← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ليَغسِلْه سَبعَ مِرارٍ» وفي رِوايةٍ: «طَهورُ إناءِ أحدِكم إذا ولَغَ فيه الكَلبُ أنْ يَغسلَه سَبعَ مَراتٍ أُولاهُنَّ بالتُّرابِ» (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: والدِّلالةُ من الحَديثِ الأولِ ظاهِرةٌ؛ لأنَّه لو لم يَكنْ نَجسًا لَمَا أمَرَ بإِراقَتِه؛ لأنَّه يَكونُ حينَئذٍ إِتلافَ مالٍ، وقد نُهينا عن إِضاعةِ المالِ، ومن الحَديثِ الثاني ظاهِرةٌ أيضًا؛ فإنَّ الطَّهارةَ تَكونُ من حَدثٍ أو نَجسٍ، وقد تعذَّرَ الحَملُ هنا على طَهارةِ الحَدثِ فتَعيَّنت طَهارةُ النَّجسِ (٢). قالَ الإمامُ النَّوويُّ أيضًا: وفيه -أي: الحَديثِ- وُجوبُ غَسلِ نَجاسةِ وُلوغِ الكَلبِ سَبعَ مَراتٍ، وهذا مَذهبُنا ومَذهبُ مالِكٍ وأحمدَ والجَماهيرِ، وقالَ أبو حَنيفةَ: يَكفي غَسلُه ثَلاثَ مَراتٍ، واللهُ أعلَمُ، وأمَّا الجَمعُ بينَ الرِّواياتِ فقد جاءَ في رِوايةٍ: «سَبعَ مَراتٍ»، وفي رِوايةٍ: «سَبعَ مَراتٍ أُولاهُنَّ بالتُّرابِ»، وفي رِوايةٍ «أُخراهُنَّ أو أُولاهُنَّ»، وفي رِوايةٍ «سَبعَ مَراتٍ السابِعةُ بالتُّرابِ»، وفي رِوايةٍ: «سَبعَ مَراتٍ وعَفِّروه الثامِنةَ بالتُّرابِ»، وقد رَوى البَيهَقيُّ وغيرُه هذه الرِّواياتِ كلَّها وفيها دَليلٌ على أنَّ التَّقييدَ بالأُولى وبغيرِها ليسَ على الاشتِراطِ، بل المُرادُ إحداهُنَّ، وأمَّا رِوايةُ «وعَفِّروه الثامِنةَ بالتُّرابِ» فمَذهبُنا ومَذهبُ الجَماهيرِ أنَّ المُرادَ اغسِلوه

стр. 597

سَبعًا واحِدةٌ منهُنَّ بالتُّرابِ مع الماءِ، فكأنَّ التُّرابَ قائِمٌ مَقامَ غَسلةٍ فسُمِّيت ثامِنةً لهذا، واللهُ أعلَمُ. واعلَمْ أنَّه لا فَرقَ عندَنا بينَ وُلوغِ الكَلبِ وغيرِه من أجزائِه، فإذا أصابَ بَولُه أو رَوثُه أو دَمُه أو عَرقُه أو شَعرُه أو لُعابُه أو عُضوٌ من أَعضائِه شَيئًا طاهِرًا في حالِ رُطوبةِ أحدِهما وجَبَ غَسلُه سَبعَ مَراتٍ إحداهُنَّ بالتُّرابِ (١). وقالَ الزَّيلَعيُّ ﵀: والأمرُ بالإِراقةِ دَليلُ التَّنجسِ، وأقوى منه قَولُه ﷺ : «طَهورُ إناءِ أحدِكم إذا ولَغَ فيه الكَلبُ أنْ يَغسلَه سَبعًا» فهذا يُفيدُ النَّجاسةَ؛ لأنَّ الطَّهورَ مَصدرٌ بمَعنى الطَّهارةِ فيَستَدعي سابِقةَ التَّنجسِ أو الحَدثِ، والثاني مُنتفٍ فيَتعيَّنُ الأولُ، ولأنَّ الأصلَ في النُّصوصِ أنْ تَكونَ مَعقولةَ المَعنى، فإذا دارَ الأمرُ بينَ كَونِه مَعقولًا وتَعبدًا كانَ جَعلُه مَعقولَ المَعنى أَولى؛ لنُدرةِ التَّعبدِ وكَثرةِ التَّعقلِ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا يَختلفُ المَذهبُ في نَجاسةِ الكَلبِ والخِنزيرِ وما تَولَّدَ منهما إذا أصابَت غيرَ الأرضِ أنَّه يَجبُ غَسلُها سَبعًا إحداهُنَّ بالتُّرابِ سَواءٌ أكانَ من وُلوغِه أو غيرِه لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إذا ولَغَ الكَلبُ في إناءِ أحدِكم فليَغسِلْه سَبعًا إحداهُنَّ بالتُّرابِ» مُتَّفقٌ عليه، ولمُسلمٍ: «أُولاهُنَّ بالتُّرابِ» (٣).

стр. 598

وأمَّا الحَنفيةُ فقالوا: يُغسلُ ثَلاثَ مَراتٍ وُجوبًا؛ لمَا رَواه الطَّحاويُّ بإِسنادِه عن أبي هُرَيرةَ ﵁ «أنَّه يُغسلُ من وُلوغِ الكَلبِ ثَلاثَ مَراتٍ» (١)، وهو الراوي لاشتِراطِ السَّبعِ، وعندَنا إذا عمِلَ الراوي بخِلافِ ما رَوى أو أفتَى لا تَبقَى رِوايتُه حُجةً؛ لأنَّه لا يَحلُّ له أنْ يَسمعَ من النَّبيِّ ﷺ شَيئًا فيَعملَ أو يُفتيَ بخِلافِه، إذْ تَسقطُ به عَدالتُه، فدَلَّ على نَسخِه، وهو الظاهِرُ؛ لأنَّ هذا كانَ في الابتِداءِ حين كانَ يُشدِّدُ في أمرِ الكِلابِ، ويأمُرُ بقَتلِها قَلعًا لهم عن مُخالَطتِها، ثم ترَكَ، وهذا كما رُويَ أنَّه ﷺ كانَ يأمُرُ بكَسرِ الأَواني حينَ كانَ يُشدِّدُ في الخَمرِ قَلعًا لهم عنها وحَسمًا لمادَّتِها، ثم نَهى عن كَسرِ الأَواني، أو تُحملُ السَّبعُ على الاستِحبابِ، ويُؤيِّدُه ما رَوى الدارَقُطنيُّ عن أبي هُريرةَ: «عن النَّبيِّ ﷺ في الكَلبِ يَلِغُ في الإناءِ أنَّه يَغسِلُه ثَلاثًا أو خَمسًا أو سَبعًا» (٢)،

стр. 599

فخيَّرَه، ولو كانَ السَّبعُ واجِبةً لَمَا خيَّرَه، وكسائِرِ النَّجاساتِ، ولحَديثِ المُستيقظِ، وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ القائِمَ من اللَّيلِ بإفراغِ الماءِ

стр. 600

على يَدَيه مرَّتينِ أو ثَلاثًا، وذلك أنَّهم كانوا يَتغوَّطونَ ويَتبوَّلونَ ولا يَستَنجونَ بالماءِ، وربَّما كانَت أيديهم تُصيبُ المَوضعَ النَّجسَ فتُنجَّسُ، فإذا كانَت الطَّهارةُ تَحصلُ بهذا العَددِ من البَولِ أو الغائِطِ وهُما أغلَظُ النَّجاساتِ كانَ أَولى وأحرى أنْ يَحصلَ بما دونَهما من النَّجاساتِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى طَهارةِ لُعابِ الكَلبِ، وكذا عَرقُه ودَمعُه ومُخاطُه وسُؤرُه، ويَدلُّ على طَهارةِ سُؤرِه قَولُه تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ولم يأمُرْ بغَسلِ مَوضعِ الإصابةِ، ولو كانَ نَجسًا لأفسَدَ ما صادَه بفَمِه، ولحَديثِ عَديِّ بنِ حاتِمٍ قالَ: سألتُ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: «إذا أرسَلتَ كَلبَك المُعلَّمَ فقتَلَ فكُلْ» (٢)، ولمَّا ورَدَ الشَّرعُ بإِباحتِه، ولأنَّه سُؤرُ حَيوانٍ كالشاةِ، ومَحلُّ كَونِ اللُّعابِ طاهِرًا إنْ كانَ من غيرِ المَعدةِ، أمَّا الخارِجُ من المَعدةِ فنَجسٌ وعَلامتُه أنْ يَكونَ أصفَرَ مُنتِنًا. ويُغسلُ الإناءُ من وُلوغِه سَبعَ مَراتٍ تَعبُّدًا؛ لأنَّه غَسلٌ أُمرَ به مُقيدًا بعَددٍ، فدَلَّ على أنَّه للعِبادةِ دونَ النَّجاسةِ كالوُضوءِ، ولأنَّ للتُّرابِ مَدخلًا فيه، وكلُّ مَعنًى أُمرَ فيه بالماءِ وحصَلَ للتُّرابِ مَدخلٌ فيه؛ فإنَّه للعِبادةِ لا للنَّجاسةِ؛ كطَهارةِ الحَدثِ.

стр. 601

ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بغَسلِ الإناءِ سَبعًا، ولو كانَ منه نَجاسةٌ لأمَرَ بغَسلِه مَرةً واحِدةً، إذ التَّعبدُ في غَسلِ النَّجاسةِ إِزالتُها لا بعَددٍ من المَرَّاتٍ، وقد يَجوزُ أنْ يُؤمرَ بغَسلِ الطاهِرِ مِرارًا لمَعنًى كغَسلِ أَعضاءِ الوُضوءِ مرَّتينِ مرَّتينِ، وثَلاثًا ثَلاثًا، والغَرضُ منها مَرةٌ واحِدةٌ، وقد قالَ مالِكٌ: إذا ولَغَ فى الطَّعامِ أُكلَ الطَّعامُ، ويُغسلُ الإناءُ سَبعًا، اتِّباعًا للحَديثِ، وإنَّما أمَرَ بغَسلِ الإناءِ سَبعًا على وَجهِ التَّغليظِ عليهم؛ لأنَّهم نُهوا عنها لتَرويعِها الضَّيفَ، والمُجتازَ كذلك. وهل غَسلُ الإناءِ واجِبٌ أو مُستحبٌّ؟ قَولانِ في المَذهبِ، وَجهُ الوَجوبِ قَولُه ﷺ : «فاغسِلوه سَبعًا»، والأمرُ على الوُجوبِ. ووَجهُ الاستِحبابِ أنَّه طاهِرٌ، وإنَّما أمَرَ بذلك تَغليظًا للمَنعِ من اقتِنائِه. ولا يَجبُ التَّرتيبُ، بل يَكفي غَسلُه سَبعَ مَراتٍ بغيرِ تُرابٍ لاضطِرابِ الرِّواياتِ فيها. ويُغسلُ الإناءُ من وُلوغِه في الماءِ، فأمَّا في غيرِه من الأشرِبةِ والأطعِمةِ ففيها رِوايتانِ. فوَجهُ قَولِه أنَّه يُغسلُ: عُمومُ الخَبرِ واعتبارًا بالماءِ، ووَجهُ قَولِه: لا يُغسلُ أنَّ الخَبَرَ وارِدٌ في الماءِ، والعِبادةُ التي لا يُعقلُ مَعناها لا يَجوزُ القياسُ عليها. ولأنَّ ذلك لمَا لا يُؤمَنُ من إصابةِ النَّجسِ اللَّبنَ بوُلوغِه. فاختُصَّ الماءُ

