وفيه مَسائِلُ:
المَسألةُ الأُولَى: إجارةُ دارٍ لِمَنْ يَتَّخذُها كَنيسةً أو بَيْعةً:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُؤجِّرَ دارَه أو يَبيعَها لِنَصرَانِيٍّ أو يَهوديٍّ أو مَجوسيٍّ أو غَيرِهم، لكي يتَّخِذَها كَنيسةً أو بَيْعةً أو بَيتَ نارٍ، إذا كانَتْ دارُه في المِصرِ؛ لأنَّه إعانةٌ على المَعصيةِ، وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
لأنَّهم لا يُمكَّنونَ مِنْ ذلك في الأمصارِ؛ لِظُهورِ شَعائِرِ الإسلامِ؛ فلا يُعارَضُ بظُهورِ شَعائِرِ الكُفرِ.
ثم اختَلفوا: هَلْ يَجوزُ له إجارَتُها لِذلك إذا كانَتْ في السَّوادِ أو لا يَجوزُ؟
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلرجُلِ إجارةُ دارِه لِمَنْ يَتَّخِذُها كَنيسةً أو بَيْعةً أو بَيتَ نارٍ، سَواءٌ كانَ في الأمصارِ أو في القُرَى؛ لأنَّه فِعلٌ مُحرَّمٌ؛ فلَم تَجُزِ الإجارةُ عليه، كَإجارةِ عَبدِه لِلفُجورِ.
وَيُرَدُّ العَقدُ إنْ وَقَعَ؛ فإنْ فاتَ باستِيفاءِ المَنفَعةِ أو بَعضِها فالمَشهورُ عندَ المالِكيَّةِ أنَّه يَتصدَّقُ بجَميعِ الكِراءِ لِلفُقَراءِ وُجوبًا في الإجارةِ، وبِفاضِلِ الثَّمنِ عن ثَمنِ المِثلِ في البَيعِ، بأنْ يُقالَ: ماذا يُساوي ثَمنُ هذه الدَّارِ أو هذه الأرضِ لِمَنْ يَتَّخِذُها كَنيسةً أو خَمَّارةً مثلًا؟ فيُقالُ: خَمسةَ عَشَرَ. ثم يُقالُ: وماذا تُساوي لَو بِيعَتْ لِمَنْ لا يَتَّخِذُها كَنيسةً ولا خَمَّارةً؟ فيُقالُ: تُساوي عَشَرةً. فيُتصدَّقُ بالخَمسةِ الزَّائِدةِ، والفَرقُ بينَ الكِراءِ والبَيعِ أنَّه لَمَّا كانَ
стр. 5608
يَعودُ لِلمُكري ما أكراه لَم يكُنْ عليه ضَرَرٌ كَثيرٌ؛ فلِذلك لَزِمَه التَّصدُّقُ بالكِراءِ جَميعِه، بخِلافِ البائِعِ؛ فإنَّه لا يَعودُ إليه ما باعَه، فلَو وجبَ عليه التَّصدُّقُ بالجَميعِ لَاشتَدَّ ضَرَرُه، والأرضُ كالدَّارِ مِنْ أنَّه يَتصدَّقُ بالكِراءِ، وقيلَ: يَتصدَّقُ مِنْ كِراءِ الأرضِ بالزَّائِدِ، كَما في البَيعِ، والفَرقُ على هذا أنَّ الدَّارَ لَمَّا كانَتْ لا يُنتفَعُ بها إلَّا بعدَ بِنائِها في الأغلَبِ، فكَأنَّ الدَّراهِمَ إنَّما وَقَعَتْ في مُقابَلةِ ذاتِ الأرضِ، وأمَّا الأرضُ فإنَّه يَنتفِعُ بها مِنْ غيرِ بِناءٍ؛ فالمَنفَعةُ فيها هي المَقصودةُ بالإجارةِ (١).
وقالَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ ﵀: يَجوزُ إجارةُ بَيتٍ لِيَتَّخذَ بَيتَ نارٍ أو بَيْعةً أو كَنيسةً بالسَّوادِ، أي: بالقَريةِ، وإنَّما جازَ لأنَّ السَّوادَ في ذلك الوَقتِ كانَ لِأهلِ الذِّمةِ، فلا يُمنَعونَ مِنْ اتِّخاذِ الكَنائِسِ في أملاكِهم، فكَيفَ إذا استَأجَروه؟ ولأنَّه مَعنًى أقَرُّوا عليه بعَقدِ الإجارةِ، فجازَ استِئجارُ الدَّارِ لَه، أصْلُه: إذا اكتَروْها لِذَبائِحِهم.
وَلأنَّ الإجارةَ على مَنفَعةِ البَيتِ، ولِهَذا تَجِبُ الأُجرةُ بمُجرَّدِ التَّسليمِ، ولا مَعصيةَ فيهِ؛ وإنَّما المَعصيةُ بفِعلِ المُستَأجِرِ، وهو مُختارٌ فيه، فقَطعُ نِسبةِ
стр. 5609
ذلك إلى المُؤجِّرِ، وصارَ كَبَيعِ الجاريةِ لِمَنْ لا يَستَبرِئُها، أو يَأتيها في دُبُرِها، أو بَيعِ الغُلامِ مِمَّنْ يَلوطُ به، والدَّليلُ عليه أنَّه لَو أجَّرَه لِلسُّكنَى جازَ، ولا بدَّ فيه مِنْ عِبادَتِه، وإنَّما قَيَّدَه بالسَّوادِ؛ لأنَّهم لا يُمكَّنونَ مِنْ ذلك في الأمصارِ، ولا يُمكَّنونَ مِنْ إظهارِ بَيعِ الخَمرِ والخِنزيرِ في الأمصارِ؛ لِظُهورِ شَعائرِ الإسلامِ؛ فلا يُعارَضُ بظُهورِ شَعائرِ الكُفرِ، قالوا في هَذا: سَوادُ الكُوفةِ؛ لأنَّ أغلَب أهلِها أهلُ ذِمَّةٍ، وأمَّا في غَيرِها فشَعائِرُ الإسلامِ ظاهِرةٌ؛ فلا يُمكَّنونَ فيها في الأصَحِّ.
قالَ الكاسانيُّ ﵀: ولَو كانَتِ الدَّارُ بالسَّوادِ ذُكِرَ في الأصلِ أنَّه لا يُمنَعُ مِنْ ذلك، لَكِنْ قيلَ: إنَّ أبا حَنيفَةَ إنَّما أجازَ ذلك في زَمانِهِ؛ لأنَّ أكثَرَ أهلِ السَّوادِ في زَمانِه كانوا أهلَ الذِّمةِ مِنْ المَجوسِ، فكانَ لا يُؤدِّي ذلك إلى الإهانةِ، والِاستِخفافِ بالمُسلِمينَ.
وأمَّا اليَومَ فالحَمدُ للَّهِ ، فقَد صارَ السَّوادُ كالمِصرِ؛ فكانَ الحُكمُ فيه كالحُكمِ في المِصرِ، وهذا إذا لَم يُشرَطْ ذلك في العَقدِ؛ فأمَّا إذا شُرِطَ بأنِ استَأجَرَ ذِمِّيٌّ دارًا مِنْ مُسلِمٍ في مِصرٍ مِنْ أمصارِ المُسلِمينَ لِيَتَّخِذَها مُصَلًّى لِلعامَّةِ لَم تَجُزِ الإجارةُ؛ لأنَّه استِئجارٌ على المَعصيةِ، وكَذا لَوِ استَأجَرَ ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ لِيَفعَلَ ذلك؛ لِمَا قُلْنا (١).
стр. 5610
المَسألةُ الثَّانيةُ: إجارةُ دارٍ لِمَنْ يَبيعُ فيها خَمرًا أو شَيئًا مُحرَّمًا:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُؤجِّرَ دارَه أو يَبيعَها لِلمُسلِمِ إذا كانَ يَستَخدِمُها لِبَيعِ الخُمورِ وشُربِها ولَعِبِ القِمارِ؛ لأنَّه إعانةٌ على المَعصيةِ، وقد قالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
ثم اختَلفوا فيما إذا أجَّرَها أو باعَها لِكافِرٍ يَبيعُ فيها خَمرًا، أو يَلعَبُ فيها القِمارَ.
فذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى أنَّه لا يَجُوزُ لِلإنسانِ أنْ يَبيعَ أو يُؤجِّرَ دارَه لِمَنْ يَبيعُ فيها خَمرًا، أو يَلعَبُ فيها القِمارَ؛ لأنَّه فِعلٌ مُحرَّمٌ، فلَم تَجُزِ الإجارةُ عليه، كإجارةِ عَبدِه لِلفُجورِ، ولأنَّه إعانةُ على المَعصيةِ، وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: فأمَّا إنْ آجَرَهُ إيَّاها (أو باعَها) لِأجْلِ بَيعِ الخَمرِ واتِّخاذِها كَنيسةً أو بَيْعةً، لَم يَجُزْ قَولًا واحِدًا، وبه قالَ الشافِعيُّ وغَيرُه، كما لا يَجوزُ أنْ يُكرِيَ أَمَتَهُ أو عبدَه لِلفُجورِ (١).
