← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

وَفائِدةُ إعارَتِه إسقاطُ الأُجرةِ؛ لأنَّه لَوِ استَأجَرَه على زِراعةِ نِصفِ البَذْرِ ولَم يُعِرْه نِصفَ الأرضِ، فزَرَعَ الجَميعَ، لَزِمَه نِصفُ أُجرةِ الأرضِ. والصُّورةُ الأُخرى: أنْ يَستَأجِرَ العامِلُ بنِصفِ البَذْرِ شائِعًا، ونِصفِ مَنفَعةِ الأرضِ كذلك؛ لِيَزرَعَ له النِّصفَ الآخَرَ مِنْ البَذْرِ في النِّصفِ الآخَرِ مِنْ الأرضِ، فيَكونا شَريكَيْنِ في الزَّرعِ على المُناصَفةِ، ولا أُجرةَ لِأحَدِهِما على الآخَرِ؛ لأنَّ العامِلَ يَستَحقُّ مِنْ مَنفَعةِ الأرضِ بقَدْرِ نَصيبِه مِنْ الزَّرعِ، ويَستَحقُّ المالِكُ مِنْ مَنفعَتِه بقَدْرِ نَصيبِه مِنْ الزَّرعِ. والفَرقُ بينَ الصُّورةِ الأُولَى، والصُّورةِ الأُخرى: أنَّه في الأُولَى جعلَ الأُجرةَ عَينًا، وفي الأُخرى عَينًا ومَنفَعةً، وأنَّه في الأُولَى يَتمكَّنُ مِنْ الرُّجوعِ بعدَ الزِّراعةِ في نِصفِ الأرضِ، وأخْذِ الأُجرةِ، وفي الثَّانيةِ لا يَتمكَّنُ، وأنَّه لَو فَسَدَ مَنبَتُ الأرضِ في المدَّةِ … لَزِمَه قِيمةُ نِصْفِها في الأُولَى دونَ الثَّانيةِ؛ لأنَّ العاريَّةَ مَضمونةٌ. وَهناكَ طَريقةٌ ثالِثةٌ، وهي: أنْ يُقرِضَه نِصفَ البَذْرِ ويُؤجِّرَه نِصفَ الأرضِ بنِصفِ عَملِه ونِصفِ مَنافِعِ آلاتِه، وهذه أَحوَطُها. كلُّ هذا إذا كانَ البَذْرُ لِمالِكِ الأرضِ، فإنْ كانَ مِنْ العامِلِ فطَريقُهُ أنْ يَستَأجِرَ نِصفَ الأرضِ بنِصفِ البَذرِ، ونِصفِ عَملِه ونِصفِ مَنافِعِ الآلاتِ. وإنْ كانَ مِنهما، يَستَأجِرُ العامِلُ نِصفَ الأرضِ بنِصفِ مَنافِعِه ومَنافِعِ آلاتِه المَصروفةِ إلى الزِّراعةِ. وَلا بدَّ في هذه الإجاراتِ مِنْ رِعايةِ الرُّؤيةِ وتَقديرِ المدَّةِ، وغَيرِهما مِنْ شُروطِ الإجارةِ (١). جَوازُ صِحَّةِ المُزارَعةِ عندَ الحَنابِلةِ: قالَ الحَنابِلةُ: المُزارَعةُ جائِزةٌ بشُروطٍ، هي: ١ - كَونُ البَذْرِ مَعلومًا جِنسُه وقَدرُه، ولو لم يُوكَلْ، وعِلمُه برُؤيةٍ أو صِفةٍ لا يُختَلفُ معها، كشَجرٍ في مُساقاةٍ.

стр. 5392

وإنْ قالَ: ما زَرَعتَها مِنْ شَيءٍ فلي نِصفُه، صَحَّ، لِحَدِيثِ ابنِ عُمرَ ﵄ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أَوْ زَرْعٍ» (١). ٢ - كَونُ البَذْرِ مِنْ ربِّ الأرضِ في أحَدِ القوليْنِ هو المَذهَبُ، ويُقِرُّ العَملَ مِنْ الآخَرِ؛ لأنَّهما يَشتَرِكانِ في نَمائِه؛ فوجبَ أنْ يَكونَ رَأْسُ المالِ مِنْ أحَدِهِما؛ كالمُضارَبةِ، فلا تَصحُّ المُزارَعةُ إنْ كانَ البَذْرُ مِنْ العامِلِ، أو كانَ البَذْرُ مِنهما، أي: العامِلِ ورَبِّ الأرضِ، أو كانَ البَذْرُ مِنْ أحَدِهِما، والأرضُ لَهُما؛ لِمَا تَقدَّمَ، أو كانَ البَذْرُ مِنْ واحِدٍ، والأرضُ والعَملُ مِنْ الآخَرِ، أوِ الأرضُ مِنْ واحِدٍ، والعَملُ مِنْ آخَرَ، والبَذْرُ مِنْ ثالِثٍ، أو الأرضُ مِنْ واحِدٍ، والعَملُ مِنْ آخَرَ، والبَذْرُ مِنْ ثالِثٍ، والبَقَرُ مِنْ رابِعٍ، فلا تَصحُّ في جَميعِ هذه الصُّوَرِ؛ لأنَّ البَذْرَ لَيسَ مِنْ ربِّ الأرضِ. ورِوايةٌ أُخرى: أنَّه لا يُشترَطُ في المُزارَعةِ والمُغارَسةِ كَونُ البَذْرِ والغِراسِ مِنْ ربِّ الأرضِ، فيَجوزُ أنْ يُخرِجَه العامِلُ في قَولِ عُمرَ، وابنِ مَسعودٍ وغَيرِهما، ونَصَّ عليه في رِوايةٍ مِنها، وصَحَّحَه في «المُغني»، والشَّرحِ، واختارَه أبو مُحمَّدٍ الجَوزيُّ، والشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ، ابنُ تَيميَّةَ، وعليه عَملُ النَّاسِ؛ لأنَّ الأصلَ المُعوَّلَ عليه في المُزارَعةِ قِصَّةُ خَيبَرَ، ولَم يَذكُرِ النَّبيُّ ﷺ أنَّ البَذْرَ على المُسلِمينَ. وقالَ البُخاريُّ ﵀: «وَعامَلَ عُمرُ النَّاسَ على: إنْ جاءَ عُمرُ بالبَذْرِ

стр. 5393

مِنْ عِندِه فلَه الشَّطرُ، وإنْ جاؤُوا بالبَذْرِ فلَهم كَذا … » (١). وقالَ ابنُ عُمرَ ﵄: «دفعَ رَسولُ اللهِ ﷺ نَخلَ خَيبَرَ وأرضَها إليهم، على أنْ يَعتَمِلوها مِنْ أموالِهم» (٢). قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وهذا ممَّا يُبَين لَكَ أنَّ المُزارَعةَ التي يَكونُ فيها البَذْرُ مِنْ العامِلِ أحَقُّ بالجَوازِ مِنْ المُزارَعةِ التي يَكونُ فيها مِنْ ربِّ الأرضِ، ولِهَذا كانَ أصحابُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ يُزارِعونَ على هذا الوَجه، وكذلك «عامَلَ النَّبيُّ ﷺ أهلَ خَيبَرَ بشَطرِ ما يَخرُجُ مِنها مِنْ ثَمرٍ وزَرعٍ، على أنْ يَعْمُروها مِنْ أموالِهم». والَّذينَ اشترَطوا أنْ يَكونَ البَذْرُ مِنْ ربِّ الأرضِ قاسُوا ذلك على المُضارَبةِ فقالوا: في المُضارَبةِ المالُ مِنْ واحِدٍ، والعَملُ مِنْ آخَرَ، وكذلك يَنبَغي أنْ يَكونَ في المُزارَعةِ، وجَعَلوا البَذْرَ مِنْ ربِّ المالِ، كالأرضِ. وَهَذا القياسُ مع أنَّه مُخالِفٌ لِلسُّنةِ ولِأقوالِ الصَّحابةِ؛ فهو مِنْ أفسَدِ القِياسِ، وذلك أنَّ المالَ في المُضارَبةِ يَرجِعُ إلى صاحِبِه، ويَقتَسِمانِ الرِّبحَ، فهو نَظيرُ الأرضِ في المُزارَعةِ، وأمَّا البَذْرُ الذي لا يَعودُ نَظيرُه إلى صاحِبِه، بَلْ يَذهَبُ كَما يَذهَبُ نَفعُ الأرضِ، فإلحاقُه بالنَّفعِ الذَّاهِبِ أوْلَى مِنْ إلحاقِه بالأصلِ الباقي؛ فالعاقِدُ إذا أخرَجَ البَذْرَ ذَهَبَ عَملُه وبَذْرُه، ورَبُّ الأرضِ ذَهَبَ نَفْعُ أرضِه، وبَذْرُ هذا كَأرضِ هَذا، فمَن جعلَ البَذْرَ كالمالِ كانَ يَنبَغي

стр. 5394

له أنْ يُعيدَ مثلَ البَذْرِ إلى صاحِبِه، كَما قالَ مثلَ ذلك في المُضارَبةِ، فكَيفَ؟ ولَوِ اشترَطَ ربُّ البَذْرِ نَظيرَ عَودِ بَذْرِه إليه لَم يُجَوِّزوا ذلك (١). فعلى المَذهبِ إذا فسَدَتْ وكانَ البَذْرُ مِنْ العامِلِ، فالزَّرعُ كلُّه لَه؛ لأنَّه صاحِبُ البَذْرِ؛ لأن عينَ مالِه تَقلَب مِنْ حالٍ إلى حالٍ، وعليه أُجرةُ مِثلِ الأرضِ لربِّها؛ لأنَّ رَبَّها دخلَ على أنْ يَأخُذَ ما سُمِّيَ لَه، فإذا فاتَ رَجعَ إلى بَدَلِه، لِكَونِه لَم يَرْضَ ببَذْلِ أرضِه مَجَّانًا، وإنْ كانَ البَذْرُ مِنهما فالزَّرعُ لَهُما بحَسَبِه. وإنْ شرطَ ربُّ الأرضِ أنْ يَأخُذَ مثلَ بَذْرِه ويَقتَسِما البقيَّةَ لَم يَصحَّ، كَأنَّه اشترَطَ لِنَفْسِه قُفَزانًا مَعلومةً، وهو شَرطٌ فاسِدٌ يَفسُدُ به المُزارَعةُ؛ لأنَّه قد لا يَخرُجُ مِنْ الأرضِ إلَّا ذلك القَدْرُ؛ فيَختَصُّ به المالِكُ، ورُبَّما لا تُخرِجُه، ومَوضوعُها على الِاشتِراكِ. فَإنْ كانَ البَذْرُ مِنهما نِصفَيْنِ وشرطَا أنَّ الزَّرعَ بَينَهما نِصفانِ، فهو بَينهُما، سَواءٌ قُلْنا بصِحَّةِ المُزارَعةِ، أو فَسادِها؛ لأنَّها إنْ كانَتْ صَحيحةً فالزَّرعُ بَينَهما على ما شرطَا، وإنْ كانَتْ فاسِدةً فلكلِّ واحِدٍ مِنهما بقَدْرِ بَذْرِه، لَكِنْ إنْ حَكَمْنا بصِحَّتِها لَم يَرجِعْ أحَدُهما على صاحِبِه بشَيءٍ، وإنْ قُلْنا: مِنْ شَرطِ صِحَّتِها إخراجُ ربِّ المالِ البَذْرَ فهي فاسِدةٌ، فعلى العامِلِ نِصفُ أجْرِ الأرضِ، ولَه على ربِّ الأرضِ نِصفُ أجْرِ عَملِه، ويَتَقاصَّانِ بقَدْرِ الأقَلِّ مِنهما، ويَرجِعُ أحَدُهما على صاحِبِه بالفَضلِ.