стр. 602

بذلك لخِفةِ أمرِه، وأنَّه ليسَ فيه إِضاعةُ المالِ، وسائِرُ المائِعاتِ خِلافُه (١). قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: مَذهبُ مالِكٍ عندَ أَصحابِه اليَومَ أنَّ الكَلبَ طاهِرٌ وأنَّ الإناءَ يُغسلُ منه سَبعًا عِبادةً، ولا يُهرقُ شَيءٌ مما ولَغَ فيه غيرُ الماءِ وَحدَه ليَسارةِ مُؤنَتِه وأنَّ مَنْ تَوضَّأ به إذا لم يَجدْ غيرَه أجزَأَه وأنَّه لا يَجوزُ التَّيممُ لمَن كان معه ماءٌ ولَغَ فيه كَلبٌ، وأنَّه لم يَدرِ ما حَقيقةُ هذا الحَديثِ. واحتُجَّ بأنَّه يُؤكلُ صَيدُه فكيف يُكرهُ لُعابُه، وقالَ مع هذا كلِّه لا خَيرَ فيما ولَغَ فيه كَلبٌ، ولا يُتوضَّأُ به، أحَبُّ إليَّ، هذا كلُّه رَوى ابنُ القاسِمِ عنه. وقد رَوى عنه ابنُ وَهبٍ أنَّه لا يَتوضَّأُ بماءٍ ولَغَ فيه كَلبٌ، ضاريًا كانَ الكَلبُ أو غيرَ ضارٍ ويُغسلُ الإناءُ منه سَبعًا. وقد كانَ مالِكٌ في أولِ أمرِه يُفرِّقُ بينَ كَلبِ البادِيةِ وغيرِه في ذلك ثم رجَعَ إلى ما ذكَرتُ لك. فتَحصيلُ مَذهبِ مالِكٍ أنَّ التَّعبدَ إنَّما ورَدَ في غَسلِ الإناءِ الطاهِرِ من وُلوغِ الكَلبِ خاصَّةً من بينِ سائِرِ الطاهِراتِ، وشبَّهَه أَصحابُنا بأَعضاءِ الوُضوءِ الطاهِرةِ تُغسلُ عِبادةً (٢).

стр. 603

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: واختَلَفوا في طَهارةِ الماءِ الذي يَلِغُ فيه الكَلبُ، فقالَت طائِفةٌ: الماءُ طاهِرٌ يُتطهَّرُ به للصَّلاةِ ويُغسلُ الإناءُ كما أمَرَ به النَّبيُّ ﷺ ، وكانَّ الزُّهريُّ يَقولُ: إذا لم يَجدْ غيرَه تَوضَّأ به، وكذلك قالَ مالِكٌ والأَوزاعيُّ. وفيه قَولٌ ثانٍ، وهو أنْ يَتوضَّأَ بالماءِ الذي ولَغَ فيه الكَلبُ ثم يَتيممَ بعدَه، رُويَ هذا القَولُ عن عَبدةَ بنِ أبي لُبابةَ، وبه قالَ سُفيانُ الثَّوريُّ وعَبدُ المَلكِ الماجِشونُ ومُحمدُ بنُ مَسلمةَ. وقالَت طائِفةٌ: الماءُ الذي ولَغَ فيه الكَلبُ نَجسٌ يُهراقُ ويُغسلُ الإناءُ سَبعًا أُولاهُنَّ أو أُخراهُنَّ بالتُّرابِ، هذا قَولُ الشافِعيِّ وأبي عُبيدٍ وأبي ثَورٍ وأَصحابِ الرأيِ. قالَ أبو بَكرٍ: والدَّليلُ على إِثباتِ النَّجاسةِ للماءِ الذي ولَغَ فيه الكَلبُ غيرُ مَوجودٍ، فليسَ في أمرِ النَّبيِّ ﷺ بأنْ يُغسلَ الإناءُ مِنْ وُلوغِ الكَلبِ فيه سَبعًا دَليلٌ على نَجاسةِ الماءِ الذي يَلِغُ فيه الكَلبُ، وذلك أنَّ اللهَ قد يَتعبَّدُ عبادَه بما شاءَ، فممَّا تَعبَّدهم به أنْ أمَرَهم بغَسلِ الأَعضاءِ التي لا نَجاسةَ عليها غُسلَ عِبادةٍ لا لنَجاسةٍ، وكذلك أمَرَ الجُنبَ بالاغتِسالِ، وقد ثبَتَ أنَّ نَبيَّ اللهِ ﷺ قالَ لرَجلٍ جُنبٍ: «المُؤمنُ ليسَ بنَجسٍ»، وقَولُه: «طَهورُ إناءِ أحدِكم» يَحتمِلُ هذا المَعنى أنْ تَكونَ طَهارةَ عِبادةٍ لا طَهارةَ نَجاسةٍ، وإذا احتمَلَ الشَّيءُ مَعنَيَين لم يَجزْ أنْ يُصرفَ إلى أحدِهما دونَ آخَرَ بغيرِ حُجةٍ، وقد أجمَعَ أهلُ العِلمِ أنَّ النَّجاساتِ تُزالُ بثَلاثِ غَسلاتٍ، وقالَ بَعضُهم: بل تُزالُ بغَسلةٍ واحِدةٍ كالدَّمِ والبَولِ والعُذرةِ والخَمرِ، ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ حُكمُ الماءِ المُختلطِ به لُعابُ الكَلبِ أكبَرَ في النَّجاسةِ من بعضِ ما ذَكَرناه، فلو ثبَتَ أنَّ لُعابَ الكَلبِ أكبَرُ من النَّجاسةِ لوجَبَ أنْ تُطهِّرَ الإناءَ بثَلاثِ

стр. 604

غَسلاتٍ أو بغَسلةٍ في قَولِ بَعضِهم، ووجَبَ أنْ تَكونَ الغَسلاتُ الأربَعُ بعدَ الثَّلاثِ عِبادةً، إذْ ليسَ بمَعقولٍ أنَّ النَّجاسةَ باقيةٌ فيه بعدَ الغَسلاتِ الثَّلاثِ، وإذا كانَ هكذا واختَلَفوا في الغَسلاتِ الثَّلاثِ وجَبَ أنْ يَكونَ حُكمُها في أنَّها عِبادةٌ حُكمَ الغَسلاتِ الأربَعِ ولا أعلَمُ مع مَنْ أثبَتَ نَجاسةَ لُعابِ الكَلبِ حُجةً (١). وقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: عن الكَلبِ هل هو طاهِرٌ أو نَجسٌ؟ وما قَولُ العُلماءِ فيه؟ فأجابَ: أما الكَلبُ فللعُلماءِ فيه ثَلاثةُ أَقوالٍ مَعروفةٍ: أحدُها: أنَّه نَجسٌ كلُّه، حتى شَعرُه، كقَولِ الشافِعيِّ وأحمدَ في إحدَى الرِوايَتينِ عنه. والثاني: أنَّه طاهِرٌ، حتى ريقُه، كقَولِ مالِكٍ في المَشهورِ عنه. والثالِثُ: أنَّ ريقَه نَجسٌ وأنَّ شَعرَه طاهِرٌ، وهذا مَذهبُ أبي حَنيفةَ المَشهورُ عنه، وهذه هي الرِّوايةُ المَنصورةُ عندَ أكثَرِ أَصحابِه، وهي الرِّوايةُ الأُخرى عن الإمامِ أحمدَ، وهذا أرجَحُ الأَقوالِ.

стр. 605

فإذا أصابَ الثَّوبَ أو البَدنَ رُطوبةُ شَعرِه، لم يُنجسْ بذلك، وإذا ولَغَ في الماءِ أُريقَ، وإذا ولَغَ في اللَّبنِ ونَحوِه، فمِن العُلماءِ مَنْ يَقولُ: يُؤكلُ ذلك الطَّعامُ كقَولِ مالِكٍ وغيرِه. ومنهم مَنْ يَقولُ: يُراقُ، كمَذهبِ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمدَ. فأمَّا إنْ كانَ اللَّبنُ كَثيرًا، فالصَّحيحُ أنَّه لا يُنجسُ. وله في الشُّعورِ النابِتةِ على مَحلٍّ نَجسٍ ثَلاثُ رِواياتٍ: إِحداها: أنَّ جَميعَها طاهِرٌ حتى شَعرُ الكَلبِ والخِنزيرِ وهو اختيارُ أبي بَكرٍ عبدِ العَزيزِ. والثانيةُ: أنَّ جَميعَها نَجسٌ، كقَولِ الشافِعيِّ. والثالِثةُ: أنَّ شَعرَ المَيتةِ إنْ كانَت طاهِرةً في الحَياةِ كانَ طاهِرًا كالشاةِ والفَأرةِ، وشَعرُ ما هو نَجسٌ في حالِ الحياةِ نَجسٌ: كالكَلبِ والخِنزيرِ، وهذه هي المَنصوصةُ عندَ أكثَرِ أَصحابِه. والقَولُ الراجِحُ: هو طَهارةُ الشُّعورِ كلِّها، شَعرِ الكَلبِ والخِنزيرِ وغيرِهما، بخِلافِ الرِّيقِ، وعلى هذا فإنْ كانَ شَعرُ الكَلبِ رَطبًا وأصابَ ثَوبَ الإِنسانِ، فلا شَيءَ عليه، كما هو مَذهبُ جُمهورِ الفُقهاءِ، كأبي حَنيفةَ ومالِكٍ وأحمدَ في إحدَى رِوايَتينِ عنه، وذلك لأنَّ الأصلَ في الأعيانِ الطَّهارةُ، فلا يَجوزُ تَنجيسُ شَيءٍ ولا تَحريمُه إلا بدَليلٍ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، وقالَ

