← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

إجارةُ الذِّميِّ لِلمُسلِمِ لِلخِدمةِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يَستَأجِرَ الذِّميَّ. وَكذلك لا خِلافَ بَينَهم على أنَّ المُسلِمَ إنْ أجَّرَ نَفْسَه مِنْ الذِّميِّ في عَملٍ مُعيَّنٍ في الذِّمةِ؛ كَخِياطةِ ثَوبٍ وقِصارَتِه جازَ مع الكَراهةِ عندَ الجُمهورِ؛ لأنَّ عَليًّا أجَّرَ نَفْسَه مِنْ يَهوديٍّ يَسقي لَه: كلُّ دَلْوٍ بتَمْرةٍ، وأخبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلك فلَم يُنكِرْه، وكذلك الأنصاريُّ، ولأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ لا يَتضمَّنُ إذلالَ المُسلِمِ ولا استِخدامَه، أشبَهَ مُبايَعَتَه. وَإنَّما اختَلفوا: هَلْ يَجوزُ لِلذِّميِّ أنْ يَستَأجِرَ المُسلِمَ لِلخِدمةِ أو لا؟ فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ، والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُكرَهُ لِلمُسلِمِ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه لِلخِدمةِ لِلذِّميِّ فيما لَيسَ مُحرَّمًا على المُسلِمِ، وإلَّا حَرُمَ. قالَ الحَنفيَّةُ: لَوِ استَأجَرَ ذِمِّيٌّ مُسلِمًا لِيَخدُمَه، ذُكِرَ في الأصلِ أنَّه يَجوزُ، وأكرَهُ لِلمُسلِمِ خِدمةَ الذِّميِّ، أمَّا الكَراهةُ؛ فلأنَّ الِاستِخدامَ استِذلالٌ، فكانَتْ إجارةُ المُسلِمِ نَفْسَه منه إذلالًا لِنَفْسِه، وليسَ لِلمُسلِمِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَه، خُصوصًا بخِدمةِ الكافِرِ. وأمَّا الجَوازُ؛ فلأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فيَجوزُ، كالبَيعِ (١). وفي «فَتاوَى الفَضْلِيِّ»: لا تَجوزُ إجارةُ المُسلِمِ نَفْسَه مِنْ النَّصرانيِّ

стр. 5707

لِلخِدمةِ، وفيما سِوَى الخِدمةِ يَجوزُ، والأجيرُ في سَعةٍ مِنْ ذلك ما لَم يكُنْ في ذلك إذلالٌ (١). وَجاءَ في «غَمزُ عُيونِ البَصائِرِ شَرحُ كِتابِ الأشباهِ والنَّظائِرِ» لِابنِ نُجَيمٍ لِلحَمَويِّ: قولُهُ: ويُكرَهُ للمُسلِمِ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه مِنْ كافِرٍ لِعَصرِ العِنَبِ. أقولُ: لَيسَ عَصرُ العِنَبِ قَيدًا، بَلِ المُرادُ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه لِخِدمَتِه؛ لِمَا في شَرحِ المَجمَعِ لِابنِ المَلِكِ: لَوِ استَأجَرَ الكافِرُ مُسلِمًا لِلخِدمةِ جازَ اتِّفاقًا، ولَكنَّه يُكرَهُ؛ لأنَّ فيه استِهانةً صُورةً، انتَهَى. وَفِي «الذَّخيرةُ»: إذا دخلَ يَهوديٌّ الحَمَّامَ هَلْ أباحَ لِلخادِمِ المُسلِمِ أنْ يَخدُمَه، إنْ خَدَمَه طَمعًا في فُلُوسِه فلا بَأْسَ بهِ؛ فإنْ فعلَ ذلك تَعظيمًا له مِنْ غيرِ أنْ يَنويَ ما ذَكَرْناه، أو قامَ تَعظيمًا لِغِناه كُرِهَ ذلك (٢). وقالَ المالِكيَّةُ: يُكرَهُ لِلمُسلِمِ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَه أو وَلَدَه أو عبدَه المُسلِمَ أو دَابَّتَه لِكافِرٍ، ومَحَلُّها إذا كانَ المُسلِمُ يَجوزُ له فِعلُ ذلك لِنَفْسِهِ؛ كالخِياطةِ والبِناءِ والحَرثِ وما أشبَهَ ذلك، وأمَّا ما لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ فِعلُه لِنَفْسِه، كَعَصرِ الخَمرِ ورَعْيِ الخَنازيرِ وما أشبَهَ ذلك؛ فإنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَه، ويُؤَدَّبُ المُسلِمُ، إلَّا أنْ يُعذَرَ بجَهالةٍ. فَإنْ عُثِرَ عليها قبلَ العَملِ فُسِخَتْ، وإنْ فاتَتْ بالعَملِ؛ فإنَّ الأُجرةَ تُؤخَذُ مِنْ الكافِرِ ويُتَصَدَّقُ بها على الفُقَراءِ، أدَبًا لِلمُسلِمِ، إلَّا أنْ يُعذَرَ لِأجْلِ جَهلٍ ونَحوِهِ؛ فإنَّها لا تُؤخَذُ مِنه.

стр. 5708

وَجاءَ في «المُدوَّنةُ الكُبرَى»: في الرجُلِ يُؤاجِرُ نَفْسَه مِنْ النَّصرانيِّ: قُلتُ: أرَأيتَ لَو أنَّ نَصرانيًّا آجَرَ مُسلِمًا لِيَخدُمَه، أتَجوزُ هذه الإجارةُ في قَولِ مالِكٍ؟ قالَ: سُئِلَ مالِكٌ عن المُسلِمِ يَأخُذُ مِنْ النَّصرانيِّ مالًا قِراضًا، فَكَرِهَ ذلك لَه، وغَيرُه مِنْ أهلِ العِلمِ قد كَرِهَ ذلك، ولا أرَى مالِكًا كَرِهَ ذلك إلَّا مِنْ وَجهِ الإجارةِ، وقَد بَلَغَني أنَّ مالِكًا كَرِهَ أنْ يُؤاجِرَ المُسلِمُ نَفْسَه مِنْ النَّصرانيِّ. قُلتُ: أرَأيتَ إنْ آجَرَه هذا المُسلِمُ نَفْسَه على أنْ يَحرُسَ له زَيتُونَه أو يَحرُثَ له أو يَبنيَ له بُنيانًا؟ قالَ: أكرَهُ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَه في خِدمةِ هذا النَّصرانيِّ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: يَصحُّ مع الكَراهةِ أنْ يَستَأجِرَ الذِّميُّ مُسلِمًا، ولو إجارةَ عَينٍ، ويَستَنيبُ المُسلِمُ كافِرًا يَقومُ عنه بخِدمةِ الكافِرِ، وُجوبًا في إجارةِ الذِّمةِ، ويُؤمَرُ وُجوبًا بإزالةِ مِلْكِه عنه في إجارةِ العَينِ، ولِلحاكِمِ مَنْعُه منها، ولا يَجوزُ لِمُسلِمٍ خِدمةُ كافِرٍ، ولو بغَيرِ إجارةٍ (٢). وقالَ الشِّيرازِيُّ في «المُهَذَّبُ»: فَصلٌ: واختَلفوا في الكافِرِ إذا استأجَرَ مُسلِمًا إجارةً مُعيَّنةً؛ فمِنهم مَنْ قالَ: فيه قولانِ؛ لأنَّه عَقدٌ يَتضمَّنُ حَبسَ المُسلِمِ؛ فصارَ كبَيعِ العَبدِ المُسلِمِ منه، ومنهم مَنْ قالَ: يَصحُّ قَولًا واحِدًا؛

стр. 5709

لأنَّ علِيًّا كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ كانَ يَستَقي الماءَ لِامرأةٍ يَهوديَّةٍ: كلُّ دَلْوٍ بتَمرةٍ (١). وقالَ العِمرانيُّ ﵀: وإنِ استَأجَرَ الكافِرُ مُسلِمًا، نُظِرَتْ: فإنِ استَأجَرَه لِعَملٍ في ذِمَّتِه صَحَّ؛ لأنَّه لا صَغارَ عليه في ذلك. وَإنِ استَأجَرَه لِعَملٍ مُقدَّرٍ، في زَمانٍ مَعلومٍ ففيه طَريقانِ: الأولُ: مِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: فيه قولانِ، بِناءً على القوليْنِ في جَوازِ شِراءِ الكافِرِ لِلمُسلِمِ؛ لأنَّ في ذلك استيلاءً عليه وصَغارًا، كالمِلْكِ. والآخَرُ: مِنهم مَنْ قالَ: يَصحُّ، قَولًا واحِدًا؛ لِمَا ذَكَرْناه مِنْ حَديثِ عَلِيٍّ، ولأنَّ ذلك عَملٌ في مُقابَلةِ عِوَضٍ، فأشبَهَ العَملَ في ذِمَّتِه، ويُخالِفُ المِلْكَ؛ لأنَّه يَقتَضي تَسَلُّطًا واستِدامةَ مُلْكِه عليه (٢). وسُئِلَ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَميُّ عمَّا إذا استأجَرَ الكافِرُ مُسلِمًا إجارةَ عَينٍ هل يَحرُمُ على المُسلِمِ إتمامُ الإجارةِ بنَفْسِه؟ فأجابَ بقَولِه: لا يَحرُمُ على المُسلِمِ إتمامُ الإجارةِ بنَفْسِه، بل يُكرَهُ له، نَعَمْ إنْ كانَتِ الإجارةُ فيما يُمتَهَنُ به؛ كالأعمالِ الدَّنيئةِ غيرِ اللَّائِقةِ به، اشتَدَّتِ الكَراهةُ، بل قيلَ بالحُرمةِ حينئذٍ (٣). وَذَهَبَ الحَنابِلةُ -في المَذهبِ- والشافِعيَّةُ -في قَولٍ- كَما تَقدَّمَ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه لِخِدمةِ الكافِرِ.

стр. 5710

قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وتَلخيصُ مَذهبِه (أي: الإمامِ أحمدَ ﵀): أنَّ إجارةَ المُسلِمِ نَفْسَه لِلذِّميِّ ثَلاثةُ أنواعٍ: أحَدُها: إجارةٌ على عَملٍ في الذِّمةِ، فهذه جائِزةٌ. الثَّاني: إجارةٌ لِلخِدمةِ، فهذه فيها رِوايَتانِ مَنصوصَتانِ، أصَحُّهما المَنْعُ مِنها. الثَّالث: إجارةُ عَينِه منه لِغَيرِ الخِدمةِ، فهذه جائِزةٌ، وقَد آجَرَ عَلِيٌّ ﵁ نَفْسَه مِنْ يَهوديٍّ يَستقِي لَه: كلُّ دَلْوٍ بتَمرةٍ، وأكَلَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ ذلك التَّمرِ. هَذا كلُّه إذا كانَ الإيجارُ لِعَملٍ لا يَتضمَّنُ تَعظيمَ دِينِهم وشَعائِرِه، فإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَملٍ يَتضمَّنُ ذلك لَم يَجُزْ، كَما نَصَّ عليه أحمَدُ في رِوايةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، وقَد سَألَه رَجُلٌ بَنَّاءٌ: أبْنِي ناووسًا لِلمَجوسِ؟ فقالَ: لا تَبْنِ لَهُمْ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا تَجوزُ إجارةُ المُسلِمِ لِلذِّميِّ لِخِدمَتِه، نَصَّ عليه أحمَدُ في رِوايةِ الأثرَمِ، فقالَ: إنْ أجَّرَ نَفْسَه مِنْ الذِّميِّ في خِدمَتِه لَم يَجُزْ، وإنْ كانَ في عَملِ شَيءٍ جازَ، وهذا أحَدُ قَولَيِ الشَّافِعيِّ، وقالَ في الآخَرِ: تَجوزُ؛ لأنَّه تَجوزُ له إجارةُ نَفْسِه في غيرِ الخِدمةِ، فجازَ فيها؛ كَإجارَتِه مِنْ المُسلِمِ.

