الوُضوءَ ولا التَّيممَ لمَرضٍ ونَحوِه؛ فحُكمُه أنَّه تَسقطُ عنه الصَّلاةُ أداءً وقَضاءً كالحائِضِ.
حَكى هذا القَولَ عن مالِكٍ ابنُ خُوَيزِ مَندادَ وقال: إنَّه الصَّحيحُ من مَذهبِ مالِكٍ.
لكنْ تَعقَّبَ ذلك ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀ وقالَ: ما أعرِفُ كيف أقدَمَ على أنْ جعَلَ هذا هو الصَّحيحَ من المَذهبِ مع خِلافِه لجُمهورِ السَّلفِ وعامَّةِ الفُقهاءِ وجَماعةِ المالِكيةِ.
ثم قالَ: وهذا قَولٌ ضَعيفٌ مَهجورٌ شاذٌّ مَرغوبٌ عنه (١).
стр. 562
فصل في أَنواعِ النَّجاساتِ
النَّجاسةُ: ضدُّ الطَّهارةِ، وهي القَذارةُ، يُقالُ: تَنجَّسَ الشَّيءُ، صارَ نَجسًا، وتَلطَّخَ بالقَذرِ (١).
الأصلُ أنَّ كلَّ شَيءٍ طاهِرٌ، إلا أنَّ هناك أشياءَ نَصَّ الشَّرعُ على نَجاستِها، وبَيانُها فيما يَلي:
١ - غائِطُ الإِنسانِ وبَولُه:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على نَجاسةِ غائِطِ الإِنسانِ وبَولِه، واستدَلُّوا على ذلك بما يلي:
١ - بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا وَطِئَ أحدُكم بنَعلِه الأذَى؛ فإنَّ التُّرابَ له طَهورٌ» (٢).
٢ - وبما رَواه أبو سَعيدٍ الخُدريُّ ﵁: أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى فخلَعَ نَعلَيه فخلَعَ الناسُ نِعالَهم، قالَ: «لِمَ خلَعتُم نِعالَكم؟»،
стр. 563
قالوا: يا رَسولَ اللهِ، رأيناكَ خلَعتَ فخَلَعنا، قالَ: «إنَّ جِبرائيلَ أتاني فأخبَرَني أنَّ بهما خَبثًا -وفي رِوايةٍ: قَذرًا- فإذا جاءَ أحدُكم المَسجدَ فليَقلبْ نَعلَيه فليَنظرْ فيهما خَبثًا؛ فإنْ وجَدَ خَبثًا فليَمسَحْهما بالأرضِ، ثم ليُصلِّ فيهما» (١).
٣ - وبحَديثِ أنَسٍ أنَّ أعرابيًّا بالَ في المَسجدِ فقامَ إليه بعضُ القَومِ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «دَعوه ولا تُزرِموه»، قالَ: فلمَّا فرَغَ دَعا بدَلوٍ من ماءٍ فصَبَّه عليه (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فيه إِثباتُ نَجاسةِ بَولِ الآدَميِّ، وهو مُجمعٌ عليه، ولا فَرقَ بينَ الكَبيرِ والصَّغيرِ بإِجماعِ مَنْ يُعتدُّ به، لكنَّ بَولَ الصَّبيِّ يَكفي فيه النَّضحُ (٣).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقَ الفُقهاءُ على نَجاسةِ بَولِ ابنِ آدَمَ ورَجيعِه إلا بَولَ الصَّبيِّ الرَّضيعِ (٤).
стр. 564
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما خرَجَ من السَّبيلَينِ، كالبَولِ والغائِطِ والمَذيِ والوَديِ والدَّمِ وغيرِه، فهذا لا نَعلمُ في نَجاستِه خِلافًا (١).
وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على إِثباتِ نَجاسةِ البَولِ (٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: بَولُ الآدَميِّين نَجسٌ إِجماعًا، صَغيرًا كانَ أو كَبيرًا، ذكَرًا كانَ أو أُنثَى، لرِوايةِ الأعمَشِ عن أبي صالِحٍ عن أبي هُريرةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «أكثَرُ عَذابِ القَبرِ من البَولِ» ولولا أنَّه نَجسٌ يَلزمُه اجتِنابُه ما استحَقَّ عَذابَ القَبْرِ عليه، ورَوى الشافِعيُّ عن سُفيانَ بنِ عُيَينةَ عن الزُّهريِّ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ عن أبي هُريرةَ: أنَّ أعرابيًّا دخَلَ المَسجدَ فقالَ: اللَّهمَّ ارحَمْني ومُحمدًا ولا تَرحَمْ معنا أحَدًا، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لقد تَحجَّرتَ واسِعًا، فما لبِثَ أنْ بالَ فعجِلَ الناسُ عليه فنَهاهم رَسولُ اللهِ ﷺ وقالَ: يَسِّروا ولا تُعسِّروا، صُبُّوا عليه ذَنوبًا من ماءٍ» (٣).
فإذا ثبَتَت نَجاسةُ بَولِ الآدَميِّين بما ذكَرْناه من السُّنةِ والإِجماعِ، فالواجِبُ غَسلُه بالماءِ إلا بَولَ الصَّبيِّ قبلَ الطَّعامِ؛ فإنَّه يَطهُرُ برَشِّ الماءِ عليه.
فأمَّا بَولُ الصَّبيةِ فلا يَطهُرُ إلا بالغَسلِ قبلَ أكلِ الطَّعامِ وبعدَه.
وقالَ مالِكٌ، وأبو حَنيفةَ: لا يَطهُرُ بَولُهما جَميعًا إلا بالغَسلِ.
стр. 565
وقالَ الأَوزاعيُّ: يَطهُرُ بَولُهما جَميعًا بالرَّشِّ، والدِّلالةُ على الفَريقَين في جَوازِ الرَّشِّ على بَولِ الغُلامِ ووُجوبِ غَسلِ بَولِ الجارِيةِ رِوايةُ علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵇ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «يُغسلُ بَولَ الجارِيةِ ويُنضَحُ على بَولِ الغُلامِ ما لم يأكُلِ الطَّعامَ» (١).
وهذا نَصٌّ ذكَرَه ابنُ المُنذرِ ورَوَت لُبابةُ بِنتُ الحارِثِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أجلَسَ الحَسنَ في حِجرِه فبالَ عليه، فقالَت: قُلتُ له: لو أخَذتَ ثَوبًا وأعطَيتَني إزارَكَ لأغسِلَه، فقالَ ﷺ : «إنَّما يُغسلُ مِنْ بَولِ الأُنثَى، ويُنضحُ على بَولِ الذَّكرِ»، وهذا نَصٌّ أيضًا ذكَرَه أبو داودَ، ورُويَ عن أُمِّ قَيسٍ بِنتِ مِحصَنٍ «أنَّها جاءَت إلى رَسولِ اللهِ ﷺ بطِفلٍ لها ليُحنِّكَه، فبالَ في حِجرِه فنضَحَ عليه الماءَ» فثبَتَت سُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ قَولًا وفِعلًا بصِحةِ ما ذكَرْناه من جَوازِ الرَّشِّ على بَولِ الصَّبيِّ ما لم يأكُلِ الطَّعامَ، وغَسلِ بَولِ الصَّبيةِ قبلَ الطَّعامِ وبعدَه، ثم الفَرقُ بينَهما في المَعنى وَجهانِ:
أحدُهما: أنَّ بَولَ الجارِيةِ أحَرُّ من بَولِ الغُلامِ، وأنَّ مَنيَّ الغُلامِ أحَرُّ من مَنيِّ المَرأةِ على ما تَعارَفَه الناسُ في غالِبِ العادةِ، فمِن هذا الوَجهِ خَفَّ الحُكمُ في بَولِ الغُلامِ، وغَلُظَ في بَولِ الجارِيةِ.