قالَ المالِكيَّةُ: لا تُؤجَّرُ دارٌ أو تُباعُ لِتُتَّخَذَ مَجمعًا لِفُسَّاقٍ، أو خَمَّارةً، ويُرَدُّ العَقدُ إنْ وَقَعَ؛ فإنْ فاتَ باستِيفاءِ المَنفَعةِ أو بَعضِها فالمَشهورُ أنَّه
стр. 5611
يَتصدَّقُ بجَميعِ الكِراءِ لِلفُقَراءِ وُجوبًا في الإجارةِ، وبِفاضِلِ الثَّمنِ عن ثَمنِ المِثلِ في البَيعِ، بأنْ يُقالَ: ماذا يُساوي ثَمنُ هذه الدَّارِ أو هذه الأرضِ لِمَنْ يَتَّخِذُها خَمَّارةً مثلًا؟ فيُقالُ: خَمسةَ عَشَرَ. ثم يُقالُ: وما تُساوي لَو بِيعتْ لِمَنْ لا يَتَّخِذُها خَمَّارةً؟ فيُقالُ: تُساوي عَشَرةً. فيُتَصَدَّقُ بالخَمسةِ الزَّائِدةِ، والفَرقُ بينَ الكِراءِ والبَيعِ أنَّه لَمَّا كانَ يَعودُ لِلمُكري ما أكراه لَم يكُنْ عليه ضَرَرٌ كَثيرٌ؛ فلِذلك لَزِمَه التَّصَدُّقُ بالكِراءِ جَميعِه، بخِلافِ البائِعِ؛ فإنَّه لا يَعودُ إليه ما باعَه؛ فلَو وجبَ عليه التَّصَدُّقُ بالجَميعِ لاشتَدَّ ضَرَرُه، والأرضُ كالدَّارِ مِنْ أنَّه يَتصدَّقُ بالكِراءِ، وقيلَ: يَتصدَّقُ مِنْ كِراءِ الأرضِ بالزَّائِدِ، كَما في البَيعِ، والفَرقُ على هذا أنَّ الدَّارَ لَمَّا كانَتْ لا يُنتَفَعُ بها إلَّا بعدَ بِنائِها في الأغلَبِ، فكَأنَّ الدَّراهِمَ إنَّما وَقَعَتْ في مُقابَلةِ الأرضِ ذاتِها، وأمَّا الأرضُ فإنَّه يَنتفِعُ بها مِنْ غيرِ بِناءٍ؛ فالمَنفَعةُ فيها هي المَقصودةُ بالإجارةِ (١).
وقالَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ ﵀: يَجوزُ إجارةُ بَيتٍ لِيُباعَ فيه خَمرٌ بالسَّوادِ، أي: بالقَريةِ، وإنَّما جازَ لأنَّ السَّوادَ في ذلك الوَقتِ كانَ لِأهلِ الذِّمةِ، فلا يُمنَعونَ مِنْ اتِّخاذِه في أملاكِهم، فكَيفَ إذا استَأجَروه؟ ولأنَّه
стр. 5612
مَعنًى أقَرُّوا عليه، فجازَ استِئجارُ الدَّارِ لَه. أصْلُهُ: إذا اكتَروْها لِذَبائِحِهم.
وَلأنَّ الإجارةَ وارِدةٌ على مَنفَعةِ البَيتِ، ولا مَعصيةَ فيه، وإنَّما مَعصيتُه بفِعلِ المُستَأجِرِ، وهو فِعلُ الفاعِلِ المُختارِ، فقَطَعَ نِسبَتَه مِنه؛ كَبَيعِ الجاريةِ لِمَنْ لا يَستَبرِئُها أو يَأتيها مِنْ دُبُرِها.
وَإنَّما قَيَّدَه بالسَّوادِ؛ لأنَّهم لا يُمكَّنونَ مِنْ إظهارِ بَيعِ الخُمورِ والخَنازيرِ في الأمصارِ؛ لِظُهورِ شَعائِرِ الإسلامِ فيها، بخِلافِ السَّوادِ، قال فُقهاءُ الحَنفيَّةِ: هذا كانَ في سَوادِ الكُوفةِ؛ لأنَّ أغلَب أهلِها أهلُ الذِّمةِ، فأمَّا في سَوادِنا فأعلامُ الإسلامِ فيها ظاهِرةٌ، فلا يُمكَّنونَ فيها أيضًا، وهو الأصَحُّ (١).
المَسألةُ الثالِثةُ: استِئجارُ المُسلِمِ لِبِناءِ كَنيسةٍ ونَحوِها، أوِ العَملِ فيها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ عَملِ المُسلِمِ في الكَنيسةِ لِيَبنِيَها أو يَعمُرَها أو يَكنُسَها، ونَحوِ ذلك، هَلْ يَجوزُ له أو لا؟
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يَعمَلَ لِأهلِ الذِّمةِ في الكَنيسةِ نَجَّارًا أو بَنَّاءً أو غيرَ ذلك؛ لأنَّ في هذا إعانةً على المَعصيةِ، ومِن خَصائِصِ دِينِهمُ الباطِلِ، ولأنَّه إجارةٌ تَتضمَّنُ تَعظيمَ دِينِهم وشَعائِرِهم.
قالَ المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ استِئجارُ المُسلِمِ لِبِناءِ كَنيسةٍ، أو يُؤاجِرُ نَفْسَه
стр. 5613
لِكَنسِ كَنيسةٍ، أو نَحوِ ذلك، أو لِيَرعَى الخَنازيرَ، أو لِيَعصِرَ له خَمْرًا، ويُؤَدَّبُ المُسلِمُ، إلَّا أنْ يُعذَرَ بجَهالةٍ، وإنْ عُثِرَ عليها قبلَ العَملِ فُسِخَتْ، وإنْ فاتَتْ بالعَملِ؛ فإنَّ الأُجرةَ تُؤخَذُ مِنْ الكافِرِ، ويُتَصَدَّقُ بها على الفُقَراءِ؛ أدَبًا لِلمُسلِمِ، إلَّا أنْ يُعذَرَ لِأجْلِ جَهلٍ ونَحوِهِ؛ فإنَّها لا تُؤخَذُ مِنه (١).
وقالَ الشَّافعيَّةُ: لا يَصحُّ استِئجارُ المُسلِمِ لِبِناءِ كَنيسةٍ ونَحوِها؛ لِحُرمةِ بِنائِها، وإنْ أُقِرَّ عليها، ولا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يَعمَلَ بَنَّاءً أو نَجَّارًا أو غَيرَهما في كَنائِسِهم التي لِصَلَواتِهم (٢).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وتَلخيصُ مَذهبِه (أي: الإمامِ أحمدَ): أنَّ إجارةَ المُسلِمِ نَفْسَه لِلذِّميِّ ثَلاثةُ أنواعٍ:
أحَدُها: إجارةٌ على عَملٍ في الذِّمةِ، فهذه جائِزةٌ.
الثَّاني: إجارةٌ لِلخِدمةِ، فهذه فيها رِوايَتانِ مَنصوصَتانِ أصَحُّهما المَنْعُ مِنها.
الثَّالث: إجارةُ عَينِه منه لِغَيرِ الخِدمةِ، فهذه جائِزةٌ، وقَد آجَرَ عَلِيٌّ ﵁ نَفْسَه مِنْ يَهوديٍّ يَستَقي لَه: كلُّ دَلوٍ بتَمرةٍ، وأكَلَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ ذلك التَّمرِ.
стр. 5614
هَذا كلُّه إذا كانَ الإيجارُ لِعَملٍ لا يَتضمَّنُ تَعظيمَ دِينِهم وشَعائِرِه، فإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَملٍ يَتضمَّنُ ذلك لَم يَجُزْ -كَما نَصَّ عليه أحمَدُ في رِوايةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، وقَد سَألَه رَجُلٌ بَنَّاءٌ: أبْني ناووسًا لِلمَجوسِ؟ فقالَ: لا تَبْنِ لَهُمْ.
وقالَ الشافِعيُّ ﵀ في كِتابِ «الجِزيةِ مِنْ الأُمِّ»: وأكرَهُ لِلمُسلِمِ أنْ يَعمَلَ بِنَاءً أو نِجارةً أو غيرَ ذلك في كَنائِسِهمُ التي لِصَلاتِهم.
وقالَ أبو الحَسَنِ الآمِديُّ ﵀: لا يَجوزُ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه لِعَملِ ناووسٍ ونَحوِه، رِوايةً واحِدةً (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأمَّا مَذهَبُ أحمدَ في الإجارةِ لِعَملِ ناووسٍ ونَحوِه فقالَ الآمِدِيُّ: لا يَجوزُ، رِوايةً واحِدةً؛ لأنَّ المَنفَعةَ المَعقودَ عليها مُحرَّمةٌ، وكذلك الإجارةُ لِبِناءِ كَنيسةٍ أو بَيْعةٍ أو صَومَعةٍ، كالإجارةِ لِكَتْبِ كُتُبِهمُ المُحرَّفةِ (٢).
وقالَ الحَنفيَّةُ: إذا آجَرَ المُسلِمُ نَفْسَه مِنْ ذِمِّيٍّ لِيَعصِرَ له فيَتَّخِذَ خَمرًا فهو مَكروهٌ، ولو آجَرَ نَفْسَه لِيَعمَلَ في الكَنيسةِ ويَعمُرَها فلا بَأْسَ به؛ إذْ ليس في نَفْسِ العَملِ مَعصيةٌ (٣).
стр. 5615
المَسألةُ الرَّابِعةُ: استِئجارُ المُسلِمِ لِحَملِ الخَمرِ أو الخِنزيرِ:
ذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُستأجَرَ لِحَملِ خَمرٍ، سواءٌ كانَ لِنَصرانيٍّ أو لِمُسلِمٍ؛ «لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ في الخَمرِ عَشَرةً، وعَدَّ منها حامِلَها»؛ ولأنَّه إعانةٌ على المَعصيةِ، لأنَّ الخَمرَ تُحمَلُ لِلشُّربِ، وهو مَعصيةٌ، والاستِئجارُ على المَعصيةِ لا يَجوزُ، وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]؛ ولأنَّه عَقدٌ على إجارةٍ على فِعلِ مَحظورٍ، فلَم يَجُزْ، أصْلُه إذا اكتَرى غُلامًا لِيَلوطَ به، أو أَمَةً لِيَزنيَ بها.
وَجاءَ في «المُدوَّنةِ»: ما جاءَ في إجارةِ الخَمرِ:
قُلتُ: أرَأيتَ مُسلِمًا آجَرَ نَفْسَه مِنْ نَصرانيٍّ يَحمِلُ له خَمرًا على دابَّتِه، أو على نَفْسِه، أيَكونُ له مِنْ الأجْرِ شَيءٌ، أم تَكونُ له إجارةُ مِثلِه؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا تَصلُحُ هذه الإجارةُ، ولا أرَى مِنْ الإجارةِ التي سَمَّى، ولا مِنْ إجارةِ مِثلِه، قَليلًا ولا كَثيرًا؛ لأنَّ مالِكًا قالَ لي في الرجُلِ المُسلِمِ يَبيعُ خَمرًا: لا أرَى أنْ يُعطَى مِنْ ثَمنِها قَليلًا ولا كَثيرًا؛ فالكِراءُ عِندي بهذه المَنزِلةِ، لا أرَى أنْ يُعطَى مِنْ الإجارةِ قَليلًا ولا كَثيرًا.