стр. 5711

وَلَنا: أنَّه عَقدٌ يَتضمَّنُ حَبسَ المُسلِمِ عندَ الكافِرِ وإذلالَه له واستِخدامَه، أشبَهَ البَيعَ، يُحَقِّقُه أنَّ عَقدَ الإجارةِ لِلخِدمةِ يَتعيَّنُ فيه حَبْسُه مدَّةَ الإجارةِ واستِخدامُه، وأنَّ البَيعَ لا يَتعيَّنُ فيه ذلك؛ فإذا مُنِعَ منه فلَأنْ يُمنَعَ مِنْ الإجارةِ أَوْلَى. فَأمَّا إنْ أجَّرَ نَفْسَه منه في عَملٍ مُعيَّنٍ في الذِّمةِ؛ كَخِياطةِ ثَوبٍ وقِصارَتِه جازَ، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنَّ عَلِيًّا ﵁ أجَّرَ نَفْسَه مِنْ يَهوديٍّ يَسقِي لَه: كلُّ دَلْوٍ بتَمرةٍ، وأخبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلك، فلَم يُنكِرْه، وكذلك الأنصاريُّ، ولأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ لا يَتضمَّنُ إذلالَ المُسلِمِ، ولا استِخدامَه، أشبَهَ مُبايَعَتَه، وإنْ أجَّرَ نَفْسَه منه لِعَملٍ غيرِ الخِدمةِ مدَّةً مَعلومةً جازَ أيضًا، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ؛ لِقَولِه في رِوايةِ الأثرَمِ: وإنْ كانَ في عَملِ شَيءٍ جازَ. وَنقلَ عنه أحمَدُ بنُ سَعيدٍ: لا بَأْسَ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه مِنْ الذِّميِّ؛ وهذا مُطلَقٌ في نَوعَيِ الإجارةِ، وذكرَ بَعضُ أصحابِنا أنَّ ظاهِرَ كَلامِ أحمدَ مَنْعُ ذلك، وأشارَ إلى ما رَواه الأثرَمُ واحتَجَّ بأنَّه عَقدٌ يَتضمَّنُ حَبْسَ المُسلِمِ، أشبَهَ البَيعَ، والصَّحيحُ ما ذَكَرْنا، وكَلامُ أحمدَ؛ إنَّما يَدلُّ على خِلافِ ما قالَهُ: فإنَّه خَصَّ المَنْعَ بالإجارةِ لِلخِدمةِ، وأجازَ إجارَتَه لِلعَملِ، وهذا إجارةٌ لِلعَملِ، ويُفارِقُ البَيعَ؛ فإنَّ فيه إثباتَ المِلْكِ على المُسلِمِ، ويُفارِقُ إجارَتَه لِلخِدمةِ؛ لِتَضَمُّنِها الإذلالَ (١).

стр. 5712

الأجيرُ الخاصُّ إذا عَمِلَ لِغَيرِ مُستَأجِرِهِ: ذَهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى أنَّ الأجيرَ الخاصَّ لا يَجوزُ له أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه، أو أنْ يَعمَلَ عَملًا آخَرَ غيرَ ما استُؤْجِرَ عليه في المدَّةِ؛ لأنَّ مَنافِعَه في المدَّةِ مُستَحقَّةٌ لِمُستَأجِرِه، وقالَ جُمهورُ الفُقهاءِ: يَنقُصُ مِنْ أُجرَته بمِقدارِ ما عَمِلَ لِلآخَرِ. قالَ الحَنفيَّةُ: لَيسَ لِلأجيرِ الخاصِّ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَه مِنْ آخَرَ؛ لأنَّه سُمِّيَ خاصًّا؛ لأنَّه يَختَصُّ بعَملِه دونَ غَيرِهِ؛ لأنَّه لا يَصلُحُ أنْ يَعمَلَ لِغَيرِه في المدَّةِ؛ لأنَّ مَنافِعَه في المدَّةِ صارَتْ مُستَحقَّةً لِلمُستَأجِرِ، والأجرُ مُقابِلُ المَنافِعِ، ولِهَذا يَبقَى الأجْرُ مُستحَقًّا، وإنْ نَقَصَ العَملُ. قالَ في «الدُّر المُختار»: وليسَ لِلخاصِّ أنْ يَعمَلَ لِغَيرِه، ولَو عَمِلَ نَقَصَ مِنْ أُجرَتِه بقَدْرِ ما عَمِلَ. قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: قالَ في «التاتَرْخانيَّة»: نَجَّارٌ استُؤجِرَ إلى اللَّيلِ، فعَمِلَ لِآخَرَ دَواةً بدِرهَمٍ، وهو يَعلَمُ، فهو آثِمٌ؛ وإنْ لَم يَعلَمْ فلا شَيءَ عليه، ويَنقُص مِنْ أجرِ النَّجَّارِ بقَدْرِ ما عَمِلَ في الدَّواةِ (١). وقالَ المالِكيَّةُ: لَيسَ لِأجيرِ الخِدمةِ -الأجيرِ الخاصِّ- أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه مِنْ غيرِ مُستَأجِرِه؛ فإذا أجَّرَ نَفْسَه مِنْ غيرِ مُستَأجِرِه يَومًا أو أكثَرَ وفَوَّتَ على المُستَأجِرِ ما استَأجَرَه عليه، أو بَعضَه؛ فإنَّ الأُجرةَ تَكونُ لِمُستَأجِرِه الأولِ،

стр. 5713

وإنْ شاءَ تَركَ الأجْرَ لَه، ويُسقِطُ حِصَّةَ ذلك اليَومِ مثلًا مِنْ الأجرِ الأولِ. فإنْ لَم يُفَوِّتْ عليه شَيئًا بأنْ وَفَّى له بجَميعِ ما استَأجَرَه عليه فلا كَلامَ لَه. وَكَذا لَو عَمِلَ مَجَّانًا؛ فإنَّه يُسقِطُ مِنْ أُجرَتِه بقَدْرِ قِيمةِ ما عَمِلَ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لَيسَ لِلأجيرِ الخاصِّ أنْ يَعمَلَ لِغَيرِ مُستَأجِرِه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ عليه ما استَحقَّه بالعَقدِ؛ فإنْ عَمِلَ الأجيرُ الخاصُّ لِغَيرِ مُستَأجِرِه وأضَرَّ بالمُستَأجِرِ فلِلمُستَأجِرِ قِيمةُ ما فَوَّتَه مِنْ مَنفعَتِه عليه بعَملِه لِغَيرِه على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ. قالَ أحمَدُ ﵀ في رَجُلٍ استَأجَرَ أجيرًا على أنْ يَحتَطِبَ له على حِمارَيْنِ، كلَّ يَومٍ، فكانَ الرجُلُ يَنقُلُ عليهما وعَلَى حَميرٍ لِرَجُلٍ آخَرَ، ويَأخُذُ منه الأُجرةَ؛ فإنْ كانَ يَدخُلُ عليه ضَرَرٌ يَرجِعُ عليه بالقِيمةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀ في «المُغني»: فظاهِرُ هذا أنَّ المُستَأجِرَ يَرجِعُ على الأجيرِ بقِيمةِ ما استَضرَّ باشتِغالِه عن عَملِه؛ لأنَّه قالَ: إنْ كانَ يَدخُلُ عليه ضَرَرٌ يَرجِعُ عليه بالقِيمةِ، فاعتُبِرَ الضَّررُ، وظاهِرُ هذا أنَّه لَم يَستَضِرَّ، لا يَرجِعُ بشَيءٍ؛ لأنَّه اكتَراهُ لِعَملٍ، فوَفَّاه على التَّمامِ، فلَم يَلزَمْه شَيءٌ، كَما لَوِ استَأجَرَه لِعَملٍ، فكانَ يَقرَأُ القُرآنَ في حالِ عَملِهِ؛ فإنْ ضَرَّ المُستَأجِرَ يَرجِعُ عليه بقِيمةِ ما فَوَّتَ عليه. وَيُحتَمَلُ أنَّه أرادَ أنَّه يَرجِعُ عليه بقِيمةِ ما عَمِلَه لِغَيرِهِ؛ لأنَّه صَرَفَ مَنافِعَه

стр. 5714

المَعقودَ عليها إلى عَملِ غيرِ المُستَأجِرِ، فكانَ عليه قِيمَتُها، كَما لَو عَمِلَ لِنَفسِه. وقالَ القاضي ﵀: مَعناه أنَّه يَرجِعُ عليه بالأجْرِ الذي أخَذَه مِنْ الآخَرِ؛ لأنَّ مَنافِعَه في هذه المدَّةِ مَملوكةٌ لِغَيرِه، فما حَصَلَ في مُقابَلَتِها يَكونُ لِلَّذي استَأجَرَهُ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: الأجيرُ المُنفَرِدُ وهو مَنْ أجَّرَ نَفْسَه مدَّةً مُعيَّنةً لِعَملٍ لِغَيرِه، سَواءٌ قدَّرَها بمدَّةٍ أو بعَملٍ فلا يُمكِنُه شَرعًا التِزامُ مِثلِه لِآخَرَ في تلك المدَّةِ، سُمِّيَ بذلك لِانفِرادِ المُستَأجِرِ بمَنفعَتِه في تلك المدَّةِ (٢). لَكِنِّي لَم أجِدْهم يَنُصُّونَ: هَلْ لَو عَمِلَ لِغَيرِهِ يَستَحقُّ الأُجرةَ أو تَكونُ لِمُستَأجِرِه الأولِ؟ الصُّورةُ الثَّانيةُ: الأجيرُ المُشترَكُ: الأجيرُ المُشترَكُ أوِ العامُّ هو الذي يَعمَلُ لِعامَّةِ النَّاسِ، أو هو الذي يَستَحقُّ الأُجرةَ بالعَملِ، لا بتَسليمِ النَّفْسِ؛ كالصَّباغِ والحَدَّادِ والكَوَّاءِ والصَّانِعِ والطَّبيبِ ونَحوِ ذلك. قالَ الحَنفيَّةُ: الأجيرُ المُشترَكُ هو كلُّ مَنْ لا يَستَحقُّ الأُجرةَ حتى

стр. 5715

يَعمَلَ؛ كالقَصَّارِ والصَّباغِ والخيَّاطِ؛ لأنَّ المُشترَكَ مَنْ يَعمَلُ لِلمُستَأجِرِ ولِغَيرِه؛ فلا يَكونُ مُختَصًّا بعَملِه؛ لأنَّ المَعقودَ عليه إذا كانَ هو العَملَ أو أثَرَه كانَ له أنْ يَعمَلَ لِلعامَّةِ؛ لأنَّ مَنافِعَه لَم تَصرْ مُستَحقَّةً لِواحِدٍ، فمِن هذا الوَجهِ يُسَمَّى مُشترَكًا (١). أو هو مَنْ يَعمَلُ لا لِواحِدٍ، أو لِواحِدٍ مِنْ غيرِ تَوقيتٍ، ومِن أحكامِه أنَّه لا يَستَحقُّ الأُجرةَ حتى يَعمَلَ المَعقودَ عليه؛ كالصَّباغِ والخيَّاطِ وغَيرِهما (٢). ويُقالُ: الأجيرُ المُشترَكُ مَنْ يَكونُ عَقدُه وارِدًا على عَملٍ مَعلومٍ (٣). وقالَ الشافِعيَّةُ: الأجيرُ المُشترَكُ: هو الذي يَلتَزِمُ العَملَ في ذِمَّتِه كعادةِ الخيَّاطِينَ والصَّوَّاغِينَ والمَلَّاحِينَ، الذين يَحمِلونَ لكلِّ أحَدٍ، وغَيرِهم، فإذا التَزَم لِشَخصٍ أمكَنَهُ أنْ يَلتَزِمَ لِآخَرَ مثلَ ذلك؛ فكَأنَّه مُشترَكٌ بينَ الناسِ (٤). وقالَ الحَنابِلةُ: الأجيرُ المُشترَكُ: هو مَنْ قُدِّرَ نَفْعُه بالعَملِ، سَواءٌ تَعَرضَ فيه لِلمدَّةِ، كَكَحَّالٍ يُكحِّلُه شَهرًا، كلَّ يَومٍ كَذا وكَذا مَرَّةً، أو لا، كَخِياطةِ ثَوبٍ، أو بِناءِ حائِطٍ، أو حَمْلِ شَيءٍ إلى مَكانٍ مُعيَّنٍ، أو على عَملٍ في مدَّةٍ لا يَستَحقُّ نَفْعَه في جَميعِها؛ كالطَّبيبِ ونَحوِه، وسُمِّيَ مُشترَكًا لأنَّه

стр. 5716

يَتقبَّلُ أعمالًا لِجَماعةٍ في وَقتٍ واحِدٍ، يَعمَلُ لَهم، فيَشتَرِكونَ في مَنفعَتِه؛ كالحائِكِ والقَصَّارِ والطَّبَّاخِ والحَمَّالِ؛ فلِذلك سُمِّيَ مُشترَكًا، فتَتعلَّقُ الإجارةُ بذِمَّتِه، لا بعَيْنِه، ولا يَستَحقُّ الأُجرةَ إلَّا بتَسليمِ عَملِه دونَ تَسليمِ نَفْسِه، بخِلافِ الأجيرِ الخاصِّ؛ فنَفعُه مُقدَّرٌ بالزَمنِ، وتَقدَّمَ (١). ضَمانُ الأجيرِ المُشترَكِ: وقد كانَ الحُكمُ في يَدِ الأجيرِ المُشترَكِ؛ كالأجيرِ الخاصِّ، كلٌّ مِنهما يَده يَد أمانةٍ، لا يَضمَنُ هَلاكَ الشَّيءِ إلَّا بالتَّعدِّي أو بالتَّقصيرِ، لَكِنْ نَظَرًا لِفَسادِ دِيانةِ النَّاسِ وكَثرةِ ادِّعائِهمُ التَّلَفَ؛ أوجَبَ الفُقهاءُ تَضمينَ الأجيرِ المُشترَكِ لِمَصلَحةِ النَّاسِ في ذلك. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: والأصْلُ في الصُّنَّاعِ -الأجيرِ المُشترَكِ- أنْ لا ضَمانَ عليهم؛ وأنَّهم مُؤتَمَنونَ؛ لأنَّهم أُجَراءُ، وقَد أسقَطَ النَّبيُّ ﷺ الضَّمانَ عن الأجيرِ. وَخَصَّصَ العُلماءُ مِنْ ذلك الصُّنَّاعَ وضَمَّنوهم؛ نَظَرًا واجتِهادًا؛ لِضَرورةِ النَّاسِ، وكانَ هذا مِنْ الأُمورِ الغائِبةِ الغالِبةِ التي تَجِبُ مُراعاتُها (٢). قالَ ابنُ وَهبٍ ﵀: قالَ لي مالِكٌ ﵀: إنَّما يَضمَنُ الصُّنَّاعُ ما دُفِعَ إلَيهم ممَّا يُستَعمَلونَ، على وَجْهِ الحاجةِ إلى أعمالِهم، وليسَ

