنِ اختَلفا قبلَ العَملِ فأنَّهما يَتحالَفانِ ويَتَفاسَخانِ، ولا يُنظَرُ لِشَبَهٍ ولا عَدَمِه، ونُكولُهما كَحَلِفِهِما (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا اختَلفَ العامِلُ ورَبُّ النَّخلِ في العِوَضِ المَشروطِ فقالَ العامِلُ: «شَرَطْتَ لي النِّصفَ»، وقالَ ربُّ النَّخلِ: «شَرَطْتُ لَكَ الثُّلُثَ» ولا بيِّنةَ لِأحَدِهِما أو لَهُما بيِّنَتانِ وسقطَتا تَحالَفَا وفُسِخَ العَقدُ؛ لأنَّهما مُتعاقدانِ اختَلفا في العِوَضِ المَشروطِ، ولا بيِّنةَ، فتَحالَفا؛ كالمُتبايِعَيْنِ إذا اختَلفا في قَدْرِ الثَّمنِ.
فَإنْ حلَفا جَميعًا كانَتِ الثَّمرةُ كلُّها لربِّ النَّخلِ، ولِلعاملِ على المالِكِ أُجرةُ عَملِه إنْ فَسخَ العَقدَ بعدَ العَملِ، وإنْ لَم يُثمِرِ الشَّجرُ، وإلَّا فلا أُجرةَ لَه.
وإنْ حلَف أحَدُهما ونَكَلَ الآخَرُ، ثبَتَ ما قالَ الحالِفُ، وإنْ كانَ لِأحَدِهِما بيِّنةٌ قُضيَ له بها، وإنْ أقامَ كلُّ واحِدٍ مِنهما بيِّنةً وأشارَتا إلى عَقدٍ واحِدٍ في وَقتٍ واحِدٍ، تَعارَضَتِ البيِّنَتانِ، وفيهِما قولانِ:
أحَدُهما: تَسقُطانِ، وهو الصَّحيحُ، فعلى هذا يَتحَالَفانِ، كَما تَقدَّمَ.
والآخَرُ: تُستَعمَلانِ، وفي الِاستِعمالِ ثَلاثةُ أقوالٍ: أصَحُّها يُقرَعُ بَينَهما، والثَّاني: يَتقَاسَمانِ الجُزءَ المُختَلفَ فيه بَينَهما نِصفَيْنِ، والثَّالث: الوَقفُ.
стр. 5338
وإنْ ساقَى رَجُلانِ رَجُلًا على نَخيلٍ بَينَهما، فقالَ العامِلُ: شَرَطتُما لي نِصفَ الثَّمرةِ، فصَدَّقَه أحَدُهما، وقالَ الآخَرُ: بَلْ شَرَطْنا لَكَ الثُّلُثَ، لَزِمَ المُقِرَّ أنْ يَقسِمَ لِلعاملِ نِصفَ نَصيبِه، ثم يُنظَرَ فيهِ:
فَإنْ شَهِدَ على شَريكِهِ أنَّه شرطَ لِلعاملِ النِّصفَ، وكانَ عَدلًا، حلَف معه العامِلُ، وثبَتَ لِلعاملِ النِّصفُ في نَصيبِ الآخَرِ؛ لأنَّه مالٌ، والمالُ يثبُتُ بشاهِدٍ ويَمينٍ.
وإنْ لَم يكُنْ عَدلًا، أو لَم يَشهَدْ على شَريكِه، فإنَّ العامِلَ والمُنكِرَ يَتحالَفانِ، فإذا تَحالَفا انفَسخَ العَقدُ بَينَهما، وكانَ جَميعُ نَصيبِ المُنكِرِ مِنْ الثَّمرةِ لَه، وعليه لِلعاملِ أُجرةُ عَملِه في نَصيبِهِ؛ لأنَّ عَقدَ الواحِدِ مع الِاثنَيْنِ في حُكمِ العَقدَيْنِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: العامِلُ أمينٌ، والقولُ قولُه فيما يدَّعيه مِنْ هَلاكٍ، وما يدَّعي عليه مِنْ خِيانةٍ؛ لأنَّ ربَّ المالِ ائتَمَنَه بدَفعِ مالِه إلَيه، فهو كالمَضارِبِ؛ فإنِ اتُّهِمَ حلَف، فإنْ ثبَتَتْ خِيانَتُه بإقرارٍ أو ببيِّنةٍ، أو بنُكولِه، ضُمَّ إليه مَنْ يُشرِفُ عليه، فإنْ لَم يُمكِنْ حِفظُه استُؤْجِرَ مِنْ مالِه مَنْ يَعمَلُ عَملَه.
وَإنِ اختَلفا في الجُزءِ المَشروطِ لِلعاملِ فالقولُ قولُ ربِّ المالِ، وكذلك إنِ اختَلفا فيما تَناوَلَتْه المُساقاةُ مِنْ الشَّجرِ؛ لأنَّ ربَّ المالِ مُنكِرٌ لِلزِّيادةِ التي ادَّعاها العامِلُ؛ فيَكونُ القولُ قَولَه، لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ : «البيِّنةُ على
стр. 5339
المدَّعِي، واليَمينُ على المدَّعَى عليه» (١)، فَإنْ كانَ مع أحَدِهِما بيِّنةٌ حُكِمَ بها، وإنْ كانَ مع كلِّ واحِدٍ مِنهما بيِّنةٌ ففي أيِّهِما تَقدَّمَ ببيِّنَتِه وَجهانِ، بِناءً على بيِّنةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ.
فَإنْ كانَ الشَّجرُ لِاثنَيْنِ فصَدَّقَ أحَدُهما العامِلَ وكَذَّبَه الآخَرُ، أُخِذَ نَصيبُه مِنْ مالِ المُصَدِّقِ؛ فإنْ شَهِدَ على المُنكِرِ قُبِلَتْ شَهادَتُه إذا كانَ عَدلًا؛ لأنَّه لا يَجُرُّ إلى نَفسِه نَفعًا، ولا يَدفَعُ ضَرَرًا، ويَحلِفُ مع شاهِدِه، وإنْ لَم يكُنْ عَدلًا كانَتْ شَهادَتُه كَعَدَمِها.
وَلَو كانَا عامِلَيْنِ اثنَيْنِ ورَبُّ المالِ واحِدًا، فشَهِدَ أحَدُهما على صاحِبِه، قُبِلَتْ شَهادَتُه أيضًا؛ لِمَا ذَكَرْنا (٢).