стр. 606

النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيحِ: «إنَّ أعظَمَ المُسلِمينَ جُرمًا مَنْ سألَ عن شَيءٍ لم يُحرَّمْ فحُرِّم من أجلِ مَسألتِه» (١). وفي السُّننِ عن سَلمانَ الفارِسيِّ ﵁ مَرفوعًا، ومنهم مَنْ يَجعلُه مَوقوفًا، أنَّه قالَ: «الحَلالُ ما أحَلَّ اللهُ في كِتابِه، والحَرامُ ما حرَّمَ اللهُ في كِتابِه، وما سكَتَ عنه، فهو ممَّا عَفا عنه» (٢). وإذا كانَ كذلك فالنَّبيُّ ﷺ قالَ: «طَهورُ إناءِ أحدِكم إذا ولَغَ فيه الكَلبُ أنْ يَغسلَه سَبعَ مَراتٍ أُولاهُنَّ بالتُّرابِ» وفي الحَديثِ الآخَرِ: «إذا ولَغَ فيه الكَلبُ». فأَحاديثُه كلُّها ليسَ فيه إلا ذِكرُ الوُلوغِ، لم يَذكرْ سائِرَ الأَجزاءِ فتَنجيسُها إنَّما هو بالقياسِ. فإذا قيلَ: إنَّ البَولَ أعظَمُ من الرِّيقِ، كانَ هذا مُتوجَّهًا. وأمَّا إلحاقُ الشَّعرِ بالرِّيقِ فلا يُمكنُ؛ لأنَّ الرِّيقَ مُتحلِّلٌ من باطِنِ الكَلبِ بخِلافِ الشَّعرِ؛ فإنَّه نابِتٌ على ظَهرِه. والفُقهاءُ كلُّهم يُفرِّقونَ بينَ هذا وهذا؛ لأنَّ جُمهورَهم يَقولُ: إنَّ شَعرَ المَيتةِ طاهِرٌ بخِلافِ ريقِها. والشافِعيُّ وأكثَرُهم يَقولُ: إنَّ الزَّرعَ النابِتَ في الأرضِ النَّجسةِ طاهِرٌ، فغايةُ شَعرِ الكَلبِ أنْ يَكونَ نابِتًا في مَنبتٍ نَجسٍ، كالزَّرعِ النابِتِ في الأرضِ

стр. 607

النَّجسةِ، فإذا كانَ الزَّرعُ طاهِرًا فالشَّعرُ أولى بالطَّهارةِ؛ لأنَّ الزَّرعَ فيه رُطوبةٌ ولِينٌ يَظهرُ فيه أثَرُ النَّجاسةِ بخِلافِ الشَّعرِ؛ فإنَّ فيه من اليُبوسةِ والجُمودِ ما يَمنعُ ظُهورَ ذلك؛ فمَن قالَ من أَصحابِ أحمدَ كابنِ عَقيلٍ وغيرِه: إنَّ الزَّرعَ طاهِرٌ فالشَّعرُ أَولى، ومَن قالَ: إنَّ الزَّرعَ نَجسٌ؛ فإنَّ الفَرقَ بينَهما ما ذُكرَ. فإنَّ الزَّرعَ يَلحقُ بالجَلَّالةِ التي تَأكُلُ النَّجاسةَ، وهذا أيضًا حُجةٌ في المَسألةِ؛ فإنَّ الجَلَّالةَ التي تأكُلُ النَّجاسةَ، قد نَهَى النَّبيُّ ﷺ عن لَبنِها، فإذا حُبسَت حتى تَطيبَ كانَت حَلالًا باتِّفاقِ المُسلِمينَ؛ لأنَّها قبلَ ذلك يَظهرُ أثَرُ النَّجاسةِ في لَبنِها وبَيضِها وعَرقِها، فيَظهرُ نَتنُ النَّجاسةِ وخَبثُها، فإذا زالَ ذلك عادَت طاهِرةً؛ فإنَّ الحُكمَ إذا ثبَتَ بعِلةٍ زالَ بزَوالِها، والشَّعرُ لا يَظهرُ فيه شَيءٌ من آثارِ النَّجاسةِ أصلًا، فلم يَكنْ لتَنجيسِه مَعنًى. وهذا يَتبيَّنُ بالكَلامِ في شُعورِ المَيتةِ كما سنُوضِّحُه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. وكلُّ حَيوانٍ قيلَ بنَجاستِه، فالكَلامُ في شَعرِه وريشِه كالكَلامِ في شَعرِ الكَلبِ، فإذا قيلَ: بنَجاسةِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباعِ، وكلِّ ذي مِخلبٍ من الطَّيرِ إلا الهِرةَ، وما دونَها في الخِلقةِ، كما هو مَذهبُ كَثيرٍ من العُلماءِ -عُلماءِ أهلِ العِراقِ- وهو أشهَرُ الرِوايَتينِ عن أحمدَ؛ فإنَّ الكَلامَ في رِيشِ ذلك وشَعرِه فيه النِّزاعُ: هل هو نَجسٌ؟ على رِوايَتينِ عن أحمدَ: إحداهُما: أنَّه طاهِرٌ وهو مَذهبُ الجُمهورِ كأبي حَنيفةَ والشافِعيِّ. والرِّوايةُ الثانيةُ: أنَّه نَجسٌ كما هو اختيارُ كَثيرٍ من مُتأخِّري أَصحابِ أحمدَ، والقَولُ بطَهارةِ ذلك هو الصَّوابُ كما تقدَّمَ.

стр. 608

وأيضًا: فالنَّبيُّ ﷺ رخَّصَ في اقتِناءِ كَلبِ الصَّيدِ، والماشيةِ والحَرثِ، ولا بدَّ لمَن اقتَناه أنْ يُصيبَه رُطوبةُ شُعورِه كما يُصيبُه رُطوبةُ البَغلِ والحِمارِ وغيرِ ذلك، فالقَولُ بنَجاسةِ شُعورِها والحالُ هذه مِنْ الحَرجِ المَرفوعِ عن الأُمةِ. وأيضًا: فإنَّ لُعابَ الكَلبِ إذا أصابَ الصَّيدَ لم يَجبْ غَسلُه في أظهَرِ قَولَيِ العُلماءِ، وهو إحدَى الرِوايَتينِ عن أحمدَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمُرْ أحدًا بغَسلِ ذلك، فقد عَفا عن لُعابِ الكَلبِ في مَوضعِ الحاجةِ، وأمَرَ بغَسلِه في غيرِ مَوضعِ الحاجةِ، فدَلَّ على أنَّ الشارعَ راعَى مَصلحةَ الخَلقِ وحاجَتَهم، واللهُ أعلَمُ (١). وسُئلَ عن كَلبٍ طلَعَ من ماءٍ فانتفَضَ على شَيءٍ فهل يَجبُ تَسبيعُه؟ فأجابَ: الشافِعيُّ وأحمدُ ﵄ يَجبُ تَسبيعُه، ومَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ ﵄ لا يَجبُ تَسبيعُه، واللهُ أعلَمُ (٢). ١١ - الخِنزيرُ: ذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى نَجاسةِ عَينِ الخِنزيرِ، وكذلك جَميعُ أجزائِه، وما تولَّدَ منه كعَرقِه ولُعابِه؛ لأنَّ الخِنزيرَ أَسوأُ حالًا من الكَلبِ لتَحريمِ الانتِفاعِ به في جَميعِ الأَحوالِ، ويَجوزُ الانتِفاعُ بالكَلبِ في حالٍ، ثم دَلَّ الدَّليلُ على نَجاسةِ الكَلبِ، فنَجاسةُ الخِنزيرِ أَولى.

стр. 609

واستَدَلوا على ذلك: بقَولِه تَعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] والضَّميرُ في قَولِه تَعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ راجِعٌ إلى الخِنزيرِ، فيَدلُّ على تَحريمِ عَينِ الخِنزيرِ وجَميعِ أَجزائِه (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى طَهارةِ عَينِ الخِنزيرِ حالَ الحَياةِ؛ لأنَّ الأصلَ في كلِّ حَيٍّ الطَّهارةُ والنَّجاسةُ عارِضةٌ، فطَهارةُ عَينِه بسَببِ الحَياةِ وكذلك طَهارةُ عَرقِه ولُعابِه ودَمعِه ومُخاطِه (٢). ١٢ - جِلدُ المَيتةِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ جِلدَ المَيتةِ قبلَ الدِّباغِ نَجسٌ، وإنَّما الخِلافُ بعدَ الدِّباغِ هل يُطهَّرُ الجِلدُ بالدِّباغِ أو لا يُطهَّرُ؟ فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه يُطهَّرُ بالدِّباغِ جَميعُ الجُلودِ إلا جِلدَ الخِنزيرِ؛ فإنَّه لا يُطهَّرُ؛ لأنَّه نَجسُ العَينِ، بمَعنى أنَّ ذاتَه بجَميعِ أَجزائِه نَجسةٌ حَيًّا ومَيتًا، فليسَت نَجاستُه لمَا فيه من الدَّمِ كنَجاسةِ غيرِه من

стр. 610

الحَيواناتِ، فلذا لم يَقبَلِ التَّطهُّرَ، وقالَ أبو يُوسفَ بطَهارةِ الخِنزيرِ (١). وذهَبَ الإمامُ الشافِعيُّ إلى أنَّه يُطهَّرُ بالدِّباغِ كلُّ جُلودِ المَيتةِ ما عَدا الكَلبَ والخِنزيرَ، وما تولَّدَ من أحدِهما، وهي رِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ؛ فإنَّه قالَ: يُطهَّرُ منها ما كانَ طاهِرًا حالَ الحَياةِ. وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في المَشهورِ عنه، وهي إحدَى الرِوايَتينِ للإمامِ مالِكٍ إلى أنَّه لا يُطهَّرُ بالدِّباغِ شَيءٌ من جُلودِ المَيتةِ. وقالَ الإمامُ مالِكٌ في الرِّوايةِ الأُخرى: يُطهَّرُ جَميعُ الجُلودِ حتى الكَلبُ والخِنزيرُ، إلا أنَّه قالَ: يُطهَّرُ ظاهِرُه دونَ باطِنِه فيُستعمَلُ في اليابِسِ بأنْ يُجعلَ جِرابًا للحُبوبِ دونَ الرَّطبِ، أي: دونَ الماءِ والسَّمنِ، وهي رِوايةٌ عن أحمدَ (٢). واحتُجَّ لمَن قالَ بالمَنعِ بأنَّه -أي: الجِلدَ- جُزءٌ من المَيتةِ، وقد حرَّمَها اللهُ بقَولِه تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٤٣] فلم يُطهَّرْ بالدَّبغِ كاللَّحمِ، ولأنَّه حُرمَ بالمِوتِ، فكانَ نَجسًا كما قبلَ الدَّبغِ.

стр. 611

وبما رَواه عبدُ اللهِ بنُ عُكَيمٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كتَبَ إلى جُهينةَ: «إنِّي كُنْتُ رخَّصتُ لكم في جُلودِ المَيتةِ، فإذا جاءَكم كِتابي هذا فلا تَنتَفِعوا من المَيتةِ بإهابٍ ولا عَصبٍ، أتانا كِتابُ رَسولِ اللهِ ﷺ قبلَ مَوتِه بشَهرٍ أو شَهرَينِ» (١). وهذا الحَديثُ ناسِخٌ لمَا قبلَه؛ لأنَّه في آخِرِ عُمرِ النَّبيِّ ﷺ ، ولَفظُه دالٌّ على سَبقِ التَّرخيصِ، وأنَّه مُتأخِّرٌ عنه لقَولِه: «كُنْتُ رخَّصتُ لكم» وإنَّما يُؤخذُ بالآخِرِ فالآخِرِ من أمرِ رَسولِ اللهِ ﷺ (٢). واحتُجَّ لمَن قالَ بطَهارةِ الجُلودِ كلِّها بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا دُبغَ الإِهابُ فقد طَهُرَ» (٣)، وقد مَرَّ النَّبيُّ ﷺ على شاةٍ مَيتةٍ أُعطِيَتْها مَولاةٌ لمَيمونةَ من الصَّدقةِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «هلَّا انتَفَعتُم بجِلدِها» قالوا: إنَّها مَيتةٌ، قالَ: «إنَّما حُرِّمَ أكلُها»، وفي لَفظٍ: «هلَّا أخَذتُم إِهابَها فدَبَغتُموه فانتَفَعتُم به» (٤). قالوا: ولأنَّه نَجسٌ، أي الجِلدُ، باتِّصالِ الدِّماءِ والرُّطوباتِ به بالمَوتِ، والدَّبغُ يُزيلُ ذلك فيَرتدُّ الجِلدُ إلى ما كانَ عليه في حالِ الحَياةِ (٥).