стр. 5717

ذلك على وَجْهِ الِاختيارِ لَهم والأمانةِ، ولَو كانَ ذلك إلى أمانَتِهم لَهَلَكَتْ أموالُ النَّاسِ وضاعَتْ قِبَلَهم واجتَرؤُوا على أخْذِها، ولَو تَركوها لَم يَجِدوا مُستَعتِبًا، ولَم يَجِدوا غَيرَهم، ولا أحَدَ يَعمَلُ تلك الأعمالَ غَيرُهم، فضَمِنوا ذلك لِمَصلَحةِ النَّاسِ، ومِمَّا يُشبِهُ ذلك مِنْ مَنفَعةِ العامَّةِ ما قالَه رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَبيعُ حاضِرٌ لِبادٍ، ولا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حتى يُهبَطَ بها إلى الأسواقِ» (١)؛ فلَمَّا رَأَى أنَّ ذلك يُصلِحُ العامَّةَ أمَرَ فيه بذلك. اه (٢). وعلى هذا؛ فإنَّ المَذاهبَ الأربَعةَ مُتفِقةٌ على أنَّ الأجيرَ المُشترَكَ ضامِنٌ لِمَا جَنَتْ يَده أو قَصَّرَ في حِفظِه، أمَّا إنْ تَلِفَ الشَّيءُ في يَدِه مِنْ غيرِ تَعَدٍّ منه ولا تَفريطٍ، فقدِ اختَلفَ فيه الفُقهاءُ. فذَهَبَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ وزُفَرُ والحَسَنُ بنُ زِيادٍ والشافِعيُّ في رِوايةٍ، وأحمَدُ في رِوايةٍ: إلى أنَّ يَدَ الأجيرِ المُشترَكِ يَد أمانةٍ؛ كالأجيرِ الخاصِّ؛ لأنَّ الأصْلَ أنَّه لا يَجِبُ الضَّمانُ إلَّا على المُتعَدِّي؛ لِقَولِ الله : ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، ولَم يُوجَدِ التَّعدِّي مِنْ الأجيرِ؛ لأنَّه مَأذونٌ في القَبضِ؛ فقَدْ قَبَضَه بإذْنِ صاحِبِه، والهَلاكُ لَيسَ مِنْ صُنعِه؛ فلا يَجِبُ الضَّمانُ عليه، ولِهَذا لا يَجِبُ الضَّمانُ على المُودِعِ.

стр. 5718

وَذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، أبُو يُوسفَ ومُحمَّدٌ -وبِه يُفتَى عندَ الحَنفيَّةِ- والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ -في المَذهبِ- إلى أنَّ يَدَ الأجيرِ المُشترَكِ يَد ضَمانٍ، فهو ضامِنٌ لِمَا يَهلِكُ في يَدِه، ولَو بغَيرِ تَعَدٍّ، أو تَقصيرِ مِنه؛ إلَّا في الحَريقِ الغالِبِ، والغَرَقِ الغالِبِ، والسَّرَقِ الغالِبِ عِند أبي يُوسفَ، ومُحمَّدٍ، والمالِكيَّةِ، وقَولٍ لِلحَنابِلةِ. لأنَّه قد رُوِيَ أنَّ عُمرَ كانَ يُضَمِّنُ الأجيرَ المُشترَكَ احتِياطًا لِأموالِ النَّاسِ، وهو المَعنِيُّ في المَسألةِ، وهو أنَّ هَؤُلاءِ الأُجَراءَ الذين يُسَلَّمُ المالُ إلَيهم مِنْ غيرِ شُهودٍ، تُخافُ الخِيانةُ مِنهم؛ فلَو عَلِموا أنَّهم لا يَضمَنونَ لَهَلَكَتْ أموالُ النَّاسِ؛ لأنَّهم لا يَعجِزونَ عن دَعوَى الهَلاكِ، وهذا المَعنَى لا يُوجَدُ في الحَرقِ الغالِبِ، والغَرَقِ الغالِبِ، والسَّرَقِ الغالِبِ (١). وقالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: فدَليلُنا إجماعُ الصَّحابةِ؛ لأنَّ ذلك رُوِيَ عن عُمرَ وعَلِيٍّ، وقالَ عَلِيٌّ: «لا يُصلِحُ النَّاسَ إلَّا ذلك»، ولأنَّ ذلك يَتعلَّقُ به مَصلَحةُ الصُّنَّاعِ وأربابِ السِّلَعِ، وفي تَرْكِه ذَريعةٌ إلى إتلافِ أموالِ النَّاسِ، وكذلك إنْ كانَ بالنَّاسِ ضَرورةٌ إلى الصُّنَّاعِ؛ لأنَّه لَيسَ كلُّ أحَدٍ يُحسِنُ أنْ يَخيطَ ويُقصِّرَ ثَوبَه أو يُطَرِّزَه، فلَو قَبِلْنا قَولَ الصُّنَّاعِ في الإتلافِ لَتَسَرَّعوا إلى دَعوَى ذلك، ولَحِقَ أربابَ السِّلَعِ الضَّررُ؛ لأنَّهم بينَ أمرَيْنِ، إمَّا أنْ يُدفَعَ إلَيهمُ المَتاعُ فلا يُؤمَنُ مِنهم ما ذَكَرْناه، وإمَّا ألَّا يُدفَعَ، فيَضُرُّ بهم، فكانَ تَضمِينُهم صَلاحًا لِلفَريقَيْنِ، ولأنَّه قَبَضَ العَينَ لِمَنفَعةِ نَفْسِه

стр. 5719

مِنْ غيرِ استِحقاقِ الأجْرِ بعَقدٍ تَقدَّمَ، فلَم يُقبَلْ قولُه في تَلَفِها، كالقِراضِ والعارِيةِ (١). وعلى هذا يَضمَنُ الأجيرُ المُشترَكُ ما تَلِفَ بيَدِه مُطلَقًا، فالقَصَّارُ ضامِنٌ لِمَا يَتخرَّقُ بيَدِه، والطَّبَّاخُ ضامِنٌ لِمَا أفسَدَ مِنْ طَبيخِه، والخَبَّازُ ضامِنٌ لِمَا أفسَدَ مِنْ خُبزِه، والحَمَّالُ ضامِنٌ لِمَا سقطَ مِنْ الحِملِ الذي يَحمِلُه، أو تَلِفَ في أثناءِ عَثرَتِه، والجَمَّالُ ضامِنٌ ما تَلِفَ بقيادَتِه وسَوْقِه وانقِطاعِ حَبْلِه الذي يَشُدُّ به بَعيرَه، والمَلَّاحُ ضامِنٌ ما تَلِفَ في حيازَتِه، أو بسَبَبِ المَوادِّ التي تُطلَى أو تُمَوَّنُ بها السَّفينةُ. وَإلَيكَ بَيانُ أقوالِهم بالتَّفصيلِ: وَإنَّما يَجِبُ الضَّمانُ عندَ أبي يُوسفَ على الأجيرِ إذا هَلَكَ في يَدِه؛ لأنَّ العَينَ إنَّما تَدخُلُ في الضَّمانِ عِندَهُما بالقَبضِ؛ كالعَينِ المَغصوبةِ، فما لَم يُوجَدِ القَبضُ لا يَجِبِ الضَّمانُ، حتى لَو كانَ صاحِبُ المَتاعِ راكِبًا معه في السَّفينةِ، أو راكِبًا على الدَّابَّةِ التي عليها الحِملُ، فعَطِبَ الحِملُ مِنْ غيرِ صُنعِ الأجيرِ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ المَتاعَ في يَدِ صاحِبِه. وَكذلك إذا كانَ صاحِبُ المَتاعِ، والمُكارِي راكِبيْنِ على الدَّابَّةِ أو سائِقَيْنِ أو قائِدَيْنِ؛ لأنَّ المَتاعَ في أيديهِما، فلَم يَنفَرِدِ الأجيرُ باليَدِ؛ فلا يَلزَمُه ضَمانُ اليَدِ. وَروَى بِشْرٌ عن أبي يُوسفَ أنَّه إنْ سُرِقَ المَتاعَ مِنْ رَأْسِ الحَمَّالِ

стр. 5720

وصاحِبُ المَتاعِ يَمشي مَعَه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ المَتاعَ لَم يَصِرْ في يَدِه؛ حَيثُ لَم يُخَلِّ صاحِبُ المَتاعِ بَينَه وبَينَ المَتاعِ. وَقالوا في الطَّعامِ: إذا كانَ في سَفينتَيْنِ وصاحِبُه في إحداهُما، وهُما مَقرونَتانِ أو غيرُ مَقرونتَيْنِ إلَّا أنَّ سَيرَهُما جَميعًا، وحَبَسَهُما جَميعًا، فلا ضَمانَ على المَلَّاحِ فيما هَلَكَ مِنْ يَدِهِ؛ لأنَّه هَلَكَ في يَدِ صاحِبِه. وَكذلك القِطارُ -قِطارُ الإبِلِ- إذا كانَ عليه حُمولةٌ ورَبُّ الحُمولةِ على بَعيرٍ، فلا ضَمانَ على الجَمَّالِ؛ لأنَّ المَتاعَ في يَدِ صاحِبِه؛ لأنَّه هو الحافِظُ لَه. وَروَى ابنُ سِماعةَ عن أبي يُوسفَ في رَجُلٍ استَأجَرَ حَمَّالًا لِيَحمِلَ عليه زِقًّا مِنْ سَمنٍ، فحَمَلَه صاحِبُ الزِّقِّ والحَمَّالُ جَميعًا لِيضَعاه على رَأْسِ الحَمَّالِ، فانخَرَقَ الزِّقُّ وَذَهَبَ ما فيه، قالَ أبو يُوسفَ: لا يَضمَنُ الحَمَّالُ؛ لأنَّه لَم يُسَلَّمْ إلى الحَمَّالِ، بَلْ هو في يَدِه، قالَ: وإنْ حَمَلَه إلى بَيتِ صاحِبِه ثم أنزَلَه الحَمَّالُ مِنْ رَأسِه، وصاحِبُ الزِّقِّ، فوقعَ في أيديهِما، فالحَمَّالُ ضامِنٌ، وهو قولُ مُحمَّدٍ الأولُ، ثم رَجعَ، وقالَ: لا ضَمانَ عليه. ولِأبي يُوسفَ ﵀ أنَّ المَحمولَ داخِلٌ في ضَمانِ الحِمالةِ بثُبوتِ يَدِه عليه؛ فلا يَبرَأُ إلَّا بالتَّسليمِ إلى صاحِبِهِ؛ فإذا أخطَؤُوا جَميعًا فيَد الحَمَّالِ لَم تَزُلْ، فلا يَزولَ الضَّمانُ. وَلِمُحمَّدٍ ﵀ أنَّ الشَّيءَ قد وَصَلَ إلى صاحِبِه بإنزالِه، فخَرجَ مِنْ أنْ يَكونَ مَضمونًا، كَما لَو حَمَلاه ابتِداءً إلى رَأْسِ الحَمَّالِ فهَلَكَ.

