← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

وقالَ القاضي ﵀ وأصحابُه: لا يَصحُّ، وعَلَّلَه ابنُ عَقيلٍ بأنَّ المُشتَرِيَ رَهَنَ ما لا يَملِكُ؛ فلَم يَصحَّ، كَما لَو شرطَ أنْ يَرهَنَه عَبدًا لِغَيرِه يَشتَريه ويَرهَنُه، وهذا تَعليلٌ باطِلٌ؛ فإنَّه إنَّما حَصَلَ الرَّهنُ بعدَ مِلْكِه، واشتِراطُه قبلَ المِلْكِ لا يَكونُ بمَنزِلةِ رَهنِ المِلْكِ. والفَرقُ بينَ هذه المَسألةِ وبَينَ اشتِراطِ رَهنِ عَبدِ زَيدٍ أنَّ اشتِراطَ رَهنِ عَبدِ زَيدٍ غَرَرٌ، قد يُمكِنُ، وقَد لا يُمكِنُ، بخِلافِ اشتِراطِ رَهنِ المَبيعِ على ثَمنِهِ؛ فإنَّه إنْ تَمَّ العَقدُ صارَ المَبيعُ رَهنًا، وإنْ لَم يَتمَّ تَبيَّنَّا أنَّه لا ثَمنَ يَحبِسُ عليه الرَّهنَ، فلا غَرَرَ ألبتَّةَ؛ فالمَنصوصُ أفقَهُ وأصَحُّ، وهذا على أصْلِ مَنْ يَقولُ لِلبائِعِ: حَبْسُ المَبيعِ على ثَمنِه ألزَمُ، وهو مَذهَبُ مالِكٍ وأبي حَنيفَةَ، وهو أحَدُ قَولَيِ الشَّافِعيِّ، ومَذهَبُ بَعضِ أصحابِ الإمامِ أحمدَ، وهو الصَّحيحُ، وإنْ كانَ خِلافَ مَنصوصِ أحمدَ؛ لأنَّ عَقدَ البَيعِ يَقتَضِي استِواءَهُما في التَّسلُّمِ والتَّسليمِ، ففي إجبارِ البائِعِ على التَّسليمِ قبلَ حُضورِ الثَّمنِ وتَمكينِه مِنْ قَبضِة إضرارٌ بهِ؛ فإذا كانَ ملكَ حَبَسَه على ثَمنِه مِنْ غيرِ شَرطٍ، فلَأنْ يَملِكَه مع الشَّرطِ أَوْلَى وأحْرَى، فقولُ القاضي وأصحابِه مُخالِفٌ لِنَصِّ أحمدَ، والقِياسِ؛ فإنْ شرطَ أنْ يَقبِضَ المُشتَرِي المَبيعَ ثم يَرهَنَه على ثَمنِه عندَ بائِعِه، فأَوْلَى بالصِّحَّةِ (١). لَو شرطَ على الصَّانِعِ أنْ يَعمَلَ بنَفْسِهِ: إذا سَلَّمَ صاحِبُ العَينِ إلى الأجيرِ العَينَ لكي يَعمَلَها، وأطلَقَ لَه، يَجوزُ لِلأجيرِ أنْ يَعمَلَها بنَفْسِه، ولَه أنْ يَستَأجِرَ مَنْ يَعمَلُها؛ لأنَّ المُستَحقَّ عليه

стр. 5742

عَملٌ في ذِمَّتِه، ويُمكِنُه إيفاؤُه بنَفْسِه وبِالِاستِعانةِ بغَيرِه بمَنزِلةِ إيفاءِ الدَّيْنِ. وَإذا شرطَ على الصَّانِعِ أنْ يَعمَلَ بنَفْسِه فليسَ له أنْ يَستَعمِلَ غَيرَه، بأنْ قالَ: على أنْ تَعمَلَ بنَفْسِكَ، أو بيَدِكَ؛ لأنَّ العَملَ يَختَلِفُ باختِلافِ الصُّنَّاعِ جَودةً ورَداءةً، فكانَ الشَّرطُ مُقيِّدًا، فيَتعيَّنُ كَما تَتعيَّنُ المَنفَعةُ في مَحَلٍّ بعَينِه. لَكِنْ قالَ في «العِناية»: وفيه تَأمُّلٌ؛ لأنَّه إنْ خالَفَه إلى خَيرٍ بأنِ استَعمَلَ مَنْ هو أصنَعُ منه في ذلك الفَنِّ، أو سَلَّمَ دَابَّةً أقوَى مِنْ ذلك، كانَ يَنبَغي أنْ يَجوزَ (١). وقالَ الكاسانيُّ ﵀: ولِلأجيرِ أنْ يَعمَلَ بنَفْسِه وأُجَرائِه إذا لَم يَشتَرِطْ عليه في العَقدِ أنْ يَعمَلَ بيَدِهِ؛ لأنَّ العَقدَ وقعَ على العَملِ، والإنسانُ قد يَعمَلُ بنَفْسِه، وقَد يَعمَلُ بغَيرِه، ولأنَّ عَملَ أُجَرائِه يَقَعُ لَه، فيَصيرُ كَأنَّه عَمِلَ بنَفْسِه، إلَّا إذا شرطَ عليه عَملَه بنَفْسِه؛ لأنَّ العَقدَ وقعَ على عَملٍ مِنْ شَخصٍ مُعيَّنٍ، والتَّعيينُ مُفيدٌ؛ لأنَّ العُمالَ مُتفاوِتونَ في العَملِ؛ فيَتعيَّنُ؛ فلا يَجوزُ تَسليمُها مِنْ شَخصٍ آخَرَ مِنْ غيرِ رِضَا المُستَأجِرِ، كَمَنِ استَأجَرَ جَمَلًا بعَينِه لِلحَمْلِ، لا يُجبَرُ على أخْذِ غَيرِه. وَلَوِ استَأجَرَ على الحَملِ، ولَم يُعَيِّنْ جَمَلًا، كانَ لِلمُكاري أنْ يُسَلِّمَ إليه أيَّ جَمَلٍ شاءَ، كَذا هَهُنا (٢).

стр. 5743

أنواعٌ مِنْ الأجيرِ المُشترَكِ: الحَجَّامُ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الحِجامةَ جائِزةٌ، قالَ ابنُ تَيميَّةَ: التَّداوي بالحِجامةِ جائِزٌ؛ بالسُّنةِ المُتواتِرةِ، وباتِّفاقِ العُلماءِ (١). إلَّا أنَّهمُ اختَلفوا في حُكمِ أخْذِ الأُجرةِ على الحِجامةِ، هَلْ يَجوزُ أخْذُها أو يُكرَه؛ لأنَّه دَنيءٌ؛ أو يَحرُمُ؛ لأنَّه خَبيثٌ؟ فذهبَ القاضي مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّه لا يُباحُ أجْرُ الحَجَّامِ، وذُكِرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في مَواضِعَ، وقالَ: أُعطيَ شَيئًا مِنْ غيرِ عَقدٍ، ولا شَرطٍ، فلَه أخْذُه، ويَصرِفُه في عَلَفِ دَوابِّه وطُعمةِ عَبيدِه ومُؤنةِ صِناعَتِه، ولا يَحِلُّ له أكْلُه؛ لِحَديثِ رافِعِ بنِ خَديجٍ ﵁ عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ثَمنُ الكَلْبِ خَبيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبيثٌ، وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ» (٢)، والخَبيثُ عِبارةٌ عن الحَرامِ (٣). وعن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ مِنْ السُّحتِ كَسْبَ الحَجَّامِ» (٤).

стр. 5744

وعن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ أنَّه قالَ: «قد حرَّمَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ كَسْبَ الحَجَّامِ» (١). وعن عَوْنِ بنِ أبي جُحيْفَةَ أنَّه قال: «قَدِ اشترَى أبي حَجَّامًا، فكَسَرَ محَاجِمَهُ، فقُلْتُ له: يا أبَتِ، لِمَ كَسَرْتَهَا؟ فقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عن ثَمنِ الدَّمِ» (٢). وذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على الحِجامةِ مع الكَراهةِ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لِمَا ثبَتَ في الصَّحيحَيْنِ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «احتَجَمَ وَأَعطَى الحَجَّامَ أجْرَهُ» (٣)، وفي لَفظِ مُسلِمٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: «حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَبدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ فَأَعطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أجْرَهُ، وكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عنه مِنْ ضَريبَتِه، ولَوْ كانَ سُحْتًا لَم يُعْطِهِ النَّبِيُّ ﷺ » (٤)، وقالوا: هذا الحَديثُ ناسخٌ لِمَنعِه وتَحريمِه ونَهْيِه ﷺ عن كَسبِ الحَجَّامِ (٥). وعن حُمَيْدٍ الطَّويلِ أنَّه قالَ: سُئِلَ أنَسٌ عن كَسْبِ الحَجَّامِ، فقالَ: «احتَجَمَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ، حَجَمَهُ أبو طَيبَةَ الحَجَّامُ، فأَمَرَ له

стр. 5745

رَسولُ اللَّهِ ﷺ بصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وكَلَّمَ مَوَالِيَهُ لِيُخفِّفُوا عنه مِنْ غَلَّتِه شَيئًا، فَفَعَلوا ذلك» (١). قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: هذا يَدلُّ على أنَّ كَسبَ الحَجَّامِ طَيِّبٌ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لَا يَجعَلُ ثَمنًا ولا جُعلًا ولا عِوضًا لِشَيءٍ مِنْ الباطِلِ، وحَديثُ أنَسٍ هذا ناسِخٌ لِمَا حرَّمَه النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ثَمنِ الدَّمِ، وناسِخٌ لِمَا كَرِهَه مِنْ إجارةِ الحَجَّامِ (٢). وعن مُحمَّدِ بنِ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ عن مُحَيِّصَةَ بنِ مَسعودٍ الأَنْصَاريِّ: «أنَّه قد كانَ له غُلامٌ حَجَّامٌ، يُقالُ له: نافِعٌ، وأبو طَيبَةَ، فَانطَلَقَ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فسَأَلَهُ عن خَرَاجِهِ، فقالَ: لا تَقْرَبَنَّهُ. فرَدَّ ذلك على رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقالَ: اعْلِفْ بهِ النَّاضِحَ، اجعَلُوهُ في كِرشِهِ». وعنِ ابنِ شِهابٍ عن حَرَامِ بنِ سَعدِ بنِ مُحيِّصَةَ عن المُحَيِّصَةِ، -رَجُلٌ مِنْ بَنِي حارِثَةَ- أنَّه: «قد كانَ له حَجَّامٌ، واسْمُ الرجُلِ المُحَيِّصَةُ، سأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن ذلك، فنَهَاهُ أنْ يَأْكُلَ كَسْبَهُ، ثمَّ عادَ فنَهَاهُ، ثمَّ عادَ فنَهَاهُ، ثمَّ عادَ فنَهَاهُ، فلَم يَزَلْ يُراجِعُهُ حتى قالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ : اعْلِفْ كَسْبَهُ ناضِحَكَ، وأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ» (٣)؛ فَفي هذه الآثارِ إباحةُ كَسْبِ الحَجَّامِ. قالَ الطَّحاويُّ ﵀: فدَلَّ ما ذَكَرْنا على أنَّ ما كانَ مِنْ رَسولِ اللَّهِ

стр. 5746

ﷺ في ذلك مِنْ الإباحةِ في هَذا؛ إنَّما كانَ بَعدَما نَهاه عنه نَهيًا عامًّا مُطلَقًا، على ما في الآثارِ الأُوَلِ، وفي إباحةِ النَّبيِّ ﷺ أنْ يُطعِمَه الرَّقيقَ أوِ النَّاضِحَ دَليلٌ على أنَّه لَيسَ بحَرامٍ، ألَا تَرى أنَّ المالَ الحَرامَ الذي لا يَحِلُّ أكْلُه لا يَحِلُّ له أنْ يُطعِمَه رَقيقَه، ولا ناضِحَه؛ لأنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في الرَّقيقِ: «أطعِموهم ممَّا تَأكُلونَ»، فلَمَّا ثبَتَ إباحةُ النَّبيِّ لِمُحَيِّصَةَ أنْ يَعلِفَ ذلك ناضِحَه، ويُطعِمَ رَقيقَه مِنْ كَسْبِ حِجامِه، دَلَّ ذلك على نَسخِ ما تَقدَّمَ مِنْ نَهْيِه عن ذلك، وثبَتَ حِلُّ ذلك له ولِغَيرِه، وهذا قولُ أبي حَنيفَةَ، وأبي يُوسفَ، ومُحمَّدٍ رَحمةُ اللَّهِ عليهم، وهذا هو النَّظَرُ عِندَنا أيضًا؛ لأنَّا قد رَأيْنا الرجُلَ يَستَأجِرُ الرجُلَ يَفصِدُ له عَرقًا، أو يَبزُغُ له حِمارًا، فيَكونُ ذلك جائِزًا، والِاستِئجارُ على ذلك جائِزٌ؛ فالحِجامةُ أيضًا كذلك، وقَد رُوِي في ذلك أيضًا عَمن بعدَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ عن موسَى بنِ عَلِيِّ بنِ رَباحٍ اللَّخميِّ عن أبيه قالَ: كُنْتُ عندَ عَبدِ اللَّهِ بنِ العَبَّاسِ ﵄، فأتَتْهُ امرَأةٌ، فقالَتْ لَهُ: إنَّ لي غُلامًا حَجَّامًا، وإنَّ أهلَ العِراقِ يَزعُمونَ أنِّي آكُلُ ثَمنَ الدَّمِ. فقالَ لَها عَبدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ كَذَبوا، إنَّما تَأكُلِينَ خَراجَ غُلامِكِ. وَعَنْ رَبيعةَ بنِ أبي عَبدِ الرَّحمَنِ: الرَّأيُ أنَّ الحَجَّامِينَ قد كانَ لَهُمْ سُوقٌ على عَهدِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ. وَعَنْ يَحيَى بنِ سَعيدٍ الأنصاريِّ: «إنَّ المُسلِمينَ لَم يَزالوا مُقِرِّينَ بأجْرِ الحِجامةِ، ولا يُنكِرونَها» (١).