стр. 5340
فصل فيما يَنفَسِخُ ويَنتَهي به عَقدُ المُساقاةِ
تَنقَضي وتَنفَسِخُ المُساقاةُ بِعِدَّةِ أشياءَ، مِنها: المَوتُ ومُضيُّ المدَّةِ والِاستِحقاقُ وتَصرُّفُ المالِكِ والفَسخُ والإقالةُ، على خِلافٍ في كلِّ هذا بينَ المَذاهبِ، وبَيانُه فيما يَلي:
أوَّلاً: المَوتُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في عَقدِ المُساقاةِ: هَلْ يَنقَضي ويَنفَسِخُ بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ أو لا؟
فذهبَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ في الجُملةِ إلى أنَّ المُساقاةَ تَنقَضي، وتَنتَهي بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ.
وَذَهَبَ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّها لا تَنقَضي بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ على تَفصيلٍ في ذلك عندَ كلِّ مَذهَبٍ، وبَيانُه فيما يَلي:
قالَ الحَنفيَّةُ: تَبطُلُ المُساقاةُ بالمَوتِ، أمَّا مَوتُ صاحِبِ النَّخلِ فلأنَّ النَّخلَ انتَقلَ إلى غَيرِه، وأمَّا مَوتُ العامِلِ فلِتَعذُّرِ العَملِ مِنْ جِهَتِه.
وَلَه ثَلاثُ حالاتٍ:
الحالةُ الأُولَى: أنْ يَموتَ صاحِبُ النَّخلِ والثَّمرةُ بُسْرٌ أخضَرُ، فلِلعاملِ
стр. 5341
أنْ يَقومَ عليه، كَما كانَ يَقومُ قبلَ ذلك إلى أنْ يُدرِكَ، ولَو كَرِهَ ذلك وَرثَتُه؛ لأنَّ في ذلك دَفعَ الضَّررِ عن العامِلِ مِنْ غيرِ إضرارٍ بالوَرثةِ؛ فإنْ رَضيَ العامِلُ بالضَّررِ بأنْ قالَ: أنا آخُذُ نَصيبي بُسْرًا أخضَرَ، فالوَرثةُ بالخِيارِ بينَ ثَلاثةِ أشياءَ:
١ - إنْ شاؤُوا صَرَموه وقَسَّموه.
٢ - وإنْ شاؤُوا أعطَوْه قيمةَ نَصيبِه.
٣ - وإنْ شاؤُوا أنفَقوا على البُسْرِ حتى يَبْلُغَ، ورَجَعوا بما أنفَقوا في حِصَّةِ العامِلِ.
الحالة الثَّانيةُ: أنْ يَموتَ العامِلُ والثَّمرةُ بُسْرٌ أخضَرُ، فلِوَرثَتِه أنْ يَقوموا عليه، وإنْ كَرِهَ صاحِبُ النَّخلِ؛ لأنَّ فيه النَّظَرَ مِنْ الجانبيْنِ، وإنْ أرادوا أنْ يَصرِموه بُسْرًا، كانَ صاحِبُ النَّخلِ بينَ الخياراتِ الثَّلاثةِ التي ذَكَرْناها.
الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يَموتا جَميعًا، فالخيارُ لِوَرثةِ العامِلِ؛ لِقيامِهم مَقامَه، فإنْ أبَى وَرثةُ العامِلِ أنْ يَقوموا عليه، كانَ الخيارُ لِوَرثةِ صاحِبِ النَّخلِ على ما بيَّنَّا (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَنفَسِخُ عَقدُ المُساقاةِ بالمَوتِ، كالفَلَسِ، فكما لا يَنفَسِخُ بالفَلَسِ لا يَنفَسِخُ بالمَوتِ؛ لأنَّ المُساقاةَ؛ كالكِراءِ، لا تَنفَسِخُ بمَوتِ المُتكارِيَيْنِ (٢).
стр. 5342
وأمَّا الشافِعيَّةُ ففَرَّقوا بينَ مَوتِ مالِكِ الشَّجرِ ومَوتِ العامِلِ، فقالوا: ولَو ماتَ مالِكُ الشَّجرِ في أثناءِ المدَّةِ لَم تَنفَسِخِ المُساقاةُ؛ لأنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فلا تَبطُلُ بالمَوتِ؛ كالبَيعِ والإجارةِ، بَلْ يَستَمِرُّ العامِلُ ويَأخُذُ نَصيبَه إنْ حُصِّلَتِ الثَّمرةُ، فيُقاسِمُ العامِلُ وَرثةَ ربِّ النَّخيلِ كَما كانَ يُقاسِمُ ربَّ النَّخيلِ.
وإنْ ماتَ العامِلُ فإنْ كانَتِ المُساقاةُ على عَيْنِه انفَسخَتْ بمَوتِه؛ كالأجيرِ المُعيَّنِ.
وإنْ كانَتْ على الذِّمةِ فوَجهانِ: أحَدُهما تَنفَسِخُ؛ لأنَّه لا يُرضي بيَدِ غَيرِه.
والثَّاني: وهو الصَّحيحُ، وعليه التَّفريعُ، لا تَنفَسِخُ؛ كالإجارةِ؛ لأنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فلا تَبطُلُ بالمَوتِ؛ كالبَيعِ والإجارةِ، بَلْ يُنظَرُ:
أ- إنْ خَلَّفَ العامِلُ تَرِكةً تَمَّمَ وارِثُه العَملَ، بأنْ يَستَأجِرَ مَنْ يَعمَلُ، وإلَّا فإنْ أتَمَّ العَملَ بنَفْسِه أو استَأجَرَ مِنْ مالِه مَنْ يُتِمُّ، فعلى المالِكِ تَمكينُه إنْ كانَ أمينًا مُهتَديًا إلى أعمالِ المُساقاةِ، ويُسَلِّمُ له المَشروطَ، وإنْ أبَى لَم يُجبَرْ عليه، على الصَّحيحِ.
وَقيلَ: يُجبَرُ؛ لأنَّه خَليفَتُه، وهو شاذٌّ؛ لأنَّ مَنافِعَه لِنَفْسِه، وإنَّما يُجبَرُ على أداءِ ما على المُورِّثِ مِنْ تَرِكَتِه، لَكِنْ لَو خَلَّفَ تَرِكةً وامتَنَعَ الوارِثُ مِنْ الِاستِئجارِ مِنها استَأجَرَ الحاكِمُ.
ب- وإنْ لَم يُخلِّفْ تَرِكةً لَم يُستَقرَضْ على المَيِّتِ؛ لأنَّ ذِمَّتَه خَرِبَتْ، بخِلافِ الحَيِّ إذا هَرَبَ (١).