стр. 5395

وإنْ شرطَا التَّفاضُلَ في الزَّرعِ، وقُلْنا بصِحَّتِه فالزَّرعُ بَينَهما على ما شَرَطاه، ولا تَراجُعَ بَينَهما. وإنْ قُلنا بفَسادِها فالزَّرعُ بَينَهما على قَدْرِ بَذْرِهِما، ويَتَراجَعانِ كَما ذَكَرْنا، وكذلك إنْ تَفاضَلَا في البَذْرِ وشرطَا التَّساويَ في الزَّرعِ، أو شرطَا لِأحَدِهِما أكثَرَ مِنْ قَدْرِ بَذْرِه أو أقَلَّ. ٣ - أنْ يُشرَطَ لِلعاملِ جُزءٌ مَشاعٌ مَعلومٌ مِنه؛ كالثُّلُثِ أو الرُّبُعِ ونَحوِهما. ٤ - ولا يَجوزُ أنْ يُجعَلَ له فَضلُ دَراهِمَ زائِدٌ على مالِه مِنْ الثَّمرةِ، بغَيرِ خِلافٍ. ٥ - وكَذا لَو شُرِطَ لِأحَدِهِما زَرعُ ناحيةٍ مُعيَّنةٍ، أو ما على الجَداوِلِ، مُنفَرِدًا، أو مع نَصيبِه، فهو فاسِدٌ بإجماعِ العُلماءِ؛ لِصِحَّةِ الخَبَرِ بالنَّهيِ عَنه، ولأنَّه يُؤدِّي إلى تَلَفِ ما عُيِّنَ لِأحَدِهِما دونَ الآخَرِ، فيَنفَرِدُ أحَدُهما بالغَلَّةِ دونَ صاحِبِه. وَيَصحُّ كَونُ الأرضِ والبَذْرِ والبَقَرِ مِنْ واحِدٍ، والعَملُ مِنْ آخَرَ؛ قياسًا على المُضارَبةِ؛ لأنَّه عَقدٌ على العَملِ في مالٍ ببَعضِ نَمائِه، فأشبَهَ المُضارَبةَ، وكالمُزارَعةِ على الزَّرعِ المَوجودِ، الذي يُنَمَّى بالعَملِ، فيَصحُّ؛ لأنَّه إذا جازَ في المَعدومِ مع كَثرةِ الغَرَرِ، فعلى المَوجودِ مع قِلَّتِه أَوْلَى. وَتَجوزُ إجارةُ الأرضِ بالذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والعُروضِ غيرِ المَطعومِ. في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ؛ لِمَا رَواهُ حَنْظَلَةُ بنُ قَيْسٍ الأنْصَارِيُّ، قالَ: «سالتُ رافِعَ بنَ خَدِيجٍ عن كِراءِ الأرضِ بِالذّهَبِ والوَرِقِ، فقالَ: لا بَأْسَ بهِ، إنَّما

стр. 5396

كانَ النَّاسُ يُؤاجِرُونَ على عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ على الماذِيَانَاتِ، وإقبالِ الجَدَاوِلِ، وأَشْيَاءَ مِنْ الزَّرْعِ، فيَهْلِكُ هذا ويَسْلَمُ هذا، ويَسْلَمُ هذا ويَهْلِكُ هذا؛ فلم يكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلا هذا؛ فَلذلك زُجِرَ عنه، فأَمَّا شَيءٌ مَعْلومٌ مَضْمونٌ فلا بَأْسَ بهِ» (١). وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: «إنَّ أَمثَلَ ما أَنتُمْ صانِعُونَ أنْ تَستَأْجِرُوا الأَرْضَ البَيْضَاءَ مِنْ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ» (٢). وأمَّا إجارَتُها بطَعامٍ فثَلاثَةُ أقسامٍ، كلُّها جائِزةٌ: أحَدُها: إجارَتُها بطَعامٍ مَعلومٍ غيرِ الخارِجِ منها، فيَجوزُ. والثَّاني: بطَعامٍ مَعلومٍ مِنْ جِنسِ ما يَخرُجُ منها، فيَجوزُ أيضًا. الثالِثُ: إجارَتُها بجُزءٍ مَشاعٍ ممَّا يَخرُجُ منها، فيَجوزُ أيضًا (٣).

стр. 5397

أنواعُ المُزارَعةِ عندَ الحَنفيَّةِ: قالَ الحَنفيَّةُ: المُزارَعةُ على أربَعةِ أوْجُهٍ، ثَلاثَةٌ منها جائِزةٌ، والرابِعةُ باطِلةٌ: الأولُ: إنْ كانَتِ الأرضُ والبَذْرُ لِواحِدِ، والبَقَرُ والعَملُ لِواحِدٍ، جازَتِ المُزارَعةُ؛ لأنَّ البَقَرَ آلَةُ العَملِ، فصارَ كَما إذا استَأْجَرَ خيَّاطًا لِيَخيطَ بإبرةِ الخيَّاطِ، ولأنَّه استِئجارٌ لِلعاملِ ببَعضِ الخارِجِ، وهو أصْلُ المُزارَعةِ. الوَجْهُ الثَّاني: إنْ كانَتِ الأرضُ لِواحِدٍ، والعَملُ والبَقَرُ والبَذْرُ لِواحِدٍ، جازَتْ؛ لأنَّه استِئجارُ الأرضِ ببَعضٍ مَعلومٍ مِنْ الخارِجِ؛ فيَجوزُ، كَما إذا استَأجَرَها بدَراهِمَ مَعلومةٍ. الوَجْهُ الثَّالث: إنْ كانَتِ الأرضُ والبَذْرُ والبَقَرُ لِواحِدٍ، والعَملُ مِنْ آخَرَ، جازَتْ؛ لأنَّه استَأجَرَه لِلعَملِ بآلَةِ المُستَأجِرِ، فصارَ كَما إذا استَأجَرَ خيَّاطًا لِيَخيطَ ثَوْبَه بإبرَتِه. الوَجْهُ الرَّابِعُ: إنْ كانَتِ الأرضُ والبَقَرُ لِواحِدٍ، والبَذْرُ والعَملُ لِآخَرَ، فهي بَاطِلةٌ؛ لأنَّ صاحِبَ البَذْرِ استَأجَرَ الأرضَ، واشتِراطُ البَقَرِ على صاحِبِ الأرضِ مُفسِدٌ لِلإجارةِ؛ لأنَّ مَنفَعةَ البَقَرِ لَيسَتْ مِنْ جِنسِ مَنفَعةِ الأرضِ؛ لأنَّ مَنفَعةَ الأرضِ الإنباتُ، ومَنفَعةَ البَقَرِ الشَّقُّ، وبَينَهما اختِلافٌ؛ فلَم يَتجانَسا، فتَعذَّرَ أنْ تُجعَلَ تابِعةً لَها، وشَرطُ التَّبَعيَّةِ الِاتِّحادُ، فصارَ شَرطًا مُفسِدًا، بخِلافِ جانِبِ العامِلِ؛ لأنَّه تَجانَسَتِ المَنفعَتانِ، فَجُعِلَتْ تابِعةً لِمَنفَعةِ العامِلِ.

стр. 5398

وَهَذا ظاهِرُ الرِّوايةِ، وعَن أبي يُوسفَ ﵀ أنَّه يَجوزُ أيضًا؛ لأنَّه لَو شُرِطَ البَذْرُ والبَقَرُ عليه يَجوزُ؛ فكَذا إذا شُرِطَ وَحدَه وصارَ كَجانِبِ العامِلِ (١). حُكمُ عَقدِ المُزارَعةِ مِنْ جِهةِ اللُّزومِ وعَدَمِه: اختَلفَ الفُقهاءُ في عَقدِ المُزارَعةِ، هَلْ هو عَقدٌ لَازِمٌ لا يَحِقُّ لِأحَدِ المُتعاقدَيْنِ أنْ يَفسَخَه بغَيرِ رِضا الآخَرِ، أو جائِزٌ، يَجوزُ لِكُلٍّ مِنهما أنْ يَفسَخَه بغَيرِ رِضا الآخَرِ، وهَل يَلزَمُ بالعَقدِ أو بالشُّروعِ في العَملِ؟ فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في الجُملةِ على تَفصيلٍ يَأتي عندَ كُلٍّ مِنهم إلى أنَّ عَقدَ المُزارَعةِ لا يَلزَمُ بالعَقدِ؛ فيَجوزُ لكلِّ واحِدٍ مِنهما فَسخُه قبلَ العَملِ، وكَذا بعدَ الشُّروعِ في العَملِ عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ. قالَ الحَنفيَّةُ: عَقدُ المُزارَعةِ غيرُ لَازِمٍ في جانِبِ صاحِبِ البَذْرِ، لَازِمٌ في جانِبِ صاحِبِه، حتى لَوِ امتَنَعَ بَعدَما عَقدَ عَقْدَ المُزارَعةِ على الصِّحَّةِ، وقالَ: لا أُريدُ زِراعةَ الأرضِ، له ذلك، سَواءٌ كانَ له عُذرٌ أو لَم يكُنْ، ولَوِ امتَنَعَ صاحِبُه فليسَ له ذلك، إلَّا مِنْ عُذرٍ؛ لأنَّ صاحِبَ البَذْرِ لا يُمكِنُه المُضيُّ في العَقدِ إلَّا بإتلافِ مِلْكِه، وهو البَذْرُ؛ لأنَّ البَذْرَ يَهلِكُ في التُّرابِ، فلا يَكونُ

стр. 5399

الشُّروعُ فيه مُلزِمًا في حَقِّه؛ إذِ الإنسانُ لا يُجبَرُ على إتلافِ مِلْكِه، وكذلك مَنْ لَيسَ البَذْرُ مِنْ قِبَلِه؛ لأنَّه لَيسَ في لُزومِ المَعنَى إيَّاهم إتلافُ مِلْكِه؛ فكانَ الشُّروعُ في حَقِّه مُلزِمًا، ولا يَنفَسِخُ إلَّا مِنْ عُذرٍ، كَما في سائِرِ الإجاراتِ، وسَواءٌ كانَ المُزارِعُ كَرَبَ الأرضَ أو لَم يَكْرُبْها؛ لأنَّ ما ذَكَرْنا مِنْ المَعنَى لا يُوجِبُ الفَصلَ بَينَهما، ولا شَيءَ لِلعاملِ في عَملِ الكِرابِ، هَكَذا في البَدائِعِ. وَلَو ألقَى البَذْرَ في الأرضِ تَصيرُ لَازِمةً مِنْ الجانبيْنِ، حتى لا يَملِكَ أحَدُهما الفَسخَ بعدَ ذلك إلَّا بعُذْرٍ. عَنْ أبي يُوسفَ ﵀: إذا كانَ البَذْرُ مِنْ قِبَلِ ربِّ الأرضِ، ودفعَه إلى المُزارَعِ فليسَ لِواحِدٍ مِنهما أنْ يُبطِلَ المُزارَعةَ؛ فإنْ لَم يَدفَعِ البَذْرَ إلى المُزارَعِ فلربِّ الأرضِ أنْ يُبطِلَها، وليسَ لِلمُزارَعِ أنْ يُبطِلَها (١). وأمَّا المالِكيَّةُ فالمَشهورُ في المَذهبِ، وهو قولُ ابنِ القاسِمِ: أنَّ المُزارَعةَ لا تَلزَمُ بالعَقدِ، وهو الصِّيغةُ، فيَجوزُ لِكُلٍّ مِنْ المُتعاقدَيْنِ فَسخُ عَقدِ المُزارَعةِ إذا لَم يَبْذُرْ ويَطرَحِ الحَبُّ في الأرضِ، فلا تَلزَمُ بالعَقدِ، ولا بالعَملِ قبلَ البَذْرِ، ولَو كَثُرَ، كَحَرثٍ، وتَسويةِ أرضٍ، وإجراءِ ماءٍ عليها، على الأرجَحِ، وتَلزَمُ بالبَذْرِ، وإنْ لَم يَتقدَّمْه عَملٌ. وَإنَّما لَم تَلزَمْ بالعَقدِ، كَشَرِكةِ المالِ؛ لأنَّه قد قيلَ بمَنْعِها، فضَعُفَ أمْرُها؛ فاحتِيجَ في لُزومِها لِأمْرٍ قَويٍّ، وهو البَذْرُ.