стр. 5721

ثم عِندَهُما إنَّما يَضمَنُ إذا كانَ المَتاعُ المُستَأجَرُ عليه مُحدَثًا فيه عَملٌ؛ أمَّا لَو أعطاه مُصحَفًا لِيَعمَلَ له غِلافًا، أو سَيفًا لِيَعمَلَ له جِهازًا، أو سِكِّينًا لِيَعمَلَ لَها نِصابًا، فضاعَ المُصحَفُ أوِ السَّيفُ، أوِ السِّكِّينُ؛ فإنَّه لا يَضمَنُ إجماعًا. وَعَنْ أبي يُوسفَ ﵀ لَو دفعَ إليه مُصحَفًا يُنَقِّطُه بأجْرٍ فضاعَ غِلافُه، لَم يَضمَنْ، وكذلك لَو دفعَ إليه ثَوبًا لِيَرفُوَه في مِنديلٍ فضاعَ المَنديلُ، وكذلك إذا دفعَ إليه مِيزانًا لِيُصلِحَ كِفَّتَيْه فضاعَ العُودُ الذي يَكونُ فيه المِيزانُ (١). وقالَ المالِكيَّةُ: يَضمَنُ الأجيرُ المُشترَكُ، وهو الصَّانِعُ -سَواءٌ كانَ بأجْرٍ أو بغَيرِ أجْرٍ- فيما غابَ عليه، وادَّعَى تَلَفَه، ولَم يُعلَمْ ذلك إلَّا بقَولِه، ولا ضَمانَ عليه فيما ثبَتَ ضَياعُه بالبيِّنةِ مِنْ غيرِ تَضييعٍ. فالصَّانِعُ يَضمَنُ مَصنوعَه فيما له فيه صَنعةٌ فقَطْ، كَحُلِيٍّ يَصوغُها وكِتابٍ يَنسَخُه وثَوبٍ يَخيطُه وخَشَبةٍ يَصنَعُها، كَذا ثم يدَّعِي تَلَفَه، أو ضَياعَه، فأمَّا ما كانَ لا صَنعةَ له فيه له فلا يَضمَنُ؛ كالكِتابِ إذا دفعَه المَنسوخُ له لِيَنسَخَ له مِنه؛ إذْ لا صَنعةَ له فيه، وكَذا إذا دفعَ له سَيفًا يَصوغُ له على نَصلِه، ودفعَ معه الجَفنَ، فضاعَ، فإنَّه لا يَضمَنُه، وكذلك ظَرفُ القَمحِ إذا ضاعَ مِنْ عِنْدِ الطَّحَّانِ، ونَحوُ ذلك ممَّا هو مُحتاجٌ إلَيه، ولَو كانَ مُحتاجًا له عَمِلَ، أي: ولَو كانَ الآخَرُ يَحتاجُ عَملَ المَصنوعِ لَه، فيَضمَنُ مَصنوعَه

стр. 5722

فقَطْ؛ لأنَّه أمينٌ في ذلك الآخَرِ، لا صانِعٌ، فمَن دفعَ لِطَحَّانٍ قَمحًا في قُفَّةٍ لِيَطحَنَه لَه، أو دفعَ لِناسِخٍ كِتابًا لِينسَخَ له منه آخَرَ، فادَّعَى ضَياعَ الكلِّ، ضَمِنَ القَمحَ دونَ القُفَّةِ، وضَمِنَ الكِتابَ المَنسوخِ دونَ المَنسوخِ مِنه، فأحْرَى في عَدَمِ الضَّمانِ ما لا يَحتاجُ له العَملُ؛ كَأحَدِ الخُفَّيْنِ يَحتاجُ إلى إصلاحٍ، فيَدفَعُ الفَردَتَيْنِ إلى الصَّانِعِ، فتَضيعُ التي لا صَنعةَ له فيها. وَيَضمَنُ ما تَلِفَ ممَّا له فيه صَنعةٌ، وإنْ صَنَعَ ذلك في بَيتِه أو حانوتِه، وسَواءٌ عَمِلَه بأجْرٍ أو بغَيرِه، وسَواءٌ تَلِفَ بصَنعَتِه أو بغَيرِ صَنعَتِه، ما لَم يكُنْ في ذلك تَغريرٌ؛ كَنَقشِ الفُصوصِ وثَقبِ اللُّؤلُؤِ وتَقويمِ السُّيوفِ وإحراقِ الخُبزِ عندَ الفَرَّانِ، ووَضعِ الثَّوبِ في قِدْرِ الصَّباغِ؛ إلَّا أنْ يَتعدَّى فيها. وعلى جَميعِ الصُّنَّاعِ البيِّنةُ أنَّهم رَدُّوا المَتاعَ الذي عَمِلوه بأجْرٍ أو بغَيرِه، أخَذُوه ببيِّنةٍ أو بغَيرِها؛ إذا أقَرُّوا به. وَيُشترَطُ لِضَمانِ الصَّانِعِ لِمَصنوعِه شُروطٌ: مِنها: أنْ يَنصِبَ نَفْسَه لِلصَّنعةِ لِعامَّةِ النَّاسِ يَحتَرِزُ به عن الأجيرِ الخاصِّ لِشَخصٍ أو لِجَماعةٍ مَخصوصِينَ؛ فإنَّه لا ضَمانَ عليه، والصَّانِعُ الخاصُّ الذي لَم يَنصِبْ نَفْسَه لِلصَّنعةِ لا ضَمانَ على هَؤُلاءِ؛ لأنَّ التَّضمِينَ إنَّما كانَ لِلمَصلَحةِ العامَّةِ. وَمِنها: أنْ يَغيبَ على السِّلعةِ المَصنوعةِ، أمَّا إنْ لَم يَغِبْ عليها بأنْ عَمِلَها في بَيتِ رَبِّها، ولَو غائِبًا، أو بحَضرَتِه، ولَو في غيرِ بَيتِه، فلا ضَمانَ، فالمُرادُ بالغَيبةِ عليها ألَّا يَعمَلَها بحَضرةِ رَبِّها أو في بَيتِه.

стр. 5723

وَمِنها: أنْ يَكونَ مَصنوعُه ممَّا يُغابُ عليه، أمَّا لَو دفعَ شَخصٌ غُلامَه لِمَنْ يُعلِّمُه وقَد نَصَبَ نَفْسَه لِذلك، وغابَ عليه، وادَّعَى هُروبَه، لَم يكُنْ عليه ضَمانٌ. وَمِنها: ألَّا يَكونَ في الصَّنعةِ تَغريرٌ، وأمَّا إنْ كانَ فيها تَغريرٌ، كَثَقبِ اللُّؤلُؤِ ونَحوِه، فلا ضَمانَ عليه فيها. وَمِنها: ألَّا تَكونَ له بيِّنةٌ بتَلَفِه، بلا تَفريطٍ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ: يَضمَنُ الأجيرُ المُشترَكُ مُطلَقًا، ولا فَرقَ في التَّلَفِ بينَ أنْ يَقَعَ بآفةٍ، أو بفِعلِ الأجيرِ، أو إتلافِ أجنبيٍّ. وهذا إذا كانَ الأجيرُ مُنفَرِدًا باليدِ، أمَّا إذا لَم يَكُنِ الأجيرُ مُنفَرِدًا باليَدِ، كما إذا قَعَدَ المُستَأجِرُ عِندَه حتى عَمِلَ، أو حَمَلَه إلى بَيتِه لِيَعمَلَ؛ فالمَذهَبُ -وبه قَطَعَ الجُمهورُ- لا ضَمانَ؛ لأنَّ المالَ غيرُ مُسلَّمٍ إليه حَقيقةً؛ وإنَّما استعانَ به المالِكُ، كالاستِعانةِ بالوَكيلِ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: يَضمَنُ الأجيرُ المُشترَكُ ما تَلِفَ بفِعلِه، ولَو بخَطَئِهِ؛

стр. 5724

كَتَخريقِ القَصَّارِ الثَّوبَ مِنْ دَقِّه، أو مَدِّه، أو عَصْرِه، أو بَسْطِه، وغَلَطِه -أي: الخيَّاطِ- في تَفصيلِه ودَفعِه إلى غيرِ رَبِّه، رُوِيَ عن عُمرَ وعَلِيٍّ ﵄؛ لأنَّ عَملَه مَضمونٌ عليه؛ لِكَونِه لا يَستَحقُّ العِوَضَ إلَّا بالعَملِ؛ فإنَّ الثَّوبَ لَو تَلِفَ في حِرزِه بعدَ عَملِه لَم يكُنْ له أُجرةٌ فيما عَمِلَ فيه، بخِلافِ الخاصِّ وما تَوَلَّدَ منه يَجِبُ أنْ يَكونَ مَضمونًا، كالعُدوانِ بقَطعِ عُضوٍ، وكَزَلَقِ حَمَّالٍ، وسُقوطِ الحِملِ عن دَابَّتِه، أو رَأْسِه، أو تَلِفَ الحِملُ مِنْ عَثرةِ الحامِلِ مِنْ آدَميٍّ أو بَهيمةٍ، ويَضمَنُ ذلك، كَمَا تَقدَّمَ. وَيَضمَنُ أيضًا ما تَلِفَ بقَودِه وسَوْقِه وانقِطاعِ حَبلِه الذي يَشُدُّ به حِمْلَه، وكَذا طَبَّاخٌ وخَبَّازٌ وحائِكٌ ومَلَّاحُ سَفينةٍ، ونَحوُهم مِنْ الأُجَراءِ المُشترَكينَ، فيَضمَنونَ ما تَلِفَ بفِعلِهم؛ لِمَا تَقدَّمَ، سَواءٌ حَضَرَ ربُّ المالِ أو غابَ، وسَواءٌ كانَ يَعمَلُ في بَيتِ المُستَأجِرِ أو في بَيتِه؛ لأنَّ ضَمانَه لِجِنايَته. واختارَ القاضي في المُجرَّدِ وأصحابُه أنَّ الأجيرَ المُشترَكَ إنَّما يَضمَنُ إذا كانَ يَعمَلُ في مِلْكِ نَفْسِه، مثلَ الخَبَّازِ يَخبِزُ في تَنُّورِه ومِلْكِه، والقَصَّارِ والخيَّاطِ في دُكَّانَيْهِما، قالَ: ولَو دَعا الرجُلُ خَبَّازًا فخَبَزَ له في دارِه، أو خيَّاطًا أو قَصَّارًا لِيُقصِّرَ ويَخيطَ عِندَه، فلا ضَمانَ عليه فيما أتلَفَ ما لَم يُفرِّطْ؛ لأنَّه سَلَّمَ نَفْسَه إلى المُستَأجِرِ، فيَصيرُ كالأجيرِ الخاصِّ. قالَ: ولَو كانَ صاحِبُ المَتاعِ مع المَلَّاحِ في السَّفينةِ، أو راكِبًا على الدَّابَّةِ فَوقَ حِمْلِه، فعَطِبَ الحِمْلُ، فلا ضَمانَ على المَلَّاحِ والمُكارِي؛ لأنَّ يَدَ صاحِبِ المَتاعِ لَم تَزُلْ، ولَو كانَ ربُّ المَتاعِ والجَمَّالُ راكِبيْنِ على

стр. 5725

الحِمْلِ فتَلِفَ حِمْلُه لَم يَضمَنْه الجَمَّالُ؛ لأنَّ ربَّ المَتاعِ لَم يُسَلِّمْه إلَيه. اه. والمَذهَبُ أنَّه لا فَرقَ بينَ كَونِه في مِلْكِ نَفْسِه أو مِلْكِ مُستَأجِرِه، وبَينَ كَونِ صاحِبِ العَملِ حاضِرًا عِندَه أو غائِبًا عنه، وَكَونِه مع المَلَّاحِ أو الجَمَّالِ أو لا. وَكذلك ما تَلِفَ بجِنايةِ المَلَّاحِ بجَذفٍ، أو بجِنايةِ المُكارِي بشَدِّه المَتاعَ، وبنَحوِه، فهو مَضمونٌ عليه، سَواءٌ كانَ صاحِبُ المَتاعِ معه أو لَم يكُنْ، لأنَّ وُجوبَ الضَّمانِ عليه لِجِنايةِ يَدِه؛ فلا فَرقَ بينَ حُضورِ المالِكِ وغَيبَتِه؛ كالعُدوانِ، ولأنَّ جِنايةَ الجَمَّالِ والمَلَّاحِ إذا كانَ صاحِبُ المَتاعِ راكِبًا مَعَهما تَعُمُّ المَتاعَ وصاحِبَه، ولأنَّ تَفريطَهما يَعُمُّهُما، فلَم يَسقُطْ ذلك الضَّمانُ، كَما لَو رَمَى إنسانًا مُتترِّسًا فكَسَرَ تُرسَه وقَتَلَه، ولأنَّ الطَّبيبَ والخَتَّانَ إذا جَنَتْ يَداهُما ضَمِنَا مع حُضورِ المُطَبَّبِ والمَختونِ، وقَد ذكرَ القاضي أنَّه لَو كانَ ذلك يُحمَلُ على رَأْسِه، ورَبُّ المَتاعِ مَعَه، فعَثَرَ فسقطَ المَتاعُ فتَلِفَ، ضَمِنَ، وإنْ سُرِقَ لَم يَضمَنْ؛ لأنَّه في العِثارِ تَلِفَ بجِنايَته، ولأنَّ السَّرِقةَ لَيسَتْ مِنْ جِنايَته، ولأنَّ ربَّ المالِ لَم يَحُلْ بَينَه وبَينَه، وهذا يَقتَضي أنَّ تَلَفَهُ بجِنايَته مَضمونٌ عليه، سَواءٌ حَضَرَ ربُّ المالِ أو غابَ، بَلْ وُجوبُ الضَّمانِ في مَحَلِّ النِّزاعِ أوْلَى؛ لأنَّ الفِعلَ في ذلك إلى المَوضِعِ مَقصودٌ لِفاعِلِه، ولأنَّ السَّقطةَ مِنْ الحَمَّالِ غيرُ مَقصودةٍ لَه، فإذا وجبَ الضَّمانُ ههُنا فثَم أَوْلَى. وَلَو كانَ القَصَّارُ ونَحوُه مُتبرِّعًا بعَملِه لَم يَضمَنْ جِنايةَ يَدِه، نُصَّ عليه؛ لأنَّه أمينٌ مَحضٌ، فإنِ اختَلفا في أنَّه أجيرٌ أو مُتبرِّعٌ فقولُه أنَّه مُتبرِّعٌ.

