← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

أو على الحُذَّاقِ، والمُرادُ به حِفظُ جَميعِ القُرآنِ أو بَعضِه؛ كالنِّصفِ، والثُّلُثِ، والرُّبُعِ، والسُّدُسِ، ونَحوِ ذلك مِنْ الأجزاءِ بأجْرٍ مَعلومٍ، ولا يَجوزُ الجَمعُ بينَ المُشاهَرةِ والحُذَّاقِ على المَشهورِ، كاستَأجَرتُكَ على تَحفيظِه رُبُعَ القُرآنِ في شَهرٍ بكَذا؛ إذْ قد يَمضي الشَّهرُ ولا يَحفَظُ ما عَيَّنَه، أو يَحفَظُه في أثنائِه. وَيُقضَى بالأُجرة لِلمُعَلِّمِ في الحَذاقةِ، وإنْ لَم تُشترَطْ إذا جَرَى العُرفُ بها، وإلَّا فلا، على المَشهورِ، ومَحَلُّها ما تَقرَّرَتْ به عُرفًا مِنْ السُّوَرِ؛ كَ: ﴿سَبِّحْ﴾ و ﴿عَم﴾، و ﴿تَبَارَكَ﴾، وغَيرِها، وهي تَختَلِفُ باختِلافِ الزَّمانِ والمَكانِ، وبِاختِلافِ الأشخاصِ فَقرًا وغِنًى، ولا حَدَّ فيها، وأنَّها راجِعةٌ إلى حالِ الأبِ في يُسرِه وعَدَمِه، ويُنظَرُ فيها أيضًا إلى حالِ الصَّبيِّ؛ فإنْ كانَ حافِظًا تَكونُ حَذقَتُه أكثَرَ مِنْ الذي لا يَحفَظُ (١). وقالَ الشَّافعيَّةُ: يَصحُّ الِاستِئجارُ على تَعليمِ القُرآنِ كلِّه أو بَعضِه، ولا بدَّ مِنْ تَعيينِ المدَّةِ في تَعليمِ القُرآنِ، كَشَهرٍ ونَحوِه، على الأصَحِّ، وقيلَ: لا بدَّ مِنْ تَعيينِ السُّوَرِ أو الآياتِ؛ لِتَفاوُتِ السُّوَرِ والآياتِ في سُهولةِ الحِفظِ وصُعوبَتِه، أو تَعيينِ سُوَرٍ أو آياتٍ مِنْ سُورةِ كَذا، في الأصَحِّ؛ فإنْ أخَلَّ بأحَدِهِما لَم يَصحَّ على الأصَحِّ. وَقيلَ: لا يُشترَطُ تَعيينُ واحِدٍ مِنهما.

стр. 5637

وَلَو جَمَعَ بَينَهما؛ كَتَعلّمِه سُورةَ كَذا في شَهرِ كَذا، فلا يَصحُّ في الأصَحِّ (١). والقولُ الثَّاني: لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على تَعليمِ القُرآنِ، ويَجوزُ أخْذُ الجَعالةِ على ذلك، وهو قولُ الحَنفيَّةِ، أبِي حَنيفَةَ، وصاحبَيْه أبي يُوسفَ، ومُحمدٍ، والحَنابِلةِ في المَذهبِ، لِمَا رَواه أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: عَلَّمْتُ رَجُلًا القُرْآنَ، فَأَهْدَى لِي قَوْسًا، فَذَكَرْتُ ذلك لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «إِنْ أَخَذْتَهَا أَخَذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ»، فَرَدَدْتُهَا (٢). وعن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ شِبْلٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «اقرَؤُوا القُرْآنَ وَلا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ، وَلا تَجْفُوا عنه، وَلا تَغْلُوا فيه» (٣)، وقَالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وَلأنَّ هذه الأعمالَ يَختَصُّ فاعِلُها بأنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القُربةِ؛ فإنَّها إنَّما تَصحُّ مِنْ المُسلِمِ دونَ الكافِرِ؛ فلا يَجوزُ إيقاعُها إلَّا على وَجْهِ التَقرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإذا فُعِلَتْ بعُروضٍ لَم يكُنْ فيها أَجْرٌ بالِاتِّفاقِ؛ لأنَّ اللَّهَ إنَّما يَقبَلُ مِنْ العَملِ ما أُريدَ به وَجْهُه، لا ما فُعِلَ لِأجْلِ عُروضِ الدُّنيا. وَلأنَّ مِنْ شَرطِ صِحَّةِ هذه الأفعالِ كَونَها قُربةً إلى اللَّهِ تَعالى، فلَم يَجُزْ أخْذُ الأجْرِ عليها، كَما لَوِ استَأجَرَ قَومًا يُصَلُّونَ خَلْفَه الجُمُعةَ، أوِ التَّراويحَ. وَلأنَّ القُربةَ متى حَصَلَتْ وَقَعَتْ عن العامِلِ، ولِهَذا تُعتَبَرُ أهلِيَّتُه؛ فلا

стр. 5638

يَجوزُ له أخْذُ الأجْرِ مِنْ غَيرِه، كَما في الصَّومِ والصَّلاةِ، ولأنَّ التَّعليمَ ممَّا لا يَقدِرُ المُعلِّمُ عليه إلَّا بمَعنًى مِنْ قِبَلِ المُتعلِّمِ، فيَكونُ مُلتَزِمًا ما لَا يَقدِرُ على تَسليمِه؛ فلا يَصحُّ. قالَ الحَنفيَّةُ: والأصْلُ فيه أنَّ كلَّ شَيءٍ جازَ أنْ يُستَأجَرَ الكافِرُ عليه جازَ أنْ يُستَأجَرَ عليه المُسلِمُ، وما لا فلا. وأمَّا الأحاديثُ التي في أخْذِ الجُعلِ والأُجرةِ، فإنَّما كانَتْ في الرُّقيةِ، وهي قَضيةٌ في عَينٍ، فتَختَصُّ بها (١). والقولُ الثَّالث: إنْ كانَ فَقيرًا مُحتاجًا جازَ له الأخْذُ، وإنْ كانَ غَنِيًّا لا يَجوزُ، وهو رِوايةٌ عن أحمدَ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ، كَما أذِنَ اللَّهُ لِوَليِّ اليَتيمِ أنْ يَأكُلَ مع الفَقرِ، ويَستَغنِيَ مع الغِنَى، قالَ ابنُ تَيميَّةَ: وهذا القولُ أقوَى مِنْ غَيرِه على هَذا، فإذا فعلَها الفَقيرُ للَّهِ، وإنَّما أخَذَ الأُجرةَ لِحاجَتِه إلى ذلك، ولِيَستَعينَ بذلك على طاعةِ اللَّهِ فاللَّهُ يَأجُرُه على نِيَته، فيَكونُ قد أكَلَ طَيِّبًا، وعَمِلَ صالِحًا. وقالَ أيضًا: وأُصولُ الشَّريعةِ كلُّها مَبنيَّةٌ على هذا الأصْلِ، أنَّه يُفَرَّقُ في

стр. 5639

المَنهيَّاتِ بينَ المُحتاجِ وغَيرِه، كَما في المَأْموراتِ، ولِهَذا أُبيحَتِ المُحرَّماتُ عندَ الضَّرورةِ، لاسيِّما إذا قُدِّرَ أنَّه يَعدِلُ عن ذلك إلى سُؤالِ النَّاسِ، فالمَسألةُ أشَدُّ تَحريمًا، ولِهَذا قالَ العُلماءُ: يَجِبُ أداءُ الواجِباتِ وإنْ لَم تَحصُلْ إلَّا بالشُّبَهاتِ، كَما ذكرَ أبو طالِبٍ، وأبو حامِدٍ أنَّ الإمامَ أحمدَ سَألَه رَجُلٌ، قالَ: إنَّ ابنًا لي ماتَ وعليه دَيْنٌ، ولَه دُيونٌ أكرَهُ تَقاضيَها، فقالَ له الإمامُ أحمَدُ: أتَدَعُ ذِمَّةَ ابنِكَ مُرتَهَنةً؟ يَقولُ: قَضاءُ الدَّيْنِ واجِبٌ، وتَرْكُ الشُّبهةِ لِأداءِ الواجِبِ هو المَأْمورُ به. وَلِهَذا اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّه يَرزُقُه الحاكِمُ وأمثالُه عندَ الحاجةِ، وتَنازَعوا في الرِّزقِ عندَ عَدَمِ الحاجةِ، وأصْلُ ذلك في كِتابِ اللَّهِ في قَولِه في وَلِيِّ اليَتيمِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، فهكذا يُقالُ في نَظائِرِ هذا؛ إذِ الشَّريعةُ مَبناها على تَحصيلِ المَصالِحِ وتَكميلِها وتَعطيلِ المَفاسِدِ وتَقليلِها، والوَرعُ تَرجيحُ خَيرِ الخَيرَيْنِ بتَفويتِ أدناهما، ودَفْعُ شَرِّ الشَّرَّيْنِ، وإنْ حَصَلَ أدناهما (١). المَسألةُ الثَّانيةُ: أخْذُ الأُجرةِ على قِراءةِ القُرآنِ على المَيِّتِ أو غَيرِه: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ جَوازِ الاستِئجارِ على قِراءةِ القُرآنِ سَواءٌ كانَ عندَ القَبرِ أو غَيرِه، هل يَجوزُ أو لا؟ فذَهَبَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ وحَكاه ابنُ تَيميَّةَ عن الأئِمَّةِ أنَّه لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على مُجرَّدِ التِّلاوةِ.

стр. 5640

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: القِراءةُ على الجَنائِزِ مَكروهةٌ في المَذاهبِ الأربَعةِ، وأخْذُ الأُجرةِ عليها أعظَمُ كَراهةً؛ فإنَّ الاستِئجارَ على التِّلاوةِ لَم يُرَخِّصْ فيه أحَدٌ مِنْ العُلماءِ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ أيضًا: ولا يَصحُّ الِاستِئجارُ على القِراءةِ ولا يَصحُّ إهداؤها إلى المَيِّتِ؛ لأنَّه لَم يُنقَلْ عن أحَدٍ مِنْ الأئِمَّةِ الإذْنُ في ذلك، وقَد قالَ العُلماءُ: إنَّ القارِئَ إذا قَرَأَ لِأجْلِ المالِ فلا ثَوابَ لَه، فأيُّ شَيءٍ يُهدَى إلى المَيِّتِ؟ وإنَّما يَصِلُ إلى المَيِّتِ العَملُ الصَّالِحُ، والِاستِئجارُ على مُجرَّدِ التِّلاوةِ لَم يَقُلْ به أحَدٌ مِنْ الأئِمَّةِ، وإنَّما تَنازَعوا في الِاستِئجارِ على التَّعليمِ، ولا بَأْسَ بجَوازِ أخْذِ الأُجرةِ على الرُّقيةِ، ونَصَّ عليه أحمَدُ (٢). أمَّا مَذهَبُ الحَنفيَّةِ فقالَ الحَدَّادُ ﵀ في الجَوهَرةِ: واختَلفوا في الاستِئجارِ على قِراءةِ القُرآنِ على القَبرِ مدَّةً مَعلومةً: قالَ بَعضُهم: لا يَجوزُ، وقالَ بَعضُهم: يَجوزُ، وهو المُختارُ (٣). قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀ بعدَ هذا الكَلامِ: والصَّوابُ أنْ يُقالَ: على تَعليمِ القُرآنِ، فإنَّ الخِلافَ فيه كَما عَلِمتَ، لا في القِراءةِ المُجرَّدةِ؛ فإنَّه لا ضَرورةَ فيها؛ فإنْ كانَ ما في الجَوهَرةِ سَبْقَ قَلَمٍ فلا كَلامَ، وإنْ كانَ عن عَمدٍ فهو مُخالِفٌ لِكَلامِهم قاطِبةً فلا يُقبَلُ، وقَد أطنَبَ في رَدِّه صاحِبُ