стр. 5343
وأمَّا الحَنابِلةُ فعلى المَذهبِ عِندَهم أنَّ المُساقاةَ عَقدٌ جائِزٌ، وليسَ بلازِمٍ؛ فإنَّها تَنفَسِخُ بمَوتِ كلِّ واحِدٍ مِنهما، وجُنونِه، والحَجْرِ عليه؛ لِسَفَهٍ، فإذا ماتَ العامِلُ أو ربُّ المالِ انفَسخَتِ المُساقاةُ، فكانَ الحُكمُ فيها كَما لَو فَسخَها أحَدُهما على ما أسلَفْناه.
وعلى القَولِ بلُزومِها لَم يَنفَسِخِ العَقدُ بمَوتِ أحَدِهِما، ويَقومُ الوارِثُ مَقامَ المَيِّتِ مِنهما؛ لأنَّه عَقدٌ لَازِمٌ، فأشبَهَ الإجارةَ.
وعلى المَذهبِ الأولِ إنْ كانَ المَيِّتُ العامِلَ، فأبَى وارِثُه القيامَ مَقامَه، لَم يُجبَرْ؛ لأنَّ الوارِثَ لا يَلزَمُه مِنْ الحُقوقِ التي على مُورِّثِه إلَّا ما أمْكَنَ دَفْعُه مِنْ تَرِكَتِه، والعَملُ لَيسَ ممَّا يُمكِنُ ذلك فيه، فعلى هذا يَستَأجِرُ الحاكِمُ مِنْ التَّرِكةِ مَنْ يَعمَلُ العَملَ؛ فإنْ لَم تكُنْ له تَرِكةٌ، أو تَعذَّرَ الِاستِئجارُ مِنها، فلربِّ المالِ الفَسخُ؛ لأنَّه تَعذَّرَ استيفاءُ المَعقودِ عليه؛ فيثبُتُ الفَسخُ، كَما لَو تَعذَّرَ ثَمنُ المَبيعِ قبلَ قَبضِه.
ثم إنْ كانَتِ الثَّمرةُ قد ظَهرَتْ بِيعَ مِنْ نَصيبِ العامِلِ ما يَحتاجُ إليه لِأجرِ ما بَقيَ مِنْ العَملِ، واستُؤجِرَ مَنْ يَعمَلُ ذلك، وإنِ احتِيجَ إلى بَيعِ الجَميعِ بِيعَ، ثم لا يَخلُو:
إمَّا أنْ تَكونَ الثَّمرةُ قد بَدا صَلاحُها، أو لَم يَبْدُ؛ فإنْ كانَتْ قد بَدا صَلاحُها خُيِّرَ المالِكُ بينَ البَيعِ والشِّراءِ؛ فإنِ اشترَى نَصيبَ العامِلِ جازَ، وإنِ اختارَ بَيعَ نَصيبِه أيضًا باعَه، وباعَ الحاكِمُ نَصيبَ العامِلِ، وإنْ أبَى البَيعَ والشِّراءَ باعَ الحاكِمُ نَصيبَ العامِلِ وَحدَه، وما بَقيَ على العامِلِ مِنْ العَملِ يَكتَري عليه مَنْ يَعمَلُه، وما بَقيَ فلِوَرثَتِه.
стр. 5344
وإنْ كانَ لَم يَبْدُ صَلاحُها خُيِّرَ المالِكُ أيضًا، فإنْ بِيعَ لِأجنَبيٍّ لَم يَجُزْ إلَّا بشَرطِ القَطعِ، ولا يَجوزُ بَيعُ نَصيبِ العامِلِ وَحدَه؛ لأنَّه لا يُمكِنُه قَطعُه إلَّا بقَطعِ نَصيبِ المالِكِ، فيَقِفُ إمكانُ قَطعٍ على قَطعِ مِلْكِ غَيرِه.
وَهَل يَجوزُ شِراءُ المالِكِ لَها على وجهيْنِ، وهَكَذا الحُكمُ إذا انفَسخَتِ المُساقاةُ بمَوتِ العامِلِ؛ لِقَولِنا بجَوازِها، وأبَى الوارِثُ العَملَ.
وَإنِ اختارَ ربُّ المالِ البَقاءَ على المُساقاةِ لَم تَنفَسِخْ، إذا قُلْنا بلُزومِها، ويُستَأذَنُ الحاكِمُ في الإنفاقِ على الثَّمرةِ ويَرجِعُ بما أنفَقَ؛ فإنْ عَجَزَ عن استِئذانِ الحاكِمِ فأنفَقَ مُحتَسِبًا بالرُّجوعِ وأشهَدَ على الإنفاقِ بشَرطِ الرُّجوعِ رَجعَ بما أنفَقَ؛ لأنَّه مُضطَرٌّ، وإنْ أمكَنَه استِئذانُ الحاكِمِ فأنفَقَ بنِيَّةِ الرُّجوعِ مِنْ غيرِ استِئذانِه، فهَل يَرجِعُ بذلك؟ على وجهيْنِ بِناءً على ما إذا قَضَى دَيْنَه بغَيرِ إذْنِه.
وإنْ تَبرَّعَ بالإنفاقِ لَم يَرجِعْ بشَيءٍ، كَما لَو تَبرَّعَ بالصَّدَقةِ، والحُكمُ فيما إذا أنفَقَ على الثَّمرةِ بعدَ فَسخِ العَقدِ إذا تَعذَّرَ بَيعُها كالحُكمِ ههُنا سَواءٌ (١).
ثانيًا: مُضيُّ المدَّةِ:
قالَ الحَنفيَّةُ: إذا انقَضَتْ مدَّةُ المُعامَلةِ والخارِجُ بُسْرٌ أخضَرُ فالعامِلُ بالخيارِ:
أ- فإنْ شاءَ عَمِلَ على ما كانَ يَعمَلُ حتى يَبلُغَ الثَمرَ، ويَكونُ بَينَهما؛
стр. 5345
لأنَّ في الأمرِ بالجِذاذِ قبلَ الإدراكِ إضرارًا بِهِما، والضَّررُ مَدفوعٌ، كَما في المُزارَعةِ، وإنْ شاءَ تَركَ.
ب- فإنِ اختارَ المُضِيَّ في العَملِ فلا أجْرَ على العامِلِ؛ لأنَّ استِئجارَ النَّخيلِ لِتَركِ الثِّمارِ عليها إلى وَقتِ الإدراكِ باطِلٌ.
بِخِلافِ المُزارَعةِ، إذا اختارَ العامِلُ التَّركَ فعليه نِصفُ أجْرِ مِثلِ الأرضِ؛ لأنَّ استِئجارَ الأرضِ صَحيحٌ؛ فيَنعَقِدُ بَينَهما عَقدُ الإجارةِ على نِصفِ الأرضِ إلى وَقتِ الإدراكِ.
