إدْخالُ بَياضِ الشَّجرِ أو الزَّرعِ في عَقدِ المُساقاةِ:
قالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ إدخالُ بَياضِ شَجرٍ، أو بَياضِ زَرعٍ في عَقدِ المُساقاةِ.
والبَياضُ: الأرضُ الخالِيةُ مِنْ الشَّجرِ أو الزَّرعِ؛ سُمِّيَ بَياضًا لأنَّ أرضَه مُشرِقةٌ بالنَّهارِ بضَوءِ الشَّمسِ، وبِاللَّيلِ بضَوءِ الكَواكِبِ، فإذا استَترَتْ بالزَّرعِ أوِ الشَّجرِ سُمِّيتْ سَوادًا: يَعني أنَّ بَياضَ الشَّجرِ أو بَياضَ الزَّرعِ الذي تَجوزُ فيه المُساقاةُ يَجوزُ إدخالُه في مُساقاةِ ما ذُكِرَ، بشُروطٍ ثَلاثةٍ:
أوَّلُها: إنْ وافَقَ الجُزءُ في البَياضِ الجُزءَ في الشَّجرِ أو الزَّرعِ، فإنِ اختَلفا لَم يَجُزْ، وفَسَدَتْ.
وَثانيها: بَذَرَه العامِلُ مِنْ عِندِه، فإنْ دَخَلًا على أنَّ بَذْرَه على رَبِّه لَم يَجُزْ، وفَسَدَتْ.
وَثالِثُها: قَلَّ البَياضُ، بأنْ كانَ البَياضُ قَليلًا بالنِّسبةِ لِلشَّجرِ أو الزَّرعِ؛ كَثُلُثٍ، فما دُونَه، أي: بأنْ تَكونَ قِيمَتُه -أي: أُجرَتُه- بالنِّسبةِ لِقيمةِ الثَّمرةِ الثُّلُثَ فأقَلَّ، بعدَ إسقاطِ كُلفَةِ الثَّمرةِ، كَما لَو كانَ كِراؤُه مُفرَدًا مِئةً، وقِيمةُ الثَّمرةِ بعدَ إسقاطِ ما يُنْفِقُ عليها مِئَتَيْنِ، فيُعلَمُ أنَّ كِراءَه ثُلُثٌ، فإنْ كانَ أكثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَم يَجُزْ، وفَسَدَتْ.
وَأُلغيَ البَياضُ المَذكورُ لِلعاملِ إنْ سَكَتَا عندَ عَقدِ المُساقاةِ عنه، بأنْ لَم يَدخُلْ في المُساقاةِ بشُروطِه المُتقدِّمةِ، ولَم يُجعَلْ لربِّه، فيَكونُ لِلعاملِ وَحدَهُ (١).
стр. 5360
وَجاءَ في «المُدوَّنةُ»: (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ ربُّ الحائِطِ: خُذِ النَّخلَ مُساقاةً على أنْ تَزرَعَ البَياضَ بَينَنا، على أنَّ البَذرَ مِنْ عِنْدِكَ أيُّها العامِلُ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: نَعَمْ، هذا جائِزٌ، قالَ: قالَ مالِكٌ: وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يُلْغَى البَياضُ، فيَكونَ لِلعاملِ، (قُلتُ): ولِمَ أَجازَهُ مالِكٌ؟، قالَ: لِلسُّنةِ التي جاءَتْ في خَيبَرَ أنَّ النَّبيَّ ﵊ عامَلَ السَّوادَ والبَياضَ على النِّصفِ، قالَ: وقالَ مالِكٌ في خَيبَرَ وقُلتُ لَه: أكانَ فيها بَياضٌ حينَ ساقاها رَسولُ اللَّهِ ﷺ ، قالَ: نَعَمْ، وكانَ يَسيرًا، فلِذلك أجازَه مالِكٌ إذا اشترَطَ على العامِلِ أنْ يَزرَعَ البَياضَ والبَذْرَ مِنْ عِنْدِ العامِلِ، والعَملُ على أنْ يَكونَ ما يَخرُجُ مِنْ البَياضِ بَينَهما، قالَ مالِكٌ: وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يُلغَى، (قُلتُ): أرَأيتَ إنِ اشترَطا أنَّ البَذْرَ الذي يَبذُرُه العامِلُ في البَياضِ مِنْ عِندِهِما، نِصْفُه مِنْ عِنْدِ ربِّ النَّخلِ، ونِصْفُه مِنْ عِنْدِ العامِلِ، والعَملُ كلُّه مِنْ العامِلِ أيَجوزُ أو لا في قَولِ مالِكٍ؟، قالَ مالِكٌ: لا يَجوزُ ذلك، (قُلتُ): ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ شَيءٌ مِنْ البَذْرِ مِنْ عِنْدِ ربِّ النَّخلِ في قَولِ مالِكٍ، قالَ: نَعَمْ، لا يَجوزُ، (قُلتُ): لِمَ كَرِهَه مالِكٌ؟، قالَ: لأنَّها زِيادةٌ ازدادَها العامِلُ، (قُلتُ): أرَأيتَ إنِ اشترَطَ العامِلُ في النَّخلِ على ربِّ الحائِطِ حَرْثَ البَياضِ، وما سِوَى ذلك مِنْ البَذْرِ والعَملِ، فمِن عِنْدِ العامِلِ في النَّخلِ؟، قالَ: قالَ لَنا مالِكٌ: إذا كانَ العَملُ والمُؤنةُ كلُّها على الدَّاخِلِ فلا بَأْسَ بذلك، قالَ: ففي هذا ما يَدلُّكَ على مَسألَتِكَ أنَّه لا يَصلُحُ أنْ يَشتَرِطَ العامِلُ على ربِّ النَّخلِ حَرثَ البَياضِ، وإنْ جعلَا الزَّرعَ بَينَهما، (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ أخَذَ النَّخلَ مُعامَلةً على أنَّ البَياضَ لِلعاملِ؟، قالَ: قالَ مالِكٌ: هذا أُحِلُّه،
стр. 5361
(قُلتُ): أرَأيتَ إنْ ساقَى الرجُلُ زَرعًا وفي وَسَطِ الزَّرعِ أرضٌ بَيضاءُ لربِّ الزَّرعِ، قَليلةٌ، وهي تَبَعٌ لِلزَّرعِ، فاشترَطَ العامِلُ تلك الأرضَ لِنَفْسِه يَزرَعُها؟، قالَ: لَم أسمَعْ مِنْ مالِكٍ فيه شَيئًا، ولا أرَى به بَأْسًا، مثلَ النَّخلِ والبَياضِ إذا كانَتِ الأرضُ في الأرضِ التي فيها الزَّرعُ تَبَعًا لِلزَّرعِ، (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ دَفَعْتُ إلى رَجُلٍ نَخلًا مُساقاةً خَمسَ سِنينَ، وفي النَّخلِ بَياضٌ، وهو تَبَعٌ لِلنَّخلِ على أنْ يَكونَ البَياضُ أوَّلَ سَنَةٍ لِلعاملِ يَزرَعُه لِنَفْسِه، ثم يَرجِعَ البَياضُ إلى ربِّ النَّخلِ يَعمَلُه ربُّ النَّخلِ لِنَفْسِه، وتَكونَ المُساقاةُ في الأرضِ الأربَعَ سِنينَ الباقيةَ في النَّخلِ وَحدَها؟، قالَ: لا يَجوزُ هذا عِندي؛ لأنَّه خَطَرٌ، (قُلتُ): وكذلك لَو أنَّ رَجُلًا أخَذَ حائِطَيْنِ مُعامَلةً مِنْ رَجُلٍ على أنْ يَعمَلَ أوَّلَ سَنةٍ الحائِطَيْنِ جَميعًا، ثم يَرُدَّ أحَدَ الحائِطَيْنِ إلى رَبِّه في السَّنةِ الثَّانيةِ ويَعمَلَ الحائِطَ الآخَرَ في السَّنةِ الثَّانيةِ وَحدَه، قالَ: لا يَجوزُ هذا أيضًا، وهو شِبهُ مَسألَتِكَ الأُولَى في النَّخلِ والبَياضِ؛ لأنَّ المَسألَتَينِ جَميعًا خَطَرٌ، ولا يَجوزُ ذلك، (قُلتُ): وهذا قولُ مالِكٍ، قالَ: لَم أسمَعْ مِنْ مالِكٍ هَذا، ولَكنَّ هذا رَأْيِي (١).
ومِنَ الأدلةِ على جَوازِ إدخالِ البَياضِ في عَقدِ المُساقاةِ: ما رَواه البُخاريُّ عن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عامَلَ خَيبَرَ بِشَطرِ ما يَخرُجُ منها مِنْ ثَمرٍ أو زَرعٍ، فكَانَ يُعطِي أَزوَاجَهُ مِئةَ وَسقٍ، ثَمانينَ وَسقَ تَمرٍ، وَعِشرينَ وَسقَ شَعِيرٍ، فقَسَّمَ عُمرُ خَيبَرَ، فخَيَّرَ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُقطِعَ لهُنَّ مِنْ المَاءِ وَالأَرْضِ، أو يُمضِيَ لهُنَّ، فَمِنهنَّ مَنِ اختَارَ
стр. 5362
الأَرْضَ، وَمِنهنَّ مَنِ اختَارَ الوَسْقَ، وكَانَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ مِمَّنِ اخْتارَتَا الأرْضَ والمَاءَ» (١).