стр. 5641

تَبيينِ المَحارِمِ مُستَنِدًا إلى النُّقولِ الصَّريحةِ، فمِن جُملةِ كَلامِه: قالَ تاجُ الشَّريعةِ في شَرحِ الهِدايةِ: إنَّ القُرآنَ بالأُجرةِ لا يَستَحقُّ الثَّوابَ، لا لِلمَيِّتِ ولا لِلقارِئِ. وقالَ العَينيُّ ﵀ في «شَرحِ الهِدايةِ»: ويُمنَعُ القارِئُ لِلدُّنيا، والآخِذُ والمُعطي آثِمانِ. فالحاصِلُ أنَّ ما شاعَ في زَمانِنا مِنْ قِراءةِ الأجزاءِ بالأُجرةِ لا يَجوزُ؛ لأنَّ فيه الأمْرَ بالقِراءةِ وإعطاءَ الثَّوابِ لِلآمِرِ، والقِراءةَ لِأجْلِ المالِ، فإذا لَم يكُنْ لِلقارِئِ ثَوابٌ لِعَدَمِ النِّيَّةِ الصَّحيحةِ، فأينَ يَصِلُ الثَّوابُ إلى المُستَأجِرِ؟ ولَولَا الأُجرةُ ما قَرَأَ أحَدٌ لِأحَدٍ في هذا الزَّمانِ، بَلْ جَعَلوا القُرآنَ العَظيمَ مَكسَبًا ووَسيلةً إلى جَمعِ الدُّنيا، إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إليه راجِعونَ. اه. وقد اغتَر بما في الجَوهَرةِ صاحِبُ البَحرِ في كِتابِ الوَقفِ، وتَبِعَه الشَّارِحُ في كِتابِ الوَصايا، حَيثُ يُشعِرُ كَلامُهما بجَوازِ الِاستِئجارِ على كلِّ الطَّاعاتِ، ومِنها القِراءةُ، وقَد رَدَّه الشَّيخُ خَيرُ الدِّينِ الرَّمليُّ في حاشيةِ البَحرِ في كِتابِ الوَقفِ، حَيثُ قالَ: أقولُ: المُفتَى به جَوازُ الأخْذِ استِسحانًا على تَعليمِ القُرآنِ، لا على القِراءةِ المُجرَّدةِ، كَما صَرَّحَ به في التَّاتَرْخانيةِ حَيثُ قالَ: لا مَعنَى لِهَذِه الوَصيَّةِ، ولِصِلةِ القارِئِ بقِراءَتِه؛ لأنَّ هذا بمَنزِلةِ أُجرةٍ، والإجارةُ في ذلك باطِلةٌ، وهي بِدعةٌ، ولَم يَفعَلْها أحَدٌ مِنْ الخُلَفاءِ، وقَد ذَكَرْنا مَسألةَ تَعليمِ القُرآنِ على استِسحانٍ. اه، يَعني لِلضَّرورةِ، ولا ضَرورةَ في الِاستِئجارِ على القِراءةِ على القَبرِ.

стр. 5642

وعِندَ الزَّيلَعيِّ وَفي كَثيرٍ مِنْ الكُتُبِ: لَو لَم يُفتَحْ لَهم بابُ التَّعليمِ بالأجْرِ؛ لَذَهَبَ القُرآنُ، فأفتَوْا بجَوازِه، ورَأَوْه حَسَنًا، فتَنَبَّهْ. انتَهَى كَلامُ الرَّمليِّ. وَما في التاتَرْخانيةِ فيه رَدٌّ على مَنْ قالَ: لَو أوصَى لِقارِئٍ يَقرَأُ على قَبرِه بكَذا فَيَنبَغي أنْ يَجوزَ على وَجْهِ الصِّلةِ دونَ الأجْرِ، ومِمَّن صَرَّحَ ببُطلانِ هذه الوَصيَّةِ صاحِبُ الوَلوَالِجِيَّةِ، والمُحيطِ، والبَزَّازِيَّةِ، وفيه رَدٌّ أيضًا على صاحِبِ البَحرِ؛ حَيثُ عَلَّلَ البُطَلانَ بأنَّه مَبنيٌّ على القَولِ بكَراهةِ القُرآنِ على القَبرِ، وليسَ كذلك، بَلْ لِما فيه مِنْ شَبَهِ الِاستِئجارِ على القِراءةِ، كَما عَلِمتَ، وصَرَّحَ به في الِاختيارِ وغَيرِه، ولِذا قالَ في الوَلوالِجِيَّة ما نَصُّهُ: ولَو زارَ قَبْرَ صَديقٍ أو قَريبٍ لَه، وقَرَأَ عِندَه شَيئًا مِنْ القُرآنِ، فهو حَسَنٌ، أمَّا الوَصِيَّةُ بذلك فلا مَعنَى لَها، ولا مَعنَى أيضًا لِصِلةِ القارِئِ؛ لأنَّ ذلك يُشبِهُ استِئجارَه على قِراءةِ القُرآنِ، وذلك باطِلٌ، ولَم يَفعَلْ ذلك أحَدٌ مِنْ الخُلَفاءِ. اه. لَو كانَتِ العِلَّةُ ما قالَه لَم يَصحَّ قولُه هُنا، فهو حَسَنٌ، ومِمَّن أفتَى ببُطلانِ هذه الوَصيَّةِ الخَيرُ الرَّمليُّ، كَما هو مَبسوطٌ في وَصايا فَتاوَاه؛ فراجِعْها. وَنقلَ العَلَّامة الحَلوانيُّ -في حاشيةِ المُنتهى- عن شَيخِ الإسلامِ تَقيِّ الدِّينِ ما نَصُّهُ: ولا يَصحُّ الِاستِئجارُ على القِراءةِ وإهدائِها إلى المَيِّتِ؛ لأنَّه لَم يُنقَلْ عن أحَدٍ مِنْ الأئِمَّةِ الإذْنُ في ذلك. وقد قالَ العُلماءُ: إنَّ القارِئَ إذا قَرَأ لِأجْلِ المالِ فلا ثَوابَ لَه، فأيُّ شَيءٍ يُهديهِ إلى المَيِّتِ؟ وإنَّما يَصِلُ إلى المَيِّتِ العَملُ الصَّالِحُ، والِاستِئجارُ

стр. 5643

على مُجرَّدِ التِّلاوةِ لَم يَقُلْ به أحَدٌ مِنْ الأئِمَّةِ وإنَّما تَنازَعوا في الِاستِئجارِ لِلتَّعليمِ. انتَهَى بحُروفِه. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بذلك أيضًا الإمامُ البِرْكَويُّ في آخِرِ الطَّريقةِ المُحمَّديةِ، فقالَ: الفَصلُ الثَّالث في أُمورٍ مُبتَدَعةٍ باطِلةٍ أكَبَّ النَّاسُ عليها على ظَنٍّ أنَّها قُرَبٌ مَقصودةٌ … ومِنها الوَصيَّةُ مِنْ المَيِّتِ باتِّخاذِ الطَّعامِ والضِّيافةِ يَومَ مَوتِه أو بَعدَه، وبِإعطاءِ دَراهِمَ لِمَنْ يَتْلو القُرآنَ لِرُوحِه، أو يُسَبِّحُ أو يُهَلِّلُ لَه، وكلُّها بِدَعٌ مُنكَراتٌ باطِلةٌ، والمَأخوذُ مِنها حَرامٌ لِلآخِذِ، وهو عاصٍ بالتِّلاوةِ والذِّكرِ لِأجْلِ الدُّنيا. اه، مُلَخَّصًا، وذُكِرَ أنَّ له فيها أربَعَ مَسائِلَ. فَإذا عَلِمتَ ذلك ظَهرَ لَكَ حَقيقةُ ما قُلناه، وأنَّ خِلافَه خارِجٌ عن المَذهبِ وعَما أفتَى به البَلْخِيُّونَ، وما أطبَقَ عليه أئِمَّتُنا مُتونًا وشُروحًا وفَتاوَى، ولا يُنْكِرُ ذلك إلَّا غِمْرٌ مُكابِرٌ، أو جاهِلٌ لا يَفهَمُ كَلامَ الأكابِرِ، وما استَدَلَّ به بَعضُ المُحَشِّينَ على الجَوازِ بحَديثِ البُخاريِّ في اللَّديغِ فهو خَطَأٌ؛ لأنَّ المُتقدِّمينَ المانِعينَ الِاستِئجارَ مُطلَقًا جَوَّزوا الرُّقيةَ بالأُجرةِ، ولَو بالقُرآنِ، كَما ذكرَه الطَّحاويُّ؛ لأنَّها لَيسَتْ عِبادةً مَحضةً، بَلْ مِنْ التَّداوي. وَما نُقِلَ عن بَعضِ الهَوامِشِ وعُزِّيَ إلى الحاوي الزَّاهِديِّ مِنْ أنَّه لا يَجوزُ الِاستِئجارُ على الخَتْمِ بأقَلَّ مِنْ خَمسةٍ وأربَعينَ دِرهَمًا فخارِجٌ عَما اتَّفقَ عليه أهلُ المَذهبِ قاطِبةً. وَحينئذٍ ظَهرَ لَكَ بُطلانُ ما أكَبَّ عليه أهلُ العَصرِ مِنْ الوَصيَّةِ بالخَتماتِ والتَّهاليلِ مع قَطعِ النَّظَرِ عَما يَحصُلُ فيها مِنْ المُنكَراتِ التي لا يُنكِرُها إلَّا

стр. 5644

مَنْ طُمِسَتْ بَصيرَتُه، وقَد جَمَعتُ فيها رِسالةً سَمَّيتُها: (شِفاءُ العَليلِ وبَلُّ الغَليلِ في حُكمِ الوَصيَّةِ بالخَتماتِ والتَّهاليلِ)، وأتَيتُ فيها بالعَجَبِ العُجابِ لِذَوي الألبابِ، وما ذَكَرتُه هُنا بالنِّسبةِ إلَيها كَقَطرةٍ مِنْ بَحرٍ، أو شَذَرةٍ مِنْ عِقدِ نَحْرٍ، وأطلَعتُ عليها مُحْشِيَ هذا الكِتابِ فَقيهَ عَصرِه ووَحيدَ دَهرِه السَّيِّدَ أحمَد الطَّحاوي، مُفتي مِصرَ سابِقًا، فكَتَبَ عليها وأثْنَى الثَّناءَ الجَميلَ؛ فاللَّهُ يَجزِيهِ الخَيرَ الجَزيلَ، وكَتَبَ عليها غَيرُه مِنْ فُقهاءِ العَصرِ (١). وقالَ ابنُ عابِدينَ ﵀ في «الفَتاوَى الحامِديَّةِ»: ولا شَكَّ أنَّ التِّلاوةَ المُجرَّدةَ عن التَّعليمِ مِنْ أعظَمِ الطَّاعاتِ التي يُطلَبُ بها الثَّوابُ، فلا يَصحُّ الِاستِئجارُ عليها؛ لأنَّ الِاستِئجارَ بَيعُ المَنافِعِ، وليسَ لِلتَّالي مَنفَعةٌ سِوَى الثَّوابِ، ولا يَصحُّ بَيعُ الثَّوابِ، ولأنَّ الأُجرةَ لا تُستحَقُّ إلَّا بعدَ حُصولِ المَنفَعةِ لِلمُستَأجِرِ، ولأنَّ الثَّوابَ غيرُ مَعلومٍ، فمَنِ استَأجَرَ رَجُلًا لِيَختِمَ له خَتمةً ويُهديَ ثَوابَها إلى رُوحِه، أو رُوحِ أحَدٍ مِنْ أمواتِه، لَم يُعلَمْ حُصولُ الثَّوابِ له حتى يَلزَمه دَفعُ الأُجرةِ؛ ولَو عُلِمَ حُصولُه لِلتَّالي لَم يَصحَّ بَيعُه بالأُجرةِ، فكَيفَ وهو غيرُ مَعلومٍ؟ بَلِ الظَّاهِرُ العِلمُ بعَدَمِ حُصولِهِ؛ لأنَّ شَرطَ الثَّوابِ الإخلاصُ لِلَّهِ تَعالى في العَملِ، والقارِئُ بالأُجرةِ إنَّما يَقرَأُ لِأجْلِ الدُّنيا، لا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، بدَليلِ أنَّه لَو عَلِمَ أنَّ المُستَأجِرَ لا يَدفَعُ له شَيئًا لا يَقرَأُ له حَرفًا واحِدًا، خُصوصًا مَنْ جعلَ ذلك حِرفَتَه، ولِذا قالَ تاجُ الشَّريعةِ في شَرحِ الهِدايةِ: إنَّ قارِئَ القُرآنِ بالأُجرةِ لا يَستَحقُّ الثَّوابَ، لا لِلمَيِّتِ ولا لِلقارِئِ.