قُلتُ لَهُ: وكذلك إنْ آجَرَ حانُوتَه مِنْ نَصرانيٍّ يَبيعُ فيه خَمرًا؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا خَيرَ في ذلك، وأرَى الإجارةَ باطِلةً.
قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: فأرَى كلَّ مُسلِمٍ آجَرَ نَفْسَه أو غُلامَه أو دَابَّتَه أو دارَه أو بَيتَه أو شَيئًا ممَّا يَملِكُه في شَيءٍ مِنْ الخَمرِ، فلا أرَى له مِنْ الإجارةِ
стр. 5616
قَليلًا ولا كَثيرًا، ولَكِنْ يُفعَلُ فيه إنْ كانَ قَبَضَ أو لَم يَقبِضْ ما وصَفتُ لَكَ في ثَمنِ الخَمرِ (١).
وقالَ الشَّافعيَّةُ: ولا تَجوزُ الإجارةُ على المَنافِعِ المُحرَّمةِ، مِثلَ: أنْ يَستأجِرَ رَجُلًا لِيَحمِلَ له خَمرًا لِغَيرِ الإراقةِ؛ لِقَولِه ﷺ : «لَعَنَ اللهُ الخَمر، وحامِلَها». وإذا كانَ حَملُها مُحرَّمًا قُلْنا: مَنفعَتُها مُحرَّمةٌ، فلَم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عليها، كالمَيْتَةِ، والدَّمِ.
وإنِ استَأجَرَه على حَملِ خَمرٍ لِإراقَتِها صَحَّتِ الإجارةُ؛ لأنَّ إراقَتَها واجِبةٌ، وكذا حَملُ الخَمرِ المُحرَّمةِ فجائِزٌ، كنَقلِ المَيْتةِ إلى المَزبَلةِ.
وكما يَحرُمُ أخْذُ الأُجرةِ على المُحرَّمِ يَحرُمُ إعطاؤُها، إلا لِضَرورةٍ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَجوزُ الِاستِئجارُ على حَملِ الخَمرِ لِمَنْ يَشرَبُها، ولا على حَملِ خِنزيرٍ ولا مَيْتةٍ لِذلك، وبِهَذا قالَ أبو يُوسفَ، ومُحمَّدٌ، والشافِعيُّ، وقالَ أبو حَنيفَةَ: يَجوزُ؛ لأنَّ العَملَ لا يَتعيَّنُ عليه، بدَليلِ أنَّه لَو حَمَلَه جازَ، ولأنَّه لَو قَصَدَ إراقَتَه أو طَرْحَ المَيْتةِ جازَ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ فيمَن حَمَلَ خِنزيرًا أو مَيْتةً أو خَمرًا لِنَصرانيٍّ: أكرَهُ أكْلَ كِرائِه، ولَكِنْ يُقضَى لِلجَمَّالِ بالكِراءِ، فإذا كانَ لِمُسلِمٍ فهو أشَدُّ.
قالَ القاضي ﵀: هذا مَحمولٌ على أنَّه استَأجَرَه لِيُرِيقَها، فأمَّا لِلشُّربِ فمَحذورٌ، ولا يَحِلُّ أخْذُ الأُجرةِ عليه، وهذا التَّأويلُ بَعيدٌ؛ لِقَولِهِ:
стр. 5617
أكرَهُ أكْلَ كِرائِه، وإذا كانَ لِمُسلِمٍ فهو أشَدُّ، ولَكنَّ المَذهَبَ خِلافُ هذه الرِّوايةِ؛ لأنَّه استِئجارٌ لِفِعلٍ مُحرَّمٍ؛ فلَم يَصحَّ، كالزِّنا، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لَعَنَ حامِلَها والمَحمولةَ إلَيهِ (١).
وَذَهَبَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ ﵀ إلى جَوازِ استِئجارِ المُسلِمِ لِحَملِ الخَمرِ لِلذِّميِّ؛ لأنَّ الإجارةَ على الحَملِ، وهو لَيسَ بمَعصيةٍ، بدَليلِ أنَّ حَمْلَها لِلإراقةِ والتَّخليلِ مُباحٌ، وكَذا لَيسَ بسَبَبٍ لِلمَعصيةِ، وهو الشُّربُ؛ لأنَّ ذلك يَحصُلُ بفِعلِ فاعِلٍ مُختارٍ، وليسَ الحَملُ مِنْ ضَروراتِ الشُّربِ، فكانَتْ سَبَبًا مَحضًا؛ فلا حُكمَ لَه، كَما إذا استَأجَرَه لِعَصرِ العِنَبِ أو قَطْعِه وقَطْفِه، والحَديثُ مَحمولٌ على الحَملِ بنِيَّةِ الشُّربِ، وبِه نَقولُ: إنَّ ذلك مَعصيةٌ، ويُكرَهُ أكْلُ أُجرَتِه.
وَلا يَجوزُ استِئجارُه على عَصرِ الخَمرِ؛ لِقيامِ المَعصيةِ بعَيْنِه.
وعلى هذا الخِلافِ لَو آجَرَ الذِّميُّ دَابَّةً مِنْ المُسلِمِ أو سَفينةً لِيَنقُلَ عليها الخَمرَ، أو آجَرَه نَفْسَه لِيَرعَى له الخَنازيرَ يَطيبُ له الأجْرُ عندَ أبي حَنيفَةَ، وعِندَهُما: لا.
وَإنِ استَأجَرَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا لِشَيءٍ مِنْ ذلك فهو جائِزٌ، وكذلك لَو استَأجَرَه يَرعَى له خَنازيرَ؛ لأنَّ الخَمرَ والخِنزيرَ مالٌ مُتقَوَّمٌ في حَقِّهم بمَنزِلةِ الشَّاةِ والبَعيرِ في حَقِّنا (٢).
стр. 5618
الشَّرطُ السادِسُ: أنْ تَكونَ مَملوكةً:
قالَ المالِكيَّةُ: يُشترَطُ في المَنفَعةِ أنْ تَكونَ مَملوكةً على وَجْهٍ خاصٍّ، وأنْ تَكونَ مَملوكةً احترازًا مِنْ الأوقافِ على السُّكنَى؛ كبُيوتِ المَدارِسِ والخَوانِقِ والرُّبُطِ، ومَواضِعِ الجُلوسِ مِنْ المَساجِدِ والطُّرُقاتِ والمَدارِسِ وغَيرِ ذلك، لأنَّ المَملوكَ في هذه الأُمورِ كلِّها الانتِفاعُ دونَ المَنفَعةِ (١).
وَيَتَفَرَّعُ على هذا الشَّرطِ إجارةُ دُورِ مَكَّةَ:
حُكمُ إجارةِ دُورِ مَكَّةَ وبَيعِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في دُورِ مَكَّةَ هَلْ تَصحُّ إجارَتُها وبَيعُها أو لا تَصحُّ، على أربَعةِ أقوالٍ:
القولُ الأولُ: أنَّه لا يَصحُّ إجارةُ دُورِ مَكَّةَ، ولا بَيعُها، وهي المَنازِلُ ودارُ الإقامةِ، ولا الحَرَمُ كلُّه، وكَذا بِقاعُ المَناسِكِ؛ كالمَسعَى والمَرمَى والمَوقِفِ ونَحوِها، وهو مَذهَبُ الحَنفيَّةِ في الإجارةِ (وَيَجوزُ بَيعُها عِندَهم، والمالِكيَّةُ في المَشهورِ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ؛ لِقَولِ رَسولِ اللَّه ﷺ : «مَكَّةُ مَناخٌ، لا تُباعُ رِباعُها ولا تُؤاجَرُ بُيُوتُها» (٢)، والرِّباعُ جَمْعُ رَبْعٍ، وهي المَنازِلُ ودارُ الإقامةِ.
وعن عَلقَمةَ بنِ نَضْلةَ قالَ: «تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بَكْرٍ
стр. 5619
وَعُمرُ وما تُدْعَى رِبَاعُ مَكَّةَ إلا السَّوَائِبَ، مَنِ احْتَاجَ سَكَنَ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أَسْكَنَ» (١).
وعن يُوسفَ بنِ ماهَكَ عن أُمِّهِ مُسيْكَةَ عن عائِشَةَ قالَتْ: قُلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَا نَبْنِي لكَ بمِنًى بَيتًا أو بِناءً يُظِلُّكَ مِنْ الشَّمسِ، فقالَ: «لَا، إنَّما هو مَناخٌ لِمَنْ سَبَقَ إليه»، وفي لَفظٍ: «قالَ: لَا، مِنًى مَناخٌ لِمَنْ سَبَقَ» (٢).
أفلا تَرى أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يَأْذَنْ لهم أنْ يَجعَلوا له فيها شَيئًا يَستَظِلُّ به؛ لأنَّها مَناخُ مَنْ سَبَقَ، ولأنَّ الناسَ كلَّهم فيها سَواءٌ.
عن يُوسفَ بنِ ماهَكَ عن أُمِّهِ وكَانَتْ تَخدُمُ عائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ فَحَدَّثَتْهُ عن عائِشَةَ مِثلَه، قالَ: «وسَأَلتُ أُمِّي مَكَانَ عائِشَةَ ﵂ بَعدَما تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ تُعطِيَهَا إيَّاهُ، فقالَتْ لها عائِشَةُ: لا أُحِلُّ لكِ ولا لِأحَدٍ مِنْ أَهلِ بَيتِي أنْ يَستَحلَّ هذا المَكَانَ. تَعنِي مِنًى» (٣). فهذا حُكمُ المَواضِعِ التي الناسُ فيها سَواءٌ، ولا مِلْكَ لِأحَدٍ عليها.
ولِمَا رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إنَّ اللَّهَ حرَّمَ مَكَّةَ فلَم تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، ولا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي، وإِنَّمَا أُحِلَّتْ لي ساعَةً مِنْ نهَارٍ، لا يُختَلى خَلَاهَا، ولا يُعْضَدُ شَجرُهَا، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، ولا
стр. 5620
تُلْتقَطُ لُقطَتُهَا إلا لِمُعرِّفٍ» (١)، أخبَرَ ﵊ أنَّ مَكةَ حَرامٌ، وهو اسمٌ لِلبُقعةِ، والحَرامُ لا يَكونُ مَحَلًّا لِلتَّمليكِ.