فقولُه: «فكَانَ يُعطِي أَزوَاجَهُ ﷺ مِئةَ وَسقٍ، ثَمانينَ وَسقَ تَمرٍ، وَعِشرينَ وَسقَ شَعِيرٍ»؛ دَليلٌ على أنَّ بَياضَ خَيبَرَ كانَ تابِعًا لِسَوادِها، ألَا تَرى أنَّ الشَّعيرَ خُمُسٌ، والتَّمرَ أربعةُ أخماسٍ؛ ولذلك صَحَّ أنْ يَدخُلَ في المُساقاةِ بالشَّرطِ، ولكنْ بشَرطِ اتِّفاقِ الجُزءِ كما تَقدَّمَ (٢).
وأَمَّا الشَّافعيَّةُ فقالَ «صَاحِبُ البَيانِ»: وأمَّا إِذَا كَانَ له نَخِيلٌ، أَوْ كَرْمٌ، وَبَيْنَ النَّخلِ وَالكَرمِ أَرْضٌ بَيضَاءُ، لَا يُمكِنُ سَقيُ النَّخلِ وَالكَرْمِ إِلَّا بِسَقْيِ الأَرضِ البَيضَاءِ التي بَينَهُ … نُظِرَتْ:
فَإنْ كانَتِ الأرضُ البَيضاءُ قَليلةً، والنَّخيلُ أكثَرَ مِنها … جازَ أنْ يُساقيَه على النَّخيلِ، ويُزارِعَه على الأرضِ التي بَينَها؛ لِمَا رَوَى ابنُ عُمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ عامَلَ أهلَ خَيبَرَ على شَطرِ ما يَخرُجُ مِنها مِنْ ثَمرٍ وزَرعٍ» (٣)، وَلأنَّ الحاجةَ تَدْعو إلى جَوازِ هذه المُزارَعةِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ سَقْيُ النَّخيلِ إلَّا بسَقْيِ الأرضِ التي بَينَها.
فَلَو قُلْنا: لا يَجوزُ المُزارَعةُ عليها … لَلَزِمَ على العامِلِ عَملٌ لا يَستَحقُّ به عِوَضًا.
стр. 5363
إذا ثبَتَ هَذا: فإنْ قالَ: ساقَيتُكَ على النَّخيلِ أو الكَرْمِ، وزارَعتُكَ على الأرضِ التي بَينَها بالنِّصفِ … جازَ.
وإنْ قالَ: عامَلتُكَ على النَّخيلِ والأرضِ بالنِّصفِ … جازَ؛ لأنَّ لَفظَ المُعامَلةِ يَشمَلُهُما.
وإنْ قالَ: ساقَيتُكَ على النَّخيلِ والأرضِ بالنِّصفِ … لَم يَصحَّ في الأرضِ؛ لأنَّ المُساقاةَ لا تَتناوَلُ البَياضَ، وهَل تَبطُلُ المُساقاةُ في النَّخيلِ؟ فيه قولانِ، بِناءً على تَفريقِ الصَّفقةِ.
وإنْ قالَ: ساقَيتُكَ على النَّخيلِ بثُلُثِ ثَمرَتِها، وزارَعتُكَ على الأرضِ التي بَينَها بنِصفِ ما يَخرُجُ مِنها … هَلْ يَصحُّ؟ فيه وَجهانِ، حَكاهُما الشَّيخُ أبو إسحاقَ:
أحَدُهما: لا يَصحُّ؛ لأنَّ المُزارَعةَ إنَّما جازَتْ ههُنا تَبَعًا لِلنَّخلِ، فإذا فاضَلَ بَينَهما في العِوَضِ … لَم يَتبَعْ أحَدُهما الآخَرَ.
والآخَرُ: يَصحُّ، وهو الصَّحيحُ، ولَم يَذكُرِ الشَّيخُ أبو حامِدٍ في «التَّعليقُ»، وابنُ الصَّباغِ، غَيرَه، كَما لَو ساقاه على بُستانٍ فيه أنواعٌ مِنْ الثَّمرةِ، وجعلَ له مِنْ كلِّ نَوعٍ نَصيبًا، وفاضَلَ بينَ الأنصِباءِ.
وإنْ عَقدَ المُزارَعةَ، ثم عَقدَ المُساقاةَ … لَم تَصحَّ المُزارَعةُ؛ لأنَّها إنَّما أُجيزَتْ تَبَعًا لِلمُساقاةِ، فلا تَتقدَّمُ على المُساقاةِ.
وإنْ عَقدَ المُساقاةَ على النَّخلِ، ثم عَقدَ المُزارَعةَ على الأرضِ … ففيه وَجهانِ:
стр. 5364
أحَدُهما: لا تَصحُّ المُزارَعةُ؛ لأنَّها إنَّما أُجيزَتْ تَبَعًا لِلمُساقاةِ على النَّخيلِ، فإذا أفرَدَها بالعَقدِ … لَم تَصحَّ، كَما لَو باعَ الثَّمرةَ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، مِنْ غيرِ شَرطِ القَطعِ مُنفَرِدةً عن الشَّجرِ.
والآخَرُ: تَصحُّ؛ لأنَّا إنَّما جَوَّزْنا المُزارَعةَ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ سَقيُ النَّخيلِ إلَّا بسَقْيِ ما بَينَها مِنْ الأرضِ، وهذا المَعنَى مَوجودٌ، وإنْ عُقِدَتِ المُزارَعةُ بعدَ المُساقاةِ.
وإنْ كانَ بَياضُ الأرضِ الذي بينَ النَّخيلِ أكثَرَ مِنْ النَّخيلِ … فهَلْ تَصحُّ المُزارَعةُ عليه تَبَعًا لِلنَّخيلِ؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: تَصحُّ؛ لِمَا ذَكَرْناه مِنْ المَعنَى، وهو: أنَّه لا يُمكِنُه سَقْيُ النَّخيلِ إلَّا بسَقْيِ ما بَينَها مِنْ الأرضِ.
والآخَرُ: لا تَصحُّ؛ لأنَّ المُزارَعةَ إنَّما صَحَّتْ تَبَعًا لِلنَّخيلِ، والكَثيرُ لا يَتبَعُ القَليلَ، وإنَّما القَليلُ يَتبَعُ الكَثيرَ.
إذا ثبَتَ هَذا: فكلُّ مَوضِعٍ صَحَّحنا فيه المُزارَعةَ، فإنَّ البَذرَ يَكونُ مِنْ ربِّ الأرضِ، ويَكونُ مِنْ العامِلِ العَملُ، كالنَّخلِ في المُساقاةِ (١).
وَسَيأتي بَيانُ ذلك مُفصَّلًا عندَ الشَّافِعيةِ في المُزارَعةِ.
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا كانَ في الأرضِ شَجرٌ وبَينَه بَياضُ أرضٍ، فساقاه على الشَّجرِ وزارَعَه الأرضَ التي بينَ الشَّجرِ، جازَ، سَواءٌ قَلَّ بَياضُ الأرضِ أو
стр. 5365
كَثُرَ، نَصَّ عليه أحمَدُ، وقالَ: قد دفعَ النَّبيُّ ﷺ خَيبَرَ على هَذا، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وبِهَذا قالَ كلُّ مَنْ أَجازَ المُزارَعةَ في الأرضِ المُفرَدةِ.
فَإذا قالَ: ساقَيتُكَ على الشَّجرِ، وزارَعتُكَ على الأرضِ بالنِّصفِ، جازَ،
وإنْ قالَ: عامَلتُكَ على الأرضِ والشَّجرِ على النِّصفِ، جازَ؛ لأنَّ المُعامَلةَ تَشمَلُهُما.
وإنْ قالَ: زارَعتُكَ على الأرضِ بالنِّصفِ، وساقَيتُكَ على الشَّجرِ بالرُّبُعِ جازَ، كَما يَجوزُ أنْ يُساقِيَه على أنواعٍ مِنْ الشَّجرِ، ويَجعَلَ له في كلِّ نَوعٍ قَدْرًا.
وإنْ قالَ: ساقَيتُكَ على الأرضِ والشَّجرِ بالنِّصفِ جازَ؛ لأنَّ المُزارَعةَ مُساقاةٌ مِنْ حَيثُ إنَّها تَحتاجُ إلى السَّقْيِ فيها لِحاجةِ الشَّجرِ إلَيه.
وقالَ أصحابُ الشَّافِعيِّ: لا يَصحُّ؛ لأنَّ المُساقاةَ لا تَتناوَلُ الأرضَ، وتَصحُّ في النَّخلِ وَحدَه، وقيلَ: يُبنَى على تَفريقِ الصَّفقةِ.