стр. 566
والثاني: أنَّه لمَّا جازَ بُلوغُ الغُلامِ بمائِعٍ طاهِرٍ وهو المَنيُّ، وبُلوغُ الجارِيةِ بمائِعٍ نَجسٍ، وهو الحَيضُ، جازَ أنْ يَفتَرِقا في حُكمِ طَهارةِ البَولِ على أنَّ الغُلامَ كَثيرًا ما يَتداوَلُه الناسُ، فكانَ حُكمُ بَولِه أخَفَّ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وقد اختَلفَ العُلماءُ فى كَيفيةِ طَهارةِ بَولِ الصَّبيِّ والجارِيةِ على ثَلاثةِ مَذاهبَ، وهي ثَلاثةُ أوجُهٍ لأَصحابِنا:
الصَّحيحُ المَشهورُ المُختارُ أنَّه يَكفي النَّضحُ في بَولِ الصَّبيِّ، ولا يَكفي في بَولِ الجارِيةِ بل لا بدَّ من غَسلِه كسائِرِ النَّجاساتِ.
والثاني: أنَّه يَكفي النَّضحُ فيهما.
والثالِثُ: لا يَكفي النَّضحُ فيهما، وهذان الوَجهانِ حَكاهما صاحِبُ «التَّتمة» من أَصحابِنا وغيرُه، وهُما شاذَّانِ ضَعيفانِ، وممَّن قالَ بالفَرقِ علِيُّ ابنُ أبي طالِبٍ وعَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ والحَسنُ البَصريُّ وأحمدُ بنُ حَنبلٍ وإِسحاقُ بنُ رَاهَوَيهِ وجَماعةٌ من السَّلفِ وأَصحابِ الحَديثِ وابنُ وَهبٍ من أَصحابِ مالِكٍ ﵃، ورُويَ عن أبي حَنيفةَ وممَّن قالَ بوُجوبِ غَسلِهما أبو حَنيفةَ ومالِكٌ فى المَشهورِ عنهما، وأهلُ الكُوفةِ.
واعلَمْ أنَّ هذا الخِلافَ إنَّما هو في كَيفيةِ تَطهيرِ الشَّيءِ الذي بالَ عليه الصَّبيُّ ولا خِلافَ في نَجاستِه، وقد نقَلَ بعضُ أَصحابِنا إِجماعَ العُلماءِ على نَجاسةِ بَولِ الصَّبيِّ وأنَّه لم يُخالِفْ فيه إلا داودُ الظاهِريُّ، قالَ الخَطابيُّ
стр. 567
وغيرُه: وليسَ تَجويزُ مَنْ جوَّزَ النَّضحَ في الصَّبيِّ من أجلِ أنَّ بَولَه ليسَ بنَجسٍ، ولكنَّه من أجلِ التَّخفيفِ في إِزالتِه، فهذا هو الصَّوابُ، وأمَّا ما حَكاه أبو الحَسنِ بنُ بَطَّالٍ ثم القاضِي عِياضٌ عن الشافِعيِّ وغيرِه أنَّهم قالوا: بَولُ الصَّبيِّ طاهِرٌ فيُنضحُ، فحِكايةٌ باطِلةٌ قَطعًا.
وأمَّا حَقيقةُ النَّضحِ هنا فقد اختَلفَ أَصحابُنا فيها فذهَبَ الشَّيخُ أبو مُحمدٍ الجُوينيُّ والقاضِي حُسينٌ والبَغويُّ إلى أنَّ مَعناه أنَّ الشَّيءَ الذى أصابَه البَولُ يُغمرُ بالماءِ كسائِرِ النَّجاساتِ بحيث لو عُصرَ لا يُعصرُ، قالوا: وإنَّما يُخالِفُ هذا غيرَه في أنَّ غيرَه يَشترطُ عَصرَه على أحدِ الوَجهَينِ، وهذا لا يُشترطُ بالاتِّفاقِ، وذهَبَ إمامُ الحَرمَين والمُحقِّقون إلى أنَّ النَّضحَ أنْ يَغمرَ ويُكاثرَ بالماءِ مُكاثرةً لا يَبلغُ جَريانَ الماءِ وتَردُّدهَ وتَقاطُرَه بخِلافِ المُكاثرةِ في غيرِه، فإنَّه يُشترطُ فيها أنْ يَكونَ بحيث يَجري بعضُ الماءِ ويَتقاطَرُ من المَحلِّ وإنْ لم يُشترطْ عَصرُه، وهذا هو الصَّحيحُ المُختارُ، ويَدلُّ عليه قَولُها: فنضَحَه ولم يَغسِلْه، وقَولُه: فرَشَّه، أي: نضَحَه، واللهُ أعلَمُ.
ثم إنَّ النَّضحَ إنَّما يَجزي ما دامَ الصَّبيُّ يَقتصرُ به على الرَّضاعِ، أمَّا إذا أكَلَ الطَّعامَ على جِهةِ التَّغذيةِ فإنَّه يَجبُ الغَسلُ بلا خِلافٍ واللهُ أعلَمُ (١).
٢ - المَذيُ والوَديُ:
المَذيُ: هو ماءٌ أبيَضُ رَقيقٌ لَزِجٌ يَخرجُ عندَ شَهوةٍ لا بشَهوةٍ ولا دَفقٍ،
стр. 568
ولا يَعقبُه فُتورٌ، وربَّما لا يُحسُّ بخُروجِه، ويَكونُ ذلك للرَّجلِ والمَرأةِ، وهو في النِّساءِ أكثَرُ (١).
أمَّا الوَديُ: فماءٌ أبيَضُ كَدِرٌ ثَخينٌ يُشبهُ المَنيَّ في الثَّخانةِ ويُخالِفُه في الكُرورةِ ولا رائِحةَ له ويَخرجُ عُقَيبَ البَولِ، إذا كانَت الطَّبيعةُ مُستمسِكةً، وعندَ حَملِ شَيءٍ ثَقيلٍ، ويَخرجُ قَطرةً أو قَطرتَينِ ونَحوَهما (٢).
والمَذيُ والوَديُ نَجسانِ باتِّفاقِ العُلماءِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَت الأُمةُ على نَجاسةِ المَذيِ والوَديِ (٣).
стр. 569
وقالَ أيضًا: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّه لا يُوجبُ الغُسلَ بخُروجِ المَذيِ والوَديِ (١).
والدَّليلُ على ذلك ما رَواه البُخاريُّ ومُسلمٌ عن عليٍّ ﵁: كُنْتُ رَجلًا مَذَّاءً وكُنتُ أستَحْيِي أنْ أَسألَ النَّبيَّ ﷺ لمَكانِ ابنَتِه فأمَرتُ المِقدادَ بنَ الأَسودِ فسألَه فقالَ: «يَغسلُ ذكَرَه ويَتوضَّأُ» (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: المَذيُ والوَديُ والرِّيحُ فهذا يَنقضُ الوُضوءَ إِجماعًا.
стр. 570
قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ خُروجَ الغائِطِ من الدُّبرِ وخُروجَ البَولِ من ذَكرِ الرَّجلِ وقُبلِ المَرأةِ وخُروجَ المَذيِ وخُروجَ الرِّيحِ من الدُّبرِ أحداثٌ يَنقضُ كلُّ واحِدٍ منها الطَّهارةَ ويُوجبُ الوُضوءَ (١).
٣ - المَنيُّ:
المَنيُّ: هو الماءُ الغَليظُ الدافِقُ الذي يَخرجُ عندَ اشتِدادِ الشَّهوةِ (٢).