стр. 5726

وَلا ضَمانَ على الأجيرِ المُشترَكِ فيما تَلِفَ مِنْ حِرزِه بنَحوِ سَرِقةٍ أو تَلَفٍ بغَيرِ فِعلِه إذا لَم يُفرِّطْ؛ لأنَّ العَينَ في يَدِه أمانةٌ، أشبَهَ المُودِعَ، ولا أُجرةَ له فيما عَمِلَه وتَلِفَ قبلَ تَسليمِه لربِّه، سَواءٌ عَمِلَه في بَيتِ المُستَأجِرِ أو في بَيتِه؛ لأنَّه لَم يُسَلِّمْ عَملَه لِلمُستَأجِرِ، فلَم يَستَحقَّ عِوَضَه؛ كالمَبيعِ مِنْ الطَّعامِ إذا تَلِفَ في يَدِ بائِعِه. وَإذا استَأجَرَ إنسانٌ جَزَّارًا يَذبَحُ له شاةً فذَبَحَها ولَم يُسَمِّ عليها عَمدًا ضَمِنَها؛ لِتَحريمِ أكْلِها؛ فإنْ تَركَها سَهوًا حَلَّتْ، ولا ضَمانَ (١). اشتِراطُ الضَّمانِ على الأجيرِ المُشترَكِ: الأصلُ عندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ أنَّ كلَّ ما كانَ أمانةً لا يَصيرُ مَضمونًا بشَرطِه؛ لأنَّ مُقتَضَى العَقدِ كَونُه أمانةً، فإذا شرطَ ضَمانَه فقَدِ التَزَم ضَمانَ ما لَم يُوجَدْ سَبَبُ ضَمانِه؛ فلَم يَلزَمْه، كَما لَوِ اشترَطَ ضَمانَ الوَديعةِ أو ضَمانَ مالٍ في يَدِ مالِكِه. وَما كانَ مَضمونًا لا يَنتَفي ضَمانُه بشَرطِه؛ لأنَّ مُقتَضَى العَقدِ الضَّمانُ، فإذا شرطَ نَفْيَ ضَمانِه لا يَنتفِي مع وُجودِ سَبَبِه، كَما لَوِ اشترَطَ نَفْيَ ضَمانِ ما يَتعدَّى فيهِ (٢).

стр. 5727

وَبِناءً عليه مَنْ قالوا مِنْ الفُقهاءِ: إنَّ يَدَ الأجيرِ المُشترَكِ يَد أمانَةٍ، وهو قولُ أبي حَنيفَةَ، وأحمدَ في رِوايةٍ، قالوا: لا يَجوزُ اشتِراطُ الضَّمانِ عليه. وَمَنْ قالوا: إنَّ يَدَه يَدَ ضَمانٍ، كَما هو مَذهَبُ المالِكيَّةِ، والشافِعيَّةِ في المَذهبِ، والحَنابِلةِ في المَذهبِ، والصَّاحِبيْنِ مِنْ الحَنفيَّةِ قالوا: يَجوزُ اشتِراطُ الضَّمانِ عليه، ولا يَجوزُ نَفْيُ الضَّمانِ عَنه؛ لأنَّ ما كانَ مَضمونًا لا يَنتفِي ضَمانُه بشَرْطِه؛ لأنَّ مُقتَضَى العَقدِ الضَّمانُ، فإذا شرطَ نَفْيَ ضَمانِه لا يَنتفِي مع وُجودِ سَبَبِه، كَما لَوِ اشترَطَ نَفْيَ ضَمانِ ما يَتعدَّى فيه. قالَ الحَنفيَّةُ: قالَ الزَّيلَعِيُّ ﵀: إنْ شرطَ الضَّمانَ على الأجيرِ المُشترَكِ في العَقدِ؛ فإنْ شرطَ عليه فيما لا يُمكِنُ الِاحتِرازُ عنه لا يَجوزُ بالإجماعِ؛ لأنَّه شَرطٌ لا يَقتَضيه العَقدُ، وفيه مَنفَعةٌ لِأحَدِهِما، ففَسَدَتْ، وإنْ شرطَ عليه فيما يُمكِنُ الِاحتِرازُ عنه فعلى الخِلافِ، فعِندَهُما يَجوزُ؛ لأنَّه يَقتَضيه العَقدُ عِندَهُما، وعِندَه يَفسُدُ؛ لأنَّ العَقدَ لا يَقتَضيه، فيَكونُ اشتِراطُه فيه مُفسِدًا (١). وقالَ في «الجَوهرة»: الإجارةُ تُفْسِدُها الشُّروطُ التي لا يَقتَضيها العَقدُ، كما إذا شرطَ على الأجيرِ الخاصِّ ضَمانَ ما تَلِفَ بفِعلِه أو بغَيرِ فِعلِه، أو شرطَ على الأجيرِ المُشترَكِ ضَمانَ ما تَلِفَ بغَيرِ فِعلِه، على قَولِ أبي حَنيفَةَ ﵀. أمَّا إذا اشترَطَ شَرطًا يَقتَضيه العَقدُ، كما إذا شرطَ على الأجيرِ المُشترَكِ

стр. 5728

ضَمانَ ما تَلِفَ بفِعلِه لا يَفسُدُ العَقدُ (١). قالَ المالِكيَّةُ: يَد الأجيرِ المُشترَكِ يَد ضَمانٍ، والضَّمانُ ثابِتٌ علاه؛ ولو شرطَ نَفْيَه عنه، ويَفسُدُ العَقدُ بالشَّرطِ المَذكورِ؛ لأنَّه شَرطٌ مُنافٍ لِمُقتَضَى العَقدِ، وله أجْرُ مِثلِه، إذا لَم يَطَّلِعْ على الفَسادِ إلَّا بعدَ العَملِ، على أنَّ الضَّمانَ عليه؛ لأنَّه إنَّما رَضيَ بالأجْرِ المُسمَّى؛ لِإسقاطِ الضَّمانِ عنه. ومَحَلُّ الفَسادِ بالشَّرطِ ما لم يُسقِطْه قبلَ فَراغِ العَملِ، وإلَّا صَحَّ العَقدُ (٢). مِقدارُ ما يَضمَنُ الأجيرُ: إذا وجبَ الضَّمانُ على الأجيرِ المُشترَكِ بما جَنَتْ يَده، اختُلِفَ هل يَضمَنُ قِيمَةَ تَلَفِه يَومَ دفعَهُ إليه، وهل يُخيَّرُ المالِكُ فيه أو لا؟ فقالَ الحَنفيَّةُ: إذا وجبَ الضَّمانُ على الأجيرِ المُشترَكِ بما جَنَتْ يَده كانَ المُستَأجِرُ بالخِيارِ، إنْ شاءَ ضَمَّنَه قِيمَتَه غَيَر مَعمولٍ، ولا أجْر له، وإنْ شاءَ ضَمَّنَه قِيمَتَه مَعمولًا، وعليه أجْرُ المِثلِ (٣). وقالَ المالِكيَّةُ: يَضمَنُ الصَّانِعُ -الأجيرُ المُشترَكُ- ذلك الشَّيءَ الذي تَلِفَ عِندَه بقيمَتِه يَومَ دفعَه رَبُّه إلَيهِ؛ إلَّا أنْ يُقِرَّ الصَّانِعُ أنَّه تَلِفَ أو ضاعَ بعدَ ذلك، وكانَتْ قِيمَتُه أكثَرَ إذْ ذاكَ مِنْ قِيمَتِه يَومَ الدَّفعِ، أوِ الرُّؤيةِ، فيُغرَّمُها؛ لأنَّه أقَرَّ على نَفْسِه.

стр. 5729

وَلا تَلزَمُ الأُجرةُ؛ لأنَّه ضَمِنَ قِيمَتَها يَومَ قَبضِها غيرَ مَصنوعةٍ، وحينئذٍ لا أُجرةَ لَه، وليسَ لربِّه أنْ يَقولَ: أنا أدفَعُ الأُجرةَ وآخُذُ قِيمَتَه مَعمولًا، ولَم يَجِبْ لِذلك إلَّا أنْ يُقِرَّ الصَّانِعُ أنَّه تَلِفَ بعدَ العَملِ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ: تَجِبُ قِيمَتُه يَومَ إتْلافِه، ولا تُقوَّمُ الصَّنعةُ لا له، ولا عليه. وفي مُقابِلِ الأصَحِّ تَجِبُ أقصَى قِيمةٍ مِنْ القَبضِ إلى التَّلَفِ (٢). وقالَ العِمرانيُّ ﵀ في «البَيانُ»: وأمَّا قَدْرُ ما يَضمَنُه الأجيرُ … فيُنظَرُ فيهِ: فَإنِ استَأجَرَه لِيَعمَلَ له في عَينٍ في مِلْكِه، أو غيرِ مِلْكِه، وهو مُشاهِدٌ لَها … فقَد قُلْنا: إنَّه لا يَضمَنُها الأجيرُ إلَّا بالتَّعدِّي فيها، فإنْ تَعدَّى الأجيرُ فيها، ثم أتلَفَها … قالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ: فإنَّه يَلزَمُه قِيمَتُها يَومَ الإتْلافِ، لا يَومَ التَّعدِّي؛ لأنَّه إذا تَعدَّى فيها وهي باقيةٌ … فيَد مالِكِها عليها، فزالَ تَعَدِّيه بثُبوتِ يَدِ صاحِبِها عليها. وإنْ كانَ الأجيرُ يَعمَلُ في غيرِ مِلْكِ المُستَأجِرِ، وكانَ المالِكُ غيرَ مُشاهِدٍ لَها، فإنْ قُلْنا: إنَّ يَدَه يَد أمانةٍ فتَعدَّى فيها … لَزِمَه قِيمَتُها أكثَرَ ما

стр. 5730

كانَتْ مِنْ حينِ التَّعدِّي إلى أنْ تَلِفَتْ، وإنْ قُلْنا: إنَّ يَدَه يَد ضَمانٍ … لَزِمَه قِيمَتُها أكثَرَ ما كانَتْ مِنْ حينِ قَبْضِها إلى أنْ تَلِفَتْ. وَمِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: يَجِبُ قِيمَتُها يَومَ التَّلَفِ إلَّا أنْ يَتعدَّى بها … فيَلزَمه على هذا قِيمَتُها أكثَرَ ما كانَتْ مِنْ حينِ تَعدَّى بها إلى أنْ تَلِفَتْ؛ والأولُ أصَحُّ. وأمَّا وُجوبُ الأُجرةِ لِلأجيرِ إذا تَلِفَتِ العَينُ بعدَ أنْ عَمِلَ جَميعَ العَملِ أو بَعضَه … يُنظَرُ فيهِ: فَإنْ كانَ العَملُ في مِلْكِ المُستَأجِرِ أو في غيرِ مِلْكِه وهو مُشاهِدٌ لَها … استَحقَّ الأجيرُ أُجرةَ ما عَمِلَ؛ لأنَّه كلَّما عَمِلَ الأجيرُ شَيئًا … صارَ قابِضًا لَه. قالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ ﵀: إلَّا أنْ يَكونَ الأجيرُ تَعدَّى في العَينِ حينَ ابتَدَأَ في العَملِ، فإنَّه لا يَستَحقُّ أُجرةَ ما عَمِلَ؛ لأنَّه مُتعَدٍّ حينَ العَملِ، فلَم يَستَحقَّ أُجرةً. وإنْ كانَ العَملُ في مِلْكِ الأجيرِ، وكانَ المُستَأجِرُ غيرَ مُشاهِدٍ لَه … اختَلفَ أصحابُنا فيهِ: فَقالَ الشَّيخُ أبو إسحاقَ ﵀: إنْ قُلنا: إنَّه أمينٌ … لَم يَستَحقَّ الأُجرةَ؛ لأنَّه لَم يُسَلِّمِ العَملَ، وإنْ قُلْنا: إنَّه ضامِنٌ … استَحقَّ عليه الأُجرةَ؛ لأنَّه يَقومُ عليه مَعمولًا، فيَصيرُ بالتَّضمينِ مُسلَّمًا لِلعَملِ، فاستَحقَّ الأُجرةَ. وقالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ، وابنُ الصَّباغِ: لا يَستَحقُّ الأجيرُ الأُجرةَ على