стр. 612

ولأنَّه جِلدٌ طاهِرٌ طرَأَت عليه نَجاسةٌ جازَ أنْ يُطهَّرَ كجِلدِ المُذكَّاةِ إذا تنجَّسَ (١). ولأنَّ العادةَ جاريةٌ بينَ المُسلِمينَ بلُبسِ جِلدِ الثَّعلبِ وغيرِه في الصَّلاةِ وغيرِها من غيرِ نَكيرٍ، فدَلَّ على الطَّهارةِ (٢). وأَجابوا عن أدِلةِ المانِعينَ أنَّ قَولَه تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ خصَّصَه قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «أيُّما إِهابٍ دُبغَ فقد طهُرَ». وجمَعَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ بينَ هذَين الحَديثَينِ، حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ وحَديثِ: «هلَّا استَمتَعتُم، أو انتَفَعتُم بإِهابِها» قالَ: وأَقوى الجَمعِ بينَ الحَديثَينِ بأنْ يُحملَ الإِهابُ على الجِلدِ قبلَ الدِّباغِ أنَّه بعدَ الدِّباغِ لا يُسمَّى إهابًا إنَّما يُسمَّى قُربةً وغيرَ ذلك، وقد نُقلَ ذلك عن أئِمةِ اللُّغةِ كالنَّضرِ بنِ شُميلٍ، وهذه طَريقةُ ابنِ شاهِينَ وابنِ عبدِ البَرِّ والبَيهَقيِّ (٣). ١٣ - رَوثُ ما لا يُؤكلُ لَحمُه: قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا -أي: الأئِمةُ الأربَعةُ- على أنَّ رَوثَ ما لا يُؤكلُ لَحمُه نَجسٌ، إلا أبا حَنيفةَ: فإنَّه يَرى أنَّ ذَرقَ سِباعِ الطَّيرِ، كالبازِ، والصَّقرِ، والباشَقِ، ونَحوِها طاهِرٌ (٤).

стр. 613

ودَليلُهم في هذا: حَديثُ ابنِ مَسعودٍ ﵁ أنَّه قالَ: «أتَى النَّبيُّ ﷺ الغائِطَ فأمَرَني أنْ آتيَه بثَلاثةِ أَحجارٍ، فوَجَدتُ حَجرَينِ والتمَستُ الثالِثَ فلم أجِدْه فأخَذتُ رَوثةً فأتَيتُه بها، فأخَذَ الحَجرَينِ وألقى الرَّوثةَ وقالَ: هذا رِكسٌ» (١)، أي: نَجسٌ. ١٤ - رَوثُ ما يُؤكلُ لَحمُه: اختَلَفوا في رَوثِ ما يُؤكلُ لَحمُه وبَولُه، فقالَ مالِكٌ وأحمدُ في المَشهورِ عنه: إنَّه طاهِرٌ. وقالَ أبو حَنيفةَ: ذَرقُ الحَمامِ (٢) والعَصافيرِ طاهِرٌ، والباقي نَجسٌ. وقالَ الشافِعيُّ: إنَّه نَجسٌ على الإِطلاقِ (٣). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وعِندي أنَّه إذا عمَّت به البَلوى وتعذَّرَ الاحتِرازُ عنه يُعفَى عنه وتَصحُّ الصَّلاةُ كما يُعفَى عن طِينِ الشَّوارعِ وغُبارِ السِّرجِينِ (٤). قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا الأَرواثُ فكلُّها نَجسةٌ عندَ عامةِ العُلماءِ. وقالَ زُفرُ: رَوثُ ما يُؤكلُ لَحمُه طاهِرٌ، وهو قَولُ مالِكٍ.

стр. 614

واحتُجَّ بما رُويَ أنَّ الشُّبانَ من الصَّحابةِ في مَنازِلِهم وفي السَّفرِ كانوا يَترامَوْن بالجِلَّةِ وهي البَعرةُ اليابِسةُ، ولو كانَت نَجسةً لَمَا مَسُّوها، وعلَّلَ مالِكٌ بأنَّه وَقودُ أهلِ المَدينةِ يَستعمِلونَه استِعمالَ الحَطبِ. ولنا: ما رَوَينا عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ طلَبَ منه أحجارَ الاستِنجاءِ فأتَى بحَجرَين ورَوثةٍ فأخَذَ الحَجرَين ورَمى الرَّوثةَ وقالَ: إنَّها رِكسٌ» أي: نَجسٌ، ولأنَّ مَعنى النَّجاسةِ مَوجودٌ فيها، وهو الاستِقذارُ في الطِّباعِ السَّليمةِ لاستِحالتِها إلى نَتنٍ وخَبثِ رائِحةٍ مع إمكانِ التَّحرزِ عنه، فكانَت نَجسةً. ومنها خَرءُ بعضِ الطُّيورِ من الدَّجاجِ والبَطِّ، وجُملةُ الكَلامِ فيه أنَّ الطُّيورَ نَوعانِ: نَوعٌ لا يَذرِقُ في الهَواءِ ونَوعٌ يَذرِقُ في الهَواءِ. أمَّا ما لا يَذرِقُ في الهَواءِ كالدَّجاجِ والبَطِّ فخَرؤُهما نَجسٌ لوُجودِ مَعنى النَّجاسةِ فيه، وهو كَونُه مُستقذَرًا لتَغيُّرِه إلى نَتنٍ وفَسادِ رائِحةٍ فأشبَهَ العُذرةَ. وفي الإوَزِّ عن أبي حَنيفةَ رِوايتانِ، رَوى أبو يُوسفَ عنه أنَّه ليسَ بنَجسٍ، ورَوى الحَسنُ عنه أنَّه نَجسٌ. وما يَذرِقُ في الهَواءِ نَوعان أيضًا: ما يُؤكَلُ لَحمُه كالحَمامِ والعُصفورِ والعَقعَقِ ونَحوِها وخَرؤُها طاهِرٌ عندَنا وعندَ الشافِعيِّ نَجسٌ.

стр. 615

وَجهُ قَولِه أنَّ الطَّبعَ قد أحالَه إلى فَسادٍ فوُجدَ مَعنى النَّجاسةِ فأشبَهَ الرَّوثَ والعُذرةَ. ولنا: إِجماعُ الأُمةِ؛ فإنَّهم اعتادوا اقتِناءَ الحَماماتِ في المَسجدِ الحَرامِ والمَساجدِ الجامِعةِ مع عِلمِهم بأنَّها تَذرِقُ فيها، ولو كان نَجسًا لَمَا فعَلوا ذلك مع الأمرِ بتَطهيرِ المَسجدِ وهو قَولُه تَعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]. ورُويَ عن ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّ حَمامةً ذرَقَت عليه فمسَحَه وصلَّى، وعن ابنِ مَسعودٍ ﵁ مِثلُ ذلك، في العُصفورِ، وبه تَبيَّنَ أنَّ مُجردَ إِحالةِ الطَّبعِ لا يَكفي للنَّجاسةِ ما لم يَكنْ للمُستحيلِ نَتنٌ وخَبثُ رائِحةٍ تَستخبِثُه الطِّباعُ السَّليمةُ، وذلك مُنعدِمٌ ههنا على أنَّا إنْ سلَّمنا ذلك لكانَ التَّحرزُ عنه غيرَ مُمكنٍ؛ لأنَّها تَذرِقُ في الهَواءِ فلا يُمكنُ صِيانةُ الثِّيابِ والأَواني عنه، فسقَطَ اعتِبارُه للضَّرورةِ كدَمِ البَقِّ والبَراغيثِ. وحَكى مالِكٌ في هذه المَسألةِ الإِجماعَ على الطَّهارةِ ومِثلُه لا يَكذبُ، فلئِن لم يَثبُتِ الإِجماعُ من حيثُ القَولُ يَثبُتْ من حيثُ الفِعلُ وهو ما بَيَّنَّا. وما لا يُؤكلُ لَحمُه كالصَّقرِ والبازِي والحِدَأةِ وأشباهِ ذلك خَرؤُها طاهِرٌ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، وعندَ مُحمدٍ نَجسٌ نَجاسةً غَليظةً. وَجهُ قَولِه أنَّه وُجدَ مَعنى النَّجاسةِ فيه لإِحالةِ الطَّبعِ إياه إلى خَبثٍ ونَتنِ رائِحةٍ فأشبَهَ غيرَ المَأكولِ من البَهائمِ ولا ضَرورةَ إلى إِسقاطِ اعتِبارِ نَجاستِه لعَدمِ المُخالَطةِ؛ لأنَّها تَسكنُ المُروجَ والمَفاوزَ بخِلافِ الحَمامِ ونَحوِه. ولهما أنَّ الضَّرورةَ مُتحقِّقةٌ؛ لأنَّها تَذرِقُ في الهَواءِ فيَتعذَّرُ صيانةُ الثِّيابِ

стр. 616

والأَواني عنها، وكذا المُخالَطةُ ثابِتةٌ بخِلافِ الدَّجاجِ والبَطِّ؛ لأنَّهما لا يَذرِقان في الهَواءِ، فكانَت الصِّيانةُ مُمكنةً. وخَرءُ الفأرةِ نَجسٌ لاستِحالتِه إلى خَبثٍ ونَتنِ رائِحةٍ، واختَلَفوا في الثَّوبِ الذي أصابَه بَولُها، حُكيَ عن بعضِ مَشايخِ بَلْخٍ أنَّه قالَ: لو ابتُليتُ به لغَسَلته، فقيلَ له: مَنْ لم يَغسِلْه وصلَّى فيه؟ فقالَ: لا آمُرُه بالإعادةِ، وبَولُ الخَفافيشِ وخَرؤُها ليسَ بنَجسٍ لتَعذُّرِ صِيانةِ الثِّيابِ والأَواني عنه؛ لأنَّها تَبولُ في الهَواءِ وهي فأرةٌ طيَّارةٌ، فلهذا تَبولُ (١). ١٥ - سِباعُ البَهائمِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في طَهارةِ سِباعِ البَهائمِ والطَّيرِ أو نَجاستِها. فذهَبَ الحَنفيةُ إلى نَجاسةِ سِباعِ البَهائمِ كالأسَدِ والفَهدِ والذِّئبِ والقِردِ، وإلى نَجاسةِ سُؤرِها. وأمَّا سِباعُ الطَّيرِ فذَهَبوا أيضًا: إلى نَجاسةِ سِباعِ الطَّيرِ كالصَّقرِ والشاهينِ والحِدَأةِ والاستِحسانُ عندَهم أنَّ سُؤرَها طاهِرٌ، وفي القياسِ أنَّه نَجسٌ اعتِبارًا بلَحمِها كصَقرِ سِباعِ الوَحشِ، وَجهُ الاستِحسانِ أنَّها تَشربُ بمِنقارِها -وهو عَظيمٌ جافٌّ فلم يَختلِطْ لُعابُها بسُؤرِها- بخِلافِ سَبعِ البَهائمِ؛ فإنَّها تَشربُ بلِسانِها وهو رَطبٌ بلُعابِها، ولأنَّ في سُؤرِ سِباعِ الطَّيرِ ضَرورةً وعُمومَ بَلوى؛ فإنَّها تَنقَضُّ من عُلوٍّ وهَواءٍ وتَشربُ فلا يُمكنُ صَونُ الأَواني عنها، لا سيَّما في البَراري، إلا أنَّه يُكرهُ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّها تَتناولُ الجِيَفَ والمَيْتاتِ.