وقد اختَلفَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ في المَنيِّ هل هو طاهِرٌ أو نَجسٌ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ وقَولٌ شاذٌّ عندَ الشافِعيةِ والإمامِ أحمدَ في رِوايةٍ إلى أنَّ المَنيَّ نَجسٌ (٣).
واستدَلُّوا على ذلك: بحَديثِ عائِشةَ ﵂ أنَّها قالَت: «كُنْتُ أغسِلُ المَنيَّ (الجَنابةَ) من ثَوبِ رَسولِ اللهِ ﷺ فيَخرجُ إلى الصَّلاةِ وإنَّ بُقعَ الماءِ لَفي ثَوبِه» (٤).
стр. 571
ووَجهُ الدِّلالةِ من الحَديثِ كما يَقولُ الحَنفيةُ أنَّ عائِشةَ ﵂ قد غسَلَت المَنيَّ من ثَوبِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، والغَسلُ شَأنُ النَّجاساتِ، والنَّبيُّ ﷺ قد علِمَ بذلك فأقَرَّه ولم يَقُلْ لها إنَّه طاهِرٌ، فلو كانَ طاهِرًا لمَنَعها من إتلافِ الماءِ لغيرِ حاجةٍ؛ فإنَّه حينَئذٍ سَرفٌ في الماءِ وإتعابُ نَفسِها لغيرِ الضَّرورةِ وأنَّه خارِجٌ من أحدِ السَّبيلَينِ، فكانَ نَجسًا كسائِرِ النَّجاساتِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إنَّ سَببَ نَجاسةِ المَنيِّ أنَّه دَمٌ مُستحيلٌ إلى نَتنٍ وفَسادٍ، وبأنَّه يَخرجُ من مَخرجِ البَولِ مُوجبًا لتَنجيسِه فأُلحقَ المَنيُّ بالبَولِ طَهارةً ونَجاسةً (٢).
إلا أنَّ الحَنفيةَ والحَنابِلةَ على القَولِ بنَجاستِه، قالوا: يَكفي في تَطهيرِه فَركُه إنْ كانَ يابِسًا، وقالَ مالِكٌ: يَجبُ غَسلُه على كلِّ حالٍ سَواءٌ كانَ رَطبًا أو يابِسًا.
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَنصوصِ عندَهم والحَنابِلةُ في المَشهورِ إلى طَهارةِ المَنيِّ (٣).
стр. 572
واستدَلُّوا على ذلك بما رَوت عائِشةُ ﵂ أيضًا أنَّها قالَت: «كُنْتُ أفرُكُ المَنيَّ من ثَوبِ رَسولِ اللهِ ﷺ فيُصلِّي فيه» (١)، وليسَ هناك تَعارضٌ بينَ حَديثِ الغَسلِ وحَديثِ الفَركِ؛ لأنَّ الجَمعَ بينَهما واضِحٌ بأنْ يُحملَ الغَسلُ على الاستِحبابِ للتَّنظيفِ لا على الوُجوبِ (٢).
وقالَ الماوَرديُّ: والدِّلالةُ على صِحةِ ما ذكَرنا قَولُه تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].
فأطلَقَ على المَنيِّ اسمَ الماءِ فوجَبَ أنْ يُطلَقَ عليه حُكمُه في الطَّهارةِ، ولأنَّه أصلُ خَلقِ الإِنسانِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ طاهِرًا كالطِّينِ، ولأنَّه مُتولِّدٌ من حَيوانٍ طاهِرٍ فوجَبَ أنْ يَكونَ طاهِرًا كالبَيضِ (٣).
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: رَدًّا على الذين قالوا بنَجاستِه: هذا الحَديثُ لا يَدلُّ على نَجاسةِ المَنيِّ؛ لأنَّ غَسلَها فِعلٌ، وهو لا يَدلُّ على الوُجوبِ بمُجردِه (٤).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: فإنَّه من المَعلومِ أنَّ الصَّحابةَ كانوا يَحتَلِمون على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ وأنَّ المَنيَّ يُصيبُ بَدنَ أحدِهم
стр. 573
وثيابَه، وهذا ممَّا تَعمُّ به البَلوى، فلو كانَ ذلك نَجسًا لَكانَ يَجبُ على النَّبيِّ ﷺ أمرُهم بإِزالةِ ذلك من أبدانِهم وثِيابِهم، كما أمَرَهم بالاستِنجاءِ، وكما أمَرَ الحائِضَ بأنْ تَغسلَ دَمَ الحَيضِ من ثَوبِها، بل إصابةُ الناسِ المَنيَّ أعظَمُ بكَثيرٍ من إصابةِ الحَيضِ لثَوبِ الحائِضِ.
ومن المَعلومِ أنَّه لم يَنقُلْ أحَدٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ أحدًا من الصَّحابةِ بغَسلِ المَنيِّ من بَدنِه ولا ثَوبِه، فعُلمَ يَقينًا أنَّ هذا لم يَكنْ واجبًا عليهم، وهذا قاطِعٌ لمَن تَدبَّرَه.
وأمَّا كَونُ عائِشةَ ﵂ كانَت تَغسِلُه تارةً من ثَوبِ النَّبيِّ ﷺ ، وتَفرُكُه تارةً فهذا لا يَقتَضي تَنجيسَه؛ فإنَّ الثَّوبَ يُغسلُ من المُخاطِ والبُصاقِ والوَسخِ، وهكذا قالَ غيرُ واحِدٍ من الصَّحابةِ كسعدِ بنِ أبي وَقاصٍ، وابنِ عَباسٍ وغيرِهما: إنَّما هو بمَنزِلةِ المُخاطِ والبُصاقِ أمِطْه عنكَ ولو بإذخِرةٍ (١).
إلا أنَّهم قالوا: يُستحبُّ غَسلُه إنْ كانَ رَطبًا وفَركُه إنْ كانَ يابِسًا للخَبَرِ.
ومَنيُّ الرَّجلِ والمَرأةِ في ذلك سَواءٌ (٢).
٤ - الدَّمُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على نَجاسةِ الدَّمِ، وقدِ استَدَلوا على ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] وبقَولِه تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ
стр. 574
مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾، وبحَديثِ أسماءَ ﵂ أنَّها قالَت: «جاءَت امرأةٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَت: إحدانا يُصيبُ ثَوبَها من دَمِ الحَيضةِ كيف تَصنعُ به؟ قالَ: تَحُتُّه ثم تَقرُصُه بالماءِ ثم تَنضَحُه ثم تُصلِّي فيه» (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وفيه -أي: في هذا الحَديثِ- أنَّ الدَّمَ نَجسٌ بإِجماعِ المُسلِمينَ (٢).
وقالَ أيضًا: والدَّلائلُ على نَجاسةِ الدَّمِ مُتظاهِرةٌ ولا أعلَمُ فيه خِلافًا عن أحدٍ من المُسلِمينَ إلا ما حَكاه صاحِبُ الحاوي عن بعضِ المُتكلِّمين أنَّه قالَ: هو طاهِرٌ، ولكنَّ المُتكلِّمينَ لا يُعتدُّ بهم في الإِجماعِ (٣).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وفيه من الفَوائدِ -أي: حَديثِ أسماءَ هذا- أنَّ دَمَ الحَيضِ كغيرِه من الدِّماءِ في وُجوبِ غَسلِه (٤).