стр. 5400

وَإذا بُذِرَ بَعضٌ فلا يَلزَمُ العَقدُ إلَّا فيما بُذِرَ، ولِكُلٍّ الفَسخُ فيما بَقيَ. وَذَهَبَ سُحنونُ وابنُ الماجِشونِ وابنُ كِنانةَ وابنُ القاسِمِ في كِتابِ ابنِ سُحنونَ إلى أنَّها تَلزَمُ بالعَقدِ؛ تَغليبًا لِجانِبِ الإجارةِ؛ لأنَّها دائِرةٌ بينَ الشَّرِكةِ والإجارةِ. وَإنَّما وقعَ هذا الِاختِلافُ في المُزارَعةِ لأنَّها شَرِكةُ عَملٍ، وإجارةُ كلِّ واحِدةٍ مِنهما مُفْضِيةٌ لِلأُخرَى بكُليَتهِما، لا فَضلَ فيها عَنهُما، فاختُلِفَ أيُّهما يُغَلَّبُ، فمَن غَلَب الشَّرِكةَ لَم يَرَها بالعَقدِ لَازِمةً؛ لأنَّ شَرِكةَ العَملِ لا تَلزَمُ إلَّا بالعَملِ، ولا أجازَها إلَّا على التَّكافي والِاعتِدالِ، إلَّا أنْ يَتطَوَّعَ أحَدُهما بما لا فَضلَ لِكِرائِه. وَمَنْ غَلَب الإجارةَ ألزَمها بالعَقدِ، فأجازَ التَّفاضُلَ بَينَهما، ولَم يُراعِ التَّكافُؤَ. وَفي المَسألةِ قَولٌ ثالِثٌ جَرَى به العَملُ والفُتْيَا بقُرطُبةَ والأندَلُسِ: أنَّها تَلزَمُ بالعَقدِ إذا انضَمَّ إليه عَملٌ، فإذا لَم يُشرَعْ في العَملِ لا تَلزَمُ، قالَ ابنُ رُشدٍ: وهو قَولٌ يُروَى عن ابنِ كِنانةَ، وليسَ بقِياسٍ، وإنَّما هو استِحسانٌ؛ إذْ لا يَخرُجُ عن القوليْنِ في كِلتا الحالَتَيْنِ، ويُشبِهُ رِوايةَ عَلِيِّ بنِ زِيادٍ عن مالِكٍ في أنَّ الجاعِلَ يَلزَمُه الجُعلُ بشُروعِ المَجهولِ له في العَملِ (١).

стр. 5401

وذَهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُزارَعةَ مِنْ العُقودِ الجائِزةِ مِنْ الطَّرفَيْنِ؛ قياسًا على المُضارَبةِ؛ لأنَّها عَقدٌ على جُزءٍ مِنْ النَّماءِ في المالِ، فلا يَفتقِرُ إلى ذِكْرِ مدَّةٍ، ولِكُلٍّ منهما فَسخُها متى شاءَ؛ لِحَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أجْلَى اليَهُودَ والنَّصَارَى مِنْ أرْضِ الحِجازِ، وكانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهرَ على أهْلِ خَيْبَرَ أرَادَ أنْ يُخْرِجَ اليَهُودَ منها، وكَانَتِ الأرْضُ -لَمَّا ظَهرَ عليها- لِليَهُودِ ولِلرَّسُولِ ولِلمُسْلِمِينَ، فسَأَلَ اليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَتْرُكَهُم على أنْ يَكْفُوا العَملَ، ولَهُم نِصفُ الثَّمرِ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : نُقِرُّكُمْ على ذلك ما شِئْنا. فأُقِرُّوا حتى أجْلَاهُم عُمرُ في إِمارَتِه إلى تيْمَاءَ وأَرِيحَا» (١). وَلَو كانَ لَازِمًا لَم يَجُزْ تَقديرُ مدَّةٍ، ولا أنْ يَجعَلَ الخِيَرةَ إليه في مدَّةِ إقرارِهم، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لَم يُنقَلْ عنه أنَّه قدَّرَ لَهم ذلك بمدَّةٍ، ولَو قدَّرَ لَم يُترَكْ نَقْلُه؛ لأنَّ هذا ممَّا يُحتاجُ إلَيه؛ فلا يَجوزُ الإخلالُ بنَقلِه، وعُمرُ أجلاهم مِنْ الأرضِ وأخرَجَهم مِنْ خَيبَرَ، ولَو كانَتْ لَهم مدَّةٌ مُقدَّرةٌ لَم يَجُزْ إخراجُهم مِنها. وَلأنَّه عَقدٌ على جُزءٍ مِنْ نَماءِ المالِ، فكانَ جائِزًا؛ كالمُضارَبةِ، أو عَقدٌ على المالِ بجُزءٍ مِنْ نَمائِه، أشبَهَ المُضارَبةَ. وَفارَقَ الإجارةَ؛ لأنَّها بَيعٌ؛ فكانَتْ لَازِمةً، كَبَيعِ الأعيانِ؛ ولأنَّ عِوَضَها مُقدَّرٌ مَعلومٌ، فأشبَهَتِ البَيعَ، وقِياسُها على الإجارةِ يَنتقِضُ بالمُضارَبةِ، وهي أشبَهُ بالمُساقاةِ مِنْ الإجارةِ؛ فقِياسُها عليها أَوْلَى. وَهيَ كالمُساقاةِ في الحُكمِ كَما تَقدَّمَ، فإذا ظَهرَتِ الثَّمرةُ فهي تَظهَرُ على

стр. 5402

مِلكِهِما؛ فلا يَسقُطُ حَقُّ العامِلِ مِنها بفَسخٍ ولا غَيرِه، كَما لَو فَسخَ المُضارَبةَ بعدَ ظُهورِ الرِّبحِ. ومتى فَسخَ أحَدُهما بعدَ ظُهورِ الثَّمرةِ فهي بَينَهما على ما شَرَطاه، وعَلَى العامِلِ تَمامُ العَملِ، كَما يَلزَمُ المُضارِبَ بَيعُ العُروضِ إذا فُسِخَتِ المُضارَبةُ بعدَ ظُهورِ الرِّبحِ، وإنْ فَسخَ العامِلُ قبلَ ذلك فلا شَيءَ لَه؛ لأنَّه رَضيَ بإسقاطِ حَقِّه؛ فصارَ كَعامِلِ المُضارَبةِ إذا فسَخَ قبلَ ظُهورِ الرِّبحِ، وعامِلِ الجَعالةِ إذا فَسخَ قبلَ إتمامِ عَملِه. وإنْ فَسخَ ربُّ المالِ قبلَ ظُهورِ الثَّمرةِ فعليه أجْرُ المِثلِ لِلعاملِ؛ لأنَّه مَنَعَه إتمامَ عَملِه الذي يَستَحقُّ به العِوَضَ؛ فأشبَهَ ما لَو فَسخَ الجاعِلُ قبلَ إتمامِ عَملِ الجَعالةِ وفارَقَ ربَّ المالِ في المُضارَبةِ إذا فَسخَها قبلَ ظُهورِ الرِّبحِ؛ لأنَّ عَملَ هذا مُفضٍ إلى ظُهورِ الثَّمرةِ في الأغلَبِ؛ فلَولا الفَسخُ لَظَهرَتِ الثَّمرةُ، فملكَ نَصيبَه مِنها، وقَد قَطَعَ ذلك بفَسخِه؛ فأشبَهَ فَسخَ الجَعالةِ، بخِلافِ المُضارَبةِ؛ فإنَّه لا يُعلَمُ إفضاؤُها إلى الرِّبحِ، ولأنَّ الثَّمرةَ إذا ظَهرَتْ في الشَّجرِ كانَ العَملُ عليها في الِابتِداءِ مِنْ أسبابِ ظُهورِها، ولأنَّ الرِّبحَ إذا ظَهرَ في المُضارَبةِ قد لا يَكونُ لِلعَملِ الأولِ فيه أثَرٌ أصْلًا. وَذَهَبَ الحَنابِلةُ في قَولٍ اختارَه شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ: إلى أنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فكانَ لَازِمًا؛ كالإجارةِ، ولأنَّه لَو كانَ جائِزًا جازَ لِلمالِكِ فَسخُه إذا أدرَكَتِ الثَّمرةُ، يَسقُطُ حَقُّ العامِلِ فيُضَرَّ؛ ولِحَديثِ: «المُسلِمُونَ على شُرُوطِهِم» (١).

стр. 5403

وفي قَولٍ ثالِثٍ أنَّها جائِزةٌ مِنْ جِهةِ العامِلِ، لَازِمةٌ مِنْ جِهةِ المالِكِ (١). هل يُشترَطُ ذِكرُ المدَّةِ في عَقدِ المُزارَعةِ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في المُزارَعةِ: هَلْ يُشترَطُ لَها ذِكرُ مدَّةٍ أو تَجوزُ بغَيرِ ذِكْرِ مدَّةٍ. فذهبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّه يُشترَطُ أنْ تَكونَ المدَّةُ مَعلومةً في المُزارَعةِ؛ فلا تَصحُّ المُزارَعةُ إلَّا بعدَ بَيانِ المدَّةِ؛ لأنَّها تَنعقِدُ إجارةً ابتِداءً، وشَرِكةً انتِهاءً، ولأنَّ العَقدَ يُرَدُّ على مَنفَعةِ ربِّ الأرضِ، إنْ كانَ البَذْرُ مِنْ جِهةِ العامِلِ، وعَلَى مَنفَعةِ العامِلِ إنْ كانَ البَذْرُ مِنْ جِهةِ ربِّ الأرضِ، والمَنفَعةُ هُنا لا يُعرَفُ مِقدارُها إلَّا ببَيانِ المدَّةِ؛ فكانَ مِعيارًا لِلمَنفَعةِ. وَيُشترَطُ في المدَّةِ: ألَّا تَكونَ أقَلَّ ممَّا يُمكِنُ فيه الزِّراعةُ، وألَّا تَكونَ لا يَعيشُ إلى مِثلِها أحَدَهُما في الأغلَبِ. وَعِنْدَ مُحمَّدٍ جَوازُها بلا بَيانٍ لِلمدَّةِ، وتَقعُ على أوَّلِ زَرعٍ يَخرُجُ واحِدًا، قالَ ابنُ عابِدينَ: وبِه أخَذَ الفَقيهُ، وعليه الفَتوَى، وإنَّما شرطَ مُحمَّدٌ بَيانَ المدَّةِ في الكُوفةِ ونَحوِها؛ لأنَّ وَقتَها مُتفاوِتٌ عِندَهم، ولأنَّ ابتِداءَها وانتِهاءَها مَجهولانِ عِندَهم. اه. لَكِنْ قالَ في الخانية، بعدَ ذِكرِه ذلك: والفَتوَى على جَوابِ الكِتابِ، أي: مِنْ أنَّه شَرطٌ.

стр. 5404

قالَ في الشُّرُنْبُلَالِيَّة: فقَدْ تَعارَضَ ما عليه الفَتوَى. اه. لَكِنْ حَيثُ صَحَّ كلٌّ مِنْ القوليْنِ لا يُعدَلُ عَما عليه (١). وذَهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُزارَعةَ لا تَفتقِرُ إلى ذِكْرِ مدَّةٍ، ولكُلٍّ منهما فَسخُها متى شاءَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يُنقَلْ عنه أنَّه قدَّرَ لهم ذلك بمدَّةٍ، ولو قدَّرَ لم يُترَكْ نَقلُه؛ لأنَّ هذا ممَّا يُحتاجُ إليه؛ فلا يَجوزُ الإخلالُ بنَقْلِه، وعُمرُ ﵁ أجْلاهُم مِنْ الأرضِ وأخرَجَهم مِنْ خَيبَرَ، ولو كانَتْ لهم مدَّةٌ مُقدَّرَةٌ لم يَجُزْ إخراجُهم منها. فعَنِ ابنِ عُمرَ ﵄ «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أجْلَى اليَهُودَ والنَّصَارَى مِنْ أرْضِ الحِجازِ، وكانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهرَ على أهْلِ خَيْبَرَ أرَادَ أنْ يُخْرِجَ اليَهُودَ منها، وكَانَتِ الأرْضُ -لَمَّا ظَهرَ عليها- لِليهُودِ ولِلرَّسُولِ ولِلْمُسْلِمِينَ، فسَأَلَ اليهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَتْرُكَهُم على أنْ يَكْفُوا العَملَ ولَهُم نِصفُ الثَّمرِ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : نُقِرُّكُمْ على ذلك ما شِئْنا. فأُقِرُّوا حتى أجْلَاهُم عُمرُ في إِمارَتِه إلى تيْمَاءَ وأَرِيحَا» (٢). وذَهَبَ الحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّها تَفتقِرُ إلى ذِكْرِ مدَّةٍ على القَولِ بلُزومِها (٣).