ج- العَملُ كلُّهُ على العامِلِ في المُساقاةِ؛ لِعَدَمِ وُجوبِ الأُجرةِ عليه لِصاحِبِ الشَّجرِ، بخِلافِ المُزارَعةِ؛ فإنَّ العَملَ فيها يَجِبُ عليهما بحَسَبِ مِلكَيْهِما؛ لأنَّه لَمَّا وجبَ على العامِلِ مِنْ أجْرِ الأرضِ بنِسبةِ نَصيبِه مِنْ الخارِجِ، وجبَ على المالِكِ عَملُ مِثلِ نِسبةِ نَصيبِه مِنْ الخارِجِ؛ لأنَّ بانتِهاءِ العَقدِ أصبَحَ الزَّرعُ مالًا مُشترَكًا بَينَهما (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: إنِ انقَضَتِ المدَّةُ وعَلَى النَّخيلِ طَلْعٌ أو بَلَحٌ فلِلعاملِ حِصَّتُه مِنه، وعَلَى المالِكِ التَّعَهُّدُ إلى الجِدادِ، وفي قَولٍ: التَّعَهُّدُ عليهما؛ لأنَّ الثَّمرةَ مُشترَكةٌ بَينَهما.
وَلا يَلزَمُ العامِلَ أُجرةٌ لِتَبقيةِ حِصَّتِه على الشَّجرِ إلى حِينِ الإدراكِ؛ لأنَّه يَستَحقُّها ثَمرةً مُدرَكةً بحُكمِ العَقدِ.
стр. 5346
وإنْ أدرَكَ الثَّمرُ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ لَزِمَ العامِلَ أنْ يَعمَلَ البَقيَّةَ بلا أُجرةٍ؛ فإنْ لَم يَحدُثِ الثَّمرُ إلَّا بعدَ المدَّةِ فلا شَيءَ لِلعاملِ.
وإنْ ساقاه عَشرَ سِنينَ، فانقَضَتِ العَشرُ، ثم طَلَعتِ الثَّمرةُ فلا حَقَّ لِلعاملِ فيها؛ لأنَّها حادِثةٌ بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ، وإنْ طَلَعتْ في آخِرِ العَشرِ ملكَ العامِلُ جُزءًا مِنها؛ لأنَّها حَدَثَتْ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ (١).
ثالثًا: الاستِحقاقُ:
قالَ الحَنفيَّةُ: إذا استُحِقَّ الشَّجرُ المُساقَى عليه، وفَسخَ المُستَحِقُّ المُساقاةَ تَنفَسِخُ، وفي هذه الصُّورةِ يُنظَرُ:
فإذا كانَ الاستِحقاقُ حَصَلَ بعدَ ظُهورِ الثَّمرِ، فلِلعاملِ أجْرُ مِثلِه مِنْ صاحِبِ الشَّجرِ.
وإذا كانَ قبلَ ظُهورِ الثَّمرِ فلا يأخُذُ العامِلُ شَيئًا (٢).
وقالَ المالِكيَّةُ: الظَّاهِرُ أنَّه إذا استُحِقَّ الحائِطُ بعدَ عَقدِ المُساقاةِ فيه، خُيِّرَ المُستَحِقُّ بينَ إبقاءِ العَملِ وفَسخِ عَقدِه؛ لِكَشفِ العَيبِ أنَّ العاقِدَ له غيرُ مالِكٍ، وحينئذٍ يَدفَعُ له أُجرةَ عَملِه، ولو بِيعتِ الحائِطُ ولم يَعلَمِ المُشتَري أنَّه مُساقًى عليه إلَّا بعدَ الشِّراءِ، لم يَثبُتْ له خِيارٌ، بخِلافِ مَنِ اشترَى دارًا ثم عَلِمَ بعدَ الشِّراءِ أنَّ بائِعَها قد آجَرَها مدَّةً قبلَ البَيعِ؛
стр. 5347
فإنَّه عَيبٌ يُوجِبُ له الخِيارَ، فإنْ شاءَ رَضيَ بذلك، وإنْ شاءَ رَدَّ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: ولَو خَرجَ الثَّمرُ بعدَ العَملِ مُستحَقًّا لِغَيرِ المُساقِي، كَأنْ أوْصَى بثَمنِ الشَّجرِ المُساقَى عليه، أو خَرجَ الشَّجرُ مُستحَقًّا، فلِلعاملِ على المُساقي أُجرةُ المِثلِ لِعَملِهِ؛ لأنَّه فَوَّتَ مَنافِعَه بعِوَضٍ فاسِدٍ؛ فيَرجِعُ ببَدَلِها، كَما لَوِ استَأجَرَ رَجُلًا لِلعَملِ في مَغصوبٍ، فعَمِلَ جاهِلًا، هذا إذا عَمِلَ جاهِلًا بالحالِ؛ فإنْ عَلِمَ الحالَ فلا شَيءَ لَه، وكَذا إذا كانَ الخُروجُ قبلَ العَملِ.