وقالَ أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: المَعنى المَقصودُ إليه بهذا الحَديثِ -أي: حَديثِ أسماءَ- في الشَّريعةِ هو غَسلُ دَمِ الحَيضِ من الثَّوبِ إذا أصابَه، والخَبَرُ بأنَّه يَجبُ غَسلُه لنَجاستِه، وحُكمُ كلِّ دَمٍ كدَمِ الحَيضِ، إلا أنَّ قَليلَ الدَّمِ مُتجاوَزٌ عنه لشَرطِ اللهِ في نَجاسةِ الدَّمِ أنْ يَكونَ مَسفوحًا فحينَئذٍ هو رِجسٌ والرِّجسُ النَّجاسةُ، وهذا إِجماعٌ من المُسلِمينَ أنَّ الدَّمَ المَسفوحَ
стр. 575
رِجسٌ نَجسٌ، إلا أنَّ المَسفوحَ -وإنْ كانَ أصلُه الجارِي في اللُّغةِ- المَعنى فيه في الشَّريعةِ الكَثيرُ، إذِ القَليلُ لا يَكونُ جاريًا مَسفوحًا، فإذا سقَطَت من الدَّمِ الجارِي نُقطةٌ من ثَوبٍ أو بَدنٍ لم يَكنْ حُكمُها حُكمَ المَسفوحِ الكَثيرِ، وكانَ حُكمُها حُكمَ القَليلِ، ولم يُلتفَتْ إلى أصلِها في اللُّغةِ (١).
وقد نقَلَ الإِجماعَ على نَجاسةِ الدَّمِ عَددٌ كَبيرٌ من أهلِ العِلمِ غيرُ من ذكَرتُهم وعلى رأسِهم الإمامُ أحمدُ بنُ حَنبلٍ ﵀.
فقد قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: قالَ أحمدُ: القَيحُ والصَّديدُ والمِدَّةُ عِندي أسهَلُ من الدَّمِ الذي ليسَ فيه شَكٌّ يَعني في نَجاستِه.
وسُئلَ -أي: الإمامُ أحمدُ- القَيحُ والدَّمُ عندَك سَواءٌ؟ فقالَ: الدَّمُ لم يَختلِفِ الناسُ فيه، والقَيحُ قد اختَلفَ الناسُ فيه (٢).
وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ الكَثيرَ من الدَّمِ -أيَّ دَمٍ كانَ- حاشَا دَمَ السَّمكِ وما لا يَسيلُ دَمُه، نَجسٌ (٣).
وقالَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الدَّمَ حَرامٌ نَجسٌ لا يُؤكلُ ولا يُنتفَعُ به، وقد عيَّنَه اللهُ ههنا مُطلقًا، وعيَّنَه في سُورةِ الأنَّعامِ بالمَسفوحِ وحمَلَ العُلماءُ ههنا المُطلقَ على المُقيدِ إِجماعًا (٤).
стр. 576
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الدَّمَ حَرامٌ نَجسٌ (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: والدَّمُ نَجسٌ اتِّفاقًا (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الدَّمُ نَجسٌ ولا نَعلمُ فيه خِلافًا (٣).
وقالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: ممَّا يُستنبطُ منه -أي: من الحَديثِ- جَوازُ إِزالةِ النَّجاسةِ بغيرِ الماءِ؛ فإنَّ الدَّمَ نَجسٌ وهو إِجماعُ المُسلِمينَ، وإِزالةُ النَّجاسةِ لا يُشترطُ فيها العَددُ بل المُرادُ الإنْقاءُ (٤).
وقالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: نَقلًا عن السِّراجِ الهِنديِّ إذا استاكَ للصَّلاةِ ربَّما يَخرجُ دَمٌ وهو نَجسٌ بالإِجماعِ وإنْ لم يَكنْ ناقِضًا عندَ الشافِعيِّ (٥).
وممَّا استَدلَّ به أهلُ العِلمِ أيضًا على نَجاسةِ الدَّمِ: ما رَواه الشَّيخانِ عن عائِشةَ قالَت: جاءَت فاطِمةُ بِنتُ أبي حُبَيشٍ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي امرأةٌ أُستَحاضُ فلا أطهُرُ، أفأدَعُ الصَّلاةَ؟ فقالَ: «لا، إنَّما ذلك عِرقٌ وليسَ بالحَيضةِ، فإذا أقبَلَت الحَيضةُ فدَعي الصَّلاةَ، وإذا أدبَرَت فاغسِلي عنكِ الدَّمَ وصلِّي» (٦).
стр. 577
قالَ النَّوويُّ ﵀: في هذا الحَديثِ الأمرُ بإِزالةِ النَّجاسةِ وأنَّ الدَّمَ نَجسٌ (١).
٥ - القَيحُ والصَّديدُ:
القَيحُ هو: المِدَّةُ الخالِصةُ التي لا يُخالِطُها دَمٌ.
والصَّديدُ هو: ماءُ الجُرحِ الرَّقيقُ المُختلِطُ بدَمٍ قبلَ أنْ تَغلُظَ المادةُ.
ولا خِلافَ بينَ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ القَيحَ والصَّديدَ نَجِسان مِثلَ الدَّمِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: والقَيحُ نَجسٌ بلا خِلافٍ، وكذا ماءُ القُروحِ المُتغيرُ نَجسٌ بالاتِّفاقِ (٤).
وقالَ الشِّيرازيُّ ﵀: وأمَّا القَيحُ فهو نَجسٌ؛ لأنَّه دَمٌ استَحالَ إلى النَّتنِ فإذا كانَّ الدَّمُ نَجسًا فالقَيحُ أَولى (٥).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والقَيحُ والصَّديدُ وما تَولَّدَ من الدَّمِ بمَنزِلتِه (٦)، أي: نَجسٌ.
وقالَ: وقالَ المَوَّاقُ: القَيحُ والصَّديدُ عندَ مالِكٍ بمَنزِلةِ الدَّمِ (٧).
стр. 582
وقالَ الخَرشيُّ: القَيحُ والصَّديدُ نَجِسان (١).
إلا أنَّ عُلماءَ المَذاهبِ عَفَوْا عن بعضِ الدِّماءِ، فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يُعفَى من دَمِ الإِنسانِ الذي لا يَسيلُ على رأسِ جُرحِه، ويُعفَى أيضًا عن دَمِ البَقِّ والبَراغيثِ؛ لأنَّه لا يُمكنُ الاحتِرازُ عنه وفيه حَرجٌ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يُعفَى عمَّا دونَ الدِّرهمِ من الدَّمِ المَسفوحِ إذا انفصَلَ عن الحَيوانِ (٣).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه يُعفَى عن اليَسيرِ في العُرفِ من الدَّمِ والقَيحِ، سَواءٌ أكانَ من نَفسِه، كانَ انفصَلَ منه ثم عادَ إليه، أم كانَ من غيرِه، إلا دَمَ الكَلبِ والخِنزيرِ، وفَرعَ أحدِهما، فلا يُعفَى عن شَيءٍ منه لغِلظِ نَجاستِه، وأمَّا دَمُ الشَّخصِ نَفسِه الذي لم يُفصلْ منه كدَمِ الدَّمامِلِ والقُروحِ ومَوضعِ الفَصدِ فيُعفَى عن قَليلِه وكَثيرِه، انتشَرَ بعِرقٍ أو لا.
ويُعفَى عن دَمِ البَراغيثِ والقَملِ ونَحوِ ذلك ممَّا تَعمُّ به البَلوى ويَشقُّ الاحتِرازُ عنه، ومَحلُّ العَفوِ عن سائِرِ الدِّماءِ ما لم يَختلِطْ بأجنَبيٍّ؛ فإنِ اختلَطَت به ولو دَمَ نَفسِه كانَ خرَجَ من عَينِه دَمٌ أو دَمِيَت لَثتُه لم يُعفَ عن شَيءٍ منه.
стр. 583
وأمَّا ما لا يُدركُه البَصرُ من النَّجاساتِ فيُعفَى عنه ولو من النَّجاسةِ المُغلَّظةِ لمَشقةِ الاحتِرازِ عنه.