وَلَنا: أنَّه عَبَّرَ عن عَقدٍ بلَفظِ عَقدٍ يُشارِكُه في المَعنَى المَشهورِ به في الِاشتِقاقِ، فصَحَّ، كَما لَو عَبَّرَ بلَفظِ البَيعِ في المُسلَّمِ، ولأنَّ المَقصودَ المَعنَى، وقَد عُلِمَ بقَرائِنِ أحوالِه، وهَكَذا إنْ قالَ في الأرضِ البَيضاءِ: ساقَيتُكَ على هذه الأرضِ بنِصفِ ما يُزرَعُ فيها.
فَأمَّا إنْ قالَ: ساقَيتُكَ على الشَّجرِ بالنِّصفِ، ولَم يَذكُرِ الأرضَ، لَم تَدخُلْ في العَقدِ، وليسَ لِلعاملِ أنْ يَزرَعَ، وبِهَذا قالَ الشافِعيُّ، وقالَ مالِكٌ وأبو يُوسفَ: لِلدَّاخِلِ زَرعُ البَياضِ، فإنْ تَشارَطَا أنَّ ذلك بَينَهما فهو جائِزٌ،
стр. 5366
وإنِ اشترَطَ صاحِبُ الأرضِ أنَّه يَزرَعُ البَياضَ، لَم يَصحَّ؛ لأنَّ الدَّاخِلَ يَسقي لربِّ الأرضِ؛ فتلك زِيادةٌ ازدادَها عليه.
وَلَنا: أنَّ هذا لَم يَتناوَلْه العَقدُ؛ فلَم يَدخُلْ فيه، كَما لَو كانَتْ أرضًا مُفرَدةً.
وإنْ زارَعَهُ أرضًا فيها شَجراتٌ يَسيرةٌ لَم يَجُزْ أنْ يَشتَرِطَ العامِلُ ثَمرَتَها، وبِهَذا قالَ الشافِعيُّ، وابنُ المُنذِرِ، وأجازَه مالِكٌ، إذا كانَ الشَّجرُ بقَدْرِ الثُّلُثِ، أو أقَلَّ؛ لأنَّه يَسيرٌ، فيَدخُلُ تَبَعًا.
وَلَنَا: أنَّه اشتِراطُ الثَّمرةِ كلِّها؛ فلَم يَجُزْ، كَما لَو كانَ الشَّجرُ أكثَرَ مِنْ الثُّلُثِ.
فَصلٌ: وإنْ آجَرَه بَياضَ أرضٍ وساقاه على الشَّجرِ الذي فيها، جازَ؛ لأنَّهما عَقدانِ، يَجوزُ إفرادُ كلِّ واحِدٍ مِنهما؛ فجازَ الجَمعُ بَينَهما؛ كالبَيعِ والإجارةِ، ويُحتَمَلُ ألَّا يَجوزَ؛ بِناءً على الوَجْهِ الذي لا يَجوزُ فيه الجَمعُ بَينَهما في الأصلِ، والأولُ أَوْلَى، إلَّا أنْ يَفعَلَا ذلك حِيلةً على شِراءِ الثَّمرةِ قبلَ وُجودِها، أو قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها؛ فلا يَجوزُ، سَواءٌ جَمَعَا بينَ العَقدَيْنِ، أو عَقدَا أحَدُهما بعدَ الآخَرِ؛ لِمَا ذَكَرْنا في إبطالِ الحِيَلِ (١).
стр. 5367
كتاب المُزارَعة
تَعريفُ المُزارَعةِ:
المُزارَعةُ في اللُّغةِ: مُفاعَلةٌ مِنْ الزَّرعِ، وهو الإنباتُ، والإنباتُ المُضافُ إلى العَبدِ مُباشَرةً فِعلٌ أجْرَى اللهُ العادةَ بحُصولِ النَّباتِ عُقَيْبَه، لا بتَخليقِه وإيجادِه (١).
أو مِنْ: زَرَعَ الحَبَّ زَرعًا، وزِراعةً: بَذَرَه، وزَرَعَ الأرضَ: حَرَثَها لِلزِّراعةِ، وزَرَعَ اللهُ الحَرثَ: أنبَتَه وأنْماه، وزارَعَه مُزارَعةً: عامَلَه بالمُزارَعةِ (٢).
وتُسَمَّى مُخابَرةً، فتَكونُ مُشتَقةً مِنْ خَيبَرَ؛ «فإنَّه ﷺ دفعَ خَيبَرَ مُزارَعةً» فسُمِّيتِ المُزارَعةُ مُخابَرةً لذلك، أو مِنْ الخَبِيرِ، وهو الأكَّارُ، وهو
стр. 5368
الفَلَّاحُ، أو مِنْ الخُبرةِ، بالضَّمِّ: النَّصيبِ، أو مِنْ الخَبَارِ: وهي الأرضُ اللَّيِّنةُ.
وتُسَمَّى المُحاقَلةَ، مُشتقَّةٌ مِنْ الحَقلِ، وهو الزَّرعُ إذا تَشعَّبَ قبلَ أنْ يَغلُظَ سُوقُه، وقيلَ: الحَقلُ: الأرضُ الطَّيِّبَةُ الخالِصةُ مِنْ شائِبةِ السَّبَخِ، الصَّالِحةُ لِلزِّراعةِ، ويُسَمِّيه أهلُ العِراقِ القِراحَ (١).
وقد جاءَ حَديثُ جابِرٍ مُفَسِّرًا، فرَوَى البُخاريُّ عن جابِرٍ قالَ: كانُوا يَزْرَعُونها بِالثُّلُثِ والرُّبُعِ والنِّصْفِ، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ كانَتْ له أرضٌ فلْيَزْرَعْهَا، أو لِيمْنَحْهَا؛ فإِنْ لَم يَفْعَلْ فلْيُمْسِكْ أرْضَهُ» (٢).
ورُوِيَ تَفسيرُها عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ ﵁ فرَوَى أبو داودَ بإسنادِه عن زَيدٍ ﵁ قالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن المُخَابَرَةِ. قُلتُ: وما المُخابَرَةُ؟ قالَ: أنْ تَأْخُذَ الأرْضَ بنِصْفٍ، أو ثُلُثٍ، أو رُبُعٍ» (٣).
المُزارَعةُ في الاصطِلاحِ:
تَعدَّدَتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ المُزارَعةِ:
فعَرفَها الحَنفيَّةُ بأنَّها: عِبارةٌ عن العَقدِ على المُزارَعةِ ببَعضِ الخارِجِ بشَرائِطِه المَوضوعةِ له شَرعًا (٤).
стр. 5369
وقالَ المالِكيَّةُ: المُزارَعةُ: الشَّرِكةُ في الزَّرعِ، ويُقالُ: الشَّرِكةُ في الحَرثِ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: المُخابَرةُ هي المُعامَلةُ على الأرضِ ببَعضِ ما يَخرُجُ منها، والبَذْرُ مِنْ العامِلِ.
والمُزارَعةُ: هذه المُعامَلةُ -أي: المُخابَرةُ- ولكِنَّ البَذْرَ فيها يَكونُ مِنْ المالِكِ (٢). (في السابقة من العامل والثَّانية من المالك).
وقالَ الحَنابِلةُ: والمُزارَعةُ دَفْعُ أرضٍ وحَبٍّ لِمَنْ يَزرَعُه ويَقومُ عليه، أو دَفعُ مَزروعٍ لِيَعمَلَ عليه المَدفوعُ له بجُزءٍ مَشاعٍ مَعلومٍ مِنْ المُتحَصَّلِ (٣).
стр. 5370
حُكمُ المُزارَعةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُزارَعةِ، هل هي جائِزةٌ أو لا؟
فذَهَبَ المالِكيَّةُ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ مِنْ الحَنفيَّةِ، والفَتوى على قَولِهما، والحَنابِلةُ والنَّوَويُّ وابنُ المُنذِرِ وابنُ خُزَيمةَ والخطَّابيُّ وغَيرُهم مِنْ الشافِعيَّةِ إلى جَوازِ المُزارَعةِ بشُروطٍ عندَ كُلٍّ منهم تأتي مُفصَّلةً؛ واستَدَلُّوا على ذلك بالسُّنةِ وإجماعِ الصَّحابةِ والمَعقولِ.
أمَّا السُّنةُ: فحَدِيثُ ابنِ عُمرَ ﵄ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أَوْ زَرْعٍ» (١).
وأمَّا إجماعُ الصَّحابةِ: فقالَ البُخاريُّ ﵀: وقالَ قَيسُ بنُ مُسْلِمٍ عن أبي جَعفَرٍ قال: «ما بالمَدِينَةِ أهلُ بَيتِ هِجرَةٍ إلَّا يَزرَعونَ على الثُّلُثِ والرُّبُعِ، وزَارَعَ عَلِيٌّ وسَعدُ بنُ مَالِكٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ مَسعُودٍ وعُمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ وَالقَاسِمُ وعُروَةُ وآلُ أبي بَكرٍ وآلُ عُمرَ وآلُ عَلِيٍّ … » (٢).
وقالَ البُخاريُّ ﵀: «وعَامَلَ عُمرُ النَّاسَ على: إنْ جاءَ عُمرُ بالبَذْرِ مِنْ عِندِه فلَهُ الشَّطرُ، وإنْ جاؤُوا بالبَذْرِ فلَهُم كذا … » (٣).
