المَسألةُ السَّابِعةُ: أخْذُ الأُجرةِ على الإمامةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أخْذِ الأُجرةِ على الإمامةِ في الصَّلاةِ هَلْ تَجوزُ أو لا؟
فذهبَ مُتقدِّمو الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ في الأصَحِّ، ومُتقدِّمو الحَنابِلةِ في المَذهبِ، وابنُ حَبيبٍ مِنْ المالِكيَّةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على الإمامةِ في الصَّلاةِ المَفروضةِ، وكَذا النَّافِلةُ؛ كالتَّراويحِ في الأصَحِّ؛ لأنَّه مُصَلٍّ لِنَفْسِه، ومتى صَلَّى اقتَدَى به مَنْ أرادَ، وإنْ لَم يَنْوِ الإمامةَ، وإنْ تَوَقَّفَ على نِيَته شَيءٌ، فهو إحرازُ فَضيلةِ الجَماعةِ، وهذه فائِدةٌ تَختَصُّ به، لا تَحصُلُ لِلمُستَأجِرِ.
قالَ الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: الِاستِئجارُ لِإمامةِ الصَّلَواتِ المَفروضةِ باطِلٌ، وكَذا لِلتَّراويحِ وسائِرِ النَّوافِلِ على الأصَحِّ؛ لأنَّه مُصَلٍّ لِنَفْسِه، ومتى صَلَّى اقتَدَى به مَنْ أرادَ، وإنْ لَم يَنْوِ الإمامةَ، وإنْ تَوَقَّفَ على نِيَته شَيءٌ فهو إحرازُ فَضيلةِ الجَماعةِ، وهذه فائِدةٌ تَختَصُّ به، ومَن جَوَّزَه شَبَّهَهُ بالأذانِ في الشِّعارِ (١).
стр. 5672
وَذَهَبَ المالِكيَّةُ في المَشهورِ ومُتأخِّرو الحَنفيَّةِ، وعليه الفَتوَى عِندَهم، والشافِعيَّةُ في قَولٍ، والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على الإمامةِ؛ لِتَأدِّي الشِّعارِ بهِ؛ كالأذانِ.
رَوَى أشهَبُ عن مالِكٍ أنَّه سُئِلَ عن الصَّلاةِ خَلفَ مَنْ يُستَأجَرُ في رَمَضانَ يَقومُ بالنَّاسِ، فقالَ: أرجُو ألَّا يَكونَ به بَأْسٌ، وإنْ كانَ به بَأْسٌ فعليه، لا عَلَى مَنْ صَلَّى خَلفَه، ورَوَى عنه ابنُ القاسِمِ أنَّه كَرِهَه، قالَ: وهو أشَدُّ كَراهةً له في الفَريضةِ.
قالَ المالِكيَّةُ: يُكرَهُ أخْذُ الأُجرةِ على الصَّلاةِ، أي: إمامَتُها مُفرَدةً فَرضًا أو نَفلًا، وهو في المَكتوبةِ أشَدُّ كَراهيةً، وإنْ وَقَعَتْ صَحَّتْ وحُكِمَ بها؛ كالإجارةِ على الحَجِّ، وتَجوزُ الصَّلاةُ خَلفَ مَنْ يَأخُذُ الأُجرةَ مِنْ غيرِ كَراهةٍ، لأنَّ الإجارةَ لَيسَتْ عليه حَرامًا، فتَكونَ جُرحةً فيه، تَقدَحُ في إمامَتِه، وإنَّما هي له مَكروهةٌ، فتَرْكُها أفضَلُ. ولا تُكرَه إمامةُ مَنْ فعلَ ما تَرْكُه أفضَلُ، كَما لا تُكرَه إمامةُ مَنْ تَركَ ما فِعْلُه أفضَلُ مِنْ النَّوافِلِ.
وَمَحَلُّ الكَراهةِ إذا كانَتِ الأُجرةُ تُؤخَذُ مِنْ المُصَلِّينِ وأمَّا إذا أُخِذَتْ مِنْ بَيتِ المالِ، أو مِنْ وَقْفِ المَسجِدِ فلا كَراهةَ؛ لأنَّه مِنْ بابِ الإعانةِ، لا مِنْ بابِ الإجارةِ (١).
أمَّا أخْذُ الرِّزقِ عَلَى الإمامةِ فمُجمَعٌ على جَوازِه.
стр. 5673
قالَ القَرافيُّ ﵀: وتَناوُلُ الأرزاقِ على الإمامةِ مُجمَعٌ على جَوازِهِ؛ لأنَّها مِنْ بابِ المَعروفِ، لا مِنْ بابِ الإجارةِ كَما ظَنَّه كَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ، فقالَ: إنَّما يَجوزُ تَناوُلُ الرِّزقِ على الإمامةِ في الصَّلاةِ بِناءً على القَولِ بجَوازِ الإجارةِ عليها، وتَوَرعَ عن تَناوُلِه بِناءً على الخِلافِ في جَوازِ الإجارةِ عليها، ولَم يُفهَمْ أنَّ جَوازَ الأرزاقِ عليها كَجَوازِ الوَقْفِ عليها بدُونِ أدْنَى خِلافٍ؛ إذِ الرِّزقُ لَيسَ بمُعاوَضةٍ ألبتَّةَ، وكَيفَ يَكونُ كذلك، وقَد أجازوا تَناوُلَه في أضيَقِ المَواضِعِ التي تُمتَنَعُ فيها المُعاوَضةُ قَطعًا، وهي القَضاءُ والحُكمُ بينَ النَّاسِ، فحينئذٍ لا وَرعَ في تَناوُلِ الأرزاقِ على الإمامةِ مِنْ هذا الوَجْهِ (١).
المَسألةُ الثامِنةُ: أخْذُ الأُجرةِ على تَغسيلِ المَوْتَى وتَكفينِهم وحَملِهم:
اختَلفَ العُلماءُ هل يَجوزُ الاستِئجارُ على غُسلِ المَيِّتِ وتَكفينِه وحَملِه أو لا يَجوزُ؟
فذَهَبَ الحَنفيَّةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ الاستِئجارُ على غُسلِ المَيِّتِ؛ لأنَّه واجِبٌ، وقيلَ: يَجوزُ.
ويَجوزُ على دَفْنِ المَيِّتِ.
стр. 5674
وأمَّا على حَملِ الجِنازةِ؛ فالمَذهَبُ أنَّه جائِزٌ على الإطلاقِ، وقيلَ: إنَّه إنْ كانَ يُوجَدُ غَيرُهم يَجوزُ؛ وإنْ كان لا يُوجَدُ غَيرُهم لا يَجوزُ؛ لأنَّ الحَملَ عليهم حينئذٍ واجِبٌ (١).
وذَهَبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّه يَجوزُ الاستِئجارُ على غُسلِ المَيِّتِ وحَملِه ودَفْنِه، ما لم يَتعيَّنْ عليه؛ فإنْ تَعيَّنَ عليه؛ لِعَدَمِ وُجودِ غَيرِه، أو لِعَدَمِ قَبولِه، فحينئذٍ لا تَجوزُ الإجارةُ عليه، وهذا أصْلٌ عِندَهم في فُروضِ الكِفاياتِ، أنَّه يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ عليها ما لَم تَتعيَّنْ عليه (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: تَصحُّ الإجارةُ لِتَجهيزِ المَيِّتِ وحَمْلِه ودَفْنِه، ولَو تَعيَّنَ على الأجيرِ؛ لأنَّها عِبادةٌ لَم تَجِبْ لَها نِيَّةٌ، ولأنَّه غيرُ مَقصودٍ بفِعلِه حتى يَقَعَ عَنه؛ لأنَّ مُؤنةَ ذلك في تَرِكَتِه أصالةً، ثم في مالِ مَنْ تَلزَمُه نَفَقَتُهُ؛ فإنْ لَم يكُنْ فعلى أغنياءِ المُسلِمينَ القِيامُ بها، فلَم يُقصَدِ الأجيرُ لِفِعلِه حتى يَقَعَ عنه، ولا يَضُرُّ عُروضٌ تُعينُه عليه؛ كالمُضطَرِّ؛ فإنَّه يَتعيَّنُ إطعامُه مع تَغريمِه البَدَلَ (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يُكرَهُ أخْذُ أُجرةٍ على الغُسلِ والتَّكفينِ
стр. 5675
والحَمْلِ والدَّفْنِ؛ لأنَّه قُربةٌ، إلَّا أنْ يَكونَ مُحتاجًا، فيُعطَى مِنْ بَيتِ المالِ؛ فإنْ تَعذَّرَ أُعطيَ بقَدْرِ عَملِه.
وَفي قَولٍ: إنَّه يَحرُمُ أخْذُ الأُجرةِ على غُسلِ المَيِّتِ؛ لأنَّ ما يَختَصُّ فاعِلُه أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القُربةِ لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ عليه؛ كالصَّلاةِ والصِّيامِ، وهذا مِنه، قالَ الرُّحَيْبانيُّ: وهو اتِّجاهٌ حَسَنٌ مُوافِقٌ لِلقَواعِدِ (١).
فالحَنفيَّةُ فَرَّقوا بينَ الغُسلِ وبَينَ الحَملِ والدَّفْنِ، فلا يَجوزُ في الغُسلِ، ويَجوزُ في الحَملِ، والدَّفْنِ، على المَذهبِ عِندَهم، والمالِكيَّةُ جَوَّزوا أخْذَ الأُجرةِ ما لَم يَتعيَّنْ، والشافِعيَّةُ أجازُوا أخْذَ الأُجرةِ مُطلَقًا، تَعيَّنَ أو لَم يَتعيَّنْ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ كَرِهوا أخْذَ الأُجرةِ، إلَّا أنْ يَكونَ مُحتاجًا.
إذا شُرِطَ في العَقدِ شَرطٌ لا يَقتَضيهِ العَقدُ ولا يُلائِمُهُ:
اشترَطَ الحَنفيَّةُ لِصِحَّةِ العَقدِ خُلُوَّه مِنْ شَرطٍ لا يَقتَضيه العَقدُ ولا يُلائِمُه، حتى لَو أجَّرَهُ دارَه على أنْ يَسكُنَها شَهرًا ثم يُسَلِّمَها إلى المُستَأجِرِ، أو أرضًا على أنْ يَزرَعَها ثم يُسَلِّمَها إلى المُستَأجِرِ، أو دَابَّةً على أنْ يَركَبَها شَهرًا، أو ثَوبًا على أنْ يَلبَسَه شَهرًا ثم يُسَلِّمَه إلى المُستَأجِرِ؛ فالإجارةُ فاسِدةٌ؛ لأنَّ هذا شَرطٌ لا يَقتَضيه العَقدُ، وهو شَرطٌ لا يُلائِمُ العَقدَ، وزيادةُ مَنفَعةٍ مَشروطةٍ في العَقدِ لا يُقابِلُها عِوَضٌ في مُعاوَضةِ المالِ بالمالِ، تَكونُ رِبًا، أو فيها شُبهةُ الرِّبا، وكلُّ ذلك مُفسِدٌ لِلعَقدِ.
стр. 5676
وعلى هذا يَخرُجُ أيضًا شَرطُ تَطيينِ الدَّارِ وإصلاحِ مِيزابِها، وما وَهَى مِنها، وإصلاحِ بِئرِ الماءِ والبالُوعةِ والمَخرَجِ، وكَرْيِ الأنهارِ، وفي إجارةِ الأرضِ وطَعامِ العَبدِ وعَلَفِ الدَّابَّةِ، في إجارةِ العَبدِ والدَّابَّةِ ونَحوِ ذلك؛ لأنَّ ذلك كلَّه شَرطٌ يُخالِفُ مُقتَضَى العَقدِ، ولا يُلائِمُه، وفيه مَنفَعةٌ لِأحَدِ العاقِدَيْنِ.
قالَ الكاسانيُّ ﵀: وذُكِرَ في الأصْلِ إذا استَأجَرَ دارًا مدَّةً مَعلومةً بأُجرةٍ مُسمَّاةٍ على ألَّا يَسكُنَها؛ فالإجارةُ فاسِدةٌ ولا أُجرةَ على المُستَأجِرِ إذا لَم يَسكُنْها، وإنْ سَكَنَها فعليه أجْرُ مِثلِها لا يَنقُصُ ممَّا سَمَّى، أمَّا فَسادُ العَقدِ فظاهِرٌ؛ لأنَّ شَرطَه -ألَّا يَسكُنَ- نَفَى مُوجِبَ العَقدِ، وهو الِانتِفاعُ بالمَعقودِ عليه، وأنَّه شَرطٌ يُخالِفُ مُقتَضَى العَقدِ ولا يُلائِمُ العَقدَ، فكانَ شَرطًا فاسِدًا.