стр. 5747

وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: حَديثُ رَافِعِ بنِ خَديجٍ ﵁ عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ثَمنُ الكَلْبِ خَبيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبيثٌ، وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ» (١)، قالَ: هذا الحَديثُ لا يَخلو أنْ يَكونَ مَنسوخًا منه كَسْبُ الحَجَّامِ بحَديثِ أنَسٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، والإجماعِ على ذلك، أو يَكونَ على جِهةِ التَّنَزُّهِ، كَما ذَكَرْنا، وليسَ في عَطفِ ثَمنِ الكَلبِ ومَهْرِ البَغِيِّ عليه ما يَتعلَّقُ به في تَحريمِ كَسْبِ الحَجَّامِ؛ لأنَّه قد يُعطَفُ الشَّيءُ على الشَّيءِ وحُكمُه مُختَلِفٌ (٢). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: ولا بَأْسَ بكَسْبِ الحَجَّامِ؛ فإنْ قيلَ: فما مَعنَى نَهْيِ النَّبيِّ السَّائِلَ عن كَسْبِه وإرخاصِه في أنْ يُطعِمَه رَقيقَه وناضِحَهُ؟ قيلَ: لا مَعنَى له إلَّا واحِدٌ، وهو أنَّ لِلمَكاسِبِ حَسَنًا ودَنيئًا، فكانَ كَسْبُ الحَجَّامِ دَنيئًا، فأحَبَّ له تَنزيهَ نَفْسِه عن الدَّناءةِ؛ لِكَثرةِ المَكاسِبِ التي هي أجمَلُ مِنه؛ فلَمَّا زادَه فيه أمَرَه أنْ يَعلِفَه ناضِحَه، ويُطعِمَه رَقيقَه؛ تَنزيهًا لَه، لا تَحريمًا عليه، وقَد حَجَمَ أبو طَيبَةَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ ، فأمَرَ له بصاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وأمَرَ أهلَه أنْ يُخفِّفوا عنه مِنْ خَراجِه، ولَو كانَ حَرامًا لَم يُعطِه رَسولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لأنَّه لا يُعطي إلَّا ما يَحِلُّ إعطاؤُه، ولِآخِذِه مِلْكُه. وقد رُوِيَ أنَّ رَجُلًا ذا قَرابةٍ لِعُثمانَ قَدِمَ عليه، فسَألَه عن مَعاشِه، فذكرَ

стр. 5748

له غَلَّةَ حَجَّامٍ أو حَجَّاميْنِ؛ فقالَ: إنَّ كَسَبَكُم لَوَسِخٌ، أو قالَ: لَدَنِسٌ، أو لَدَنيءٌ، أو كَلِمةً تُشبِهُها. قالَ الماوَرديُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ الحاجةَ إلى المَكاسِبِ داعيةٌ لِمَا فَطَرَ اللَّهُ تَعالى عليه الخَلقَ مِنْ الحاجةِ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ والكِسوةِ لِنَفْسِه، ومَن يَلزَمُه الإنفاقُ عليه مِنْ مُناسِبٍ ومُصاحِبٍ، وأُصولُ المَكاسِبِ المَألوفةُ ثَلاثةٌ: زِراعةٌ وتِجارةٌ وصِناعةٌ، فيَنبَغي لِلمُكتَسِبِ بها أنْ يَختارَ لِنَفْسِه أطيَبَها لِقَولِ اللَّهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، ورُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «مَنْ لَم يُبالِ مِنْ أينَ مَطعَمُه، ولا مِنْ أينَ مَشرَبُه، لَم يُبالِ اللهِ مِنْ أيِّ أبوابِ النارِ أدخَلَه». واختَلفَ النَّاسُ في أطيَبِها، فقالَ قَومٌ: الزِّراعاتُ، وهو عِنْدِي أشبَهُ؛ لأنَّ الإنسانَ فيها مُتوَكِّلٌ على اللهِ ، في عَطائِه، مُستسَلِمٌ لِقَضائِه. وقالَ آخَرونَ: التِّجارةُ أطيَبُها، وهو أشبَهُ بمَذهبِ الشَّافِعيِّ؛ لِتَصريحِ اللهِ تَعالى بإحلالِه في كِتابِه، بقَولِه : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، واقتِداءً بالصَّحابةِ ﵃ في اكتِسابِهم بها. وقالَ آخَرونَ: الصِّناعةُ؛ لِاكتِسابِ الإنسانِ فيها بكَدِّ يَدَيْه. وقَد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إنَّ مِنْ الذُّنوبِ ما لا يُكفِّرُه صَومٌ ولا صَلاةُ، ولَكِنْ يُكفِّرُه عَرقُ الجَبينِ في طَلَبِ الحِرفةِ». فَأمَّا الزِّراعةُ فلا مَدخَلَ لَها في تَحريمٍ ولَا كَراهيةٍ، وهذا أوَّلُ شَيءٍ على أنَّها أطيَبُ المَكاسِبِ.

стр. 5749

وأمَّا التِّجارةُ، فتَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ كما يَلي: حَلالٌ: وهو: البُيوعُ الصَّحيحةُ. وَحَرامٌ: وهو: البُيوعُ الفاسِدةُ. وَمَكروهٌ: وهو: الغِشُّ والتَّدليسُ. وأمَّا الصِّناعةُ فتَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ كما يَلي: حَلالٌ: وهو ما أُبيحَ مِنْ الأعمالِ التي لا دَنَسَ فيها؛ كالكِتابةِ والتِّجارةِ والبِناءِ. حَرامٌ: وهو ما حُظِرَ مِنْ الأعمالِ؛ كالتَّصاويرِ والمَلاهي. مَكروهٌ: وهو ما باشَرَ فيه النَّجاسةَ؛ كالحَجَّامِ والجَزَّارِ، وكَنَّاسِ الحُشوشِ، والأقذارِ، والنَّصُّ فيه وارِدٌ في الحَجَّامِ، وهو أصْلُ نَظائِرِه، والنَّصُّ فيه ما رَواه مَعمَرٌ عن الزُّهريِّ عن حَرامِ بن مُحَيِّصَةَ عن أبيه «أنَّه سَألَ النَّبيَّ عن أجْرِ الحَجَّامِ فنَهاه عَنه، فشَكَا مِنْ حاجَتِهم، فقالَ: اعلِفْه ناضِحَكَ، وأطعِمْهُ رَقيقَكَ». فذَهَبَ بَعضُ أصحابِ الحَديثِ إلى أنَّه حَرامٌ على الأحرارِ، حَلَالٌ لِلعَبيدِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن السَّادةِ دونَ العَبيدِ، واعتَمَدوا فيه على رِوايةِ رافِعِ بنِ خَديجٍ أنَّه ﷺ قالَ: «كَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ، ومَهْرُ البَغيِّ خَبيثٌ، وثَمنُ الكَلْبِ خَبيثٌ»، فلَمَّا وَصَفَه بالخُبثِ، وقَرَنَه بالحَرامِ كانَ حَرامًا. والدَّليلُ على فَسادِ ما ذَهَبوا إليه: ما رَواه عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتَجَمَ وأمَرَني أنْ أُعطيَ الحَجَّامَ أجْرَه». ورَوَى أنَسُ بنُ

стр. 5750

مالِكٍ أنَّ أبا طَيبَةَ حَجَمَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فأمَرَ له بصاعٍ مِنْ تَمرٍ، وأمَرَ مَوالِيَه أنْ يُخفِّفوا عنه مِنْ خَراجِه، قالَ جابِرٌ: وكانَ خَراجُه ثَلاثةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ في كلِّ يَومٍ، فخفّفوا عنه في كلِّ يَومٍ صاعًا. وَوَجْهُ الدَّليلِ مِنه: أنَّه لَو حَرُمَ كَسْبُه على أخْذِه حَرُمَ دَفْعُه على مُعطيه، فلَمَّا استَجازَ النَّبيُّ ﷺ أنْ يَأمُرَ بدَفعِه إلَيه، دَلَّ على جَوازِ أخْذِه، فإنْ قيلَ: إنَّما حَجَمَه أبو طَيبَةَ مُتطوِّعًا تَقرُّبًا إلى اللَّهِ بخِدمةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولِذلك شَرِبَ دَمَه، فقالَ له ﷺ : «قَدْ حرَّمَ اللَّهُ جِسمَكَ على النارِ»، وكانَ ما أعطاهُ النَّبيُّ ﷺ مُواساةً، ولَم يكُنْ أجْرَهُ، فعَنه جَوابانِ: أحَدُهما: إنَّما أعطاه مُقابَلةً على عَملِه، صارَ عِوَضًا يَنصَرِفُ عن حُكمِ المُواساةِ. والآخَرُ: أنَّ أبا طَيبَةَ كانَ مَملوكًا لا يَصحُّ تَطوُّعه بعَملِه، ولا يَستَحلُّ رَسولُ اللَّهِ تَطوُّعَه؛ ولأنَّه لَم يَزَلِ النَّاسُ على هذا في عَصرِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ وخُلَفائِه ﵃ إلى وَقتِنا هذا في سائِرِ الأمصارِ، يَتكسَّبونَ بهَذا، فلا يُنكِرُه مُستَحسِنٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فدَلَّ على انعِقادِ الإجماعِ به، وارتِفاعِ الخِلافِ فيه، ولأنَّ الحاجةَ إليه دَاعيةٌ، والضَّرورةَ إليه ماسَّةٌ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ الإنسانُ على حِجامةِ نَفْسِه إذا احتاجَ، وما كانَ بهذه المَنزِلةِ لَم يَمنَعْ منه الشَّرعُ؛ لِمَا فيه مِنْ إدخالِ الضَّررِ على الخَلقِ، وقَد قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ»؛ ولأنَّ كلَّ كَسْبٍ حَلَّ لِلعَبيدِ حَلَّ لِلأحرارِ، كَسائِرِ الأكسابِ.

стр. 5751

فَأمَّا الجَوابُ عن قَولِه ﷺ : «كَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ»، فهو أنَّ اسمَ الخُبثِ يَتناوَلُ الحَرامَ تارَةً، والدَّنيءَ أُخرَى، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ يعني الدَّنيءَ، وكقَولِه مِنْ بَعدُ: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]؛ فيُحمَلُ على الدَّنيءِ دونَ الحَرامِ؛ بدَليلِ ما قُلْناه، وليس هو إلى الحَرامِ بمُوجِبٍ لِاشتِراكِهما في حُكمِ التَّحريمِ؛ لأنَّه لَمَّا ضُمَّ إلى ما يَحرُمُ على الأحرارِ والعَبيدِ -وهذا لا يَحرُمُ على العَبيدِ- جازَ ألَّا يَحرُمَ على الأحرارِ. فإذا ثبَتَ أنَّه ليس بحَرامٍ، فهو مَكروهٌ، واختَلفَ أصحابُنا في عِلةِ كَراهَتِه على وجهيْنِ: أحَدُهما: لِمُباشَرةِ النَّجاسةِ؛ لِقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]. فعلى هذا يُكرَهُ كَسْبُ كلِّ مُباشِرٍ لِلنَّجاسةِ مِنْ كَنَّاسٍ، وخَرَّازِ وقَصَّابٍ. واختَلفَ قائِلُ هَذا، هَلْ يَكونُ كَسْبُ الفَصَّادِ مِنْ جُملَتِهم؟ على وجهيْنِ: أحَدُهما: يَكونُ مِنْ جُملَتِهم؛ لأنَّه يُباشِرُ نَجاسةَ الدَّمِ. والوَجهُ الآخَرُ: وهو قولُ أبي عَلِيِّ بنِ أبي هُرَيرةَ أنَّه لا يُكرَهُ كَسبُهُ؛ لِاقتِرانِه بعِلمِ الطِّبِّ؛ فإنَّه قَلَّما يُباشِرُ نَجاسةَ الدَّمِ. فَأمَّا الخِتانُ، فمَكروهُ الكَسْبِ، كالحَجَّامِ، بَلْ يَزيدُ عليه في مُباشَرةِ العَوراتِ، وتَكونُ الكَراهةُ مَقصورةً على مُباشَرةِ الأنجاسِ، ومُنتَفيةً عَمن لا يُباشِرُها مِنْ سَمَّاكٍ، ودَبَّاغٍ. والوَجهُ الآخَرُ: أنَّ كَراهةَ التكَسُّبِ به لِدَناءَتِه، وهو الظَّاهِرُ مِنْ مَذهبِ الشَّافِعيِّ؛ لأنَّه جعلَ مِنْ المَكاسِبِ دَنيئًا وحَسَنًا، وقَد رُوِيَ أنَّ ذا قَرابةٍ