فهَلْ يَكونُ عَملٌ يُمكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّه إجماعٌ أظهَرُ مِنْ هذا، أو أفْشَى
стр. 5371
منه؟! فمِثلُ هذا لا يَقصُرُ عن رُتبةِ الإجماعِ.
فهذا أمْرٌ صَحيحٌ مَشهورٌ عَمِلَ به رَسولُ اللهِ ﷺ حتى ماتَ، ثم خُلفاؤُه الرَّاشِدونَ، حتى ماتوا، ثم أهلُوهُم مِنْ بَعدِهم، ولَم يَبْقَ بالمَدينةِ أهلُ بَيتٍ إلا عَمِلَ به؛ فلم يُنكِرْه مُنكِرٌ؛ فكانَ إجماعًا.
وقد عَمِلَ به أزواجُ رَسولِ اللهِ ﷺ مِنْ بَعدِه، فرَوَى البُخاريُّ عن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عامَلَ خَيبَرَ بِشَطرِ ما يَخرُجُ منها مِنْ ثَمرٍ أو زَرعٍ، فكَانَ يُعطِي أَزوَاجَهُ مِئةَ وَسقٍ، ثمَانينَ وَسقَ تَمرٍ، وَعِشرينَ وَسقَ شعِيرٍ، فقَسَمَ عُمرُ خَيبَرَ، فخَيَّرَ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُقطِعَ لهُنَّ مِنْ المَاءِ وَالأَرْضِ أو يُمضِيَ لهُنَّ، فَمِنهنَّ مَنِ اختَارَ الأَرْضَ، وَمِنهنَّ مَنِ اختَارَ الوَسْقَ، وكَانَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ مِمَّنِ اخْتارَتَا الأرضَ والمَاءَ» (١).
وَمِثلُ هذا لا يَجوزُ أنْ يُنسَخَ؛ لأنَّ النَّسخَ إنَّما يَكونُ في حَياةِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأمَّا شَيءٌ عَمِلَ به إلى أنْ ماتَ، ثم عَمِلَ به خُلَفاؤُه بَعدَه، وأجمَعَتِ الصَّحابةُ رِضوانُ اللَّهِ عليهم عليه، وعَمِلوا به، ولَم يُخالِفْ فيه مِنهم، فكَيفَ يَجوزُ نَسْخُه؟ ومتى كانَ نَسخُه؟ فإنْ كانَ نُسِخَ في حَياةِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ فكَيفَ عُمِلَ به بعدَ نَسخِه؟ وكَيفَ خَفِيَ نَسخُه فلَم يَبلُغْ خُلَفاءَه، مع اشتِهارِ قِصَّةِ خَيبَرَ، وعَملِهم فيها؟ فأينَ كانَ راوي النَّسخِ حتى لَم يَذْكُرْه، ولَم يُخبِرْهم بهِ (٢).
стр. 5372
وأمَّا المَعقولُ: فأنَّ الحاجةَ ماسَّةٌ إلَى المُزارَعةِ؛ لأنَّ صاحِبَ الأرضِ قد لا يَقدِرُ على العَملِ بنَفْسِه، ولا يَجِدُ ما يَستَأجِرُ به، والقادِرُ على العَملِ لا يَجِدُ أرضًا، ولا ما يَعمَلُ به، فدَعَتِ الحاجةُ إلى جَوازِها؛ دَفعًا لِلحاجةِ، كالمُضارَبةِ (١).
وذَهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وزُفَرُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُزارَعةَ والمُخابَرةَ لا تَصحُّ، وهي باطِلةٌ -إلَّا في البَياضِ الذي بينَ النَّخلِ والعِنَبِ عندَ الشافِعيَّةِ على ما يَأْتي تَفصيلُه- واستَدَلُّوا على ذلك بالسُّنةِ والمَعقولِ:
أمَّا السُّنةُ: فعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ السَّائِبِ قالَ: دخَلْنَا على عَبدِ اللَّهِ بنِ مَعْقِلٍ فسَالنَاهُ عن المُزارَعةِ فقالَ: «زَعَم ثَابِتٌ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عن المُزارَعةِ، وأمَرَ بالمُؤَاجَرةِ، وقالَ: لا بَأْسَ بها» (٢).
وعن سُليمَانَ بنِ يَسَارٍ أنَّ رَافِعَ بنَ خَديجٍ قالَ: «كُنَّا نُخَابِرُ على عَهدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فذكرَ أنَّ بَعضَ عُمُومَتهِ أتَاهُ فقالَ: نَهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن أمْرٍ كانَ لنا نَافِعًا، وَطَوَاعيَةُ اللَّهِ وَرسُولِهِ أنْفَعُ لنا وأنْفَعُ.
стр. 5373
قالَ: قُلْنا: وما ذاك؟ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كانَتْ له أرضٌ فلْيَزْرَعْهَا، أو فَلْيُزْرِعْهَا أخَاهُ، ولا يُكارِهَا بثُلُثٍ ولا برُبُعٍ ولا بطَعَامٍ مُسمًّى» (١).
وفي لَفظٍ قالَ: «جاءَنَا أبو رَافِعٍ مِنْ عِنْدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: نَهَانَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن أمْرٍ كانَ يَرْفُقُ بِنَا، وطَاعَةُ اللَّهِ وطَاعَةُ رَسُولهِ أرْفَقُ بِنَا، نَهَانَا أنْ يَزْرَعَ أحَدُنَا إلَّا أرْضًا يَمْلِكُ رَقَبَتَها، أو مَنيحَةً يَمْنَحُها رَجُلٌ» (٢).
وفي لَفظٍ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنهَاكُمْ عن الحَقْلِ (يَعني كِراءَ المَزارِعِ)، وقالَ: مَنِ استَغْنَى عن أَرضِهِ فَليَمنَحْها أخَاهُ، أو لِيَدَعْ» (٣).
وعن أبي جَعفَرٍ الخَطْمِيِّ قالَ: بَعَثَنِي عَمِّي أنا وغُلَامًا له إلى سَعِيدِ بنِ المُسيِّبِ قالَ: فَقُلنَا له: شَيءٌ بَلَغَنَا عَنْكَ في المُزَارَعَةِ. قالَ: كانَ ابنُ عُمرَ لا يَرَى بها بَأْسًا حتى بَلَغَهُ عن رافِعِ بنِ خَدِيجٍ حَدِيثٌ، فأَتَاهُ فَأَخبَرَهُ رافِعٌ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتَى بَنِي حارِثَةَ، فرَأَى زَرْعًا في أرْضِ ظُهيْرٍ، فقالَ: ما أحْسَنَ زَرعَ ظُهيْرٍ! قالوا: ليس لِظُهيْرٍ. قالَ: ألَيسَ أرضَ ظُهيْرٍ؟ قالوا: بَلَى، ولَكنَّهُ زَرعُ فُلانٍ. قالَ: فخُذُوا زَرعَكُمْ ورُدُّوا عليه النَّفَقَةَ. قالَ رافِعٌ: فأَخَذْنَا زَرعَنَا ورَدَدْنَا إليه النَّفَقَةَ. قالَ سَعِيدٌ: أفْقِرْ أخَاكَ، أو أكْرِهِ بِالدَّرَاهِمِ (٤).
стр. 5374
وعن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ يَقولُ: «كُنَّا في زَمانِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ نَأْخُذُ الأرضَ بِالثُّلُثِ أوِ الرُّبُعِ، بالمَاذِيَانَاتِ، فقَامَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ في ذلك فقالَ: مَنْ كانَتْ له أرضٌ فَليَزْرَعْهَا، فَإنْ لم يَزرَعْهَا فَليَمْنَحْهَا أخَاهُ، فَإنْ لم يَمنَحْهَا أخَاهُ فَلْيُمْسِكْهَا» (١).
وعن رافِعٍ عن النَّبِيِّ ﷺ «أنَّه مَرَّ بِحائِطٍ فأَعْجَبَهُ، فقالَ: لِمَنْ هذا؟ قُلتُ: هو لي. قالَ: مِنْ أيْنَ لكَ هذا؟ قُلتُ: اسْتأْجَرْتُهُ. قال: لا تَسْتَأْجِرْهُ بِشَيْءٍ» (٢).
ورُوِيَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ «أنَّه نَهَى عن قَفيزِ الطَّحَّانِ» (٣). والاستِئجارُ ببَعضِ الخارِجِ في مَعناه، والمَنهيُّ غيرُ مَشروعٍ.
وَعن رَافِعِ بنِ أُسيْدِ بنِ ظُهيْرٍ عن أبيه أُسيْدِ بنِ ظُهيْرٍ «أنَّه خَرجَ إلى قَوْمهِ إلى بَني حَارِثَةَ، فقالَ: يا بَني حَارِثَةَ، لقد دخلَتْ علَيْكُمْ مُصيبَةٌ. قالوا: ما هي؟ قالَ: نَهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن كِراءِ الأرضِ. قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذًا نُكرِيهَا بِشَيءٍ مِنْ الحَبِّ. قالَ: لا. قالَ: وكُنَّا نُكرِيهَا بِالتِّبنِ. فقالَ: لا. وكُنَّا نُكرِيهَا بِما على الرَّبِيعِ السَّاقِي. قالَ: لا، ازرَعْهَا أوِ امنَحْهَا أخَاكَ» (٤).