ولأنَّ للهِ ﵎ أنْ يَضَعَ حُرمةً وفَضيلةً لِلحَرَمِ، ولذلك جعلَه مَأْمَنًا، قالَ اللهُ ﵎ جَلَّ شَأْنُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] فابتِذالُه بالبَيعِ والشِّراءِ والتَّمليكِ والتَملُّكِ امتِهانٌ، وهذا لا يَجوزُ، بخِلافِ سائِرِ الأراضي.
ولأنَّها فُتِحتْ عَنْوةً، ولم تُقَسَّمْ، فكانَتْ مَوقوفةً؛ فلَم يَجُزْ بَيعُها؛ كسائِرِ الأرضِ التي فَتحَها المُسلِمونَ عَنوةً، ولم يُقسِّموها، والدَّليلُ على أنَّها فُتِحتْ عَنوةً قولُ رَسولِ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عن مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عليها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ؛ فإِنها لا تَحِلُّ لِأحَدٍ كان قَبْلِي، وإِنها أُحِلَّتْ لي ساعَةً مِنْ نَهَارٍ، وإِنها لا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي» (٢).
ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ قالَتْ: قُلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَم ابنُ أُمِّي أنَّه قَاتِلٌ رَجُلًا قد أجَرْتُهُ، فُلانَ بنَ هُبيْرَةَ؛ فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ يا أُمَّ هَانِئٍ». قالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وذَاكَ ضُحًى (٣)، ولذلك أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بقَتْلِ أربَعةٍ، فقَتَلَ منهم ابنَ خَطَلٍ ومَقِيسَ بنَ صُبابةَ، وهذا يَدلُّ على أنَّها فُتِحتْ عَنوةً.
стр. 5621
وَلا خِلافَ عندَ مالِكٍ وأصحابِه أنَّ مَكَّةَ فُتِحتْ عَنوةً، مُحتَجِّينَ باتِّفاقِ الأئِمَّةِ على أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ دخلَ مَكَّةَ مُجاهِدًا بالأسلِحةِ، ناشِرًا لِلألويةِ، باذِلًا لِلأمانِ لِمَنْ دخلَ دارَ أبي سُفيانَ، وهذا لا يَكونُ إلَّا في العَنوةِ قَطعًا، قالوا: ويَجِبُ أنْ يُعتَقدَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما وَدَى الطَّائِفةَ الذين قَتَلَهم خالِدُ بنُ الوَليدِ؛ لِكَونِه أمَّنَهم وعَصَمَ دِماءَهم، جَمْعًا بينَ الأدِلَّةِ، وكانَ مُقتَضَى اتِّفاقِ المالِكيَّةِ على أنَّ مَكَّةَ فُتِحتْ عَنوةً ألَّا يَقولوا بجَوازِ كِراءِ دُورِها، لاسيَّما ومَشهورُ مَذهبِ مالِكٍ أنَّ أرضَ العَنوةِ تَصيرُ وَقَفًا بمُجرَّدِ الِاستيلاءِ عليها، سَواءٌ كانَتْ أرضَ زِراعةٍ أو أرضَ دُورٍ.
لَكِنْ في كِراءِ دُورِ مَكَّةَ أربَعُ رِواياتٍ عن مالِكٍ.
وقالَ أبو حَنيفَةَ ﵀: لا بَأْسَ ببَيعِ بِناءِ بُيوتِ مَكَّةَ وأكرَهُ بَيعَ أراضيها، وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: لا بَأْسَ ببَيعِ أراضيها أيضًا، ورَوَى سُلَيمانُ عن مُحمَّدٍ عن أبي حَنيفَةَ قالَ: أَكرَهُ إجارةَ بُيوتِ مَكَّةَ في المَوسِمِ، وفي الرجُلِ يُقيمُ ثم يَرجِعُ، فأمَّا المُقيمُ والمُجاوِرُ فلا نَرَى بأخْذِ ذلك مِنهم بَأْسًا، وهو قولُ مُحمَّدٍ، ورَوَى الحَسَنُ بنُ زِيادٍ عن أبي حَنيفَةَ أنَّ بَيعَ دُورِ مَكَّةَ جائِزٌ.
قالَ ابنُ نُجَيمٍ ﵀: قولُهُ: وَبَيعُ بِناءِ بُيوتِ مَكَّةَ أو أراضيها، يَعني: يَجوزُ ذلك، أمَّا البِناءُ فظاهِرٌ؛ لأنَّه مِلْكٌ لِبَنَّائِه، ألَا تَرى أنَّه لَو بَنَى في المُستَأجَرِ أوِ الوَقْفِ جازَ البِناءُ، وكانَ مِلْكًا لَه، وأمَّا بَيعُ أراضيها؛ فالمَذكورُ هُنا قولُ أبي يُوسفَ، ومُحمَّدٍ، وهو إحدَى الرِّوايَتَيْنِ عن الإمامِ؛ لأنَّ أراضيَها مَملوكةٌ لِأهلِها؛ لِظُهورِ التَصرُّفِ والِاختِصاصِ، ولِقَولِه
стр. 5622
﵊: «هَلْ تَركَ لَنا عَقيلٌ مِنْ رِباعٍ»، الحَديثَ، فيه دَليلٌ على أنَّ أراضيَها تُمَلَّكُ وتَقبَلُ الِانتِقالَ مِنْ مِلْكٍ إلى مِلْكٍ، وقَد تَعارَفَ النَّاسُ ذلك مِنْ أوَّلِ الإسلامِ إلى الآنَ، مِنْ غيرِ نَكيرٍ، وهو مِنْ أقْوَى الحُجَجِ.
وقالَ الإمامُ ﵀: لا يَجوزُ بَيعُ أراضيها؛ لِقَولِه ﵊: «إنَّ اللَّهَ حرَّمَ مَكَّةَ وحرَّمَ بَيعَ أراضيها وإجارَتَها»؛ ولأنَّه وَقْفُ الخَليلِ ﵊، ولأنَّ الأراضيَ بمَكَّةَ كانَتْ تُدْعَى في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ والخَليفَتَيْنِ ﵄ مِنْ بَعدِه بالسَّوائِبِ، مَنِ احتاجَ إلَيها سَكَنَها، ومَنِ استَغنَى عَنها تَركَها (١).
لَكِنْ إنِ احتاجَ إلى ما في يَدِه منه سَكَنَه، وإنِ استَغنَى عنه وجبَ بَذْلُ فاضِلِه لِلمُحتاجِ إلَيه، كَما نَصَّ على ذلك الحَنابِلةُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وعَلَى هذا مَنْ كانَ ساكِنَ دارٍ أو مَنزِلٍ فهو أحَقُّ به، يَسكُنُه ويُسكِنُه، وليسَ له بَيعُه، ولا أخْذُ أُجرَتِه، ومَنِ احتاجَ إلى مَسكَنٍ فلَه بَذْلُ الأُجرةِ فيه، وإنِ احتاجَ إلى الشِّراءِ فلَه ذلك، كَما فعلَ عُمرُ، وكانَ أبو عَبدِ اللَّهِ إذا سَكَنَ أعطاهم أُجرَتَها، فإنْ سَكَنَ بأُجرةٍ فأمْكَنَه ألَّا يَدفَعَ إلَيهمُ الأُجرةَ جازَ له ذلك؛ لأنَّهم لا يَستَحقُّونَها، وقَد رُوِيَ أنَّ سُفيانَ سَكَنَ
قالَ القَرافيُّ ﵀: ذِكْرُ الخِلافِ في كِراءِ دُورِ مَكَّةَ: المَشهورُ مَنْعُ كِرائِها؛ لِفَتْحِها عَنوةً، وما يَقَعُ مِنْ القَضاءِ في إثباتِ الأملاكِ وعُقودِ الإيجاراتِ والأخْذِ بالشُّفعاتِ ونَحوِ ذلك؛ فهو على القَولِ بأنَّ لِلإمامِ قَسْمَها، كَسائِرِ الغَنائِمِ، أو على القَولِ بأنَّه مُخَيَّرٌ في ذلك.
والقاعِدةُ المُتفَقُ عليها: أنَّ مَسائِلَ الخِلافِ إنِ اتَّصَلَ ببَعضِ أقوالِها قَضاءُ حاكِمٍ تَعيَّنَ ذلك القولُ، وارتَفَعَ الخِلافُ، فإذا قَضَى حاكِمٌ بثُبوتِ ذلك في أرضِ العَنوةِ ثبَتَ المِلْكُ وارتَفَعَ الخِلافُ، وتَعيَّنَ ما حُكِمَ به، وهذا يَطَّرِدُ في مَكَّةَ ومِصرَ وغَيرِهِما (١).
وقالَ مُحمَّد عِليش ﵀: والدُّورُ المَوقوفةُ هي التي صادَفَها الفَتحُ، وبَقِيتْ مَبنيَّةً؛ فإنْ تَهَدَّمَتْ وبُنِيتْ مُلِّكَتْ، وجازَ التَصرُّفُ فيها بالبَيعِ والكِراءِ ونَحوِهما، فقولُ الإمامِ: لا تُكرَى دُورُ مَكَّةَ، أرادَ به ما كانَ في زَمانِه باقيًا مِنْ دُورِ الكُفَّارِ التي صادَفَها الفَتحُ، واليَومَ ذَهَبَتْ تلك الأبنِيَةُ؛ فلا يَكونُ قَضاءُ الحُكَّامِ فيها بذلك خَطَأً، نَعَمْ يَختَصُّ ذلك بالأرَضينَ؛ فإنَّها باقيةٌ بحالِها إلى الأبَدِ، وإذا جُهِلَ الأمْرُ انتَفَعَ الحائِزُ بحيازَتِه، إذا جُهِلَ أصْلُ مَدخَلِه فيها.
وَهَل يُطالَبُ ببَيانِ سَبَبِ مِلْكِهِ؟ فقالَ ابنُ أبي زِمْنِينَ: لا يُطالَبُ، وقالَ غَيرُه: يُطالَبُ، وقيلَ: إنْ لَم يَثبُتْ أصلٌ لِمِلكِ المدَّعِي فلا يُسألُ الحائِزُ عن بَيانِ أصْلِ مِلْكِه، وإلَّا سُئِلَ.
стр. 5625
وقالَ ابنُ القَطَّانِ وابنُ عَتَّابٍ: لا يُطالَبُ، إلَّا أنْ يَكونَ مَعروفًا بالغَصبِ والِاستِطالةِ والقُدرةِ على ذلك (١).