стр. 5752

لِعُثمانَ بنِ عَفَّانَ ﵁ قَدِمَ عليه، فسَألَه عن كَسْبِه، فقالَ: «غَلَّةُ حَجَّامٍ أو حَجَّامَيْنِ. فقالَ: إنَّ كَسَبَكُم لَدَنيءٌ، أو قالَ: لَوَسِخٌ»، فعلى هذا يُكرَهُ مع ذلك كَسْبُ السَّمَّاكِ، والدَّبَّاغِ، والحَلَّاقِ والقيِّمِ. واختُلِفَ على هذا في كَسْبِ الحَجَّامِينَ على وجهيْنِ: أحَدُهما: مَكروهٌ، دَنيءٌ؛ لأنَّه يُشاهِدُ العَوراتِ ويَتكَسَّبُ بِغَيرِ مُقدَّرٍ. والوَجْهُ الآخَرُ: لا يُكرَهُ كَسْبُه؛ لأنَّه لا يُباشِرُ عَملًا، ويُمكِنُه غَضُّ طَرْفِه عن العَوراتِ، وليسَ يَتكسَّبُ بمُباشَرَتِها؛ فإنْ أرسَلَ طَرْفَه صارَ كَغَيرِه مِنْ النَّاسِ. وكذلك نَظائِرُ ما ذَكَرْناه، وجَميعُ هذا مَكروهٌ لِلأحرارِ. فَأمَّا العَبيدُ ففيهم وَجهانِ: أحَدُهما: يُكرَهُ لَهُم؛ كالأحرارِ، وهو قولُ الأكثَرينَ. والوَجهُ الآخَرُ: لا يُكرَهُ لَهُم؛ لأنَّهم أدْنَى مِنْ الأحرارِ، فلْيَتَأهَّبوا أدنَى الِاكتِسابِ، فإنْ أخَذَ سادَاتُهم كَسبَهم كُرِهَ لَهم أنْ يَأكُلوه، ولَم يُكرَهْ لَهم أنْ يُطعِموه رَقيقَهم، وبَهائِمَهم؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لِمُحَيِّصةَ حينَ سَألَه عَنهُ: «اعلِفُه ناضِحَكَ وأطعِمْه رَقيقَكَ»، واللَّهُ أعلمُ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّها مَنفَعةٌ مُباحةٌ لا يَختَصُّ فاعِلُها أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القُربةِ، فجازَ الِاستِئجارُ عليها؛ كالبِناءِ والخِياطةِ، ولأنَّ بالنَّاسِ حاجةً إلَيها، ولا نَجِدُ كلَّ أحَدٍ مُتبرِّعًا بها، فجازَ الِاستِئجارُ عليها، كالرَّضاعِ، وقولُ النَّبيِّ ﷺ في كَسْبِ الحَجَّامِ: أطعِمْهُ رَقيقَكَ، دَليلٌ على

стр. 5753

إباحةِ كَسْبِه؛ إذْ غيرُ جائِزٍ أنْ يُطعِمَ رَقيقَه ما يَحرُمُ أكلُهُ؛ فإنَّ الرَّقيقَ آدَميُّونَ، يَحرُمُ عليهم ما حرَّمَه اللَّهُ تَعالى، كَما يَحرُمُ على الأحرارِ، وتَخصيصُ ذلك بما أُعطيَه مِنْ غيرِ استِئجارٍ، تحَكُّمٌ لا دَليلَ عليه، وتَسميَتُه كَسْبًا خَبيثًا لا يَلزَمُ منه التَّحريمُ؛ فقَد سَمَّى النَّبيُّ ﷺ الثُّومَ والبَصَلَ خَبيثَيْنِ، مع إباحَتِهما، وإنَّما كَرِهَ النَّبيُّ ﷺ ذلك لِلحُرِّ؛ تَنزيهًا لِدَناءةِ هذه الصِّناعةِ، وليسَ عن أحمدَ نَصٌّ في تَحريمِ كَسْبِ الحَجَّامِ، ولا الِاستِئجارِ عليها؛ وإنَّما قالَ: نَحنُ نُعطيه كَما أعطَى ﷺ ، ونَقولُ له كَما قالَ النَّبيُّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عن أكلِه نَهاه، وقالَ: اعلِفْه النَّاضِحَ والرَّقيقَ، وهذا مَعنَى كَلامِه في جَميعِ الرِّواياتِ، وليسَ هذا صَريحًا في تَحريمِه، بَلْ فيه دَليلٌ على إباحَتِه، كَما في قَولِ النَّبيِّ ﷺ وفِعلِه، على ما بيَّنَّا، وإعطاؤُه لِلحَجَّامِ دَليلٌ على إباحَتِه؛ إذْ لا يُعطيه ما يَحرُمُ عليه، وهو ﷺ يُعَلِّمُ النَّاسَ ويَنهاهُم عن المُحرَّماتِ؛ فكَيفَ يُعطيهم إيَّاها ويُمكِّنُهم مِنها، وأمْرُه بإطعامِ الرَّقيقِ مِنها دَليلٌ على الإباحةِ؛ فيَتعيَّنُ حَمْلُ نَهيِه عن أكلِها على الكَراهةِ، دونَ التَّحريمِ، وكذلك قولُ الإمامِ أحمدَ؛ فإنَّه لَم يَخرُجْ عن قَولِ النَّبيِّ ﷺ وفِعلِهِ؛ وإنَّما قَصَدَ اتِّباعَه، وكذلك سائِرُ مَنْ كَرِهَه مِنْ الأئِمَّةِ يَتعيَّنُ حَمْلُ كَلامِهم على هَذا، ولا يَكونُ في المَسألةِ قائِلٌ بالتَّحريمِ. وَإذا ثبَتَ هَذا؛ فإنَّه يُكرَهُ لِلحُرِّ أكْلُ كَسْبِ الحَجَّامِ، ويُكرَهُ تَعلّمُ صِناعةِ الحِجامةِ وإجارةُ نَفْسِه لَها؛ لِمَا فيها مِنْ الأخبارِ، ولأنَّ فيها دَناءةً فكُرِهَ الدُّخولُ فيها، كالكَسحِ، وعَلَى هذا يُحمَلُ قولُ الأئِمَّةِ الذين ذَكَرْنا عَنهم

стр. 5754

كَراهَتَها؛ جَمْعًا بينَ الأخبارِ الوارِدةِ فيها، وتَوفيقًا بينَ الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ عليها، واللَّهُ أعلمُ (١). وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا إعطاءُ النَّبيِّ ﷺ الحَجَّامَ أجْرَه فلا يُعارِضُ قَولَهُ: «كَسْبُ الحَجَّامِ خَبيثٌ»؛ فإنَّه لَم يَقُلْ: إنَّ إعطاءَه خَبيثٌ، بَلْ إعطاؤُه إمَّا واجِبٌ، وإمَّا مُستحَبٌّ، وإمَّا جائِزٌ، ولَكِنْ هو خَبيثٌ بالنِّسبةِ إلى الآخِذِ، وخُبثُه بالنِّسبةِ إلى أكْلِه، فهو خَبيثُ الكَسْبِ، ولَم يَلزَمْ مِنْ ذلك تَحريمُه، فقَد سَمَّى النَّبيُّ ﷺ الثُّومَ والبَصَلَ خَبيثَيْنِ، مع إباحةِ أكلِهِما، ولا يَلزَمُ مِنْ إعطاءِ النَّبيِّ ﷺ الحَجَّامَ أجْرَه حِلُّ أكْلِه، فَضلًا عَلى كَوْنِ أكْلِه طَيِّبًا؛ فإنَّه ﷺ قالَ: «إنِّي لَأُعطي الرجُلَ العَطيَّةَ يَخرُجُ بها يَتأبَّطُها نارًا»، والنَّبيُّ ﷺ قد كانَ يُعطي المُؤَلَّفةَ قُلوبُهم مِنْ مالِ الزَّكاةِ والفَيءِ، مع غِناهُم وعَدَمِ حاجَتِهم إلَيه؛ لِيَبذُلوا مِنْ الإسلامِ والطَّاعةِ ما يَجِبُ عليهم بَذْلُه بدُونِ العَطاءِ، ولا يَحِلُّ لَهم تَوَقُّفُ بَذْلِه على الأخْذِ، بَلْ يَجِبُ عليهمُ المُبادَرةُ إلى بَذْلِه بلا عِوَضٍ، وهذا أصْلٌ مَعروفٌ مِنْ أُصولِ الشَّرعِ أنَّ العَقدَ -أو البَذْلَ- قد يَكونُ جائِزًا أو مُستحَبًّا أو واجِبًا مِنْ أحَدِ الطَّرفَيْنِ، مَكروهًا أو مُحرَّمًا مِنْ الطَّرفِ الآخَرِ، فيَجِبُ على الباذِلِ أنْ يَبذُلَ، ويَحرُمُ على الآخِذِ أنْ يَأخُذَه. وَبِالجُملةِ فخُبثُ أجْرِ الحَجَّامِ مِنْ جِنسِ خُبثِ أكْلِ الثُّومِ والبَصَلِ، لَكنَّ هذا خَبيثُ الرَّائِحةِ، وهذا خَبيثٌ لِكَسْبِهِ (٢).

стр. 5755

ضَمانُ الحَجَّامِ والطَّبيبِ والخَتَّانِ والبَيْطارِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الطَّبيبَ إنْ جَهِلَ قَواعِدَ الطِّبِّ، أو كانَ غيرَ حاذِقٍ فيها، فدَاوَى مَريضًا وأتلَفَه بمُداواتِه، أو أحدَثَ به عَيبًا، أو عَلِمَ قَواعِدَ التَّطبيبِ وقَصَّرَ في تَطبيبِه، فسَرَى التَّلَفُ أو التَّعَيُّبُ، أو عَلِمَ قَواعِدَ التَّطبيبِ ولَم يُقصِّرْ، ولَكنَّه طَبَّبَ المَريضَ بلا إذْنٍ مِنه. كَما لَو خَتَنَ صَغيرًا بغَيرِ إذْنِ وَلِيِّه، أو كَبيرًا قَهرًا عَنه، أو وهو نائِمٌ، أو أطعَم مَريضًا دَواءً قَهرًا عنه، فنَشَأ عن ذلك تَلَفٌ وعَيبٌ، أو طَبَّبَ بإذْنٍ غيرِ مُعتَبَرٍ؛ لِكَونِه مِنْ صَبيِّ، إذا كانَ الإذْنُ في قَطعِ يَدٍ مثلًا، أو بعَضُدٍ أو حِجامةٍ أو خِتانٍ، فأدَّى إلى تَلَفٍ أو عَيبٍ، فإنَّه في ذلك كلِّه يَضمَنُ ما تَرتَّبَ عليه (١). قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ قَطعَ الخاتِنِ إذا أخطَأَ فقَطَعَ الذكرَ والحَشَفةَ أو بَعضَها، فعليه ما أخطَأَ به، يَعقِلُه عنه العاقِلةُ (٢). وقالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الطَّبيبَ إذا لَم يَتعدَّ -أي: ما تُعُورِفَ عليه مِنْ قانونِ الطِّبِّ- لَم يَضمَنْ (٣). قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ المُداويَ إذا تَعدَّى ما أُمِرَ به ضَمِنَ ما تَلِفَ بتَعَدِّيه ذلك (٤).