стр. 5405

الشُّروطُ المُفسِدةُ لِلمُزارَعةِ: نَصَّ الفُقهاءُ على بَعضِ الشُّروطِ إذا شُرِطَتْ في المُزارَعةِ أفسَدَتْها، وقَد دخلَ بَعضُها في بَيانِ الشَّرائِطِ المُصَحَّحةِ، وهي ما يَلي: ١ - شَرطُ كَوْنِ المَحصولِ الخارِجِ لِأحَدِهِما فَقَطْ: إذا شُرِطَ كَوْنُ المَحصولِ الخارِجِ لِأحَدِهِما فَقَطْ، ولا يَأخُذُ الآخَرُ منه شَيئًا، فَسَدَتِ المُزارَعةُ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ صِحَّتِها أنْ يَكونَ الخارِجُ بينَ العاقِدَيْنِ، فلَو شرطَا أنْ يَكونَ لِأحَدِهِما فَسَدَتِ المُزارَعةُ؛ لأنَّ مَعنَى الشَّرِكةِ لَازِمٌ لِهَذا العَقدِ، ولأنَّ كلَّ شَرطٍ يَكونُ قاطِعًا لِلشَّرِكةِ يَكونُ مُفسِدًا لِلعَقدِ، وهذا باتِّفاقِ الفُقهاءِ. وَأجازَ المالِكيَّةُ التَّبرُّعَ مِنْ أحَدِهِما لِلآخَرِ بالزِّيادةِ مِنْ عَملٍ أو رِبحٍ بعدَ لُزومِ الشَّرِكةِ بالبَذْرِ بعدَ العَقدِ الصَّحيحِ (١). ٢ - أنْ يُشرَطَ لِأحَدِهما قُفزانٌ مَعلومةٌ: فلا يَصحَّ العَقدُ، وكذا إذا ذكرَا جُزءًا شائِعًا وشرطَا زِيادةَ أقْفِزةٍ مَعلومةٍ لا تَصحُّ المُزارَعةُ بإجماعِ العُلماءِ. وعلى هذا إذا شرطَا لِأحَدِهما البَذْرَ لِنَفْسِه، وأنْ تَكونَ البقيَّةُ بَينَهما، لا

стр. 5406

تَصلُحُ المُزارَعةُ؛ لِجَوازِ ألَّا تُخرِجَ الأرضُ إلَّا قَدْرَ البَذْرِ (١). ٣ - أنْ يُجعَلَ له فَضلُ دَراهِمَ زائدٌ على مالِه: فتَفسُدَ المُزارَعةُ بإجماعِ العُلماءِ؛ لأنَّه رُبَّما لم يَحدُثْ مِنْ النَّماءِ ما يُساوي تلك الدَّراهِمَ؛ فيَتضَرَّرَ المالِكُ أو العامِلُ، والمُساقاةُ فاسِدةٌ لا تَجوزُ (٢). ٤ - لو شُرِطَ لِأحَدِهما زَرعُ ناحِيةٍ مُعيَّنةٍ: إذا زارَعَه على أنَّ لربِّ الأرضِ زَرعًا بعَينِه، ولِلعاملِ زَرعًا بعَيْنِه، مثلَ أنْ يُشترَطَ لِأحَدِهما زَرعُ ناحِيةٍ، ولِلآخَرِ أُخرى، أو يَشتَرِطَ أحَدُهما ما على السَّواقي والجَداوِلِ، إمَّا مُنفَرِدًا أو مع نَصيبِه؛ فهو فاسِدٌ بإجماعِ العُلماءِ؛ لأنَّ الخَبَرَ صَحيحٌ في النَّهيِ عنه، غيرُ مُعارَضٍ ولا مَنسوخٍ، ولأنَّه يُؤدِّي إلى تَلَفِ ما عُيِّنَ لِأحَدِهما دونَ الآخَرِ، فيَنفَرِدُ أحَدُهما بالغَلَّةِ دونَ صاحِبِه؛ ولِهذا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن المُزارَعةِ التي يُجعَلُ فيها لربِّ الأرضِ مَكانٌ مُعيَّنٌ، ولِلعاملِ مَكانٌ مُعيَّنٌ. قالَ رافِعُ بنُ خَديجٍ ﵁: «كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ على أنَّ لنا هذه وَلَهمْ

стр. 5407

هذه، فَرُبَّمَا أَخرَجَتْ هذه ولم تُخْرِجْ هذه، فنَهَانَا عن ذلك، وأَمَّا الوَرِقُ فلم يَنْهَنَا» (١) (٢). ٥ - جَهالةُ نَصيبِ الخارِجِ لِكُلٍّ مِنهما: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ لِصِحَّةِ الخارِجِ أنْ يَكونَ نَصيبُ كَلِّ واحِدٍ مِنهما مَعلومَ القَدْرِ مِنْ النِّصفِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ، ونَحوِها؛ لأنَّ تَرْكَ التَّقديرِ يُؤدِّي إلى الجَهالةِ المُفْضِيةِ إلى المُنازَعةِ. وَيَصحُّ عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ أنْ يَكونَ الخارِجُ مُتفاوِتًا؛ فيَجوزُ على أيِّ نِسبةٍ اتَّفَقا عليها. وأمَّا المالِكيَّةُ فيَشتَرِطونَ أنْ يَتساوَيا في الرِّبْحِ بقَدْرِ المُخرَجِ مِنهما. فَلَو كانَتْ أُجرةُ الأرضِ مِئةً، والبَقَرِ والعَملِ خَمسينَ، ودخلَا على أنَّ لربِّ الأرضِ الثُّلُثيْنِ ولربِّ البَقَرِ والعَملِ الثُّلُثَ، جازَ، وإنْ دخلَا على النِّصفِ لَم يَجُزْ؛ لأنَّه سَلَفٌ، وإنْ كانَ الأمْرُ بالعَكسِ ودخلَا على أنَّ لربِّ البَقَرِ والعَملِ الثُّلُثيْنِ ولربِّ الأرضِ الثُّلُثَ، جازَ، وإنْ دخلَا على النِّصفِ فَسَدَ؛ لأنَّه سَلَفٌ. وإنْ كانَتْ أُجرةُ الأرضِ خَمسينَ، والبَقَرِ والعَملِ خَمسينَ، ودخلَا على الثُّلُثِ والثُّلُثيْنِ فَسَدَ؛ فالمُرادُ بالتَّساوي أنْ يَكونَ الرِّبحُ مُطابِقًا

стр. 5408

لِلمُخرَجِ؛ فلا بدَّ أنْ يَستَويا في الخارِجِ والمُخرَجِ جَميعًا، وليسَ المُرادُ بالتَّساوي أنْ يَكونَ لِكُلٍّ مِنهما النِّصفُ. فَإنْ كانَ المُخرَجُ مِنهما مُتساويًا فلا بدَّ أنْ يَكونَ الرِّبحُ مُناصَفةً، وإنْ كانَ الخارِجُ مِنْ أحَدِهِما أكثَرَ مِنْ الخارِجِ مِنْ الآخَرِ؛ فلا بدَّ أنْ يَكونَ له مِنْ الرِّبحِ بقَدْرِ ما أُخرِجَ، وإلَّا فَسَدَتْ، كَما إذا تَساوَيا في جَميعِ ما أخرَجاه وشرطَا في عَقدِ الشَّرِكةِ أنَّ جَميعَ ما يَحصُلُ مِنْ الزَّرعِ على الثُّلُثِ والثُّلُثيْنِ، أو كانَ ما أخرَجاه على الثُّلُثِ والثُّلُثيْنِ وشرطَا أنَّ ما يَحصُلُ مِنْ الزَّرعِ بَينَهما يَكونُ مُناصَفةً. لَكِنْ يَجوزُ التَّبرُّعُ مِنْ أحَدِهِما لِلآخَرِ بالزِّيادةِ مِنْ عَملٍ أو رِبْحٍ بعدَ لُزومِ الشَّرِكةِ بالبَذْرِ بعدَ العَقدِ الصَّحيحِ (١). ٦ - جَهالةُ الأرضِ: قالَ الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ في الأرضِ أنْ تَكونَ مَعلومةً؛ فإنْ كانَتْ مَجهولةً لا تَصحُّ المُزارَعةُ؛ لأنَّها تُؤدِّي إلى المُنازَعةِ. وَلَو دفعَ الأرضَ مُزارَعةً على أنَّ ما يُزرَعُ فيها حِنطةٌ فكَذا، وما يُزرَعُ فيها شَعيرٌ، فكَذا، يَفسُدُ العَقدُ؛ لأنَّ المَزروعَ فيها مَجهولٌ، لأنَّ كَلِمةَ (مِنْ) لِلتَّبعيضِ، فتَقعُ على بَعضِ الأرضِ، وأنَّه غيرُ مَعلومٍ.

стр. 5409

وَكَذا لَو قالَ: على أنْ يَزرَعَ بَعضَها حِنطةً وبَعضَها شَعيرًا؛ لأنَّ التَّنصيصَ على التَّبعيضِ تَنصيصٌ على التَّجهيلِ. وَلَو قالَ: على أنَّ ما زَرَعتَ فيها حِنطةٌ، فكَذا، وما زَرَعتَ فيها شَعيرًا، فكَذا، جازَ؛ لأنَّه جعلَ الأرضَ كلَّها ظَرفًا لِزَرعِ الحِنطةِ، أو لِزَرعِ الشَّعيرِ، فانعَدَمَ التَّجهيلُ. وَلَو قالَ: على أنَّه إنْ زَرَعَ حِنطةً فكَذا، وإنْ زَرَعَ شَعيرًا فكَذا، وإنْ زَرَعَ سِمسِمًا فكَذا، ولَم يَذكُرْ مِنها، فهو جائِزٌ؛ لِانعِدامِ جَهالةِ المَزروعِ فيها، وجَهالةُ الزَّرعِ لِلحالِ لَيسَتْ بضائِرةٍ؛ لأنَّه فَوَّضَ الِاختيارَ إلَيه، فأيَّ ذلك اختارَه يَتعيَّنُ ذلك العَقدُ باختيارِه فِعلًا. وَلَو زَرَعَ بَعضَها حِنطةً وبَعضَها شَعيرًا، جازَ؛ لأنَّه لَو زَرَعَ الكلَّ حِنطةً أو الكلَّ شَعيرًا لَجازَ، فإذا زَرَعَ بَعضَها حِنطةً وبَعضَها شَعيرًا كانَ أَوْلَى (١). ٧ - جَهالةُ جِنسِ البَذْرِ: اشترَطَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ أنْ يَكونَ البَذْرُ مَعلومًا جِنسُه، ولو لم يُوكَلْ، وعَلِمَه برُؤيةٍ أو صِفةٍ لا يُختَلفُ معها، كشَجرٍ في مُساقاةٍ. لأنَّ حالَ المَزروعِ تَختَلِفُ باختِلافِ الزَّرعِ بالزِّيادةِ والنُّقصانِ؛ فرُبَّ زَرعٍ يَزيدُ في الأرضِ، ورُبَّ زَرعٍ يَنقُصُها، وقد يَقِلُّ النُّقصانُ وقد يَكثُرُ، فلا بدَّ مِنْ البَيانِ؛ لِيَكونَ لُزومُ الضَّررِ مُضافًا إلى التِزامِه؛ إلَّا إذا قالَ له: ازرَعْ فيها ما شِئتَ؛ فيَجوزُ له أنْ يَزرَعَ فيها ما شاءَ؛ لأنَّه لَمَّا فَوَّضَ الأمْرَ إليه قد

стр. 5410

رَضيَ بالضَّررِ، إلَّا أنَّه لا يَملِكُ الغَرسَ؛ لأنَّ الدَّاخِلَ تَحتَ العَقدِ الزَّرعُ دونَ الغَرسِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمرَ ﵄ قَالَ: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمرٍ أَوْ زَرْعٍ» (١) (٢). ٨ - جَهالَةُ مِقدارِ البَذْرِ: ذَهَبَ الحَنابِلةُ والحَنفيَّةُ في قَولٍ، كما اختارَه المَوصِلِيُّ في الاختِيارِ إلى أنَّه يُشترَطُ لِصِحَّةِ المُزارَعةِ أنْ يَكونَ مِقدارُ البَذْرِ مَعلومًا؛ لأنَّها عَقدٌ على عَملٍ؛ فلَم تَجُزْ على غَرَرٍ مُقدَّرٍ، كالإجارةِ. وذَهَبَ الحَنفيَّةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يُشترَطُ مَعرِفةُ مِقدارِ البَذْرِ؛ لأنَّ ذلك يَصيرُ مَعلومًا بإعلامِ الأرضِ (٣). ٩ - شَرطُ العَملِ على صاحِبِ الأرضِ وَحدَهُ: نَصَّ الحَنفيَّةُ والحَنبَليَّةُ على أنَّه يُشترَطُ لِصِحَّةِ المُزارَعةِ ألَّا يُشترَطُ العَملُ على صاحِبِ الأرضِ وَحدَهُ؛ فإنْ شُرِطَ العَملُ على صاحِبِ الأرضِ فَسَدَتْ، وكَذا لا يَصحُّ اشتِراطُ عَملِ ربِّ الأرضِ مع العامِلِ عندَ الحَنفيَّةِ؛ لأنَّ ذلك يَمنَعُ التَّسليمَ، وهو التَّخليةُ.