стр. 617

وعن أبي يُوسفَ أنَّ ما يَقعُ منها على الجِيَفِ فسُؤرُه نَجسٌ، وما يَأكلُ اللَّحمَ المُذكَّى لا يُكرهُ سُؤرُه (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الحَيَّ من جَميعِ أنواعِ الحَيواناتِ طاهِرٌ، وما تولَّدَ منه طاهِرٌ أيضًا (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى طَهارةِ الحَيواناتِ كلِّها وسُؤرِها إلا الكَلبَ والخِنزيرَ، وما تولَّدَ منهما أو من أحدِهما فهو نَجسٌ (٣). أمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الحَيواناتُ قِسمانِ: نَجسٌ وطاهِرٌ، فالنَّجسُ نَوعان: أحدُهما: ما هو نَجسٌ رِوايةً واحِدةً، وهو الكَلبُ والخِنزيرُ وما تولَّدَ منهما، أو من أحدِهما، فهذا نَجسٌ عَينُه وسُؤرُه، وجَميعُ ما خرَجَ منه. والثاني: ما اختُلفَ فيه، وهو سائِرُ سِباعِ البَهائمِ إلا السِّنَّورَ، وما دونَها في الخِلقةِ وكذلك جَوارحُ الطَّيرِ والحِمارُ الأهليُّ، والبَغلُ، فعن أحمدَ أنَّ سُؤرَها نَجسٌ، إذا لم يَجدْ غيرَ سُؤرِها يَتيممُ معه. والقِسمُ الثاني: طاهِرٌ في نَفسِه، وسُؤرِه، وعَرقِه، وهو ثَلاثةُ أضرُبٍ:

стр. 618

الأولُ: الآدَميُّ، فهو طاهِرٌ وسُؤرُه طاهِرٌ، سَواءٌ كانَ مُسلمًا أو كافِرًا عندَ عامةِ أهلِ العِلمِ. الضَّربُ الثاني: ما أُكلَ لَحمُه، فقالَ أبو بَكرِ بنُ المُنذرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ سُؤرَ ما أُكلَ لَحمُه يَجوزُ شُربُه والوُضوءُ به. الضَّربُ الثالِثُ: السِّنَّورُ وما دونَها من الخِلقةِ، فهذا ونَحوُه من حَشراتِ الأرضِ، سُؤرُه طاهِرٌ، يَجوزُ شُربُه والوُضوءُ به، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ (١). ويُوضحُ هذا ابنُ هُبيرةَ بقَولِه: واتَّفَقوا على أنَّ سُؤرَ ما يُؤكلُ لَحمُه من البَهائمِ طاهِرٌ مُطهِّرٌ، ثم اختَلَفوا في سُؤرِ ما لا يُؤكلُ لَحمُه من سِباعِ البَهائمِ: كالأسدِ والنَّمرِ، ونَحوِهما، فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمدُ في إحدَى رِوايَتَيه: هي نَجسةٌ، وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في الرِّوايةِ الأُخرى: هي طاهِرةٌ، واستَثنَى مالِكٌ ما يأكُلُ النَّجاسةَ منها، فحكَمَ بنَجاسةِ سُؤرِه (٢). واتَّفَقوا على أنَّ سُؤرَ البَغلِ وسُؤرَ الحِمارِ: طاهِران طَهوران إلا أبا حَنيفةَ شَكَّ في كَونهما مُطهِّرينِ، ورَوى ابنُ جَريرٍ عن مالِكٍ كَراهةَ سُؤرِهما، واختُلفَ عن أحمدَ فرُويَ عنه الشَّكُّ فيهما كأبي حَنيفةَ، وفائِدتُه أنَّه إنْ لم يَجدْ ماءً غيرَه تَوضَّأَ به، وأضافَ إليه التَّيممَ، وإنْ وجَدَ ماءً غيرَه لم يَتوضَّأْ به، ورُوي عنه أنَّ سُؤرَهما نَجسٌ، وهو الذي نصَرَه أَصحابُه (٣).

стр. 619

١٦ - قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا في سُؤرِ جَوارحِ الطَّيرِ: فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ في إحدَى رِوايَتَيه: هي طاهِرةٌ إلا أبا حَنيفةَ؛ فإنَّه كرِهَها مع طَهارتِها عندَه، وقالَ أحمدُ في الرِّوايةِ الأُخرى: هي نَجسةٌ، وقالَ مالِكٌ: إنْ كانَت تَأكلُ النَّجاسةَ وتفتَرِسُها فهي نَجسةٌ، وإنْ كانَت لا تَأكلُها ولا تفتَرِسُها فهي طاهِرةٌ (١). ١٧ - واتَّفَقوا: على طَهارةِ سُؤرِ الهِرةِ وما دونَها في الخِلقةِ إلا أبا حَنيفةَ؛ فإنَّه كرِهَه (٢). ١٨ - واتَّفَقوا: على أنَّه إذا ماتَ في الماءِ اليَسيرُ ممَّا ليسَت له نَفسٌ سائِلةٌ كالذُّبابِ ونَحوِه؛ فإنَّه لا يُنجِّسُه، إلا أحدَ قَولَي الشافِعي بأنَّه يُنجسُه (٣). ١٩ - صُوفُ المَيتةِ وشَعرُها: قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ صُوفَ المَيتةِ وشَعرَها طاهِرانِ إلا في إحدَى الرِوايَتينِ عن أحمدَ: فإنَّهما نَجسانِ، دَلَّ عليهما كَلامُه، وأحدُ القَولَينِ عن الشافِعيِّ أنَّهما نَجسان، وهو أظهَرُهما (٤).

стр. 620

٢٠ - اشتِراطُ العَددِ في إِزالةِ النَّجاسةِ: قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اختَلَفوا في اشتِراطِ العَددِ في إِزالةِ النَّجاساتِ، فقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: لا يُشترطُ في العَددِ شَيءٌ من ذلك، ولا يَجبُ، إلا أنَّ مالِكًا استحَبَّ غَسلَ الإناءِ من وُلوغِ الكَلبِ سَبعًا كما ذكَرنا، وقالَ الشافِعيُّ: لا يَجبُ العَددُ في شَيءٍ من ذلك، إلا في وُلوغِ الكَلبِ والخِنزيرِ وما تولَّدَ منهما أو من أحدِهما، وكذلك إنْ كانَ الوُلوغُ على الأرضِ، وحَكى ابنُ القاصِّ عن الشافِعيِّ قَولًا (في القَديمِ): أنَّه يُغسلُ من وُلوغِ الخِنزيرِ مَرةً واحِدةً، والصَّحيحُ من مَذهبِه: أنَّ حُكمَه حُكمُ الكَلبِ (نَصَّ عليه في «الأُم»). واختَلفَت الرِّوايةُ عن أحمدَ في هذه المَسألةِ: أنَّ النَّجاسةَ تَكونُ على مَحلٍّ غيرِ الأرضِ، إذْ لا تَختلِفُ الرِّوايةُ عنه أنَّ العَددَ لا يُشترطُ فيما إذا كانَت النَّجاسةُ على الأرضِ، فالمَشهورُ عنه فيها أنَّه يَجبُ العَددُ في غَسلِ سائِرِ النَّجاساتِ سَبعًا سَواءٌ كانَت في السَّبيلَينِ أو في غيرِهما. وعنه رِوايةٌ ثانيةٌ: أنَّه يَجبُ غَسلُ سائِرِ النَّجاساتِ ثَلاثًا، سَواءٌ كانَت في السَّبيلَينِ أو في غيرِهما. وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ: إنْ كانَت في السَّبيلَينِ فثَلاثًا، وإنْ كانَت في غيرِ السَّبيلَينِ فسَبعًا.

стр. 621

والرِّوايةُ الرابِعةُ: إنْ كانَت في السَّبيلَينِ أو في شَيءٍ غيرِ البَدنِ، وجَبَ العَددُ، وكانَ الواجِبُ سَبعًا، وإنْ كانَت في البَدنِ، فقد رُويَ عنه أنَّه قالَ: وإذا أصابَ جَسدَه فهو أسهَلُ، والخَلَّالُ (١) يُخطِّئُ راويَها. والخامِسةُ: إِسقاطُ العَددِ فيما عَدا الكَلبَ أو الخِنزيرَ (٢). ٢١ - إِزالةُ النَّجاسةِ بغيرِ الماءِ: ذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ، وهو رِوايةٌ في مَذهبِ مالِكٍ وفي مَذهبِ أحمدَ اختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى جَوازِ تَطهيرِ النَّجاسةِ بغيرِ الماءِ، كالخَلِّ وماءِ الوَردِ ونَحوِه (ولا يَجوزُ بدُهنٍ ومَرَقٍ) ممَّا إذا عُصرَ انعصَرَ؛ لأنَّه مُزيلٌ بطَبعِه فوجَبَ أنْ يُفيدَ الطَّهارةَ كالماءِ بل أَولى؛ لأنَّه أقلَعُ لها، ولأنَّا نُشاهِدُ ونَعلمُ بالضَّرورةِ أنَّ المائِعَ يُزيلُ شَيئًا من النَّجاسةِ في كلِّ مَرةٍ، ولهذا يَتغيرُ لَونُ الماءِ به، والنَّجاسةُ مُتناهيةٌ؛ لأنَّها مُتركبةٌ من جَواهرَ مُتناهيةٍ، فإذا انتَهَت أَجزاؤُها بَقيَ المَحلُّ طاهِرًا لعَدمِ المُجاورةِ. وأيضًا: فإنَّ إِزالةَ النَّجاسةِ ليسَت من بابِ المَأمورِ إنَّما هي من بابِ التُّروكِ، فمَقصودُها اجتِنابُ الخَبثِ، ولهذا لا يُشترطُ فيها فِعلُ العَبدِ ولا قَصدُه، بل لو زالَت بالمَطرِ النازِلِ من السَّماءِ حصَلَ المَقصودُ، ولكنْ إذا زالَت بفِعلِ العَبدِ ونِيَّتِه أُثيبَ على ذلك، وإلا إذا عُدِمت بغيرِ فِعلِه ولا نيَّتِه زالَت المَفسدةُ، ولم يَكنْ له ثَوابٌ ولم يَكنْ عليه عِقابٌ.