стр. 5756

قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ الحَفيدُ ﵀: «لَا خِلافَ أنَّه إذا لَم يكُنْ مِنْ أهلِ الطِّبِّ، أنَّه يَضمَنُ؛ لأنَّه مُتعَدٍّ» (١) اه. وقالَ الحَنفيَّةُ أيضًا: إذا فَصَدَ الفَصَّادُ (٢) بإذْنِ المَفصودِ، أو بَزَغَ (٣) البَزَّاغُ، أي: البَيْطارُ، بإذْنِ ربِّ الدَّابَّةِ، ولَم يَتجاوَزْ المَوضِعَ المُعتادَ فلا ضَمانَ عليه فيما عَطِبَ مِنْ ذلك؛ لأنَّه لا يُمكِنُ الاحتِرازُ عن السِّرايةِ (٤)؛ لأنَّه يُبتَنَى على قُوَّةِ الطِّباعِ وضَعْفِها، ولا يَعرِفُ ذلك بنَفْسِه، فلا يُمكِنُ تَقييدُه بالسَّلامةِ؛ فسقطَ اعتِبارُه، وإنْ تَجاوَزَه ضَمِنَ؛ لأنَّه لَم يُؤذَنْ له في ذلك، وهذا إذا كانَ البَزغُ بإذْنِ صاحِبِ الدَّابَّةِ، أمَّا إذا كانَ بغَيرِ إذْنِه فهو ضامِنٌ، سَواءٌ تَجاوَزَ المَوضِعَ المُعتادَ أو لا. وَمَنْ أمَرَ خَتَّانًا لِيَختِنَ صَبيًّا، ففعلَ الخَتَّانُ ذلك، فقَطَعَ حَشَفَتَه، وماتَ الصَّبيُّ مِنْ ذلك، فعلى عاقِلةِ الخَتَّانِ نِصفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّ المَوتَ حَصَلَ بفِعلَيْنِ: أحَدُهما: مَأذونٌ فيه، وهو قَطعُ القُلفةِ. والآخَرُ: غيرُ مَأذونٍ فيه، وهو قَطعُ الحَشَفةِ، فيَجِبُ نِصفُ الضَّمانِ. أمَّا إذا بَرِئَ فجُعِلَ قَطعُ الجِلدةِ -وَهو مَأذونٌ فيهِ- كَأنْ لَم يكُنْ، وقَطَعُ

стр. 5757

الحَشَفةِ غيرُ مَأذونٍ فيه، وجبَ ضَمانُ الحَشَفةِ كامِلًا، وهو الدِّيةُ؛ لأنَّ الحَشَفةَ عُضوٌ مَقصورٌ، لا ثانيَ له في النَّفْسِ؛ فيُقدَّرُ بَدَلٌ ببَدَلِ النَّفْسِ، كَما في قَطعِ اللِّسانِ. قالَ الزَّيلَعيُّ ﵀: هذا مِنْ أعجَبِ المَسائِلِ؛ حَيثُ وجبَ الأكثَرُ بالبُرءِ، والأقَلُّ بالهَلاكِ (١). وقالَ ابنُ نُجَيمٍ الحَنَفيُّ ﵀: « … قَطَعَ الحَجَّامُ لَحمًا مِنْ عَينِه، وكانَ غيرَ حاذِقٍ، فعَميَتْ، فعليه نِصفُ الدِّيةِ». اه (٢). فَقولُهُ: «وَكانَ غيرَ حاذِقٍ»، المُرادُ أنَّه جاهِلٌ بتلك المُهِمَّةِ التي قامَ بفِعلِها، ثم بيَّنَ حُكمَه، وأنَّه يَجِبُ عليه ضَمانُ نِصفِ الدِّيةِ؛ لأنَّ العَينَ مِنْ الأعضاءِ المُثَنَّاةِ في جِسمِ الإنسانِ، تُضَمَنُ الدِّيةُ كامِلةً بتَلَفِ كِلتَا العَينَيْنِ، ونَصِفُها بتَلَفِ الواحِدةِ مِنهما، كَما هو الحالُ في مَسألَتِنا. وقالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: وفي القُنْيةِ: سُئِلَ مُحمَّدٌ نَجمُ الدِّينِ: عَنْ صَبيَّةٍ سقطَتْ مِنْ السَّطحِ، فانتَفَخَ رَأْسُها، فقالَ كَثيرٌ مِنْ الجَرَّاحينَ: إنْ شَقَقتُم رَأْسَها تَموتُ، وقالَ واحِدٌ مِنهم: إنْ لَم تَشُقُّوه اليَومَ تَموتُ، وأنا أشُقُّه وأُبرِئُها، ثم ماتَتْ بعدَ يَومٍ أو يَومَيْنِ، هَلْ يَضمَنُ؟ فَتَأمَّلَ مَلِيئًّا ثم قالَ: لا يَضمَنُ إنْ كانَ الشَّقُّ بإذْنٍ، وكانَ مُعتادًا، ولَم

стр. 5758

يكُنْ فاحِشًا خارِجَ الرَّسمِ (١). فقيلَ له: إنَّما أذِنوا بِناءً على أنَّه عِلاجُ مِثلِها. فقالَ: ذلك لا يُوقَفُ عليه، فاعتُبِرَ نَفْسُ الإذْنِ. فقيلَ له: فلو كانَ قالَ هذا الجَرَّاحُ: إنْ ماتَتْ مِنْ هذا الجُرحِ فأنا ضامِنٌ، هل يَضمَنُ؟ قالَ: لا. اه. قالَ ابنُ عابدينَ: فلَم يُعتبَرْ شَرطُ الضَّمانِ؛ لأنَّ شَرطَه على الأمينِ باطِلٌ على ما عليه الفَتْوَى (٢). وعِندَ الحَنفيَّةِ: لوِ استَأجَرَ حَجَّامًا؛ لِيَقلَعَ له سِنًّا، فقَلَعَ، فقالَ صاحِبُ السِّنِّ: ما أمَرتُ بقَلعِ هذه، كانَ القولُ قَولَه، ويَضمَنُ القالِعُ أرْشَ السِّنِّ، ولو قَلَعَ ما أمَرَه به فانقَلعَتْ سِنٌّ أُخرى مُتصلةٌ بهذه السِّنِّ لا يَضمَنُ (٣). وَفي «مُختصَرُ الطَّحاويِّ»: مَنِ استُؤجِرَ على عَبدٍ يَحجُمُه، أو على دَابَّةٍ يَبزُغُها، ففعلَ ذلك فعَطَّبَها بفِعلِه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ أصْلَ العَملِ كانَ مَأذونًا فيه، فما تَوَلَّدَ منه لا يَكونُ مَضمونًا عليه، إلَّا إذا تَعدَّى، فحينئذٍ يَضمَنُ. وَكذلك إذا كانَ في يَدِه آكِلَةٌ، فاستَأجَرَ رَجُلًا لِيَقطَعَ يَدَه فماتَ، فلا ضَمانَ عليه (٤). وقالَ المالِكيَّةُ: الطَّبيبُ إذا فعَلَ طِبَّه على جَهلٍ منه بعِلمِ الطِّبِّ فأدَّى

стр. 5759

ذلك إلى الهَلاكِ، فإنَّه يَضمَنُ، وكذلك إذا عَلِمَ وقَصَّرَ في المُعالَجةِ، كَأنْ أرادَ قَلعَ سِنٍّ فقَلَعَ غَيرَها خَطَأً، أو تَجاوَزَ بغَيرِ اختيارِه الحَدَّ المَعلومَ في الطِّبِّ عندَ أهلِ المَعرِفةِ، كَأنْ زَلَّتْ أو تَرامَتْ يَد خاتِنٍ، أو سَقَى عَليلًا دَواءً غيرَ مُناسِبٍ لِلدَّاءِ، مُعتقِدًا أنَّه يُناسِبُه، وقَد أخطَأَ في اعتِقادِهِ؛ فإنَّه يَضمَنُ، والضَّمانُ على عاقِلَتِه، إلَّا فيما دونَ الثُّلُثِ، ففي مالِه. وَإنَّما لَم يُقتَصَّ مِنْ الطَّبيبِ الجاهِلِ لأنَّ الفَرضَ أنَّه لَم يَقصِدْ ضَرَرًا؛ وإنَّما قَصَدَ نَفْعَ العَليلِ، أو رَجا ذلك، وأمَّا لَو قَصَدَ ضَرَرَهُ؛ فإنَّه يُقتَصُّ مِنه، والأصْلُ عَدَمُ العَداءِ إنِ ادُّعِيَ عليه ذلك. أمَّا إذا لَم يُقصِّرْ وهو عالِمٌ بالطِّبِّ بأنْ فعلَ ما يُناسِبُ المَرَضَ في الطِّبِّ، ولَكنَّه نَشَأَ عنه عَيبٌ أو تَلَفٌ فلا ضَمانَ عليه، بَلْ هَدَرٌ. وَكذلك يَضمَنُ الطَّبيبُ إذا داوَى بلا إذْنٍ مُعتَبَرٍ، بأنْ كانَ بلا إذْنٍ أصْلًا، كَما لَو خَتَنَ صَغيرًا قَهرًا عنه، أو كَبيرًا وهو نائِمٌ، أو أطعَم مَريضًا دَواءً قَهرًا عنه فنَشَأَ عن ذلك تَلَفٌ، أو بإذْنٍ غيرِ مُعتَبَرٍ شَرعًا، كَأنْ داوَى صَبيًّا، أو مَجنونًا بإذنِهِما؛ فإنَّه يَضمَنُ مُوجِبَ فِعلِه؛ لأنَّ إذنَهُما غيرُ مُعتَبَرٍ شَرعًا، وكذلك لَو فَصَدَ عَبدًا، أو حَجَمَه، أو خَتَنَه مُعتَمِدًا على إذْنِه، فنَشَأَ عن ذلك عَيبٌ أو تَلَفٌ؛ فإنَّه يَضمَنُ؛ لأنَّ إذْنَه غيرُ مُعتَبَرٍ شَرعًا (١). وقالَ الدُّسوقيُّ ﵀: إذا خَتَنَ الخاتِنُ صَبيًّا، أو سَقَى الطَّبيبُ مَريضًا

стр. 5760

دَواءً، أو قَطَعَ له شَيئًا، أو كَواه فماتَ مِنْ ذلك فلا ضَمانَ على واحِدٍ مِنهما، لا في مالِه، ولا على عاقِلَتِه؛ لأنَّه ممَّا فيه تَغريرٌ، فكَأنَّ صاحِبَه هو الذي عَرضَه لِمَا أصابَه، وهذا إذا كانَ الخاتِنُ أو الطَّبيبُ مِنْ أهلِ المَعرِفةِ، ولَم يُخطِئْ في فِعلِه. فإذا كانَ أخَطَأَ في فِعلِه -والحالُ أنَّه مِنْ أهلِ المَعرِفةِ- فالدِّيةُ على عاقِلَتِه. فإنْ لَم يكُنْ مِنْ أهلِ المَعرِفةِ عُوقِبَ. وَفي كَونِ الدِّيةِ على عاقِلَتِه، أو في مالِه، قولانِ: الأولُ: لِابنِ القاسِمِ. والآخَرُ: لِمالِكٍ، وهو الرَّاجِحُ؛ لأنَّ فِعلَه عَمدٌ، والعاقِلةُ لا تَحمِلُ العَمدَ (١). وقالَ النَّفْراويُّ المالِكيُّ ﵀: « … إنْ عالَجَ بالطِّبِّ المَريضَ، وماتَ مِنْ مَرَضِه، فلا شَيءَ عليه، بخِلافِ الجاهِلِ، أو المُقَصِّرِ، فإنَّه يَضمَنُ ما نَشَأَ عن فِعلِه … » (٢)، فاعتَبَرَ ﵀ الجَهلَ بالفِعلِ مُوجِبًا لِضَمانِ ما نَشَأَ عن ذلك الفِعلِ مِنْ ضَرَرٍ. وجاءَ في «المُدوَّنةُ»: في البَيْطارِ يَطرَحُ الدَّابَّةَ فتَعطَبُ، لَا شَيءَ عليه إذا فعلَ بها ما يَفعَلُ البَيْطارُ، وطَرَحَها كما يَطرَحُ البَيْطارُ الدَّوابَّ؛ فإنْ فعلَ غيرَ ذلك ضَمِنَ عندَ الإمامِ مالِكٍ (٣).

стр. 5761

وأمَّا الشافِعيَّةُ فقالَ الشَّيخُ شِهابُ الدِّينِ القَليوبيُّ الشافِعيُّ ﵀: «شَرطُ الطَّبيبِ أنْ يَكونَ ماهِرًا، بمَعنَى أنْ يَكونَ خَطَؤُه نادِرًا، وإنْ لَم يكُنْ ماهِرًا في العِلمِ فيما يَظهَرُ فتَكفي التَّجرِبةُ، وإنْ لَم يكُنْ كذلك، لَم يَصحَّ العَقدُ، ويَضمَنُ ويَرجِعُ عليه بما أخَذَه مِنْ أُجرةٍ وغَيرِها … » (١). وَقالوا: ومَن حَجَمَ غيرَه أو فَصَدَه بإذْنٍ مُعتَبَرٍ؛ كَقَولِ حُرٍّ مُكَلَّفٍ لِحاجِمٍ: احجُمْنِي أو افْصِدْني، ففعلَ، وأفضَى لِلتَّلَفِ، لَم يَضمَنْ ما تَوَلَّدَ مِنه، وإلَّا لَم يَفعَلْه أحَدٌ، هذا إنْ لَم يُخطِئْ؛ فإنْ أخطَأَ ضَمِنَ وتحَمَّلَتْه العاقِلةُ، كَما نَصَّ عليه الشافِعيُّ في الخاتِنِ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: وأجمَعوا على أنَّ الطَّبيبَ إذا لَم يَتعدَّ لَم يَضمَنْ. وَإذا تَعدَّى الخاتِنُ بالجُرحِ المُهلِكِ، كَأنْ خَتَنَه في سَنٍّ لا يَحتَمِلُه؛ لِضَعفٍ ونَحوِه، أو لِشِدَّةِ حَرٍّ وبَردٍ، فماتَ، لَزِمَه القَصَاصُ، إنْ عَلِمَ أنَّه لا يَحتَمِلُه لِتَعَدِّيه بالجُرحِ المُهلِكِ؛ لأنَّه غيرُ جائِزٍ في هذه الحالةِ قَطعًا، فإنْ ظَنَّ كَونَه مُحتَمِلًا، كَأنْ قالَ له أهلُ الخِبرةِ: يَحتَمِلُه، فماتَ، فلا قِصاصَ، لِانتِفاءِ التَّعدِّي، ويَجِبُ دِيةُ شِبهِ العَمدِ، إلَّا الوالِدَ، وإنْ عَلَا، إذا خَتَنَه في سِنٍّ لا يَحتَمِلُه، فلا قِصاصَ عليه لِلبِضعيَّةِ، ويَجِبُ عليه دِيَةٌ مُغلَّظةٌ في مالِهِ؛ لأنَّه عَمدٌ مَحضٌ. والسَّيِّدُ في خِتانِ رَقيقِه لا ضَمانَ عليه، والمُسلِمُ في خِتانِ كافِرٍ لا قِصاصَ عليه.