وأمَّا عَدَمُ وُجوبِ الأجْرِ رَأْسُا إنْ لَم يَسكُنْ، ووُجوبُ أجْرِ المِثلِ إنْ سَكَنَ، فظاهِرٌ أيضًا؛ لأنَّ أجْرَ المِثلِ في الإجاراتِ الفاسِدةِ؛ إنَّما يَجِبُ باستِيفاءِ المَعقودِ عليه، لا بالتَّسليمِ نَفْسِه، وهو التَّخليةُ، كَما في النِّكاحِ الفاسِدِ؛ لأنَّ التَّخليةَ هي التَّمكينُ، ولا يَتحقَّقُ مع الفَسادِ؛ لِوُجودِ المَنعِ مِنْ الِانتِفاعِ به شَرعًا، فأشبَهَ المَنعَ الحِسِّيَّ مِنْ العِبادِ، وهو الغَصبُ، بخِلافِ الإجارةِ الصَّحيحةِ؛ لأنَّه لا مَنعَ هُناكَ، فتَحقَّقَ التَّسليمُ، فلَئِنْ لَم يَنتفِعْ به المُستَأجِرُ فقَد أسقَطَ حَقَّ نَفْسِه في المَنفَعةِ؛ فلا يَسقُطُ حَقُّ المُؤجِّرِ في الأُجرةِ، وإذا سَكَنَ فقَدِ استَوفَى المَعقودَ عليه بعَقدٍ فاسِدٍ، ويُوجِبُ أجْرَ المِثلِ.
стр. 5677
وأمَّا قولُهُ: لا يَنتقِصُ مِنْ المُسمَّى، ففيه إشكالٌ؛ لأنَّه قد صَحَّ مِنْ مَذهبِ أصحابِنا الثَّلاثةِ أنَّ الواجِبَ في الإجارةِ الفاسِدةِ بعدَ استِيفاءِ المَعقودِ عليه الأقَلُّ مِنْ المُسمَّى، ومِن أجْرِ المِثلِ إذا كانَ الأجْرُ مُسمًّى، وقَد قالَ في هذه المَسألةِ: إنَّه لا يَنقُصُ مِنْ المُسمَّى، مِنْ المَشايِخِ مَنْ قالَ: المَسألةُ مُؤَوَّلةٌ، تَأويلُها أنَّه لا يَنقُصُ مِنْ المُسمَّى إذا كانَ أجْرُ المِثلِ والمُسمَّى واحِدًا.
وَمِنهم مَنْ أجرَى الرِّوايةَ على الظَّاهِرِ، فقالَ: إنَّ العاقِدَيْنِ لَم يَجعَلَا المُسمَّى بمُقابَلةِ المَنافِعِ، حَيثُ شرطَ المُستَأجِرُ ألَّا يَسكُنَ، ولا بمُقابَلةِ التَّسليمِ؛ لِمَا ذَكَرْنا مِنْ أنَّه لا يَتحقَّقُ مع فسادِ العَقدِ، فإذا سَكَنَ فقَدِ استَوفَى مَنافِعَ لَيسَ في مُقابَلَتِها بَدَلٌ، فيَجِبُ أجْرُ المِثلِ بالِغًا ما بَلَغَ، كَما إذا لَم يُذكَرْ في العَقدِ تَسميةٌ أصْلًا، إلَّا أنَّه قالَ: لا يَنقُصُ مِنْ المُسمَّى؛ لأنَّ المُستَأجِرَ رَضيَ بالمُسمَّى بدُونِ الِانتِفاعِ، فعِندَ الِانتِفاعِ أَوْلَى.
وَلَو آجَرَه دارَه أو أرضَه أو عبدَه أو دَابَّتَه، وشرطَ تَسليمَ المُستَأجِرِ، جازَ؛ لأنَّ تَسليمَ المُستَأجِرِ مِنْ مُقتَضَياتِ العَقدِ، ألَا تَرى أنَّه يثبُتُ بدُونِ الشَّرطِ؛ فكانَ هذا شَرطًا مُقَرِّرًا مُقتَضَى العَقدِ، لا مُخالِفًا لَه، فصارَ كَما لَو أجَّرَه على أنْ يَملِكَ المُستَأجِرُ مَنفَعةَ المُستَأجِرِ.
وَلَو آجَرَ بشَرطِ تَعجيلِ الأُجرةِ، أو شرطَ على المُستَأجِرِ أنْ يُعطيَه بالأُجرةِ رَهنًا أو كَفيلًا، جازَ، إذا كانَ الرَّهنُ مَعلومًا، والكَفيلُ حاضِرًا، لأنَّ هذا شَرطٌ يُلائِمُ العَقدَ، وإنْ كانَ لا يَقتَضيه، كَما ذَكَرْنا في البُيوعِ؛ فيَجوزُ، كَما في بَيعِ العَيْنِ (١).
стр. 5678
الواجِبُ في الإجارةِ الفاسِدةِ:
ذَهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ إلى أنَّه إذا اختَل رُكنٌ أو شَرطٌ مِنْ شُروطِ صِحَّةِ الإجارةِ فَسَدَتِ الإجارةُ، ويَجِبُ فَسخُها، ولا أُجرةَ فيها قبلَ العَملِ؛ فإذا تَمَّتِ الإجارةُ مع فَسادِها، فاختَلفَ الفُقهاءُ ما الذي يَجِبُ فيها، هَلْ يَجِبُ أُجرةُ المِثلِ بالِغةً ما بَلَغَتْ، أو يَجِبُ أُجرةُ المِثلِ لا تُجاوِزُ المُسمَّى؟
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الإجارةَ إذا فَسَدَتْ وكانَتِ الأُجرةُ لَم تُسَمَّ، أو كانَتْ مَجهولةً، كَما إذا استَأجَرَ على دَابَّةٍ، أو ثَوبٍ، أوِ استَأجَرَ دارًا على أنْ يَعمُرَها؛ فإنَّه يَجِبُ أجْرُ المِثلِ بالِغًا ما بَلَغَ، إجماعًا، وكَذا إذا استَأجَرَ أجيرًا ولَم يُسَمِّ له أجْرًا، يَجِبُ له أجْرُ المِثلِ بالِغًا ما بَلَغَ؛ لأنَّه إذا لَم يكُنْ فيه تَسميةُ الأجْرِ لا يَرضَى باستِيفاءِ المَنافِعِ بغَيرِ بَدَلٍ، كانَ ذلك تَمليكًا بالقِيمةِ التي هي المُوجِبُ الأصلِيُّ دِلالةً، فكانَ تَقويمًا لِلمَنافِعِ بأجْرِ المِثلِ؛ إذْ هو قِيمةُ المَنافِعِ في الحَقيقةِ.
وَلا يثبُتُ في هذه الإجارةِ شَيءٌ مِنْ الأحكامِ التي هي مِنْ التَّوابِعِ، إلَّا ما يَتعلَّقُ بصِفةِ المُستَأجِرِ له فيه، وهي كَونُه أمانةً في يَدِ المُستَأجِرِ، حتى لَو هَلَكَ لا يَضمَنُ؛ لِحُصولِ الهَلاكِ في قَبضٍ مَأذونٍ له فيه مِنْ قِبَلِ المُؤاجِرِ.
وأمَّا الإجارةُ الباطِلةُ، وهي التي فاتَها شَرطٌ مِنْ شَرائِطِ الِانعِقادِ، فلا حُكمَ لَها رَأْسًا؛ لأنَّ ما لا يَنعَقِدُ، وُجودُه في حَقِّ الحُكمِ، وعَدَمُه بمَنزِلةٍ واحِدةٍ، وهو تَفسيرُ الباطِلِ مِنْ التَصرُّفاتِ الشَّرعيةِ؛ كالبَيعِ ونَحوِه.
فَلا تَلزَمُ الأُجرةُ في الإجارةِ الباطِلةِ باستِعمالِ المَأجورِ واستِيفاءِ
стр. 5679
المَنفَعةِ مِنه، ولَو كانَ المَأجورُ مُعَدًّا لِلِاستِغلالِ؛ لأنَّ الإجارةَ لَمَّا كانَتْ حينئذٍ باطِلةً وغَيرَ مُنعَقِدةٍ أصْلًا، كانَ ما في ضِمنِها باطِلًا أيضًا، ويَكونُ انتِفاعُ المُستَأجِرِ بالمَأجورِ بدُونِ عَقدٍ.
لَكِنْ تَلزَمُ أُجرةُ المِثلِ إذا كانَ المَأجورُ في الإجارةِ الباطِلةِ مالَ وَقْفٍ أو يَتيمٍ، بالِغةً ما بَلَغَتْ، وكَذا مالُ المَجنونِ.
حَتَّى إنَّه إذا اشترَى إنسانٌ دارًا فظَهرَ أنَّها مِلكٌ لِيَتيمٍ، أو وَقفٌ بعدَ أنْ سَكَنَها مدَّةً يَجِبُ عليه أداءُ أُجرةِ المِثلِ لِتلك المدَّةِ. وقَد أفتَى بذلك الفُقهاءُ المُتأخِّرونَ مِنْ الحَنفيَّةِ حِفظًا لِمالِ اليَتيمِ والوَقْفِ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: الإجارةُ الباطِلةُ كما لو استَأجَرَ الصَّبيُّ بالِغًا على عَملٍ فعَمِلَه فإنَّه لا يَستَحقُّ شَيئًا؛ لأنَّه الذي فَوَّتَ على نَفْسِه عَملَه، وتَكونُ الإجارةُ باطِلةً لا فاسِدةً (٢).
واختَلفوا فيما لَو كانَتِ الأُجرةُ مَعلومةً، ولَكِنِ اختَل شَرطٌ مِنْ شُروطِ صِحَّتِها، كَما لَو كانَ المُسمَّى خَمرًا أو خِنزيرًا، إلخ.
فذهبَ الحَنفيَّةُ -ما عَدا زُفَرَ- إلى أنَّ الواجِبَ في الإجارةِ الفاسِدةِ أُجرةُ المِثلِ، لا يَتجوَزُ بها المُسمَّى؛ لِرِضاهُما به، كَما لَو كانَ المُسمَّى تِسعَمِئةٍ، وكانَتْ أُجرةُ مِثلِه ألفًا، فلا يَأخُذُ إلَّا تِسعَمِئةٍ، ولا يُزادُ على المُسمَّى؛ لأنَّ المَنافِعَ لا قِيمةَ لَها إلَّا بعَقدٍ أو شُبهةِ عَقدٍ ضَرورةً؛ لِحاجةِ
стр. 5680
النَّاسِ، وقَد قَوَّمَها في العَقدِ بما سَمَّيَا، ويَكونُ ذلك إسقاطًا لِلزِّيادةِ؛ لأنَّها لَو وجبَتِ الزِّيادةُ على المُسمَّى، لَوجبَتْ بلا عَقدٍ، وإنَّها لا تُتَقوَّمُ إلَّا بعَقدٍ، بخِلافِ البَيعِ الفاسِدِ؛ فإنَّ الذي بِيعَ بَيعًا فاسِدًا مَضمونٌ بقِيمَتِه، بالِغًا ما بَلَغَ؛ لأنَّ الضَّمانَ هُناكَ بمُقابَلةِ العَينِ؛ والأعيانُ مُتقَوَّمةٌ بنَفْسِها، فوجبَ كلُّ قِيمَتِها، فإذا بَطَلَ المُسمَّى يَصيرُ كَأنَّها تَلِفَتْ بغَيرِ عَقدٍ؛ وتَجِبُ القِيمةُ (١).
وذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وزُفَرُ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى أنَّه يَجِبُ أُجرةُ المِثلِ في الإجارةِ الفاسِدةِ، بالِغةً ما بَلَغتْ، سَواءٌ زادَتْ على المُسمَّى أو نَقَصتْ، وسَواءٌ كانَتِ الأُجرةُ مَعلومةً أو مَجهولةً؛ لأنَّ المَنافِعَ أحَدُ نَوعَيِ المُعاوَضاتِ؛ كالأعيانِ، وقد ثبَتَ أنَّه لوِ ابتاعَ بَيعًا فاسِدًا فأتلَفَه، أنَّ عليه قِيمَتَه، كذلك الإجارةُ، ولأنَّها مَنفَعةٌ استُوفِيَتْ بعَقدٍ فاسِدٍ مَقصودٍ بالمُعاوَضةِ، فوجبَ أنْ يَلزَم أُجرةُ المِثلِ، كما لو كانَتْ أقَلَّ مِنْ المُسمَّى (٢).
стр. 5681
وهل تَجِبُ الأُجرةُ بالتَّسليمِ والتَّخليةِ أو بالاستِعمالِ والانتِفاعِ في الإجارةِ الفاسِدةِ؟
فذَهَبَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ إلى أنَّ الأُجرةَ لا تَجِبُ في الإجارةِ الفاسِدةِ بالتَّخليةِ؛ بل إنَّما تَجِبُ بحَقيقةِ الانتِفاعِ، بخِلافِ الإجارةِ الصَّحيحةِ؛ حَيثُ تَجِبُ الأُجرةُ بالتَّخليةِ، انتَفَعَ بها أو لَم يَنتفِعْ، إذا خُلِّيَ بَينَه وبَينَها.
ولأنَّه عَقدٌ فاسِدٌ على مَنافِعَ لَم يَستَوْفِها، لَم يَلزَمْه عِوَضُها؛ كالنِّكاحِ الفاسِدِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: إذا قَبَضَ العَينَ المُستَأجَرَةَ في الإجارةِ الفاسِدةِ فعليه أُجرةُ المِثلِ، سَواءٌ استَعمَلَها أو لَم يَستَعْمِلْها؛ لأنَّها عَينٌ قُبِضتْ على وَجْهِ الإجارةِ، فكانَ تَلَفُ المَنفَعةِ فيها مَضمونًا بالتَّبَذُّلِ، أصْلُه الإجارةُ الصَّحيحةُ؛ لأنَّ كلَّ ما لو تَلِفَ تَحتَ يَدِه بعَقدٍ صَحيحٍ ضَمِنَه، وجبَ أنْ يَضمَنَه إذا تَلِفَ تَحتَ يَدِه بعَقدٍ فاسِدٍ، كالأعيانِ في البَيعِ، وعَكسُه الأعيانُ في الهِبةِ؛ فإنَّها لَمَّا لَم يَضمَنْها إذا تَلِفتْ تَحتَ يَدِه بهِبةٍ صَحيحةٍ، لَم يَضمَنْها إذا تَلِفتْ تَحتَ يَدِه بهِبةٍ فاسِدةٍ (٢).
стр. 5682
لَكنَّ الشافِعيَّةَ قالوا: لا بدَّ مِنْ القَبضِ الحَقيقيِّ في الإجارةِ الفاسِدةِ؛ فلا يَكفي تَخليةُ العَقارِ في الإجارةِ الفاسِدةِ، وإنْ كانَ كافيًا في الصَّحيحةِ، وكَذا الوَضعُ بينَ يَدَيْه، يَكفي في الصَّحيحةِ دونَ الفاسِدةِ، وكَذا لَو عَرضَ المُؤجِّرُ العَينَ على المُستَأجِرِ في الإجارةِ الفاسِدةِ فامتَنَعَ، لَم تَستقِرَّ الأُجرةُ؛ لأنَّ الأُجرةَ إنَّما تَستقِرُّ بأحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا بعَقدٍ صَحيحٍ، ويُتَمَكَّنُ فيه مِنْ استِيفاءِ المَنفَعةِ، أو بأنْ تُتلَفَ المَنفَعةُ تَحتَ يَدِه، ولَم يُوجَدْ أحَدُهما (١).
قالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إذا تَسَلَّمَ العَينَ المَعقودَ عليها في الإجارةِ الفاسِدةِ حتى انقَضَتِ المدَّةُ أو بَعضُها، أو مدَّةٌ يُمكِنُ استِيفاءُ المَنفَعةِ فيها أوَّلًا، فعليه أُجرةُ المِثلِ لِمدَّةِ بَقائِها في يَدِه، سَكَنَ أو لَم يَسكُنْ؛ لأنَّ المَنافِعَ تَلِفَتْ تَحتَ يَدِه بعِوَضٍ لَم يُسَلَّمْ لِلمُؤجِّرِ؛ فرَجعَ إلى قِيمَتِها، كَما لَوِ استَوْفاه، وإنْ لَم يَتسلَّمِ العَينَ في الإجارةِ الفاسِدةِ لَم يَلزَمْه أُجرةٌ، ولَو بذلَ العَينَ المالِكُ؛ لأنَّ المَنافِعَ لَم تُتلَفْ تَحتَ يَدِه، والعَقدُ الفاسِدُ لا أثَرَ لَه، بخِلافِ الإجارةِ الصَّحيحةِ (٢).
стр. 5683
العَينُ المُستَأجَرةُ أمانةٌ في يَدِ المُستَأجِرِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ -في المَذهبِ- والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّ العَينَ المُستَأجَرةَ في يَدِ المُستَأجِرِ مدَّةَ الإجارةِ أمانةٌ، لا يَضمَنُها إلَّا إذا تَعدَّى أو فَرَّطَ في حِفظِها، وسَواءٌ كانَتِ الإجارةُ صَحيحةً أو فاسِدةً.
قالَ الكاسانيُّ ﵀: لا خِلافَ في أنَّ المُستَأجَرَ أمانةٌ في يَدِ المُستَأجِرِ؛ كالدَّارِ والدَّابَّةِ وعَبدِ الخِدمةِ ونَحوِ ذلك، حتى لَو هَلَكَ في يَدِه بغَيرِ صُنعِه، لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ قَبضَ الإجارةِ قَبضٌ مَأذونٌ فيه، فلا يَكونُ مَضمونًا؛ كَقَبضِ الوَديعةِ والعارِيةِ، وسَواءٌ كانَتِ الإجارةُ صَحيحةً أو فاسِدةً، لِمَا قُلْنا (١).
إلَّا أنَّ الإمامَ ابنَ نُجَيمٍ نَصَّ على أنَّ العُرفَ إذا كانَ جاريًا بتَضمينِ العَينِ المُستأجَرةِ، فإنَّه يَضمَنُ.
قالَ ﵀: وحِينَ تَأليفِ هذا المَحَلِّ وَردَ علَيَّ سُؤالٌ فيمَن آجَرَ مَطبَخًا لِطَبخِ السُّكَّرِ، وفيه فَخَّارٌ، أذِنَ لِلمُستَأجِرِ في استِعمالِها، فتَلِفَ ذلك، وقد جَرَى العُرفُ في المَطابِخِ بضَمانِها على المُستَأجِرِ.
فأجبْتُ بأنَّ المَعروفَ كالمَشروطِ، فصارَ كأنَّه صَرَّحَ بضَمانِها عليه (٢).
стр. 5684
وقالَ المالِكيَّةُ: مَنِ استَأجَرَ شَيئًا فهو أمانةٌ في يَدِه، فإنِ ادَّعَى ضَياعَه أو تَلَفَه فإنَّه يُصدَّقُ، ولا يَضمَنُهُ؛ لأنَّه أمينٌ على الأصَحِّ، سَواءٌ كانَ ممَّا يُغابُ عليه؛ كالثَّوبِ، أو لا، كالدَّابَّةِ، ويَحلِفُ إنْ كانَ مُتهَمًا: لَقَدْ ضَاعَ، وما فَرَّطتُ، ولا يَحلِفُ غيرُ المُتهَمِ؛ قالَه ابنُ القاسِمِ.
وَقيلَ: يَحلِفُ مُطلَقًا، أي: على الضَّياعِ والتَّفريطِ.
وَقيلَ: يَحلِفُ غيرُ المُتهَمِ على التَّفريطِ، أمَّا الضَّياعُ فيُصَدَّقُ فيه مِنْ غيرِ حَلِفٍ عليه؛ لأنَّ الضَّياعَ ناشِئٌ عن تَفريطِه في الأغلَبِ، فيَكفي حَلِفُه: ما فَرَّطْتُ.
وَفي كِتابِ ابنِ سُحنونَ ﵀ قَولٌ بضَمانِ الأجيرِ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: يَد المُكتَرِي على المُستَأجِرِ مِنْ الدَّابَّةِ والثَّوبِ وغَيرِهما يَد أمانةٍ مدَّةَ الإجارةِ جَزْمًا، فلا يَضمَنُ ما تَلِفَ فيها بلا تَعَدٍّ ولا تَقصيرٍ، قال الدَّميريُّ: بالإجماعِ؛ إذْ لا يُمكِنُ استِيفاءُ حَقِّه إلَّا بوَضعِ اليَدِ عليها، وعليه دَفْعُ مُتلَفَاتِها؛ كالمُودِعِ (٢).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والعَينُ المُستَأجَرةُ أمانةٌ في يَدِ المُستَأجِرِ إنْ تَلِفَتْ بغَيرِ تَفريطٍ لَم يَضمَنْها.
стр. 5685
قالَ الأثرَمُ ﵀: سَمِعُتُ أبا عَبدِ اللَّهِ يَسألُ عن الذين يُكرُونَ المِظَلَّ أوِ الخَيمةَ إلى مَكَّةَ، فيَذهَبُ مِنْ المُكتَرِي بسَرَقٍ أو بذَهابٍ، هَلْ يَضمَنُ؟ قالَ: أرجُو ألَّا يَضمَنَ، وكَيفَ يَضمَنُ إذا ذَهَبَ؟ لا يَضمَنُ، ولا نَعلَمُ في هذا خِلافًا؛ وذلك لأنَّه قَبَضَ العَينَ لِاستِيفاءِ مَنفَعةٍ يَستَحقُّها مِنها، فكانَتْ أمانةً … وإنْ كانَتِ الإجارةُ فاسِدةً لَم يَضمَنِ العَينَ أيضًا إذا تَلِفَتْ بغَيرِ تَفريطٍ ولا تَعَدٍّ؛ لأنَّه عَقدٌ لا يَقتَضي الضَّمانَ صَحيحُه، فلا يَقتَضيه فاسِدُه، كالوَكالةِ والمُضارَبةِ، وحُكمُكَ لِعَقدٍ فاسِدٍ في وُجوبِ الضَّمانِ حُكمُ صَحيحِه، فما وجبَ الضَّمانُ في صَحيحِه وجبَ في فاسِدِه، وما لَم يَجِبْ في صَحيحِه لَم يَجِبْ في فاسِدِه (١).
وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: العَينُ المُؤجَّرةُ أمانةٌ في يَدِ مُستَأجِرِها، إنْ تَلِفَتْ بغَيرِ تَفريطٍ لَم يَضمَنْها، ولا فَرقَ بينَ الإجارةِ الصَّحيحةِ والإجارةِ الفاسِدةِ (٢).
إذا تَلِفَتِ العَينُ المُستَأجَرةُ بعدَ مدَّةِ الإجارةِ في يَدِ المُستَأجِرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا تَلِفَتِ العَينُ المُستَأجَرةُ بعدَ مدَّةِ الإجارةِ في يَدِه مِنْ غيرِ تَعَدٍّ ولا تَفريطٍ، وقَبلَ طَلَبِها مِنْ المُستَأجِرِ.
فذهبَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ، والحَنابِلةُ إلى أنَّ العَينَ المُستَأجَرةَ إذا تَلِفَتْ بعدَ انتِهاءِ المدَّةِ أوِ العَملِ وقَبلَ رَدِّها على مالِكِها بلا تَعَدٍّ
стр. 5686
ولا تَفريطٍ فلا ضَمانَ عليه إذا لَم يَستَعمِلْها؛ استِصحابًا لِمَا كانَ كالمُودَعِ؛ لأنَّه لا يَلزَمُه رَدُّها، بَلِ التَّخليةُ بَينَها وبَينَ المالِكِ كالوَديعةِ.
وَذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّه يَضمَنُ بعدَ انقِضاءِ الإجارةِ؛ لأنَّه غيرُ مَأذونٍ له في إمساكِها، أشبَهَ العارِيةَ المُؤَقَّتةَ بعدَ وَقتِها (١).