القولُ الثَّاني: أنَّه يَجوزُ بَيعُها وإجارَتُها، وهو مَذهَبُ الشَّافعيَّةِ والحَنابِلةِ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ وابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ ومالِكٌ في رِوايةٍ عنه، وهو الظَّاهِرُ مِنْ مَذهبِ ابنِ القاسِمِ، وهو المُعتَمَدُ الذي به الفَتْوى، وعليه جَرَى العَملُ مِنْ أئِمَّةِ الفَتْوَى والقُضاةِ بمَكةَ المُشَرَّفةِ (وهو قولُ أبي يُوسفَ، ومُحمدٍ، ورِوايةٌ عن أبي حَنيفَةَ في البَيعِ).
لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، فأضافَ الدِّيارَ إليهم؛ كإضافةِ الأموالِ إليهم، ثم ثبَتَ أنَّ أموالَهم كسائِرِ أموالِ النَّاسِ في تَمليكِها، وجَوازِ بَيعِها، فكذلك الدِّيارُ، وجَوازُ بَيعِها دَلَّ على جَوازِ إجارَتِها؛ لأنَّ ما جازَ بَيعُه مِنْ الدُّورِ جازَتْ أجارَتُه، كسائِرِ البِلادِ، ولأنَّه لو لم تُمَلَّكْ رِقابُها ويُستَحقَّ سُكناها لَمَا جازَ لِأحَدٍ أنْ يَستَوطِنَ بها دارًا، ولَاستَهَمَ النَّاسُ عليها؛ لِاستِوائِهم فيها.
وعن أُسامَةَ بنِ زَيْدِ بنِ حَارِثَةِ ﵁ أنَّه قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ فقالَ: وهَلْ تَركَ لنا عَقيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أو دُورٍ»، وكانَ عَقيلٌ وَرِثَ أبَا طَالِبٍ، هو وَطَالِبٌ، ولَم يَرِثْهُ جَعْفَرٌ، ولا عَلِيٌّ شَيئًا؛ لأنَّهمَا كانَا مُسْلِمَيْنِ، وكانَ عَقيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ (٢)، يَعني أنَّ عَقيلًا باعَ رِباعَ أبي طالِبٍ لأنَّه
стр. 5626
وَرِثَها دونَ إخوَتِه؛ لِكَونِه كانَ على دِينِه دُونَهُما، ولَو كانَتْ غيرَ مَملوكةٍ وكانَ بَيعُها باطِلًا لَمَا أجازَه رَسولُ اللَّهِ ﷺ ، ولَأَقَرَّ مِلْكَ الدُّورِ على حُكمِها الأولِ. ولأنَّه إجماعُ السَّلفِ وأهلِ الأعصارِ مِنْ لَدُنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ إلَى وَقتِنا يَتبايَعونَ مَنازِلَ مَكَّةَ، ويُشاهِدونَ ذلك مِنْ غَيرِه، ولا يُنْكِرُ ذلك واحِدٌ مِنهم، فكانَ إجماعًا.
وَلأنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ كانَتْ لَهُمْ دُورٌ بمَكَّةَ لِأبي بَكرٍ، والزُّبَيرِ وحَكيمِ بنِ حِزامٍ؛ وأبي سُفيانَ، وسائِرِ أهلِ مَكَّةَ، فمِنهم مَنْ باعَ، ومِنهم مَنْ تَركَ دارَه، فهي في يَدِ أعقابِهم.
وقد باعَ حَكيمُ بنُ حِزامٍ دارَ النَّدوةِ؛ فقالَ ابنُ الزُّبَيرِ: بِعتَ مَكرُمةَ قُرَيشٍ؟ فقالَ: يا ابنَ أخِي، ذَهَبَتِ المَكارِمُ إلَّا التَّقوَى.
واشترَى مُعاويةُ دارَيْنِ واشترَى عُمرُ دارَ السِّجنِ مِنْ صَفوانَ بنِ أُمَيَّةَ بأربَعةِ آلافٍ.
ولَم يَزَلْ أهلُ مَكَّةَ يَتصرَّفونَ في دُورِهم تَصرُّفَ المُلَّاكِ بالبَيعِ وغَيرِه، ولَم يُنكِرْه مُنكِرٌ؛ فكانَ إجماعًا، ولأنَّه أحَدُ الحَرَمَيْنِ، فجازَ أنْ يَصحَّ بَيعُ مَنازِلِه وعَقارِه، وإجارَتُه، كالمَدينةِ.
وقد قَرَّرَه النَّبيُّ ﷺ بنِسبةِ دُورِهم إلَيهم، فقالَ: «مَنْ دخلَ دارَ أبي سُفيانَ فهو آمِنٌ، ومَن أغلَقَ عليه بابَه فهو آمِنٌ»، وأقَرَّهم في دُورِهم، ورِباعِهم، ولَم يَنقُلْ أحَدًا عن دارِه، ولا وُجِدَ منه ما يَدلُّ على زَوالِ أمْلاكِهم، وكذلك مَنْ بَعدَه مِنْ الخُلَفاءِ، حتى إنَّ عُمرَ مع شِدَّتِه في الحَقِّ
стр. 5627
لَمَّا احتاجَ إلى دارِ السِّجنِ لَم يَأخُذْها إلَّا بالبَيعِ، ولأنَّها أرضٌ حَيَّةٌ لَم يَرِدْ عليها صَدَقةٌ مُحرَّمةٌ، فجازَ بَيعُها كَسائِرِ الأرضِ، وما رُوِيَ مِنْ الأحاديثِ في خِلافِ هذا ضَعيفٌ، وأمَّا كَونُها فُتِحتْ عَنوةً فهو الصَّحيحُ الذي لا يُمكِنُ دَفْعُه، وهو قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ، إلَّا أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقَرَّ أهلَها فيها على أملاكِهم ورِباعِهم، فيَدلُّ ذلك على أنَّه تَركَها لَهم، كَما تَركَ لِهَوازِنَ نِساءَهم وأبناءَهُم (١).
القولُ الثالِثُ: كَراهةُ بَيعِ دُورِ مَكةَ وكِرائِها تَنزِيهًا، وهو مَروِيٌّ عن مالِكٍ، وهو قولُ جَماعةٍ مِنْ المالِكيَّةِ، قالَ في المُوازَنة: وقد سَمِعتُ أنَّ مالِكًا يَكرَهُ كِراءَ بُيوتِ مَكةَ، ثم قالَ: فإنْ قَصَدَ بالكِراءِ الآلاتِ والأخشابَ جازَ، وإنْ قَصَدَ فيه البُقعةَ فلا خَيرَ فيه.
قالَ الحَطَّابُ ﵀: وظاهِرُه أنَّ الكَراهةَ على بابِها، أي: لِلتَّنزيهِ (٢).
القولُ الرَّابِعُ: تَخصيصُها، أي: الكَراهةِ، بالمَوسِمِ؛ لِكَثرةِ النَّاسِ واحتِياجِهم لِلوُقفِ، قالَ البَنانيُّ المَكيُّ أيضًا: قالَ ابنُ رُشدٍ في المُقدِّماتِ، وحَكَى الدَّاوديُّ عنه، أي: عن مالِكٍ، أنَّه كَرِهَ كِراءَها في أيَّامِ المَوسِمِ خاصَّةً، انتَهَى. وهكذا حَكاه اللَّخميُّ عنه أيضًا. اه.
стр. 5628
وذلك لِأمرَيْنِ:
الأولُ: مَا مَرَّ مِنْ الخِلافِ في أنَّها فُتِحتْ عَنوةً أو صُلحًا، وعلى الأولِ، فهل يُنظَرُ إلى أنَّه قد مَنَّ على أهلِها بأنْفُسِهم وأموالِهم مُطلَقًا، أو لا مُطلَقًا، أو يُنظَرُ إليه في غيرِ أيَّامِ المَوسِمِ.
والأمْرُ الآخَرُ: تَعارُضُ الأدِلَّةِ، قالَ الشَّيخُ مُحمدٌ البَنانيُّ المَكيُّ في رِسالَتِه «تُحفةُ المُريدِ السَّالِكِ»: فاستَدَلَّ القائِلُ بالمَنْعِ بالكِتابِ والسُّنةِ، أمَّا بالكِتابِ، فقولُه تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، قالوا: المُرادُ بالمَسجِدِ الحَرامِ مَكةُ؛ لِمَا رَوَى ابنُ أبي حاتِمٍ وغَيرُه عن ابنِ عَبَّاسٍ وابنِ عُمرَ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ أنَّ المَسجِدَ الحَرامَ في هذه الآيةِ الحَرَمُ كلُّه، وقد وَصَفَه اللهُ تَعالى بقَولِه: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾، أي: المُؤمِنينَ جَميعًا، ثم قالَ: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، أي: سَواءٌ المُقيمُ في الحَرَمِ ومَن دخلَ مَكةَ مِنْ غيرِ أهلِها، أو المُقيمُ فيه والغَريبُ سَواءٌ، فدَلَّتْ هذه الآيةُ على مَنْعِ بَيعِ دُورِ مَكةَ وإجارَتِها؛ لأنَّ اللهَ جعلَها لِلنَّاسِ سَواءً؛ فلا يُختَصُّ أحَدٌ بمِلْكٍ فيها دونَ أحَدٍ.
قالَ القَسطَلانيُّ على البُخاريِّ في قَولِه تَعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، مَا نَصُّه: وأوَّلَهُ أبو حَنيفَةَ بمَكةَ، واستَشهَدَ له بقَولِه تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾، على عَدَمِ جَوازِ بَيعِ دُورِها وإجارَتِها، ثم قالَ في مَوضِعٍ آخَرَ: وذَهَبَ ابنُ عَبَّاسِ وابنُ جُبَيرٍ، وقَتادةُ؛ وغَيرُهم إلى أنَّ التَّسويةَ بينَ البادي والعاكِفِ في مَنازِلِ مَكةَ، وهو مَذهَبُ أبي حَنيفَةَ.
стр. 5629
وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسَنِ ﵀: فليس المُقيمُ بها أحَقَّ بالمَنزِلِ مِنْ القادِمِ عليها، انتَهَى، وقالَ العَيْنِيُّ في شَرحِه على البُخارِيِّ: ومِمَّن ذَهَبَ إلى عَدَمِ جَوازِ بَيعِ دُورِ مَكةَ وإجارَتِها أبو حَنيفَةَ، ومُحمدٌ، والثَّوريُّ … (١).