стр. 5762

فَإنِ احتَمَلَه وخَتَنَه وَلِيٌّ فماتَ، فلا ضَمانَ عليه في الأصَحِّ؛ لأنَّه لا بدَّ مِنه، والتَّقديمُ أسهَلُ مِنْ التَّأخيرِ؛ لِمَا فيه مِنْ المَصلَحةِ. ورَأْيٌ آخَرُ: يَضمَنُ؛ لأنَّه غيرُ واجِبٍ في الحالِ، فلَم يُبَحْ، إلَّا بشَرطِ سَلامةِ العاقِبةِ. وَوَلِيُّ الأبِ والجَدِّ والحاكِمِ والقيِّمِ والوَصيِّ كذلك، ومَن لَيسَ بوَليٍّ يَضمَنُ قَطعًا لِتَعَدِّيهِ بالمُهلِكِ، فيُقتَصُّ مِنه، إلَّا إذا قَصَدَ بذلك إقامةَ الشِّعارِ، فلا يَتَّجِهُ القِصاصُ، لأنَّ ذلك يَتضمَّنُ شُبهةً في التَّعدِّي. والبالِغُ المَحجورُ عليه بسَفَهٍ مُلحَقٌ بالصَّغيرِ (١). إذا أجْرَى الطَّبيبُ تَخديرًا لِلمَريضِ دونَ أنْ يَختَبِرَ حَساسِيَتَه لِلبِنْجِ، فماتَ المَريضُ، ضَمِنَ الطَّبيبُ (٢). ولو أجرَى الطَّبيبُ الجِراحةَ في عَينِ المَريضِ، والمَريضُ عِندَه ارتِفاعٌ في ضَغطِ الدَّمِ، ففَقَدَ المَريضُ عَينَه أو ماتَ، ضَمِنَ؛ لأنَّه يَجِبُ على الطَّبيبِ ألَّا يُقدِمَ على الجِراحةِ إلَّا إذا كانَ ضَغطُ الدَّمِ مُعتَدِلًا (٣). وَسُئِلَ الإمامُ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَميُّ ﵀ عن رَجُلٍ مَريضٍ أرسَلَ إلى حَكيمٍ، فجاءَ إلَيه، وأمَرَه بشَربةٍ، فشَرِبَها، فتَعِبَ لَها تَعَبًا شَديدًا، بحَيثُ قارَبَ المَوتَ، ثم مَنَّ اللَّهُ عليه ببَعضِ شَيءٍ مِنْ العافيةِ، ثم اشتَدَّ المَرَضُ،

стр. 5763

فقالَ لِوَرثَتِه: ما أنا لَكُمْ بصاحِبٍ، وسَبَبُ ذلك الشَّربةُ التي أسقانيها فُلانٌ. ثم ماتَ، فما حُكمُ الإسلامِ في ذلك؟ فَأجابَ: لَا قِصاصَ وَلَا دِيةَ على الطَّبيبِ المَذكورِ بمُجرَّدِ أمْرِه لِلمَريضِ المَذكورِ بشُربِ الدَّواءِ المَذكورِ، واللَّهُ أعلمُ (١). وأمَّا الحَنابِلةُ فجاءَ في «المُغني» لِابنِ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: (وَلا ضَمانَ على حَجَّامٍ ولا خَتَّانٍ ولا مُتطَبِّبٍ إذا عُرِفَ مِنهم حَذقُ الصَّنعةِ، ولَم تَجنِ أيديهم). وَجُملَتُه أنَّ هَؤُلاءِ إذا فَعَلوا ما أُمِروا به لَم يَضمَنوا، بشَرطَيْنِ: أحَدُهما: أنْ يَكونوا ذَوي حَذْقٍ في صِناعَتِهم، ولَهم بها بَصارةٌ ومَعرِفةٌ؛ لأنَّه إذا لَم يكُنْ كذلك لَم يَحِلَّ له مُباشَرةُ القَطعِ، وإذا قَطَعَ مع هذا كانَ فاعِلًا مُحرَّمًا، فيَضمَنُ سَرايَتَه؛ كالقَطعِ ابتِداءً. والآخَرُ: ألَّا تَجنيَ أيديهم فيَتَجاوَزوا ما يَنبَغي أنْ يُقطَعَ، فإذا وُجِدَ هَذانِ الشَّرطانِ لَم يَضمَنوا؛ لأنَّهم قَطَعوا قَطعًا مَأْذونًا فيه؛ فلَم يَضمَنوا سَرايَتَه؛ كَقَطعِ الإمامِ يَدَ السَّارِقِ، أو فعلَ فِعلًا مُباحًا مَأذونًا في فِعلِه أشبَهَ ما ذَكَرْنا، فأمَّا إنْ كانَ حاذِقًا وجَنَتْ يَده، مثلَ أنْ تَجاوَزَ قَطعَ الخِتانِ إلى الحَشَفةِ أو إلى بَعضِها، أو قَطعَ في غيرِ مَحَلِّ القَطعِ، أو يَقطَعُ السِّلعةَ مِنْ إنسانٍ فيَتَجاوَزُها، أو يَقطَعُ بآلةٍ كَآلةٍ يَكثُرُ ألَمُها، أو في وَقتٍ لا يَصلُحُ القَطعُ فيه، وفي أشباهِ هذا ضَمِنَ فيه كلِّه؛ لأنَّه إتلافٌ لا يَختَلِفُ ضَمانُه بالعَمدِ والخَطَأِ،

стр. 5764

فأشبَهَ إتلافَ المالِ، ولأنَّ هذا فِعلٌ مُحرَّمٌ؛ فيَضمَنُ سَرايَتَه، كالقَطعِ ابتِداءً، وكذلك الحُكمُ في النِّزاعِ، وكذلك القاطِعُ في القِصاصِ، وقاطِعُ يَدِ السَّارِقِ، وهذا مَذهَبُ الشافِعيِّ وأصحابِ الرَّأْيِ، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا (١).

стр. 5765

فصل في حُكمِ عَقدِ الإجارةِ وما يُبطِلُها ويَفسَخُها وما تَنتَهي به حُكمُ عَقدِ الإجارةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الإجارةَ عَقدٌ لَازِمٌ مِنْ الطَّرفَيْنِ، إذا وَقَعَتْ صَحيحةً عَرِيَّةً عن خِيارِ الشَّرطِ والعَيبِ والرُّؤيةِ؛ لأنَّها عَقدُ مُعاوَضةٍ، فكانَ لَازِمًا؛ كالبَيعِ، ولأنَّها نَوعٌ مِنْ البَيعِ، وإنَّما اختَصَّتْ باسمٍ، كَما اختَصَّ الصَّرفُ والسَّلمُ باسمٍ؛ فلا يَجوزُ لِلمُؤجِّرِ ولا لِلمُستَأجِرِ أنْ يَفسَخَها إلَّا برِضَا الآخَرِ، إلَّا أنْ يَكونَ هناكَ عَيبٌ في المَعقودِ عليه يَمنَعُ استِيفاءَ المَنفَعةِ، فمتى بَدا لِلمُستَأجِرِ فَسخُ الإجارةِ قبلَ أنْ تَنقَضيَ المدَّةُ، لَم تَنفَسِخْ؛ لأنَّ الإجارةَ عَقدٌ لَازِمٌ مِنْ الطَّرفَيْنِ، إذْ هي أحَدُ نَوعَيِ البَيعِ، وإذًا لا يَملِكُ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ فَسخَه، فإذا فَسخَ المُستَأجِرُ فوُجودُ ذلك كَعَدَمِه، في بَقاءِ الأُجرةِ عليه، وفي ثُبوتِ المَنفَعةِ لَهُ (١).

стр. 5766

فَسخُ الإجارةِ بالأعذارِ: ذَكَرْنا أنَّ الفُقهاءَ مُتفِقونَ على أنَّ عَقدَ الإجارةِ عَقدٌ لَازِمٌ، فلا يُفسَخُ إلَّا برِضَا الطَّرفَيْنِ؛ إلَّا أنَّ فُقهاءَ المَذاهبِ الأربَعةِ اختَلفوا في عَقدِ الإجارةِ، هَلْ يَنفَسِخُ بالأعذارِ، كالمَوتِ والمَرَضِ والتَّلَفِ، أو لا؟ وَما هي الأعذارُ التي يُفسَخُ بها عَقدُ الإجارةِ؟ فذهبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ بالأعذارِ؛ لأنَّ المَنافِعَ غيرُ مَقبوضةٍ، وهي المَعقودُ عليها، فصارَ العُذرُ في الإجارةِ؛ كالعَيْبِ قبلَ القَبضِ في البَيعِ، فتُفسَخُ به؛ إذِ المَعنَى يَجمَعُهُما، وهو عَجزُ العاقِدِ عن المُضِيِّ في مُوجِبِه إلَّا بتحَمُّلِ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَم يُستَحقَّ به، وهذا هو مَعنَى العُذرِ عِندَنا، وهو كَمَنِ استَأجَرَ حَدَّادًا لِيَقلَعَ ضِرسَه لِوَجَعٍ به، فسَكَنَ الوَجَعُ، أوِ استَأجَرَ طَبَّاخًا لِيَطبُخَ له طَعامَ الوَليمةِ، فاختُلِعَتْ مِنه، تُفسَخُ الإجارةُ؛ لأنَّ في المُضيِّ عليه إلزامُ ضَرَرٍ زائِدٍ لَم يُستَحقَّ بالعَقدِ. وَكَذا مَنِ استَأجَرَ دُكَّانًا في السُّوقِ لِيَتَّجِرَ فيه، فذَهَبَ مالُه، وكَذا مَنْ أجَّرَ دُكَّانًا أو دارًا، ثم أفلَسَ ولَزِمتْهُ دُيونٌ لا يَقدِرُ على قَضائِها إلَّا بثَمنِ ما أجَّرَ، فُسِخَ العَقدُ، وباعَها في الدُّيونِ؛ لأنَّ في الجَرْيِ على مُوجِبِ العَقدِ إلزامَ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَم يُستَحقَّ بالعَقدِ، وهو الحَبسُ؛ لأنَّه قد لا يَصدُقُ على عَدَمِ مالٍ آخَرَ.

стр. 5767

وَهَل يَحتاجُ إلى فَسخِ القاضي؟ فيه قولانِ: أحَدُهما: أنَّه يَفتقِرُ إلى قَضاء القاضي في النَّقضِ؛ لأنَّه فَسخٌ مُجتَهَدٌ فيه، فلا بدَّ مِنْ إلزامِ القاضي. والآخَرُ: أنَّه لا يَحتاجُ فيه إلى قَضاءِ القاضي، ووَجْهُه أنَّ هذا بمَنزِلةِ العَيبِ قبلَ القَبضِ في المَبيعِ على ما مَرَّ؛ فيَنفَرِدُ العاقِدُ بالفَسخِ. وَوُفِّقَ بَعضُهم فقالَ: إنْ كانَ العُذرُ ظاهِرًا لا يَحتاجُ إلى القَضاءِ؛ لِظُهورِ العُذرِ، وإنْ كانَ غيرَ ظاهِرٍ؛ كالدَّيْنِ، يَحتاجُ إلى القَضاءِ؛ لِظُهورِ العُذرِ. وَكَذا مَنِ استَأجَرَ دَابَّةً لِيُسافِرَ عليها، ثم بَدا له مِنْ السَّفَرِ، فهو عُذرٌ؛ لأنَّه لَو مَضَى على مُوجِبِ العَقدِ يَلزَمُه ضَرَرٌ زَائِدٌ؛ لأنَّه رُبَّما ذَهَبَ لِلحَجِّ فذَهَبَ وَقتُه، أو لِطَلَبِ غَريمِه فحَضَرَ، أو لِلتِّجارةِ فافتُقِرَ. وَكَذا إذا مَرِضَ المُكتَرِي؛ لأنَّه لا يُمكِنُه السَّفَرُ إلَّا بضَرَرٍ. وَكَذا إذا تَركَ المُكتَرِي السَّفَرَ لِعُذرٍ يَلحَقُه، مثلَ أنْ يَعزِمَ على تَركِ السَّفَرِ في هذه السَّنةِ، أو اكتَرى دارًا في بَلَدٍ، ثم نَوَى السَّفَرَ، وتَركَ المُقامَ، فلَه الفَسخُ، ولِلمُكتَرِي أنْ يَستَحلِفَه عندَ الحاكِمِ؛ لأنَّه يَجوزُ أنْ يُريدَ الفَسخَ لِمَعنًى آخَرَ غيرِ ما أظهَرَه. وإنْ كانَ وَجَدَ جَمَّالًا أرخَصَ مِنْ جَمَّالِه، أو دارًا أرخَصَ مِنْ دارِه، لَم يكُنْ له أنْ يَفسَخَ؛ لأنَّه قد رَضيَ بالمِقدارِ المَذكورِ، وكَذا لَيسَ لِلمُؤجِّرِ أنْ يَفسَخَ إذا وَجَدَ زيادةً على الأجْرِ الذي آجَرَها بهِ؛ لأنَّه قد رَضيَ بالمِقدارِ المَذكورِ. وإنْ بَدا لِلمُكاري مِنْ السَّفَرِ فليسَ ذلك بعُذرٍ؛ لأنَّه يُمكِنُه أنْ يَقعُدَ ويَبعَثَ الدَّوابَّ على يَدِ تِلميذِه أو أجيرِه.