وَقيلَ: لا أُجرةَ؛ لأنَّه الذي أتلَفَ مَنفَعةَ نَفْسِه، وكَما لَو فاتَتِ الثِّمارُ بجائِحةٍ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ ساقاه على شَجرٍ فبانَ مُستحَقًّا بعدَ العَملِ أخَذَه رَبُّه وثَمرَتَهُ؛ لأنَّه عَيْنُ مالِه، ولا حَقَّ لِلعاملِ في ثَمرَتِه؛ لأنَّه عَمِلَ فيها بغَيرِ إذْنِ مالِكِها، ولا أجْرَ له عليه لِذلك، ولَه أجْرُ مِثلِه على الغاصِبِ؛ لأنَّه غَيرُه، واستَعمَلَه، فلَزِمَه الأجرُ، كَما لَو غَصَبَ نَقرةً، فاستَأجَرَ مَنْ ضَرَبَها دَراهِمَ، وإنْ شَمَّسَ الثَّمرةَ فلَم تَنقُصْ، أخَذَها رَبُّها، وإنْ نَقَصَتْ فلربِّها أرْشُ نَقْصِها، ويَرجِعُ به على مَنْ شاءَ مِنهما، ويَستقِرُّ ذلك على الغاصِبِ، وإنِ استُحِقَّتْ بعدَ أنِ اقتَسَماها وأكَلاها فلربِّها تَضمينُ مَنْ شاءَ مِنهما، فإنْ ضَمِنَ فلَه تَضمينُه الكلَّ، ولَه تَضمينُه قَدْرَ نَصيبِه، ويَضمَنُ العامِلُ قَدْرَ نَصيبِه، لأنَّ
стр. 5348
الغاصِبَ سَبَبُ يَدِ العامِلِ، فلَزِمَه ضَمانُ الجَميعِ؛ فإنْ ضَمَّنَه الكلَّ رَجعَ على العامِلِ بقَدْرِ نَصيبِه؛ لأنَّ التَّلَفَ وُجِدَ في يَدِه، فاستَقرَّ الضَّمانُ عليه، ويَرجِعُ العامِلُ على الغاصِبِ بأجْرِ مِثلِه، قالَ ابنُ قُدامةَ: ويُحتَمَلُ ألَّا يَرجِعَ الغاصِبُ على العامِلِ بشَيءٍ؛ لأنَّه غرَّه؛ فلَم يَرجِعْ عليه، كَما لَو أطعَم إنسانًا شَيئًا، وقالَ لَهُ: كُلْه؛ فإنَّه طَعامي، ثم تَبيَّنَ أنَّه مَغصوبٌ، وإنْ ضَمِنَ العامِلُ احتَمَلَ أنَّه لا يُضَمِّنُه إلَّا نَصيبَه خاصَّةً؛ لأنَّه ما قَبَضَ الثَّمرةَ كلَّها، وإنَّما كانَ مُراعيًا لَها وحافِظًا؛ فلا يَلزَمُه ضَمانُها، ما لَم يَقبِضْها، ويُحتَمَلُ أنْ يُضَمِّنَه الكلَّ؛ لأنَّ يَدَه ثبَتَتْ على الكلِّ مُشاهَدةً بغَيرِ حَقٍّ؛ فإنْ ضَمَّنَه الكلَّ رَجعَ العامِلُ على الغاصِبِ ببَدَلِ نَصيبِه مِنها وأجْرِ مِثلِه، وإنْ ضَمِنَ كلُّ واحِدٍ مِنهما ما صارَ إليه رَجعَ العامِلُ على الغاصِبِ بأجْرِ مِثلِه لا غَيرُ.
وإنْ تَلِفَتِ الثَّمرةُ في شَجرِها أو بعدَ الجِذاذِ قبلَ القِسمةِ فمَن جعلَ العامِلَ قابِضًا لَها بثُبوتِ يَدِه على حائِطِها قالَ: يَلزَمُه ضَمانُها، ومَن جعلَه لا يَكونُ قابِضًا إلَّا بأخْذٍ نَصيبِه مِنها قالَ: لا يَلزَمُه الضَّمانُ، ويَكونُ على الغاصِبِ (١).
رابِعًا: تَصرُّفُ المالِكِ:
المَقصودُ بتَصرُّفِ المالِكِ هو بَيْعُ المالِكِ الحَديقةَ المُساقَى عليها في المدَّةِ.
قالَ الشافِعيَّةُ: بَيعُ المالِكِ شَجرَ المُساقاةِ قبلَ خُروجِ الثَّمرِ لا يَصحُّ؛ لأنَّ لِلعاملِ حَقًّا فيها، فكَأنَّ المالِكَ استَثنَى بَعضَها.
стр. 5349
وأمَّا بَعدَه فصَحيحٌ، ويَكونُ العامِلُ مع المُشتَرِي كَما كانَ مع البائِعِ، وليسَ لِلبائِعِ بَيعُ نَصيبِه مِنْ الثَّمرةِ وَحدَها، بشَرطِ القَطعِ؛ لِتَعذُّرِ قَطعِه؛ لِشُيوعِه (١).
وقالَ أبو جَعفَرٍ الطَّبَريُّ ﵀: وأخبَرَني يُونُسُ عن ابنِ وَهبٍ عنه قالَ: سُئِلَ مالِكٌ عن الرجُلِ يَبتاعُ الأرضَ وقد ساقاها صاحِبُها رَجُلًا قبلَ ذلك بسِنينَ، فقالَ المُساقِي: أنا أحَقُّ به، وليس له أنْ يُخرِجَني، فقالَ: ليس له أنْ يُخرِجَه حتى يَفرُغَ مِنْ سِقائِه، إلَّا أنْ يَتراضَيَا (٢).
خامِسًا: الفَسخُ بالإقالةِ:
نَصَّ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ على أنَّ المُساقاةَ تَنفَسِخُ بالإقالةِ؛ لأنَّ المُساقاةَ مُشتَمِلةٌ على الإجارةِ، والشَّرِكةِ، وكلُّ واحِدٍ منهما قابِلٌ لِصَريحِ الفَسخِ والإقالةِ (٣).
قالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ أنْ يَتقايَلَ العامِلُ مع ربِّ الحائِطِ هَدرًا، أي: مِنْ غيرِ شَيءٍ يَأخُذُه أحَدُهما مِنْ الآخَرِ.
وإنْ وَقَع التَّقايُلُ على شَيءٍ يَدفَعُه ربُّ الحائِطِ لِلعاملِ، فظاهِرُ المُدوَّنةِ المَنعُ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ بجُزءٍ مُسمًّى، كَرُبُعٍ، أو لا، كَوَسقٍ، كانَ التَّقايُلُ
стр. 5350
قبلَ العَملِ أو بَعدَهُ؛ لأنَّه إنْ وقعَ على عِوَضٍ فهو إمَّا بَيعٌ لِلثَّمرِ قبلَ زَهوِه، إنْ أثمَرَ النَّخلُ، وإمَّا مِنْ بابِ أكْلِ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ إنْ لَم يُثمِرْ، فقَد أكَلَ العامِلُ ما أخَذَه باطِلًا؛ إذْ لَم يَعُدْ على رَبِّه نَفْعٌ.
والمَذهَبُ قولُ ابنِ رُشدٍ: إنَّه إنْ كانَ بجُزءٍ مُسمًّى مِنْ الثَّمرةِ ولَم تَطِبْ، جازَ، وإنْ تَقايَلَا قبلَ العَملِ اتِّفاقًا؛ لأنَّه هِبةٌ مِنْ ربِّ الحائِطِ لِلعاملِ، وأمَّا بعدَ العَملِ فأجازَه ابنُ القاسِمِ، ومَنَعَه أصبَغُ، كَما لَو طابَتِ الثَّمرةُ أو كانَ الجُزءُ غيرَ مُسمًّى؛ لِاتِّهامِ ربِّ الحائِطِ على استِئجارِ العامِلِ تلك الأشهُرِ بسُدُسٍ مِنْ ثَمرِ الحائِطِ إنْ كانَتِ الإقالةُ عليه، فصارَتِ المُساقاةُ دُلسةً بَينَهما، وصارَ فيه بَيعُ الثَّمرةِ بالعَملِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها.