стр. 5645

وقالَ العَينيُّ ﵀ في «شَرحِ الهِدايةِ» -مُعْزِيًا لِلواقِعاتِ-: ويُمنَعُ القارِئُ لِلدُّنيا، والآخِذُ والمُعطي آثِمانِ. وقالَ في الاختِيار، ومَجمَعِ الفَتاوَى: وأخْذُ شَيءٍ لِلقُرآنِ لا يَجوزُ؛ لأنَّه كالأُجرةِ. وقالَ في الوَلوالِجِيَّة: ولَو زَارَ قَبْرَ صَديقٍ أو قَريبٍ لَه، وقَرَأ عِندَه شَيئًا مِنْ القُرآنِ، فهو حَسَنٌ، أمَّا الوَصيَّةُ بذلك فلا مَعنَى لَها، ولا مَعنَى أيضًا لِصِلةِ القارِئِ؛ لأنَّ ذلك يُشبِهُ استِئجارَه على قِراءةِ القُرآنِ، وذلك باطِلٌ، ولَم يَفعَلْ ذلك أحَدٌ مِنْ الخُلَفاءِ. اه. وَرأيتُ التَّصريحَ ببُطلانِ الوَصيَّةِ بذلك في عِدَّةِ كُتُبٍ، وعُزِيَ في بَعضِ الكُتُبِ إلى مُحيطِ السَّرخَسيِّ، والمُحيطِ البُرهانيِّ، والخُلاصَةِ، والبَزَّازِيَّةِ؛ فإذا كانَتِ الوَصيَّةُ لِلقارِئِ لِأجْلِ قِراءَتِه باطِلةً؛ لأنَّها تُشبِهُ الِاستِئجارَ على التِّلاوةِ، فالإجارةُ الحَقيقيةُ تَكونُ باطِلةً بالأَوْلَى، فهذه نُصوصُ المَذهبِ مِنْ مُتونٍ وشُروحٍ وفَتاوَى مُتفِقةٍ على بُطلانِ الِاستِئجارِ على الطَّاعاتِ، ومِنها التِّلاوةُ، كَما سَمِعتَ، إلَّا ما استَثْناه المُتأخِّرونَ لِلضَّرورةِ؛ كالتَّعليمِ والأذانِ والإمامةِ، ولا يَصحُّ إلحاقُ التِّلاوةِ المُجرَّدةِ بالتَّعليمِ؛ لِعَدَمِ الضَّرورةِ؛ إذْ لا ضَرورةَ داعيةٌ إلى الِاستِئجارِ عليها، بخِلافِ التَّعليمِ؛ لِمَا عندَ الزَّيلَعِيِّ وكَثيرٍ مِنْ الكُتُبِ، لَو لَم يَفتَحْ لَهم بابَ التَّعليمِ بالأجْرِ لَذَهَبَ القُرآنُ، فأفتَوْا بجَوازِه ورَأوْهُ حَسَنًا. اه. وَلا شَكَّ أنَّ المَنعَ مِنْ الِاستِئجارِ على التِّلاوةِ لِإهداءِ ثَوابِها إلى

стр. 5646

المُستَأجِرِ لَيسَ فيه ذَهابُ القُرآنِ؛ فلا يَصحُّ قياسُها على التَّعليمِ على أنَّ أصْلَ المَذهبِ المَنعُ مُطلَقًا؛ وإنَّما أفتَى المُتأخِّرونَ بالجَوازِ على التَّعليمِ بالضَّرورةِ المَذكورةِ التي لَو وَقَعَتْ في زَمنِ أبي حَنيفَةَ، وأصحابِه، لَأفتَوْا بذلك، فلِذلك أفتَى المُتأخِّرونَ بالجَوازِ، مُخالِفينَ لِلمَذهبِ الصَّريحِ، ولَو زالَتِ الضَّرورةُ بأنِ انتَظَمَ أمْرُ بَيتِ المالِ وأُعطِيَ المُعلِّمونَ ما كانَ لَهم فيه، لَم يَسَعْ أحَدًا مِنْ المُتأخِّرينَ أنْ يُخالِفوا المَذهَبَ؛ لِزَوالِ العِلَّة التي سَوَّغَتْ لَهمُ الخُروجَ عن أصْلِ المَذهبِ، فكَيفَ يَسوغُ لِأحَدٍ القولُ بجَوازِ الِاستِئجارِ على التِّلاوةِ المُجرَّدةِ التي لَم تَدْعُ ضَرورةٌ أصلًا إلى جَوازِ الِاستِئجارِ عليها، فقَد ظَهرَ لَكَ أنَّ ما نقلَه المُؤَلِّفُ عن صُرَّةِ الفَتاوَى عن الحاوي قَولٌ شاذٌّ مُخالِفٌ لِلمَنقولِ في المُتونِ والشُّروحِ والفَتاوَى، والحاوي لِلزَّاهِدِيِّ مَشهورٌ بنَقلِ الرِّواياتِ الضَّعيفةِ. وأمَّا قولُ صاحِبِ الجَوهَرةِ: إنَّ المُختارَ جَوازُ الِاستِئجارِ على تِلاوةِ القُرآنِ، فهو مُخالِفٌ لِكُتُبِ المَذهبِ، كَما عَلِمتَ، والظَّاهِرُ أنَّه سَبْقُ قَلَمٍ؛ لأنَّ الذي اختارَه المُتأخِّرونَ هو جَوازُ الِاستِئجارِ على تَعليمِ القُرآنِ، لا على تِلاوَتِه، فقَد سَبَقَ قَلَمُه مِنْ التَّعليمِ إلى التِّلاوةِ، وقَدِ اغتَر بكَلامِه كَثيرٌ مِنْ المُتأخِّرينَ؛ كَصاحِبِ البَحرِ والعَلائِيِّ وبَعضِ مُحْشِي الأشباهِ، وقَد أسمَعناكَ نُصوصَ المَذهبِ، فزالَ الِاشتِباهُ، وقَدْ ألَّفَ الإمامُ البِرْكَوِيُّ في هذه المَسألةِ أربَعَ رَسائِلَ صَرَّحَ فيها ببُطلانِ هذه الإجارةِ، وكَذا صَرَّحَ بذلك في آخِرِ كِتابِه «الطَّريقةُ المُحمَّديَّةُ».

стр. 5647

وَصَرَّحَ بأنَّ ذلك مِنْ البِدَعِ المُحرَّمةِ، وأفتَى ببُطلانِ ذلك أيضًا العَلامةُ عُمدةُ المُتأخِّرينَ الشَّيخُ خَيرُ الدِّينِ، في آخِرِ فَتاوَاه مِنْ كِتابِ الوَصايا (١). وذَهَبَ المالِكيَّةُ إلى كَراهةِ الإجارةِ على القِراءةِ بالتَّلحينِ، أي: بالتَّطريبِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنْ القِراءةِ التَّدَبُّرُ والتَّفَهُّمُ، والتَّطريبُ يُنافِي ذلك. قالَ الدَّرديرُ ﵀: (وَ) كُرِهَ (قِراءةٌ بِلَحْنٍ) أي: بتَطريبٍ بأنغامٍ، حيثُ لا يُخرِجُه عمَّا عليه القُرَّاءُ، وإلَّا حَرُمتْ؛ كقِراءَتِه بالشَّاذِّ، وقد تَقدَّمتِ المَسألةُ في سُجودِ التِّلاوةِ، والمُناسِبُ هنا كَراهةُ الإجارةِ على القِراءةِ (٢). وقالَ الدَّميريُّ ﵀ في «تَحبيرُ المُختصَرِ شَرحُ مُختصَرِ خَليلٍ»: (وقِراءةٌ بِلَحْنٍ)، أي: وكذا تُكرَهُ قِراءةُ القُرآنِ بالألحانِ، وقالَه في المُدوَّنَةِ، والألحانُ: التَّطريبُ، ونَصَّ في الرِّسالةِ على أنَّ ذلك لا يَحِلُّ، وما لا يَحِلُّ مَمنوعٌ (٣). وأمَّا الشَّافعيَّةُ فنَصُّوا على أنَّ الإجارةَ لِلتَّصَدِّي لِلقِراءةِ لا تَجوزُ، وأجازوا الإجارةَ لِلقِراءةِ على القَبرِ مدَّةً مَعلومةً أو قَدْرًا مَعلومًا. قالَ الدَّميريُّ ﵀ في «النَّجمُ الوَهَّاجُ»: وتَصحُّ الإجارةُ لِتَعليمِ القُرآنِ … والمُرادُ: إذا استَأجَرَه لِتَعليمِ سُورةٍ خاصَّةٍ، فلوِ استَأجَرَه لِلتَّصَدِّي لِلإقراءِ لَم يَجُزْ (٤).

стр. 5648

وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ وزَكَرِيا الأنصاريُّ: الإجارةُ لِلقِراءةِ على القَبرِ مدَّةً مَعلومةً أو قَدْرًا مَعلومًا جائِزةٌ؛ لِلِانتِفاعِ بنُزولِ الرَّحمةِ حَيثُ يُقرَأُ القُرآنَ؛ وكالِاستِئجارِ لِلأذانِ، وتَعليمِ القُرآنِ، ويَكونُ المَيِّتُ كالحَيِّ الحاضِرِ، سَواءٌ أعَقَبَ القِراءةَ بالدُّعاءِ، أو جعلَ أجْرَ قِراءَتِه لَه، أو لا، فتَعودُ مَنفَعةُ القِراءةِ إلى المَيِّتِ في ذلك، ولأنَّ الدُّعاءَ يَلحَقُه، وهو بَعدَها أقَرَبُ إجابةً، وأكثَرُ بَرَكةً، ولأنَّه إذا جعلَ أُجرةَ الحاصِلِ بقِراءَتِه لِلمَيِّتِ فهو دُعاءٌ بحُصولِ الأجْرِ لَه، ويَنتفِعُ به، فقولُ الشَّافِعيِّ: إنَّ القِراءةَ لا تَصلُ إليه؛ مَحمولٌ على غيرِ ذلك. بَلْ قالَ السُّبكيُّ تَبَعًا لِابنِ الرِّفعةِ: بعدَ حَمْلِه كَلامَهم على ما إذا نَوَى القارِئُ أنْ يَكونَ ثَوابُ قِراءَتِه لِلمَيِّتِ بغَيرِ دُعاءٍ، على أنَّ الذي دَلَّ عليه الخَبَرُ بالِاستِنباطِ أنَّ بَعضَ القُرآنِ إذا قُصِدَ به نَفْعُ المَيِّتِ نَفَعَه؛ إذْ قد ثبَتَ أنَّ القارِئَ لَمَّا قَصَدَ بقِراءَتِه نَفْعَ المَلدوغِ نَفَعَتْه، وأقَرَّ النَّبيُّ ﷺ ذلك بقَولِهِ: «وَما يُدريكَ أنَّها رُقيةٌ؟»، وإذا نَفَعَتِ الحَيَّ بالقَصدِ كانَ نَفْعُ المَيِّتِ بها أَوْلَى؛ لأنَّه يَقَعُ عنه مِنْ العِباداتِ بغَيرِ إذْنِه ما لا يَقَعُ عن الحَيِّ (١). وقالَ النَّوَويُّ ﵀ في «الرَّوضةِ»: فَرعٌ: عن القاضي حُسَينٍ في «الفَتَاوَى» أنَّ الِاستِئجارَ لِقِراءةِ القُرآنِ على رَأْسِ القَبرِ مدَّةً، جائِزٌ؛ كالِاستِئجارِ لِلأذانِ، وتَعليمِ القُرآنِ.