وَظاهِرُ قَولِه ﷺ : «ازرَعْها أوِ امنَحْها أخاكَ»، يَدلُّ على سَدِّ بابِ المُزارَعةِ عليهم بالنَّهْيِ مُطلَقًا.
стр. 5375
وَإنَّما سَمَّى ذلك مُصيبةً لَهم لأنَّ اكتِسابَهم كانَ بطَريقِ المُزارَعةِ، وكانوا قد تَعارَفوا ذلك، وكانَ يَشُقُّ عليهم تَركُها.
وأمَّا المَعقولُ فهو أنَّ الِاستِئجارَ ببَعضِ الخارِجِ مِنْ النِّصفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ ونَحوِه استِئجارٌ ببَدَلٍ مَجهولٍ، وأنَّه لا يَجوزُ، كَما إذا استَأجَرَه أنْ يَرعَى غَنَمَه ببَعضِ الخارِجِ مَنه، وبه تَبيَّنَ أنَّ حَديثَ خَيبَرَ مَحمولٌ على الجِزيةِ دونَ المُزارَعةِ؛ صِيانةً لِدَلائِلِ الشَّرعِ عن التَّناقُضِ، والدَّليلُ على أنَّه لا يُمكِنُ حَملُه على المُزارَعةِ أنَّه ﵊ قالَ فيهِ: «أُقِرُّكُمْ ما أقَرَّكُمُ اللهُ بهِ» (١). وهذا منه ﵊ تَجهيلُ المدَّةِ، وجَهالةُ المدَّةِ تَمنَعُ صِحَّةَ المُزارَعةِ بلا خِلافٍ، بَقيَ تَركُ الإنكارِ على التَّعامُلِ، وذا يَحتَمِلُ أنْ يَكونَ لِلجَوازِ، ويَحتَمِلُ أنْ يَكونَ لِكَونِه مَحَلَّ الِاجتِهادِ؛ فلا يَدلُّ على الجَوازِ مع الِاحتِمالِ (٢).
وسِرُّ النَّهيِ عن المُزارَعةِ أنَّ تَحصيلَ مَنفَعةِ الأرضِ مُمكِنٌ بالإجارةِ فلَم يَجُزِ العَملُ عليها ببَعضِ ما يَخرُجُ منها؛ كالمَواشي، بخِلافِ الشَّجرِ؛ فإنَّه لا يُمكِنُ عَقدُ الإجارةِ عليه؛ فجُوِّزتِ المُساقاةُ لِلحاجةِ (٣).
стр. 5376
قالَ الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: وقالَ ابنُ سُرَيجٍ: تَجوزُ المُزارَعةُ.
قُلتُ -أي: النَّوَويُ-: قد قالَ بجَوازِ المُزارَعةِ والمُخابَرةِ مِنْ كِبارِ أصحابِنا أيضًا ابنُ خُزَيمةَ، وابنُ المُنذِرِ، والخطَّابيُّ، وصَنَّفَ فيها ابن خُزَيمةَ جُزءًا، وبيَّنَ فيه عِلَلَ الأحاديثِ الوارِدةِ بالنَّهيِ عَنها، وجَمَعَ بينَ أحاديثِ البابِ، ثم تابَعَه الخطَّابيُّ وقالَ: قد ضَعَّفَ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ ﵀ حَديثَ النَّهيِ، وقالَ: هو مُضطَرِبٌ كَثيرُ الألوانِ.
قالَ الخطَّابيُّ ﵀: وأبطَلَها مالِكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ ﵏ تَعالى؛ لأنَّهم لَم يَقِفوا على عِلَّتِه، قالَ: والمُزارَعةُ جائِزةٌ، وهي مِنْ عَملِ المُسلِمينَ في جَميعِ الأمصارِ، لا يُبطِلُ العَملَ بها أحَدٌ. هذا كَلامُ الخطَّابيِّ.
والمُختارُ جَوازُ المُزارَعةِ والمُخابَرةِ، وتَأويلُ الأحاديثِ على ما إذا اشتُرِطَ لِواحِدٍ زَرعُ قِطعةٍ مُعيَّنةٍ، ولِآخَرَ أُخرَى، والمَعروفُ في المَذهبِ إبطالُ هذه المُعامَلةِ، واللَّهُ أعلمُ، هذا كَلامُ الرَّوضةِ (١).
وقالَ في «شَرح مُسلِم»: وقالَ أبو حَنيفةَ، وزُفَرُ: المُزارَعةُ والمُساقاةُ فاسِدَتانِ، سَواءٌ جَمَعَهما أو فَرَّقَهما، ولَو عُقِدَتا فُسِخَتا.
وقالَ ابنُ أبي لَيلى وأبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ وسائِرُ الكُوفيِّينَ وفُقهاءُ المُحدَثينَ، وأحمَدُ وابنُ خُزَيمةَ وابنُ شُرَيحٍ وآخَرونَ: تَجوزُ المُساقاةُ والمُزارَعةُ مُجتَمِعَتَيْنِ، وتَجوزُ كلُّ واحِدةٍ مِنهما مُنفَرِدةً، وهذا هو الظَّاهِرُ
стр. 5377
المُختارُ؛ لِحَديثِ خَيبَرَ، ولا يُقبَلُ دَعوَى كَوْنِ المُزارَعةِ في خَيبَرَ، إنَّما جازَتْ تَبَعًا لِلمُساقاةِ، بَلْ جازَتْ مُستقِلَّةً؛ ولأنَّ المَعنَى المُجَوِّزَ لِلمُساقاةِ مَوجودٌ في المُزارَعةِ؛ قِياسًا على القِراضِ؛ فإنَّه جائِزٌ بالإجماعِ، وهو كالمُزارَعةِ في كلِّ شَيءٍ، ولأنَّ المُسلِمينَ في جَميعِ الأمصارِ والأعصارِ مُستَمِرُّونَ على العَملِ بالمُزارَعةِ، وأمَّا الأحاديثُ السَّابِقةُ في النَّهيِ عن المُخابَرةِ فسَبَقَ الجَوابُ عَنها، وأنَّها مَحمولةٌ على ما إذا شَرَطا لكلِّ واحِدٍ قِطعةً مُعيَّنةً مِنْ الأرضِ، وقَد صَنَّفَ ابنُ خُزَيمةَ كِتابًا في جَوازِ المُزارَعةِ، واستَقصَى فيه وأجادَ وأجابَ عن الأحاديثِ بالنَّهيِ، واللَّهُ أعلمُ (١).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ﵀: ومَن أعطَى النَّظَرَ حَقَّهُ عَلِمَ أنَّ المُزارَعةَ أبعَدُ عن الظُّلمِ والقِمارِ مِنْ الإجارةِ بأُجرةٍ مُسمَّاةٍ مَضمونةٍ في الذِّمةِ، فإنَّ المُستَأجِرَ إنَّما يَقصِدُ الِانتِفاعَ بالزَّرعِ النَّابِتِ في الأرضِ، فإذا وجبَ عليه الأُجرةُ، ومَقصودُه مِنْ الزَّرعِ قد يَحصُلُ، وقَد لا يَحصُلُ، كانَ في هذا حُصولُ أحَدِ المُتعاوِضَيْنِ على مَقصودِه دونَ الآخَرِ؛ فأحَدُهما غانِمٌ، ولا بدَّ، والآخَرُ مُتردِّدٌ بينَ المَغنَمِ والمَغرَمِ.
وأمَّا المُزارَعةُ؛ فإنْ حَصَلَ الزَّرعُ اشترَكا فيه، وإنْ لَم يَحصُلْ شَيءٌ اشترَكا في الحِرمانِ؛ فلا يُختَصُّ أحَدُهما بحُصولِ مَقصودِه دونَ الآخَرِ، فهذا أقرَبُ إلى العَدلِ وأبعَدُ عن الظُّلمِ والغَرَرِ مِنْ الإجارةِ (٢).
стр. 5378
أركانُ المُزارَعةِ:
رُكنُ المُزارَعةِ عندَ الحَنفيَّةِ هو الإيجابُ، والقَبولُ، وهو أنْ يَقولَ صاحِبُ الأرضِ لِلعاملِ: دَفَعتُ إلَيكَ هذه الأرضَ مُزارَعةً بكَذا، ويَقولَ العامِلُ: قَبِلتُ، أو رَضيتُ، أو ما يَدلُّ على قَبولِه ورِضاه، فإذا وُجِدا تَمَّ العَقدُ بَينَهما، أو قالَ الفَلَّاحُ العامِلُ لِصاحِبِ الأرضِ: أعطِني أرضَكَ على وَجْهِ المُزارَعةِ؛ لِأعمَلَ فيها على كَذا، ورَضيَ الآخَرُ، تَنعقِدُ المُزارَعةُ (١).
وقالَ الحَصْكَفيُّ ﵀: أركانُها أربَعةٌ: أرضٌ وبَذْرٌ وعَملٌ وبَقَرٌ (٢).