стр. 5411

وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ شُرِطَ في المُساقاةِ والمُزارَعةِ عَملُ مالِكٍ أو عَملُ غُلامِه مع العامِلِ، بأنْ شرطَ أنْ يُعينَه في العَملِ؛ صَحَّ، كَشَرطِه عليه عَملَ بَهيمةٍ، وَلا يَضُرُّ عَملُ المالِكِ بلا شَرطٍ. وإنْ شرطَ العامِلُ أنَّ أجْرَ الأجيرِ الذي يَستَعينُ به يُؤخَذُ مِنْ ثَمنِ الثَّمرةِ، وقدَّرَ العامِلُ الأُجرةَ أو لَم يُقَدِّرْها؛ لَم يَصحَّ ذلك؛ كَما لَو شرطَ لِنَفْسِه أجْرَ عَملِهِ؛ لأنَّ العَملَ عليه؛ فلا يَصحُّ شَرطُ أخْذِ عِوَضِه (١). أمَّا المالِكيَّةُ فالمُزارَعةُ عِندَهم شَرِكةٌ بينَ اثنَيْنِ بأنْ يَتكافَيَا في العَملِ والمُؤنةِ والأرضِ والبَذْرِ. قالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: الشَّرِكةُ في الزَّرعِ جائِزةٌ، وصِفَتُها: أنْ يَتكافَيَا في العَملِ والمُؤنةِ والأرضِ والبَذْرِ، فإنْ كانَ البَذْرُ مِنْ عِنْدِ أحَدِهِما، والأرضُ مِنْ عِنْدِ الآخَرِ، لا يَجوزُ، كانَ العَملُ عليهما أو على أحَدِهِما؛ لأنَّ الذي له البَذْرُ قد باعَ حِصَّتَه مِنْ شَريكِه بما تُخرِجُه أرضُه، وذلك طَعامٌ بطَعامٍ مُتأخِّرٍ -إنْ زَرَعَا طَعامًا-، ومُخابَرةٌ، وكِراءُ الأرضِ ببَعضِ ما يَخرُجُ مِنها، وصاحِبُ الأرضِ قد أكرَى حِصَّتَه ببَعضِ ما يَخرُجُ مِنها، وذلك غيرُ جائِزٍ، فإنْ زَرَعَها على ذلك وتَكافَيَا فيما سِواه مِنْ العَملِ والبَقَرِ، فالزَّرعُ لِمَنْ وَلِيَه مِنهما: فإنْ وَلِيَه صاحِبُ الأرضِ فالزَّرعُ لَه، ويُغرَمُ لِصاحِبِ البَذْرِ

стр. 5412

مِثلُ مَكيلةِ بَذْرِه، وإنْ وَلِيَه صاحِبُ البَذْرِ فالزَّرعُ لَه، ويُغرَّمُ لِصاحِبِ الأرضِ نِصْفُ كِراءِ أرضِه، فإنْ وَلِياه جَميعًا اقتَسَماه نِصفَيْنِ، فكانَ على صاحِبِ الأرضِ نِصفُ مَكيلةِ البَذْرِ، وعَلَى صاحِبِ البَذْرِ نِصفُ كِراءِ الأرضِ، ويَجوزُ أنْ تَكونَ الأرضُ بَينَهما أو لِأحَدِهِما، ومِنَ الآخَرِ البَقَرُ والمُؤنةُ، ويَكونَ البَذْرُ مِنْ عِندِهِما، والذي يُحتَرزُ منه في هذا البابِ أنْ يُؤدِّيَ إلى كِراءِ الأرضِ بالطَّعامِ أو ببَعضِ ما يَخرُجُ مِنها، أو بانتِفاءِ التَّساوي، فإذا سَلِمَ مِنْ ذلك جازَ (١). ١٠ - إنْ شُرِطَ التِّبنُ لِغَيرِ ربِّ البَذْرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا شُرِطَ التِّبنُ لِأحَدِهِما هَلْ تَفسُدُ المُزارَعةُ بذلك أو لا؟ فَقالَ الحَنفيَّةُ: تَفسُدُ المُزارَعةُ إذا شُرِطَ التِّبنُ لِمَنْ لا يَكونُ البَذْرُ مِنْ قِبَلِه. وَجُملَتُه أنَّ هذا لا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أوْجُهٍ: الوَجْهُ الأولُ: أنْ يَشرُطَا أنْ يَكونَ التِّبنُ ونَحوُهُ؛ كالحَطَبِ، بَينَهما، فلا شَكَّ أنَّه يَجوزُ؛ لأنَّه شَرطٌ مُقَرَّرٌ، ومُقتَضَى العَقدِ؛ لأنَّ الشَّرِكةَ في الخارِجِ مِنْ الزَّرعِ مِنْ مَعاني هذا العَقدِ على ما مَرَّ.

стр. 5413

وإنْ سَكَتَا عنه يَفسُدُ، عندَ أبي يُوسفَ، وعِندَ مُحمَّدٍ لا يَفسُدُ، ويَكونُ لِصاحِبِ البَذْرِ مِنهما، وذكرَ الطَّحاويُّ أنَّ مُحمَّدًا رَجعَ إلى قَولِ أبي يُوسفَ. وَجْهُ قَولِ مُحمَّدٍ ﵀ أنَّ ما يَستَحقُّه صاحِبُ البَذْرِ يَستَحقُّه ببَذْرِه، لا بالشَّرطِ، فكانَ شَرطُ التِّبنِ والسُّكوتُ عنه بمَنزِلةٍ واحِدةٍ. وَجْهُ قَولِ أبي يُوسفَ ﵀ أنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهما -أعني الحَبَّ والتِّبنَ- مَقصودٌ مِنْ العَقدِ؛ فكانَ السُّكوتُ عن التِّبنِ بمَنزِلةِ السُّكوتِ عن الحَبِّ، وذا مُفسِدٌ بالإجماعِ، فكَذا هَذا. وقالَ مَشايِخُ بَلْخَ: التِّبنُ بَينَهما أيضًا اعتِبارًا لِلعُرفِ فيما لَم يَنُصَّ عليه المُتعاقدانِ؛ ولأنَّه تَبَعٌ لِلحَبِّ، والتَّبَعُ يَقومُ بشَرطِ الأصْلِ. والوَجْهُ الثَّاني: أنْ يَشرُطا أنْ يَكونَ لِأحَدِهِما دونَ الآخَرِ؛ فإنْ شَرَطاه لِصاحِبِ البَذْرِ جازَ، ويَكونُ لَه؛ لأنَّ صاحِبَ البَذْرِ يَستَحقُّه مِنْ غيرِ شَرطٍ؛ لِكَونِه نَماءَ مِلْكِه؛ فالشَّرطُ لا يَزيدُه إلَّا تَأكيدًا. الوَجْهُ الثَّالث: أنْ يَشرُطَا التِّبنَ ونَحوَه لِمَنْ لا بَذْرَ لَه، فتَفسُدَ المُزارَعةُ؛ لأنَّ استِحقاقَ صاحِبِ البَذْرِ التِّبنَ بالبَذْرِ، لا بالشَّرطِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه، ونَماءُ مِلْكِ الإنسانِ مِلْكُه؛ فصارَ شَرطُ كَونِ التِّبنِ لِمَنْ لا بَذْرَ مِنْ قِبَلِه بمَنزِلةِ شَرطِ كَوْنِ الحَبِّ لَه، وذا مُفسِدٌ، كَذا هَذا. وَلأنَّ هذا الشَّرطَ يُؤدِّي إلى قَطْعِ الشَّرِكةِ إذا لَم يَخرُجْ إلَّا التِّبنُ، لأنَّ استِحقاقَ غيرِ صاحِبِ البَذْرِ إنَّما هو بالشَّرطِ (١).

стр. 5414

وأمَّا المالِكيَّةُ فالخارِجُ مِنْ الأرضِ بينَ العامِلِ ورَبِّ الأرضِ بنِسبةِ كلِّ واحِدٍ منهما على ما تَقدَّمَ بَيانُه. وجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: في سَواقِطِ نَخلِ المُساقاةِ: (قُلتُ): أرأيتَ سَواقِطَ النَّخلِ، جَرائِدَه ولِيفَه، لِمَنْ يَكونُ؟ (قالَ): أرى أنْ يَكونَ ذلك بَينَهما. (قُلتُ): على قَدْرِ ما يَتعامَلانِ به؟ (قالَ): نَعَمْ. (قُلتُ): أرأيتَ الزَّرعَ إذا دَفَعتَه مُعامَلةً، لِمَنِ التِّبنُ؟ (قالَ): أراه بمَنزِلةِ سَواقِطِ النَّخلِ وقد قالَ مالِكٌ: سَواقِطُ النَّخلِ بَينَهما، والتِّبنُ عِندي بهذه المَنزِلةِ. (قُلتُ): أرأيتَ ما سقطَ مِنْ الثِّمارِ، مثلَ البَلَحِ وما أشبَهَه لِمَنْ يَكونُ؟ (قال): أراه بمَنزِلةِ سَواقِطِ النَّخلِ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: إنْ شُرِطَ التِّبنُ والحَبُّ بَينَهما جازَ، وكَذا لَو شُرِطَ الحَبِّ بَينَهما والتِّبنُ لِأحَدِهِما، لِاشتِراكِهِما في المَقصودِ. فَإنْ شُرِطَ التِّبنُ لِصاحِبِ الثَّورِ وهو مالِكُ الأرضِ، وشُرِطَ الحَبُّ لِلآخَرِ لَم يَجُزْ؛ لأنَّ المالِكَ هو الأصْلُ؛ فلا يُمنَعُ مِنْ المَقصودِ. وإنْ شرطَا التِّبنَ لِصاحِبِ البَذْرِ، وهو العامِلُ، فوَجهانِ.

