انفَسخَ الكِراءُ، وكذلك كلُّ ما اكتُرِي أيَّامًا بعَينِها، وليسَ لِلمُكتَرِي الرِّضا مع المُكري بالتَّمادي على الإجارةِ إذا نَقَدَ الكِراءَ؛ لِلُزومِ فَسخِ الدَّيْنِ في الدَّيْنِ؛ فإنْ لَم يُنقَدْ يَجوزُ؛ لِانتِفاءِ العِلَّةِ المَذكورةِ، والمُرادُ بالزَمنِ المُعيَّنِ ألَّا يَجمَعَ معه العَملَ، أمَّا إنْ جَمَعَ بَينَهما؛ فالعِبرةُ بالعَملِ، كَأنْ يَقولَ: أكَترِي مِنْكَ دَابَّتكَ أركَبُ عليها في هذا اليَومِ، أو ثَورَكَ أطَحنُ عليه إردَبًّا في هذا اليَومِ، أو نَحوَ ذلك؛ فالعِبرةُ بالرُّكوبِ والطَّحنِ، ولا عِبرةَ بخُصوصِ الزَمنِ، وأمَّا الحَجُّ فهو غيرُ مُعيَّنٍ، لَكنَّه أُلحِقَ به، أيْ: فحَقيقَتُه غيرُ مُعيَّنةٍ؛ لأنَّها كَما تُوجَدُ في هذا العامِ، تُوجَدُ في العامِ الثَّاني، وإنْ كانَتْ أيَّامًا مُعيَّنةً.
وَكَذا لا تَنفَسِخُ الإجارةُ بظُهورِ المُستَأجِرِ فاسِقًا يَشرَبُ فيها الخَمرَ أو يَزْني أو يُظهِرُ فيها الدَّعارةَ والطَّنابيرَ والزَّمْرَ أو نَحوَ ذلك، إلَّا أنَّ الحاكِمَ يَأمُرُه بالكَفِّ عن ذلك، فإنْ لَم يَنْتَهِ أجَّرَها عليه، وأخرَجَهُ مِنها. قالَ اللَّخميُّ: وأرَى أنْ يُخرِجَه مِنها إنْ لَم يَتيسَّرْ كِراؤُها مِنْ يَومِه، ومَا قارَبَ ذلك حتى يَأتيَ مَنْ يَكتَريها، فإنْ لَم يَجِدْ مُكتَريًا حتى خَرجَ الشَّهرُ الذي أكراه، لَم يَسقُطْ عنه الكِراءُ، وهذا في الكِراءِ الوَجيبةِ، أو المُشاهَرةِ، ونَقدِ الأُجرةِ؛ وإلَّا فالعَقدُ غيرُ لَازِمٍ (١).
стр. 5777
وقالَ الشافِعيَّةُ: الطَّوارِئُ المُوجِبةُ لِلفَسخِ -فالفَسخُ والِانفِساخُ يثبُتُ بخَلَلٍ يَعرِضُ في المَعقودِ عليه- ثَلاثةُ أقسامٍ:
أحَدُها: ما يَنقُصُ المَنفَعةَ، ومتى ظَهرَ بالمُستَأجَرةِ نَقصٌ تَتفاوَتُ به الأُجرةُ فهو عَيبٌ مُثبِتٌ لِلفَسخِ، وذلك كَمَرَضِ العَبدِ والدَّابَّةِ وانقِطاعِ ماءِ البِئرِ وتَغيُّرِه -بحَيثُ يَمنَعُ الشُّربَ-، وانكِسارِ دَعائِمِ الدَّارِ واعوِجاجِها، وانهِدامِ بَعضِ جُدرانِها، لَكِنْ لَو بادَرَ المُؤجِّرُ إلى الإصلاحِ، وكانَ قابِلًا لِلإصلاحِ في الحالِ سقطَ خِيارُ المُستَأجِرِ، كَما سَبَقَ، وسَواءٌ كانَ العَيبُ سابِقًا لِلعَقدِ، أوِ القَبضِ، أو حادِثًا في يَدِ المُستَأجِرِ.