стр. 5649

واعلَمْ: أنَّ عَودَ المَنفَعةِ إلى المُستَأجِرِ شَرطٌ، فيَجِبُ عَودُها في هذه الإجارةِ إلى المُستَأجِرِ أو مَيِّتِه؛ فالمُستَأجِرُ لا يَنتفِعُ بقِراءةِ غَيرِه، ومَعلومٌ أنَّ المَيِّتَ لا يَلحَقُه ثَوابُ القِراءةِ المُجرَّدةِ، فالوَجْهُ تَنزيلُ الِاستِئجارِ على صُورةِ انتِفاعِ المَيِّتِ بالقِراءةِ. وذَكَروا له طَريقَتَيْنِ: إحداهُما: أنْ يُعقِبَ القِراءةَ الدُّعاءَ لِلمَيِّتِ، لأنَّ الدُّعاءَ يَلحَقُه، والدُّعاءُ بعدَ القِراءةِ أقرَبُ إجابةً، وأكثَرُ بَرَكةً. والأُخرى: ذكرَ الشَّيخُ عَبدُ الكَريمِ السَّالوسيُّ أنَّه إنْ نَوَى القارِئُ بقِراءَتِه أنْ يَكونَ ثَوابُها لِلمَيِّتِ لَم يَلحَقْه، وإنْ قَرَأَ ثم جعلَ ما حَصَلَ مِنْ الأجْرِ له فهذا دُعاءٌ بحُصولِ ذلك الأجْرِ لِلمَيِّتِ، ويَنفَعُ المَيِّتَ. قُلتُ: ظاهِرُ كَلامِ القاضي حُسَينٍ صِحَّةُ الإجارةِ مُطلَقًا، وهو المُختارُ؛ فإنَّ مَوضِعَ القِراءةِ مَوضِعُ بَرَكةٍ، وبِه تَنزِلُ الرَّحمةُ، وهذا مَقصودٌ يَنْفَعُ المَيِّتَ، واللَّهُ أعلمُ (١). وُصولُ ثَوابِ القِراءةِ لِلمَيِّتِ: وقالَ الإمامُ القَرافيُّ: الفَرقُ الثَّاني والسَّبعونَ بعدَ المِئةِ بينَ قاعِدةِ ما يَصِلُ ثَوابُه إلى المَيِّتِ، وبَينَ قاعِدةِ ما لا يَصِلُ ثَوابُه إلَيهِ: القُرُباتُ ثَلاثةُ أقسامٍ: قِسْمٌ حَجَرَ اللَّهُ تَعالى على عِبادِه في ثَوابِه، ولَم يَجعَلْ لَهم نَقْلَه لِغَيرِهِم؛

стр. 5650

كالإيمانِ، فلَو أرادَ أحَدٌ أنْ يَهَبَ قَريبَه الكافِرَ إيمانَه لِيَدخُلَ الجَنَّةَ دُونَه لَم يكُنْ له ذلك، بَلْ إنْ كَفَرَ الحَيُّ هَلَكَا معًا، أمَّا هِبةُ الثَّوابِ مع بَقاءِ الأصْلِ فلا سَبيلَ إلَيها، وقيلَ: الإجماعُ في الصَّلاةِ أيضًا، وقيلَ: لا إجماعَ فيها. وَقِسْمٌ اتَّفقَ النَّاسُ على أنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ في نَقْلِ ثَوابِه لِلمَيِّتِ، وهو القُرُباتُ المالِيَّةُ؛ كالصَّدَقةِ والعِتقِ. وَقِسْمٌ اختُلِفَ فيه، هَلْ فيه حَجَرٌ أو لا؟ وهو الصِّيامُ والحَجُّ وقِراءةُ القُرآنِ، فلا يَحصُلُ شَيءٌ مِنْ ذلك لِلمَيِّتِ عندَ مالِكٍ، والشافِعيِّ. وقالَ أبو حَنيفَةَ وأحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: يَصِلُ ثَوابُ القِراءةِ لِلمَيِّتِ. فَمالِكٌ والشافِعيُّ يَحتَجَّانِ بالقياسِ على الصَّلاةِ ونَحوِها ممَّا هو فِعلٌ بَدَنيٌّ، والأصْلُ في الأفعالِ البَدَنيَّةِ؛ ألَّا يَنوبَ أحَدٌ فيها عن الآخَرِ، ولِظاهِرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. ولِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ : «إذا ماتَ الإنْسَانُ انقَطَعَ عنه عَملُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَاريَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بهِ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له» (١). واحتَجَّ أبو حَنيفَةَ، وابنُ حَنبَلٍ بالقِياسِ على الدُّعاءِ؛ فإنا أجمَعْنا على أنَّ الدُّعاءَ يَصِلُ لِلمَيِّتِ؛ فكذلك القِراءةُ، والكلُّ عَملٌ بَدَنِيٌّ، ولِظاهِرِ قَولِه ﷺ لِلسَّائِلِ: «صَلِّ لَهُما مع صَلاتِكَ، وصُمْ لَهُما مع صَومِكَ» (٢) يَعني أبَوَيْه.

стр. 5651

والجَوابُ عن الأولِ: أنَّ القِياسَ على الدُّعاءِ لا يَستَقيمُ؛ فإنَّ الدُّعاءَ فيه أمرانِ: أحَدُهما: مُتعلِّقُه الذي هو مَدلولُه، نَحوَ المَغفِرةِ في قَولِهِم: اللَّهمْ اغفِرْ لَه، والآخَرُ ثَوابُه؛ فالأولُ هو الذي يُرجَى حُصولُه لِلمَيِّتِ، ولا يَحصُلُ إلَّا لَهُ؛ فإنَّه لَم يَدْعُ لِنَفْسِه، وإنَّما دَعا لِلمَيِّتِ بالمَغفِرةِ. والآخَرُ: وهو الثَّوابُ على الدُّعاءِ، فهو الدَّاعي فقَطْ، وليسَ لِلمَيِّتِ مِنْ الثَّوابِ على الدُّعاءِ شَيءٌ؛ فالقِياسُ على الدُّعاءِ غَلَطٌ وخُروجٌ مِنْ بابٍ إلى بابٍ، وأمَّا الحَديثُ فإمَّا أنْ نَجعَلَه خاصًّا بذلك الشَّخصِ، أو أنْ نُعارِضَه بما تَقدَّمَ مِنْ الأدِلَّةِ، ونَعُدُّها أنَّها على وَفقِ الأصلِ؛ فإنَّ الأصلَ عَدَمُ الِانتِقالِ. وَمِنَ الفُقهاءِ مَنْ يَقولُ: إذا قُرِئَ عندَ القَبرِ حَصَلَ لِلمَيِّتِ أجْرُ المُستَمِعِ، وهو لا يَصحُّ أيضًا؛ لِانعِقادِ الإجماعِ على أنَّ الثَّوابَ يَتبَعُ الأمْرَ والنَّهيَ، فما لا أمْرَ فيه ولا نَهْيَ لا ثَوابَ فيه، بدَليلِ المُباحاتِ وأربابِ الفَتَراتِ والمَوتَى، انقَطَعَ عَنهمُ الأوامِرُ والنَّواهي، وإذا لَم يَكونوا مَأْمورينَ لا يَكونُ لَهم ثَوابٌ، وإنْ كانوا مُستَمِعينَ، ألَا تَرى أنَّ البَهائِمَ تَسمَعُ أصواتَنا بالقِراءةِ ولا ثَوابَ لَها؛ لِعَدَمِ الأمْرِ لَها بالِاستِماعِ، فكذلك المَوتَى. والَّذي يُتَّجَه أنْ يُقالَ ولا يَقَعُ فيه خِلافٌ أنَّه يَحصُلُ لَهُمْ بَرَكةُ القِراءةِ، لا ثَوابُها، كَما تَحصُلُ لَهُمْ بَرَكةُ الرجُلِ الصَّالِحِ، يُدفَنُ عِندَهم أو يُدفَنونَ عِندَهُ؛ فإنَّ البَرَكةَ لا تَتوقَّفُ على الأمْرِ؛ فإنَّ البَهيمةَ يَحصُلُ لَها بَرَكةُ راكِبِها أو مُجاوِرِها، وأمْرُ البَرَكاتِ لا يُنكَرُ؛ فقَد كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ تَحصُلُ

стр. 5652

بَرَكَتُه لِلبَهائِمِ مِنْ الخَيلِ والحَميرِ وغَيرها، كَما رُوَيَ «أنَّه ضَرَبَ فرَسًا بسَوطٍ، فكَانَ لا يُسبَقُ بعدَ ذلك، بعدَ أنْ كانَ بَطيءَ الحَرَكةِ» (١)، وَحِمارُه ﷺ كانَ يَذهَبُ إلى بُيوتِ أصحابِه ﷺ يَستَدعيهم إليه بنَطحِ رَأْسِه البابَ، ورُوِيَ غيرُ ذلك مِنْ بَرَكاتِه ﷺ ، كَما هو مَروِيٌّ في مُعجِزاتِه وكَراماتِه ﷺ ، وهذه المَسألةُ وإنْ كانَتْ مُختَلفًا فيها يَنبَغي لِلإنسانِ ألَّا يُهمِلَها؛ فلَعَلَّ الحَقَّ هو الوُصولُ إلى المَوتَى؛ فإنَّ هذه أُمورٌ مُغَيَّبةٌ عَنَّا، وليسَ الخِلافُ في حُكمٍ شَرعيٍّ؛ إنَّما هو في أمرٍ واقِعٍ، هَلْ هو كذلك أو لا، وكذلك التَّهليلُ الذي يَعمَلُه النَّاسُ اليَومَ عادةً يَنبَغي أنْ يُعمَلَ ويُعتَمدَ في ذلك على فَضلِ اللَّهِ تَعالى، وما يُيَسِّرُه، ويُلتَمَسُ فَضلُ اللَّهِ بكلِّ سَبَبٍ مُمكِنٍ، ومِنَ اللَّهِ الجُودُ والإحسانُ، هذا هو اللَّائِقُ بالعَبدِ (٢). المَسألةُ الثَّالثةُ: أخْذُ الأُجرةِ على تَعليمِ العِلْمِ والفِقهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ جَوازِ أُخِذَ الأُجرةِ على تَعليمِ الفِقهِ، هَلْ يَجوزُ أو لا؟ عَلَى ثَلاثةِ أقوالٍ، كما يلي: الكَراهةُ، والمَنعُ، والجَوازُ. قالَ المالِكيةُ في المَشهورِ: تُكرَهُ الإجارةُ على تَعليمِ الفِقهِ ونَحوِه مِنْ العُلومِ؛ كالنَّحوِ والأُصولِ والفَرائِضِ؛ مَخافةَ أنْ يَقِلَّ طَلَبُ العِلمِ الشَّرعيِّ، والمَطلوبُ كَثرةُ طَلَبِه، ولأنَّ الإجارةَ على تَعليمِه خِلافُ ما عليه السَّلفُ الصَّالِحُ، بخِلافِ القُرآنِ؛ فإنَّه تَجوزُ الإجارةُ على تَعليمِه؛ لِرَغبةِ النَّاسِ في

стр. 5653

تَعلّمِه ولَو بأُجْرةٍ، والفَرقُ بينَ الفِقهِ وبَينَ تَعليمِ القُرآنِ أنَّ الفِقهَ فيه حَقٌّ وباطِلٌ، وأنَّ القُرآنَ حَقٌّ لا شَكَّ فيه، وأنَّ تَعليمَ الفِقهِ بأُجرةٍ لَيسَ عليه العَملُ، بخِلافِ تَعليمِ القُرآنِ، ولأنَّ العِلمَ لَو جازَتِ الإجارةُ عليه لَأدَّى لِضَياعِ الشَّريعةِ، مع أنَّ مَعرِفةَ أحكامِ الدِّينِ فَرضُ عَينٍ على كلِّ مُكَلَّفٍ، وليسَ في القُرآنِ فَرضُ عَينٍ سِوَى الفاتِحةِ، فلِذلك رُخِّصَ في أخْذِ الأُجرةِ فيه دونَ العِلمِ (١). وذَهَبَ الحَنفيَّةُ -المُتقَدِّمونَ، خِلافًا لِلمُتأَخِّرينَ- والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على تَعليمِ الفِقهِ والعِلمِ، قالَ الحَنفيَّةُ: لأنَّ كلَّ طاعةٍ يَختَصُّ بها المُسلِمُ، فالاستِئجارُ عليها باطِلٌ، ولأنَّ الاستِئجارَ على ذلك سَبَبٌ لِتَنفِيرِ النَّاسِ عن العِلمِ؛ لأنَّ ثِقلَ الأجْرِ يَمنَعُهم من ذلك،

стр. 5654

وإلى هذا أشارَ اللهُ جَلَّ شَأْنُه في قَولِه : ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾ [الطور: ٤٠] فيُؤدِّي إلى الرَّغبةِ عن هذه الطاعاتِ، وهذا لا يَجوزُ، وقالَ تَعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [يوسف: ١٠٤]، أي: على ما تُبَلِّغُ إليهم أجْرًا، وهو كان يُبَلِّغُ بنَفْسِه وبغَيرِه بقَولِه ﷺ : «ألَا فليُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ»، فكانَ كلُّ مُعَلِّمٍ مُبَلِّغًا، فإذا لَم يَجُزْ له أخْذُ الأجْرِ على ما يُبَلِّغُ بنَفْسِه؛ لِمَا قُلْنا، فكَذا لِمَنْ يُبَلِّغُ بأمْرِه؛ لأنَّ ذلك تَبليغٌ منه مَعنًى، ويَجوزُ الاستِئجارُ على تَعليمِ اللُّغةِ والأدَبِ؛ لأنَّه ليس بفَرضٍ ولا واجِبٍ (١). قالَ في «الجَوهَرة النَّيِّرة»: وأمَّا تَعليمُ الفِقهِ فلا يَجوزُ الاستِئجارُ عليه بالإجماعِ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ على الوَفاءِ به. ويَجوزُ على تَعليمِ اللُّغةِ، والأدَبِ بالإجماعِ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: يَحرُمُ، ولا تَصحُّ إجارةٌ على عَملٍ يَختَصُّ فاعِلُه أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القُربةِ، وهو المُسلِمُ، ولا يَقَعُ ذلك العَملُ إلَّا قُربةً لِفاعِلِه، كالحَجِّ، وتَعليمِ قُرآنٍ وفِقهٍ وحَديثٍ، وكَذا القَضاءُ، لأنَّ مِنْ شَرطِ هذه الأفعالِ كَونَها قُربةً للَّهِ ، فلَم يَجُزْ أخْذُ الأُجرةِ، كَما لَوِ استَأجَرَ قَومًا يُصَلُّونَ خَلفَه. وَيَصحُّ أخْذُ جَعالةٍ على ذلك، كَما يَجوزُ أخْذُه عليه بلا شَرطٍ، ولَه