الشَّرطُ السابِعُ: ألاًّ تَكونَ قُربةً:
القُرَبُ نَوعانِ: قُرَبٌ تَجِبُ على الإنسانِ، ولا يَتعدَّى نَفْعُها فاعِلَها؛ كالصَّلاةِ والصِّيامِ، فهذه لا يَجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليها بلا خِلافٍ بينَ العُلماءِ؛ لأنَّ الأجْرَ عِوَضُ الِانتِفاعِ، ولَم يَحصُلْ لِغَيرِه ههُنا انتِفاعٌ؛ ولأنَّ مَنْ أتَى بعَملِ واجِبٍ عليه لا يَستَحقُّ عليه أُجرةً، وكذلك الجِهادُ لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ عليه؛ لأنَّه يَقَعُ عَنهُ؛ ولأنَّه إذا حَضَرَ الصَّفَّ تَعيَّنَ عليه، وهذا باتِّفاقٍ.
وأمَّا القُرَبُ التي يَتعدَّى نَفْعُها؛ كَتَعليمِ القُرآنِ والأذانِ والإقامةِ والحَجِّ وتَعليمِ القُرآنِ وتَغسيلِ المَوتَى وتَكفينِهم؛ فاختَلفوا فيها هَلْ يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ عليها أو لا؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهَبٍ، وفي كلِّ مَسألةٍ، ونَحنُ نُبَينها في عِدَّةِ مَسائِلَ، وهي على التَّفصيلِ التَّالي:
المَسألةُ الأُولَى: أخْذُ الأُجرةِ على تَعليمِ القُرآنِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أخْذِ الأُجرةِ على تَعليمِ القُرآنِ على ثَلاثةِ أقوالٍ: بعدَ إجماعِهم على أنَّ الأفضَلَ تَركُ أخْذِ الأُجرةِ على تَعليمِ القُرآنِ وسائِرِ القُرَبِ (٢).
стр. 5630
القولُ الأولُ: ذَهَبَ المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ -في رِوايةٍ- ومُتأخِّرو الحَنفيَّةِ -وعليه الفَتْوَى عِندَهم- إلى جَوازِ أخْذِ الأُجرةِ على تَعليمِ القُرآنِ؛ لِمَا رَواه البُخارِيُّ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ نَفَرًا مِنْ أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بمَاءٍ فيهِمْ لَديغٌ، أو سَليمٌ، فعَرضَ لهم رَجُلٌ مِنْ أَهلِ المَاءِ، فقالَ: هل فِيكمْ مِنْ رَاقٍ؟ إنَّ في المَاءِ رَجُلًا لَديغًا، أو سَليمًا، فَانطَلَقَ رَجُلٌ منهم فقَرَأَ بفَاتِحَةِ الكِتَابِ على شاءٍ، فبَرَأَ، فجَاءَ بالشَّاءِ إلى أَصْحَابهِ، فَكَرِهُوا ذلك، وقَالُوا: أخَذْتَ على كِتَابِ اللَّهِ أجْرًا؟! حتى قَدِمُوا المَدينَةَ، فقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخَذَ على كِتَابِ اللَّهِ أجْرًا. فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ أحَقَّ ما أخَذْتُمْ عليه أجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» (١)، وهذا نَصٌّ يَرفَعُ الخِلافَ؛ فيَنبَغي أنْ يُعَوَّلَ عليه، وأمَّا القِياسُ على الصَّلاةِ والصِّيامِ ففاسِدٌ؛ لأنَّه في مُقابَلةِ النَّصِّ، ثم إنَّ بَينَهما فُرقانًا، وهو أنَّ الصَّلاةَ والصَّومَ عِبادَتانِ مُختصَتانِ بالفاعِلِ، وأنَّ تَعليمَ القُرآنِ عِبادةٌ مُتعَدِّيةٌ لِغَيرِ المُعَلِّمِ؛ فتَجوزُ الأُجرةُ على مُحاوَلَتِه النَّقلَ، كتَعليمِ كِتابةٍ.
وإجماعُ أهلِ المَدينةِ على ذلك، ولذلك قالَ مالِكٌ ﵁: لَم يَبلُغْني أنَّ أحَدًا كَرِهَ تَعليمَ القُرآنِ والكِتابةِ بأُجرةٍ.
وعَن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ ﵁: «أنَّ امرَأَةً جاءَتْ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، جِئْتُ لِأَهَبَ لكَ نَفْسِي. فنَظَرَ إلَيْهَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ فصَعَّدَ النَّظَرَ إلَيْهَا وصَوَّبَهُ، ثمَّ طَأطَأَ رَأْسَهُ، فلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ
стр. 5631
أنَّه لم يَقضِ فيها شَيئًا جَلَسَتْ، فقَامَ رَجلٌ مِنْ أَصْحَابهِ؛ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ: إنْ لَم يكُنْ لكَ بها حاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا؛ فقالَ: هل عِنْدَكَ مِنْ شَيءٍ؛ فقالَ: لَا واللهِ يا رَسولَ اللَّهِ. قالَ: اذهَبْ إلى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هل تَجِدُ شَيئًا، فذَهَبَ ثمَّ رَجعَ فقالَ: لَا واللهِ يا رَسولَ اللَّهِ ما وَجَدتُ شَيئًا. قال: انْظُرْ ولَوْ خاتَمًا مِنْ حَديدٍ. فذَهَبَ ثمَّ رَجعَ فقالَ: لا واللهِ يا رَسولَ اللَّهِ، ولا خاتَمًا مِنْ حَديدٍ. وَلَكِنْ هذا إزَارِي. قالَ سَهلٌ: ما له رِدَاءٌ، فلَهَا نِصْفُهُ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : ما تَصنَعُ بإِزَارِكَ؟ إنْ لَبِسْتَهُ لَم يكُنْ عليها منه شَيْءٌ، وإنْ لَبِسَتْهُ لَم يكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ. فجَلَسَ الرجُلُ حتى طالَ مَجْلِسُهُ، ثمَّ قامَ، فرَآهُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا، فأَمَرَ بهِ فَدُعِيَ، فلَمَّا جاءَ قالَ: ماذَا مَعَكَ مِنْ القُرْآنِ؟ قالَ: مَعي سُورةُ كذا وسُورَةُ كذا وسُورَةُ كذا، عَدَّهَا، قالَ: أتَقْرَؤُهُنَّ عن ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: اذْهَبْ فقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بمَا مَعَكَ مِنْ القُرْآنِ» (١).
فَفي هذا الحَديثِ جَوازُ أخْذِ الأُجرةِ على تَعليمِ القُرآنِ، وأخْذِ البَدَلِ على الوَفاءِ به، ونَحوِ ذلك؛ لأنَّه إذا جازَ أنْ يَكونَ مَهْرًا جازَ أنْ يُؤخَذَ عليه العِوَضُ في كلِّ ما يُنتَفَعُ به مِنه؛ لأنَّه إذا جازَ تَعليمُ القُرآنِ عِوَضًا في بابِ النِّكاحِ، وقامَ مَقامَ المَهرِ، جازَ أخْذُ الأُجرةِ عليه في الإجارةِ؛ ولأنَّه لا يَكادُ يُوجَدُ مُتبرِّعٌ بذلك، فيُحتاجُ إلى بَذْلِ الأجْرِ فيه.
وَسُئِلَ مالِكٌ ﵀ عن إجارةِ المُعَلِّمينَ؛ فقالَ: لا بَأْسَ بذلك، يُعَلِّمُ
стр. 5632
النَّاسَ الخَيرَ فيُعطَى. قيلَ لَه: إنَّه يُعلِّمُ مُشاهَرةً ويَطلُبُ ذلك. فقالَ: لا بَأْسَ به، ما زالَ المُعلِّمونَ عِندَنا بالمَدينةِ يَفعَلونَ ذلك (١).
وقالَ أبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ القُرطُبيُّ ﵀: ومِن جِهةِ النَّظَرِ أنَّه لَمَّا كانَ الجُلوسُ لِتَعليمِهمُ القُرآنَ غيرَ واجِبٍ على الرجُلِ، ولا لَازِمٍ لَه، جازَ له أخْذُ الأُجرةِ عليه، وإنْ كانَ فيه قُربةٌ؛ أصْلُ ذلك الِاستِئجارُ على بِناءِ المَساجِدِ، وما أشبَهَ ذلك، وحَديثُ عُبادةَ الذي استَدَلَّ به المُخالِفُ قالَ: كُنْتُ أُعَلِّمُ ناسًا مِنْ أهلِ الصُّفَّةِ القُرآنَ، فأهدَى إلَيَّ رَجُلٌ مِنهم قَوسًا على أنْ أقبَلَها في سَبيلِ اللَّهِ، فذَكَرتُ ذلك لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقالَ: «إنْ أرَدْتَ أنْ يُطَوِّقَكَ اللَّهُ به طَوقًا مِنْ نارٍ فاقبَلْها»، تَأويلُه في مُبتَدَأِ الإسلامِ، وحينَ كانَ تَعليمُ القُرآنِ فَرضًا على الأعيانِ؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «بَلِّغوا عَنِّي ولَوْ آيةً»، وأمَا إذْ قد حَصَلَ التَّبليغُ، وفَشَا القُرآنُ، وصارَ مُثبَتًا في المَصاحِفِ، مَحفوظًا في الصُّدورِ، فلَيسَتِ الأُجرةُ على تَعليمِه أُجرةً على تَبليغِه، وإنَّما هو أُجرةٌ على الجُلوسِ لِتَعليمِه، والِاشتِغالِ بذلك عن مَنافِعِه، وقولُهُ: إنَّ ذلك كالأُجرةِ على تَعليمِ الصَّلاةِ، لَيسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّ تَعليمَ الجاهِلِ الصَّلاةَ واجِبٌ، وليسَ بواجِبٍ على أحَدٍ الجُلوسُ لِتَعليمِ القُرآنِ، وهذا بيِّنٌ والحَمدُ لِلَّهِ، فالأُجرةُ على تَعليمِ القُرآنِ جائِزةٌ مُشاهَرةً ومُقاطَعةً على جَميعِ القُرآنِ، أو على جُزءٍ مَعلومٍ مِنه؛ نَظَرًا أو ظاهِرًا، وتكونُ وَجيبةً لِمدَّةٍ مَعلومةٍ مِنْ الشُّهورِ أو الأعوامِ، فالمُشاهَرةُ غيرُ لَازِمةٍ لِواحِدٍ مِنهما، لِأبي الصَّبيِّ أنْ يُخرِجَ ابنَه متى شاءَ، ولِلمُعَلِّمِ مِثلُ ذلك أيضًا.