والقَليلُ هو ما تَعافاه الناسُ، أي: عَدُّوه عَفوًا وتَساهَلوا فيه؛ لأنَّ الإِنسانَ لا يَخلو من بَثرةٍ وحَكةٍ يَخرجُ منها هذا القَدرُ فعُفيَ عنه، والكَثيرُ ما غلَبَ على الثَّوبِ وطَبَقِه.
وقيلَ: القَليلُ قَدرُ دِينارٍ، وقيلَ: ما دونَ الكَفِّ (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّه يُعفَى عن يَسيرِ دَمٍ وما تولَّدَ منه من قَيحٍ وصَديدٍ في غيرِ مائِعٍ ومَطعومٍ، أي أنَّه يُعفى عنه في الصَّلاةِ؛ لأنَّ الإِنسانَ غالِبًا لا يَسلمُ منه، ويَشقُّ التَّحرُّزُ منه، وقَدرُ اليُسرِ المَعفوِ عنه هو ما لا يَفحُشُ في النَّفسِ، والمَعفوُّ عنه من القَيحِ ونَحوِه أكثَرُ ممَّا يُعفَى عن مِثلِه من الدَّمِ، قالَ الإمامُ أحمدُ: هو أسهَلُ من الدَّمِ.
والمَعفوُّ عنه هو ما كانَ من آدَميٍّ أو حَيوانٍ طاهِرٍ خارِجًا من غيرِ سَبيلٍ؛ فإنْ كانَ من سَبيلٍ لم يُعفَ عنه، ولا يُعفى عن الدَّمِ الخارِجِ من حَيوانٍ نَجسٍ كالكَلبِ والخِنزيرِ، ولا فَرقَ بينَ كَونِ الدَّمِ مُجتمعًا أو مُتفرقًا؛ فإنْ فحُشَ لم يُعفَ عنه، ويُعفى عن دَمِ بَقٍّ وقَملٍ ونَحوِ ذلك من كلِّ ما لا نَفسَ له سائِلةً (٢).
стр. 584
٦ - القَيءُ:
وهو الخارِجُ من الطَّعامِ بعدَ استِقرارِه في المَعدةِ (١).
اختَلفَت مَذاهبُ العُلماءِ في طَهارةِ القَيءِ ونَجاستِه.
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى نَجاسةِ القَيءِ، ولهم في ذلك تَفصيلٌ.
فقالَ الحَنفيةُ: إذا كانَ مِلءَ الفَمِ فنَجسٌ، فأمَّا ما دونَه فطاهِرٌ على ما هو المُختارُ من قَولِ أبي يُوسفَ، وجاءَ في فَتاوى نَجمِ الدِّينِ النَّسفيِّ: صَبيٌّ ارتضَعَ ثم قاءَ فأصابَ ثيابَ الأُمِّ إنْ كانَ مِلءَ الفَمِ فنَجسٌ، فإذا زادَ على قَدرِ الدِّرهمِ منَعَ -أي: الصَّلاةَ في هذا الثَّوبِ- ورَوَى الحَسنُ عن أبي حَنيفةَ ﵀ أنَّه لا يَمنعُ ما لم يَفحُشْ؛ لأنَّه لم يَتغيرْ من كلِّ وَجهٍ … وهو الصَّحيحُ (٢).
وعندَ الشافِعيةِ أنَّ القَيءَ نَجسٌ سَواءٌ خرَجَ مُتغيرًا أو غيرَ مُتغيرٍ؛ لأنَّه طَعامٌ استَحالَ في الجَوفِ إلى النَّتنِ والفَسادِ فكانَ نَجسًا كالغائِطِ واستَدلُّوا
стр. 585
على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ لعَمارٍ: «يا عَمارُ، إنَّما يُغسلُ الثَّوبُ من خَمسٍ: من الغائِطِ والبَولِ والقَيءِ والدَّمِ والمَنيِّ» (١).
وقالوا: لو ابتُليَ شَخصٌ بالقَيءِ عُفيَ عنه في الثَّوبِ والبَدنِ، وإنْ كثُرَ كدَمِ البَراغيثِ، والمُرادُ بالابتِلاءِ بذلك: أنْ يَكثُرَ وُجودُه بحيث يَقلُّ خُلوُّه منه (٢).
وعندَ الحَنابِلةِ: هو نَجسٌ؛ لأنَّه طَعامٌ استَحالَ في الجَوفِ إلى الفَسادِ، أشبَهَ الغائِطَ (٣).
واختَلفَت الرِّوايةُ عن الإمامِ أحمدَ في العَفوِ عن يَسيرِ القَيءِ، فرُويَ عنه أنَّه بمَنزلةِ الدَّمِ، وذلك؛ لأنَّه خارِجٌ نَجسٌ من الإِنسانِ من غيرِ السَّبيلِ، فأشبَهَ الدَّمَ، وعنه أيضًا أنَّه لا يُعفَى عن شَيءٍ من النَّجاسةِ (٤).
أمَّا المالِكيةُ: فإنَّ النَّجسَ عندَهم من القَيءِ هو المُتغيرُ عن حالِ الطَّعامِ، ولو لم يُشابِهْ أحدَ أَوصافِ العُذرةِ، ويَجبُ غَسلُه عن الثَّوبِ والجَسدِ والمَكانِ.
стр. 586
قالَ الدَّرديرُ: فإنْ كانَ تَغيُّرُه بصَفراءَ أو بَلغمٍ ولم يَتغيَّرْ عن حالِ الطَّعامِ فطاهِرٌ.
وقالَ الدُّسوقيُّ: فإذا تغيَّرَ بحُموضةٍ أو نَحوِها فهو نَجسٌ، وإنْ لم يُشابِهْ أحدَ أَوصافِ العُذرةِ، كما هو ظاهِرُ المُدونةِ، واختارَه سَندٌ والباجيُّ وابنُ بَشيرٍ وابنُ شاسٍ وابنُ الحاجِبِ خِلافًا للتَّنوسيِّ وابنِ رُشدٍ وعِياضٍ حيثُ قالوا: لا يُنجسُ القَيءُ إلا إذا شابَهَ أحدَ أَوصافِ العُذرةِ (١).
٧ - القَلسُ:
القَلسُ: هو دَفعةٌ من الماءِ تَقذفُها المَعدةُ أو يَقذفُه رِيحٌ من المَعدةِ، وقد يَكونُ معه طَعامٌ (٢).
وقيلَ: هو ما خرَجَ من الجَوفِ مِلءَ الفَمِ أو دونَه وليسَ بقَيءٍ؛ فإنْ عادَ فهو قَيءٌ (٣).
وحُكمُه عندَ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ أنَّه نَجسٌ كالقَيءِ (٤).
стр. 587
وعندَ المالِكيةِ حُكمُه حُكمُ القَيءِ على التَّفصيلِ السابِقِ طاهِرٌ ما لم يَتغيرْ عن حال الطَّعامِ؛ فإنْ تَغيرَ كان نَجسًا.
قالَ الحَطابُ ﵀: القَلسُ هو دَفعةٌ من الماءِ تَقذفُها المَعدةُ أو يَقذفُها رِيحٌ من المَعدةِ، وقد يَكونُ معه طَعامٌ، وهو على ضَربَين، منه ما يَكونُ مُتغيرًا على حَسبِ ما يَستحيلُ إليه وما يُخالطُه من فَضلاتِ المَعدةِ، فهو نَجسٌ، ومنه ما يَكونُ على وَجهٍ لا يَتغيرُ أو يَتغيرُ بطَعمِ الماءِ فلا يَجدُ صاحِبُه زيادةً على طَعمِ أكلِه فهو طاهِرٌ على ما تقدَّمَ في القَيءِ.
ثم قالَ: وقَولُ مالِكٍ يَعني في المُوطأِ: رأيتُ رَبيعةَ بعدَ المَغربِ يَقلِسُ في المَسجدِ مِرارًا ثم لا يَنصرفُ حتى يُصليَ، مَحمولٌ على ما لم يَتغيرِ، انتَهى ونقَلَه عنه في الذَّخيرةِ وقبلَه.