стр. 5655

أخْذُ رِزقٍ على ما يَتعدَّى نَفْعُه؛ كالقَضاءِ والفُتَيا والأذانِ والإمامةِ وتَعليمِ القُرآنِ والفِقهِ والحَديثِ ونَحوِها، كَما يَجوزُ أخْذُ الوَقفِ على مَنْ يَقومُ بهذه المَصالِحِ المُتعَدِّي نَفعُها؛ لأنَّه لَيسَ بعِوَضٍ، بَلِ القَصدُ به الإعانةُ على الطَّاعةِ، ولا يُخرِجُه ذلك عن كَونِه قُربةً، ولا يَقدَحُ في الإخلاصِ؛ لأنَّه لَو قَدَحَ ما استُحِقَّتِ الغَنائِمُ، بخِلافِ الأجْرِ، فيُمتَنَعُ أخْذُه على ذلك. وَتَصحُّ الإجارةُ على تَعليمِ الخَطِّ والحِسابِ والشِّعرِ المُباحِ وشِبْهِهِ؛ لأنَّه تارةً يَقَعُ قُربةً، وتارةً يَقَعُ غيرَ قُربةٍ، فلَم يَمنَعْ الِاستِئجارَ لِفِعلِهِ، كَغَرسِ الأشجارِ وبِناءِ البُيوتِ، فإنْ نَسِيَ ما تَعلّمَه مِنْ شِعرٍ وحِسابٍ ونَحوِه في المَجلِسِ، أعادَ تَعليمَه؛ لأنَّه مُقتَضَى العُرفِ، وإنْ نَسِيَه بعدَ المَجلِسِ فلا يَلزَمُه إعادَتُه؛ لأنَّه لَيسَ مُقتَضَى العَقدِ (١). وذَهَبَ الشافِعيَّةُ (٢) والحَنابِلةُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ يُونُسَ مِنْ المالِكيةِ، وهو قولُ مُتأخِّري الحَنفيَّةِ إلى أنَّه يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على تَعلِيمِ العِلمِ، والحَديثِ، والفِقهِ. قالَ ابنُ قُدامةَ: وما لا يَختَصُّ فاعِلُه أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القُربةِ؛ كَتَعليمِ الخَطِّ والحِسابِ والشِّعرِ المُباحِ وأشباهِهِ، وبِناءِ المَساجِدِ والقَناطِرِ؛ جازَ

стр. 5656

أخْذُ الأجْرِ عليه؛ لأنَّه يَقَعُ تارةً قُربةً، وتارةً غيرَ قُربةٍ؛ فلَم يُمنَعْ مِنْ الِاستِئجارِ لِفِعلِهِ؛ كَغَرسِ الأشجارِ وبِناءِ البُيوتِ، وكذلك في تَعليمِ الفِقهِ والحَديثِ، وأمَّا ما لا يَتعدَّى نَفْعُه فاعِلَه مِنْ العِباداتِ المَحضةِ؛ كالصِّيامِ وصَلاةِ الإنسانِ لِنَفْسِه، وحَجِّه عن نَفْسِه، وأداءِ زَكاةِ نَفْسِه، فلا يَجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليها، بغَيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الأجْرَ عِوَضُ الِانتِفاعِ، ولَم يَحصُلْ لِغَيرِه ههُنا انتِفاعٌ، فأشبَهَ إجارةَ الأعيانِ التي لا نَفْعَ فيها (١). وقالَ في «الكافي»: فأمَّا الاستِئجارُ لِتَعليمِ الفِقهِ، والشِّعرِ المُباحِ فيَجوزُ؛ لأنَّ فاعِلَه لا يَختَصُّ أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القُربةِ، فجازَ؛ كبِناءِ المَساجِدِ (٢). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: ويَجوزُ أنْ يَأْخُذَ الأُجرةَ على تَعليمِ الفِقهِ والحَديثِ ونَحوِهما، إنْ كانَ مُحتاجًا، وهو وَجْهٌ في المَذهبِ (٣). قالَ الزَّيلَعيُّ ﵀: قالَ في «النِّهاية»: يُفتَى بجَوازِ الاستِئجارِ على تَعليمِ الفِقهِ أيضًا في زَمانِنا، ثم قالَ: وفي رَوضةِ الزَّنْدوستيِّ كان شَيخُنا أبو مُحمدٍ عَبدُ اللهِ الخَيْزَاخَزِيُّ يَقولُ: في زَمانِنا يَجوزُ لِلإمامِ والمُؤذِّنِ والمُعَلِّمِ أخْذُ الأجْرِ، قالَ: كذا في الذَّخيرةِ (٤). وقالَ الرَّمليُّ: ولا تَصحُّ -الإجارةُ- لِقَضاءٍ ولا تَدريسِ عِلمٍ، إلَّا إنْ عَيَّنَ

стр. 5657

المُتعلِّمَ وما يُعَلَّمُه، ومِثلُ ذلك الإعادةُ فيما يَظهَرُ، ويَنبَغي مَجيءُ مِثلِه في الاستِئجارِ لِلقَضاءِ، وكالتَّدريسِ الإقراءُ لِشَيءٍ مِنْ القُرآنِ، أو الأحاديثِ (١). وقالَ النَّوَويُّ ﵀ في «الرَّوضةُ»: أطلَقوا القَولَ ببُطلانِ الاستِئجارِ لِلتَّدريسِ. وعنِ الشَّيخِ أبي بَكرٍ الطُّوسيِّ تَرديدُ جَوابٍ في الاستِئجارِ؛ لِإعادةِ الدَّرسِ. قالَ الإمامُ: ولو عَيَّنَ شَخصًا أو جَماعةً لِيُعَلِّمهم مَسألةً أو مَسائلَ مَضبوطةً فهو جائِزٌ، والذي أطلَقوه مَحمولٌ على استِئجارِ مَنْ يَتصدَّى لِلتَّدريسِ مِنْ غيرِ تَعيينِ مَنْ يُعَلِّمُه، وما يُعَلِّمُه؛ لأنَّه كالجِهادِ في أنَّه إقامةُ مَفروضٍ على الكِفايةِ ثابِتٌ على الشُّيوعِ. وكذلك يُمتَنَعُ استِئجارُ مُقرِئٍ يُقرِئُ على هذه الصُّورةِ، قالَ: ويُحتَمَلُ أنْ يَجوزَ (٢). المَسألةُ الرابِعةُ: أخْذُ الأُجرةِ على الجِهادِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الاستِئجارِ على الجِهادِ، هل يَجوزُ أو لا؟ وهل يَجوزُ أخْذُ الجُعلِ عليه أو لا؟ فذَهَبَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على الجِهادِ؛ لأنَّ الأجيرَ إذا حَضَرَ الوَقعةَ تَعيَّنَ عليه الفِعلُ، فلَزِمَه ذلك.

стр. 5658

وأجازَ الحَنفيَّةُ أخْذَ الجُعلِ عليه؛ لأنَّ التَّجاعُلَ ليس باستِئجارٍ، بل إعانةٌ على السَّيرِ، وهو مَندوبٌ إليه، وجِهادٌ بالمالِ والنَّفْسِ جَميعًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١]، وقالَ -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]، وَأحوالُ النَّاسِ مُتفاوِتةٌ، فمِنهم مَنْ يَقدِرُ على إقامةِ الفَرضِ بهِما، ومِنهم مَنْ يَقدِرُ على إقامةِ الجِهادِ بالنَّفْسِ؛ لِصِحَّةِ بَدَنِه، ويَعجِزُ عن الخُروجِ؛ لِفَقرِه، وآخَرُ يَعجِزُ عن الخُروجِ والجِهادِ بالنَّفْسِ؛ لِمَرَضٍ أو آفةٍ، ويَقدِرُ على الجِهادِ بالمالِ، فيُجَهِّزُ بمالِه مَنْ يَخرُجُ فيُجاهِدُ بنَفْسِه، حتى يَكونَ الخارِجُ مُجاهِدًا بالنَّفْسِ، ويَكونَ القاعِدُ المُعطِي المالَ مُجاهِدًا بالمالِ، والمُؤمِنونَ كالبُنيانِ، يَشُدُّ بَعضُهم بَعضًا، ولِهَذا كَرِهَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵁ لِقابِضِ المالِ أنْ يَجعَلَ ذلك في مَتاعِ بَيتِه؛ لأنَّ المُعطِيَ أمَرَه بالجِهادِ به، وذلك في استِعدادِه لَه، والإنفاقِ في الطَّريقِ على نَفْسِه، وهو على وجهيْنِ: إنْ قالَ: هذا المالُ لَكَ؛ فاغْزُ به، فلَه أنْ يَصرِفَه إلى ما يَشاءُ؛ لأنَّه ملكَه المالَ، ثم أشارَ عليه بأنْ يَصرِفَه إلى الجِهادِ، فإنْ شاءَ قبلَ مَشورَتَه، وإنْ شاءَ لَم يَقبَلْ. وإنْ قالَ: اغْزُ بهذا المالِ، فليسَ له أنْ يَصرِفَه إلى مَتاعِ بَيتِه، بل يَشتَري به الكُراعَ والسِّلاحَ، ويُنفِقُ على نَفْسِه في طَريقِ الجِهادِ. وَلِلمَدفوعِ إليه أنْ يَترُكَ بَعضَ الجَعلِ لِنَفَقةِ عِيالِه على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه لا يَتهيَّأُ له الخُروجُ إلَّا بهَذا؛ فكانَ مِنْ أعمالِ الجِهادِ مَعنًى.

стр. 5659

وَإذا قالَ القاعِدُ لِلشَّاخِصِ: خُذْ هذا المالَ فاغْزُ بهِ؛ فإنَّه لَيسَ باستِئجارٍ على الجِهادِ، فأمَّا إذا قالَ: خُذْه لِتَغزُوَ به عَنِّي، فهذا استِئجارٌ على الجِهادِ، فلا يَجوزُ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: لا تَصحُّ إجارةُ مُسلِمٍ لِجِهادٍ، سَواءٌ استَأجَرَه الإمامُ أو غَيرُه على الأصَحِّ. قالَ الشافِعيُّ ﵀: «وَلا يَجوزُ أنْ يَغزوَ بجُعلٍ مِنْ مالِ رَجُلٍ، ويَرُدَّه إنْ غَزا به، وإنَّما أُجرَتُه مِنْ السُّلطانِ؛ لأنَّه يَغزو بشَيءٍ مِنْ حَقِّهِ». قالَ الماوَرديُّ ﵀: وهذا صَحيحٌ، لا يَجوزُ لِأحَدٍ أنْ يَغزوَ عن غَيرِه مِنْ أعيانِ النَّاسِ بجُعلٍ أو بغَيرِ جُعلٍ؛ لِثَلاثةِ أُمورٍ: أحَدُها: أنَّه إذا التَقى الزَّحفانِ تَعيَّنَ فَرضُ الثَّباتِ عليه، فلَم يَجُزْ أنْ يَنوبَ فيه عن غَيرِهِ؛ كالحَجِّ، لا يَجوزُ أنْ يَنوبَ فيه عن غَيرِه إذا كانَ عليه فَرضُه. والثَّاني: أنَّه يَدفَعُ إذا حَضَرَ الزَّحفَ عن نَفْسِه، ويَقصِدُ حَقنَ دَمِه، فلَم يَجُزْ أنْ يَدفَعَ عن نَفْسِه بعِوَضٍ على غَيرِه. والثَّالث: أنَّه يَملِكُ لِحُضورِ الوَقعةِ سَهمَه مِنْ الغَنيمةِ، ولَو صَحَّتِ الجَعالةُ لَملكَه صاحِبُها دُونَه. فَإنْ قيلَ: لَو حَجَّ عن نَفْسِه جازَ أنْ يَحُجَّ عن غَيرِه بجُعلٍ وبغَيرِ جُعلٍ، فهَلَّا جازَ إذا غَزا عن نَفْسِه أنْ يَغزوَ عن غَيرِه بجُعلٍ أو بغَيرِ جُعلٍ.