стр. 5415

وَقيلَ: لا يَجوزُ شَرطُ الحَبِّ لِأحَدِهِما والتِّبنِ لِلآخَرِ أصْلًا (١). ١١ - اشتِراطُ الحَصادِ والدِّياسِ: اختَلفَ العُلماءُ في الحَصادِ والدِّياسِ والتَّذريةِ، هَلْ تَكونُ على المالِكِ أو على العامِلِ أو عليهما معًا؟ وهَل يَصحُّ اشتِرَاطُه أو لا؟ فذهبَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الحَصادَ والدِّياسَ والتَّذريةَ على المالِكِ والعامِلِ على قَدْرِ حَقَّيْهِما؛ لأنَّه إنَّما يَكونُ بعدَ تَكامُلِ الثَّمرةِ وانقِضاءِ المُساقاةِ، فكَانَ عليهما. ثم اختَلفوا فيما لَو شُرِطَ الحَصادُ والرَّافِعُ والدِّياسُ والتَّذريةُ على العامِلِ، هَلْ يَصحُّ أو لا؟ فَقالَ الحَنفيَّةُ في المَذهبِ: لَو شُرِطَ الحَصادُ والرَّافِعُ والدِّياسُ والتَّذريةُ على العامِلِ فَسَدَتِ المُزارَعةُ. وإنْ شرطَا شَيئًا مِنْ ذلك على ربِّ الأرضِ فَسَدَ العَقدُ بالإجماعِ؛ لِعَدَمِ العُرفِ. والأصْلُ أنَّ كلَّ عَملٍ يَحتاجُ إليه الزَّرعُ قبلَ تَناهِيهِ وإدراكِه وجَفافِه ممَّا يُرجَعُ إلى إصلاحِه مِنْ السَّقْيِ والحِفظِ وقَلعِ الحَشاوةِ وحَفرِ الأنهارِ وتَسويةِ المُسنَّاةِ ونَحوِها، فعلى المُزارِعِ؛ لأنَّ ما هو المَقصودُ مِنْ الزَّرعِ -وهو النَّماءُ- لا يَحصُلُ بدُونِه عادةً، فكانَ مِنْ تَوابِعِ المَعقودِ عليه، فكانَ مِنْ عَملِ المُزارَعةِ، فيَكونُ على المُزارَعِ. وَكلُّ عَملٍ يَكونُ بعدَ تَناهي الزَّرعِ وإدراكِه وجَفافِه قبلَ قِسمةِ الحَبِّ

стр. 5416

ممَّا يُحتاجُ إليه لِخُلوصِ الحَبِّ وتَنقيتِه؛ كالحَصادِ والدِّياسِ وأشباهِهِ، يَكونُ بَينَهما على شَرطِ الخارِجِ؛ لأنَّه لَيسَ مِنْ عَملِ المُزارَعةِ. وَكلُّ عَملٍ يَكونُ بعدَ القِسمةِ مِنْ الحَملِ إلى البَيتِ ونَحوِه ممَّا يُحتاجُ إليه لِإحرازِ المَقسومِ فعلى كلِّ واحِدٍ مِنهما في نَصيبِه؛ لأنَّ ذلك مُؤنةُ مِلْكِه، فيَلزَمُه دونَ غَيرِه. وَذَهَبَ الحَنابِلةُ وأبو يُوسفَ ﵀ إلى أنَّه يَصحُّ شَرطُ الحَصادِ ورَفْعِ البَيْدَرِ والدِّياسِ والتَّذريةِ على المُزارَعِ لِتَعامُلِ النَّاسِ، ولأنَّه لا يُخِلُّ بمَصلَحةِ العَقدِ. وَبِه يُفتِي عُلماءُ ما وَراءَ النَّهرِ مِنْ الحَنفيَّةِ، وهو اختيارُ نُصَيرِ بنِ يَحيَى ومُحمَّدِ بنِ سَلَمةَ مِنْ مَشايِخِ خُراسانَ. وقالَ السَّرخَسِيُّ ﵀: وهو الأصَحُّ في دِيارِنا. قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: وعَنِ الشَّيخِ الإمامِ أبي بَكرٍ مُحمَّدِ بنِ الفَضلِ أنَّه كانَ إذا استُفتِيَ عن هذه المَسألةِ يَقولُ: فيه عُرفٌ ظاهِرٌ، ومَن أرادَ ألَّا يَتعَطَّلَ فليَعمَلْ بالعُرفِ، ولا يَمنَعْ عنه، ثم في المَوضِعِ الذي يَكونُ الحَصادُ فيه على العامِلِ عُرفًا لَو أخَّرَه وتَغافَلَ عن الحَصادِ حتى هَلَكَ، قالَ أبو بَكرٍ البَلْخِيُّ: يَضمَنُ ذلك، وقالَ الفَقيهُ أبو اللَّيثِ: إذا أخَّرَ تَأخيرًا فاحِشًا لا يُؤَخِّرُ النَّاسُ إلى مِثلِه كانَ ضامِنًا، وإلَّا فلا، هذا إذا شرطَا هذه الأعمالَ على العامِلِ، وإنْ شُرِطَ شَيءٌ مِنْ ذلك على صاحِبِ الأرضِ فَسَدَ العَقدُ عندَ الكلِّ (١).

стр. 5417

وأمَّا المالِكيَّةُ؛ فقالَ المَوَّاقُ ﵀: قالَ المُتيْطِيُّ: إنْ كانَ العُرفُ بالبَلَدِ أنَّ الحَصادَ والدِّراسَ والتَّصفيةَ على العامِلِ، وكانَ ذلك كلُّه مع جَميعِ العَملِ مُساويًا لِكِراءِ الأرضِ جازَ، على قَولِ ابنِ القاسِمِ، ولَم يُجِزْه سُحنونُ؛ لأنَّه لا يَدري كَيفَ يَكونُ. قالَ: ويُعقَدُ فيه على مَذهبِ ابنِ القاسِمِ، وعَلَى العامِلِ، يَعني: بعدَ الحَرثِ والزَّرعِ ما يَحتاجُ الزَّرعُ إليه مِنْ خِدمةٍ وسَقْيٍ وتَنقيةٍ وحَصادٍ ونَقْلِه إلى الأندَرِ ودِراسَتِه فيه وتَصفيتِه إلى أنْ يَصيرَ حَبًّا مُصَفًّى؛ فيُقسِّمانِه على الكَيلِ (١).

стр. 5418

فصل في آثارِ المُزارَعةِ المُزارَعةُ إمَّا أنْ تَكونَ صَحيحةً، بأنْ تَكتملَ وتَتوافَرَ فيها شُروطُ صِحَّتِها، وإمَّا أنْ تَكونَ فاسِدةً، بأنِ اختَل بها رُكنٌ أو شَرطٌ، أو شُرِطَ فيها شَرطٌ فاسِدٌ، ولكلِّ واحِدٍ منهما حُكمٌ وآثارٌ تَترتَّبُ عليه، وبَيانُ كلِّ واحِدةٍ منهما على التَّفصيلِ الآتي: أولًا: الآثارُ المُترتِّبةُ على المُزارَعةِ الصَّحيحةِ: إذا تَوافَرَتْ شُروطُ صِحَّةِ المُزارَعةِ انعَقَدتْ صَحيحةً وتَرتَّبَ عليها آثارُها، وهي ما يلي: ١ - على المُزارِعِ كلُّ عَملٍ مِنْ أعمالِ المُزارَعةِ: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ -القائِلونَ بصِحَّةِ المُزارَعةِ- وَبعضُ الشافِعيَّةِ على أنَّه يَجِبُ على العامِلِ بعدَ الزَّرعِ كلُّ عَملٍ يَحتاجُ إليه الزَّرعُ لِإصلاحِه، مِنْ خِدمةٍ وسَقْيٍ وتَنقيةٍ وقَطعِ حَشيشٍ مُضِرٍّ وحَرثٍ وتَفريقِ زِبْلٍ وسِباخٍ، ونَقلِه إلى الأندرِ، ودِراستِه فيه وتَصفيتِه وحِفظِه إلى أنْ يَصيرَ حَبًّا مُصَفًّى، فيُقسِّمانِه على الكَيْلِ؛ لأنَّ هذا كلَّه مِنْ العَملِ (١).

стр. 5419

٢ - النَّفَقةُ على الزَّرعِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في النَّفَقةِ على الزَّرعِ مِنْ السِّرقينِ، والسِّمادِ، ونَحوِ ذلك، هل تَكونُ على المالِكِ والعامِلِ معًا أو على ربِّ الأرضِ أو على العامِلِ؟ قالَ الحَنفيَّةُ وكذا المالِكيَّةُ: كلُّ ما كانَ مِنْ بابِ النَّفَقةِ على الزَّرعِ مِنْ السِّرقينِ وقَلعِ الحَشاوةِ، ونَحوِ ذلك، فعليهما على قَدْرِ حَقِّهما، وكذلك الحَصادُ والحَمْلُ إلى البَيدَرِ، والدِّياسُ وتَذريتُه؛ لِمَا ذَكَرْنا مِنْ أنَّ ذلك ليس مِنْ عَملِ المُزارَعةِ حتى يَختَصَّ به المُزارَعُ (١). وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا شِراءُ ما يُلَقَّحُ به فهو على ربِّ المالِ، وإنْ تكَرَّرَ؛ لأنَّ هذا ليس مِنْ العَملِ. فأمَّا البَقَرةُ التي تُديرُ الدُّولابَ؛ فقالَ أصحابُنا: هي على ربِّ المالِ؛ لأنَّها ليسَتْ مِنْ العَملِ؛ فأشبَهَتْ ما يُلَقَّحُ به، والأَوْلَى أنَّها على العامِلِ؛ لأنَّها تُرادُ لِلعَملِ؛ فأشبَهَتْ بَقَرَ الحَرثِ، ولأنَّ استِقاءَ الماءِ على العامِلِ إذا لَم يَحتَجْ إلى بَهيمةٍ، فكانَ عليه، وإنِ احتاجَ إلى بَهيمةٍ، كغَيرِه مِنْ الأعمالِ. فأمَّا تَسميدُ الأرضِ بالزِّبْلِ إنِ احتاجَتْ إليه، فشِراءُ ذلك على ربِّ

стр. 5420

المالِ؛ لأنَّه ليس مِنْ العَملِ؛ فجَرَى مَجرى ما يُلَقَّحُ به، وتَفريقُ ذلك في الأرضِ على العامِلِ كالتَّلقيحِ. وإنْ أطلَقَا العَقدَ ولم يُبيِّنا ما على كلِّ واحِدٍ منهما، فعلى كلِّ واحِدٍ منهما ما ذَكَرْنا أنَّه عليه، وإنْ شَرَطا ذلك كانَ تَأْكيدًا. وإنْ شَرَطا على أحَدِهما شَيئًا ممَّا يَلزَمُ الآخَرَ، فقالَ القاضي، وأبو الخطَّابِ: لا يَجوزُ ذلك؛ فعلى هذا تَفسُدُ؛ لأنَّه شَرطٌ يُخالِفُ مُقتَضَى العَقدِ، فأفسَدَه؛ كالمُضارَبةِ إذا شُرِطَ العَملُ فيها على ربِّ المالِ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدلُّ على صِحَّةِ ذلك؛ فإنَّه ذكرَ أنَّ الجِذاذِ عليهما، فإنْ شرطَه على العامِلِ جازَ، وهذا مُقتَضَى كَلامِ الخِرَقيِّ في المُضارَبةِ؛ لأنَّه شَرطٌ لا يُخِلُّ بمَصلَحةِ العَقدِ، ولا مَفسَدةَ فيه، فصَحَّ؛ كتأجيلِ الثَّمنِ في المَبيعِ، وشَرطِ الرَّهنِ والضَّمينِ والخِيارِ فيهِ، لكنْ يُشترَطُ أنْ يَكونَ ما يَلزَمُ كلَّ واحِدٍ مِنْ العَملِ مَعلومًا؛ لِئَلَّا يُفضيَ إلى التَّنازُعِ والتَّواكُلِ؛ فيَختَل العَملُ، وألَّا يَكونَ ما على ربِّ المالِ أكثَرَ العَملِ؛ لأنَّ العامِلَ يَستَحقُّ بعَملِه، فإذا لم يَعمَلْ أكثَرَ العَملِ كانَ وُجودُ عَملِه كعَدَمِه؛ فلا يَستَحقَّ شَيئًا (١). ٣ - الخارِجُ بَينَهما على الشَّرطِ المَذكورِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُزارَعةَ إذا صَحَّتْ وأخرَجَتِ الأرضُ شَيئًا؛ فإنَّ