وقالَ ابنُ بَشيرٍ في كِتابِ الطَّهارةِ: القَلسُ ما يَخرجُ عندَ الامتِلاءِ أو بَردِ المِزاجِ، وقد يَكونُ فيه الطَّعامُ غيرَ مُتغيرٍ فهو ليسَ بنَجسٍ.
ونَحوُه للباجيِّ في شَرحِ المُوطأِ ونَصُّه: القَلسُ ماءٌ، أو طَعامٌ يَسيرٌ يَخرجُ إلى الفَمِ على وَجهٍ قائِمٍ، قالَ في قَولِه: وليَتمَضمَضْ، ليسَت المَضمَضةُ عليه بواجِبةٍ، ولكنَّه يُستحبُّ له أنْ يُمضمِضَ من ذلك فاه؛ لأنَّ القَلسَ لا يَكونُ طَعامًا يَتغيرُ، وإنَّما يُستحبُّ منه تَنظيفُ الفَمِ وإِزالةُ ما عَسى أنْ يَكونَ من رائِحةِ الطَّعامِ.
وقالَ الشَّبيبيُّ في «شَرح الرِّسالة» في آخِرِ بابٍ جامِعٍ في الصَّلاةِ في الكَلامِ
стр. 588
على القَلسِ في الصَّلاةِ؛ فإنْ تغيَّرَ عن حالِ الطَّعامِ فهو نَجسٌ فيَقطعُ من قَليلِه وكَثيرِه، انتَهى وهذا ظاهِرٌ، واللهُ أعلَمُ.
فَرعٌ: فإنْ كانَ القَيءُ أو القَلسُ مُتغيرًا وجَبَ غَسلُ الفَمِ منه، وإنْ لم يَتغيرْ، فيُستحبُّ المَضمَضةُ منه إلا أنْ يَكونَ ممَّا يَذهبُ بالبُصاقِ، قالَه الباجيُّ.
وإذا شابَهَ القَيءُ أحدَ أَوصافِ العُذرةِ فاختَلفَ في نَقضِ الوُضوءِ به وسيأتي.
والقَلَسُ بفَتحِ اللَّامِ اسمٌ، وبسُكونِها مَصدرُ قلَسَ يَقلِسُ، كضرَبَ يَضرِبُ (١).
ولم أرَ للشافِعيةِ فيه كَلامًا إلا ذِكرَهم له في بابِ نَواقضِ الوُضوءِ وبيَّنَه أنَّه لا يَنقضُ الوُضوءَ.
٨ - الخَمرُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الخَمرَ نَجسةٌ، يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿عَنْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠].
والرِّجسُ في اللُّغةِ: هو الشَّيءُ القَذرُ والنَّتنُ (٢).
стр. 589
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الخَمرُ نَجسةٌ عندَنا، وعندَ مالِكٍ، وأبي حَنيفةَ، وأحمدَ وسائِرِ العُلماءِ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: فهِمَ الجُمهورُ من تَحريمِ الخَمرِ واستِخباثِ الشَّرعِ لها وإطلاقِ الرِّجسِ عليها والأمرِ باجتِنابِها، الحُكمَ بنَجاستِها.
فإنْ قيلَ: التَّنجيسُ حُكمٌ شَرعيٌّ ولا نَصَّ فيه، ولا يَلزمُ من كَونِ الشَّيءِ مُحرمًا أنْ يَكونَ نَجسًا، فكم من مُحرمٍ في الشَّرعِ ليسَ بنَجسٍ، قُلنا: قَولُه تَعالى: ﴿رِجْسٌ﴾ يَدلُّ على نَجاستِها؛ فإنَّ الرِّجسَ في اللِّسانِ النَّجاسةُ، ثم التَزَمنا ألَّا نَحكُمَ بحُكمٍ إلا عندَما نَجدُ فيه نَصًّا، لتَعطَّلَت الشَّريعةُ؛ فإنَّ النُّصوصَ فيها قَليلةٌ، فأيُّ نَصٍّ يُوجدُ عن تَنجيسِ البَولِ والعُذرةِ والمَيتةِ وغيرِ ذلك؟ وإنَّما هي الظَّواهِرُ والعُموماتُ والأقيِسةُ، وذهَبَ المُزنِيُّ من أَصحابِ الشافِعيِّ إلى طَهارتِها (٢).
стр. 590
٩ - رُطوبةُ فَرجِ المَرأةِ:
رُطوبةُ فَرجِ المَرأةِ: ماءٌ أبيَضُ مُتردِّدٌ بينَ المَذيِ والعَرقِ (١).
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ رُطوبةِ فَرجِ المَرأةِ هل هي طاهِرةٌ أو نَجسةٌ؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ -وهو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيةِ- والحَنابِلةُ إلى طَهارةِ رُطوبةِ فَرجِ المَرأةِ (٢).
стр. 591
قالَ النَّوويُّ ﵀: ولا فَرقَ بينَ رُطوبةِ فَرجِ المَرأةِ وغيرِها من الحَيواناتِ الطاهِرةِ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لأنَّ عائِشةَ ﵂ كانَت تَفرُكُ المَنيَّ من ثَوبِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وهو مِنْ جِماعٍ؛ فإنَّه ما احتَلمَ نَبيٌّ قَطُّ.
وهو يُلاقي رُطوبةَ الفَرجِ، ولأنَّنا لو حَكَمنا بنَجاسةِ فَرجِ المَرأةِ لحَكَمنا بنَجاسةِ مَنيِّها؛ لأنَّه يَخرجُ من فَرجِها فيَتنجَّسُ برُطوبَتِه.
وقالَ القاضِي من الحَنابِلةِ: ما أصابَ منه حالَ الجِماعِ فهو نَجسٌ؛ لأنَّه لا يَسلمُ من المَذيِ وهو نَجسٌ، ولا يَصحُّ التَّعليلُ؛ لأنَّ الشَّهوةَ إذا اشتَدَّت خرَجَ المَنيُّ دونَ المَذيِ كحالِ الاحتِلامِ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ من الحَنفيةِ -وهو خِلافُ الأصَحُّ عندَ كلٍّ من الشافِعيةِ والحَنابِلةِ- إلى نَجاسةِ رُطوبةِ فَرجِ المَرأةِ الداخِليِّ؛ لأنَّه في الفَرجِ لا يُخلقُ منه الوَلدُ، أشبَهَ المَذيَ ولأنَّها رُطوبةٌ مُتولِّدةٌ في مَحلِّ النَّجاسةِ فكانَت نَجسةً.
أمَّا رُطوبةُ فَرجِها الخارِجيِّ فهي طاهِرةٌ بالاتِّفاقِ (٣).
стр. 592
واستَدلُّوا على ذلك: بحَديثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ ﵁ أنَّه سألَ عُثمانَ بنَ عَفانَ ﵁ قالَ: «أرأيتَ إذا جامَعَ الرَّجلُ امرأتَه ولم يُمْنِ؟ قالَ عُثمانُ: يَتوضَّأُ كما يَتوضَّأُ للصَّلاةِ، ويَغسلُ ذكَرَه، قالَ عُثمانُ: سمِعتُه من رَسولِ اللهِ ﷺ » رَواه البُخاريُّ ومُسلمٌ، وزادَ البُخاريُّ فسألَ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ والزُّبيرَ بنَ العَوامِ وطَلحةَ بنَ عُبَيدِ اللهِ وأُبَيَّ بنَ كَعبٍ فأمَروه بذلك (١).