стр. 5768

وَلَو مَرِضَ المُؤجِّرُ فقَعَدَ فكَذا الجَوابُ على رِوايةِ الأصْلِ، وذَكَر الكَرخِيُّ ﵀ أنَّه عُذرٌ، وهو الأظهَرُ؛ لأنَّه لا يُعَرى عن ضَرَرٍ، فيُدفَعُ عنه عندَ الضَّرورةِ دونَ الِاختيارِ، ولأنَّه قد لا يَرضَى بخُروجِ غَيرِه في دَوابِّه. وإنْ مَرِضَ الجَمَّالُ فظاهِرُ رِوايةِ الأصْلِ يَقتَضي ألَّا يَكونَ عُذرًا. وقالَ أبو الحَسَنِ ﵀: هو: عُذرٌ. وَعَنْ أبي يُوسفَ ﵀ في امرَأةٍ وَلَدَتْ يَومَ النَّحرِ قبلَ أنْ تَطوفَ لِلزِّيارةِ، فأبَى الجَمَّالُ أنْ يُقيمَ مَعَها، قالَ: هذا عُذرٌ، ونَقَضَ الإجارةَ؛ لأنَّها لا تَقدِرُ على الخُروجِ قبلَ الطَّوافِ، ولا يُمكِنُ أنْ يُلزَم الجَمَّالُ أنْ يُقيمَ مدَّةَ النِّفاسِ، ففُسِخَتِ الإجارةُ؛ لِدَفعِ الضَّررِ عَنهُما، وإنْ كانَتْ وَلَدَتْ قبلَ ذلك، ولَم يَبْقَ مِنْ مدَّةِ النِّفاسِ إلَّا كَمدَّةِ الحَيضِ، أو بَقيَ أقَلُّ، أُجبِرَ الجَمَّالَ على المُقامِ مَعَها؛ لأنَّ هذه المدَّةَ قد جَرَتِ العادةُ بمُقامِ الحاجِّ فيها بعدَ الفَراغِ مِنْ الحَجِّ. وَمَنِ استَأجَرَ غُلامًا لِيَخدُمَه في المِصرِ ثم سافَرَ فهو عُذرٌ؛ لأنَّه لا يُعَرى عن إلزامِ ضَرَرٍ زَائِدٍ؛ لأنَّ خِدمةَ السَّفَرِ أشَقُّ، وفي المَنعِ مِنْ السَّفَرِ ضَرَرٌ، وكلُّ ذلك لَم يُستَحقَّ بالعَقدِ، فكانَ عُذرًا، وكَذا إذا أطلَقَ؛ لِمَا مَرَّ أنَّه يَتقيَد بالحَضَرِ، بخِلافِ ما إذا آجَرَ عَقارًا ثم سافَرَ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ؛ إذِ المُستَأجِرُ يُمكِنُه استِيفاءُ المَنفَعةِ مِنْ المَعقودِ عليه بعدَ غَيبَتِه، حتى لَو أرادَ المُستَأجِرُ السَّفَرَ، فهو عُذرٌ؛ لِمَا فيه مِنْ المَنعِ مِنْ السَّفَرِ أو إلزامِ الأجْرِ بدُونِ السُّكنَى، وذلك ضَرَرٌ (١).

стр. 5769

وذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ -في الجُملةِ على تَفصيلٍ سَيأتي عِندَهم- إلى أنَّ الإجارةَ لا تَنفَسِخُ بالأعذارِ؛ كالمَرَضِ، والمَوتِ. قالَ المالِكيَّةُ: وذلك لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وَلأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ مَحْضةٍ، فلَم يكُنْ لِأحَدِهِما فَسخُه بمانِعٍ في العاقِدِ، كالبَيعِ، ولأنَّ كلَّ مَعنًى لا يَملِكُ به المُكرِي فَسخَ الإجارةِ لَم يَملِكْ به المُكتَرِي، أصْلُه غَلاءُ الأُجرةِ أو رُخصُها، ولأنَّ الأُصولَ مَوضوعةٌ على أنَّ كلَّ ما كانَ لِأحَدِ المُتعاقدَيْنِ فَسخُه بوَجْهٍ، كانَ لِلآخَرِ أنْ يَفسَخَ بمِثلِ ذلك الوَجه، كَعَقدِ الشَّرِكةِ والوَكالةِ والقِراضِ، وكذلك البُيوعُ إذا وَجَدَ أحَدُهما بأحَدِ العِوَضَيْنِ عَيبًا كانَ له الفَسخُ، فكذلك في مَسألَتِنا، ولأنَّ عَزمَ المُكتَرِي على السَّفَرِ إذا اكتَرى دارًا، أو عَزْمَه على المُقامِ إذا اكتَرى جَمَّالًا لِلحَجِّ، كانَ ذلك عُذرًا لا يَتضمَّنُ نُقصانًا في المَعقودِ عليه، ولا يَمنَعُ استِيفاءَ المَنافِعِ، فلا يَملِكُ به الفَسخَ، كالمُكرِي إذا عَزَم على المُقامِ وقَدِ اكتَرى جَمَّالًا أو دَارًا (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: لا يَجوزُ فَسخُ الإجارةِ بعُذرٍ يَطرَأُ إذا لَم يَظهَرْ في المَعقودِ عليه عَيبٌ. لِقَولِ اللهِ تَعَالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]؛ فَكانَ عُمومُ هذا الأمْرِ يُوجِبُ الوَفاءَ بكلِّ عَقدٍ، ما لَم يَقُمْ دَليلٌ

стр. 5770

يُخَصِّصُه، ولأنَّ كلَّ عَقدٍ لَزِمَ العاقِدَيْنِ مع سَلامةِ الأحوالِ لَزِمَهُما، ما لَم يَحدُثْ بالعِوَضَيْنِ نَقصٌ، كالبَيعِ. ولأنَّ كلَّ عَقدٍ لَزِمَ العاقِدَ عندَ ارتِفاعِ العُذرِ لَم يَحدُثْ له خِيارٌ بحُدوثِ عُذرٍ؛ كالزَّوجِ، ولأنَّ كلَّ سَبَبٍ لا يَملِكُ به المُؤجِّرُ الفَسخَ لَم يَملِكْ به المُستَأجِرُ الفَسخَ؛ كالأُجرةِ، لا يَكونُ حُدوثُ الزِّيادةِ فيها مُوجِبًا لِفَسخِ المُؤجِّرِ، كَما لَم يكُنْ حُدوثُ النُّقصانِ فيها مُوجِبًا لِفَسخِ المُستَأجِرِ؛ لأنَّ نُقصانَها في حَقِّ المُستَأجِرِ كَزيادَتِها في حَقِّ المُؤجِّرِ، ولأنَّه عَقدُ إجارةٍ، فلَم يَجُزْ فَسخُه بعُذرٍ، كالمُؤجِّرِ. وَلأنَّ العُقودَ نَوعانِ: لَازِمةٌ، فلا يَجوزُ فَسخُها لِعُذرٍ؛ كالبَيعِ، وغَيرُ لَازِمةٍ، فيَجوزُ فَسخُها لِغَيرِ عُذرٍ، كالقِراضِ، فلَمَّا لَم يكُنْ عَقدُ الإجارةِ مُلحَقًا بغَيرِ اللَّازِمِ في جَوازِ فَسْخِه بغَيرِ عُذرٍ، وجبَ أنْ يَكونَ مُلحَقًا باللَّازِمِ في إبطالِ فَسخِه بعُذرٍ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: ولأنَّه عَقدٌ لا يَجوزُ فَسخُه مع استِيفاءِ المَنفَعةِ المَعقودِ عليها لِغَيرِ عُذرٍ، لَم يَجُزْ لِعُذرٍ في غيرِ المَعقودِ عليه؛ كالبَيعِ، ولأنَّه لو جازَ فَسخُه لِعُذرِ المُكتَرِي لجازَ لِعُذرِ المُكرِي؛ تَسويةً بينَ المُتعاقِدَيْنِ؛ دَفعًا لِلضَّررِ عن كلِّ واحِدٍ مِنْ العاقِدَيْنِ، ولَم يَجُزْ، ثم لا يَجوزُ ههُنا، ويُفارِقُ الإباقَ؛ فإنَّه عُذرٌ في المَعقودِ عليه (٢). وَهَذا بَيانٌ وتَفصيلُ لِمَذهبِ الجُمهورِ فيما يَجوزُ فيه الفَسخُ وما لا يَجوزُ، وما فيه الخِيارُ.

стр. 5771

قالَ المالِكيَّةُ: تُفسَخُ الإجارةُ بتَلَفٍ أو تَعذُّرِ الذي يُستَوفَى منه المَنفَعةُ، إذا كانَ مُعيَّنًا؛ كالدَّارِ والحانُوتِ والحَمَّامِ والسَّفينةِ ونَحوِها، والتَعذُّرُ أعَمُّ مِنْ التَّلَفِ، فيَشمَلُ الضَّيَاعَ والمَرَضَ والغَصْبَ وغَلقَ الحَوانيتِ قَهرًا، وغَيرَ ذلك، كَما سَيأتي. وَإذا فُسِخَتْ رُجِعَ لِلمُحاسَبةِ باعتِبارِ ما حَصَلَ مِنْ المَنفَعةِ، وما لَم يَحصُلْ، وبِاعتِبارِ المَسافةِ طُولًا وقِصَرًا وسُهولةً وصُعوبةً. وَلا تَنفَسِخُ بتَلَفٍ أو بتَعذُّرِ ما يُستَوفَى به المَنفَعةُ؛ كالسَّاكِنِ والرَّاكِبِ وما حُمِلَ. فَكلُّ عَينٍ يُستَوفَى مِنها المَنفَعةُ فبِهَلاكِها تَنفَسِخُ الإجارةُ، كَمَوتِ الدَّابَّةِ المُعيَّنةِ -أمَّا الدَّابَّةُ غيرُ المُعيَّنةِ فلا تَنفَسِخُ الإجارةُ بمَوتِها- وانهِدامِ الدَّارِ المُعيَّنةِ. وَكلُّ عَينٍ تُستَوفَى بها المَنفَعةُ فبِهَلاكِها لا تَنفَسِخُ الإجارةُ، سَواءٌ كانَتْ تلك العَينُ مُعيَّنةً أو لا، وسَواءٌ كانَ التَّلَفُ بسَماويٍّ أو بغَيرِه، بأنْ كانَ مِنْ قِبَلِ الحامِلِ على الأصَحِّ (١)؛ كَمَوتِ الشَّخصِ المُستَأجِرِ لِلعَينِ المُعيَّنةِ،

стр. 5772

وكَتَلَفِ المَحمولِ، ويَقومُ وارِثُه مَقامَه في استِيفاءِ المَنفَعةِ الباقيةِ بعدَ مَوتِ مُورِّثِهِ، فيُقالُ لِلسَّاكِنِ والرَّاكِبِ ورَبِّ الأحمالِ أو وارِثِه: عَلَيكَ جَميعُ الأُجرةِ، وائْتِ بمِثلِ الأولِ لِتَمامِ المَسافةِ أوِ المدَّةِ. وَفُسِخَتِ الإجارةُ على سِنٍّ؛ لِأجلِ قَلْعِها، فسَكَنَ ألَمُها قبلَ القَلعِ، ووافَقَه الآخَرُ على ذلك، وإلَّا لَم يُصَدَّقْ إلَّا لِقَرينةٍ، وفائِدةُ عَدَمِ التَّصديقِ لُزومُ الأُجرةِ، لا أنَّه يُجبَرُ على القَلعِ، وقيلَ: إنَّه يُصَدَّقُ في سُكونِ الألَمِ، إلَّا لِقَرينةٍ تَدُلُّ على كَذِبِه؛ لأنَّه أمْرٌ لا يُعرَفُ إلَّا مِنه، قالَ الدُّسوقيُّ: والظَّاهِرُ أنَّ يَمينَه تَجري على أيمانِ التُّهمةِ في تَوجيهِها وعَدَمِ تَوجيهِها. وَفُسِخَتِ الإجارةُ بغَصبِ الدَّارِ المُستَأجَرةِ -وَكَذا الدَّابَّةُ وأرضُ الزِّراعةِ- وغَصبِ مَنفعَتِها إذا كانَ الغاصِبُ لا تَنالُه الأحكامُ، فإنْ كانَتْ تَنالُه الأحكامُ لا تَنفَسِخُ. وَمَحَلُّ فَسخِ الإجارةِ بغَصبِ العَينِ المُستَأجَرةِ، أو غَصْبِ مَنفعَتِها إذا شاءَ المُستَأجِرُ، وإنْ شاءَ بَقيَ على إجارَتِه؛ فإنْ فَسخَها كانَ لِمَالِكِ الذَّاتِ المَغصوبةِ الأُجرةُ على الغاصِبِ، وإنْ أبقاها مِنْ غيرِ فَسخٍ صارَ ذلك المُستَأجِرُ مع الغاصِبِ إذا زَرَعَ أو سَكَنَ بمَنزِلةِ المالِكِ، فتَكونَ الأُجرةُ لَه، فمَعنَى الفَسخِ في هذه المَسائِلِ أنَّها مُعَرضةٌ لِلفَسخِ، لا أنَّها تُفسَخُ بالفِعلِ. وَكذلك تَنفَسِخُ إجارةُ الحَوانِيتِ إذا أمَرَ السُّلطانُ أو ظالِمٌ بإغلاقِ الحَوانيتِ المُكتَراةِ، بحَيثُ لا يَتمكَّنُ مُستَأجِرُها مِنْ الِانتِفاعِ بها، وهو المَشهورُ، وعَلَى السُّلطانِ أو الظَّالِمِ الأُجرةُ لربِّها، حَيثُ قَصَدَ غَصْبَ المَنفَعةِ فقَط، لا الذَّاتِ.