стр. 5660

قيلَ: لأنَّ فَرضَ الحَجِّ لا يَتكرَّرُ، صَحَّتْ فيه النِّيابةُ، ولَو تكَرَّرَ فَرضُ الحَجِّ في كلِّ عامٍ بأنْ قالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرَضِي فلِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أحُجَّ في كلِّ سَنةٍ، لَم تَصحَّ منه النِّيابةُ؛ لِبَقاءِ فَرضِه عليه، كالجِهادِ، فإذا صَحَّ فَسادُ النِّيابةِ في الجِهادِ، وجبَ على الغازي رَدُّ الجَعالةِ، وكانَتْ دَيْنًا عليه إنِ استَهلَكَها. فَأمَّا جَعالةُ السُّلطانِ إذا بذلَها لِلغُزاةِ، مِنْ بَيتِ المالِ، فجائِزٌ لِأمرَيْنِ: أحَدُهما: أنَّه بذلَها لِلجِهادِ عن الكافَّةِ دُونَه، ولَو بذلَها لِلنِّيابةِ عنه لَم تَصحَّ. والآخَرُ: أنَّه بذلَها لَهم مِنْ مالٍ هو مُستحَقٌّ لَهُم؛ لأنَّهم إنْ كانوا مِنْ مُرتَزَقةِ أهْلِ الفَيْءِ كانَ لَهم حَقٌّ في مالِ الفَيْءِ، وإنْ كانوا مِنْ مُتطوِّعةِ الأعرابِ وأهلِ الصَّدَقاتِ، كانَ لَهم حَقٌّ في سَهمِ سَبيلِ اللَّهِ مِنْ أموالِ الصَّدَقاتِ، ولِذلك إذا رَجَعوا عن الحَربِ لِمانِعٍ لَم يُستَرجَعْ مِنهم ما أخَذوه، لَحِقَهم فيه. وَلَكِنْ لا بَأْسَ أنْ يَبذُلَ الإنسانُ مالًا يَبَرُّ به الغازيَ والحاجَّ وفاعِلَ البِرِّ؛ مَعونةً لَه؛ لِيَكونَ لِلباذِلِ ثَوابُ بَذْلِه، ولِلعاملِ ثَوابُ عَملِه؛ لأنَّه يَنوبُ فيه عن نَفْسِه، لا عن باذِلِ المالِ (١). أمَّا الذِّميُّ فيَجوزُ لِلإمامِ استِئجارُه لذلك، على المَذهبِ، ولا يَصحُّ مِنْ غَيرِه استِئجارُه على الأصَحِّ (٢).

стр. 5661

أمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا استَأجَرَ الأميرُ قَومًا يَغزونَ مع المُسلِمينَ لِمَنافِعِهم، لَم يُسهِمْ لَهم، وأُعطُوا ما استُؤجِروا به، نَصَّ أحمَدُ على هذا في رِوايةِ جَماعةٍ، فقالَ في رِوايةِ عَبدِ اللَّهِ، وحَنبَلٍ: في الإمامِ يَستَأجِرُ قَومًا يَدخُلُ بهم بِلادَ العَدُوِّ، لا يُسهِمُ لَهُم، ويُوَفِّي لَهُمْ بما استُؤجِروا عليه، وقالَ القاضي: هذا مَحمولٌ على استِئجارِ مَنْ لا يَجِبُ عليه الجِهادُ؛ كالعَبيدِ والكُفَّارِ، أمَّا الرِّجالُ والمُسلِمونَ الأحرارُ فلا يَصحُّ استِئجارُهم على الجِهادِ؛ لأنَّ الغَزوَ يَتعيَّنُ بحُضورِه على مَنْ كانَ مِنْ أهلِه، فإذا تَعيَّنَ عليه الفَرضُ لَم يَجُزْ أنْ يَفعَلَه عن غَيرِه، كَمَنْ عليه حَجَّةُ الإسلامِ لا يَجوزُ أنْ يَحُجَّ عن غَيرِه، وهذا مَذهَبُ الشَّافِعيِّ. وَيُحتَمَلُ أنْ يُحمَلَ كَلامُ أحمدَ، والخِرَقِيِّ على ظاهِرِه في صِحَّةِ الِاستِئجارِ على الغَزْوِ لِمَنْ لَم يَتعيَّنْ عليه؛ لِمَا رَوَى أبو داوُدَ بإسنادِه عن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لِلْغَازِي أجْرُهُ، وَللْجَاعِلِ أجْرُهُ، وأَجْرُ الغَازي» (١). وَروَى سَعيدُ بنُ مَنصورٍ عن جُبَيرِ بنِ نُفَيرٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الذين يَغزونَ مِنْ أُمَّتي ويَأخُذونَ الجُعلَ ويَتَقوَّوْنَ به على عَدُوِّهم، مَثَلُ أُمِّ موسَى تُرضِعُ وَلَدَها وتَأخُذُ أجْرَها»، ولأنَّه أمْرٌ لا يَختَصُّ فاعِلُه أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القُربةِ، فَصَحَّ الِاستِئجارُ عليه؛ كَبِناءِ المَساجِدِ، أو لَم يَتعيَّنْ عليه الجِهادُ، فصَحَّ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه عليه، كالعَبدِ، ويُفارِقُ الحَجَّ؛ حَيثُ إنَّه لَيسَ بفَرضِ عَينٍ، وأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلَيه، وفي

стр. 5662

المَنعِ مِنْ أخْذِ الجُعلِ عليه تَعطيلٌ لَه، ومَنعٌ له ممَّا فيه لِلمُسلِمينَ نَفْعٌ، وبِهم إليه حاجةٌ، فيَنبَغي أنْ يَجوزَ، بخِلافِ الحَجِّ. إذا ثبَتَ هذا فإنْ قُلْنا بالأولِ فالإجارةُ فاسِدةٌ، وعليه الأُجرةُ برَدِّها، ولَه سَهمُه؛ لأنَّ غَزْوَهُ بغَيرِ أُجرةٍ. وإنْ قُلْنا: بصِحَّتِه فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، والخِرَقِيِّ -رحمهما الله- أنَّه لا سَهمَ لَه؛ لأنَّ غَزْوَهُ بَعِوضٍ، فكَأنَّه واقِعٌ مِنْ غَيرِه، فلا يَستَحقُّ شَيئًا. وقد رَوَى أبو داوُدَ بإسنادِه عن يَعلَى بنِ مُنَبِّهٍ قالَ: آذَنَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بالغَزْوِ وأنا شَيْخٌ كَبيرٌ، ليس لي خَادِمٌ، فالتَمَسْتُ أَجيرًا يَكْفينِي وَأجْرِي له سَهْمُهُ، فوَجَدْتُ رَجُلًا، فلَمَّا دَنَا الرَّحيلُ أَتَاني فقالَ: ما أَدْرِي ما السُّهْمانُ، وما يَبْلُغُ سَهْمي، فسَمِّ لي شَيئًا، كانَ السَّهْمُ أو لم يكُنْ. فسَمَّيْتُ له ثلَاثَةَ دَنَانيرَ، فلَمَّا حَضَرَتْ غَنيمَتُهُ أرَدْتُ أنْ أُجْرِيَ له سَهْمَهُ، فذَكَرْتُ الدَّنَانيرَ، فَجِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ فذَكَرْتُ له أمْرَهُ، فقالَ: «مَا أَجِدُ له في غَزْوَتِه هذه في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ إلا دنَانِيرَهُ التي سَمَّى» (١). وَيُحتَمَلُ أنْ يُسهَمَ لَه، وهو اختِيارُ الخَلَّالِ، قالَ: رَوَى جَماعةٌ عن أحمدَ أنَّ لِلأجيرِ السَّهمَ إذا قاتَلَ، ورَوَى عنه جَماعةٌ أنَّ كلَّ مَنْ شَهِدَ القِتالَ له السَّهمُ: قالَ: وهذا الذي اعتُمِدَ عليه مِنْ قَولِ أبي عَبدِ اللَّهِ. وَوَجْهُ ذلك ما تَقدَّمَ مِنْ حَديثِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ، وحَديثِ جُبَيرِ بنِ

стр. 5663

نُفَيرٍ، وقَولِ عُمرَ ﵁: «الغَنيمةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقعةَ» (١)، وَلأنَّه حاضِرٌ لِلوَقعةِ مِنْ أهلِ القِتالِ، فيُسهَمُ لَه، كَغَيرِ الأجيرِ، فأمَّا الذين يُعطَوْنَ مِنْ حَقِّهم مِنْ الفَيْءِ فلَهُم سِهامُهم؛ لأنَّ ذلك حَقٌّ، جعلَه اللَّهُ لَهُم؛ لِيَغزُوا، لا أنَّه عِوَضٌ عن جِهادِهم، بَلْ نَفْعُ جِهادِهم لَهُم، لا لِغَيرِهم، وكذلك مَنْ يُعطَوْنَ مِنْ الصَّدَقاتِ وهُمُ الذين إذا نَشِطوا لِلغَزْوِ أُعطُوا؛ فإنَّهم يُعطَوْنَ مَعونةً لَهم، لا عِوَضًا، ولِذلك إذا دُفِعَ إلى الغُزاةِ يَتقوَّوْنَ به، ويَستَعينونَ به، كانَ له فيه الثَّوابُ، ولَم يكُنْ عِوَضًا، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا كَانَ له مِثْلُ أَجْرِه» (٢). وقالَ الزَّركَشيُّ ﵀: مَحَلُّ الخِلافِ فيمَن استُؤجِرَ لِلجِهادِ، أمَّا الغُزاةُ الذين يُدفَعُ إليهم مِنْ الفَيْءِ فلَهُمُ السَّهمُ؛ لأنَّ ذلك حَقٌّ جعلَه اللهُ لَهُمْ لِيَغزُوا، لا أنَّه عِوضٌ عن الجِهادِ، وكذلك مَنْ يُعطَى مِنْ الصَّدَقاتِ، وكذلك لو دفعَ دافِعٌ إلى الغُزاةِ ما يَتقوَّوْنَ به، كانَ له أجْرُه، ولَم يكُنْ عِوَضًا (٣). وقالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ الجُعلُ مِنْ شَخصٍ قاعِدٍ عن الجِهادِ لِمَنْ يَخرُجُ

стр. 5664

لِلجِهادِ نائِبًا عنه، إنْ كانا بدِيوانٍ واحِدٍ، فلَو عَيَّنَ أميرُ المُؤمِنينَ طائِفةً لِلجِهادِ في سَبيلِ اللَّهِ، فأرادَ أحَدُهم أنْ يَجعَلَ لِمَنْ يَخرُجُ عنه جُعلًا، فإنَّ ذلك جائِزٌ، إنْ كانَ الجاعِلُ والخارِجُ بدِيوانٍ واحِدٍ، ومَفهومُه المَنْعُ إنْ لَم يَكونا بدِيوانٍ واحِدٍ، وإنْ وقعَ ونَزَلَ يَنبَغي أنْ يَكونَ السَّهمُ لِلخارِجِ ويُرَدَّ الجُعلُ. في التَّوضيحِ قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀ في «المُدوَّنةُ»: لأنَّ عليهم سَدَّ الثُّغورِ، ورُبَّما خَرجَ لَهم، ورُبَّما لَم يَخرُجْ، ولا يُعجِبُني أنْ يَجعَلَ لِمَنْ لَيسَ مَعَهم في دِيوانٍ لِيَغزُوَ عَنه، وقَد كَرِهَ مالِكٌ لِمَنْ في السَّبيلِ إجارةَ فَرَسِه لِمَنْ يُرابِطُ عليه أو يَغزُو عليه؛ فهذا إذا أجَّرَ نَفْسَه أشَدُّ كَراهةً، وكَأنَّ مالِكًا ﵀ أشارَ إلى أنَّ الأصلَ مَنعُ هذه الإجارةِ؛ لِلجَهلِ، وأُجيزَتْ إذا كانا بدِيوانٍ واحِدٍ؛ لأنَّ على كلِّ واحِدٍ مِنهما ما على الآخَرِ، فليسَ إجارةً حَقيقيَّةً. اه. قالَ عِليش ﵀ في «مِنَحُ الجَليلِ»: ويُشترَطُ أيضًا كَونُ الخُروجِ المُجاعَلِ عليه مَرَّةً واحِدةً؛ احتِرازًا عن الِاتِّفاقِ معه على أنَّه متى وجبَ عليه الخُروجُ خَرجَ نائِبًا عنه؛ فلا يَجوزُ؛ لِقُوَّةِ الغُرورِ، وألَّا يُعَيِّنَ الإمامُ الجاعِلَ بشَخصِه، بأنْ عَيَّنَه بوَصْفِه، بأنْ قالَ: أصحابُ فُلانٍ، أو أهلُ النَّوْبَةِ الصَّيفيَّةِ أوِ الشِّتويَّةِ مثلًا، وهو مِنهم، فلَه الِاستِنابةُ؛ فإنْ عَيَّنَه بشَخصِه، كَزَيدٍ، فظاهِرُ المُدوَّنةِ جَوازُها. وقالَ التُّونِسيُّ: إنَّما تَجوزُ بإذْنِ الإمامِ، وجُندُ مِصرَ أهلُ دِيوانٍ واحِدٍ، وجُندُ الشَّامِ أهلُ دِيوانٍ آخَرَ واحِدٍ، فلا يَنوبُ مِصريٌّ عن شاميٍّ، ولا يَجوزُ