стр. 622

وذهَبَ الإمامُ الشافِعيُّ -وهو القَولُ الثاني في مَذهبِ مالِكٍ وفي مَذهبِ أحمدَ- إلى أنَّه لا يَجوزُ إِزالةُ النَّجاسةِ إلا بالماءِ. وهناك قَولٌ ثالِثٌ للإمامِ أحمدَ بأنَّ ذلك يَجوزُ للحاجةِ، كما في طَهارةِ فَمِ الهِرةِ برِيقِها، وطَهارةِ أَفواهِ الصِّبيانِ بأرياقِهم، ونَحوِ ذلك (١). ٢٢ - تَطهيرُ الخُفِّ من النَّجاسةِ: ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا أصابَتْ أسفَلَ الخُفِّ أو النَّعلِ نَجاسةٌ؛ فإنَّ تَطهيرَه يَكونُ بغَسلِه، ولا يُجزئُ لو دلَكَه كالثَّوبِ والبَدنِ، ولا فَرقَ في ذلك بينَ أنْ تَكونَ النَّجاسةُ رَطبةً أو جافةً، وعندَ الشافِعيةِ قَولانِ في العَفوِ عن النَّجاسةِ الجافةِ إذا دُلكَت. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إذا أصابَت أسفَلَ الخُفِّ أو النَّعلِ نَجاسةٌ رَطبةٌ فدلَكَه بالأرضِ فأزالَ عيْنَها وبَقيَ أثرُها نُظرَ إنْ دلَكَها وهي رَطبةٌ لم يُجزئْه ذلك، ولا يَجوزُ الصَّلاةُ فيه بلا خِلافٍ؛ لأنَّها تَنتشِرُ من مَحلِّها إلى غيرِه من أجزاءِ الخُفِّ الظاهِرةِ، وإنْ جفَّت على الخُفِّ فدلَكَه وهي جافةٌ بحيث لم تَنتشِرْ إلى مَوضعِها منه فالخُفُّ نَجسٌ بلا خِلافٍ، ولكنْ هل يُعفَى عن هذه النَّجاسةِ فتَصحُّ الصَّلاةُ؟ فيه قَولانِ، أصَحُّهما الجَديدُ، وهو

стр. 623

أنَّه لا تَصحُّ الصَّلاةُ، وبه قالَ أحمدُ في أصَحِّ الرِّواياتِ عنه؛ لأنَّه مَلبوسٌ نَجسٌ فلا يُجزئُ فيه المَسحُ كالثَّوبِ. والقَديمُ الصِّحةُ لمَا رَوى أبو سَعيدٍ الخُدريُّ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إذا جاءَ أحدُكم إلى المَسجدِ فليَنظُرْ في نَعلَيه فإنْ رأى فيهما قَذرًا -أو قالَ: أذًى- فليَمسَحْهما وليُصلِّ فيهما» (١). قالَ الرافِعيُّ: إنْ قُلنا بالقَديمِ -وهو العَفوُ- فله شُروطٌ: أحدُها: أنْ يَكونَ للنَّجاسةِ جِرمٌ يَلتصِقُ بالخُفِّ، أمَّا البَولُ ونَحوُه فلا يَكفي دَلكُه بحالٍ. الثاني: أنْ يَدلُكَه في حالِ الجَفافِ، وأمَّا ما دامَ رَطبًا فلا يَكفي دَلكُه قَطعًا. الثالِثُ: أنْ يَكونَ حُصولُ النَّجاسةِ بالمَشيِ من غيرِ تَعمُّدٍ، فلو تعمَّدَ تَلطُّخَ الخُفِّ بها وجَبَ الغُسلُ قَطعًا. ونقَلَ الإمامُ البُهوتيُّ عن «الإنصاف»: أنَّ يَسيرَ النَّجاسةِ إذا كانَت على أسفَلِ الخُفِّ والحِذاءِ بعدَ الدَّلكِ يُعفى عنه على القَولِ بنَجاستِه (٢). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه إذا أصابَ الخُفَّ نَجاسةٌ لها جِرمٌ كالرَّوثِ والعُذرةِ فجفَّت فدلَكَه بالأرضِ جازَ، والرَّطبُ وما لا جِرمَ له كالخَمرِ والبَولِ فلا يَجوزُ فيه إلا الغَسلُ.

стр. 624

وقالَ أبو يُوسفَ: يَجوزُ المَسحُ فيهما -أي: إذا كانَ جافًّا أو رَطبًا- إلا البَولَ والخَمرَ. وقالَ مُحمدٌ: لا يَجوزُ فيهما إلا الغَسلُ كالثَّوبِ، قالَ ابنُ نَجيمٍ: والحَديثُ حُجةٌ عليه -أي: الحَديثُ السابِقُ- ولهذا رُويَ رُجوعُه كما في النِّهايةِ. ولأبي يُوسفَ إِطلاقُ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا أصابَ خُفَّ أحدِكم أو نَعلَه أذًى فليَدلُكْهما في الأرضِ وليُصلِّ فيهما … » من غيرِ فَصلٍ بينَ الرَّطبِ واليابِسِ، والمُتجسدِ وغيرِه، وللضَّرورةِ العامةِ. قالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀: وعلى قَولِ أبي يُوسفَ أكثَرُ المَشايخِ وهو المُختارُ لعُمومِ البَلوى، ونَعلمُ أنَّ الحَديثَ يُفيدُ طَهارَتَهما بالدَّلكِ مع الرُّطوبةِ؛ إذْ ما بينَ المَسجدِ والمَنزلِ ليسَ مَسافةً في مُدةِ قَطعِها ما أصابَ الخُفَّ رَطبًا (١). أمَّا المالِكيةُ فقد فرَّقوا بينَ أرواثِ الدَّوابِ وأبوالِها وبينَ غيرِها من النَّجاساتِ، فإذا أصابَ الخُفَّ شَيءٌ من رَوثِ الدَّوابِّ وأبوالِها؛ فإنَّه يُعفَى عنه إنْ دُلكَ بتُرابٍ أو حَجرٍ أو نَحوِه حتى زالَت العَينُ، وكذا إنْ جفَّت النَّجاسةُ بحيث لم يَبقَ شَيءٌ يُخرجُه النَّعلُ سِوى الحُكمِ. وقيَّدَ بَعضُهم العَفوَ بأنْ تَكونَ إِصابةُ الخُفِّ أو النَّعلِ بمَوضعٍ يَطرقُه الدَّوابُّ كَثيرًا، كالطُّرقِ لمَشقةِ الاحتِرازِ عنه.

стр. 625

قالَ الدُّسوقيُّ نَقلًا عن البَنانِيِّ: وهذا القَيدُ نقَلَه في التَّوضيحِ عن سُحنونٍ، والظاهِرُ اعتِبارُه، وفي كَلامِ ابنِ الحاجِبِ إِشارةٌ إليه لتَعليلِه بالمَشقةِ، والمَشقةُ إنَّما هي مع ذلك، وإنَّما سكَتَ المُصنِّفُ عنه هنا؛ لأنَّه قدَّمَ أنَّ العَفوَ إنَّما هو لعُسرِ الاحتِرازِ. وعلى هذا لا يُعفَى عما أصابَ الخُفَّ والنَّعلَ من أَرواثِ الدَّوابِّ بمَوضعٍ لا تَطرقُه الدَّوابُّ كَثيرًا ولو دَلكًا. وإنْ أصابَ الخُفَّ أو النَّعلَ شَيءٌ من النَّجاساتِ غيرُ أَرواثِ الدَّوابِّ وأَبوالِها كخَرءِ الكِلابِ أو فَضلةِ الآدَميِّ أو دَمٍ زائِدٍ على دِرهمٍ؛ فإنَّه لا يُعفى عنه، ولا بدَّ من غَسلِه. قالَ الحَطابُ نَقلًا عن ابنِ العَربيِّ: والعِلةُ نُدورُ ذلك في الطُّرقاتِ؛ فإنْ كثُرَ ذلك فيها صارَ كرَوثِ الدَّوابِّ (١). ٢٣ - تَطهيرُ ما تُصيبُه النَّجاسةُ من مَلابسِ النِّساءِ في الطُّرقِ: وقد ورَدَ في ذلك أنَّ امرأةً سألَت أُمَّ سَلمةَ زَوجَ النَّبيِّ ﷺ فقالَت: إنِّي امرأةٌ أُطيلُ ذَيلي وأمشي في المَكانِ القَذرِ، فقالَت أُمُّ سَلمةَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «يُطهِّرُه ما بعدَه» (٢).

стр. 626

قالَ أبو بَكرِ بنُ المُنذرِ ﵀: وقد اختَلفَ أهلُ العِلمِ في مَعناه، فكانَ أحمدُ يَقولُ: ليسَ مَعناه إذا أصابَه بَولٌ ثم مَرَّ بعدَه على الأرضِ أنَّها تُطهِّرُه ولكنَّه يَمرُّ بالمَكانِ فيُقذِّرُه فيَمرُّ بمَكانٍ أطيَبَ منه فيُطهِّرُ هذا ذاك، ليسَ على أنَّه يُصيبُه شَيءٌ. وكانَ مالِكٌ يَقولُ في قَولِه: الأرضُ يُطهِّرُ بَعضُها بَعضًا إنَّما هو أنْ يَطأَ الأرضَ القَذرةَ ثم يَطأَ الأرضَ اليابِسةَ النَّظيفةَ، قالَ: يُطهِّرُ بَعضُها بَعضًا، فأمَّا النَّجاسةُ الرَّطبةُ، مِثلَ البَولِ وغيرِه تُصيبُ الثَّوبَ أو بعضَ الجَسدِ حتى تُرطِّبَه؛ فإنَّ ذلك لا يُجزئُه ولا يُطهِّرُه إلا الغَسلُ وهذا إِجماعُ الأئِمةِ. وكانَ الشافِعيُّ يَقولُ في قَولِه: «يُطهِّرُه ما بعدَه» إنَّما هو ما جُرَّ على ما كانَ يابِسًا لا يَعلَقُ بالثَّوبِ منه شَيءٌ فأمَّا إذا جُرَّ على رَطبٍ فلا يُطهَّرُ إلا بالغَسلِ، ولو ذهَبَ رِيحُه ولَونُه وأثَرُه (١). وقيَّدَ المالِكيةُ العَفوَ عما يُصيبُ ذَيلَ ثَوبِ المَرأةِ من اليابِسِ من النَّجاسةِ إذا مرَّت بعدَ الإصابةِ على مَوضعٍ طاهِرٍ يابِسٍ بعِدةِ قُيودٍ، وهي: أ- أنْ يَكونَ الذَّيلُ يابِسًا وقد أطالَتْه للسَّترِ لا للزِّينةِ والخُيلاءِ. قالَ الدُّسوقيُّ: من المَعلومِ أنَّه لا تُطيلُه للسَّترِ إلا إذا كانَت غيرَ لابِسةٍ لخُفٍّ أو جَوربٍ، فعلى هذا لو كانَت لابِسةً لهما فلا عَفوَ، كانَ ذلك من زيِّها أو لا.