رَدُّ العَينِ المُستَأجَرةِ بعدَ انقِضاءِ مدَّةِ الإجارةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في العَينِ المُستَأجَرةِ في يَدِ الأجيرِ، هَلْ يَجِبُ عليه رَدُّها لِمالِكِها أو لا يَجِبُ؟ بعدَ اتِّفاقِهم جَميعًا على أنَّه إنْ طَلَبها صاحِبُها وجبَ تَسليمُها إلَيهِ؛ فإنِ امتَنَعَ مِنْ رَدِّها لِغَيرِ عُذرٍ صارَتْ مَضمونةً؛ كالمَغصوبةِ، بلا خِلافٍ.
فذهبَ الحَنفيَّةُ في المَذهبِ، والشافِعيَّةُ في المَذهبِ، والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجِبُ على المُستَأجِرِ رَدُّ العَينِ المُستَأجَرةِ إلى مالِكِها؛ لأنَّها أمانةٌ في يَدِهِ، كالوَديعةِ.
وَذَهَبَ الشافِعيَّةُ في قَولٍ، وبَعضُ الحَنفيَّةِ إلى أنَّه يَلزَمُ المُستَأجِرَ رَدُّ العَينِ المُستَأجَرةِ إلى مالِكِها؛ لأنَّه بعدَ الفَراغِ غيرُ مَأذونٍ له في إمساكِها،
стр. 5687
فلَزِمَه الرَّدُّ؛ فإنْ حَبَسَها بعدَ استِيفاءِ مَنفعَتِها، فإنْ كانَ حَبسُها لِعُذرٍ لَم يَضمَنْ، وإلَّا ضَمِنَ.
أمَّا إنْ شرطَ عليه رَدَّ العَينِ المُستَأجَرةِ، لَزِمَه الرَّدُّ عندَ الشافِعيَّةِ، والحَنابِلةِ في قَولٍ (١).
اشتِراطُ الضَّمانِ على المُستَأجِرِ:
ذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ اشتِراطُ الضَّمانِ على المُستَأجِرِ؛ لأنَّه أمينٌ؛ لأنَّ لِلعُقودِ أُصولًا مُقدَّرةً وأحكامًا مُعتَبرةً لا تُغَيِّرُها الشُّروطُ عن أحكامِها في شَرطِ سُقوطِ الضَّمانِ وإيجابِه؛ كالوَدائِعِ والشَّرِكةِ، لَمَّا كانَتْ غيرَ مَضمونةٍ؛ كالعُقودِ، لا تُعتَبَرُ مَضمونةً بالشُّروطِ (٢).
لأنَّ أصْلَ العَقدِ مَوضوعٌ على الأمانةِ، فإذا شُرِطَ فيه الضَّمانُ فذلك خِلافُ مُوجِبِ أصْلِه، والعَقدُ إذا ضامَّه شَرطٌ يُخالِفُ مُوجِبَ أصْلِه وجبَ بُطلانُه، أصْلُه إذا تَزوَّجَ امرأةً وشرطَ عليها ألَّا يَطَأَهَا (٣).
стр. 5688
إلَّا أنَّهمُ اختَلفوا فيما إذا شرطَ عليه الضَّمانَ، هَلْ يَفسُدُ العَقدُ بذلك أو يَصحُّ، ويَفسُدُ الشَّرطُ؟
فذهبَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في وَجْهٍ إلى أنَّ الإجارةَ تَفسُدُ إذا شُرِطَ عليه الضَّمانُ.
قالَ الحَنفيَّةُ: لا يَصحُّ اشتِراطُ الضَّمانِ على المُستَأجِرِ؛ لأنَّ يَدَه يَد أمانةٍ؛ فلا يُعتبَرُ شَرطُ الضَّمانِ؛ لأنَّ شَرطَه على الأمينِ باطِلٌ على ما عليه الفَتوَى.
وَقالوا: الإجارةُ تُفسِدُها الشُّروطُ التي لا يَقتَضيها العَقدُ، كَما إذا شُرِطَ على الأمينِ الضَّمانُ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: المُستَأجِرُ أمِينٌ لا ضَمانَ عليه إنِ ادَّعَى الضَّياعَ أوِ التَّلَفَ، كانَ ممَّا يُغابُ عليه أو لا، ويَحلِفُ إنْ كانَ مُتهَمًا: لَقَدْ ضاعَ وما فَرَّطْتُ.
وَلَو شُرِطَ عليه الضَّمانُ فَسَدَ عَقدُ الإجارةِ؛ لأنَّه شَرطٌ يُناقِضُ العَقدَ؛ فإنْ وقعَ فلَه أُجرةُ مِثلِه، زادَتْ على المُسمَّى أو نَقَصَتْ، ومَحَلُّ الفَسادِ إذا لَم يَسقُطِ الشَّرطُ قبلَ الفَسادِ، وإلَّا صَحَّتْ، والفَواتُ هُنا بانقِضاءِ العَملِ، فانقِضاؤُه في أثنائِهِ كَإسقاطِه قَبْلَه في إفادةِ الصِّحَّةِ.
стр. 5689
والحاصِلُ أنَّه شَرطٌ مُفسِدٌ لِلعَقدِ، ما لَم يَسقُطْ، لَكِنْ لَو عُثِرَ عليه بعدَ العَملِ فلَه أجْرُ مِثلِه، ولا يُعمَلُ بالشَّرطِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: كلُّ ما كانَ أمانةً لا يَصيرُ مَضمونًا بشَرطِه؛ لأنَّ مُقتَضَى العَقدِ كَونُه أمانةً، فإذا شُرِطَ ضَمانُه فقَدِ التَزَم ضَمانَ ما لَم يُوجَدْ سَبَبُ ضَمانِه، فلَم يَلزَمْه، كَما لَوِ اشتُرِطَ ضَمانُ الوَديعةِ، أو ضَمانُ مالٍ في يَدِ مالِكِه.
وَعَنْ أحمدَ أنَّه ذُكِرَ له ذلك، فقالَ: «المُؤمِنونَ على شُروطِهِم»، وهذا يَدلُّ على نَفْيِ الضَّمانِ بشَرطِه، والأولُ ظاهِرُ المَذهبِ.
وَإذا شُرِطَ عليه الضَّمانُ ففيه وَجهانِ، بناءً على الشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ: أحَدُهما تَفسُدُ الإجارةُ، والآخَرُ: لا تَفسُدُ (٢).
стр. 5690
فصل في أقسامِ الأُجَراءِ
إجارةُ الأشخاصِ تَقعُ في صُورَتَيْنِ: الأجيرِ الخاصِّ، والأجيرِ المُشترَكِ:
الصُّورةُ الأُولَى: الأجيرُ الخاصُّ: هو الذي يَعمَلُ لِشَخصٍ واحِدٍ مدَّةً مَعلومةً يَستَحقُّ المُستَأجِرُ نَفْعَه في جَميعِها؛ كَرَجُلٍ استُؤجِرَ لِخِدمةٍ أو عَملٍ في بِناءٍ أو خِياطةٍ أو رِعايةٍ يَومًا، أو شَهرًا، سُمِّيَ خاصًّا لِاختِصاصِ المُستَأجِرِ بنَفْعِه في تلك المدَّةِ دونَ سائِرِ النَّاسِ.
أو هو الذي يَستَحقُّ الأجْرَ بتَسليمِ نَفْسِه في المدَّةِ، وإنْ لَم يَعمَلْ؛ لأنَّها مُقابَلةٌ بالمَنافِعِ، وإنَّما ذكرَ العَملَ لِصَرفِ المَنفَعةِ المُستَحقَّةِ إلى تلك الجِهةِ، ومَنافِعُه صارَتْ مُستَوفاةً بالتَّسليمِ، تَقديرًا، حَيثُ فَوَّتَها عليه، فاستَحقَّ الأجْرَ، كَمَنِ استَأجَرَ رَجُلًا يَومًا، أو شَهرًا؛ لِلخِدمةِ، أو لِرَعْيِ الغَنَمِ، أو لِيَقِفَ في مَحَلِّه. وإنَّما سُمِّيَ خاصًّا لِاختِصاصِ المُستَأجِرِ بنَفْعِه في تلك المدَّةِ دونَ سائِرِ النَّاسِ، فلا يُمكِنُه أنْ يَعمَلَ لِغَيرِه في المدَّةِ؛ لأنَّ مَنافِعَه في المدَّةِ صارَتْ مُستَحقَّةً لَه، والأجْرُ مُقابِلٌ لِلمَنافِعِ، ولِهَذا يَبقَى الأجْرُ مُستحَقًّا، وإنْ نَقَصَ العَملُ، ولَو عَمِلَ لِغَيرِه نَقَصَ مِنْ أُجرَتِه بقَدْرِ ما عَمِلَ (١).
стр. 5691
وقد نَصَّ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ على أنَّ الأجيرَ يَكونُ خاصًّا إذا كانَ يَعمَلُ لِشَخصٍ واحِدٍ، أو لِجَماعةٍ في حُكمِ الشَّخصِ الواحِدِ.
قالَ الحَنفيَّةُ: وكَما جازَ أنْ يَكونَ مُستَأجِرُ الأجيرِ الخاصِّ شَخصًا واحِدًا، كذلك يَجوزُ أنْ يَكونَ الأشخاصُ المُتعَدِّدونَ -الَّذينَ هُمْ في حُكمِ شَخصٍ واحِدٍ (كالمُؤَسَّسةِ أوِ الشَّرِكةِ مثلًا) - مُستَأجِرينَ لِأجيرٍ خاصٍّ -بِناءً عليه لَوِ استَأجَرَ أهلُ قَريةٍ راعيًا، أو إمامًا، أو مُؤَذِّنًا، أو مُدَرِّسًا- على أنْ يَكونَ مَخصوصًا بهم بعَقدٍ واحِدٍ، يَكونُ الرَّاعي أجيرًا خاصًّا، ولَكِنْ لَو جَوَّزوا أنْ يَرعَى دَوابَّ غَيرِهم كانَ حينئذٍ ذلك الرَّاعي أجيرًا مُشترَكًا. وقَد عُدَّ الأشخاصُ المُتعَدِّدونَ في حُكمِ الشَّخصِ الواحِدِ بالعَقدِ الواحِدِ، الذي عَقَدوه، ويَدلُّ على ذلك التَّفرِيعاتُ الآتيةُ:
- وكذلك لَوِ استَأجَرَ رَجُلانِ، أو ثَلاثةٌ، رَجُلًا لِرَعْيِ غَنَمٍ لَهُما، أو لَهُم، خاصَّةً، كانَ أجيرًا خاصًّا. ولا يَلزَمُ النَّصُّ على التَّخصيصِ، لِاعتِبارِ الأجيرِ خاصًّا، بَلْ عَدَمُ ذِكرِ التَّعميمِ كافٍ في ذلك، وعَلَى ذلك فالقَصدُ مِنْ قَولِنا:
стр. 5692
(مَخصوصًا): عَدَمُ ذِكْرِ التَّعميمِ، لَيسَ غَيرَه، سَواءٌ أذُكِرَ التَّخصيصُ أم لَم يُذكَرْ، أمَّا إذا ذُكِرَ التَّعميمُ، بأنْ صُرِّحَ في استِئجارِ الأجيرِ الخاصِّ بحُكمِ الأجيرِ المُشترَكِ، يَكونُ حينئذٍ أجيرًا مُشترَكًا. وذلك كَما لَو أباحَ أهلُ القَرية، أو الرجُلانِ، أو الثَّلاثةُ لِلرَّاعي رَعْيَ غَنَمِ غَيرِهم، فإنَّ الرَّاعيَ يَكونُ أجيرًا مُشترَكًا.
وَيُؤخَذُ مِنْ ذلك كلِّه أنَّ الأجيرَ لا يَكونُ خاصًّا، أو مُشترَكًا بحَسَبَ مُستَأجِرِه، فكَما يَكونُ الأجيرُ خاصًّا، أو مُشترَكًا إذا كانَ المُستَأجِرُ واحِدًا، يَكونُ كذلك إذا كانَ المُستَأجِرُ مُتعَدِّدًا، حَسَبَ عَقدِ الإجارةِ.