стр. 5665

عَكسُه، وأنْ تَكونَ النِّيابةُ إذا خافَ الخُروجَ، وسَهْمُ الغَنيمةِ لِلقاعِدِ، لا لِلخارِجِ. قالَ الصَّقَلِّيُّ: بذا أفتَى بَعضُ شُيوخِنا عن بَعضِ القَرَويِّينَ، وابنُ عَرفةَ: الأظهَرُ أنَّه بَينَهما. وَيُندَبُ لِلخارِجِ ألَّا يَنويَ بغَزوِه الجُعلَ؛ فهو مَكروهٌ، قالَه أبو الحَسَنِ، قالَ: وبِقَولِه فيها: لأنَّ عليهم سَدَّ الثُّغورِ، دفعَ إيهامَيْنِ: أحَدُهما: أنَّ هذه مُعاوَضةٌ على الجِهادِ، فكَيفَ تَجوزُ؟ فأبطَلَ هذا بقَولِهِ: لأنَّ عليهم سَدَّ الثُّغورِ؛ فكلُّ واحِدٍ مِنهما يَسُدُّ مَسَدَّ الآخَرِ؛ كالإمامِ، إذا أحدَثَ، فإنَّما يَستَخلِفُ مَنْ معه في الصَّلاةِ. والآخَرُ: أنْ يُقالَ: كَيفَ جازَ الجُعلُ في البُعوثِ وهو غَرَرٌ؛ إذْ لا يَدري هَلْ يُخرَجُ له العَطاءُ أو لا؟ وإذا خَرجَ هَلْ يَقِلُّ أو يَكثُرُ؛ فأَبطَلَ هذا بقَولِه: قالَ مالِكٌ: رُبَّما خَرجَ العَطاءُ، ورُبَّما لَم يَخرُجْ، مَعناهُ أنَّ العَطاءَ الذي يَخرُجُ غيرُ مُعتَبَرٍ؛ فالمُعوَّلُ عليه حَقيقةً هو ما أعطاه القاعِدُ لِلخارِجِ؛ فإنْ كانَ العَطاءُ المَكتوبُ غيرَ مُعتَبَرٍ، وهو تَبَعٌ، فلا غَرَرَ ا. هـ (١). المَسألةُ الخامِسةُ: أخْذُ الأُجرةِ على الحَجِّ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الِاستِئجارِ عن الحَجِّ، هَلْ يَجوزُ لِلرجُلِ أنْ يَستَأجِرَ مَنْ يَحُجُّ عنه أو لا؟ فذهبَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ الِاستِئجارُ على

стр. 5666

الحَجِّ؛ فإنِ استَأجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا لِيَحُجَّ عنه، أو عن مَيِّتٍ، لَم يَصحَّ؛ لأنَّ الحَجَّ مِنْ عِباداتِ الأبدانِ، فوجبَ ألَّا تَصحَّ النِّيابةُ فيهِ؛ كالصَّلاةِ والصِّيامِ، ولأنَّها عِبادةٌ يَتعيَّنُ عليه فِعلُها بالدُّخولِ فيها، فوجبَ ألَّا تَصحَّ الإجارةُ عليها، ولا النِّيابةُ فيها، كالجِهادِ. وَلأنَّ الحَجَّ قُربةٌ إلى اللَّهِ، ولا يَصحُّ أنْ يَعمَلَه غيرُ المُتقَرِّبِ به، وبِالإجماعِ على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُستَأجَرَ الذِّميُّ لِيَحُجَّ عن مُسلِمٍ، وذلك لأنَّه قُربةٌ لِلمُسلِمِ. قالَ الحَنفيَّةُ: والأصْلُ فيه أنَّ كلَّ شَيءٍ جازَ أنْ يُستَأجَرَ الكافِرُ عليه، جازَ أنْ يُستَأجَرَ عليه المُسلِمُ، وما لا فلا. فكلُّ طاعةٍ يَختَصُّ بها المُسلِمُ؛ فالِاستِئجارُ عليها باطِلٌ. وَإذا ثبَتَ أنَّ الِاستِئجارَ على الحَجِّ لا يَجوزُ؛ قُلْنا: العَقدُ الذي لا جَوازَ له بحالٍ يَكونُ وُجودُه كَعَدَمِه، وإذا سقطَ اعتِبارُ العَقدِ بَقيَ أمرُه بالحَجِّ؛ ويَكونُ له نَفَقةُ مِثلِه في مالِه، فلَوِ استُؤجِرَ على الحَجِّ ودُفِعَ إليه الأجْرُ فحَجَّ عن المَيِّتِ؛ فإنَّه يَجوزُ عن المَيِّتِ في الأصَحِّ -خِلافًا لِصاحِبِ الدُّر المُختار-، ولَه مِنْ الأجْرِ مِقدارُ نَفَقةِ الطَّريقِ في الذَّهابِ والمَجيءِ، ويُرَدُّ الفَضلُ على الوَرثةِ؛ لأنَّه لا يَجوزُ الِاستِئجارُ عليه، ولا يَحِلُّ له أنْ يَأخُذَ الفَضلَ لِنَفْسِه، إلَّا إذا تَبرَّعَ الوَرثةُ به، وهُم مِنْ أهلِ التَّبرُّعِ، أو أوصَى المَيِّتُ بأنَّ الفَضلَ لِلحاجِّ (١).

стр. 5667

وَذَهَبَ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِلإنسانِ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه في الحَجِّ، مع الكَراهةِ عندَ المالِكيَّةِ؛ لأنَّ كلَّ عَملٍ جازَ أنْ يَتطوَّعَ به الآخَرُ عن الآخَرِ جازَ أنْ تَصحَّ فيه النِّيابةُ، ويَصحُّ عليه عَقدُ الإجارةِ؛ كَبِناءِ المَساجِدِ، وكَتْبِ المَصاحِفِ، وهو قُربةٌ إلى اللَّهِ ، فكذلك عَملُ الحَجِّ عن الآخَرينَ. والصَّدَقاتُ قُربةٌ إلى اللَّهِ ، وقَد أباحَ لِلعاملِ عليها الأجْرَ على عِمالَتِه. وقالَ الشافِعيَّةُ: ضابِطُ ما يَجوزُ الِاستِئجارُ عليه: أنَّ كلَّ ما تَدخُلُه النِّيابةُ مِنْ العِبادةِ يَجوزُ الِاستِئجارُ عليه، وما لا فلا (١). قالَ المالِكيَّةُ: تُكرَهُ إجارةُ الإنسانِ نَفْسَه في عَملٍ لِلَّهِ تَعالى، حَجٍّ أو غَيرِه، كَقِراءةٍ وإمامةٍ وتَعليمِ عِلْمِ، وصِحَّتُه مع الكَراهةِ. كَما تُكرَهُ الإجارةُ على الأذانِ، قالَ مالِكٌ: لَأنْ يُؤاجِرَ الرجُلُ نَفْسَه في عَملِ اللَّبنِ وقَطعِ الحَطَبِ وسَوْقِ الإبِلِ، أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ يَعمَلَ عَملًا لِلَّهِ بأُجرةٍ، وهذه دارُ الهِجرةِ لَم يَبلُغْنا أنَّ أحَدًا مُنذُ زَمانِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّ عن

стр. 5668

أحَدٍ، ولا أذِنَ فيه، والشَّاذُّ جَوازُه. وكَأنَّه رَأى أنَّ ذلك مِنْ التَّعاوُنِ على الطَّاعةِ، وعَلَى كِلَا القوليْنِ تَلزَمُه إنْ وَقَعَتْ؛ مُراعاةً لِلخِلافِ، وأفهَمُ جَوازَه لِلعاجِزِ، وهو كذلك (١). المَسألةُ السادِسةُ: أخْذُ الأُجرةِ على الأذانِ والإقامةِ: اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ أخْذِ الأُجرةِ على الأذانِ والإقامةِ، هل يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ عليها أو لا؟ على قوليْنِ: فذَهَبَ مُتقدِّمو الحَنفيَّةِ -أبو حَنيفَةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ- والشافِعيَّةُ في قَولٍ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ (والظَّاهِرِيَّةُ) إلى أنَّه لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على الأذانِ؛ لِحَديثِ عُثمانَ بْنِ أَبِي العَاصِ ﵁: قُلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اجعَلْنِي إمَامَ قَوْمي. فقالَ: «أنتَ إمَامُهُم، واقْتَدِ بأَضْعَفِهِمْ، واتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لا يَأْخُذُ على أَذَانهِ أجْرًا» (٢). فَلَو كانَ أخْذُ الأجْرِ على الأذانِ جائِزًا لَمَا مَنَعَه أنْ يَتَّخِذَ مَنْ يَأخُذُ عليه أجْرًا، ولأنَّه قُربةٌ لِفاعِلِه لا يَصحُّ إلَّا مِنْ مُسلِمٍ، فلَم يَستَأجِرْه عليه، كالإمامةِ. قالَ الحَنفيَّةُ: والأصْلُ فيه أنَّ كلَّ شَيءٍ جازَ أنْ يُستَأجَرَ الكافِرُ عليه جازَ أنْ يُستَأجَرَ عليه المُسلِمُ، وما لا فلا. فكلُّ طاعةٍ يَختَصُّ بها المُسلِمُ فالِاستِئجارُ عليها باطِلٌ.

стр. 5669

وَذَهَبَ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ -في الأصَحِّ- وأحمَدُ -في رِوايةٍ- ومُتأخِّرو الحَنفيَّةِ -وعليه الفَتوَى- إلى أنَّه يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على الأذانِ؛ لأنَّه عَملٌ مَعلومٌ، يَجوزُ أخْذُ الرِّزقِ عليه، فجازَ أخْذُ الأُجرةِ عليه، كَسائِرِ الأعمالِ، وسَواءٌ كانَتِ الأُجرةُ مِنْ بَيتِ المالِ، كَما فعلَ عُمرُ ﵁، أو مِنْ آحادِ النَّاسِ على المَشهورِ عندَ المالِكيَّةِ، ومَنَعَها ابنُ حَبيبٍ مِنْ آحادِ النَّاسِ على الأذانِ. قالَ القُرطُبيُّ ﵀: وقَدِ استَدَلَّ عُلماؤُنا على أخْذِ الأُجرةِ بحَديثِ أبي مَحذورةَ، وفيه نَظَرٌ، أخرَجَه النَّسائيُّ وابنُ ماجَه وغَيرُهُما، قالَ: خَرَجْتُ في نَفَرٍ، فَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ عندَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمِعْنَا صَوْتَ المُؤَذِّنِ وَنَحْنُ عنه مُتنَكِّبُونَ، فَصَرَخْنَا نَحْكِيهِ، نَهْزَأُ بِهِ، فَسَمِعَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا قَوْمًا فَأَقْعَدُونَا بينَ يَدَيْهِ، فقالَ: أَيُّكُمُ الذي سَمِعتُ صَوْتَهُ قدِ ارْتَفَعَ؟ فَأَشَارَ إلَيَّ القَوْمُ كلُّهم، وَصَدَقُوا، فَأَرْسَلَ كلَّهُم وَحَبَسَنِي، وقالَ لي: قُمْ فَأَذِّنْ. فَقُمْتُ ولا شَيْءَ أَكْرَهُ إلَيَّ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولا ممَّا يَأْمُرُنِي بِهِ، فَقُمْتُ بينَ يَدَيْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فَالقَى عَلَيَّ رَسولُ اللَّهِ ﷺ التَّأْذِينَ هو بِنَفْسِهِ، فقالَ: قُلِ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ. ثم قالَ لي: ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ

стр. 5670

اللَّهِ، حَيَّ على الصَّلَاةِ، حَيَّ على الصَّلَاةِ، حَيَّ على الفَلَاحِ، حَيَّ على الفَلَاحِ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ. ثم دَعَانِي حينَ قَضَيْتُ التَّأْذِينَ، فَأَعْطَانِي صُرَّةً فيها شَيْءٌ مِنْ فِضَّةٍ، ثم وَضَعَ يَدَهُ على نَاصِيَةِ أبي مَحْذُورَةَ، ثم أَمَرَّهَا على وَجْهِهِ، ثم على ثَدْيَيْهِ، ثم على كَبِدِهِ، ثم بَلَغَتْ يَد رَسولِ اللَّهِ ﷺ سُرَّةَ أبي مَحْذُورَةَ، ثم قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : بَارَكَ اللهُ لكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ. فقُلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَرْتَنِي بِالتَّأْذِينِ بِمَكَّةَ. قالَ: نَعَمْ، قد أَمَرْتُكَ. فذهبَ كلُّ شَيْءٍ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَرَاهِيَةٍ، وَعَادَ ذلك كلُّهُ مَحَبَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَدِمْتُ على عَتَّابِ بنِ أُسَيدٍ عَامِلِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَأَذَّنْتُ معه بِالصَّلَاةِ عن أَمْرِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ » (١) لَفظُ ابنِ ماجَه (٢). ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ على جَوازِ أخْذِ الرِّزقِ عليه؛ لأنَّ بالمُسلِمينَ حاجةً إليه، وقد لا يُوجَدُ مُتطوِّعٌ به، وإنْ لَم يُدفَعِ الرِّزقُ فيه يُعَطَّلْ، والإمامُ يَرزُقُه مِنْ الفَيْءِ؛ لأنَّه المُعَدُّ لِلمَصالِحِ، فهو كأرزاقِ القُضاةِ والغُزاةِ وإنْ وُجِدَ مُتطوِّعٌ به لَم يُرزَقْ غَيرُه؛ لِعَدَمِ الحاجةِ إليه (٣).