стр. 627

ب- وأنْ تَكونَ النَّجاسةُ التي أصابَت ذَيلَ الثَّوبِ مُخفَّفةً جافَّةً؛ فإنْ كانَت رَطبةً؛ فإنَّه يَجبُ الغَسلُ، إلا أنْ يَكونَ مَعفوًّا عنه كالطِّينِ. ج- أنْ يَكونَ المَوضعُ الذي تَمرُّ عليه بعدَ الإصابةِ طاهِرًا يابِسًا (١). ما يُعفَى عنه من النَّجاسةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما يُعفَى عنه من النَّجاساتِ. فقالَ أبو حَنيفةَ: قَليلُ النَّجاساتِ مَعفوٌّ عنه، وحَدُّوه بقَدرِ الدِّرهمِ البَغليِّ. قالَ المَوصليُّ الحَنفيُّ: (النَّجاسةُ غَليظةٌ وخَفيفةٌ) فالغَليظةُ عندَ أبي حَنيفةَ ما ورَدَ في نَجاستِه نَصٌّ ولم يُعارِضْه آخَرُ، ولا حَرجَ في اجتِنابِه، وإنِ اختَلَفوا فيه؛ لأنَّ الاجتِهادَ لا يُعارِضُ النَّصَّ. والمُخفَّفةُ ما تَعارَضَ نَصَّانِ في طَهارتِه ونَجاستِه، وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ المُغلظةُ: ما اتُّفقَ على نَجاستِه، ولا بَلوى في إصابَتِه. والمُخفَّفةُ: ما اختُلفَ في نَجاستِه؛ لأنَّ الاجتِهادَ حُجةٌ شَرعيةٌ كالنَّصِّ. قالَ: (فالمانِعُ من الغَليظةِ أنْ يَزيدَ على قَدرِ الدِّرهمِ مِساحةً، إنْ كانَ مائِعًا، ووَزنًا إنْ كانَ كَثيفًا) وهو أنْ تَكونَ مِثلَ عَرضِ الكَفِّ؛ لقَولِ عُمرَ ﵁: إذا كانَت النَّجاسةُ قَدرَ ظُفرِي هذا لا تَمنعُ جَوازَ الصَّلاةِ حتى تَكونَ أكثَرَ منه، وظُفرُه كانَ قَريبًا من كَفِّنا.

стр. 628

وعن مُحمدٍ: الدِّرهمُ الكَبيرُ: المِثقالُ، أي: ما يَكونُ وَزنُه مِثقالًا، فيُحملُ الأولُ على المِساحةِ، إنْ كانَ مائِعًا، وقَولُ مُحمدٍ على الوَزنِ إنْ كانَ مُستَجسِدًا. قالَ النَّخعيُّ: أرادوا أنْ يَقولوا: قَدرَ المَقعدةِ، فكَنَّوْا بقَدرِ الدِّرهمِ عنه، وإنَّما قدَّرَه أَصحابُنا بالدِّرهمِ؛ لأنَّ قَليلَ النَّجاسةِ عَفوٌ بالإِجماعِ كالتي لا يُدركُها البَصرُ، ودَمُ البَعوضِ والبَراغيثِ، والكَثيرُ مُعتبَرٌ بالإِجماعِ، فجعَلنا الحَدَّ الفاصِلَ قَدرَ الدِّرهمِ أخذًا من مَوضوعِ الاستِنجاءِ؛ فإنَّ بعدَ الاستِنجاءِ بالحَجرِ إنْ كانَ الخارجُ قد أصابَ جَميعَ المَخرجِ يَبقى الأثَرُ في جَميعِه، وذلك يَبلغُ قَدرَ الدِّرهمِ، والصَّلاةُ جائِزةٌ معه إِجماعًا، وعلِمنا أنَّ قَدرَ الدِّرهمِ عَفوٌ شَرعًا. (والمانِعُ من الخَفيفةِ أنْ يَبلغَ رُبعَ الثَّوبِ)؛ لأنَّ للرُّبعِ حُكمَ الكلِّ في أَحكامِ الشَّرعِ كمَسحِ الرأسِ، ثم قيلَ: رُبعُ جَميعِ الثَّوبِ، وقيلَ: رُبعُ ما أصابَه كالكُمِّ والذَّيلِ والدِّخريصِ، وعندَ أبي يُوسفَ: شِبْرٌ في شِبْرٍ، وعندَ مُحمدٍ: ذِراعٌ في ذِراعٍ، وعنه مَوضعُ القَدمَينِ، والمُختارُ الرُّبعُ، وعن أبي حَنيفةَ أنَّه غيرُ مُقدَّرٍ، وهو مَوكولٌ إلى رأيِ المُبتَلى لتَفاوتِ الناسِ في الاستِفحاشِ (وكلُّ ما يَخرجُ من بَدنِ الإِنسانِ وهو مُوجبٌ للتَّطهيرِ فنَجاستُه غَليظةٌ) كالغائِطِ والبَولِ والدَّمِ والصَّديدِ والقَيءِ، ولا خِلافَ فيه، وكذلك المَنيُّ. قالَ: (وكذلك الرَّوثُ والأخثاءُ) وبَولُ ما لا يُؤكلُ لَحمُه من الدَّوابِّ عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ نَجاستَها ثَبتَت بنَصٍّ لم يُعارِضْه غيرُه، وهو قَولُه

стр. 629

ﷺ في الرَّوثِ: «إنَّه رِجسٌ» والأَخثاءُ مِثلُه، وعندَهما مُخففةٌ لعُمومِ البَلوى به، ووُقوعِ الاختِلافِ فيه (١). وقالَ الإمامُ مالِكٌ: قَليلُ النَّجاساتِ وكَثيرُها سَواءٌ، إلا الدَّمَ فقَليلُه مَعفوٌّ عنه، وعنه في دَمِ الحَيضِ رِوايتانِ، قالَ ابنُ رُشدٍ: الأشهَرُ مُساواتُه لسائِرِ الدِّماءِ (٢). وحَدُّ القِلةِ والكَثرةِ عندَهم هو قَدرُ الدِّرهمِ البَغليِّ. قالَ في «الشَّرحِ الصَّغيرِ»: (وقَدرُ دِرهمٍ من دَمٍ وقَيحٍ وصَديدٍ) أي: يُعفَى عن قَدرِ الدِّرهمِ البَغليِّ وهو الدائِرةُ السَّوداءُ الكائِنةُ في ذِراعِ البَغلِ فدونَها (٣). وعندَ الشافِعيةِ؛ قالَ الشِّيرازيُّ ﵀: النَّجاسةُ ضَربانِ: دِماءٌ وغيرُ دِماءٍ، فأمَّا غيرُ الدِّماءِ فيُنظرُ فيه؛ فإنْ كانَ قَذرًا يُدركُه الطَّرفُ -أي: البَصرُ- لم يُعفَ عنه؛ لأنَّه لا يَشقُّ الاحتِرازُ منه، وإنْ كانَ قَذرًا لا يُدركُه الطَّرفُ ففيه ثَلاث حالاتٍ: إِحداها: أنَّه يُعفَى عنه؛ لأنَّه لا يُدركُ بالطَّرفِ فعُفيَ عنه كغُبارِ السِّرجِينِ، والثانيةُ: لا يُعفَى عنه؛ لأنَّه نَجاسةٌ لا يَشقُّ الاحتِرازُ منها، فلم يُعفَ عنها كالذي يُدركُه الطَّرفُ، والثالِثةُ: على قَولَينِ، أحدُهما: يُعفَى عنه، والثاني: لا يُعفَى عنه، ووَجهُ القَولَينِ ما ذكَرنا.

стр. 630

قالَ النَّوويُّ ﵀: وأصَحُّ الطُّرقِ أنَّه يُعفَى عنه … وهذه العِبارةُ التي ذكَرَها المُصنفُ تَقتَضي أنَّ وَنيمَ الذُّبابِ لا يُعفَى عنه بلا خِلافٍ، إذا أدرَكَه الطَّرفُ، وقد ذكَرَ البَغويُّ وغيرُه أنَّه له حُكمُ دَمِ البَراغيثِ؛ لأنَّه تَعمُّ به البَلوى ويَشقُّ الاحتِرازُ منه، والصَّحيحُ أنَّه كدَمِ البَراغيثِ. قالَ الشِّيرازيُّ ﵀: وأمَّا الدِّماءُ فيُنظرُ فيها؛ فإنْ كانَ دَمُ القَملِ والبَراغيثِ وما أشبَهَها فإنَّه يُعفَى عن قَليلِه؛ لأنَّه يَشقُّ الاحتِرازُ منه، فلو لم يُعفَ عنه شَقَّ وضاقَ، وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وفي كَثيرِه وَجهان، قالَ أبو سَعيدٍ الإصطَخريُّ: لا يُعفَى عنه؛ لأنَّه نادِرٌ لا يَشقُّ غَسلُه، وقالَ غيرُه: يُعفَى عنه، وهو الأصَحُّ؛ لأنَّ هذا الجِنسَ يَشقُّ الاحتِرازُ منه في الغالِبِ، فأُلحقَ نادِرُه بغالِبِه، وإنْ كانَ الدَّمُ دَمَ غيرِهما من الحَيواناتِ ففيه ثَلاثةُ أَقوالٍ، قالَ في «الأُمِّ»: يُعفَى عن قَليلِه، وهو القَدرُ الذي يَتعافاه الناسُ في العادةِ؛ لأنَّ الإِنسانَ لا يخَلو من بَثرةٍ وحَكةٍ يَخرجُ منها هذا القَدرُ فعُفيَ عنه، وقالَ في «الإملاء»: لا يُعفى عن قَليلِه ولا عن كَثيرِه؛ لأنَّه نَجاسةٌ لا يَشقُّ الاحتِرازُ منها، فلم يُعفَ عنها كالبَولِ، وقالَ في القَديمِ: يُعفَى عمَّا دونَ الكَفِّ ولا يُعفى عن الكَفِّ، والأولُ أصَحُّ. قالَ النَّوويُّ: أمَّا دَمُ ما له نَفسٌ سائِلةٌ من آدَميٍّ وسائِرِ الحَيواناتِ ففيه الأَقوالُ الثَّلاثةُ التي ذكَرَها المُصنفُ، وهي مَشهورةٌ، أصَحُّها بالاتِّفاقِ قَولُه في «الأُم»: إنَّه يُعفَى عن قَليلِه، وهو القَدرُ الذي يَتعافاه الناسُ في العادةِ، يَعني يَعدُّونَه عَفوًا، قالَ الأزهَريُّ: يَعدُّونَه عَفوًا قد عُفيَ لهم عنه، ولم يُكلَّفوا بإِزالتِه للمَشقةِ في التَّحفُّظِ منه.