стр. 5421

الخارِجَ بَينَهما، إلَّا أنَّهمُ اختَلفوا هل يَكونُ على الشَّرطِ المَذكورِ أو على نِسبةِ المُخرَجِ. فقالَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ: إذا صَحَّتِ المُزارَعةُ يَكونُ الخارِجُ بَينَهما على الشَّرطِ المَذكورِ مِنْ النِّصفِ أو الثُّلُثِ أو نَحوِ ذلك؛ لأنَّ الشَّرطَ قد صَحَّ؛ فيَلزَمُ الوَفاءُ به؛ لِقَولِه ﷺ : «المسْلِمُونَ على شُرُوطِهِمْ» (١) (٢). وقالَ المالِكيَّةُ: الخارِجُ بَينَهما يَكونُ بنِسبةِ المُخرَجِ: بأنْ يَأخُذَ كلُّ واحِدٍ منهما مِنْ الرِّبحِ على حَسَبِ ما يُخرِجُه؛ فلا تَصحُّ الشَّرِكةُ إذا تَساوَيا في جَميعِ ما أخرجاه، وشَرَطا في عَقدِ الشَّرِكةِ أنَّ جَميعَ ما يُحَصَّلُ مِنْ الزَّرعِ على الثُّلُثِ والثُّلُثيْنِ، أو كانَ ما أخرجاه على الثُّلُثِ والثُّلُثيْنِ وشَرَطا أنَّ ما يُحَصَّلُ مِنْ الزَّرعِ على التَّنصيفِ. كأنْ يَكونَ كِراءُ الأرضِ مِئةً، وكِراءُ العَملِ مِنْ بَقَرٍ أو غَيرِها سِوَى البَذْرِ مِئةً، ودَخَلا على أنَّ الرِّبحَ مُناصَفةٌ، أو أخرَجَ أحَدُهما ما يُساوي خَمسينَ، وأخرَجَ الآخَرُ ما يُساوي مِئةً، ودَخَلا على أنَّ لِصاحِبِ المِئةِ مِنْ الرِّبحِ الثُّلُثيْنِ، ولِصاحِبِ الخَمسينَ الثُّلُثَ، وهكذا، فإنْ دخلَا في الأولِ على الثُّلُثِ والثُّلُثيْنِ، وفي الثَّاني على المُناصَفةِ، فَسَدتْ (٣).

стр. 5422

٤ - إذا لم يُخرِجِ الشَّجرُ شَيئًا: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الأرضَ إذا لم تُخرِجْ شَيئًا في المُزارَعةِ الصَّحيحةِ فلا شَيءَ لِواحِدٍ منهما على الآخَرِ اتِّفاقًا، لا أجْرُ العَملِ ولا أجْرُ الأرضِ؛ لأنَّها شَرِكةٌ في الخارِجِ، ولا خارِجَ، وصارَ كالمُضارِبِ إذا لم يَربَحْ، سواءٌ كانَ البَذْرُ مِنْ قِبَلِ العامِلِ، أو مِنْ قِبَلِ ربِّ الأرضِ؛ بخِلافِ المُزارَعةِ الفاسِدةِ يَجِبُ فيها أجْرُ المِثلِ -على خِلافٍ فيها سيأتي- وإنْ لم تُخرِجِ الأرضُ شَيئًا. والفَرقُ أنَّ الواجِبَ في العَقِد الصَّحيحِ هو المُسمَّى، وهو بَعضُ الخارِجِ، ولم يُوجَدِ الخارِجُ؛ فلا يَجِبُ شَيءٌ، والواجِبُ في المُزارَعةِ الفاسِدةِ أجْرُ مِثلِ العَملِ في الذِّمةِ، لا في الخارِجِ، فانعِدامُ الخارِجِ لا يَمنَعُ وُجوبَه في الذِّمةِ؛ فهو الفَرقُ (١). ٥ - تَقليبُ الأرضِ بالحَرثِ (الكِرابُ): قالَ الحَنفيَّةُ: الكِرابُ على وجهيْنِ: إمَّا أنْ يَشرُطا الكِرابَ في العَقدِ، وإمَّا أنْ يَسكُتا عن شَرطِه. فإنْ شَرَطاه يُجبَرُ عليه؛ لأنَّه شَرطٌ صَحيحٌ؛ فيَجِبُ الوَفاءُ به.

стр. 5423

وإنْ سَكَتا عنه يُنظَرُ: إنْ كانَتِ الأرضُ ممَّا تُخرِجُ الزَّرعَ بدُونِ الكِرابِ زَرعًا مُعتادًا يُقصَدُ مِثلُه في عُرفِ النَّاسِ، لا يُجبَرُ المُزارِعُ عليه. وإنْ كانَتْ ممَّا لا يُخرِجُ أصلًا، أو يُخرِجُ ولكنْ شَيئًا قَليلًا، لا يُقصَدُ مِثلُه بالعَملِ، يُجبَرُ على الكِرابِ؛ لأنَّ مُطلَقَ عَقدِ المُزارَعةِ يَقَعُ على الزِّراعةِ المُعتادةِ. وعلى هذا إذا امتَنَعَ المُزارِعُ عن السَّقْيِ، وقالَ: أدَعُها حتى تَسقيَها السَّماءُ، فهو على قِياسِ هذا التَّفصيلِ أنَّه إنْ كانَ الزَّرعُ ممَّا يَكتَفي بماءِ السَّماءِ، ويُخرِجُ زَرعًا مُعتادًا بدُونِه، لا يُجبَرُ على السَّقْيِ، وإنْ كانَ مع السَّقْيِ أجوَدَ، فإنْ كانَ ممَّا لا يُكتَفَى به يُجبَرُ على السَّقْيِ؛ لِمَا قُلْنا (١). ٦ - جَوازُ الزِّيادةِ على الشَّرطِ المَذكورِ: قالَ الحَنفيَّةُ: الأصْلُ فيه أنَّ كلَّ ما احتَمَلَ إنشاءَ العَقدِ عليه احتَمَلَ الزِّيادةَ، وما لا فلا، والحَطُّ جائِزٌ في الحالَيْنِ جَميعًا، كما في الزِّيادةِ في الثَّمنِ في بابِ البَيعِ. إذا عُرِفَ هذا نَقولُ: الزِّيادةُ والحَطُّ في المُزارَعةِ على وجهيْنِ: إمَّا أنْ يَكونَا مِنْ المُزارِعِ، وإمَّا أنْ يَكونَا مِنْ صاحِبِ الأرضِ، ولا يَخلو إمَّا أنْ يَكونَ البَذْرُ مِنْ قِبَلِ المُزارِعِ، وإمَّا أنْ يَكونَ مِنْ صاحِبِ الأرضِ بَعدَما استَحصَدَ الزَّرعَ، أو قبلَ أنْ يَستَحصِدَ. فَإنْ كانَ مِنْ بَعدِ ما استَحصَدَ، والبَذْرُ مِنْ قِبَلِ العامِلِ، وكانَتِ المُزارَعةُ

стр. 5424

على النِّصفِ مثلًا، فزادَ المُزارَعُ صاحِبَ الأرضِ السُّدُسَ في حِصَّتِه، وجعلَ له الثُّلُثيْنِ ورَضيَ به صاحِبُ الأرضِ، لا تَجوزُ الزِّيادةُ، والخارِجُ بَينَهما على الشَّرطِ نِصفانِ، وإنْ زادَ صاحِبُ الأرضِ المُزارَعَ السُّدُسَ في حِصَّتِه وتَراضَيَا، فالزِّيادةُ جائِزةٌ؛ لأنَّ الأولَ زِيادةٌ على الأُجرةِ بعدَ انتِهاءِ عَملِ المُزارَعةِ باستيفاءِ المَعقودِ عليه، وهو المَنفَعةُ، وأنَّه لا يَجوزُ. ألَا تَرى أنَّهما لَو أنشَآ العَقدَ بعدَ الحَصادِ لا يَجوزُ؟ فكذلك الزِّيادةُ، والثَّاني حَطَّ مِنْ الأُجرةِ، وأنَّه لا يَستَدعي قيامَ المَعقودِ عليه كَما في بابِ البَيعِ، هذا إذا كانَ البَذْرُ مِنْ قِبَلِ العامِلِ. فَإنْ كانَ البَذْرُ مِنْ قِبَلِ صاحِبِ الأرضِ فزادَ صاحِبُ الأرضِ، لا يَجوزُ، وإنْ زادَ المُزارَعُ جازَ؛ لِمَا قُلْنا. هَذا إذا زادَ أحَدُهما بَعدَما استَحصَدَ الزَّرعَ، فإنْ زادَ قبلَ أنْ يَستَحصِدَ جازَ مِنْ أيٍّ مِنهما كانَ؛ لأنَّ الوَقتَ يَحتَمِلُ إنشاءَ العَقدِ؛ فيَحتَمِلُ الزِّيادةَ أيضًا، بخِلافِ الأمْرِ بعدَ الحَصادِ؛ فإنَّه لا يَحتَمِلُ إنشاءَ العَقدِ؛ فلا يَحتَمِلُ الزِّيادةَ عليه. وأمَّا الحَطُّ فجائِزٌ في الحالَتَيْنِ قبلَ الحَصادِ وبَعدَه (١). ثانيًا: الآثارُ المُترتِّبةُ على المُزارَعةِ الفاسِدةِ: إذا فَسَدتِ المُزارَعةُ لِفِقدانِ شَرطٍ مِنْ شُروطِ صِحَّتِها أو وُجودِ مانِعٍ تَرتَّبَتْ عليه الآثارُ التالِيةُ على هذا التَّفصيلِ:

стр. 5425

قالَ الحَنفيَّةُ: إذا فَسَدَتِ المُزارَعةُ تَرتَّبَ عليها الأحكامُ الآتيةُ: ١ - لا يَجِبُ على المُزارَعِ شَيءٌ مِنْ أعمالِ المُزارَعةِ ؛ لأنَّ وُجوبَه بالعَقدِ، ولم يَصحَّ (١). ٢ - الخارِجُ كلُّه لِصاحِبِ البَذْرِ: قالَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ: المُزارَعةُ إذا فَسَدَتْ فإنَّ الخارِجَ يَكونُ كلُّه لِصاحِبِ البَذْرِ، سَواءٌ كانَ ربَّ الأرضِ أو المُزارَعَ؛ لأنَّ استِحقاقَ صاحِبِ البَذْرِ الخارِجِ لِكَونِه نَماءَ مِلْكِه، لا بالشَّرطِ لِوُقوعِ الِاستِغناءِ بالمِلْكِ عن الشَّرطِ واستِحقاقِ الأجْرِ الخارِجِ بالشَّرطِ، وهو العَقدُ، فإذا لَم يَصحَّ الشَّرطُ استَحقَّه صاحِبُ المِلْكِ، ولا يَلزَمُه التَّصَدُّق بشَيءٍ؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه. فَإنْ كانَ البَذْرُ مِنْ قِبَلِ ربِّ الأرضِ فعليه لِلعاملِ أُجرةُ مِثْلِه؛ لأنَّ ربَّ الأرضِ استَوفَى مَنفعَتَه بعَقدٍ فاسِدٍ، ولأنَّه بذلَ مَنافِعَه بعِوَضٍ لَم يُسَلَّمْ لَه، فرَجعَ إلى بَدَلِه، وهو أُجرةُ المِثْلِ. لَكِنْ لا يُزادُ على مِقدارِ ما شُرِطَ له مِنْ الخارِجِ عندَ أبي حَنيفَةَ، وأبي يُوسفَ؛ لِرِضائِه بسُقوطِ الزِّيادةِ. وقالَ الحَنابِلةُ ومُحمَّدٌ ﵀: له أُجرةُ مِثْلِه بالِغًا ما بَلَغَ؛ لأنَّه استَوفَى مَنافِعَه بعَقدٍ فاسِدٍ؛ فيَجِبُ عليه قِيمَتُها؛ إذْ لا مثلَ لَها. وَهَذا إذا كانَتْ حِصَّةُ كلِّ واحِدٍ مِنهما سَواءً في العَقدِ؛ فإنْ لَم يكُنْ فيَجِبُ أجْرُ المِثْلِ تامًّا بالإجماعِ.