стр. 5671

المَسألةُ السَّابِعةُ: أخْذُ الأُجرةِ على الإمامةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أخْذِ الأُجرةِ على الإمامةِ في الصَّلاةِ هَلْ تَجوزُ أو لا؟ فذهبَ مُتقدِّمو الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ في الأصَحِّ، ومُتقدِّمو الحَنابِلةِ في المَذهبِ، وابنُ حَبيبٍ مِنْ المالِكيَّةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على الإمامةِ في الصَّلاةِ المَفروضةِ، وكَذا النَّافِلةُ؛ كالتَّراويحِ في الأصَحِّ؛ لأنَّه مُصَلٍّ لِنَفْسِه، ومتى صَلَّى اقتَدَى به مَنْ أرادَ، وإنْ لَم يَنْوِ الإمامةَ، وإنْ تَوَقَّفَ على نِيَته شَيءٌ، فهو إحرازُ فَضيلةِ الجَماعةِ، وهذه فائِدةٌ تَختَصُّ به، لا تَحصُلُ لِلمُستَأجِرِ. قالَ الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: الِاستِئجارُ لِإمامةِ الصَّلَواتِ المَفروضةِ باطِلٌ، وكَذا لِلتَّراويحِ وسائِرِ النَّوافِلِ على الأصَحِّ؛ لأنَّه مُصَلٍّ لِنَفْسِه، ومتى صَلَّى اقتَدَى به مَنْ أرادَ، وإنْ لَم يَنْوِ الإمامةَ، وإنْ تَوَقَّفَ على نِيَته شَيءٌ فهو إحرازُ فَضيلةِ الجَماعةِ، وهذه فائِدةٌ تَختَصُّ به، ومَن جَوَّزَه شَبَّهَهُ بالأذانِ في الشِّعارِ (١).

стр. 5672

وَذَهَبَ المالِكيَّةُ في المَشهورِ ومُتأخِّرو الحَنفيَّةِ، وعليه الفَتوَى عِندَهم، والشافِعيَّةُ في قَولٍ، والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على الإمامةِ؛ لِتَأدِّي الشِّعارِ بهِ؛ كالأذانِ. رَوَى أشهَبُ عن مالِكٍ أنَّه سُئِلَ عن الصَّلاةِ خَلفَ مَنْ يُستَأجَرُ في رَمَضانَ يَقومُ بالنَّاسِ، فقالَ: أرجُو ألَّا يَكونَ به بَأْسٌ، وإنْ كانَ به بَأْسٌ فعليه، لا عَلَى مَنْ صَلَّى خَلفَه، ورَوَى عنه ابنُ القاسِمِ أنَّه كَرِهَه، قالَ: وهو أشَدُّ كَراهةً له في الفَريضةِ. قالَ المالِكيَّةُ: يُكرَهُ أخْذُ الأُجرةِ على الصَّلاةِ، أي: إمامَتُها مُفرَدةً فَرضًا أو نَفلًا، وهو في المَكتوبةِ أشَدُّ كَراهيةً، وإنْ وَقَعَتْ صَحَّتْ وحُكِمَ بها؛ كالإجارةِ على الحَجِّ، وتَجوزُ الصَّلاةُ خَلفَ مَنْ يَأخُذُ الأُجرةَ مِنْ غيرِ كَراهةٍ، لأنَّ الإجارةَ لَيسَتْ عليه حَرامًا، فتَكونَ جُرحةً فيه، تَقدَحُ في إمامَتِه، وإنَّما هي له مَكروهةٌ، فتَرْكُها أفضَلُ. ولا تُكرَه إمامةُ مَنْ فعلَ ما تَرْكُه أفضَلُ، كَما لا تُكرَه إمامةُ مَنْ تَركَ ما فِعْلُه أفضَلُ مِنْ النَّوافِلِ. وَمَحَلُّ الكَراهةِ إذا كانَتِ الأُجرةُ تُؤخَذُ مِنْ المُصَلِّينِ وأمَّا إذا أُخِذَتْ مِنْ بَيتِ المالِ، أو مِنْ وَقْفِ المَسجِدِ فلا كَراهةَ؛ لأنَّه مِنْ بابِ الإعانةِ، لا مِنْ بابِ الإجارةِ (١). أمَّا أخْذُ الرِّزقِ عَلَى الإمامةِ فمُجمَعٌ على جَوازِه.

стр. 5673

قالَ القَرافيُّ ﵀: وتَناوُلُ الأرزاقِ على الإمامةِ مُجمَعٌ على جَوازِهِ؛ لأنَّها مِنْ بابِ المَعروفِ، لا مِنْ بابِ الإجارةِ كَما ظَنَّه كَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ، فقالَ: إنَّما يَجوزُ تَناوُلُ الرِّزقِ على الإمامةِ في الصَّلاةِ بِناءً على القَولِ بجَوازِ الإجارةِ عليها، وتَوَرعَ عن تَناوُلِه بِناءً على الخِلافِ في جَوازِ الإجارةِ عليها، ولَم يُفهَمْ أنَّ جَوازَ الأرزاقِ عليها كَجَوازِ الوَقْفِ عليها بدُونِ أدْنَى خِلافٍ؛ إذِ الرِّزقُ لَيسَ بمُعاوَضةٍ ألبتَّةَ، وكَيفَ يَكونُ كذلك، وقَد أجازوا تَناوُلَه في أضيَقِ المَواضِعِ التي تُمتَنَعُ فيها المُعاوَضةُ قَطعًا، وهي القَضاءُ والحُكمُ بينَ النَّاسِ، فحينئذٍ لا وَرعَ في تَناوُلِ الأرزاقِ على الإمامةِ مِنْ هذا الوَجْهِ (١). المَسألةُ الثامِنةُ: أخْذُ الأُجرةِ على تَغسيلِ المَوْتَى وتَكفينِهم وحَملِهم: اختَلفَ العُلماءُ هل يَجوزُ الاستِئجارُ على غُسلِ المَيِّتِ وتَكفينِه وحَملِه أو لا يَجوزُ؟ فذَهَبَ الحَنفيَّةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ الاستِئجارُ على غُسلِ المَيِّتِ؛ لأنَّه واجِبٌ، وقيلَ: يَجوزُ. ويَجوزُ على دَفْنِ المَيِّتِ.

стр. 5674

وأمَّا على حَملِ الجِنازةِ؛ فالمَذهَبُ أنَّه جائِزٌ على الإطلاقِ، وقيلَ: إنَّه إنْ كانَ يُوجَدُ غَيرُهم يَجوزُ؛ وإنْ كان لا يُوجَدُ غَيرُهم لا يَجوزُ؛ لأنَّ الحَملَ عليهم حينئذٍ واجِبٌ (١). وذَهَبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّه يَجوزُ الاستِئجارُ على غُسلِ المَيِّتِ وحَملِه ودَفْنِه، ما لم يَتعيَّنْ عليه؛ فإنْ تَعيَّنَ عليه؛ لِعَدَمِ وُجودِ غَيرِه، أو لِعَدَمِ قَبولِه، فحينئذٍ لا تَجوزُ الإجارةُ عليه، وهذا أصْلٌ عِندَهم في فُروضِ الكِفاياتِ، أنَّه يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ عليها ما لَم تَتعيَّنْ عليه (٢). وقالَ الشافِعيةُ: تَصحُّ الإجارةُ لِتَجهيزِ المَيِّتِ وحَمْلِه ودَفْنِه، ولَو تَعيَّنَ على الأجيرِ؛ لأنَّها عِبادةٌ لَم تَجِبْ لَها نِيَّةٌ، ولأنَّه غيرُ مَقصودٍ بفِعلِه حتى يَقَعَ عَنه؛ لأنَّ مُؤنةَ ذلك في تَرِكَتِه أصالةً، ثم في مالِ مَنْ تَلزَمُه نَفَقَتُهُ؛ فإنْ لَم يكُنْ فعلى أغنياءِ المُسلِمينَ القِيامُ بها، فلَم يُقصَدِ الأجيرُ لِفِعلِه حتى يَقَعَ عنه، ولا يَضُرُّ عُروضٌ تُعينُه عليه؛ كالمُضطَرِّ؛ فإنَّه يَتعيَّنُ إطعامُه مع تَغريمِه البَدَلَ (٣). وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يُكرَهُ أخْذُ أُجرةٍ على الغُسلِ والتَّكفينِ

стр. 5675

والحَمْلِ والدَّفْنِ؛ لأنَّه قُربةٌ، إلَّا أنْ يَكونَ مُحتاجًا، فيُعطَى مِنْ بَيتِ المالِ؛ فإنْ تَعذَّرَ أُعطيَ بقَدْرِ عَملِه. وَفي قَولٍ: إنَّه يَحرُمُ أخْذُ الأُجرةِ على غُسلِ المَيِّتِ؛ لأنَّ ما يَختَصُّ فاعِلُه أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القُربةِ لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ عليه؛ كالصَّلاةِ والصِّيامِ، وهذا مِنه، قالَ الرُّحَيْبانيُّ: وهو اتِّجاهٌ حَسَنٌ مُوافِقٌ لِلقَواعِدِ (١). فالحَنفيَّةُ فَرَّقوا بينَ الغُسلِ وبَينَ الحَملِ والدَّفْنِ، فلا يَجوزُ في الغُسلِ، ويَجوزُ في الحَملِ، والدَّفْنِ، على المَذهبِ عِندَهم، والمالِكيَّةُ جَوَّزوا أخْذَ الأُجرةِ ما لَم يَتعيَّنْ، والشافِعيَّةُ أجازُوا أخْذَ الأُجرةِ مُطلَقًا، تَعيَّنَ أو لَم يَتعيَّنْ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ كَرِهوا أخْذَ الأُجرةِ، إلَّا أنْ يَكونَ مُحتاجًا. إذا شُرِطَ في العَقدِ شَرطٌ لا يَقتَضيهِ العَقدُ ولا يُلائِمُهُ: اشترَطَ الحَنفيَّةُ لِصِحَّةِ العَقدِ خُلُوَّه مِنْ شَرطٍ لا يَقتَضيه العَقدُ ولا يُلائِمُه، حتى لَو أجَّرَهُ دارَه على أنْ يَسكُنَها شَهرًا ثم يُسَلِّمَها إلى المُستَأجِرِ، أو أرضًا على أنْ يَزرَعَها ثم يُسَلِّمَها إلى المُستَأجِرِ، أو دَابَّةً على أنْ يَركَبَها شَهرًا، أو ثَوبًا على أنْ يَلبَسَه شَهرًا ثم يُسَلِّمَه إلى المُستَأجِرِ؛ فالإجارةُ فاسِدةٌ؛ لأنَّ هذا شَرطٌ لا يَقتَضيه العَقدُ، وهو شَرطٌ لا يُلائِمُ العَقدَ، وزيادةُ مَنفَعةٍ مَشروطةٍ في العَقدِ لا يُقابِلُها عِوَضٌ في مُعاوَضةِ المالِ بالمالِ، تَكونُ رِبًا، أو فيها شُبهةُ الرِّبا، وكلُّ ذلك مُفسِدٌ لِلعَقدِ.
следующие страницы →