стр. 631

قالَ صاحِبُ «الشامِل»: قدَّرَه بعضُ أَصحابِنا بلُمعةٍ، وهذه الأَقوالُ في دَمِ غيرِه من آدَميٍّ وحَيوانٍ آخَرَ، وأمَّا دَمُ نَفسِه فضَربانِ، أحدُهما: ما يَخرجُ من بَثرةٍ (١)، من دَمٍ وقَيحٍ وصَديدٍ فله حُكمُ دَمِ البَراغيثِ بالاتِّفاقِ، يُعفَى عن قَليلِه قَطعًا، وفي كَثيرِه الوَجهان أصَحُّهما العَفوُ، فلو عصَرَ بَثرةً فخرَجَ منها دَمٌ قَليلٌ عُفيَ عنه على أصَحِّ الوَجهَينِ، وهما كالوَجهَينِ السابِقَينِ في دَمِ القَملةِ ونَحوِها إذا عصَرَه في ثَوبٍ أو بَدنِه. الضَّربُ الثاني: ما يَخرجُ منه لا مِنْ البَثراتِ بل من الدَّمامِلِ والقُروحِ ومَوضِعِ الفَصدِ والحِجامةِ وغيرِها، وفيه طَريقانِ: أحدُهما: أنَّه كدَمِ البَراغيثِ والبَثراتِ فيُعفَى عن قَليلِه، وفي كَثيرِه الوَجهان، قالَ الرافِعيُّ: هذا مُقتَضى كَلامِ الأكثَرينِ. والثاني: وهو الأصَحُّ واختارَه ابنُ كَجٍّ والشَّيخُ أبو مُحمدٍ وإمامُ الحَرمَين: وهو ظاهِرُ كَلامِ المُصنفِ وسائِرِ العِراقيِّين أنَّه كدَمِ الأجنَبيِّ. قالَ أَصحابُنا: وقَيحُ الأجنَبيِّ وصَديدُه وسائِرِ الحَيوانِ كدَمِ ذلك الحَيوانِ، ثم الجُمهورُ أطلَقوا الكَلامَ في الدِّماءِ على ما سبَقَ، وقيَّدَ صاحِبُ البَيانِ الخِلافَ في العَفوِ بغيرِ دَمِ الكَلبِ والخِنزيرِ، وما توَلَّد من أحدِهما، وأشارَ إلى أنَّه لا يُعفَى عن شَيءٍ منه بلا خِلافٍ، قالَ البَغويُّ: وحُكمُ وَنيمِ الذُّبابِ وبَولِ الخُفاشِ حُكمُ الدَّمِ لتَعذُّرِ الاحتِرازِ.

стр. 632

فَرعٌ: قالَ صاحِبُ (التَّتمةِ) وغيرُه: لو كانَ في صَلاةٍ فأصابَه شَيءٌ جرَحَه وخرَجَ الدَّمُ يَدفُقُ ولم يُلوِّثِ البَشرةَ، أو كانَ التَّلويثُ قَليلًا بأنْ خرَجَ خُروجَ الفَصدِ لم تَبطُلْ صَلاتُه، واحتَجُّوا بحَديثِ جابِرٍ ﵁ في الرَّجلَين اللذَين حَرَسا للنَّبيِّ ﷺ فجُرحَ أحدُهما وهو يُصلِّي فاستمَرَّ في صَلاتِه ودِماؤُه تَسيلُ، وهو حَديثٌ سبَقَ بَيانُه في بابِ ما يَنقضُ الوُضوءَ، قالوا: ولأنَّ المُنفصلَ عن البَشرةِ لا يُضافُ إليه، وإنْ كانَ بعضُ الدَّمِ مُتصلًا ببَعضٍ، ولهذا لو صَبَّ الماءَ من إِبريقٍ على نَجاسةٍ واتَّصلَ طَرفُ الماءِ بالنَّجاسةِ لم يُحكَمْ بنَجاسةِ الماءِ الذي في الطَّريقِ، وإنْ كانَ بَعضُه مُتصلًا ببَعضٍ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لا يُعفَى عن يَسيرِ نَجاسةٍ، ولو لم يُدرِكْها البَصرُ كالذي يَعلَقُ بأرجُلِ ذُبابٍ ونَحوِه؛ لعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، وقَولِ ابنِ عُمرَ: أُمِرنا أنْ نَغسلَ الأَنجاسَ سَبعًا، ولغيرِ ذلك من الأدِلةِ، إلا يَسيرَ دَمٍ وما توَلَّد منه من قَيحٍ وغيرِه كصَديدِ يَدٍ وماءِ قُروحٍ فيُعفَى عن ذلك في غيرِ مائِعٍ ومَطعومٍ، أي: يُعفَى عنه في الصَّلاةِ؛ لأنَّ الإِنسانَ غالِبًا لا يَسلمُ منه، وهو قَولُ جَماعةٍ من الصَّحابةِ والتابِعينَ ومَن بعدَهم، ولأنَّه يَشقُّ التَّحرُّزُ منه فعُفيَ عن يَسيرِه كأثَرِ الاستِجمارِ، وأمَّا المائِعُ والمَطعومُ فلا يُعفَى فيه عن شَيءٍ من ذلك، (وقَدرُه) أي قَدرُ اليَسيرِ المَعفوِّ عنه هو الذي لم يَنقضِ الوُضوءَ، أي: ما لم يَفحُشْ في النَّفسِ، والمَعفوُّ عنه من القَيحِ ونَحوِه أكثَرُ

стр. 633

ممَّا يُعفَى عن مِثلِه من الدَّمِ، وإنَّما يُعفَى عن ذلك إذا كانَ من حَيوانٍ طاهِرٍ من آدَميٍّ، سَواءٌ المُصلِّي وغَيرُه من غيرِ سَبيلٍ؛ فإنْ كانَ من سَبيلٍ لم يُعفَ عنه؛ لأنَّه في حُكمِ البَولِ أو الغائِطِ، وكذلك دَمُ حَيضٍ ونِفاسٍ واستِحاضةٍ لقَولِ عائِشةَ ﵂: ما كانَ لإحدانا إلا ثَوبٌ تَحيضُ فيه، فإذا أصابَه شَيءٌ من دَمٍ قالَت برِيقِها فقصَعَته بظُفرِها -أي: حرَّكَته وفرَكَته- قالَه في النِّهايةِ، أو من غيرِ دَمِ آدَميٍّ سَواءٌ كانَ من حَيوانٍ مَأكولِ اللَّحمِ كإبِلٍ وبَقرٍ أو لا كهِرٍّ، بخِلافِ الحَيوانِ النَّجسِ كالكَلبِ والخِنزيرِ، فلا يُعفَى عن شَيءٍ من دَمِه، وكذا دَمُ الحِمارِ والبَغلِ. ويُضمُّ مُتفرِّقٌ في ثَوبٍ من دَمٍ ونَحوِه؛ فإنْ فحُشَ لم يُعفَ عنه وإلا عُفيَ عنه، ولا يُضمُّ مُتفرِّقٌ بأكثَرَ من ثَوبٍ، بل يُعتبَرُ ما في كلِّ ثَوبٍ على حِدتِه؛ لأنَّ أحدَهما لا يَتبعُ الآخَرَ، ولو كانَت النَّجاسةُ في شَيءٍ ضَعيفٍ قد نفَذَت فيه من الجانبَين فهي نَجاسةٌ واحِدةٌ، وإنْ لم تَتصِلْ بل كان بينَهما شَيءٌ لم يُصِبْه الدَّمُ فهما نَجاسَتانِ إذا بلَغا لو جُمِعا قَدرًا لا يُعفَى عنه لم يُعفَ عنها كجانبَيِ الثَّوبِ ودَمِ عِرقٍ مَأكولٍ بعدَ ما يَخرجُ بالذَّبحِ وما في خِلالِ اللَّحمِ طاهِرٌ، ولو ظهَرَت حُمرتُه نَصًّا؛ لأنَّه لا يُمكنُ التَّحرُّزُ منه كدَمِ سَمكٍ؛ لأنَّه لو كانَ نَجسًا لتَوقَّفت إِباحتُه على إِراقَتِه بالذَّبحِ كحَيوانِ البَرِّ (١).

стр. 634

باب في الحيض تَعريفُ الحَيضِ: الحَيضُ لُغةً: مَصدرُ حاضَ، يُقالُ: حاضَ السَّيلُ، إذا فاضَ، وحاضَت السَّمُرةُ (١) إذا سالَ صَمغُها، وحاضَت المَرأةُ: سالَ دَمُها (٢). وللعُلماءِ في تَعريفِ الحَيضِ مَعانٍ مُتقارِبةٌ، فقد عرَّفَه صاحِبُ «كَنزِ الحَقائقِ» من الحَنفيةِ بقَولِه: هو دَمٌ يَنفُضُه رَحمُ امرأةٍ سَليمةٍ عن داءٍ وصِغرٍ (٣). وعرَّفه ابنُ عَرفةَ من المالِكيةِ بقَولِه: الحَيضُ دَمٌ يُلقيه رَحمٌ مُعتادٌ حَملُها دونَ وِلادةٍ (٤). وعرَّفَه الشافِعيةُ: بأنَّه دَمُ جِبلةٍ يَخرجُ من أقصى رَحمِ المَرأةِ بعدَ بُلوغِها على سَبيلِ الصِّحةِ من غيرِ سَببٍ في أَوقاتٍ مَعلومةٍ (٥).

стр. 635

وعرَّفَه الحَنابِلةُ: بأنَّه دَمُ طَبيعةٍ يَخرجُ مع الصِّحةِ من غيرِ سَببِ وِلادةٍ من قَعرِ رَحمٍ يَعتادُ أُنثى إذا بلَغَت في أَوقاتٍ مَعلومةٍ (١). وللحَيضِ أَسماءٌ، منها الطَّمثُ، والعِراكُ والنِّفاسُ. حُكمُ تَعليمِ المَرأةِ أَحكامَ الحَيضِ: يَجبُ على المَرأةِ أنْ تَتعلَّمَ ما تَحتاجُ إليه من أَحكامِ الحَيضِ، وعلى زَوجِها أو وَليِّها أنْ يُعلِّمَها ما تَحتاجُ إليه منها إنْ علِمَ، وإلا أذِنَ لها بالخُروجِ لسُؤالِ العُلماءِ، ويَحرمُ عليه مَنعُها إلا أنْ يَسألَ هو ويُخبِرَها وتَستَغنيَ بذلك، ولها أنْ تَخرجَ بغيرِ إذنِه إنْ لم يُؤذَنْ لها. وعِلمُ الحَيضِ من عِلمِ الحالِ المُتَّفقِ على فَرضيةِ تَعلُّمِه. قالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: ومَعرفةُ مَسائلِ الحَيضِ من أعظَمِ المُهماتِ لمَا يَترتَّبُ عليها ممَّا لا يُحصَى من الأَحكامِ، كالطَّهارةِ والصَّلاةِ وقِراءةِ القُرآنِ والصَّومِ والاعتِكافِ والحَجِّ والبُلوغِ والوَطءِ والطَّلاقِ والعِدةِ والاستِبراءِ وغيرِ ذلك من الأَحكامِ.
следующие страницы →