ثم إنْ ظَهرَ العَيبُ قبلَ مُضِيِّ مدَّةٍ لَها أُجرةٌ؛ فإنْ شاءَ فَسخَ ولا شَيءَ عليه، وإنْ شاءَ أجازَ بجَميعِ الأُجرةِ. وإنْ ظَهرَ في أثناءِ المدَّةِ قالَ النَّوَويُّ: فالوَجْهُ ما ذكرَه المُتوَلِّي، وهو أنَّه إنْ أرادَ الفَسخَ في جَميعِ المدَّةِ فهو كَما لَوِ اشترَى عبدَيْنِ فتَلِفَ أحَدَهُما ثم وَجَدَ بالباقي عَيبًا، وأرادَ الفَسخَ فيهِما. وإنْ أرادَ الفَسخَ فيما بَقيَ مِنْ المدَّةِ فهو كَما لَو أرادَ الفَسخَ في العَبدِ الباقي وَحدَه، وحُكمُهما مَذكورٌ في البَيعِ، وأطلَقَ الجُمهورُ القَولَ بأنَّ له الفَسخَ، ولَم يَتعرَّضوا لِهَذا التَّفصيلِ. ومتى امتَنَعَ الفَسخُ فلَه الأرشُ، فيُعرَفُ أُجرةُ مِثلِه سَليمًا ومَعيبًا، ويُعرَفُ التَّفاوُتُ بَينَهما، هذا كلُّه في إجارةِ العَينِ.
أمَّا إذا وُجِدَ في إجارةِ الذِّمةِ بالدَّابَّةِ المُسلَّمةِ عَيبٌ؛ فلا فَسخَ، بَلْ يَرُدُّها ويَلزَمُ المُؤجِّرَ إبدالُها.
القِسمُ الثَّاني: فَواتُ المَنفَعةِ بالكُليَّةِ حِسًّا، فمِن صُوَرِه مَوتُ الدَّابَّةِ
стр. 5778
والأجيرِ المُعيَّنِ؛ فإنْ كانَ قبلَ القَبضِ أو عَقِبَه، قبلَ مُضيِّ مدَّةٍ لِمِثلِها أُجرةٌ انفَسخَ العَقدُ. وإنْ كانَ في خِلالِ المدَّةِ انفَسخَ العَقدُ في الباقي، لا الماضي، في الأظهَرِ؛ لأنَّه استَقرَّ بالقَبضِ.
وَمُقابِلُ الأظهَرِ: تَنفَسِخُ فيه أيضًا؛ لأنَّ العَقدَ واحِدٌ، وقَدِ انفَسخَ في جَميعِ المدَّةِ.
فَإنْ قُلْنا: يَنفَسِخُ في الماضي، سقطَ المُسمَّى، ووجبَ أُجرةُ المِثلِ لِمَا مَضَى. وإنْ قُلْنا: لا يَنفَسِخُ فيه، فهَلْ له خِيارُ الفَسخِ؟ وَجهانِ:
أصَحُّهُما: عندَ الإمامِ والبَغَويِّ: لا؛ لأنَّ مَنافِعَه استُهلِكَتْ.
والآخَرُ: نَعَمْ، وبِه قَطَعَ ابنُ الصَّباغِ، وآخَرونَ؛ لأنَّ جَميعَ المَعقودِ عليه لَم يُسَلَّمْ؛ فإنْ قُلنا: له الفَسخُ، ففَسخَ، رَجعَ إلى أُجرةِ المِثلِ.
وإنْ قُلْنا: لا فَسخَ، أو أجازَ، وجبَ قِسطُ ما مَضَى مِنْ المُسمَّى، والتَّوزيعُ على قِيمةِ المَنفَعةِ، وهي أُجرةُ المِثلِ، لا على الزَّمانِ نَفْسِه، وذلك يَختَلِفُ، فرُبَّما تَزيدُ أُجرةُ شَهرٍ على أُجرةِ شَهرَيْنِ؛ لِكَثرةِ الرَّغَباتِ في ذلك الشَّهرِ. وإنْ كانَتْ مدَّةُ الإجارةِ سَنَةً ومَضَى نِصفُها، وكانَتْ أُجرةُ المِثلِ فيه مثلًا أُجرةَ المِثلِ في النِّصفِ الباقي، وجبَ مِنْ المُسمَّى ثُلُثاه، وإنْ كانَتْ بالعَكسِ وجبَ ثُلُثُه.