شُروطُ صِحَّةِ المُزارَعةِ:
ذكرَ الفُقهاءُ شُروطًا لِصِحَّةِ المُزارَعةِ، مِنها ما يُشترَطُ في العاقِدَيْنِ؛ فقَدِ اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ في العاقِدَيْنِ في المُساقاةِ والمُزارَعةِ أنْ يَكونا جائِزَيِ التَصرُّفِ؛ لأنَّ كُلًّا مِنهما عَقدُ مُعاوَضةٍ ومُعامَلةٍ على المالِ، فعُدَّ لَها ذلك كالبَيعِ والإجارةِ والقِراضِ.
وأمَّا المَحجورُ عليه لِصِغَرٍ أو جُنونٍ، وكَذا لِسَفَهٍ، عندَ مَنْ يَقولُ بالحَجرِ على السَّفيهِ، فلا يَصحُّ أنْ يُساقَى، ولا أنْ يُزارَعَ؛ لأنَّ العَقلَ شَرطُ أهلِيَّةِ التَصرُّفاتِ، فيَقومُ وَلِيُّهُ عنه بذلك عندَ المَصلَحةِ لِلِاحتِياجِ إلَيه.
وأمَّا البُلوغُ فليسَ بشَرطٍ لِجَوازِ المُزارَعةِ والمُساقاةِ عندَ الحَنفيَّةِ، خِلافًا لِلجُمهورِ، حتى إنَّه تَجوزُ عِندَهم مُزارَعةُ الصَّبيِّ المَأذونِ ومُساقاتُهُ،
стр. 5379
دَفعًا واحِدًا؛ لأنَّ المُزارَعةَ استِئجارٌ ببَعضِ الخارِجِ، والصَّبيُّ المَأذونُ يَملِكُ الإجارةَ؛ لأنَّها تِجارةٌ، فيَملِكُ المُزارَعةَ (١).
وَكَذا يُشترَطُ شُروطٌ أُخرَى في الأرضِ والبَذْرِ والعَملِ والبَقَرِ، على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهَبٍ على النَّحوِ التَّالي:
أولًا: مَذهَبُ الحَنفيَّةِ:
لا تَصحُّ المُزارَعةُ عندَ الحَنفيَّةِ إلَّا بشُروطٍ ثَمانيةٍ، هيَ:
١ - صَلاحيةُ الأرضِ لِلزِّراعةِ: لأنَّ المَقصودَ هو الرِّبحُ، وهو لا يَحصُلُ بدُونِه، حتى لَو كانَتْ سَبخةً أو نَزَّةً، لا يَجوزُ العَقدُ، وأمَّا إذا كانَتْ صالِحةً لِلزِّراعةِ في المدَّةِ لَكِنْ لا يُمكِنُ زَرعُها وَقتَ العَقدِ بعارِضٍ مِنْ انقِطاعِ الماءِ، ووَقتَ زَمانِ الشِّتاءِ، ونَحوِه مِنْ العَوارِضِ التي هي على شَرَفِ الزَّوالِ في المدَّةِ، تَجوزُ مُزارَعَتُها.
٢ - أهليَّةُ العاقِدَيْنِ: أي: كَوْنُ ربِّ الأرضِ والمُزارَعِ مِنْ أهْلِ العَقدِ.
٣ - ذِكْرُ المدَّةِ؛ لأنَّها تَنعقِدُ إجارةً ابتِداءً، وشَرِكةً انتِهاءً، ولأنَّ العَقدَ يُرَدُّ على مَنفَعةِ ربِّ الأرضِ إنْ كانَ البَذْرُ مِنْ جِهةِ العامِلِ، وعَلَى مَنفَعةِ العامِلِ إنْ كانَ البَذْرُ مِنْ جِهةِ ربِّ الأرضِ، والمَنفَعةُ هُنا لا يُعرَفُ مِقدارُها إلَّا ببَيانِ
стр. 5380
المدَّةِ، فكانَ مِعيارًا لِلمَنفَعةِ. ويُشترَطُ في المدَّةِ: ألَّا تَكونَ أقَلَّ ممَّا يُمكِنُ فيه الزِّراعةُ، وألَّا تَكونَ لا يَعيشُ إلى مِثلِها أحَدَهُما في الأغلَبِ.
وسَيأتي خِلافٌ فيها عندَ الحَنفيَّةِ في حُكمِ بَيانِ المدَّةِ.
٤ - ذِكْرُ ربِّ البَذْرِ: وذِكْرُه بتَسميَته؛ لأنَّه المُستَأجِرُ.
٥ - ذِكْرُ جِنسِهِ: أي: جِنسِ البَذْرِ؛ لِيَصيرَ الأجرُ مَعلومًا؛ لأنَّه مِنه.
٦ - ذِكْرُ نَصيبِ الآخَرِ: وهو غيرُ ربِّ البَذْرِ؛ لأنَّه أُجرةُ عَملِه وأرضِه. ولَو بيَّنَّا حَظَّ ربِّ البَذْرِ وسَكَتْنَا عن حَظِّ العامِلِ، جازَ؛ استِسحانًا.
٧ - شَرْطُ التَّخليةِ بينَ الأرضِ والعامِلِ: لِيَتمكَّنَ مِنْ العَملِ، فلَو شُرِطَ عَملُ ربِّ الأرضِ مع العامِلِ، لا يَصحُّ؛ لِفَواتِ التَّخليةِ.
٨ - أنْ يَكونَ الخارِجُ مُشترَكًا بَينَهما: لِتحَقُّقِ المَعنَى المَقصودِ مِنْ المُزارَعةِ، وهو الشَّرِكةُ؛ لأنَّها تَنعقِدُ إجارةً في الِابتِداءِ، وشَرِكةً في الِانتِهاءِ.
ولِمَا مَرَّ في المُضارَبةِ فكلُّ شَرطٍ يُؤدِّي إلى قَطعِ الشَّرِكةِ يُفسِدُها، حتى لَو شَرَطا لِأحَدِهِما قُفَزانًا مَعلومةً، أو ما على السَّواقي، أو أنْ يَأخُذَ ربُّ البَذْرِ بَذْرَه، ثم يُقسِّمَ البقيَّةَ، أو يَأخُذَ الخَراجَ، ثم يُقسِّمَ البَقيَّةَ، فسَدَتْ؛ لِجَوازِ ألَّا يَخرُجَ مِنْ الأرضِ إلَّا هذا القَدْرُ، ولأنَّه يُؤدِّي إلى قَطعِ الشَّرِكةِ، وقَد مَرَّ في المُضارَبةِ.
وَكَذا تَفسُدُ المُزارَعةُ إنْ شُرِطَ التِّبنُ لِغَيرِ ربِّ البَذْرِ، ثم قِسمةُ الحَبِّ؛ لأنَّ هذا الشَّرطَ يُؤدِّي إلى قَطعِ الشَّرِكةِ إذا لَم يَخرُجْ إلَّا التِّبنُ؛ لأنَّ استِحقاقَ غيرِ صاحِبِ البَذْرِ إنَّما هو بالشَّرطِ.
стр. 5381
وَصَحَّ إنْ شُرِطَ التِّبنُ لربِّ البَذْرِ؛ لأنَّ ذلك حُكمُ عَقدِ المُزارَعةِ، أو إنْ لَم يُتَعَرضْ لِلتِّبنِ؛ لِاشتِراطِهِما الشَّرِكةَ فيما هو المَقصودُ -وَهو الحَبُّ-، والتِّبنُ لِصاحِبِ البَذْرِ لا يَحتاجُ في أخْذِه إلى شَرطٍ؛ لأنَّه نَماءُ بَذْرِه.
٩ - أنْ تَكونَ حِصَّةُ كلِّ واحِدٍ مِنْ المُزارَعَيْنِ بَعضَ الخارِجِ، حتى لَو شَرَطا أنْ يَكونَ مِنْ غَيرِه، لا يَصحُّ العَقدُ؛ لأنَّ المُزارَعةَ استِئجارٌ ببَعضِ الخارِجِ، به تَنفَصِلُ عن الإجارةِ المُطلَقةِ.
١٠ - أنْ يَكونَ ذلك البَعضُ مِنْ الخارِجِ مَعلومَ القَدْرِ، مِنْ النِّصفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ، ونَحوِها؛ لأنَّ تَرْكَ التَّقديرِ يُؤدِّي إلى الجَهالةِ المُفضيةِ إلى المُنازَعةِ، ولِهَذا شُرِطَ بَيانُ مِقدارِ الأُجرةِ في الإجاراتِ، كَذا هَذا.
١١ - أنْ يَكونَ جُزءًا شائِعًا مِنْ الجُملةِ، حتى لَو شُرِطَ لِأحَدِهِما قُفَزانٌ مَعلومةٌ، لا يَصحُّ العَقدُ؛ لأنَّ المُزارَعةَ فيها مَعنَى الإجارةِ، ولأنَّ الشَّرِكةَ تَنعقِدُ إجارةً، ثم تَتِمُّ شَرِكةً.