والأجيرُ الخاصُّ لَيسَ له أنْ يَلتَزِمَ عَملًا لِغَيرِ مُستَأجِرِه، أو مُستَأجِريه، في المدَّةِ التي استُؤجِرَ فيها؛ لأنَّ مَنافِعَه في هذه المدَّةِ لِمُستَأجِرِه، أو مُستَأجِريهِ؛ فلا يُمكِنُه تَمليكُها في الوَقتِ عَينِه لِغَيرِهم، ويُقالُ لِلأجيرِ الخاصِّ الذي استَأجَرَه واحِدٌ (أجيرُ وَحْدٍ)، ولا يُقالُ ذلك لِمَنِ استَأجَرَه اثنانِ، أو أكثَرُ، فكلُّ (أجيرِ وَحْدٍ) أجيرٌ خاصٌّ، وليسَ كلُّ أجيرٍ خاصٍّ أجيرَ وَحدٍ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: الأجيرُ لِشَخصٍ خاصٍّ أو جَماعةٍ مَخصوصينَ لا ضَمانَ عليه (٢).
الأجيرُ الخاصُّ أمِينٌ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ على أنَّ الأجيرَ الخاصَّ لا ضَمانَ عليه فيما تَلِفَ في يَدِه، ولا ما
стр. 5693
تَلِفَ مِنْ عَملِهِ؛ أمَّا الأولُ فلأنَّ العَينَ أمانةٌ في يَدِهِ؛ لأنَّه قُبِضَ بإذْنِ مالِكِه، فكانَ نائِبًا عن المالِكِ في صَرفِ مَنافِعِه إلى ما أمَرَه به؛ فلَم يَضمَنْ مِنْ غيرِ تَعَدٍّ؛ كالوَكيلِ والشَّريكِ والمُضارِبِ.
وأمَّا الثَّاني فلأنَّ المَنافِعَ متى صارَتْ مَملوكةً لِلمُستَأجِرِ فإذا أمَرَه بالتَصرُّفِ في مِلكِه صَحَّ، ويَصيرُ نائِبًا مَنابَه؛ فيَصيرُ فِعلُه مَنقُولًا إليه كَأنَّه فعلَ بنَفْسِهِ؛ فلِهَذا لا يَضمَنُه.
مثلًا: إذا استَأجَرَ إنسانٌ خيَّاطًا أو حَدَّادًا مدَّةَ يَومٍ أو شَهرٍ لِيَعمَلَ له وَحدَه، فلا يَضمَنُ العَينَ التي تَهلِكُ في يَدِه، ما لَم يَحصُلْ منه تَعَدٍّ أو تَقصيرٌ في حِفظِه، سَواءٌ تَلِفَ الشَّيءُ في يَدِه، أو في أثناءِ عَملِه.
أمَّا ما يُتلَفُ بتَعَدِّيه فيَجِبُ ضَمانُه، مثلَ الخَبَّازِ الذي يُسرِفُ في الوَقودِ، أو يُلَزِّقُه قبلَ وَقتِه، أو يَترُكُه بعدَ وَقتِه، حتى يَحتَرِقَ؛ لأنَّه تَلِفَ بتَعَدِّيه؛ فضَمِنَه، كَغَيرِ الأجيرِ.
وَذَهَبَ ابنُ أبي مُوسَى مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّه يَضمَنُ ما جَنَتْ يَده، وحَكَى عن أحمدَ رِوايةً بتَضمينِه ما تَلِفَ بأمْرٍ خَفِيٍّ لا يُعلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِه (١).
стр. 5694
اشتِراطُ الضَّمانِ على الأجيرِ الخاصِّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لَوِ اشترَطَ ربُّ العَملِ على الأجيرِ الخاصِّ الضَّمانَ فيما لا يَجِبُ عليه ضَمانُه.
فَقالَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ: لا يَصحُّ اشتِراطُ الضَّمانِ على الأمِينِ.
قالَ المالِكيَّةُ: المُستَأجِرُ أمِينٌ لا ضَمانَ عليه إنِ ادَّعَى الضَّياعَ أوِ التَّلَفَ، كانَ ممَّا يُغابُ عليه أو لا، ويَحلِفُ إنْ كانَ مُتهَمًا: لَقَدْ ضاعَ وما فَرَّطْتُ.
وَلَو شُرِطَ عليه الضَّمانُ فَسَدَ عَقدُ الإجارةِ؛ لأنَّه شَرطٌ يُناقِضُ العَقدَ؛ فإنْ وقعَ فلَه أُجرةُ مِثلِه، زَادَتْ على المُسمَّى أو نَقَصَتْ ومَحَلُّ الفَسادِ إذا لَم يَسقُطِ الشَّرطُ قبلَ الفَسادِ، وإلَّا صَحَّتْ، والفَواتُ هُنا بانقِضاءِ العَملِ؛ فانقِضاؤُه في أثنائِهِ؛ كَإسقاطِه قَبلَه في إفادةِ الصِّحَّةِ.
والحاصِلُ: أنَّه شَرطٌ مُفسِدٌ لِلعَقدِ، ما لَم يَسقُطْ، لَكِنْ لَو عُثِرَ عليه بعدَ العَملِ فلَه أجْرُ مِثلِه، ولا يُعمَلُ بالشَّرطِ (١).
وأمَّا الحَنفيَّةُ فقالوا: الإجارةُ تُفسِدُها الشُّروطُ التي لا يَقتَضيها العَقدُ، كما إذا شُرِطَ على الأجيرِ الخاصِّ ضَمانُ ما تَلِفَ بفِعلِه، أو بغَيرِ فِعلِه، أو
стр. 5695
على الأجيرِ المُشترَكِ ضَمانُ ما تَلِفَ بغَيرِ فِعلِه على قَولِ أبي حَنيفةَ، أمَّا إذا شرطَ شَرطًا يَقتَضيه العَقدُ، كما إذا شرطَ على الأجيرِ المُشترَكِ ضَمانَ ما تَلِفَ بفِعلِه لا يَفسُدُ العَقدُ (١).
وقالَ صاحِبُ «الدُّرُّ»: وفي القِنيةِ: سُئِلَ مُحمَّدٌ نَجمُ الدِّينِ عن صَبيَّةٍ سقطَتْ مِنْ سَطحٍ، فانفَتحَ رَأْسُها، فقالَ كَثيرٌ مِنْ الجَرَّاحينَ: إنْ شَقَقتُم رَأْسَها تَموتُ. وقالَ واحِدٌ مِنهم: إنْ لَم تَشُقُّوهُ اليَومَ تَموتُ، وأنا أشُقُّه وأُبرِئُها، فشَقَّه فماتَتْ بعدَ يَومٍ أو يَومَيْنِ، هَلْ يَضمَنُ؟ فتَأمَّلَ مَلِيًّا ثم قالَ: لا، إذا كانَ الشَّقُّ بإذْنٍ، وكانَ الشَّقُّ مُعتادًا، ولَم يكُنْ فاحِشًا خارِجَ الرَّسمِ (أي: العادةِ). قيلَ لَهُ: فلَو قالَ: إنْ ماتَتْ فأنا ضامِنٌ، هَلْ يَضمَنُ؟ فتَأمَّلَ مَلِيًّا، ثم قالَ: لا. فلَم يُعتبَرْ شَرطُ الضَّمانِ؛ لأنَّ شَرطَه على الأمينِ باطِلٌ، على ما عليه الفَتوَى (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: كلُّ ما كانَ أمانةً لا يَصيرُ مَضمونًا بشَرطِه؛ لأنَّ مُقتَضَى العَقدِ كَونُه أمانةً؛ فإذا شُرِطَ ضَمانُه فقَدِ التَزَم ضَمانَ ما لَم يُوجَدْ سَبَبُ ضَمانِه، فلَم يَلزَمْه، كَما لَوِ اشترَطَ ضَمانَ الوَديعةِ أو ضَمانَ مالٍ في يَدِ مالِكِه.
وَما كانَ مَضمونًا لا يَنتَفي ضَمانُه بشَرطِه؛ لأنَّ مُقتَضَى العَقدِ الضَّمانُ، فإذا شرطَ نَفْيَ ضَمانِه لا يَنتَفي مع وُجودِ سَبَبِه، كَما لَوِ اشترَطَ نَفْيَ ضَمانِ ما يَتعدَّى فيه.
стр. 5696
وَعَنْ أحمدَ أنَّه ذُكِرَ له ذلك، فقالَ: «المُؤمِنونَ على شُروطِهِم»، وهذا يَدلُّ على نَفْيِ الضَّمانِ بشَرطِه، والأولُ ظاهِرُ المَذهبِ (١).
ما يُستَثْنَى مِنْ زَمنِ الإجارةِ:
ذكرَ الفُقهاءُ أنَّ الأجيرَ إذا استَأجَرَه إنسانٌ لِيَعمَلَ له مدَّةً مُحَدَّدةً مِنْ الزَمنِ، يُستَثْنَى مِنْ الزَمنِ المُستَأجَرِ عليه الزَمنُ الذي تَستَغرِقُه العِباداتُ الواجِبةُ التي لا تُؤَدَّى إلَّا في المدَّةِ المُستَأجَرِ عليها، وكذلك أوقاتُ الطَّعامِ المُعتادةُ لَدَى الأُجَراءِ والمُستَأجِرينَ، وكذلك إذا كانَتِ المدَّةُ مَقدَّرةً بزَمنٍ طَويلٍ: استُثْنِيَ أيَّامُ الأعيادِ الثَّابِتةُ بالشَّرعِ، وأيَّامُ التَّعطيلِ الثَّابِتةُ بالعُرفِ، فإنَّ الأجيرَ يَستَحقُّ الأجْرَ على هذه الأيَّامِ وتلك الأوقاتِ، ولَو لَم يُنَصَّ عليها في العَقدِ، فلا يَنقُصُه المُستَأجِرُ شَيئًا مِنْ الأجرِ المُتفَقِ عليه لِليَومِ أو الشَّهرِ أو السَّنةِ، إذا كانَ على المُعتادِ، واختَلفوا، هَلْ له أنْ يُصَلِّيَ النَّوافِلَ أو لا؟
قالَ الحَنفيَّةُ: الأجيرُ الخاصُّ له أنْ يُصَلِّيَ المَكتوبةَ، وليسَ له أنْ يُصَلِّيَ النَّافِلةَ.
قالَ في «التَّاتَرْخانية» وفي «فَتاوَى الفَضْلِيِّ»: وإذا استَأجَرَ رَجُلًا يَومًا يَعمَلُ كَذا فعليه أنْ يَعمَلَ ذلك العَملَ إلى تَمامِ المدَّةِ، وألَّا يَشتَغِلَ بشَيءٍ آخَرَ سِوَى المَكتوبةِ.
وَفي فَتاوَى سَمَرقَندَ: وقَد قالَ بَعضُ مَشايِخِنا: له أنْ يُؤدِّيَ السُّنةَ أيضًا.
стр. 5697
واتَّفَقوا على أنَّه لا يُؤدِّي نَفْلًا، وعليه الفَتوَى.
وَفي غَريبِ الرِّوايةِ قالَ أبو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: لا يُمنَعُ في المِصرِ مِنْ إتيانِ الجُمُعةِ، ويَسقُطُ مِنْ الأجْرِ بقَدْرِ اشتِغالِه بذلك إنْ كانَ بَعيدًا، وإنْ كانَ قَريبًا لَم يُحَطَّ عنه شَيءٌ مِنْ الأجْرِ؛ فإنْ كانَ بَعيدًا فاشتَغَلَ قَدْرَ رُبُعِ النَّهارِ، حُطَّ عنه رُبُعُ الأجرِ؛ فإنْ قالَ الأجيرُ: حُطَّ مِنْ الرُّبُعِ مِقدارَ اشتِغالي بالصَّلاةِ، لَم يكُنْ له ذلك. ثم قالَ: يُحتَمَلُ أنْ يَتحمَّلَ مِنْ الرُّبُعِ مِقدارَ اشتِغالِه بالصَّلاةِ، كَذا في المُحيطِ، استَأجَرَ أجيرًا شَهرًا لِيَعمَلَ له كَذا، لا يَدخُلُ يَومُ الجُمُعةِ لِلعُرفِ، وابتِداؤُه مِنْ صَلاةِ الفَجرِ. كَذا في خِزانةِ الفَتاوَى (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ أجَّرَ نَفْسَه مدَّةً مَعلومةً يَستَحقُّ مُستَأجِرُه نَفْعَه في جَميعِه مُختَصًّا به، سِوَى زَمنِ فِعلِ الصَّلَواتِ الخَمسِ بسُنَنِها الرَّاتِبةِ في أوقاتِها المَشروعةِ فيها، وسِوَى زَمنِ فِعلِ صَلاةِ جُمُعةٍ، وصَلاةِ عِيدِ فِطرٍ، أو أضْحَى؛ فإنَّ أزمِنةَ ذلك لا تَدخُلُ في العَقدِ، بَلْ هي مُستَثناةٌ شَرعًا، وعَلَى قِياسِ الخَمْسِ صَلاةُ الجِنازةِ، إذا تَعيَّنَ عليه حُضورُها.