وأمَّا إنْ كانَ التَّقايُلُ بالدَّراهِمِ ونَحوِها، فلا نَصَّ إلَّا ما يُفهَمُ مِنْ المُدوَّنةِ مِنْ المَنعِ، كَما يَقولُ الدَّرديرُ (١).
قالَ الشافِعيَّةُ: تَصحُّ الإقالةُ في المُساقاةِ، ولا شَيءَ لِلعاملِ مِنْ الثَّمرِ إنْ كانَ، ولا يَلزَمُ المالِكَ رَدُّ ما انقَطَعَ، ولَو تَلِفَ بقَطعِه الثَّمرُ، أو بجائِحةٍ، أو نَحوِ غَصبٍ؛ لَزِمَ العامِلَ إتمامٌ؛ وإنْ تَضرَّرَ به، ولا شَيءَ لَه، ولَو تَلِفَ بَعضُ الثَّمرِ بذلك خُيِّرَ العامِلُ، فإنْ فَسخَ فلا شَيءَ لَه، وإنْ أجازَ أتَمَّ العَملَ، ولَه حِصَّتُه ممَّا بَقيَ؛ وإنَّما لَم يَنفَسِخْ في تَلَفِ الكلِّ؛ لأنَّه لَم يَبقَ ما يُرجَى بَقاؤُه لِأجْلِه، ولَم يَثِقْ أحَدُهما بيَدِ صاحِبِه، وبَدَا صَلاحُ الثَّمرِ، فلَه خَرْصُه، وتَعيينُ
стр. 5351
حِصَّةِ الآخَرِ، كَما في الزَّكاةِ، ولَهُما بعدَ أوانِ الجِذاذِ القِسمةُ، إنْ قُلْنا: إفرازٌ، ولِكُلٍّ بَيعُ حِصَّتِه لِلآخَرِ، ولِلثَّالث، واختِلافُهما في قَدْرِ المَشروطِ مِنْ الثَّمرِ، وفي الرَّدِّ وفي الهَلاكِ وفي قَدْرِ الشَّجرِ المُساقَى عليه. كَما في القِراضِ، فيَتَحالَفانِ في الأولِ، ويُصَدَّقُ العامِلُ في غَيرِهِ (١).
سادِسًا: الفَسخُ بالعُذرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هَلْ يَجوزُ فَسخُ المُساقاةِ بالعُذرِ أو لا يَجوزُ؟
فذهبَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في الجُملةِ إلى أنَّه يَجوزُ فَسخُ المُساقاةِ بالعُذرِ.
وَمَنَعَ مِنْ ذلك الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ.
العُذرُ الأولُ: إذا كانَ العامِلُ سارِقًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في العامِلِ إذا كانَ سارِقًا ومَعروفًا بالسَّرِقةِ هَلْ هذا يُجيزُ فَسخَ المُساقاةِ أو لا؟
فذهبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّ هذا عُذرٌ، قالوا: تُفسَخُ المُساقاةُ ببَعضِ الأعذارِ، كَما تُفسَخُ الإجارةُ، وذلك إذا كانَ العامِلُ سارِقًا أو مَعروفًا بالسَّرِقةِ وخيفَ مِنْ سَرِقَتِه لِلحاصِلاتِ ومُنقَطِعةِ الأغصانِ وسَرِقَتِها؛ فلِصاحِبِ الشَّجرِ فَسخُ المُساقاةِ؛ دَفعًا لِلضَّررِ عن المالِكِ؛ لأنَّه يَلحَقُه بالسَّرِقةِ ضَرَرٌ (٢).
стр. 5352
وقالَ المالِكيَّةُ: مَنْ ساقَى شَخصًا حائِطَه، أو أكراه دارَه، ثم وَجَدَه سارِقًا يُخشَى منه في الأولِ على الثَّمرةِ أوِ الزَّرعِ، وفي الثَّاني على الأبوابِ مثلًا؛ فإنَّ العُقدةَ في المُساقاةِ وفي الكِراءِ لا تَنفَسِخُ لِأجلِ ذلك، وعَلَى ربِّ الحائِطِ أو ربِّ المَنزِلِ أنْ يَتحَفَّظَ مِنه؛ فإنْ لَم يَقدِرْ على التحَفُّظِ منه فإنَّه يُكرِي عليه الحاكِمُ المَنزِلَ ويُساقِي عليه الحائِطَ.
ثم إنْ كانَ الجُزءُ المُتفَقُ على العامِلِ الثَّاني أقَلَّ مِنْ الأولِ أو أكثَرَ؛ فالزِّيادةُ لَه، والنَّقصُ عليه.
وَإنَّما لَم تُفسَخِ المُساقاةُ إذا كانَ العامِلُ لِصًّا أو ظالِمًا ولَم يُمنَعْ، ولَكِنْ يُتحَفَّظُ مِنه؛ لأنَّ عَقدَ المُساقاةِ قد لَزِمَ، وكَونُ العامِلِ سارِقًا فِسْقٌ، لَم يُوجِبْ فَسخَ العَقدِ، كَما لَو فَسَقَ بغَيرِ السَّرِقةِ، ولأنَّ ذلك لا يُوجِبُ تَعذُّرَ السَّقْيِ، ولا مَنْعَ القيامِ على الثَّمرةِ، وإنَّما يَقتَضي ضَرَرًا ولا يَمنَعُ استِيفاءَ المَنافِعِ فلا يُفسَخُ لِأجْلِه السَّقيُ، أصْلُه إذا كانَ ظالِمًا وانتَصَفَ مِنْ مُعامَلَتِه، ولأنَّ مَنْ أكْرَى رَجُلًا دارًا فوَجَدَه يُنَقِّبُ ويَسرِقُ لَم يَجُزْ له فَسْخُ الكِراءِ، وقيلَ لَه: تحَفَّظْ مِنه، فكذلك المُساقاةُ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا ادَّعَى المالِكُ على العامِلِ السَّرِقةَ والخِيانةَ في الثَّمرِ أو السَّعَفِ، لا يُقبَلُ، حتى يُبيِّنَ قَدْرَ ما خانَ فيه، ويُحَرِّرَ الدَّعوَى، فإذا حرَّرَها وأنكَرَ العامِلُ؛ فالقولُ قولُ العامِلِ مع يَمينِه.
стр. 5353
فَإنْ ثبَتَتْ خِيانةُ العامِلِ في المُساقاةِ بإقرارِه أو ببيِّنةٍ أو يَمينٍ مَردودةٍ، ضُمَّ إليه مُشرِفٌ إلى أنْ يَتمَّ العَملُ، ولا تُزالُ يَده؛ لأنَّ العَملَ حَقٌّ عليه، ويُمكِنُ استيفاؤُه منه بهذه الطَّريقةِ، فتَعيَّنَ سُلوكُها جَمعًا بينَ الحَقَّيْنِ، وأُجرةُ المُشرِفِ عليه.