стр. 5731

القوليْنِ، وإنْ كانَ قد أخَذَ الأُجرةَ … رَدَّها؛ لأنَّ الأُجرةَ إنَّما تَستقِرُّ له بتَسليمِ العَملِ، ولَم يُسَلِّمْ له شَيئًا مِنْ العَملِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لَو أتلَفَ الصَّانِعُ الثَّوبَ بعدَ عَملِه، أو عَمِلَ على غيرِ صِفةِ شَرطِ رَبِّه ضَمِنَه الصَّانِعُ؛ لِجِنايَته، وخُيِّرَ المالِكُ؛ لأنَّ الجِنايةَ على مالِه؛ فكانَتِ الخِيَرةُ إليه دونَ غَيرِه بينَ أمرَيْنِ: بَينَ تَضمينِه إيَّاه غيرَ مَعمولٍ ولا أُجرةَ؛ لأنَّ الأُجرةَ إنَّما تَجِبُ بالتَّسليمِ، ولَم يُوجَدْ. وَبَينَ تَضمينِه مَعمولًا ويَدفَعُ إليه الأُجرةَ؛ لأنَّه لَو لَم يَدفَعْ إليه الأُجرةَ لاجتَمَعَ على الأجيرِ فَواتُ الأُجرةِ وضَمانُ ما يُقابِلُها، ولأنَّ المالِكَ إذا ضَمَّنَه ذلك مَعمولًا يَكونُ في مَعنَى تَسليمِ ذلك مَعمولًا؛ فيَجِبُ أنْ يَدفَعَ إليه الأُجرةَ لِحُصولِ التَّسليمِ الحُكميِّ. وَيُقدَّمُ قولُ رَبِّه في صِفةِ عَملِه إذا اختَلفا في صِفةِ العَملِ بعدَ تَلَفِ المَعمولِ لِيُغَرِّمَه لِلعاملِ، فالقولُ قولُ رَبِّه؛ لأنَّه غارِمٌ. وَمِثلُ ما ذُكِرَ ما تَلِفَ بيَدِ الأجيرِ المُشترَكِ بعدَ عَملِه إذا تَلِفَ على وَجْهٍ مَضمونٍ عليه، خُيِّرَ المالِكُ بينَ تَضمينِه مَعمولًا، ويَدفَعُ الأُجرةَ، وتَضمينُه غيرُ مَعمولٍ، ولا أُجرةَ. وَكَذا ضَمانُ المَتاعِ المَحمولِ إذا تَلِفَ على وَجْهٍ يَضمَنُه الحامِلُ، يُخيَّرُ رَبُّه بينَ تَضمينِ الحامِلِ قِيمَتَه في المَواضِعِ التي سَلَّمَه إليه فيها، ولا أُجرةَ لَهُ؛

стр. 5732

لأنَّه لَم يُسَلِّمْ عَملَه، وبَينَ تَضمينِه في المَوضِعِ الذي أفسَدَه الحامِلُ، أو فَسَدَ بنَحوِ تَعَدِّيه فيه، ولِلحامِلِ حينئذٍ الأُجرةُ إلى ذلك المَكانِ الذي تَلِفَ فيه، لأنَّ تَضمينَه قِيمَتَه فيه في مَعنَى تَسَلُّمِه فيهِ (١). إذا عَمِلَ أجيرٌ خاصٌّ عندَ أجيرٍ مُشترَكٍ: قَدْ تَقدَّمَ اتِّفاقُ العُلماءِ على أنَّ الأجيرَ الخاصَّ أمينٌ لا يَضمَنُ ما تَلِفَ تَحتَ يَدِه مِنْ غيرِ تَعَدٍّ ولا تَفريطٍ، وجُمهورُ العُلماءِ يَرَوْنَ أنَّ الأجيرَ المُشترَكَ ضامِنٌ، فإذا استَأجَرَ أجيرٌ مُشترَكٌ أجيرًا خاصًّا يَعمَلُ عِندَه مُياوَمةً أو مُشاهَرةً أو غيرَ ذلك؛ فتَلِفَتِ العَينُ في يَدِه مِنْ غيرِ تَعَدٍّ ولا تَقصيرٍ؛ فإنَّ عامَّةَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الذين يَقولونَ بتَضمينِ الأجيرِ المُشترَكِ قالوا: لا يَضمَنُ الأجيرُ الخاصُّ الذي يَعمَلُ عندَ الأجيرِ المُشترَكِ، ويَكونُ لِكُلٍّ حُكمُه. وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَضمَنُ الأجيرُ الذي تَحتَ يَدِ الصَّانِعِ ما تَلِفَ منه، لا لِلصَّانِعِ ولا لربِّ الشَّيءِ المَصنوعِ الذي تَلِفَ؛ لأنَّه أمينٌ لِلصَّانِعِ ما لَم يُفرِّطْ؛ وسَواءٌ غابَ عليه أو لا، فإذا دفعَ إليه شَيئًا يَعمَلُه في دارِه أو غابَ عليه فلا ضَمانَ عليه (٢).

стр. 5733

قالَ الحَنفيَّةُ: قالَ في «الخُلاصة»: رَجُلٌ دفعَ غَزلًا إلى رَجُلٍ لِيَنسِجَه كِرْباسًا فدفعَه هو إلى آخَرَ لِيَنسِجَه فسُرِقَ مِنْ يَدِه، إنْ كانَ الثَّاني أجيرًا لِلأوَّلِ لا يَضمَنُ واحِدٌ مِنهما، وإنْ كانَ الثَّاني أجنَبيًّا ضَمِنَ الأولُ دونَ الآخَرِ عندَ أبي حَنيفَةَ، وعِندَهُما في الأولِ: ضامِنٌ مُطلَقًا، وفي الأجنَبيِّ إنْ شاءَ ضَمِنَ الأولُ، وإنْ شاءَ ضَمِنَ الآخَرُ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إذا استأجَرَ الأجيرُ المُشترَكُ أجيرًا خاصًّا؛ كالخيَّاطِ في دُكَّانٍ يَستَأجِرُ أجيرًا مدَّةً يَستَعمِلُه فيها فتَقبَّلَ صاحِبُ الدُّكَّانِ خِياطةَ ثَوبٍ ودفعَه إلى أجيرِه فخَرَقَه أو أفسَدَه لَم يَضمَنْه؛ لأنَّه أجيرٌ خاصٌّ ويَضمَنُه صاحِبُ الدُّكَّانِ؛ لأنَّه أجيرٌ مُشترَكٌ (٢). حَبسُ العَينِ المُستَأجَرةِ لاستِيفاءِ الأجْرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الحَدَّادينَ والقَصَّارينَ والخيَّاطينَ، وغَيرِهم مِنْ أهلِ الصِّناعاتِ، إذا مَنَعوا وحَبَسوا ما في أيديهم لِاستيفاءِ الأجْرِ، هَلْ لَهم فِعلُ ذلك أو لا؟ وما الحُكمُ إذا ضاعَتِ العَينُ أو تَلفِتْ بعدَ ذلك، هَلْ يَضمَنونَها أو لا؟ على تَفصيلٍ بَينَهم. قالَ الحَنفيَّةُ: كلُّ صانِعٍ لِعَملِه أثَرٌ -بِحَيثُ يُرَى ويُعايَنُ- في العَينِ؛ فلَه أنْ يَحبِسَ العَينَ بعدَ الفَراغِ مِنْ عَملِه حتى يَستَوفيَ الأُجرةَ المَشروطةَ؛ كالصَّباغِ، والقَصَّارِ وكَذا الخيَّاطِ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه وَصفٌ قائِمٌ في الثَّوبِ،

стр. 5734

فلَه حَقُّ الحَبسِ لِاستِيفاءِ البَدَلِ كَما في البَيعِ، وهذا إذا كانَ عَملُه في بَيتِه، وكانَ الأجرُ حالًّا، وأمَّا إذا كانَ الأجْرُ مُؤجَّلًا، أو كانَ العَملُ في بَيتِ المُستَأجِرِ، فليسَ له حَقُّ الحَبسِ. فَلَو حَبَسَ فضاعَ فلا ضَمانَ عليه عندَ أبي حَنيفَةَ؛ لأنَّه غيرُ مُتعَدٍّ في الحَبسِ، فبَقيَ أمانةً، كَما كانَ عِندَه، ولا أُجرةَ لَه؛ لِهَلاكِ المَعقودِ عليه قبلَ التَّسليمِ. وَعِنْدَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ يَضمَنُ؛ لأنَّ الشَّيءَ في يَدِه مَضمونٌ قبلَ الحَبسِ؛ فإذا حَبَسَه فأَوْلَى أنْ يَضمَنَ، لَكنَّه عِندَهُما بالخيارِ، إنْ شاءَ ضَمَّنَه قِيمَتَه غيرَ مَعمولٍ ولا أُجرةَ لَه، وإنْ شاءَ مَعمولًا ولَه الأُجرةُ. وَمَنْ لَيسَ لِعَملِه أثَرٌ في العَينِ فليسَ له أنْ يَحبِسَ العَينَ لِأجلِ الأُجرةِ بالإجماعِ؛ كالحَمَّالِ على ظَهرِه، أو دَابَّةٍ -سَيَّارةٍ-، والمَلَّاحِ صاحِبِ السَّفينةِ؛ لأنَّ ما لا أثَرَ له في العَينِ فالبَدَلُ إنَّما يُقابِلُ العَملَ نَفْسَه؛ إلَّا أنَّ العَملَ كلَّه كَشَيءٍ واحِدٍ، إذْ لا يُنتَفَعُ ببَعضِه دونَ بَعضٍ، فكلَّما فَرَغَ حَصَلَ في يَدِ المُستَأجِرِ، فلا يَملِكُ حَبْسَه عنه بعدَ طَلَبِهِ؛ كاليَدِ المُودَعةِ، ولِهَذا لا يَجوزُ حَبسُ الوَديعةِ بالدَّيْنِ، ولَو حَبَسَه فهَلَكَ قبلَ التَّسليمِ لا تَسقُطُ الأُجرةُ؛ لِمَا ذَكَرْنا أنَّه كَما وقَعَ في العَملِ حَصَلَ مُسلَّمًا إلى المُستَأجِرِ، لِحُصولِه في يَدِه؛ فتَقرَّرَتْ عليه الأُجرةُ، فلا تَحتَمِلُ السُّقوطَ بالهَلاكِ، ويَضمَنُ؛ لأنَّه حَبَسَه بغَيرِ حَقٍّ فصارَ غاصِبًا بالحَبسِ، ونَصَّ مُحمَّدٌ على الغَصبِ، فقالَ: فإنَّ حَبَسَ الحَمَّالُ المَتاعَ في يَدِه فهو غاصِبٌ.

стр. 5735

وَهَذا بخِلافِ الآبِقِ، حَيثُ يَكونُ لِلرَّادِّ حَبْسُه لِاستِيفاءِ الجُعلِ، ولا أثَرَ لِعَملِهِ؛ لأنَّه كانَ على مَشَارِفِ الهَلاكِ، وقَد أحياهُ، فكَأنَّه باعَه مِنه، فلَه حَقُّ الحَبسِ؛ فإنْ حَبَسَ الحَمَّالُ المَتاعَ فهو غاصِبٌ؛ لأنَّه لا أثَرَ لِعَملِه، والعَينُ أمانةٌ في يَدِه، فإذا حَبَسَها بدَيْنِه صارَ غاصِبًا؛ كالوَديعةِ؛ فإنَّها لا تُحبَسُ لِأجْلِ الدَّيْنِ. ثم إذا حَبَسَ العَينَ ضَمِنَها ضَمانَ الغَصبِ -كَما تَقدَّمَ- وصاحِبُها بالخِيارِ إنْ شاءَ ضَمَّنَه قِيمَتَها -أي: قِيمَتَها شَرعًا- مَحمولةً، ولَه الأجْرُ، وإنْ شاءَ غيرَ مَحمولةٍ، بلا أجْرٍ، قالَ أبو يُوسفَ: في الحَمَّالِ إذا بَلَغَ المَنزِلَ فطَلَب الأُجرةَ قبلَ أنْ يَضَعَ الشَّيءَ مِنْ رَقَبَتِه لَم يكُنْ له ذلك حتى يَضَعَهُ؛ لأنَّ الإنزالَ مِنْ تَمامِ العَملِ. وَوَجْهُهُ ما ذَكَرْنا أنَّ العَينَ كانَتْ أمانةً في يَدِه، فإذا حَبَسَها بدَيْنِه فقَد صارَ غاصِبًا، كَما لَو حَبَسَ المُودَعُ الوَديعةَ بالدَّيْنِ، هذا الذي ذَكَرْنا أنَّ العَملَ لا يَصيرُ مُسلَّمًا إلى المُستَأجِرِ إلَّا بعدَ الفَراغِ منه حتى لا يَملِكَ الأجيرُ المُطالَبةَ بالأُجرةِ قبلَ الفَراغِ، إذا كانَ المَعمولُ فيه في يَدِ الأجيرِ؛ فإنْ كانَ في يَدِ المُستَأجِرِ فقَدْرُ ما أوقَعَه مِنْ العَملِ فيه يَصيرُ مُسلَّمًا إلى المُستَأجِرِ قبلَ الفَراغِ مِنه، حتى يَملِكَ المُطالَبةَ بقَدْرِه مِنْ المدَّةِ بأنِ استَأجَرَ رَجُلًا لِيَبنيَ له بِناءً في مِلْكِه، أو فيما في يَدِه، بأنِ استَأجَرَه لِيَبنيَ له بِناءً في دارِه، أو يَعمَلَ له ساباطًا أو جَناحًا أو يَحفِرَ له بِئرًا أو قَناةً أو نَهَرًا أو ما أشبَهَ ذلك في مِلكِه، أو فيما في يَدِه فعَمِلَ بَعضَه، فلَه أنْ يُطالِبَه بقَدْرِه مِنْ الأُجرةِ، لَكنَّه يُجبَرُ على الباقي حتى لَوِ انهَدَمَ البِناءُ أو انهارَتِ البِئرُ أو وقعَ فيها الماءُ والتُّرابُ، وسَوَّاها مع الأرضِ، أو سقطَ السَّاباطُ فلَه أجْرُ ما عَمِلَه بحِصَّتِه؛ لأنَّه إذا كانَ