قالَ المَجْدُ ﵀: ظاهِرُ النَّصِّ أنَّه يُمنَعُ مِنْ خُصوصِ الجَماعةِ؛ إلَّا بإذنٍ أو شَرطٍ.
قالَ الرُّحَيْبانيُّ ﵀: ويُتَّجَه باحتِمالٍ قَويٍّ أنَّ لِلأجيرِ الخاصِّ فِعلَ الصَّلاةِ جَماعةً (٢).
стр. 5698
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ أحمَدُ: أجيرُ المُشاهَرةِ يَشهَدُ الأعيادَ والجُمُعةَ، ولا يَشتَرِطُ ذلك. قيلَ لَهُ: فيَتَطَوَّعُ بالرَّكعَتَيْنِ؟ قالَ: ما لَم يَضُرَّ بصاحِبِه. إنَّما أباحَ له ذلك لأنَّ أوقاتَ الصَّلاةِ مُستَثْناةٌ مِنْ الخِدمةِ، ولِهَذا وَقَعَتْ مُستَثْناةً في حَقِّ المُعتَكِفِ بتَرْكِ مُعتكَفِه لَها، وقالَ ابنُ المُبارَكِ: لا بَأْسَ أنْ يُصَلِّيَ الأجيرُ رَكعاتِ السُّنةِ، وقالَ أبو ثَورٍ، وابنُ المُنذِرِ: لَيسَ له مَنْعُه مِنها (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: أجيرُ العَينِ يَجِبُ عليه حُضورُ الجُمُعةِ، قالوا: وأمَّا ما جَرَتْ به العادةُ مِنْ إحضارِ الخُبزِ لِمَنْ يَخبِزُه ويُعطَى ما جَرَتْ به العادةُ مِنْ الأُجرةِ، فليسَ اشتِغالُه بالخُبزِ عُذرًا، بَلْ يَجِبُ حُضورُ الجُمُعةِ، وإنْ أدَّى إلى تَلَفِه ما لَم يُكرِهْهُ صاحِبُ الخُبزِ على عَدَمِ الحُضورِ، فلا يَعصِي، ويَنبَغي أنَّه لَو تَعدَّى ووَضعَ يَدَه عليه، وكانَ لَو تَركَه وذَهَبَ إلى الجُمُعةِ تَلِفَ كانَ ذلك عُذرًا، وإنْ أثِمَ بأصْلِ اشتِغالِه به على وَجهٍ يُؤدِّي إلى تَلَفِه لَو ذَهَبَ إلى الجُمُعةِ، ومِثلُه في ذلك بَقيَّةُ العُمالِ؛ كالنَّجَّارِ والبَنَّاءِ ونَحوِهِما، قالَ الجَمَلُ في «حاشِيَته»: وظاهِرُ إطلاقِه كَحَجٍّ أنَّه حَيثُ لَم يَفسُدُ عَملُه يَجِبُ عليه الحُضورُ، وإنْ زادَ زَمنُه على زَمنِ صَلاتِه بمَحَلِّ عَملِه، ولَو طالَ، وعِبارةُ الإيعابِ والمُعتَمَدِ أنَّ الإجارةَ لَيسَتْ عُذرًا في الجُمُعةِ؛ فقَد ذكرَ الشَّيخانِ في بابِها أنَّه يُستَثْنَى مِنْ زَمنِها زَمنُ الصَّلاةِ والطَّهارةِ والصَّلاةِ
стр. 5699
الرَّاتِبةِ والمَكتوبةِ، ولَو كانَتْ جُمُعةً، وبَحَثَ الأذرَعيُّ أنَّه لا يَلزَمُ المُستَأجِرَ تَمكينُه مِنْ الذَّهابِ إلى المَسجِدِ لِلجَماعةِ في غيرِ الجُمُعةِ، قالَ: ولا شَكَّ فيه عندَ بُعدِه، أو كَوْنِ إمامِه يُطيلُ الصَّلاةَ ا. هـ؛ بحُروفِه، وعليه فيُفَرَّقُ بينَ الجُمُعةِ والجَماعةِ بأنَّ الجَماعةَ صِفةٌ تابِعةٌ، وتَتكَرَّرُ، فاشتُرِطَ لِاغتِفارِها ألَّا يَطولَ زَمنُها؛ رِعايةً لِحَقِّ المُستَأجِرِ، واكتُفِيَ لِتَفريغِ الذِّمةِ بالصَّلاةِ فُرادَى بخِلافِ الجُمُعةِ، فلَم تَسقُطْ، وإنْ طالَ زَمنُها؛ لأنَّ سُقوطَها يُفَوِّتُ الصَّلاةَ بلا بَدَلٍ. اه (١).
وقالَ الشَّيخُ زَكَريا الأنصاريُّ ﵀: زَمنُ الطَّهارةِ والصَّلاةِ المَكتوبةِ ولَو كانَ جُمُعةً، والرَّاتِبةِ، مُستَثْنًى في الإجارةِ لِعَملِ مدَّةٍ، فلا يُنْقَصُ مِنْ الأُجرةِ شَيءٌ، فلَو صَلَّى ثم قالَ: كُنْتُ مُحدِثًا، قالَ القَفَّالُ: لا نَمنَعُه مِنْ الإعادةِ، لَكِنْ يَسقُطُ مِنْ الأُجرةِ بقَدْرِ الصَّلاةِ الثَّانيةِ ونَمنَعُه مِنْ الثَّالثةِ؛ لأنَّه مُتعنِّتٌ، قالَ الأذرَعيُّ، والظَّاهِرُ: أنَّ المُستَأجِرَ لا يَلزَمُه تَمكينُه مِنْ الذَّهابِ إلى المَسجِدِ لِلجَماعةِ في غيرِ الجُمُعةِ، ولا شَكَّ فيه عندَ بُعدِه عَنهُ؛ فإنْ كانَ بقُربِه جِدًّا ففيه احتِمالٌ، اللَّهمَّ إلَّا أنْ يَكونَ إمامُه مِمَّنْ يُطيلُ الصَّلاةَ، فلا، وعَلَى الأجيرِ أنْ يُخفِّفَ الصَّلاةَ مع إتْمامِها، ثم مَحَلُّ تَمكِينِه مِنْ الذَّهابِ إلى الجُمُعةِ إذا لَم يَخْشَ على عَملِه الفَسادَ، وهو ظاهِرٌ، وكَذا سَبْتُ اليَهودِ مُستَثْنًى إنِ اعتِيدَ لَهم، وحُكمُ النَّصارَى في يَومِ الأحَدِ كذلك، قالَه الزَّركَشيُّ، قالَ: وهَلْ يَلحَقُ بذلك بَقيَّةُ أعيادِهِم؟ فيه نَظَرٌ، لا سيَّما التي
стр. 5700
تَدومُ أيَّامًا، والأقرَبُ المَنْعُ؛ لِعَدَمِ اشتِهارِها في عُرفِ المُسلِمينَ، وجَهلِ أكثَرِ النَّاسِ لَها، والذِّميُّ مُفَرِّطٌ بعَدَمِ استِثْنائِها (١).
وقالَ السُّيوطيُّ ﵀: سُئِلَ الغَزاليُّ عن اليَهوديِّ إذا أجَّرَ نَفْسَه مدَّةً مَعلومةً، ما حُكمُ السُّبوتِ التي تَتخلَّلُها إذا لَم يَستَثْنِها؛ فإنِ استَثْناها فهَل تَصحُّ الإجارةُ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى تَأخيرِ التَّسليمِ عن العَقدِ؟
فَأجابَ: إذا اطَّردَ عُرفُهم بذلك، كانَ إطلاقُ العَقدِ؛ كالتَّصريحِ بالِاستِثْناءِ، كاستِثْناءِ اللَّيلِ في عَملٍ لا يُتَوَلَّى إلَّا بالنَّهارِ، وحُكمُه أنَّه لَو أنشَأَ الإجارةَ في أوَّلِ اللَّيلِ مُصَرِّحًا بالإضافةِ إلى أوَّلِ الغَدِ لَم يَصحَّ، وإنْ أطلَقَ صَحَّ؛ وإنْ كانَ الحالُ يَقتَضي تَأخيرَ العَملِ، كَما لَو أجَّرَ أرضًا لِلزِّراعةِ في وَقتٍ لا يُتصوَّرُ المُبادَرةُ إلى زَرعِها فيه، أو أجَّرَ دارًا مَشحونةً بالأمتِعةِ لا تُفرَّغُ إلَّا في يَومٍ أو يَومَيْنِ. انتَهَى، وقَد نقلَه عنه الرَّافِعيُّ، والنَّوَويُّ، ولَم يَنقُلاه عن غَيرِه، قالَ السُّبكيُّ: ولا يَنبَغي أنْ يُؤخَذَ مُسلَّمًا، بَلْ يُنظَرُ فيه، قالَ: وقَد سُئِلَ عنه قاضي القُضاةِ أبو بَكرٍ الشَّاميُّ، فقالَ: يُجبَرُ على العَملِ فيها؛ لأنَّ الِاعتِبارَ بشَرعِنا في ذلك؛ فذُكِرَ له كَلامُ الغَزاليِّ فقالَ: لَيسَ بصَحيحٍ، ثم قالَ: يُحتَمَلُ أنْ يُقالَ ذلك ويُستَثْنَى بالعُرفِ.
قالَ السُّبكيُّ ﵀: وكَلامُ الغَزاليِّ مَتينٌ وقَويمٌ، وفيه فَوائِدُ، وهو أَوْلَى مِنْ قَولِ أبي بَكرٍ الشَّاميِّ؛ لأنَّ العُرفَ -وإنْ لَم يكُنْ عامًّا- مَوجودٌ فيه، فيُنزَلُ مَنزِلةَ العُرفِ في أوقاتِ الرَّاحةِ ونَحوِها.