نَعَمْ لَو لَم تَثبُتِ الخِيانةُ، ولَكِنِ ارتابَ المالِكُ فيهِ؛ فإنَّه يُضَمُّ إليه مُشرِفٌ وأُجرَتُه حينئذٍ على المالِكِ.
فَإنْ لَم يَتحَفَّظْ بالمُشرِفِ أُزيلَتْ يَده بالكُليَّةِ واستُؤجِرَ عليه مِنْ مالِ العامِلِ مَنْ يُتِمُّ العَملَ، فتَعذَّرَ استيفاءُ العَملِ الواجِبِ عليه مِنه، والقُدرةُ عليه بهذه الطَّريقةِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: العامِلُ أمينٌ، والقولُ قولُه فيما يدَّعيه مِنْ هَلاكٍ، وما يُدَّعَى عليه مِنْ خِيانةٍ؛ لأنَّ ربَّ المالِ ائتَمَنَه بدَفعِ مالِه إلَيه، فهو كالمُضارِبِ، فإنِ اتُّهِمَ حلَف، فإنْ ثبَتَتْ خِيانَتُه بإقرارٍ، أو ببيِّنةِ، أو نُكولِه، ضُمَّ إليه مَنْ يُشرِفُ عليه؛ فإنْ لَم يُمكِنْ حِفظُه استُؤجِرَ مِنْ مالِه مَنْ يَعمَلُ عَملَه (٢).
العُذرُ الثَّاني: مَرَضُ العامِلِ وعَجزُه عن العَملِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في العامِلِ في المُساقاةِ إذا عَجَزَ عن العَملِ لِمَرَضٍ، أو لِكِبَرٍ أو لِسَفَرٍ أو لِغَيرِ ذلك، هَلْ تَنفَسِخُ المُساقاةُ بهذا أو لا؟
فذهبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّها تَنفَسِخُ بعُذرِ المَرَضِ والعَجزِ عن العَملِ،
стр. 5354
قالوا: تُفسَخُ المُساقاةُ إذا مَرِضَ العامِلُ قبلَ إدراكِ الثَّمرِ، وعَجَزَ عن العَملِ، فتُفسَخُ المُساقاةُ؛ لأنَّه يَلحَقُه ضَرَرٌ بإلزامِه مَنْ يَعمَلُ بالأُجرةِ، وقَيَّدْنا بكَونِه قبلَ الإدراكِ؛ لأنَّه بَعدَه تَكونُ انتَهَتِ المُعامَلةُ؛ فلا يُمكِنُ الفَسخُ، ولَو أرادَ تَركَ العَملِ لَم يُمكِنْ، في الصَّحيحِ.
وَكَذا إذا أرادَ العامِلُ السَّفَرَ وفَسْخَ المُساقاةِ، تَنفَسِخُ (١).
وَذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في الجُملةِ إلى أنَّها لا تَنفَسِخُ بهذا على تَفصيلٍ عِندَهم.
قالَ المالِكيَّةُ: إذا عَجَزَ العامِلُ في المُساقاةِ مِنْ عَملِها بمانِعٍ طَرَأَ لَه، أو غيابٍ، بأنْ سافَرَ، فلا يَخلو عَجزُه؛ إمَّا أنْ يَكونَ بعدَ بُدُوِّ صَلاحِ الثَّمرةِ وجَوازِ بَيعِها، أو قبلَ ذلك:
فَإنْ كانَ عَجزُه بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ؛ فإنَّه يُباعُ حَظُّه مِنْ الثَّمرةِ ويُستَأجَرُ بثَمنِه مَنْ يُكمِلُ العَملَ؛ فإنْ كانَ هناك فَضلٌ كانَ لَه، وإنْ كانَ هناك نُقصانٌ أُتْبِعَ به.
وإنْ كانَ عَجْزُ العامِلِ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ؛ فإنْ وُجِدَ مَنْ يَقومُ مَقامَه فلا إشكالَ، وإنْ لَم يُوجَدْ فلا شَيءَ لِلعاملِ، ونَفَقَتُه وخِدمَتُه مُلغاةٌ، ويُعطيه إلى رَبِّه هَدَرًا بلا شَيءٍ، ولا يَجوزُ أنْ يُعطَى له ثَمنٌ في نَصيبِه مِنْ الثَّمرةِ؛ لأنَّه مِنْ بَيعِ الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها.
стр. 5355
وقالَ اللَّخميُّ ﵀: لِلمُساقِي أنْ يُساقيَ غَيرَه، عَجَزَ أو لَم يَعجِزْ؛ لأنَّ العَملَ في الذِّمةِ، ويَجوزُ أنْ يَدفَعَه لِأمينٍ، وإنْ لَم يكُنْ مِثلَه في الأمانةِ؛ فإنْ عَجَزَ ولَم يَجِدْ مَنْ يَأخُذُه إلَّا بمِثلِ الجُزءِ الأولِ، كانَ صاحِبُ المالِ بالخيارِ بينَ أنْ يُساقَى على ذلك، أو يَرُدَّ إليه ويَكونَ أحَقَّ بما يُساقِي غَيرَه. انتَهَى.
وَإذا عَجَزَ العامِلُ قبلَ الطِّيبِ، ولَم يَجِدْ أمينًا؛ فقالَ ربُّ الحائِطِ: أنا أستَأجِرُ مَنْ يَعمَلُ تَمامَ العَملِ، ويَبيعُ ما صارَ له مِنْ الثَّمرةِ، وأستَوْفِي ما أدَّيتَ، فإنْ فَضَلَ شَيءٍ فلَه، وإنْ نَقَصَ أُتْبِعُه، فيَنبَغي أنْ يَكونَ له ذلك؛ كَقَولِ ابنِ القاسِمِ في المُتزارِعَيْنِ يَعجِزُ أحَدَهُما بعدَ العَملِ وقَبلَ طِيبِ الزَّرعِ، قالَ: يُقالُ لِصاحِبِه: اعمَلْ؛ فإذا يَبِسَ الزَّرعُ واستَوفَيْتَ حَقَّكَ فما فَضَلَ فلَه، وما عَجَزَ اتَّبعْتَهُ به؛ لأنَّ العَملَ كانَ له لازِمًا، فكذلك هَذا (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: لَو هَرَبَ العامِلُ أو مَرِضَ أو عَجَزَ بغَيرِ ذلك قبلَ الفَراغِ مِنْ عَمِلَها، وأتَمَّه المالِكُ بنَفْسِه، أو مالِه، مُتبرِّعًا بالعَملِ، أو بمُؤنَتِه عن العامِلِ، بَقيَ استِحقاقُ العامِلِ؛ كَتَبَرُّعِ الأجنَبيِّ بأداءِ الدَّيْنِ، وكَذا لَو تَبرَّعَ عنه بحُضورِه، كانَ كذلك، أو تَبرَّعَ عنه بجَميعِ العَملِ، كانَ كذلك، وكَذا لَو فعلَه أجنَبيٌّ مُتبرِّعًا عن العامِلِ فكذلك سَواءٌ أجَهِلَه المالِكُ أم عَلِمَه، ولا يَلزَمُ المالِكَ إجابةُ الأجنَبيِّ المُتطوِّعِ.