стр. 5736

في مِلكِ المُستَأجِرِ أو في يَدِه فكلَّما عَمِلَ شَيئًا حَصَلَ في يَدِه قبلَ هَلاكِه، وصارَ مُسلَّمًا إلَيه، فلا يَسقُطُ بَدَلُه بالهَلاكِ. وَلَو كانَ غيرَ ذلك في غيرِ مِلْكِه ويَدِه، لَيسَ له أنْ يَطلُبَ شَيئًا مِنْ الأُجرةِ قبلَ الفَراغِ مِنْ عَملِه وتَسليمِه إلَيه، حتى لَو هَلَكَ قبلَ التَّسليمِ لا يَجِبُ شَيءٌ مِنْ الأُجرةِ، لأنَّه إذا لَم يكُنْ في مِلكِه ولا في يَدِه تَوَقَّفَ وُجوبُ الأُجرةِ فيه على الفَراغِ والتَّمامِ (١). وأمَّا المالِكيَّةُ فجاءَ في «المُدوَّنةُ»: قُلتُ: أرَأيتَ الحَدَّادينَ والقَصَّارينَ والخيَّاطينَ وأهلَ الصِّناعاتِ والحَمَّالينَ والبَغَّالينَ وأصحابَ السُّفُنِ؟ ألِهَؤلاءِ أنْ يَمنَعوا ما عَمِلوا بأجْرٍ وما حَمَلوا بكِراءٍ، يَمنَعوا ما في أيديهم مِنْ ذلك حتى يَستَوفوا كِراءَهم وأجْرَ عَملِهم؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: نَعَمْ، لَهُمْ أنْ يَمنَعوا ما في أيديهم مِنْ ذلك حتى يَستَوْفوا كِراءَهم وأجْرَ عَملِهم. قُلتُ: أرَأيتَ إنْ حَبَسَ هذه الأشياءَ التي سَألَتُكَ عَنها هَؤُلاءِ العُمالُ وهَؤُلاءِ الحَمَّالونَ وهَؤُلاءِ البَغَّالونَ وأصحابُ السُّفُنِ فضاعَ ذلك مِنهم بَعدَما حَبَسوه؟ قالَ: أمَّا ما ضاعَ عندَ أهلِ الأعمالِ، مثلَ الصَّباغينَ والخيَّاطينَ ومَنْ ذَكَرتَ مِنهم فلا أجْرَ لَهم، وعليهمُ الضَّمانُ، لَازِمًا لَهم، لأنَّ أصْلَ ما أخَذوا

стр. 5737

عليه هذه الأمتِعةَ على الضَّمانِ، إلَّا أنْ تَقومَ لَهُمْ بيِّنةٌ على الضَّياعِ، فيُبرَؤُوا مِنْ الضَّمانِ، ولا أجْرَ لَهُم؛ لأنَّهم لَم يُسَلِّموا ما عَمِلوا إلى أربابِ المَتاعِ. وأمَّا الأمتِعةُ التي حَمَلوها مِنْ البَزِّ، وجَميعِ الأشياءِ، ما خَلا ما يُؤكَلُ ويُشرَبُ، فلا ضَمانَ عليهم فيه إنْ ضاعَ، إلَّا أنْ يَغيبوا به ويَحوزوه عن أصحابِه؛ فيَكونَ بمَنزِلةِ الرَّهنِ، ويَكونوا ضامِنينَ لِمَا في أيديهم، وأمَّا ما لَم يَغيبوا عليه ويَحوزُوه فلا ضَمانَ عليهم فيه، ويَكونُ لَهمُ الأجرُ كامِلًا إنْ كانَ الأكرياءُ قد بَلَّغوه غايَتَه فضاعَ في الوجهيْنِ جَميعًا. وأمَّا الطَّعامُ إنْ ضاعَ؛ فالأكرياءُ له ضامِنونَ، إلَّا أنْ يَكونَ لَهم بيِّنةٌ على التَّلَفِ مِنْ غيرِ فِعلِهم، أو يَكونَ أربابُ الطَّعامِ مع الطَّعامِ، فلا ضَمانَ عليهم، ويَكونَ لَهُمْ أُجرةٌ كامِلةٌ إنْ كانوا قد بَلَّغوه غايَتَه، وإنْ لَم يَكونوا بَلَّغوه غايَتَه فادَّعَى الأكرياءُ أنَّه ضاعَ بغَيرِ بيِّنةٍ لَم يُصَدَّقوا، وقيلَ لَهُمْ: عَلَيكم أنْ تَأتوا بطَعامٍ مِثلِه، إنْ لَم يكُنْ أربابُ الطَّعامِ مَعَهم، وإنْ كانَتْ لَهم بيِّنةٌ قيلَ لِأربابِ الطَّعامِ: هَلُمُّوا طَعامًا مِثلَه، يَحمِلْه لَكمُ الجَمَّالُ إلى مُنتَهَى الغايةِ، وعَلَيكم الكِراءُ كامِلًا، وهذا كلُّه قولُ مالِكٍ إلَّا ما كانَ مِنْ السُّفُنِ على البَلاغِ؛ فإنَّ مالِكًا قالَ: إذا غَرِقَتِ السَّفينةُ فليسَ لَها كِراءٌ، وجُعِلَ كِراءُ السُّفُنِ على البَلاغِ. قالَ مالِكٌ ﵀: وما استُحمِلَ في السُّوقِ ممَّا يَحمِلُ الرجُلُ على عُنُقِه، والبِغالُ التي تَحمِلُ، فتَعثَّرَتِ الدَّابَّةُ أو تَعثَّرَ الرجُلُ فيَسقُطُ فيَنكَسِرُ ما عليه، أو يَحمِلُه إلى بَلَدٍ مِنْ البُلدانِ فيَعثُرُ البَعيرُ أو يَأتي مِنْ سَبَبِ الدَّابَّةِ أمْرٌ

стр. 5738

يَكونُ ذَهابُ ما عليها مِنْ سَبَبِها، فسَبيلُه سَبيلُ السُّفُنِ، لا كِراءَ لَهُم؛ لأنَّهم كانوا إنَّما حَمَلوه على البَلاغِ؛ فلا كِراءَ لَهم، وكذلك قالَ مالِكٌ، وسَبيلُهم في الضَّمانِ فيما حَمَلوا سَبيلُ ما حَمَلَ الحَمَّالونَ والبَغَّالونَ مِنْ بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. قُلتُ: وهذا قولُ مالِكٍ، قالَ نَعَمْ (١). وأمَّا الشافِعيَّةُ فعِندَهم قولانِ في هَذا، قالَ الشِّيرازيُّ ﵀: إذا استَأجَرَ صانِعًا على عَملٍ مِنْ خِياطةٍ أو صِباغةٍ فعَمِلَ؛ فهَل له أنْ يَحبِسَ العَينَ على الأُجرةِ؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: لا يَجوزُ؛ لأنَّه لَم يَرهَنِ العَينَ عِندَه، فلَم يَجُزْ له احتِباسُها، كَما لَوِ استَأجَرَه لِيَحمِلَ له مَتاعًا فحَمَلَه، ثم أرادَ أنْ يَحبِسَ المَتاعَ على الأُجرةِ. والآخَرُ: يَجوزُ؛ لأنَّ عَملَه ملكَه، فجازَ له حَبْسُه على العِوَضِ؛ كالمَبيعِ في يَدِ البائِعِ (٢). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: وليسَ لِمُؤجِّرِ الأرضِ أنْ يَحتَبِسَ الأرضَ على المُستَأجِرِ على دَفْعِ الأُجرةِ، ولا لِلحَمَّالِ أنْ يَحبِسَ ما استُؤجِرَ على حَملِه مِنْ المَتاعِ لِيأخُذَ الأُجرةَ؛ لأنَّه في يَدِه أمانةٌ وليسَ برَهنٍ، فأمَّا الصَّانِعُ المُستَأجَرُ على عَملٍ مِنْ خِياطةٍ أو صِياغةٍ أو صَبْغٍ، هَلْ له احتِباسُ ما بِيَدِه مِنْ العَملِ على أُجرَتِه؟ فيه وَجهانِ:

стр. 5739

أحَدُهما: لَيسَ له ذاكَ؛ قِياسًا على ما ذَكَرْنا. والآخَرُ: له ذاكَ؛ لأنَّ عَملَه مِلْكٌ لَهُ؛ كالبائِعِ، واللَّهُ أعلمُ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إذا حَبَسَ الصَّانِعُ الثَّوبَ على أُجرَتِه بعدَ عَملِه -أي: قَصَّرَه أو خاطَهُ أو صَبَغَه، وفعلَ نَحوَها- فتَلِفَ، ضَمِنَه؛ لأنَّه لَم يَرهَنْه عِندَه، ولا أذِنَ له في إمساكِه، فلَزِمَه الضَّمانُ، كالغاصِبِ. وإنْ أفلَسَ مُستَأجِرٌ -أي: لَوِ اشترَى ثَوبًا مثلًا ودفعَه لِصانِعٍ عَمِلَه-ثم جاءَ بائِعُه يَطلُبُه بعدَ فَسخِه البَيعَ؛ لِوُجودِ مَتاعِه عندَ مَنْ أفلَسَ، فلِلصَّانِعِ حَبْسُه على أُجرَتِه؛ لأنَّ العَملَ الذي هو عِوَضُها مَوجودٌ في عَينِ الثَّوبِ، فملكَ حَبْسَه، مع ظُهورِ عُسرةِ المُستَأجِرِ، كَمَنْ أجَّرَ دَابَّتَه أو نَحوَها لِإنسانٍ بأُجرةٍ حالَّةٍ، ثم ظَهرَتْ عُسرةُ المُستَأجِرِ، فإنَّ لِلمُؤجِّرِ حَبْسَها عِندَه، وفَسْخَ الإجارةِ، ثم إنْ كانَتْ أُجرَتُه أكثَرَ ممَّا زادَتْ به قِيمَتُه أخَذَ الزِّيادةَ، وحاصَصَ الغُرَماءَ بما بَقيَ له مِنْ الأُجرةِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: اختَلفَ الفُقهاءُ هَلْ يَمْلِكُ البائِعُ حَبسَ السِّلعةِ على ثَمنِها؟ وهَل يَملِكُ المُستَأجِرُ حَبْسَ العَينِ بعدَ العَملِ على الأُجرةِ؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ: أحَدُها: يَملِكُه في المَوضِعَيْنِ، وهو قولُ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ، وهو المُختارُ.