وعن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ ﵁ أنَّه قالَ: «يا رَسولَ اللهِ، إذا جامَعَ الرَّجلُ المَرأةَ فلم يُنزِلْ؟ قالَ يَغسلُ ما مَسَّ المَرأةَ منه ثم يَتوضَّأُ ويُصلِّي» (٢).
قالَ النَّوويُّ ﵀: وهذان الحَديثانِ في جَوازِ الصَّلاةِ بالوُضوءِ بلا غُسلٍ مَنسوخان … وأمَّا الأمرُ بغَسلِ الذَّكرِ وما أصابَه منها فثابِتٌ غيرُ مَنسوخٍ، وهو ظاهِرٌ في الحُكمِ بنَجاسةِ رُطوبةِ الفَرجِ، والقائِلُ الآخَرُ يَحمِلُه على الاستِحبابِ، لكنَّ مُطلقَ الأمرِ للوُجوبِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ (٣).
وقالَ في «شَرحِ مُسلمٍ»: وقد استدَلَّ جَماعةٌ من العُلماءِ بهذا الحَديثِ على طَهارةِ رُطوبةِ فَرجِ المَرأةِ، وفيها خِلافٌ مَشهورٌ عندَنا وعندَ غيرِنا، والأظهَرُ طَهارتُها.
стр. 593
وتعلَّقَ المُحتجُّونَ بهذا الحَديثِ بأنْ قالوا: الاحتِلامُ مُستحيلٌ في حَقِّ النَّبيِّ ﷺ لأنَّه مِنْ تَلاعُبِ الشَّيطانِ بالنائِمِ فلا يَكونُ المَنيُّ الذي على ثَوبِه ﷺ إلا من الجِماعِ، ويَلزمُ من ذلك مُرورُ المَنيِّ على مَوضعٍ أصابَ رُطوبةَ الفَرجِ فلو كانَت الرُّطوبةُ نَجسةً لتَنجَّسَ بها المَنيُّ، ولَمَا ترَكَه في ثَوبِه ولَمَا اكتَفَى بالفَركِ.
وأجابَ القائِلونَ بنَجاسةِ رُطوبةِ فَرجِ المَرأةِ بجَوابَينِ:
أحدُهما: جَوابُ بَعضِهم أنَّه يَمتنِعُ استِحالةُ الاحتِلامِ منه ﷺ وكَونُها من تَلاعُبِ الشَّيطانِ، بل الاحتِلامُ منه جائِزٌ ﷺ وليسَ هو مَنْ تَلاعُبِ الشَّيطانِ، بل هو فَيضُ زيادةِ المَنيِّ يَخرجُ في وَقتٍ.
والثاني: أنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ ذلك المَنيُّ حصَلَ بمُقدِّماتِ جِماعٍ فسقَطَ منه شَيءٌ على الثَّوبِ وأمَّا المُتلطِّخُ بالرُّطوبةِ فلم يَكنْ على الثَّوبِ، واللهُ أعلَمُ (١).
١٠ - الكَلبُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الكَلبِ هل هو نَجسُ العَينِ أو رِيقُه ولُعابُه فقط، أو كلُّه طاهِرٌ حتى رِيقُه ولُعابُه؟ وهل يَجبُ غَسلُ الإناءِ الذي ولَغَ فيه الكَلبُ أو لا؟
стр. 594
أولاً: هل عَينُ الكَلبِ نَجسةٌ أو لا؟
ذهَبَ الشافِعيةُ و الحَنابِلةُ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ من الحَنفيةِ إلى أنَّ عَينَ الكَلبِ نَجسةٌ (١).
قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ: والصَّحيحُ من المَذهبِ عندَنا أنَّ عَينَ الكَلبِ نَجسةٌ، وإليه يُشيرُ مُحمدٌ ﵀ في الكِتابِ في قَولِه: وليسَ المَيتُ بأنجَسَ من الكَلبِ و الخِنزيرِ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واعلَمْ أنَّه لا فَرقَ عندَنا بينَ وُلوغِ الكَلبِ وغيرِه من أَجزائِه، فإذا أصابَ بَولُه أو رَوثُه أو دَمُه أو عَرقُه أو شَعرُه أو لُعابُه أو عُضوٌ من أَعضائِه شَيئًا طاهِرًا في حالِ رُطوبةِ أحدِهما وجَبَ غَسلُه سَبعَ مَرَّاتٍ إحداهُنَّ بالتُّرابِ (٣).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والمالِكيةُ إلى أنَّ الكَلبَ ليسَ بنَجسِ العَينِ.
قالَ في «الدُّر المُختار»: واعلَمْ أنَّه ليسَ الكَلبُ بنَجسِ العَينِ عندَ الإمامِ، وعليه الفَتوى.
стр. 595
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: وهو الصَّحيحُ والأقرَبُ إلى الصَّوابِ (١)، وصحَّحَه أيضًا الكاسانِيُّ في البَدائعِ (٢).
وقالَ المالِكيةُ: الكَلبُ طاهِرٌ؛ لأنَّ الأصلَ في الأشياءِ الطَّهارةُ ولأنَّه حَيٌّ، والحَياةُ تُنافي التَّنجيسَ كسائِرِ الحَيوانِ، وكذا عَرقُه ودَمعُه ومُخاطُه ولُعابُه، ومَحلُّ كَونِ اللُّعابِ طاهِرًا إنْ كانَ من غيرِ المَعدةِ، أمَّا الخارِجُ من المَعدةِ فنَجسٌ، وعلامَتُه أنْ يَكونَ أصفَرَ مُنتِنًا، وإنَّما يَجبُ غَسلُ الإناءِ مِنْ وُلوغِه تَعبُّدًا (٣).
ثانيًا: سُؤرُ الكَلبِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في سُؤرِ الكَلبِ هل هو طاهِرٌ أو نَجسٌ؟ وهل يَجبُ غَسلُه سَبعَ مَرَّاتٍ إحداهُنَّ بالتُّرابِ أو لا يَجبُ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ سُؤرَ الكَلبِ نَجسٌ، وأنَّ الكَلبَ إذا ولَغَ في إناءٍ وجَبَ غَسلُه وأنَّه يُغسلُ سَبعَ مَراتٍ إحداهُنَّ بالتُّرابِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ، وثَلاثَ مَراتٍ عندَ الحَنفيةِ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا ولَغَ الكَلبُ في إناءِ أحَدِكم فليُرِقْه ثم
стр. 596
ليَغسِلْه سَبعَ مِرارٍ» وفي رِوايةٍ: «طَهورُ إناءِ أحدِكم إذا ولَغَ فيه الكَلبُ أنْ يَغسلَه سَبعَ مَراتٍ أُولاهُنَّ بالتُّرابِ» (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: والدِّلالةُ من الحَديثِ الأولِ ظاهِرةٌ؛ لأنَّه لو لم يَكنْ نَجسًا لَمَا أمَرَ بإِراقَتِه؛ لأنَّه يَكونُ حينَئذٍ إِتلافَ مالٍ، وقد نُهينا عن إِضاعةِ المالِ، ومن الحَديثِ الثاني ظاهِرةٌ أيضًا؛ فإنَّ الطَّهارةَ تَكونُ من حَدثٍ أو نَجسٍ، وقد تعذَّرَ الحَملُ هنا على طَهارةِ الحَدثِ فتَعيَّنت طَهارةُ النَّجسِ (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ أيضًا: وفيه -أي: الحَديثِ- وُجوبُ غَسلِ نَجاسةِ وُلوغِ الكَلبِ سَبعَ مَراتٍ، وهذا مَذهبُنا ومَذهبُ مالِكٍ وأحمدَ والجَماهيرِ، وقالَ أبو حَنيفةَ: يَكفي غَسلُه ثَلاثَ مَراتٍ، واللهُ أعلَمُ، وأمَّا الجَمعُ بينَ الرِّواياتِ فقد جاءَ في رِوايةٍ: «سَبعَ مَراتٍ»، وفي رِوايةٍ: «سَبعَ مَراتٍ أُولاهُنَّ بالتُّرابِ»، وفي رِوايةٍ «أُخراهُنَّ أو أُولاهُنَّ»، وفي رِوايةٍ «سَبعَ مَراتٍ السابِعةُ بالتُّرابِ»، وفي رِوايةٍ: «سَبعَ مَراتٍ وعَفِّروه الثامِنةَ بالتُّرابِ»، وقد رَوى البَيهَقيُّ وغيرُه هذه الرِّواياتِ كلَّها وفيها دَليلٌ على أنَّ التَّقييدَ بالأُولى وبغيرِها ليسَ على الاشتِراطِ، بل المُرادُ إحداهُنَّ، وأمَّا رِوايةُ «وعَفِّروه الثامِنةَ بالتُّرابِ» فمَذهبُنا ومَذهبُ الجَماهيرِ أنَّ المُرادَ اغسِلوه
стр. 597
سَبعًا واحِدةٌ منهُنَّ بالتُّرابِ مع الماءِ، فكأنَّ التُّرابَ قائِمٌ مَقامَ غَسلةٍ فسُمِّيت ثامِنةً لهذا، واللهُ أعلَمُ.