стр. 5633
وأمَّا الوَجيبةُ والمُقاطَعةُ فلازِمَتانِ لكلِّ واحِدٍ مِنهما، لَيسَ لِلأبِ أنْ يُخرِجَ ابنَه قبلَ انقِضاءِ الوَجيبةِ، أو قبلَ تَمامِ المُقاطَعةِ، إلَّا أنْ يُؤدِّي إليه جَميعَ الأجْرِ، وأجازَ ابنُ حَبيبٍ أنْ يُسَمِّيَ في المُقاطَعةِ أجَلًا، وحَكاه عن مالِكٍ، وذلك خِلافُ المَشهورِ (١).
وقالَ فَخرُ الدِّينِ الزَّيلَعيُّ ﵀: والفَتوَى اليَومَ على جَوازِ الِاستِئجارِ لِتَعليمِ القُرآنِ، وهو مَذهَبُ المُتأخِّرينَ مِنْ مَشايِخِ بَلْخَ، استَحسَنوا ذلك، وقالوا: بَنَى أصحابُنا المُتقدِّمونَ الجَوابَ على ما شاهَدوا مِنْ قِلَّةِ الحُفَّاظِ ورَغبةِ النَّاسِ فيهم، وكانَ لَهم عَطيَّاتٌ في بَيتِ المالِ، وافتِقادٌ مِنْ المُتعلِّمينَ في مُجازاةِ الإحسانِ بالإحسانِ مِنْ غيرِ شَرطِ مُروءةٍ يُعينونَهم على مَعاشِهم ومَعادِهم، وكانوا يُفتُونَ بوُجوبِ التَّعليمِ؛ خَوفًا مِنْ ذَهابِ القُرآنِ، وتَحريضًا على التَّعليمِ حتى يَنهَضوا لِإقامةِ الواجِبِ، فيَكثُرَ حُفَّاظُ القُرآنِ، وأمَّا اليَومَ فذَهَبَ ذلك كلُّه واشتَغَلَ الحُفَّاظُ بمَعاشِهم، وقَلَّ مَنْ يُعَلِّمُ حِسبةً، ولا يَتفرَّغونَ له أيضًا؛ فإنَّ حاجَتَهم تَمنَعُهم مِنْ ذلك، فلَو لَم يُفتَحْ لَهم بابُ التَّعليمِ بالأجْرِ لَذَهَبَ القُرآنُ، فأفتَوْا بجَوازِ ذلك؛ لِذلك رَأوْه حَسَنًا، وقالوا: الأحكامُ قد تَختَلِفُ باختِلافِ الزَّمانِ، ألَا تَرى أنَّ النِّساءَ كُنَّ يَخرُجنَ إلى الجَماعاتِ في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ ، وفي زَمنِ أبي بَكرٍ ﵁ حتى مَنعَهُنَّ عُمرُ ﵁، واستَقرَّ الأمْرُ عليه، وكانَ ذلك هو الصَّوابَ، وكانَ الإمامُ أبو بَكرٍ مُحمَّدُ بنُ الفَضلِ يَقولُ: يَجِبُ الأجْرُ ويُحبَسُ عليها، وقالَ في النِّهاية: يُفتَى بجَوازِ الِاستِئجارِ على تَعليمِ الفِقهِ أيضًا في زَمانِنا، ثم قالَ:
стр. 5634
وفي رَوضةِ الزَّنْدوستيِّ كانَ شَيخُنا أبو مُحمَّدٍ عَبدُ اللَّهِ الخَيْزَاخَزِيُّ يَقولُ: في زَمانِنا يَجوزُ لِلإمامِ والمُؤَذِّنِ والمُعَلِّمِ أخْذُ الأجْرِ، قالَ: كَذا في الذَّخيرةِ، ولا يَجوزُ استِئجارُ المُصحَفِ وكُتُبِ الفِقهِ؛ لِعَدَمِ التَّعارُفِ (١).
وقالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: قولُهُ: (وَيُفتَى اليَومَ بصِحَّتِها لِتَعليمِ القُرآنِ، إلخ، قالَ في الهِداية: وبَعضُ مَشايِخِنا ﵏ تَعالى- استَحسَنوا الِاستِئجارَ على تَعليمِ القُرآنِ اليَومَ؛ لِظُهورِ التَّواني في الأُمورِ الدِّينيَّةِ، ففي الِامتِناعِ تَضييعُ حِفظِ القُرآنِ، وعليه الفَتوَى). اه.
وقد اقتُصِرَ على استِثناءِ تَعليمِ القُرآنِ أيضًا في مَتْنِ الكَنزِ، ومَواهِبِ الرَّحمَنِ، وكَثيرٍ مِنْ الكُتُبِ، وزَادُوا في مُختصَرِ الوِقايةِ، و مَتنِ الإصلاحِ تَعليمَ الفِقهِ، وزَادُوا في مَتنِ المَجمَعِ الإمامةَ، ومِثلُه في مَتنِ المُلتَقى، ودُرَرِ البِحارِ، وزادَ بَعضُهم الأذانَ والإقامةَ والوَعظَ، وذكرَ المُصَنِّفُ مُعظَمها، ولَكنَّ الذي في أكثَرِ الكُتُبِ الِاقتِصارُ على ما في الهِدايةِ، فهذا مَجموعُ ما أفتَى به المُتأخِّرونَ مِنْ مَشايِخِنا، وهُمُ البَلْخِيُّونَ على خِلافٍ في بَعضِه، مُخالِفينَ ما ذَهَبَ إليه الإمامُ وصاحِبَاه، وقَدِ اتَّفقَتْ كَلِمَتُهم جَميعًا في الشُّروحِ، والفَتاوَى على التَّعليلِ بالضَّرورةِ، وهي خَشيةُ ضَياعِ القُرآنِ، كَما في الهِدايةِ، وقَد نَقَلتُ لَكَ ما في مَشاهيرِ مُتونِ المَذهبِ المَوضوعةِ لِلفَتوَى، فلا حاجةَ إلى نَقلِ ما في الشُّروحِ والفَتاوَى، وقَدِ اتَّفقَتْ كَلِمَتُهم جَميعًا على التَّصريحِ بأصْلِ المَذهبِ مِنْ عَدَمِ الجَوازِ، ثم استَثْنَوْا بَعدَه ما عَلِمتَهُ؛ فهذا دَليلٌ قاطِعٌ وبُرهانٌ ساطِعٌ على أنَّ المُفتَى به لَيسَ هو جَوازَ الِاستِئجارِ على
стр. 5635
كلِّ طاعةٍ، بَلْ على ما ذَكَرُوه فقَطْ ممَّا فيه ضَرورةٌ ظاهِرةٌ تُبيحُ الخُروجَ عن أصْلِ المَذهبِ مِنْ طُرُوِّ المَنعِ؛ فإنَّ مَفاهيمَ الكُتُبِ حُجَّةٌ، ولَو كانَ المَفهومُ مَفهومَ لَقَبٍ، على ما صَرَّحَ به الأُصوليونَ، بَلْ هو مَنطوقٌ، فإنَّ الِاستِثناءَ مِنْ أدَواتِ العُمومِ كَما صَرَّحوا به أيضًا (١).
وقالَ أيضًا: أصْلُ المَذهبِ المَنعُ مُطلَقًا؛ وإنَّما أفتَى المُتأخِّرونَ بالجَوازِ على التَّعليمِ بالضَّرورةِ المَذكورةِ التي لَو وَقَعَتْ في زَمنِ أبي حَنيفَةَ، وأصحابِه، لَأفتَوْا بذلك، فلِذلك أفتَى المُتأخِّرونَ بالجَوازِ، مُخالِفينَ لِلمَذهبِ الصَّريحِ، ولَو زالَتِ الضَّرورةُ بأنِ انتَظَمَ أمْرُ بَيتِ المالِ وأُعطِيَ المُعَلِّمونَ ما كانَ لَهم فيه لَم يَسَعْ أحَدًا مِنْ المُتأخِّرينَ أنْ يُخالِفوا المَذهَبَ؛ لِزَوالِ العِلَّةِ التي سَوَّغَتْ لَهمُ الخُروجَ عن أصلِ المَذهبِ (٢).
قالَ المالِكيَّةُ: تَجوزُ الإجارةُ على تَعليمِ القُرآنِ مُشاهَرةً كَ: كلُّ شَهرٍ بدِرهَمٍ، أو كلُّ سَنةٍ بدِينارٍ.
стр. 5636
أو على الحُذَّاقِ، والمُرادُ به حِفظُ جَميعِ القُرآنِ أو بَعضِه؛ كالنِّصفِ، والثُّلُثِ، والرُّبُعِ، والسُّدُسِ، ونَحوِ ذلك مِنْ الأجزاءِ بأجْرٍ مَعلومٍ، ولا يَجوزُ الجَمعُ بينَ المُشاهَرةِ والحُذَّاقِ على المَشهورِ، كاستَأجَرتُكَ على تَحفيظِه رُبُعَ القُرآنِ في شَهرٍ بكَذا؛ إذْ قد يَمضي الشَّهرُ ولا يَحفَظُ ما عَيَّنَه، أو يَحفَظُه في أثنائِه.
وَيُقضَى بالأُجرة لِلمُعَلِّمِ في الحَذاقةِ، وإنْ لَم تُشترَطْ إذا جَرَى العُرفُ بها، وإلَّا فلا، على المَشهورِ، ومَحَلُّها ما تَقرَّرَتْ به عُرفًا مِنْ السُّوَرِ؛ كَ: ﴿سَبِّحْ﴾ و ﴿عَم﴾، و ﴿تَبَارَكَ﴾، وغَيرِها، وهي تَختَلِفُ باختِلافِ الزَّمانِ والمَكانِ، وبِاختِلافِ الأشخاصِ فَقرًا وغِنًى، ولا حَدَّ فيها، وأنَّها راجِعةٌ إلى حالِ الأبِ في يُسرِه وعَدَمِه، ويُنظَرُ فيها أيضًا إلى حالِ الصَّبيِّ؛ فإنْ كانَ حافِظًا تَكونُ حَذقَتُه أكثَرَ مِنْ الذي لا يَحفَظُ (١).