стр. 5773

وَكذلك تَنفَسِخُ الإجارةُ بظُهورِ حَملٍ، بأنْ كانَتِ الظِّئرُ وَقتَ العَقدِ غيرَ ظاهِرةِ الحَملِ، ثم ظَهرَ؛ لِتَعذُّرِ الرَّضاعِ عادةً إذا حَمَلَتْ، لأنَّ لَبنَ الحامِلِ يَضُرُّ الرَّضيعَ، أو بمَرَضِها مَرَضًا لا تَقدِرُ معه على الرَّضاعِ، وإلَّا كانَ أهلُه بالخِيارِ. وَكذلك تَنفَسِخُ الإجارةُ إذا مَرِضَ عَبدٌ لا قُدرةَ له على فِعلِ ما استُؤجِرَ عليه، وهَرَّبَه لَكَ العَدُوُّ بأرضِ حَربٍ، أو ما نَزَل مَنزِلَتَها في البُعدِ؛ لأنَّ المُستَأجِرَ لا يُمكِنُه الِانتِفاعُ مع شَيءٍ مِنْ ذلك، ولَو رَجعَ العَبدُ مِنْ الإباقِ، أو أفاقَ مِنْ مَرَضِه في بَقيَّةِ المدَّةِ، لَزِمَه تَمامُها؛ إلَّا أنْ يَتفسَخا قبلَ ذلك. وَيَسقُطُ عن المُستَأجِرِ ما يُقابِلُ أيَّامَ الهُروبِ، فلا يَجوزُ أنْ يَتَّفِقا على قَضاءِ مدَّةِ الهُروبِ؛ لأنَّه فَسخُ ما في الذِّمةِ في مُؤَخَّرٍ؛ إذْ قد وجبَ لِلمُستَأجِرِ ما يُقابِلُ مدَّةَ الهُروبِ مِنْ الأُجرةِ، فيَفسَخانِ في شَيءٍ لا يَتعجَّلُه، اللَّهمَّ إلَّا أنْ يَكونَ قَبضَ الأُجرةِ. بِخِلافِ مَرَضِ دَابَّةٍ بسَفَرٍ، ثم تَصحُّ؛ فإنَّ الكِراءَ يَنفَسِخُ ولا يَعودُ لِمَا يَلحَقُه مِنْ الضَّررِ في السَّفَرِ بالصَّبرِ. وَخُيِّرَ المُستَأجِرُ في فَسخِ الإجارةِ إنْ ظَهرَ أنَّ العبدَ المُؤجَّرَ أو غيرَه سارِقٌ؛ لأنَّها عَيبٌ يُوجِبُ الخِيارَ، كالبَيعِ، وهذا حَيثُ كانَ استِئجارُه لِخِدمةٍ في دارِه ونَحوِها، ممَّا لا يُمكِنُ التحَفُّظُ فيه مِنه، وأمَّا لَو أجَّرَه دارًا لِيَسكُنَها ونَحوَ ذلك، فلا تَنفَسِخُ الإجارةُ؛ لتَبيُّنِ أنَّه سارِقٌ. وَخُيِّرَ إنْ رَشَدَ صَغيرٌ عَقدَ عليه وَلِيُّه مِنْ أبٍ أو وَصِيٍّ أو حاكِمٍ أو مُقدَّمٍ

стр. 5774

لَه، أي: أجرِه، وهو صَغيرٌ، ثم بَلَغَ رَشيدًا قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، أو أجْرِ سِلعَةٍ، كَدارِه أو دَوابِّه أو رَقيقِه أو نَحوِ ذلك؛ فإنَّه يُخيَّرُ بينَ الإبقاءِ لِتَمامِ المدَّةِ، وبَينَ الفَسخِ. إلَّا أنْ يُظَنَّ عَدَمُ بُلوغِه قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، فبَلَغَ، وقَد بَقيَ اليَسيرُ مِنها؛ كالشَّهرِ، ويَسيرِ الأيَّامِ، فيَلزَمُه بَقيَّةُ المدَّةِ بالنَّظَرِ لِلعَقدِ على نَفْسِه بهَذَيْنِ القَيدَيْنِ، ولا خيارَ لَه، وأمَّا على سِلَعِهِ؛ فمَذهَبُ ابنِ القاسِمِ أنَّه يَلزَمُه فيها ما يَلزَمُ في سِلَعِ السَّفيهِ، وهي ثَلاثُ سِنينَ، وهو الأرجَحُ، ومُقابِلُه قولُ أشهَبَ: أنَّ العَقدَ على سِلَعِهِ؛ كالعَقدِ عليه، لا يَلزَمُه إلَّا إذا ظَنَّ الوَلِيُّ عَدَمَ بُلوغِه، وبَقيَ كالشَّهرِ. وَحاصِلُ المَسألةِ: أنَّ الصَّغيرَ إذا عَقدَ وَلِيُّه عليه أو على سِلَعِه فبَلَغَ رَشيدًا في أثناءِ المدَّةِ فلَه الخِيارُ إذا ظَنَّ الوَلِيُّ بُلوغَه أو شَكَّ فيه مُطلَقًا، بَقيَ القَليلُ أوِ الكَثيرُ، فإنْ ظَنَّ عَدَمَ بُلوغِه في أثناءِ المدَّةِ فبَلَغَ رَشيدًا لَزِمَه في العَقدِ على نَفْسِه إنْ بَقيَ اليَسيرُ دونَ الكَثيرِ، ولَزِمَه في العَقدِ على سِلَعِه الكَثيرُ. وَكَسَفيهٍ عَقدَ وَلِيُّه على سِلَعٍ أو على نَفْسِه لِعَيشِه ثَلاثَ سِنينَ، أو أكثَرَ، فرَشَدَ في أثنائِها، فتَلزَمُ الإجارةُ، ولا خِيارَ لَهُ؛ لأنَّ الوَلِيَّ فعلَ ما يَجوزُ لَه، وليسَ لِلوَليِّ أنْ يَعقِدَ على السَّفيهِ نَفْسِه إلَّا لِعَيْشِه، وإذا أجَّرَ السَّفيهُ نَفْسَه فلا كَلامَ لِوَلِيِّه إلَّا أنْ يُحابيَ، وكَذا لا كَلامَ له إنْ رَشَدَ؛ لأنَّ تَصرُّفَه في ذلك لا حَجْرَ عليه فيه، فهو كَتَصرُّفِ الرَّشيدِ، ولا يُعتبَرُ في السَّفيهِ ظَنُّ عَدَمِ رُشدِه، ولا ظَنُّ رُشدِه حالَ العَقدِ على سِلَعِه، أو على نَفْسِه لِعَيشِه، بخِلافِ الصَّغيرِ؛ لأنَّ أمدَه مَعلومٌ، بخِلافِ الرُّشدِ.

стр. 5775

وَفُسِخَتِ الإجارةُ بمَوتٍ مُستحَقِّ وَقْفٍ أجَّرَ ذلك الوَقْفَ في حَياتِه مدَّةً مُعيَّنةً وماتَ قبلَ تَقضِّيها، وانتَقلَ الِاستِحقاقُ لِمَنْ في طَبَقَتِه، أو لِمَنْ يَليه على الأصَحِّ. يَعني أنَّ الشَّخصَ إذا وَقَفَ شَيئًا على أولادِه طَبَقةً بعدَ طَبَقةٍ، أو بَطنًا بعدَ بَطنٍ، أو على زَيدٍ وبَعدَه على عَمْرٍو، فأجَّرَتِ الطَّبَقةُ الأُولَى، أوِ البَطنُ الأولُ أو أجَّرَ زَيدٌ ثم ماتَ المُؤجِّرُ، وانتَقلَ الحَقُّ لِمَنْ بَعدَهُ؛ فإنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ، ولِمَنِ انتَقلَ إليه الوَقفُ الإجارةُ، ولَو كانَتِ المدَّةُ الباقيةُ يَسيرةً؛ لأنَّه حَقٌّ لِلآخَرينَ. وَلا تَنفَسِخُ الإجارةُ بإقرارِ المالِكِ لِلذَّاتِ المُؤجَّرةِ؛ كالدَّارِ أو العَبدِ أو الدَّابَّةِ، إذا قالَ: إنَّ الشَّيءَ المُؤجَّرَ لِغَيري، وإنَّه كانَ اشترَى ذلك مِنِّي قبلَ عَقدِ الإجارةِ؛ فلا تَنفَسِخُ الإجارةُ بذلك؛ لأنَّه يُتَّهَمُ على نَقضِها، ومِثلُ إقرارِ المالِكِ بالبَيعِ إقرارُه بالإجارةِ لِغَيرِه أيضًا، ويَأخُذُها المُقِرُّ له الذي أقَرَّ المالِكُ أنَّه باعَها أو وَهَبَها له بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ، ولَه الأكثَرُ مِنْ كِراءِ مِثلِها، وما أُكريَتْ به. وَلا تَنفَسِخُ الإجارةُ إذا تَخَلَّفَ المُكرِي عن الإتيانِ بالدَّابَّةِ في الزَمنِ الذي واعَدَ المُكتَرِي أنْ يَأتيَ له بها فيه، وإنْ فاتَ ما يَقصِدُه ويَرومُه مِنْ تَشييعِ شَخصٍ أو تَلَقِّي رَجُلٍ إنْ لَم يَكُنِ الزَمنُ مُعيَّنًا، ولَم يكُنْ حَجًّا، عُيِّنَتِ الدَّابَّةُ أو لا. أمَّا إنْ كانَ الزَمنُ مُعيَّنًا؛ كأكتَرِي مِنْكَ دَابَّتكَ لِأركَبَ عليها في هذا اليَومِ، أو لِتَخدُمَني أو تَخيطَ لي أو تَطحَنَ لي في هذا اليَومِ، أو قالَ: أحُجُّ عليها، فلَم يَأتِ المُكري بالشَّيءِ المُكرَى إلى أنِ انقَضَى ذلك الزَمنُ المُعيَّنُ أو فاتَ الحَجُّ؛ فإنَّ الكِراءَ يَنفَسِخُ؛ لأنَّ أيَّامَ الحَجِّ مُعيَّنَةٌ، فإذا فاتَتِ

стр. 5776

انفَسخَ الكِراءُ، وكذلك كلُّ ما اكتُرِي أيَّامًا بعَينِها، وليسَ لِلمُكتَرِي الرِّضا مع المُكري بالتَّمادي على الإجارةِ إذا نَقَدَ الكِراءَ؛ لِلُزومِ فَسخِ الدَّيْنِ في الدَّيْنِ؛ فإنْ لَم يُنقَدْ يَجوزُ؛ لِانتِفاءِ العِلَّةِ المَذكورةِ، والمُرادُ بالزَمنِ المُعيَّنِ ألَّا يَجمَعَ معه العَملَ، أمَّا إنْ جَمَعَ بَينَهما؛ فالعِبرةُ بالعَملِ، كَأنْ يَقولَ: أكَترِي مِنْكَ دَابَّتكَ أركَبُ عليها في هذا اليَومِ، أو ثَورَكَ أطَحنُ عليه إردَبًّا في هذا اليَومِ، أو نَحوَ ذلك؛ فالعِبرةُ بالرُّكوبِ والطَّحنِ، ولا عِبرةَ بخُصوصِ الزَمنِ، وأمَّا الحَجُّ فهو غيرُ مُعيَّنٍ، لَكنَّه أُلحِقَ به، أيْ: فحَقيقَتُه غيرُ مُعيَّنةٍ؛ لأنَّها كَما تُوجَدُ في هذا العامِ، تُوجَدُ في العامِ الثَّاني، وإنْ كانَتْ أيَّامًا مُعيَّنةً. وَكَذا لا تَنفَسِخُ الإجارةُ بظُهورِ المُستَأجِرِ فاسِقًا يَشرَبُ فيها الخَمرَ أو يَزْني أو يُظهِرُ فيها الدَّعارةَ والطَّنابيرَ والزَّمْرَ أو نَحوَ ذلك، إلَّا أنَّ الحاكِمَ يَأمُرُه بالكَفِّ عن ذلك، فإنْ لَم يَنْتَهِ أجَّرَها عليه، وأخرَجَهُ مِنها. قالَ اللَّخميُّ: وأرَى أنْ يُخرِجَه مِنها إنْ لَم يَتيسَّرْ كِراؤُها مِنْ يَومِه، ومَا قارَبَ ذلك حتى يَأتيَ مَنْ يَكتَريها، فإنْ لَم يَجِدْ مُكتَريًا حتى خَرجَ الشَّهرُ الذي أكراه، لَم يَسقُطْ عنه الكِراءُ، وهذا في الكِراءِ الوَجيبةِ، أو المُشاهَرةِ، ونَقدِ الأُجرةِ؛ وإلَّا فالعَقدُ غيرُ لَازِمٍ (١).