وَإذا أثبَتْنا الخِيارَ بعَيبٍ ففُسِخَ العَقدُ في المُستَقبَلِ، ففي الِانفِساخِ في الماضي الطَّريقانِ؛ فإنْ لَم يَنفَسِخْ فطَريقُ التَّوزيعِ ما بيَّنَّاه، وإنْ أجازَه فعليه الأُجرةُ المُسمَّاةُ بتَمامِها، كَما لَو رَضيَ بعَيبِ المَبيعِ لَزِمَه جَميعُ الثَّمنِ.
стр. 5779
وَسَواءٌ حَصَلَ التَّلَفُ بآفةٍ سَماويَّةٍ، أو بفِعلِ المُستَأجِرِ، بَلْ لَو قُتِلَ العَبدُ أو الدَّابَّةُ المُعيَّنةُ، كانَ حُكمُ الِانفِساخِ والأُجرةِ ما ذَكَرْناه، ويَلزَمُه قِيمةُ ما أتلَفَ، وعَنِ ابنِ أبي هُرَيرةَ أنَّه تَستقِرُّ عليه الأُجرةُ المُسمَّاةُ بالإتلافِ، كَما يَستقِرُّ الثَّمنُ على المُشتَرِي بإتلافِه.
والصَّحيحُ الأولُ؛ لأنَّ البَيعَ وَردَ على العَينِ؛ فإذا أتلَفَها صارَ قابِضًا، والإجارةُ وارِدةٌ على المَنافِعِ، ومَنافِعُ الزَمنِ المُستَقبَلِ مَعدومةٌ لا يُتصوَّرُ وُرُودُ الإتلافِ عليها، وعَلَى هذا لَو عَيَّبَ المُستَأجِرُ الدَّارَ أو جَرَحَ العبدَ فهو كالتَّعَيُّبِ بآفةٍ سَماويةٍ في ثُبوتِ الخِيارِ.
وَتَنفَسِخُ الإجارةُ بانهِدامِ الدَّارِ على الأظهَرِ؛ لِزَوالِ الِاسمِ وفَواتِ المَنفَعةِ.
وَفي مُقابِلِ الأظهَرِ لا تَنفَسِخُ.
وأمَّا لَو تَشعَّثَتِ الدَّارُ ولَم تَنهَدِمْ؛ فإنَّها لا تَنفَسِخُ، بَلْ يثبُتُ الخِيارُ على التَّراخِي.
وَإذا اكتَرى أرضًا لِلزِّراعةِ ولَها ماءٌ مُعتادٌ، فانقَطَعَ، فليسَ له فَسخُ العَقدِ على الأظهَرِ؛ لِبَقاءِ اسمِ الأرضِ، مع إمكانِ زِراعَتِها بالأمطارِ، بَلْ يثبُتُ الخِيارُ لِلعَيْبِ على التَّراخي؛ لأنَّ سَبَبَه تَعذُّرُ قَبضِ المَنفَعةِ، وذلك يَتكرَّرُ بتكَرُّرِ الزَّمانِ.
وَإنَّما يثبُتُ الخِيارُ إذا انقَطَعَتِ الزِّراعةُ؛ فإنْ قالَ المُؤجِّرُ: أنا أسوقُ إلَيها ماءً مِنْ مَوضِعٍ آخَرَ، سقطَ الخيارُ، كَما لَو بادَرَ إلى إصلاحِ الدَّارِ. وأمَّا مُجرَّدُ الوَعدِ بأنَّه يَسوقُ الماءَ فيَنبَغي ألَّا يُكتَفَى به.
стр. 5780
وَفي مُقابِلِ الأظهَرِ تَنفَسِخُ.
فَإنْ قُلْنا: بالِانفِساخِ فالحُكمُ كَمَوتِ العَبدِ؛ وإلَّا فلَه الفَسخُ في المدَّةِ الباقيةِ، وفي الماضي الوَجهانِ، فإنْ مَنَعْناه فعليه قِسطُ ما مَضَى مِنْ المُسمَّى، وإنْ أجازَ لَزِمَه المُسمَّى كلُّه، وقيلَ: يُحَطُّ؛ لِلِانهِدامِ وانقِطاعِ الماءِ ما يَخُصُّه.
وأمَّا لَو غَرِقَتِ الأرضُ بماءِ نَبَعَ فيها، أو سَيلٍ؛ فإنَّه كانهِدامِ الدَّارِ.