وقالَ الشَّافعيَّةُ: يَصحُّ الِاستِئجارُ على تَعليمِ القُرآنِ كلِّه أو بَعضِه، ولا بدَّ مِنْ تَعيينِ المدَّةِ في تَعليمِ القُرآنِ، كَشَهرٍ ونَحوِه، على الأصَحِّ، وقيلَ: لا بدَّ مِنْ تَعيينِ السُّوَرِ أو الآياتِ؛ لِتَفاوُتِ السُّوَرِ والآياتِ في سُهولةِ الحِفظِ وصُعوبَتِه، أو تَعيينِ سُوَرٍ أو آياتٍ مِنْ سُورةِ كَذا، في الأصَحِّ؛ فإنْ أخَلَّ بأحَدِهِما لَم يَصحَّ على الأصَحِّ.
وَقيلَ: لا يُشترَطُ تَعيينُ واحِدٍ مِنهما.
стр. 5637
وَلَو جَمَعَ بَينَهما؛ كَتَعلّمِه سُورةَ كَذا في شَهرِ كَذا، فلا يَصحُّ في الأصَحِّ (١).
والقولُ الثَّاني: لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على تَعليمِ القُرآنِ، ويَجوزُ أخْذُ الجَعالةِ على ذلك، وهو قولُ الحَنفيَّةِ، أبِي حَنيفَةَ، وصاحبَيْه أبي يُوسفَ، ومُحمدٍ، والحَنابِلةِ في المَذهبِ، لِمَا رَواه أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: عَلَّمْتُ رَجُلًا القُرْآنَ، فَأَهْدَى لِي قَوْسًا، فَذَكَرْتُ ذلك لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «إِنْ أَخَذْتَهَا أَخَذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ»، فَرَدَدْتُهَا (٢).
وعن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ شِبْلٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «اقرَؤُوا القُرْآنَ وَلا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ، وَلا تَجْفُوا عنه، وَلا تَغْلُوا فيه» (٣)، وقَالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وَلأنَّ هذه الأعمالَ يَختَصُّ فاعِلُها بأنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القُربةِ؛ فإنَّها إنَّما تَصحُّ مِنْ المُسلِمِ دونَ الكافِرِ؛ فلا يَجوزُ إيقاعُها إلَّا على وَجْهِ التَقرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإذا فُعِلَتْ بعُروضٍ لَم يكُنْ فيها أَجْرٌ بالِاتِّفاقِ؛ لأنَّ اللَّهَ إنَّما يَقبَلُ مِنْ العَملِ ما أُريدَ به وَجْهُه، لا ما فُعِلَ لِأجْلِ عُروضِ الدُّنيا.
وَلأنَّ مِنْ شَرطِ صِحَّةِ هذه الأفعالِ كَونَها قُربةً إلى اللَّهِ تَعالى، فلَم يَجُزْ أخْذُ الأجْرِ عليها، كَما لَوِ استَأجَرَ قَومًا يُصَلُّونَ خَلْفَه الجُمُعةَ، أوِ التَّراويحَ.
وَلأنَّ القُربةَ متى حَصَلَتْ وَقَعَتْ عن العامِلِ، ولِهَذا تُعتَبَرُ أهلِيَّتُه؛ فلا
стр. 5638
يَجوزُ له أخْذُ الأجْرِ مِنْ غَيرِه، كَما في الصَّومِ والصَّلاةِ، ولأنَّ التَّعليمَ ممَّا لا يَقدِرُ المُعلِّمُ عليه إلَّا بمَعنًى مِنْ قِبَلِ المُتعلِّمِ، فيَكونُ مُلتَزِمًا ما لَا يَقدِرُ على تَسليمِه؛ فلا يَصحُّ.
قالَ الحَنفيَّةُ: والأصْلُ فيه أنَّ كلَّ شَيءٍ جازَ أنْ يُستَأجَرَ الكافِرُ عليه جازَ أنْ يُستَأجَرَ عليه المُسلِمُ، وما لا فلا.
وأمَّا الأحاديثُ التي في أخْذِ الجُعلِ والأُجرةِ، فإنَّما كانَتْ في الرُّقيةِ، وهي قَضيةٌ في عَينٍ، فتَختَصُّ بها (١).
والقولُ الثَّالث: إنْ كانَ فَقيرًا مُحتاجًا جازَ له الأخْذُ، وإنْ كانَ غَنِيًّا لا يَجوزُ، وهو رِوايةٌ عن أحمدَ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ، كَما أذِنَ اللَّهُ لِوَليِّ اليَتيمِ أنْ يَأكُلَ مع الفَقرِ، ويَستَغنِيَ مع الغِنَى، قالَ ابنُ تَيميَّةَ: وهذا القولُ أقوَى مِنْ غَيرِه على هَذا، فإذا فعلَها الفَقيرُ للَّهِ، وإنَّما أخَذَ الأُجرةَ لِحاجَتِه إلى ذلك، ولِيَستَعينَ بذلك على طاعةِ اللَّهِ فاللَّهُ يَأجُرُه على نِيَته، فيَكونُ قد أكَلَ طَيِّبًا، وعَمِلَ صالِحًا.
وقالَ أيضًا: وأُصولُ الشَّريعةِ كلُّها مَبنيَّةٌ على هذا الأصْلِ، أنَّه يُفَرَّقُ في
стр. 5639
المَنهيَّاتِ بينَ المُحتاجِ وغَيرِه، كَما في المَأْموراتِ، ولِهَذا أُبيحَتِ المُحرَّماتُ عندَ الضَّرورةِ، لاسيِّما إذا قُدِّرَ أنَّه يَعدِلُ عن ذلك إلى سُؤالِ النَّاسِ، فالمَسألةُ أشَدُّ تَحريمًا، ولِهَذا قالَ العُلماءُ: يَجِبُ أداءُ الواجِباتِ وإنْ لَم تَحصُلْ إلَّا بالشُّبَهاتِ، كَما ذكرَ أبو طالِبٍ، وأبو حامِدٍ أنَّ الإمامَ أحمدَ سَألَه رَجُلٌ، قالَ: إنَّ ابنًا لي ماتَ وعليه دَيْنٌ، ولَه دُيونٌ أكرَهُ تَقاضيَها، فقالَ له الإمامُ أحمَدُ: أتَدَعُ ذِمَّةَ ابنِكَ مُرتَهَنةً؟ يَقولُ: قَضاءُ الدَّيْنِ واجِبٌ، وتَرْكُ الشُّبهةِ لِأداءِ الواجِبِ هو المَأْمورُ به.
وَلِهَذا اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّه يَرزُقُه الحاكِمُ وأمثالُه عندَ الحاجةِ، وتَنازَعوا في الرِّزقِ عندَ عَدَمِ الحاجةِ، وأصْلُ ذلك في كِتابِ اللَّهِ في قَولِه في وَلِيِّ اليَتيمِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، فهكذا يُقالُ في نَظائِرِ هذا؛ إذِ الشَّريعةُ مَبناها على تَحصيلِ المَصالِحِ وتَكميلِها وتَعطيلِ المَفاسِدِ وتَقليلِها، والوَرعُ تَرجيحُ خَيرِ الخَيرَيْنِ بتَفويتِ أدناهما، ودَفْعُ شَرِّ الشَّرَّيْنِ، وإنْ حَصَلَ أدناهما (١).
المَسألةُ الثَّانيةُ: أخْذُ الأُجرةِ على قِراءةِ القُرآنِ على المَيِّتِ أو غَيرِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ جَوازِ الاستِئجارِ على قِراءةِ القُرآنِ سَواءٌ كانَ عندَ القَبرِ أو غَيرِه، هل يَجوزُ أو لا؟
فذَهَبَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ وحَكاه ابنُ تَيميَّةَ عن الأئِمَّةِ أنَّه لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على مُجرَّدِ التِّلاوةِ.
стр. 5640
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: القِراءةُ على الجَنائِزِ مَكروهةٌ في المَذاهبِ الأربَعةِ، وأخْذُ الأُجرةِ عليها أعظَمُ كَراهةً؛ فإنَّ الاستِئجارَ على التِّلاوةِ لَم يُرَخِّصْ فيه أحَدٌ مِنْ العُلماءِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ أيضًا: ولا يَصحُّ الِاستِئجارُ على القِراءةِ ولا يَصحُّ إهداؤها إلى المَيِّتِ؛ لأنَّه لَم يُنقَلْ عن أحَدٍ مِنْ الأئِمَّةِ الإذْنُ في ذلك، وقَد قالَ العُلماءُ: إنَّ القارِئَ إذا قَرَأَ لِأجْلِ المالِ فلا ثَوابَ لَه، فأيُّ شَيءٍ يُهدَى إلى المَيِّتِ؟ وإنَّما يَصِلُ إلى المَيِّتِ العَملُ الصَّالِحُ، والِاستِئجارُ على مُجرَّدِ التِّلاوةِ لَم يَقُلْ به أحَدٌ مِنْ الأئِمَّةِ، وإنَّما تَنازَعوا في الِاستِئجارِ على التَّعليمِ، ولا بَأْسَ بجَوازِ أخْذِ الأُجرةِ على الرُّقيةِ، ونَصَّ عليه أحمَدُ (٢).
أمَّا مَذهَبُ الحَنفيَّةِ فقالَ الحَدَّادُ ﵀ في الجَوهَرةِ: واختَلفوا في الاستِئجارِ على قِراءةِ القُرآنِ على القَبرِ مدَّةً مَعلومةً: قالَ بَعضُهم: لا يَجوزُ، وقالَ بَعضُهم: يَجوزُ، وهو المُختارُ (٣).
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀ بعدَ هذا الكَلامِ: والصَّوابُ أنْ يُقالَ: على تَعليمِ القُرآنِ، فإنَّ الخِلافَ فيه كَما عَلِمتَ، لا في القِراءةِ المُجرَّدةِ؛ فإنَّه لا ضَرورةَ فيها؛ فإنْ كانَ ما في الجَوهَرةِ سَبْقَ قَلَمٍ فلا كَلامَ، وإنْ كانَ عن عَمدٍ فهو مُخالِفٌ لِكَلامِهم قاطِبةً فلا يُقبَلُ، وقَد أطنَبَ في رَدِّه صاحِبُ