стр. 5740

والثَّاني: لا يَملِكُه في المَوضِعَيْنِ، وهو المَشهورُ مِنْ مَذهبِ أحمدَ عندَ أصحابِه. والثَّالث: يَملِكُ حَبْسَ العَينِ المُستَأجَرةِ على عَملِها، ولا يَملِكُ حَبسَ المَبيعِ على ثَمنِه. والفَرقُ بَينَهما أنَّ العَملَ يَجري مَجرَى الأعيانِ، ولِهَذا يُقابَلُ بالعِوَضِ، فصارَ كَأنَّه شَريكٌ لِمالِكِ العَينِ بعَملِه، فأثَرُ عَملِه قائِمٌ بالعَينِ فلا يَجِبُ عليه تَسليمُه قبلَ أنْ يَأخُذَ عِوَضَه، بخِلافِ المَبيعِ؛ فإنَّه قد دخلَ في مِلْكِ المُشتَرِي وصارَ الثَّمنُ في ذِمَّتِه، ولَم يَبْقَ لِلبائِعِ تَعلّقٌ بالعَينِ، ومَن سَوَّى بَينَهما قالَ: الأُجرةُ قد صارَتْ في الذِّمةِ، ولَم يَشتَرِطْ رَهنَ العَينِ عليها، فلا يَملِكُ حَبْسَها. وعلى هذا فالحِيلةُ في الحَبسِ في المَوضِعَيْنِ حتى يَصِلَ إلى حَقِّه أنْ يَشتَرِطَ عليه رَهنَ العَينِ المُستَأجَرةِ على أُجرَتِها، فيَقولَ: رَهَنتُكَ هذا الثَّوبَ على أُجرَتِه، وهي كَذا وكَذا، وهَكَذا في المَبيعِ يَشتَرِطُ على المُشتَرِي رَهنَه على ثَمنِه حتى يُسَلِّمَه إلَيه، ولا مَحذورَ في ذلك أصْلًا، ولا مَعنًى، ولا مَأخَذَ قَويًّا يَمنَعُ صِحَّةَ هذا الشَّرطِ والرَّهنِ، وقَدِ اتَّفَقوا على أنَّه لَو شرطَ عليه رَهنَ عَينٍ أُخرَى على الثَّمنِ جازَ؛ فما الذي يَمنَعُ جَوازَ رَهنِ المَبيعِ على ثَمنِه ولا فَرقَ بينَ أنْ يَقبِضَه، وألَّا يَقبِضَه، على أصَحِّ القوليْنِ، وقَد نَصَّ الإمامُ أحمَدُ على جَوازِ اشتِراطِ رَهنِ المَبيعِ على ثَمنِه، وهو الصَّوابُ، ومُقتَضَى قَواعِدِ الشَّرعِ وأُصولِه.

стр. 5741

وقالَ القاضي ﵀ وأصحابُه: لا يَصحُّ، وعَلَّلَه ابنُ عَقيلٍ بأنَّ المُشتَرِيَ رَهَنَ ما لا يَملِكُ؛ فلَم يَصحَّ، كَما لَو شرطَ أنْ يَرهَنَه عَبدًا لِغَيرِه يَشتَريه ويَرهَنُه، وهذا تَعليلٌ باطِلٌ؛ فإنَّه إنَّما حَصَلَ الرَّهنُ بعدَ مِلْكِه، واشتِراطُه قبلَ المِلْكِ لا يَكونُ بمَنزِلةِ رَهنِ المِلْكِ. والفَرقُ بينَ هذه المَسألةِ وبَينَ اشتِراطِ رَهنِ عَبدِ زَيدٍ أنَّ اشتِراطَ رَهنِ عَبدِ زَيدٍ غَرَرٌ، قد يُمكِنُ، وقَد لا يُمكِنُ، بخِلافِ اشتِراطِ رَهنِ المَبيعِ على ثَمنِهِ؛ فإنَّه إنْ تَمَّ العَقدُ صارَ المَبيعُ رَهنًا، وإنْ لَم يَتمَّ تَبيَّنَّا أنَّه لا ثَمنَ يَحبِسُ عليه الرَّهنَ، فلا غَرَرَ ألبتَّةَ؛ فالمَنصوصُ أفقَهُ وأصَحُّ، وهذا على أصْلِ مَنْ يَقولُ لِلبائِعِ: حَبْسُ المَبيعِ على ثَمنِه ألزَمُ، وهو مَذهَبُ مالِكٍ وأبي حَنيفَةَ، وهو أحَدُ قَولَيِ الشَّافِعيِّ، ومَذهَبُ بَعضِ أصحابِ الإمامِ أحمدَ، وهو الصَّحيحُ، وإنْ كانَ خِلافَ مَنصوصِ أحمدَ؛ لأنَّ عَقدَ البَيعِ يَقتَضِي استِواءَهُما في التَّسلُّمِ والتَّسليمِ، ففي إجبارِ البائِعِ على التَّسليمِ قبلَ حُضورِ الثَّمنِ وتَمكينِه مِنْ قَبضِة إضرارٌ بهِ؛ فإذا كانَ ملكَ حَبَسَه على ثَمنِه مِنْ غيرِ شَرطٍ، فلَأنْ يَملِكَه مع الشَّرطِ أَوْلَى وأحْرَى، فقولُ القاضي وأصحابِه مُخالِفٌ لِنَصِّ أحمدَ، والقِياسِ؛ فإنْ شرطَ أنْ يَقبِضَ المُشتَرِي المَبيعَ ثم يَرهَنَه على ثَمنِه عندَ بائِعِه، فأَوْلَى بالصِّحَّةِ (١). لَو شرطَ على الصَّانِعِ أنْ يَعمَلَ بنَفْسِهِ: إذا سَلَّمَ صاحِبُ العَينِ إلى الأجيرِ العَينَ لكي يَعمَلَها، وأطلَقَ لَه، يَجوزُ لِلأجيرِ أنْ يَعمَلَها بنَفْسِه، ولَه أنْ يَستَأجِرَ مَنْ يَعمَلُها؛ لأنَّ المُستَحقَّ عليه

стр. 5742

عَملٌ في ذِمَّتِه، ويُمكِنُه إيفاؤُه بنَفْسِه وبِالِاستِعانةِ بغَيرِه بمَنزِلةِ إيفاءِ الدَّيْنِ. وَإذا شرطَ على الصَّانِعِ أنْ يَعمَلَ بنَفْسِه فليسَ له أنْ يَستَعمِلَ غَيرَه، بأنْ قالَ: على أنْ تَعمَلَ بنَفْسِكَ، أو بيَدِكَ؛ لأنَّ العَملَ يَختَلِفُ باختِلافِ الصُّنَّاعِ جَودةً ورَداءةً، فكانَ الشَّرطُ مُقيِّدًا، فيَتعيَّنُ كَما تَتعيَّنُ المَنفَعةُ في مَحَلٍّ بعَينِه. لَكِنْ قالَ في «العِناية»: وفيه تَأمُّلٌ؛ لأنَّه إنْ خالَفَه إلى خَيرٍ بأنِ استَعمَلَ مَنْ هو أصنَعُ منه في ذلك الفَنِّ، أو سَلَّمَ دَابَّةً أقوَى مِنْ ذلك، كانَ يَنبَغي أنْ يَجوزَ (١). وقالَ الكاسانيُّ ﵀: ولِلأجيرِ أنْ يَعمَلَ بنَفْسِه وأُجَرائِه إذا لَم يَشتَرِطْ عليه في العَقدِ أنْ يَعمَلَ بيَدِهِ؛ لأنَّ العَقدَ وقعَ على العَملِ، والإنسانُ قد يَعمَلُ بنَفْسِه، وقَد يَعمَلُ بغَيرِه، ولأنَّ عَملَ أُجَرائِه يَقَعُ لَه، فيَصيرُ كَأنَّه عَمِلَ بنَفْسِه، إلَّا إذا شرطَ عليه عَملَه بنَفْسِه؛ لأنَّ العَقدَ وقعَ على عَملٍ مِنْ شَخصٍ مُعيَّنٍ، والتَّعيينُ مُفيدٌ؛ لأنَّ العُمالَ مُتفاوِتونَ في العَملِ؛ فيَتعيَّنُ؛ فلا يَجوزُ تَسليمُها مِنْ شَخصٍ آخَرَ مِنْ غيرِ رِضَا المُستَأجِرِ، كَمَنِ استَأجَرَ جَمَلًا بعَينِه لِلحَمْلِ، لا يُجبَرُ على أخْذِ غَيرِه. وَلَوِ استَأجَرَ على الحَملِ، ولَم يُعَيِّنْ جَمَلًا، كانَ لِلمُكاري أنْ يُسَلِّمَ إليه أيَّ جَمَلٍ شاءَ، كَذا هَهُنا (٢).

стр. 5743

أنواعٌ مِنْ الأجيرِ المُشترَكِ: الحَجَّامُ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الحِجامةَ جائِزةٌ، قالَ ابنُ تَيميَّةَ: التَّداوي بالحِجامةِ جائِزٌ؛ بالسُّنةِ المُتواتِرةِ، وباتِّفاقِ العُلماءِ (١). إلَّا أنَّهمُ اختَلفوا في حُكمِ أخْذِ الأُجرةِ على الحِجامةِ، هَلْ يَجوزُ أخْذُها أو يُكرَه؛ لأنَّه دَنيءٌ؛ أو يَحرُمُ؛ لأنَّه خَبيثٌ؟ فذهبَ القاضي مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّه لا يُباحُ أجْرُ الحَجَّامِ، وذُكِرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في مَواضِعَ، وقالَ: أُعطيَ شَيئًا مِنْ غيرِ عَقدٍ، ولا شَرطٍ، فلَه أخْذُه، ويَصرِفُه في عَلَفِ دَوابِّه وطُعمةِ عَبيدِه ومُؤنةِ صِناعَتِه، ولا يَحِلُّ له أكْلُه؛ لِحَديثِ رافِعِ بنِ خَديجٍ ﵁ عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ثَمنُ الكَلْبِ خَبيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبيثٌ، وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ» (٢)، والخَبيثُ عِبارةٌ عن الحَرامِ (٣). وعن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ مِنْ السُّحتِ كَسْبَ الحَجَّامِ» (٤).

стр. 5744

وعن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ أنَّه قالَ: «قد حرَّمَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ كَسْبَ الحَجَّامِ» (١). وعن عَوْنِ بنِ أبي جُحيْفَةَ أنَّه قال: «قَدِ اشترَى أبي حَجَّامًا، فكَسَرَ محَاجِمَهُ، فقُلْتُ له: يا أبَتِ، لِمَ كَسَرْتَهَا؟ فقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عن ثَمنِ الدَّمِ» (٢). وذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على الحِجامةِ مع الكَراهةِ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لِمَا ثبَتَ في الصَّحيحَيْنِ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «احتَجَمَ وَأَعطَى الحَجَّامَ أجْرَهُ» (٣)، وفي لَفظِ مُسلِمٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: «حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَبدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ فَأَعطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أجْرَهُ، وكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عنه مِنْ ضَريبَتِه، ولَوْ كانَ سُحْتًا لَم يُعْطِهِ النَّبِيُّ ﷺ » (٤)، وقالوا: هذا الحَديثُ ناسخٌ لِمَنعِه وتَحريمِه ونَهْيِه ﷺ عن كَسبِ الحَجَّامِ (٥). وعن حُمَيْدٍ الطَّويلِ أنَّه قالَ: سُئِلَ أنَسٌ عن كَسْبِ الحَجَّامِ، فقالَ: «احتَجَمَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ، حَجَمَهُ أبو طَيبَةَ الحَجَّامُ، فأَمَرَ له

стр. 5745

رَسولُ اللَّهِ ﷺ بصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وكَلَّمَ مَوَالِيَهُ لِيُخفِّفُوا عنه مِنْ غَلَّتِه شَيئًا، فَفَعَلوا ذلك» (١). قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: هذا يَدلُّ على أنَّ كَسبَ الحَجَّامِ طَيِّبٌ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لَا يَجعَلُ ثَمنًا ولا جُعلًا ولا عِوضًا لِشَيءٍ مِنْ الباطِلِ، وحَديثُ أنَسٍ هذا ناسِخٌ لِمَا حرَّمَه النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ثَمنِ الدَّمِ، وناسِخٌ لِمَا كَرِهَه مِنْ إجارةِ الحَجَّامِ (٢). وعن مُحمَّدِ بنِ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ عن مُحَيِّصَةَ بنِ مَسعودٍ الأَنْصَاريِّ: «أنَّه قد كانَ له غُلامٌ حَجَّامٌ، يُقالُ له: نافِعٌ، وأبو طَيبَةَ، فَانطَلَقَ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فسَأَلَهُ عن خَرَاجِهِ، فقالَ: لا تَقْرَبَنَّهُ. فرَدَّ ذلك على رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقالَ: اعْلِفْ بهِ النَّاضِحَ، اجعَلُوهُ في كِرشِهِ». وعنِ ابنِ شِهابٍ عن حَرَامِ بنِ سَعدِ بنِ مُحيِّصَةَ عن المُحَيِّصَةِ، -رَجُلٌ مِنْ بَنِي حارِثَةَ- أنَّه: «قد كانَ له حَجَّامٌ، واسْمُ الرجُلِ المُحَيِّصَةُ، سأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن ذلك، فنَهَاهُ أنْ يَأْكُلَ كَسْبَهُ، ثمَّ عادَ فنَهَاهُ، ثمَّ عادَ فنَهَاهُ، ثمَّ عادَ فنَهَاهُ، فلَم يَزَلْ يُراجِعُهُ حتى قالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ : اعْلِفْ كَسْبَهُ ناضِحَكَ، وأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ» (٣)؛ فَفي هذه الآثارِ إباحةُ كَسْبِ الحَجَّامِ. قالَ الطَّحاويُّ ﵀: فدَلَّ ما ذَكَرْنا على أنَّ ما كانَ مِنْ رَسولِ اللَّهِ
следующие страницы →