стр. 5356
وإنْ لَم يُوجَدْ مُتبرِّعٌ استَأجَرَ الحاكِمُ عليه -بَعدَ رَفعِ الأمْرِ إليه وثُبوتِ كُلٍّ مِنْ المُساقاةِ وهَرَبِ العامِلِ، وتَعذُّرِ طَلَبِه، كَأنْ لَم يُعرَفْ مَكانُه- مَنْ يُتِمُّه مِنْ مالِ العامِلِ، ولَو كانَ مالُه عَقارًا، فإنْ لَم يكُنْ له مالٌ: فَإنْ كانَ بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ باعَ نَصيبَ العامِلِ كلَّه أو بَعضَه بحَسَبِ الحاجةِ، واستَأْجَرَ بثَمنِه، وإنْ كانَ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، سَواءٌ أظَهرَتِ الثَّمرةُ أم لا، اقتَرضَ عليه مِنْ المالِكِ أو أجنَبيٍّ أو بَيتِ المالِ، إنْ لَم يَجِدْ مَنْ يَعمَلُ بأُجرةٍ مُؤجَّلةٍ مدَّةَ إدراكِ الثَّمرِ؛ لِتَعذُّرِ بَيعِ بَعضِه وَحدَه؛ لِلحاجةِ إلى شَرطِ قَطْعِه، وتَعذُّرِه في الشَّائِعِ، واستَأْجَرَ بما اقتَرضَه ويَقضيه العامِلُ بعدَ زَوالِ المانِعِ، أو يَقضيه الحاكِمُ مِنْ نَصيبِه مِنْ الثَّمرةِ بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ؛ فإنْ وُجِدَ العَملُ بذلك استَغنَى عن الِاقتِراضِ، وحَصَلَ الغَرَضُ.
وَلَوِ استَأْجَرَ الحاكِمُ المالِكَ أو أذِنَ له في الإنفاقِ، فأنفَقَ لِيَرجِعَ، رَجعَ كَما لَوِ اقتَرضَ مِنه، ومتى تَعذَّرَ الِاقتِراضُ وغَيرُه قبلَ خُروجِ الثَّمرةِ، وبَعدَ بُدُوِّ صَلاحِها لَم يَفسَخِ المالِكُ لِأجْلِ الشَّرِكةِ.
وَلا تُباعُ الثَّمرةُ بشَرطِ القَطعِ؛ لِتَعذُّرِ قَطْعِها لِلشُّيوعِ؛ إلَّا إنْ رَضيَ المالِكُ ببَيعِ الجَميعِ، فيَصحُّ البَيعُ.
وإنْ كانَ ذلك قبلَ خُروجِ الثَّمرةِ فلَه الفَسخُ، ولِلعاملِ أُجرةُ ما عَمِلَ.
وَكَذا يَستَأجِرُ الحاكِمُ أيضًا إذا كانَ العامِلُ حاضِرًا وامتَنَعَ مِنْ العَملِ.
فَإنْ لَم يَقدِرِ المالِكُ على مُراجَعةِ الحاكِمِ إمَّا لِكَونِه فَوقَ مَسافةِ العَدْوَى، أو حاضِرًا ولَم يُجِبْه إلى ما التَمَسَه، فليُشهِدْ على العَملِ بنَفْسِه، أو بالإنفاقِ إنْ أرادَ الرُّجوعَ بما يَعمَلُه أو يُنفِقُه؛ لأنَّ الإشهادَ حالَ العُذرِ
стр. 5357
كالحُكمِ، ويُصَرِّحُ في الإشهادِ بإرادةِ الرُّجوعِ، فإنْ لَم يُشهِدْ، كَما ذُكِرَ، فلا رُجوعَ لَه، وإنْ لَم يُمكِنْه الإشهادُ فلا رُجوعَ له أيضًا؛ لأنَّه عُذرٌ نادِرٌ.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ومتى أنفَقَ وأشهَدَ ثم اختَلفَ المالِكُ والعامِلُ في قَدْرِ النَّفَقةِ ففي المُصدَّقِ مِنهما احتِمالانِ لِلإمامِ، رَجَّحَ السُّبكيُّ مِنهما قَولَ المالِكِ. ولَم يُصَرِّحِ الشَّيخانِ بالمَسألةِ، وكَلامُهما في هَرَبِ الجِمالِ يَقتَضي تَصديقَ العامِلِ؛ فأنَّهما رَجَّحَا قَبولَ قَولِ الجَمَّالِ، وعَلَّلاه بأنَّ المُنفِقَ لَم يَستَنِدْ إلى ائتِمانٍ مِنْ جِهةِ الحاكِمِ؛ فيَكونُ هُنا كذلك (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إن عَجَزَ العامِلُ عن العَملِ، كضَعفِه مع أمانَتِه، ضُمَّ إليه قَويٌّ أمينٌ، ولا تُنزَعُ يَده؛ لأنَّ العَملَ مُستحَقٌّ عليه، ولا ضَرَرَ في بَقاءِ يَدِه، فإنْ عَجَزَ العامِلُ بالكُليَّةِ أقامَ العامِلُ مَقامَه مَنْ يَعمَلُ والأُجرةُ عليه في المَوضِعَيْنِ؛ لأنَّ عليه تَوفيةَ العَملِ، وهذا مِنْ تَوفِيَته (٢).
العُذرُ الثَّالث: الجائِحةُ في الحائِطِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا أُجيحَ الثَّمرُ أو بَعضُه، هَلْ تَنفَسِخُ المُساقاةُ أو لا؟
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: إذا أُجيحَ بَعضُ الحائِطِ سقطَ ما أُجيحَ منه إذا كانَ لا يُرجَى منه ثَمرةٌ، وما جُذَّ مِنْ النَّخلِ لَم يَلزَمْه سَقيُها، وعليه أنْ يَسقيَ ما لَم يَجُذَّ حتى يَجُذَّ، وإنْ جَذَّ غَيرُه قَبلَه.