стр. 5701
قالَ: وقولُه إذا اطَّردَ عُرفُهم بذلك؛ يَنبَغي أنْ يُحمَلَ على عُرفِ المُستَأجِرِ والمُؤجِّرِ جَميعًا، سَواءٌ كانَ المُستَأجِرُ مُسْلِمًا أو لا، فلَو كانَ عُرفُ اليَهودِ مُطَّرِدًا بذلك، ولَكنَّ المُستَأجِرَ المُسلِمَ لَم يَعرِفْ ذلك، لَم يكُنْ إطلاقُ العَقدِ في حَقِّه مُنزَلًا مَنزِلةَ الِاستِثناءِ، والقولُ قولُ المُسلِمِ في ذلك، إذا لَم يكُنْ مِنْ أهلِ تلك البَلدةِ، ولَم يُعلَمْ مِنْ حالِه ما يَقتَضي مَعرِفَتَه بذلك العُرفِ؛ وحينئذٍ هَلْ يَقولُ: العَقدُ باطِلٌ، أو يَصحُّ ويثبُتُ له الخيارُ، أو يُلزَمُ اليَهوديُّ بالعَملِ؟ فيه نَظَرٌ؛ والأقرَبُ الثَّالث؛ لأنَّ اليَهوديَّ مُفَرِّطٌ بالإطلاقِ مع مَنْ لَيسَ مِنْ أَهلِ العُرفِ. قالَ: وإذا اقتَضَى الحالُ استِثْناءَها وأسلَمَ الذِّميُّ في مدَّةِ الإجارةِ، وأتَى عليه بعدَ إسلامِه يَومُ سَبتٍ وجبَ العَملُ فيه؛ لأنَّا نَقولُ عندَ الِاستِثناءِ: إنَّه خارِجٌ عن عَقدِ الإجارةِ؛ فإنَّه لَو كانَ كذلك لَجَرَى في الإجارةِ خِلافٌ؛ كَإجارةِ العَقِبِ، ولَجازَ له أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه يَومَ السَّبتِ لِآخَرَ، وتَجويزُ ذلك بَعيدٌ؛ فإنَّه يَلزَمُ منه عَقدُ الإجارةِ على العَينِ لِشَخصَيْنِ، على الكَمالِ في مدَّةٍ واحِدةٍ، وكَلامُ الفُقهاءِ يَأباه، وصَرَّحوا بأنَّه إذا وَردَ عَقدٌ على عَينٍ لا يَجوزُ أنْ يُعقَدَ عليها مِثلُه، وهَكَذا نَقولُ في استِثْناءِ أوقاتِ الصَّلَواتِ ونَحوِها، لَيسَ مَعناه أنَّ تلك الأوقاتَ مُتخلِّلةٌ بينَ أزمانِ الإجارةِ؛ كَإجارةِ العَقِبِ، بَلْ يَقولُ في كلِّ ذلك: إنَّ مَنفَعةَ ذلك الشَّخصِ في جَميعِ تلك المدَّةِ مُستَحقَّةٌ لِلمُستَأجِرِ، مَملوكةٌ بمُقتَضَى العَقدِ، ومَعَ هذا يَجِبُ عليه تَوفيرُه مِنْ العَملِ في تلك الأوقاتِ، كَما أنَّ السَّيِّدَ يَستَحقُّ مَنفَعةَ عَبدِه في جَميعِ الأوقاتِ، ومَعَ ذلك يَجِبُ تَوفيرُه في أوقاتِ الصَّلَواتِ والرَّاحةِ باللَّيلِ ونَحوِها؛ فهذا هو مَعنَى الِاستِثناءِ، وهو استِثناءٌ مِنْ
стр. 5702
الِاستيفاءِ، لا مِنْ الِاستِحقاقِ، وإنْ شِئتَ قُلتَ: مِنْ استِيفاءِ المَملوكِ، لا مِنْ المَالِكِ، وإنْ شِئتَ قُلتَ: العَقدُ مُقتَضٍ لِاستِحقاقِها، ولَكِنْ مَنَعَ مانِعٌ، فاستَثناها، وحينئذٍ فالسُّبوتُ داخِلةٌ في الإجارةِ، ومِلكُ المُستَأجِرِ مَنفعَتُه فيها، وإنَّما امتَنَعَ عليه الِاستيفاءُ لِأمرٍ عُرفيٍّ مَشروطٍ ببَقاءِ اليَهوديَّةِ، فإذا أسلَمَ لَم يَبقَ مانِعٌ، والِاستِحقاقُ ثابِتٌ؛ لِعُمومِ العَقدِ؛ فيَستَوفيه، ويَجِبُ عليه بَعدَما أسلَمَ أنْ يُؤدِّيَ الصَّلَواتِ في أوقاتِها، ويَزولُ استِحقاقُ المُستَأجِرِ لِاستيفائِها بالإسلامِ، وإنْ كانَتْ مَملوكةً له بالعَقدِ، كَما لَم يَستَحقَّ استِيفاءَها في استِئجارِ المُسلِمِ، وإنْ كانَتْ مَملوكةً له بالعَقدِ؛ وإنَّما وجبَ استِحقاقُ صَرفِها قبلَ الإسلامِ إلى العَملِ؛ لِعَدَمِ المانِعِ مِنْ استِيفائِها، مع استِحقاقِها، ونَظيرُه لَوِ استَأجَرَ امرَأةً لِعَملٍ مدَّةً، فحاضَتْ في بَعضِها، فأوقاتُ الصَّلاةِ في زَمنِ الحَيضِ غيرُ مُستَثناةٍ، وفي غَيرِه مُستَثناةٌ، ولا يُنظَرُ في ذلك إلى حالِ العَقدِ، بَلْ إلى حالِ الِاستِيفاءِ، وهَكَذا اكتِراءُ الإبِلِ إلى الحَجِّ، وسَيْرُها مَحمولٌ على العادةِ، والمَنازِلِ المُعتادةِ، فلَوِ اتَّفقَ في مدَّةِ الإجارةِ تَغييرُ العادةِ وسارَ النَّاسُ على خِلافِ ما كانوا يَسيرونَ فيما لا يَضُرُّ بالأجيرِ والمُستَأجِرِ، وجبَ الرُّجوعُ إلى ما صارَ عادةُ النَّاسِ، ولا نَقولُ بانفِساخِ العَقدِ، واعتِبارِ العادةِ الأُولَى، هذا مُقتَضَى الفِقهِ، وإنْ لَم أجِدْه مَنقولًا، قالَ: ولَوِ استَعمَلَ المُستَأجِرُ اليَهوديَّ يَومَ السَّبتِ ظالِمًا، أو ألزَم المُسلِمَ العَملَ في أوقاتِ الصَّلاةِ ونَحوِها، لَم يَلزَمْه أُجرةُ المِثلِ، وقَد قالَ البَغوَيُّ في فَتاويهِ: إنَّه لَوِ استَأجَرَ عَبدًا فاستَعمَلَه في أوقاتِ الرَّاحةِ لَم يَجِبْ عليه أُجرةٌ زائِدةٌ؛ لأنَّ جُملةَ الزَّمانِ مُستَحقَّةٌ، وتَرْكَ الرَّاحةِ لِيتَوَافَرَ
стр. 5703
عليه عَملُهُ؛ فإنْ دخلَه نَقصٌ وجبَ عليه أرْشُ نَقْصِه، كَما لَوِ استَعمَلَه في أوقاتِ الصَّلاةِ، لا يَجِبُ عليه زِيادةُ أُجرةٍ، وعليه تَرْكُه لِقَضاءِ الصَّلاةِ. هذه عِبارَتُه. انتَهَى (١).
وقالَ النَّوَويُّ ﵀: لوِ استأجَرَه لِعَملٍ مدَّةً يَكونُ زَمنُ الطَّهارةِ والصَّلَواتِ فَرائِضِها وسُنَنِها الرَّواتِبِ مُستَثْنًى، ولا يُنْقَصُ مِنْ الأُجرةِ، وسَواءٌ فيه الجُمُعةُ وغَيرُها.
وعنِ ابنِ سُرَيجٍ جَوازُ تَرْكِ الجُمُعةِ بهذا السَّبَبِ، حَكاه أبو الفَضلِ بنِ عِبدانَ.
والسُّبُوتُ (٢) في استِئجارِ اليَهوديِّ مُستَثْناةٌ، إنِ اطَّردَ عُرفُهم، قالَه الغَزاليُّ في «الفَتَاوَى» (٣).
استِئجارُ المَرأةِ لِلخِدمةِ:
يَجوزُ لِلمَرأةِ أنْ تَستَأجِرَ المَرأةَ، ويَجوزُ لِلرجُلِ أنْ يَستَأجِرَ الرجُلَ، إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا في حُكمِ المَرأةِ، هَلْ يَجوزُ لِلرجُلِ أنْ يَستَأجِرَها لِلخِدمةِ أو لا، عندَ وُجودِ الخَلوةِ بها، وأمَّا إنِ استَأجَرَها لِلخِدمةِ أو لِعَملٍ ولا تُوجَدُ خَلوةٌ بَينَهما فلا خِلافَ في جَوازِه عِندَهم.
قالَ الحَنفيَّةُ: يُكرَهُ لِلرجُلِ أنْ يَستَأجِرَ امرَأةً لِلخِدمةِ، قالَ الإمامُ
стр. 5704
أبو حَنيفةَ: أكرَهُ أنْ يَستَأجِرَ الرجُلُ امرَأةً حُرَّةً يَستَخدِمُها ويَخلو بها، وكذلك الأَمَةُ، وهو قولُ أبي يُوسفَ، ومُحمَّدٍ، أمَّا الخَلوةُ فلأنَّ الخَلوةَ بالمَرأةِ الأجنَبيَّةِ مَعصيةٌ، وأمَّا الِاستِخدامُ فلأنَّه لا يُؤمَنُ معه الِاطِّلاعُ عليها، والوُقوعُ في المَعصيةِ (١).
وقالَ بُرهانُ الدِّينِ بنُ مازَه ﵀ في «المُحيطُ البُرهانيُّ»:
قالَ مُحمَّدٌ ﵀ في «الأصلُ»: ويُكرَهُ لِلرجُلِ أنْ يَستَأجِرَ امرَأةً حُرَّةً يَستَخدِمُها بخَلوَتِها؛ لأنَّ الخَلوةَ بالأجنَبيَّةِ قبلَ الإجارةِ مَكروهةٌ؛ لكيلَا تَصيرَ سَبَبًا لِلوُقوعِ في الفِتنةِ، وهذا المَعنَى مَوجودٌ بعدَ الإجارةِ، لَكنَّ الإجارةَ جائِزةٌ؛ لأنَّها عُقِدَتْ على الِاستِخدامِ، وأنَّه مُباحٌ في الخَلوةِ بها، وقَد يَخلو بها، وقَد لا يَخلو بها، وكانَ بمَنزِلةِ الِاستِئجارِ على كِتابةِ النَّوْحِ والغِناءِ، فإنَّها جائِزةٌ؛ لأنَّ المَعصيةَ في القِراءةِ، وعَسَى تُقرَأُ وعَسَى لا تُقرَأُ، كَذا ههُنا، إلَّا أنَّه لَم يَذكُرِ الكَراهةَ ثَمةَ، وذكرَ ههُنا؛ لأنَّه قد يَخلو بها، والخَلوةُ بالأجنَبيَّةِ في الحَملِ على المَعصيةِ أبلَغُ مِنْ الكِتابةِ في حَملِه على القِراءةِ، فلِهَذا ذكرَ الكَراهةَ ههُنا، ولَم يَذكُرْ ثَمةَ.
وفي «النَّوازِلُ»: «حُرَّةٌ أجَّرَتْ نَفْسَها مِنْ رَجُلٍ ذي عِيالٍ، فلا بَأْسَ به، ولَكِنْ يُكرَهُ أنْ يَخلُوَ بها؛ لأنَّه مِنْ احتِمالِ الوُقوعِ في الفَسادِ، وهو تَفسيرُ ما ذُكِرَ في الأصْلِ» (٢).
стр. 5705
وأمَّا الشافِعيَّةُ: فجاءَ في حاشِيةِ عُميرةَ: ولوِ استَأجَرَ أجنَبِيٌّ أَمَةً تَخدُمُه فوَجهانِ، ويَنبَغي أنْ يَكونَ الأصَحُّ التَّحريمَ؛ لأنَّه لا يَنفَكُّ عن النَّظَرِ غالِبًا (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا استَأجَرَ امرَأةً أجنَبيَّةً حُرَّةً أو أَمَةً لِشُغلٍ مُباحٍ لِعَملِهِ؛ جازَ، نَصَّ عليه، وكانَ حُكمُ النَّظَرِ إلَيها والخَلْوةِ بها على ما كانَ عليه قبلَ الإجارةِ.
قالَ الإمامُ أحمَدُ ﵀: يَجوزُ أنْ يَستَأجِرَ الأجنَبيُّ الأَمَةَ والحُرَّةَ لِلخِدمةِ، ولَكِنْ يَصرِفُ وَجهَهُ عن النَّظَرِ لِلحُرَّةِ. لَيسَتِ الأَمَةُ مثلَ الحُرَّةِ، ولا يَخلُو مَعَها في بَيتٍ، ولا يَنْظُرُ إلَيها مُتجَرِّدةً، ولا إلى شَعرِها، إنَّما قالَ ذلك لأنَّ حُكمَ النَّظَرِ بعدَ الإجارةِ كَحُكمِه قَبلَها، وفَرقٌ بينَ الحُرَّةِ والأَمَةِ؛ لأنَّهما تَختَلِفانِ قبلَ الإجارةِ، فكذلك بَعدَها، فلا يُباحُ لِلمُستَأجِرِ النَّظَرُ لِشَيءٍ مِنْ الحُرَّةِ، بخِلافِ الأَمَةِ، فيُنظَرُ مِنها إلى الأعضاءِ السِّتَّةِ، أو إلى ما عَدَا عَورةَ الصَّلاةِ.
والحاصِلُ: أنَّ المُستَأجِرَ لَهُما كالأجنَبيِّ، فلا يَجوزُ له أنْ يَخلُوَ مع إحداهُما في بَيتٍ، ولا أنْ يَنظُرَ إلى الحُرَّةِ مُتجَرِّدةً، ولا إلى شَعرِها المُتصلِ؛ لأنَّه عَورةٌ مِنها، بخِلافِ الأَمَةِ (٢).