١٢ - وأنْ تَكونَ الأرضُ مَعلومةً؛ فإنْ كانَتْ مَجهولةً لا تَصحُّ المُزارَعةُ؛ لأنَّها تُؤدِّي إلى المُنازَعةِ، ولَو دفعَ الأرضَ مُزارَعةً على أنَّ ما يُزرَعُ فيها حِنطةٌ، فكَذا، أو أنَّ ما يُزرَعُ فيها شَعيرٌ، فكَذا، فَسَدَ العَقدُ؛ لأنَّ المَزروعَ فيها مَجهولٌ، وكَذا لَو قالَ: على أنْ يَزرَعَ بَعضَها حِنطةً وبَعضَها شَعيرًا؛ لأنَّ التَّنصيصَ على التَّبعيضِ تَنصيصٌ على التَّجهيلِ، ولَو قالَ: على أنَّ ما زُرِعَتْ فيها حِنطةٌ، فكَذا، وما زُرِعَ فيها شَعيرٌ، فكَذا، جازَ، لأنَّه جعلَ الأرضَ كلَّها ظَرفًا لِزَرعِ الحِنطةِ، أو لِزَرعِ الشَّعيرِ، فانعَدَمَ التَّجهيلُ (١).
стр. 5382
شُروطُ صِحَّةِ المُزارَعةِ عندَ المالِكيَّةِ:
قالَ المالِكيَّةُ: تَصحُّ المُزارَعةُ بأربَعةِ شُروطٍ:
الشَّرطُ الأولُ: إنْ سَلِمَا: أي: المُتعاقِدانِ، مِنْ كِراءِ الأرضِ بأجْرٍ مَمنوعٍ كِراؤُها به؛ بأنْ وقعَ الكِراءُ بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، أو بعَرضٍ، أو حَيَوانٍ، لا بطَعامٍ، ولو لم تُنبِتْهُ الأرضُ، كعَسَلٍ، ولا ببَعضِ ما تُنبِتُه مِنْ غيرِ الطَّعامِ، كالقُطنِ والكَتَّانِ، ويَجوزُ بالقَصَبِ والخَشَبِ ونَحوِهما، كالحَشيشِ والشَّبِّ والكِبريتِ، ونَحوِ ذلك مِنْ المَعادِنِ.
والدَّليلُ على مَنعِ ذلك: ما رَواه سُليمَانُ بنُ يَسَارٍ أنَّ رَافِعَ بنَ خَديجٍ قالَ: «كُنَّا نُخَابِرُ على عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فذكرَ أنَّ بَعْضَ عُمُومَتهِ أتَاهُ فقالَ: نَهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن أمْرٍ كانَ لنا نَافِعًا، وَطَوَاعيَةُ اللَّهِ وَرسُولِهِ أنْفَعُ لنا، وأَنْفَعُ، قالَ: قُلْنا: وما ذاكَ؟ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كانَتْ له أرضٌ فلْيَزْرَعْهَا، أو فَلْيُزْرِعْهَا أخَاهُ، ولا يُكارِهَا بثُلُثٍ ولا برُبُعٍ ولا بطَعَامٍ مُسمًّى» (١). وهذا نَصٌّ، ولأنَّه طَعامٌ، أشبَهَ ما تُنبِتُه، ولأنَّ ذلك بَيعُ طَعامٍ بطَعامٍ مُتأخِّرٍ ومَجهولٍ؛ لأنَّ المالِكَ كأنَّه باعَه بهذا الطَّعامِ، أو ما تُنبِتُه أرضُه أو بكِراءٍ مِنْ طَعامٍ بمِثلِه إلى أجَلٍ، وابتاعَ منه عَسَلًا أو لَبنًا، بما تُخرِجُه أرضُهُ إلى أجَلٍ، فدَليلُنا على مَنعِ إجارَتِها ببَعضِ ما يَخرُجُ منها مِنْ غيرِ الطَّعامِ ما رَواهُ حَنظَلَةُ بنُ قَيسٍ عن رافِعِ بنِ خَدِيجٍ قال:
стр. 5383
«نَهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن كِراءِ المَزَارِعِ، قالَ: قُلتُ: بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ؟ قالَ: لا، إنَّما نَهَى عنه بِبَعْضِ ما يَخْرُجُ منها، فأَمَّا بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ فلَا بأْسَ بهِ» (١)، وَلأنَّ الكَتَّانَ والقُطنَ وغَيرَهما ممَّا تُنبِتُه الأرضُ، فأشبَهَ إذا اشترَطا الثُّلُثَ أو الرُّبُعَ، وأمَّا القَصَبُ والخَشَبُ فإنَّهما لَيسَا ممَّا يُزرَعُ أو يُقصَدُ كِراؤُه لِزَرعِه، فجازَ.
الشَّرطُ الثَّاني: يُقابِلُها مُساوٍ: يَعني أنَّ الأرضَ إذا قابَلَها ما يُساويها مِنْ غيرِ البَذْرِ فإنَّ الشَّرِكةَ تَكونُ صَحيحةً، والمُرادُ أنْ يُقابِلَها مُساوٍ على قَدْرِ الرِّبحِ الواقِعِ بَينَهما، فعلى هذا لَو كانَتْ أُجرةُ الأرضِ مِئةً، والبَقَرِ والعَملِ خَمسينَ، ودخلَا على أنَّ لربِّ الأرضِ الثُّلُثيْنِ ولربِّ البَقَرِ والعَملِ الثُّلُثَ، جازَ، وإنْ دخلَا على النِّصفِ لَم يَجُزْ؛ لأنَّه سَلَفٌ، وإنْ كانَ الأمْرُ بالعَكسِ ودخلَا على أنَّ لربِّ البَقَرِ والعَملِ الثُّلُثيْنِ، ولربِّ الأرضِ الثُّلُثَ، جازَ، وإنْ دخلَا على النِّصفِ فَسَدَ؛ لأنَّه سَلَفٌ.
وإنْ كانَتْ أُجرةُ الأرضِ خَمسينَ، والبَقَرِ والعَملِ خَمسينَ، ودخلَا على الثُّلُثِ والثُّلُثيْنِ، فَسَدَ؛ فالمُرادُ بالتَّساوي أنْ يَكونَ الرِّبحُ مُطابِقًا لِلمُخرَجِ؛ فلا بدَّ أنْ يَستَويا في الخارِجِ والمُخرَجِ جَميعًا، وليسَ المُرادُ بالتَّساوي أنْ يَكونَ لِكُلٍّ مِنهما النِّصفُ.
فَإنْ كانَ المُخرَجُ مِنهما مُتساويًا فلا بدَّ أنْ يَكونَ الرِّبحُ مُناصَفةً، وإنْ كانَ الخارِجُ مِنْ أحَدِهِما أكثَرَ مِنْ الخارِجِ مِنْ الآخَرِ، فلا بدَّ أنْ يَكونَ له مِنْ الرِّبحِ بقَدْرِ ما أُخرِجَ، وإلَّا فَسَدَتْ، كَما إذا تَساوَيا في جَميعِ ما أخرَجاه
стр. 5384
وشَرَطا في عَقدِ الشَّرِكةِ أنَّ جَميعَ ما يَحصُلُ مِنْ الزَّرعِ على الثُّلُثِ والثُّلُثيْنِ، أو كانَ ما أخرَجاه على الثُّلُثِ والثُّلُثيْنِ، وشَرَطا أنَّ ما يَحصُلُ مِنْ الزَّرعِ بَينَهما يَكونُ مُناصَفةً.
والشَّرطُ الثَّالث: أنْ يَتساوَيا في الرِّبحِ، بأنْ دَخَلًا على أنَّ الرِّبحَ بَينَهما بنِسبةِ المُخرَجِ: بأنْ يَأخُذَ كلُّ واحِدٍ مِنهما مِنْ الرِّبحِ على حَسَبِ ما يُخرِجُه، فلا تَصحُّ الشَّرِكةُ إذا تَساوَيا في جَميعِ ما أخرَجاه، وشَرَطا في عَقدِ الشَّرِكةِ أنَّ جَميعَ ما يَحصُلُ مِنْ الزَّرعِ على الثُّلُثِ والثُّلُثيْنِ، أو كانَ ما أخرَجاه على الثُّلُثِ والثُّلُثيْنِ، وشَرَطا أنَّ ما يَحصُلُ مِنْ الزَّرعِ على التَّنصيفِ.
كَأنْ يَكونَ كِراءُ الأرضِ مِئةً، وكِراءُ العَملِ مِنْ بَقَرٍ أو غَيرِها سِوَى البَذْرِ مِئةً، ودخلَا على أنَّ الرِّبحَ مُناصَفةٌ، أو أخرَجَ أحَدُهما ما يُساوي خَمسينَ، وأخرَجَ الآخَرُ ما يُساوي مِئةً، ودخلَا على أنَّ لِصاحِبِ المِئةِ مِنْ الرِّبحِ الثُّلُثيْنِ، ولِصاحِبِ الخَمسينَ الثُّلُثَ، وهَكَذا، فإنْ دخلَا في الأولِ على الثُّلُثِ والثُّلُثيْنِ، وفي الثَّاني على المُناصَفةِ فَسَدَتْ.