واعلَمْ أنَّه لا فَرقَ عندَنا بينَ وُلوغِ الكَلبِ وغيرِه من أجزائِه، فإذا أصابَ بَولُه أو رَوثُه أو دَمُه أو عَرقُه أو شَعرُه أو لُعابُه أو عُضوٌ من أَعضائِه شَيئًا طاهِرًا في حالِ رُطوبةِ أحدِهما وجَبَ غَسلُه سَبعَ مَراتٍ إحداهُنَّ بالتُّرابِ (١).
وقالَ الزَّيلَعيُّ ﵀: والأمرُ بالإِراقةِ دَليلُ التَّنجسِ، وأقوى منه قَولُه ﷺ : «طَهورُ إناءِ أحدِكم إذا ولَغَ فيه الكَلبُ أنْ يَغسلَه سَبعًا» فهذا يُفيدُ النَّجاسةَ؛ لأنَّ الطَّهورَ مَصدرٌ بمَعنى الطَّهارةِ فيَستَدعي سابِقةَ التَّنجسِ أو الحَدثِ، والثاني مُنتفٍ فيَتعيَّنُ الأولُ، ولأنَّ الأصلَ في النُّصوصِ أنْ تَكونَ مَعقولةَ المَعنى، فإذا دارَ الأمرُ بينَ كَونِه مَعقولًا وتَعبدًا كانَ جَعلُه مَعقولَ المَعنى أَولى؛ لنُدرةِ التَّعبدِ وكَثرةِ التَّعقلِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا يَختلفُ المَذهبُ في نَجاسةِ الكَلبِ والخِنزيرِ وما تَولَّدَ منهما إذا أصابَت غيرَ الأرضِ أنَّه يَجبُ غَسلُها سَبعًا إحداهُنَّ بالتُّرابِ سَواءٌ أكانَ من وُلوغِه أو غيرِه لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إذا ولَغَ الكَلبُ في إناءِ أحدِكم فليَغسِلْه سَبعًا إحداهُنَّ بالتُّرابِ» مُتَّفقٌ عليه، ولمُسلمٍ: «أُولاهُنَّ بالتُّرابِ» (٣).
стр. 598
وأمَّا الحَنفيةُ فقالوا: يُغسلُ ثَلاثَ مَراتٍ وُجوبًا؛ لمَا رَواه الطَّحاويُّ بإِسنادِه عن أبي هُرَيرةَ ﵁ «أنَّه يُغسلُ من وُلوغِ الكَلبِ ثَلاثَ مَراتٍ» (١)، وهو الراوي لاشتِراطِ السَّبعِ، وعندَنا إذا عمِلَ الراوي بخِلافِ ما رَوى أو أفتَى لا تَبقَى رِوايتُه حُجةً؛ لأنَّه لا يَحلُّ له أنْ يَسمعَ من النَّبيِّ ﷺ شَيئًا فيَعملَ أو يُفتيَ بخِلافِه، إذْ تَسقطُ به عَدالتُه، فدَلَّ على نَسخِه، وهو الظاهِرُ؛ لأنَّ هذا كانَ في الابتِداءِ حين كانَ يُشدِّدُ في أمرِ الكِلابِ، ويأمُرُ بقَتلِها قَلعًا لهم عن مُخالَطتِها، ثم ترَكَ، وهذا كما رُويَ أنَّه ﷺ كانَ يأمُرُ بكَسرِ الأَواني حينَ كانَ يُشدِّدُ في الخَمرِ قَلعًا لهم عنها وحَسمًا لمادَّتِها، ثم نَهى عن كَسرِ الأَواني، أو تُحملُ السَّبعُ على الاستِحبابِ، ويُؤيِّدُه ما رَوى الدارَقُطنيُّ عن أبي هُريرةَ: «عن النَّبيِّ ﷺ في الكَلبِ يَلِغُ في الإناءِ أنَّه يَغسِلُه ثَلاثًا أو خَمسًا أو سَبعًا» (٢)،
стр. 599
فخيَّرَه، ولو كانَ السَّبعُ واجِبةً لَمَا خيَّرَه، وكسائِرِ النَّجاساتِ، ولحَديثِ المُستيقظِ، وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ القائِمَ من اللَّيلِ بإفراغِ الماءِ
стр. 600
على يَدَيه مرَّتينِ أو ثَلاثًا، وذلك أنَّهم كانوا يَتغوَّطونَ ويَتبوَّلونَ ولا يَستَنجونَ بالماءِ، وربَّما كانَت أيديهم تُصيبُ المَوضعَ النَّجسَ فتُنجَّسُ، فإذا كانَت الطَّهارةُ تَحصلُ بهذا العَددِ من البَولِ أو الغائِطِ وهُما أغلَظُ النَّجاساتِ كانَ أَولى وأحرى أنْ يَحصلَ بما دونَهما من النَّجاساتِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى طَهارةِ لُعابِ الكَلبِ، وكذا عَرقُه ودَمعُه ومُخاطُه وسُؤرُه، ويَدلُّ على طَهارةِ سُؤرِه قَولُه تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ولم يأمُرْ بغَسلِ مَوضعِ الإصابةِ، ولو كانَ نَجسًا لأفسَدَ ما صادَه بفَمِه، ولحَديثِ عَديِّ بنِ حاتِمٍ قالَ: سألتُ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: «إذا أرسَلتَ كَلبَك المُعلَّمَ فقتَلَ فكُلْ» (٢)، ولمَّا ورَدَ الشَّرعُ بإِباحتِه، ولأنَّه سُؤرُ حَيوانٍ كالشاةِ، ومَحلُّ كَونِ اللُّعابِ طاهِرًا إنْ كانَ من غيرِ المَعدةِ، أمَّا الخارِجُ من المَعدةِ فنَجسٌ وعَلامتُه أنْ يَكونَ أصفَرَ مُنتِنًا.
ويُغسلُ الإناءُ من وُلوغِه سَبعَ مَراتٍ تَعبُّدًا؛ لأنَّه غَسلٌ أُمرَ به مُقيدًا بعَددٍ، فدَلَّ على أنَّه للعِبادةِ دونَ النَّجاسةِ كالوُضوءِ، ولأنَّ للتُّرابِ مَدخلًا فيه، وكلُّ مَعنًى أُمرَ فيه بالماءِ وحصَلَ للتُّرابِ مَدخلٌ فيه؛ فإنَّه للعِبادةِ لا للنَّجاسةِ؛ كطَهارةِ الحَدثِ.