وقد تَقدَّمَ الكَلامُ عن حُكمِ إجارةِ الزَّوجةِ، سَواءٌ بإذْنِ زَوجِها أو بغَيرِ إذْنِه.
стр. 5706
إجارةُ الذِّميِّ لِلمُسلِمِ لِلخِدمةِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يَستَأجِرَ الذِّميَّ.
وَكذلك لا خِلافَ بَينَهم على أنَّ المُسلِمَ إنْ أجَّرَ نَفْسَه مِنْ الذِّميِّ في عَملٍ مُعيَّنٍ في الذِّمةِ؛ كَخِياطةِ ثَوبٍ وقِصارَتِه جازَ مع الكَراهةِ عندَ الجُمهورِ؛ لأنَّ عَليًّا أجَّرَ نَفْسَه مِنْ يَهوديٍّ يَسقي لَه: كلُّ دَلْوٍ بتَمْرةٍ، وأخبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلك فلَم يُنكِرْه، وكذلك الأنصاريُّ، ولأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ لا يَتضمَّنُ إذلالَ المُسلِمِ ولا استِخدامَه، أشبَهَ مُبايَعَتَه.
وَإنَّما اختَلفوا: هَلْ يَجوزُ لِلذِّميِّ أنْ يَستَأجِرَ المُسلِمَ لِلخِدمةِ أو لا؟
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ، والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُكرَهُ لِلمُسلِمِ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه لِلخِدمةِ لِلذِّميِّ فيما لَيسَ مُحرَّمًا على المُسلِمِ، وإلَّا حَرُمَ.
قالَ الحَنفيَّةُ: لَوِ استَأجَرَ ذِمِّيٌّ مُسلِمًا لِيَخدُمَه، ذُكِرَ في الأصلِ أنَّه يَجوزُ، وأكرَهُ لِلمُسلِمِ خِدمةَ الذِّميِّ، أمَّا الكَراهةُ؛ فلأنَّ الِاستِخدامَ استِذلالٌ، فكانَتْ إجارةُ المُسلِمِ نَفْسَه منه إذلالًا لِنَفْسِه، وليسَ لِلمُسلِمِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَه، خُصوصًا بخِدمةِ الكافِرِ.
وأمَّا الجَوازُ؛ فلأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فيَجوزُ، كالبَيعِ (١).
وفي «فَتاوَى الفَضْلِيِّ»: لا تَجوزُ إجارةُ المُسلِمِ نَفْسَه مِنْ النَّصرانيِّ
стр. 5707
لِلخِدمةِ، وفيما سِوَى الخِدمةِ يَجوزُ، والأجيرُ في سَعةٍ مِنْ ذلك ما لَم يكُنْ في ذلك إذلالٌ (١).
وَجاءَ في «غَمزُ عُيونِ البَصائِرِ شَرحُ كِتابِ الأشباهِ والنَّظائِرِ» لِابنِ نُجَيمٍ لِلحَمَويِّ: قولُهُ: ويُكرَهُ للمُسلِمِ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه مِنْ كافِرٍ لِعَصرِ العِنَبِ.
أقولُ: لَيسَ عَصرُ العِنَبِ قَيدًا، بَلِ المُرادُ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه لِخِدمَتِه؛ لِمَا في شَرحِ المَجمَعِ لِابنِ المَلِكِ: لَوِ استَأجَرَ الكافِرُ مُسلِمًا لِلخِدمةِ جازَ اتِّفاقًا، ولَكنَّه يُكرَهُ؛ لأنَّ فيه استِهانةً صُورةً، انتَهَى.
وَفِي «الذَّخيرةُ»: إذا دخلَ يَهوديٌّ الحَمَّامَ هَلْ أباحَ لِلخادِمِ المُسلِمِ أنْ يَخدُمَه، إنْ خَدَمَه طَمعًا في فُلُوسِه فلا بَأْسَ بهِ؛ فإنْ فعلَ ذلك تَعظيمًا له مِنْ غيرِ أنْ يَنويَ ما ذَكَرْناه، أو قامَ تَعظيمًا لِغِناه كُرِهَ ذلك (٢).
وقالَ المالِكيَّةُ: يُكرَهُ لِلمُسلِمِ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَه أو وَلَدَه أو عبدَه المُسلِمَ أو دَابَّتَه لِكافِرٍ، ومَحَلُّها إذا كانَ المُسلِمُ يَجوزُ له فِعلُ ذلك لِنَفْسِهِ؛ كالخِياطةِ والبِناءِ والحَرثِ وما أشبَهَ ذلك، وأمَّا ما لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ فِعلُه لِنَفْسِه، كَعَصرِ الخَمرِ ورَعْيِ الخَنازيرِ وما أشبَهَ ذلك؛ فإنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَه، ويُؤَدَّبُ المُسلِمُ، إلَّا أنْ يُعذَرَ بجَهالةٍ.
فَإنْ عُثِرَ عليها قبلَ العَملِ فُسِخَتْ، وإنْ فاتَتْ بالعَملِ؛ فإنَّ الأُجرةَ تُؤخَذُ مِنْ الكافِرِ ويُتَصَدَّقُ بها على الفُقَراءِ، أدَبًا لِلمُسلِمِ، إلَّا أنْ يُعذَرَ لِأجْلِ جَهلٍ ونَحوِهِ؛ فإنَّها لا تُؤخَذُ مِنه.
стр. 5708
وَجاءَ في «المُدوَّنةُ الكُبرَى»: في الرجُلِ يُؤاجِرُ نَفْسَه مِنْ النَّصرانيِّ:
قُلتُ: أرَأيتَ لَو أنَّ نَصرانيًّا آجَرَ مُسلِمًا لِيَخدُمَه، أتَجوزُ هذه الإجارةُ في قَولِ مالِكٍ؟ قالَ: سُئِلَ مالِكٌ عن المُسلِمِ يَأخُذُ مِنْ النَّصرانيِّ مالًا قِراضًا، فَكَرِهَ ذلك لَه، وغَيرُه مِنْ أهلِ العِلمِ قد كَرِهَ ذلك، ولا أرَى مالِكًا كَرِهَ ذلك إلَّا مِنْ وَجهِ الإجارةِ، وقَد بَلَغَني أنَّ مالِكًا كَرِهَ أنْ يُؤاجِرَ المُسلِمُ نَفْسَه مِنْ النَّصرانيِّ.
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ آجَرَه هذا المُسلِمُ نَفْسَه على أنْ يَحرُسَ له زَيتُونَه أو يَحرُثَ له أو يَبنيَ له بُنيانًا؟ قالَ: أكرَهُ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَه في خِدمةِ هذا النَّصرانيِّ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: يَصحُّ مع الكَراهةِ أنْ يَستَأجِرَ الذِّميُّ مُسلِمًا، ولو إجارةَ عَينٍ، ويَستَنيبُ المُسلِمُ كافِرًا يَقومُ عنه بخِدمةِ الكافِرِ، وُجوبًا في إجارةِ الذِّمةِ، ويُؤمَرُ وُجوبًا بإزالةِ مِلْكِه عنه في إجارةِ العَينِ، ولِلحاكِمِ مَنْعُه منها، ولا يَجوزُ لِمُسلِمٍ خِدمةُ كافِرٍ، ولو بغَيرِ إجارةٍ (٢).
وقالَ الشِّيرازِيُّ في «المُهَذَّبُ»: فَصلٌ: واختَلفوا في الكافِرِ إذا استأجَرَ مُسلِمًا إجارةً مُعيَّنةً؛ فمِنهم مَنْ قالَ: فيه قولانِ؛ لأنَّه عَقدٌ يَتضمَّنُ حَبسَ المُسلِمِ؛ فصارَ كبَيعِ العَبدِ المُسلِمِ منه، ومنهم مَنْ قالَ: يَصحُّ قَولًا واحِدًا؛
стр. 5709
لأنَّ علِيًّا كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ كانَ يَستَقي الماءَ لِامرأةٍ يَهوديَّةٍ: كلُّ دَلْوٍ بتَمرةٍ (١).
وقالَ العِمرانيُّ ﵀: وإنِ استَأجَرَ الكافِرُ مُسلِمًا، نُظِرَتْ: فإنِ استَأجَرَه لِعَملٍ في ذِمَّتِه صَحَّ؛ لأنَّه لا صَغارَ عليه في ذلك.
وَإنِ استَأجَرَه لِعَملٍ مُقدَّرٍ، في زَمانٍ مَعلومٍ ففيه طَريقانِ:
الأولُ: مِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: فيه قولانِ، بِناءً على القوليْنِ في جَوازِ شِراءِ الكافِرِ لِلمُسلِمِ؛ لأنَّ في ذلك استيلاءً عليه وصَغارًا، كالمِلْكِ.
والآخَرُ: مِنهم مَنْ قالَ: يَصحُّ، قَولًا واحِدًا؛ لِمَا ذَكَرْناه مِنْ حَديثِ عَلِيٍّ، ولأنَّ ذلك عَملٌ في مُقابَلةِ عِوَضٍ، فأشبَهَ العَملَ في ذِمَّتِه، ويُخالِفُ المِلْكَ؛ لأنَّه يَقتَضي تَسَلُّطًا واستِدامةَ مُلْكِه عليه (٢).
وسُئِلَ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَميُّ عمَّا إذا استأجَرَ الكافِرُ مُسلِمًا إجارةَ عَينٍ هل يَحرُمُ على المُسلِمِ إتمامُ الإجارةِ بنَفْسِه؟
فأجابَ بقَولِه: لا يَحرُمُ على المُسلِمِ إتمامُ الإجارةِ بنَفْسِه، بل يُكرَهُ له، نَعَمْ إنْ كانَتِ الإجارةُ فيما يُمتَهَنُ به؛ كالأعمالِ الدَّنيئةِ غيرِ اللَّائِقةِ به، اشتَدَّتِ الكَراهةُ، بل قيلَ بالحُرمةِ حينئذٍ (٣).
وَذَهَبَ الحَنابِلةُ -في المَذهبِ- والشافِعيَّةُ -في قَولٍ- كَما تَقدَّمَ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه لِخِدمةِ الكافِرِ.
стр. 5710
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وتَلخيصُ مَذهبِه (أي: الإمامِ أحمدَ ﵀): أنَّ إجارةَ المُسلِمِ نَفْسَه لِلذِّميِّ ثَلاثةُ أنواعٍ:
أحَدُها: إجارةٌ على عَملٍ في الذِّمةِ، فهذه جائِزةٌ.
الثَّاني: إجارةٌ لِلخِدمةِ، فهذه فيها رِوايَتانِ مَنصوصَتانِ، أصَحُّهما المَنْعُ مِنها.
الثَّالث: إجارةُ عَينِه منه لِغَيرِ الخِدمةِ، فهذه جائِزةٌ، وقَد آجَرَ عَلِيٌّ ﵁ نَفْسَه مِنْ يَهوديٍّ يَستقِي لَه: كلُّ دَلْوٍ بتَمرةٍ، وأكَلَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ ذلك التَّمرِ.
هَذا كلُّه إذا كانَ الإيجارُ لِعَملٍ لا يَتضمَّنُ تَعظيمَ دِينِهم وشَعائِرِه، فإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَملٍ يَتضمَّنُ ذلك لَم يَجُزْ، كَما نَصَّ عليه أحمَدُ في رِوايةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، وقَد سَألَه رَجُلٌ بَنَّاءٌ: أبْنِي ناووسًا لِلمَجوسِ؟ فقالَ: لا تَبْنِ لَهُمْ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا تَجوزُ إجارةُ المُسلِمِ لِلذِّميِّ لِخِدمَتِه، نَصَّ عليه أحمَدُ في رِوايةِ الأثرَمِ، فقالَ: إنْ أجَّرَ نَفْسَه مِنْ الذِّميِّ في خِدمَتِه لَم يَجُزْ، وإنْ كانَ في عَملِ شَيءٍ جازَ، وهذا أحَدُ قَولَيِ الشَّافِعيِّ، وقالَ في الآخَرِ: تَجوزُ؛ لأنَّه تَجوزُ له إجارةُ نَفْسِه في غيرِ الخِدمةِ، فجازَ فيها؛ كَإجارَتِه مِنْ المُسلِمِ.