وَجازَ التَّبرُّعُ مِنْ أحَدِهِما لِلآخَرِ بالزِّيادةِ مِنْ عَملٍ أو رِبحٍ بعدَ لُزومِ الشَّرِكةِ بالبَذْرِ، بعدَ العَقدِ الصَّحيحِ، رَعْيًا لِخِلافِ مَنْ قالَ: إنَّها لَازِمةٌ بالعَقدِ، وإنَّما لَم تَفسُدِ المُزارَعةُ إذا كانَ السَّلفُ بعدَ العَقدِ، وإنْ كانَتْ غيرَ لَازِمةٍ بالعَقدِ؛ مُراعاةً لِقَولِ مَنْ يَراها لَازِمةً بالعَقدِ.
والشَّرطُ الرَّابِعُ: تَماثُلُ البَذْرانِ مِنهما، إنْ أخرَجاه مِنْ عِندِهِما؛ كَما لَو كانَتِ الأرضُ بَينَهما، وأخرَجَ كلٌّ مِنهما مَنابَه في البَذْرِ؛ فلا بدَّ مِنْ تَماثُلِهِما
стр. 5385
نَوعًا، كَقَمحٍ أو شَعيرٍ أو فُولٍ، لا إنِ اختَلفا، كَقَمحٍ مِنْ أحَدِهِما، وشَعيرٍ أو فُولٍ مِنْ الآخَرِ، فَتَفسُدُ، بأنْ أخرَجَ كلُّ واحِدٍ مِنهما غيرَ ما أخرَجَه صاحِبُه، فَسَدَتْ.
وَلا يُشترَطُ خَلْطُ النَّوعَيْنِ حَقيقةً، ولا حُكْمًا، كَما إذا أخرَجا قَمحًا أو شَعيرًا عندَ مالِكٍ، وابنِ القاسِمِ، وسُحنونَ، في رِوايةٍ، فإذا أخرَجَ كلٌّ مِنهما بَذْرَه، وبَذَرَه في جِهةٍ، فالشَّرِكةُ صَحيحةٌ؛ بِناءً على أصلِهِما في شَرِكةِ الأموالِ.
وقالَ سُحنونُ ﵀ في الرِّاوايةِ الثَّانيةِ: يُشترَطُ خَلْطُ البَذْرَيْنِ؛ لأنَّ التَّمييزَ عِندَه يُوجِبُ بُطلانَ الشَّرِكةِ مُطلَقًا.
وَمِثالُ ما استَوفَى الشُّروطَ ما يَلي:
١ - كَأنْ تَساوَيا: أو تَساوَوْا، إنْ كانوا أكثَرَ في الجَميعِ، بأنْ تَكونَ الأرضُ بَينَهما، والعَملُ بَينَهما، والآلَةُ كذلك، بكِراءٍ، أو بمِلْكٍ مِنهما، أو مِنْ أحَدِهِما؛ فهذه ممَّا لا خِلافَ في جَوازِها.
٢ - أو قابَلَ البَذْرَ مِنْ أحَدِهِما عَملٌ مِنْ الآخَرِ، والأرضُ بَينَهما.
٣ - أو قابَلَ الأرضَ مِنْ أحَدِهِما عَملٌ مِنْ الآخَرِ، والبَذْرُ بَينَهما. أو هُما: أي: قابَلَ البَذْرَ والأرضَ معًا مِنْ أحَدِهِما عَملٌ مِنْ الآخَرِ.
فَهَذِه الثَّلاثةُ جائِزةٌ أيضًا، كالأُولَى؛ لأنَّه لَم يُقابِلِ الأرضَ بَذْرٌ فيها. ولا بدَّ مِنْ بَقيَّةِ الشُّروطِ؛ بأنْ يَدخُلَا على أنَّ الرِّبحَ بَينَهما على حَسَبِ ما أخرَجَ كُلٌّ، وأنْ يَتماثَلَ البَذْرانِ في المَسألةِ الثَّالثةِ؛ وهي ما إذا قابَلَ الأرضَ عَملٌ، وكانَ البَذْرُ بَينَهما.
стр. 5386
٤ - أو كانَ لِأحَدِهِما الجَميعُ: الأرضُ والبَذْرُ والآلَةُ مِنْ حَيَوانٍ وغَيرِه، إلَّا عَملَ اليَدِ فَقَطْ، مِنْ حَرْثٍ وتَنقيةٍ وحَصْدٍ ودَرْسٍ، وهي جائِزةٌ، بشَرطٍ زائِدٍ على ما تَقدَّمَ: إنْ عَقدَا بلَفظِ الشَّرِكةِ على أنَّ لِلعاملِ جُزءًا مِنْ الخُمُسِ، أو غَيرِهِ -وتُسَمَّى مَسألةَ الخِماسِ- لا إنْ عَقدَا بلَفظِ الإجارةِ؛ لأنَّها إجارةٌ بأجْرٍ مَجهولٍ، وهي فاسِدةٌ، أو أطلَقا: أي: لَم يُقيِّدا بلَفظِ شَرِكةٍ ولا إجارةٍ، فتَفسُدُ أيضًا؛ لِحَملِ الإطلاقِ على الإجارةِ.
٥ - أو كانَ لِأحَدِهِما أرضٌ، ولَو رَخيصةٌ، لا بالَ لَها، وعَمِلَ، ومِنَ الآخَرِ البَذْرُ، ففاسِدةٌ؛ لِمُقابَلةِ جُزءٍ مِنْ الأرضِ ببَذْرٍ.
قالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: الشَّرِكةُ في الزَّرعِ جائِزةٌ، وصِفَتُها: أنْ يَتكافَيا في العَملِ والمُؤنةِ والأرضِ والبَذْرِ، فإنْ كانَ البَذْرُ مِنْ عِنْدِ أحَدِهِما، والأرضُ مِنْ عِنْدِ الآخَرِ، لا يَجوزُ، كانَ العَملُ عليهما أو على أحَدِهِما؛ لأنَّ الذي له البَذْرُ قد باعَ حِصَّتَه مِنْ شَريكِه بما تُخرِجُه أرضُه، وذلك طَعامٌ بطَعامٍ مُتأخِّرٍ، إنْ زَرَعَا طَعامًا، ومُخابَرةُ الأرضِ وكِراؤُها ببَعضِ ما يَخرُجُ مِنها، وصاحِبُ الأرضِ قد أكرَى حِصَّتَه ببَعضِ ما يَخرُجُ مِنها، وذلك غيرُ جائِزٍ، فإنْ زَرَعَاها على ذلك وتكافَيا فيما سِواهُ مِنْ العَملِ والبَقَرِ، فالزَّرعُ لِمَنْ وَلِيَه مِنهما: فإنْ وَلِيَه صاحِبُ الأرضِ فالزَّرعُ لَه، وتُغرَّمُ لِصاحِبِ البَذْرِ مِثلُ مَكِيلةِ بَذْرِهِ، وإنْ وَلِيَه صاحِبُ البَذْرِ فالزَّرعُ لَه، ويُغرَّمُ لِصاحِبِ الأرضِ نِصْفُ كِراءِ أرضِه، فإنْ وَلِيَاه جَميعًا اقتَسَماه نِصفَيْنِ، فكانَ على صاحِبِ الأرضِ نِصفُ مَكِيلةِ البَذْرِ، وعَلَى صاحِبِ البَذْرِ نِصْفُ كِراءِ الأرضِ، ويَجوزُ أنْ تَكونَ الأرضُ بَينَهما، أو لِأحَدِهِما، ومِنَ الآخَرِ البَقَرُ والمُؤنةُ،
стр. 5387
ويَكونَ البَذْرُ مِنْ عِندِهِما، والذي يُحتَرزُ منه في هذا البابِ أنْ يُؤدِّيَ إلى كِراءِ الأرضِ بالطَّعامِ، أو ببَعضِ ما يَخرُجُ مِنها، أو بانتِفاءِ التَّساوي، فإذا سَلِمَ مِنْ ذلك جازَ (١).
شُروطُ صِحَّةِ المُزارَعةِ عندَ الشافِعيَّةِ:
لا تَصحُّ المُزارَعةُ عندَ الشافِعيَّةِ إلا إذا كانَ بينَ النَّخلِ أو العِنبِ الذي تَمَّتِ المُساقاةُ عليه بَياضٌ، وهو أرضٌ لا زَرعَ فيها ولا شَجرَ؛ فإنْ كانَ بَياضٌ، صَحَّتِ المُزارَعةُ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عُمرَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عامَلَ أهلَ خَيبَرَ على شَطرِ ما يَخرُجُ منها مِنْ ثَمرٍ وزَرعٍ» (٢)، وَلأنَّ الحاجةَ تَدعو إلى جَوازِ هذه المُزارَعةِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ سَقْيُ النَّخيلِ إلَّا بسَقْيِ الأرضِ التي بَينَها.
وَيُشترَطُ لِصِحَّتِها ما يَلي:
١ - أنْ تَكونَ تَبَعًا لِعَقدِ المُساقاةِ؛ فلا تُفرَدَ بعَقدٍ مُستقِلٍّ.
٢ - أنْ يَتَّحِدَ العامِلُ فيهِما؛ فلا يَصحَّ أنْ يُساقيَ واحِدًا، ويُزارِعَ آخَرَ؛ لأنَّ الِاختِلافَ يُزيلُ التبَعيَّةَ.