стр. 5777

وقالَ الشافِعيَّةُ: الطَّوارِئُ المُوجِبةُ لِلفَسخِ -فالفَسخُ والِانفِساخُ يثبُتُ بخَلَلٍ يَعرِضُ في المَعقودِ عليه- ثَلاثةُ أقسامٍ: أحَدُها: ما يَنقُصُ المَنفَعةَ، ومتى ظَهرَ بالمُستَأجَرةِ نَقصٌ تَتفاوَتُ به الأُجرةُ فهو عَيبٌ مُثبِتٌ لِلفَسخِ، وذلك كَمَرَضِ العَبدِ والدَّابَّةِ وانقِطاعِ ماءِ البِئرِ وتَغيُّرِه -بحَيثُ يَمنَعُ الشُّربَ-، وانكِسارِ دَعائِمِ الدَّارِ واعوِجاجِها، وانهِدامِ بَعضِ جُدرانِها، لَكِنْ لَو بادَرَ المُؤجِّرُ إلى الإصلاحِ، وكانَ قابِلًا لِلإصلاحِ في الحالِ سقطَ خِيارُ المُستَأجِرِ، كَما سَبَقَ، وسَواءٌ كانَ العَيبُ سابِقًا لِلعَقدِ، أوِ القَبضِ، أو حادِثًا في يَدِ المُستَأجِرِ. ثم إنْ ظَهرَ العَيبُ قبلَ مُضِيِّ مدَّةٍ لَها أُجرةٌ؛ فإنْ شاءَ فَسخَ ولا شَيءَ عليه، وإنْ شاءَ أجازَ بجَميعِ الأُجرةِ. وإنْ ظَهرَ في أثناءِ المدَّةِ قالَ النَّوَويُّ: فالوَجْهُ ما ذكرَه المُتوَلِّي، وهو أنَّه إنْ أرادَ الفَسخَ في جَميعِ المدَّةِ فهو كَما لَوِ اشترَى عبدَيْنِ فتَلِفَ أحَدَهُما ثم وَجَدَ بالباقي عَيبًا، وأرادَ الفَسخَ فيهِما. وإنْ أرادَ الفَسخَ فيما بَقيَ مِنْ المدَّةِ فهو كَما لَو أرادَ الفَسخَ في العَبدِ الباقي وَحدَه، وحُكمُهما مَذكورٌ في البَيعِ، وأطلَقَ الجُمهورُ القَولَ بأنَّ له الفَسخَ، ولَم يَتعرَّضوا لِهَذا التَّفصيلِ. ومتى امتَنَعَ الفَسخُ فلَه الأرشُ، فيُعرَفُ أُجرةُ مِثلِه سَليمًا ومَعيبًا، ويُعرَفُ التَّفاوُتُ بَينَهما، هذا كلُّه في إجارةِ العَينِ. أمَّا إذا وُجِدَ في إجارةِ الذِّمةِ بالدَّابَّةِ المُسلَّمةِ عَيبٌ؛ فلا فَسخَ، بَلْ يَرُدُّها ويَلزَمُ المُؤجِّرَ إبدالُها. القِسمُ الثَّاني: فَواتُ المَنفَعةِ بالكُليَّةِ حِسًّا، فمِن صُوَرِه مَوتُ الدَّابَّةِ

стр. 5778

والأجيرِ المُعيَّنِ؛ فإنْ كانَ قبلَ القَبضِ أو عَقِبَه، قبلَ مُضيِّ مدَّةٍ لِمِثلِها أُجرةٌ انفَسخَ العَقدُ. وإنْ كانَ في خِلالِ المدَّةِ انفَسخَ العَقدُ في الباقي، لا الماضي، في الأظهَرِ؛ لأنَّه استَقرَّ بالقَبضِ. وَمُقابِلُ الأظهَرِ: تَنفَسِخُ فيه أيضًا؛ لأنَّ العَقدَ واحِدٌ، وقَدِ انفَسخَ في جَميعِ المدَّةِ. فَإنْ قُلْنا: يَنفَسِخُ في الماضي، سقطَ المُسمَّى، ووجبَ أُجرةُ المِثلِ لِمَا مَضَى. وإنْ قُلْنا: لا يَنفَسِخُ فيه، فهَلْ له خِيارُ الفَسخِ؟ وَجهانِ: أصَحُّهُما: عندَ الإمامِ والبَغَويِّ: لا؛ لأنَّ مَنافِعَه استُهلِكَتْ. والآخَرُ: نَعَمْ، وبِه قَطَعَ ابنُ الصَّباغِ، وآخَرونَ؛ لأنَّ جَميعَ المَعقودِ عليه لَم يُسَلَّمْ؛ فإنْ قُلنا: له الفَسخُ، ففَسخَ، رَجعَ إلى أُجرةِ المِثلِ. وإنْ قُلْنا: لا فَسخَ، أو أجازَ، وجبَ قِسطُ ما مَضَى مِنْ المُسمَّى، والتَّوزيعُ على قِيمةِ المَنفَعةِ، وهي أُجرةُ المِثلِ، لا على الزَّمانِ نَفْسِه، وذلك يَختَلِفُ، فرُبَّما تَزيدُ أُجرةُ شَهرٍ على أُجرةِ شَهرَيْنِ؛ لِكَثرةِ الرَّغَباتِ في ذلك الشَّهرِ. وإنْ كانَتْ مدَّةُ الإجارةِ سَنَةً ومَضَى نِصفُها، وكانَتْ أُجرةُ المِثلِ فيه مثلًا أُجرةَ المِثلِ في النِّصفِ الباقي، وجبَ مِنْ المُسمَّى ثُلُثاه، وإنْ كانَتْ بالعَكسِ وجبَ ثُلُثُه. وَإذا أثبَتْنا الخِيارَ بعَيبٍ ففُسِخَ العَقدُ في المُستَقبَلِ، ففي الِانفِساخِ في الماضي الطَّريقانِ؛ فإنْ لَم يَنفَسِخْ فطَريقُ التَّوزيعِ ما بيَّنَّاه، وإنْ أجازَه فعليه الأُجرةُ المُسمَّاةُ بتَمامِها، كَما لَو رَضيَ بعَيبِ المَبيعِ لَزِمَه جَميعُ الثَّمنِ.

стр. 5779

وَسَواءٌ حَصَلَ التَّلَفُ بآفةٍ سَماويَّةٍ، أو بفِعلِ المُستَأجِرِ، بَلْ لَو قُتِلَ العَبدُ أو الدَّابَّةُ المُعيَّنةُ، كانَ حُكمُ الِانفِساخِ والأُجرةِ ما ذَكَرْناه، ويَلزَمُه قِيمةُ ما أتلَفَ، وعَنِ ابنِ أبي هُرَيرةَ أنَّه تَستقِرُّ عليه الأُجرةُ المُسمَّاةُ بالإتلافِ، كَما يَستقِرُّ الثَّمنُ على المُشتَرِي بإتلافِه. والصَّحيحُ الأولُ؛ لأنَّ البَيعَ وَردَ على العَينِ؛ فإذا أتلَفَها صارَ قابِضًا، والإجارةُ وارِدةٌ على المَنافِعِ، ومَنافِعُ الزَمنِ المُستَقبَلِ مَعدومةٌ لا يُتصوَّرُ وُرُودُ الإتلافِ عليها، وعَلَى هذا لَو عَيَّبَ المُستَأجِرُ الدَّارَ أو جَرَحَ العبدَ فهو كالتَّعَيُّبِ بآفةٍ سَماويةٍ في ثُبوتِ الخِيارِ. وَتَنفَسِخُ الإجارةُ بانهِدامِ الدَّارِ على الأظهَرِ؛ لِزَوالِ الِاسمِ وفَواتِ المَنفَعةِ. وَفي مُقابِلِ الأظهَرِ لا تَنفَسِخُ. وأمَّا لَو تَشعَّثَتِ الدَّارُ ولَم تَنهَدِمْ؛ فإنَّها لا تَنفَسِخُ، بَلْ يثبُتُ الخِيارُ على التَّراخِي. وَإذا اكتَرى أرضًا لِلزِّراعةِ ولَها ماءٌ مُعتادٌ، فانقَطَعَ، فليسَ له فَسخُ العَقدِ على الأظهَرِ؛ لِبَقاءِ اسمِ الأرضِ، مع إمكانِ زِراعَتِها بالأمطارِ، بَلْ يثبُتُ الخِيارُ لِلعَيْبِ على التَّراخي؛ لأنَّ سَبَبَه تَعذُّرُ قَبضِ المَنفَعةِ، وذلك يَتكرَّرُ بتكَرُّرِ الزَّمانِ. وَإنَّما يثبُتُ الخِيارُ إذا انقَطَعَتِ الزِّراعةُ؛ فإنْ قالَ المُؤجِّرُ: أنا أسوقُ إلَيها ماءً مِنْ مَوضِعٍ آخَرَ، سقطَ الخيارُ، كَما لَو بادَرَ إلى إصلاحِ الدَّارِ. وأمَّا مُجرَّدُ الوَعدِ بأنَّه يَسوقُ الماءَ فيَنبَغي ألَّا يُكتَفَى به.

стр. 5780

وَفي مُقابِلِ الأظهَرِ تَنفَسِخُ. فَإنْ قُلْنا: بالِانفِساخِ فالحُكمُ كَمَوتِ العَبدِ؛ وإلَّا فلَه الفَسخُ في المدَّةِ الباقيةِ، وفي الماضي الوَجهانِ، فإنْ مَنَعْناه فعليه قِسطُ ما مَضَى مِنْ المُسمَّى، وإنْ أجازَ لَزِمَه المُسمَّى كلُّه، وقيلَ: يُحَطُّ؛ لِلِانهِدامِ وانقِطاعِ الماءِ ما يَخُصُّه. وأمَّا لَو غَرِقَتِ الأرضُ بماءِ نَبَعَ فيها، أو سَيلٍ؛ فإنَّه كانهِدامِ الدَّارِ. القِسمُ الثَّالث: فَواتُ المَنفَعةِ شَرعًا، كَفَواتِها حِسًّا في اقتِضاءِ الِانفِساخِ؛ لِتَعذُّرِ الِاستِيفاءِ، فإذا استُؤجِرَ لِقَلْعِ سِنٍّ وَجِعةٍ أو يَدٍ مُتآكِلةٍ أو لِاستِيفاءِ قِصاصٍ في نَفْسٍ أو طَرَفٍ، فالإجارةُ صَحيحةٌ على الأصَحِّ، كَما سَبَقَ؛ فإذا زالَ الوَجَعُ أو عُفِيَ عن القِصاصِ فقَد أطلَقَ الجُمهورُ أنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ، وفيه كَلامانِ: أحَدُهما: أنَّ المَنفَعةَ في هذه الإجارةِ مَضبوطةٌ بالعَملِ دونَ الزَّمانِ، وهو غيرُ مَيْئُوسٍ مِنه؛ لِاحتِمالِ عَودِ الوَجَعِ، فليكُنْ زَوالُ الوَجَعِ؛ كَغَصْبِ المُستَأجَرةِ حتى يَثبُتَ خِيارُ الفَسخِ دونَ الِانفِساخِ. والآخَرُ: حَكَى الشَّيخُ أبو مُحمَّدٍ وَجهًا أنَّ الإجارةَ لا تَنفَسِخُ، بَلْ يُستَعمَلُ الأجيرُ في قَلعِ مِسمارٍ أو وَتَدٍ، ويُراعَى تَداني العَملَيْنِ، وهذا ضَعيفٌ، والقَوِيُّ ما قيلَ مِنْ أنَّ الحُكمَ بالِانفِساخِ جَوابٌ على أنَّ المُستَوفَى به لا يُبَدَّلُ؛ فإنْ جَوَّزْناه أمَرَه بقَلعِ سِنٍّ وَجِعةٍ لِغَيرِه. وَقالوا: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ عَينًا كانَتْ أو ذِمَّةً بعُذرٍ في غيرِ المَعقودِ عليه، سَواءٌ كانَ مِنْ المُؤجِّرِ أوِ المُستَأجِرِ، ولا يثبُتُ به فَسخٌ.
следующие страницы →