стр. 5426

وإنْ كانَ البَذْرُ مِنْ العامِلِ فلِصاحِبِ الأرضِ أجْرُ مِثلِ الأرضِ لربِّها، وهي المُخابَرةُ؛ لِاستيفاءِ العامِلِ مَنفَعةَ أرضِه بعَقدٍ فاسِدٍ؛ لأنَّه يَكونُ مُستَأجِرًا لِلأرضِ، فإذا فَسَدَتِ الإجارةُ وجبَ عليه أجْرُ مِثلِ أرضِه. وقالَ الحَنابِلةُ: وإنْ كانَ البَذْرُ مِنهما فالزَّرعُ لَهُما، ويَتَراجَعانِ بما يُفَضَّلُ لِأحَدِهِما على الآخَرِ مِنْ أجْرٍ مِثلِ الأرضِ التي فيها نَصيبُ العامِلِ، وأجْرُ العامِلِ بقَدْرِ عَملِه في نَصيبِ صاحِبِ الأرضِ (١). أمَّا شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ فقالَ: إذا فَسَدَتِ المُزارَعةُ أو المُساقاةُ أو المُضارَبةُ استَحقَّ العامِلُ نَصيبَ المِثْلِ -وَهو ما جَرَتْ به العادةُ في مِثلِه- لا أُجرةَ المِثلِ (٢). وقالَ في «مَجموع الفَتاوَى»: الصَّحيحُ مِنْ قَولَيِ العُلماءِ أنَّ هذه المُشارَكاتِ إذا فَسَدَتْ وجبَ نَصيبُ المِثلِ، لا أُجرةُ المِثلِ، فيَجِبُ مِنْ الرِّبْحِ أو النَّماءِ إمَّا ثُلُثُه، وإمَّا نِصفُه، كَما جَرَتِ العادةُ في مِثلِ ذلك، ولا تَجِبُ أُجرةٌ مُقدَّرةٌ، فإنَّ ذلك قد يَستَغرِقُ المالَ وأضعافَه؛ وإنَّما يَجِبُ في الفاسِدِ مِنْ العُقودِ نَظيرُ ما يَجِبُ في الصَّحيحِ، والواجِبُ في الصَّحيحِ لَيسَ هو أُجرةً مُسمَّاةً، بَلْ جُزءٌ شائِعٌ مِنْ الرِّبحِ مُسمًّى فيَجِبُ في الفاسِدةِ نَظيرُ ذلك (٣).

стр. 5427

أمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: المُزارَعةُ إذا وَقَعَتْ فاسِدةً بأنِ اختَل شَرطٌ مِنْ شُروطِ صِحَّتِها؛ فإنَّها تُفسَخُ قبلَ العَملِ. فَإنْ فاتَتْ بالعَملِ فإنْ وقعَ العَملُ مِنهما، وعَمِلَا معًا وتَساوَيَا فيه، وكانَ البَذْرُ لِأحَدِهِما ولِلآخَرِ الأرضُ فالزَّرعُ بَينَهما؛ لأنَّهما عَمِلَا معًا، ويَتَرادَّانِ فيما سِوَى العَملِ غَيرِه -مِنْ كِراءٍ وبَذْرٍ- فعلى صاحِبِ البَذْرِ نِصْفُ كِراءِ أرضِ صاحِبِه، وعَلَى صاحِبِ الأرضِ لربِّ البَذْرِ نِصْفُ مَكيلةِ البَذْرِ. وإنْ لَم يَعمَلَا معًا، بَلِ انفَرَدَ أحَدُهما بالعَملِ، ولَه مع عَملِه إمَّا الأرضُ وإمَّا البَذْرُ -وعَلَى كلِّ حالٍ فهي فاسِدةٌ- فلِلعاملِ الزَّرعُ كلُّه إنْ كانَ له مع عَملِه أرضٌ أو بَذْرٌ أو بَعضُ كُلٍّ مِنهما، بأنْ كانَتِ الأرضٍ بَينَهما أو البَذْرُ، أو هُما، والعَملُ في كُلٍّ مِنْ أحَدِهِما، وعِلَّةُ الفَسادِ التَّفاوُتُ. وعلى العامِلِ الذي حُكِمَ له بجَميعِ الزَّرعِ مِثلُ البَذْرِ إذا كانَ له مع عَملِه الأرضُ، وكانَ البَذْرُ مِنْ صاحِبِه، أو بَعضُ الأرضِ؛ كَما لَو كانَتِ الأرضُ بَينَهما وأخرَجَ صاحِبُه البَذْرَ، فقَد قابَلَ بَعضُ البَذْرِ بَعضَ الأرضِ؛ فالزَّرعُ لِلعاملِ، وعليه مِثلُ البَذْرِ لِصاحِبِه. أو عليه أُجرةُ الأرضِ، أوِ البَقَرُ المُنفَرِدُ به الآخَرُ، إنْ كانَ له مع عَملِه بَذْرٌ، وكانَتِ الأرضُ، أو مع البَقَرِ، لِصاحِبِه. وَإذا لَم يكُنْ لِلعاملِ بَذْرٌ ولا أرضٌ، بَلْ كانَ له عَملُ يَدِه فَقَطْ، كَما في مَسألةِ الخِماسِ، إذا عَقَداها بلَفظِ الإجارةِ أو أطلَقا، فلا يَكونُ له شَيءٌ مِنْ الزَّرعِ، وإنَّما يَكونُ له أُجرةُ عَملِه فَقَطْ، والزَّرعُ لربِّ الأرضِ والبَذْرِ.

стр. 5428

هَذا كلُّه هو مَشهورُ المَذهبِ، وفي المَذهبِ سِتَّةُ أقوالٍ في المُزارَعةِ إذا فَسَدَتْ: الأولُ: أنَّ الزَّرعَ لِصاحِبِ البَذْرِ وعليه لِأصحابِه كِراءُ ما أخرَجوه. الثَّاني: الزَّرعُ لِصاحِبِ عَملِ اليَدِ. الثَّالث: أنَّه لِمَنِ اجتَمَعَ له شَيئانِ مِنْ ثَلاثةِ أشياءَ: أرضٌ وبَقَرٌ وعَملُ يَدٍ. الرَّابِعُ: لِمَنِ اجتَمَعَ له شَيئانِ مِنْ أربَعةٍ: أرضٌ وبَقَرٌ وعَملُ يَدٍ وبَذْرٌ. الخامِسُ: أنَّه لِلباذِرِ إنْ كانَ فَسادُها لِلمُخابَرةِ، أي: كِراءِ الأرضِ بما يَخرُجُ مِنها، فإنْ كانَ لِغَيرِها؛ فهو لِلثَّلاثةِ على ما شَرَطوا. والسَّادِسُ: وهو الرَّاجِحُ؛ لأنَّه مَذهَبُ ابنِ القاسِمِ، واختارَه مُحمَّدٌ: الزَّرعُ لِمَنِ اجتَمَعَ له شَيئانِ مِنْ ثَلاثةٍ: بَذْرٌ وأرضٌ وعَملُ يَدٍ. فَإنْ كانوا ثَلاثةً واجتَمَعَ لكلِّ واحِدٍ شَيئانِ، أوِ انفَرَدَ كلُّ واحِدٍ مِنهم بشَيءٍ مِنها، فالزَّرعُ بَينَهم أثلاثًا، وإنِ اجتَمَعَ لِأحَدِهم شَيئانِ دونَ صاحِبَيْه فالزَّرعُ له دُونَهُما، أوِ اجتَمَعَ شَيئانِ لِشَخصَيْنِ مِنهم، فالزَّرعُ لَهُما دونَ الثَّالث، فصُوَرُ قَولِ ابنِ القاسِمِ أربَعٌ؛ أي: فيما إذا كانَ الشُّرَكاءُ ثَلاثةً (١).

стр. 5429

فصل في انتِهاءِ المُزارَعةِ المُزارَعةُ إمَّا أنْ تَنتَهيَ بتحَقُّقِ المَقصودِ مِنها، وإمَّا أنْ تَنتَهيَ قبلَ تحَقُّقِ المَقصودِ مِنها، وذلك إمَّا بفَسخِ عَقدِ المُزارَعةِ بالعُذْرِ، أو بصَريحِ الفَسخِ، ودِلالَتِه، وبِانقِضاءِ المدَّةِ، وبِمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ، وبَيانُ ذلك في الحالاتِ التَّاليةِ: أولًا: العُذْرُ الذي يَحُولُ دونَ مُضيِّ العَقدِ: العُذُرُ الذي يُبيحُ فَسخَ المُزارَعةِ، إمَّا أنْ يَرجِعَ إلى صاحِبِ الأرضِ، وإمَّا أنْ يَرجِعَ إلى المُزارَعِ. أ- العُذِرُ الذي يَرجِعُ إلى صاحِبِ الأرضِ: أمَّا العُذْرُ الذي يَرجِعُ إلى صاحِبِ الأرضِ، فهو الدَّيْنُ الفادِحُ الذي لا قَضاءَ لَه، إلَّا مِنْ ثَمنِ هذه الأرضِ، تُباعُ في الدَّيْنِ، ويُفسَخُ العَقدُ بهذا العُذْرِ إذا أمكَنَ الفَسخُ بأنْ كانَ قبلَ الزِّراعةِ أو بَعدَها، إذا أدرَكَ الزَّرعُ، وبَلَغَ مَبلَغَ الحَصادِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُه المُضيُّ في العَقدِ إلَّا بضَرَرٍ يَلحَقُه، فلا يَلزَمُه تحَمُّلُ الضَّررِ؛ فيَبيعُ القاضي الأرضَ بدَيْنِه أوَّلًا، ثم يَفسَخُ المُزارَعةَ، ولا تَنفَسِخُ بالعُذرِ نَفْسِه.

стр. 5430

وَإذا لَم يُمكِنِ الفَسخُ، بأنْ كانَ الزَّرعُ لَم يُدرِكِ، ولَم يَبلُغْ مَبلَغَ الحَصادِ، لا يُباعُ في الدَّيْنِ ولا يُفسَخُ إلى أنْ يُدرِكَ الزَّرعُ؛ لأنَّ في البَيعِ إبطالَ حَقِّ العامِلِ، ولأنَّ في الِانتِظارِ إلى وَقتِ الإدراكِ تَأخيرَ حَقِّ صاحِبِ الدَّيْنِ، ولأنَّ فيه رِعايةَ الجانبيْنِ؛ فكانَ أَوْلَى. وإنْ كانَ صاحِبُ الأرضِ مَحبوسًا بالدَّيْنِ فإنَّه يُطلَقُ مِنْ الحَبسِ إلى غايةِ الإدراكِ؛ لأنَّ الحَبسَ جَزاءُ الظُّلمِ، وهو المَطْلُ، وأنَّه غيرُ مُماطِلٍ قبلَ الإدراكِ؛ لِكَونِه مَمنوعًا عن بَيعِ الأرضِ شَرعًا، والمَمنوعُ مَعذورٌ؛ فإذا أدرَكَ الزَّرعُ يَبيعُ أرضَه ويُؤدِّي دَيْنَه بنَفْسِه، وإلَّا يَبعِ القاضي عليه. ب- العُذْرُ الذي يَرجِعُ إلى المُزارَعِ: وأمَّا الثَّاني الذي يَرجِعُ إلى المُزارَعِ فنَحوُ: أ- المَرَضِ؛ لأنَّه مُعجِزٌ عن العَملِ. ب- السَّفَرِ؛ لأنَّه يَحتاجُ إلَيه، وتَرْكِ حِرفةٍ إلى حِرفةٍ؛ لأنَّ مِنْ الحِرَفِ ما لا يُغني مِنْ جُوعٍ، فيَحتاجُ إلى الِانتِقالِ إلى غَيرِها، ومانِعٌ يَمنَعُه مِنْ العَملِ على ما عُرِفَ في كِتابِ الإجارةِ. ثانيًا: فَسخُ المُزارَعةِ صَراحةً أو دِلالةً: الَّذي يَنفَسِخُ به عَقدُ المُزارَعةِ بعدَ وُجودِه أنواعٌ، مِنها: الفَسخُ، وهو نَوعانِ، صَريحٌ، ودِلالةٌ: أ- فالصَّريحُ أنْ يَكونَ بلَفظِ الفَسخِ والإقالةِ؛ لأنَّ المُزارَعةَ مُشتَمِلةٌ على الإجارةِ، والشَّرِكةِ، وكلُّ واحِدةٍ مِنهما قابِلةٌ لِصَريحِ الفَسخِ والإقالةِ.
следующие страницы →