القِسمُ الثَّالث: فَواتُ المَنفَعةِ شَرعًا، كَفَواتِها حِسًّا في اقتِضاءِ الِانفِساخِ؛ لِتَعذُّرِ الِاستِيفاءِ، فإذا استُؤجِرَ لِقَلْعِ سِنٍّ وَجِعةٍ أو يَدٍ مُتآكِلةٍ أو لِاستِيفاءِ قِصاصٍ في نَفْسٍ أو طَرَفٍ، فالإجارةُ صَحيحةٌ على الأصَحِّ، كَما سَبَقَ؛ فإذا زالَ الوَجَعُ أو عُفِيَ عن القِصاصِ فقَد أطلَقَ الجُمهورُ أنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ، وفيه كَلامانِ:
أحَدُهما: أنَّ المَنفَعةَ في هذه الإجارةِ مَضبوطةٌ بالعَملِ دونَ الزَّمانِ، وهو غيرُ مَيْئُوسٍ مِنه؛ لِاحتِمالِ عَودِ الوَجَعِ، فليكُنْ زَوالُ الوَجَعِ؛ كَغَصْبِ المُستَأجَرةِ حتى يَثبُتَ خِيارُ الفَسخِ دونَ الِانفِساخِ.
والآخَرُ: حَكَى الشَّيخُ أبو مُحمَّدٍ وَجهًا أنَّ الإجارةَ لا تَنفَسِخُ، بَلْ يُستَعمَلُ الأجيرُ في قَلعِ مِسمارٍ أو وَتَدٍ، ويُراعَى تَداني العَملَيْنِ، وهذا ضَعيفٌ، والقَوِيُّ ما قيلَ مِنْ أنَّ الحُكمَ بالِانفِساخِ جَوابٌ على أنَّ المُستَوفَى به لا يُبَدَّلُ؛ فإنْ جَوَّزْناه أمَرَه بقَلعِ سِنٍّ وَجِعةٍ لِغَيرِه.
وَقالوا: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ عَينًا كانَتْ أو ذِمَّةً بعُذرٍ في غيرِ المَعقودِ عليه، سَواءٌ كانَ مِنْ المُؤجِّرِ أوِ المُستَأجِرِ، ولا يثبُتُ به فَسخٌ.
стр. 5781
كَما إذا استَأجَرَ دَابَّةً لِلسَّفَرِ عليها، فمَرِضَ، أو حانوتًا لِحِرفةٍ، فانَهدَمَ، أو هَلَكَتْ آلاتُ تلك الحِرفةِ، أو حَمَّامًا، فتَعذَّرَ الوَقودُ.
وَكَذا لَو كانَ العُذرُ لِلمُؤجِّرِ بأنْ مَرِضَ وعَجَزَ عن الخُروجِ مع الدَّابَّةِ، أو أكرَى دارَه وأهلُه مُسافِرونَ، فعادوا واحتاجَ إلى الدَّارِ، أو تَأهَّلَ، فلا فَسخَ في شَيءٍ مِنها؛ إذْ لا خَلَلَ في المَعقودِ عليه.
والمَعنَى في الجَميعِ أنَّه لا خَلَلَ في المَعقودِ عليه، والِاستِنابةُ مِنْ كُلٍّ مِنهما مُمكِنةٌ.
وَمَحَلُّ عَدَمِ الِانفِساخِ في غيرِ العُذرِ الشَّرعيِّ، أمَّا هو فكَمَنِ استَأجَرَ شَخصًا لِقَلعِ سِنٍّ مُؤلِمةٍ فزالَ الألَمُ؛ فإنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ؛ لِتَعذُّرِ قَلعِها حينئذٍ شَرعًا.
تَنبيهٌ: يُستَثنَى مِنْ ذلك إجارةُ الإمامِ ذِمِّيًّا لِلجِهادِ، وتَعذَّرَ لِصُلحٍ حَصَلَ قبلَ مَسيرِ الجَيشِ؛ فإنَّه عُذرٌ لِلإمامِ يَستَرجِعُ به كلَّ الأُجرةِ، كَما قالَه الماوَرديُّ.
وَإفلاسُ المُستَأجِرِ قبلَ تَسليمِ الأُجرةِ ومُضِيِّ المدَّةِ؛ فإنَّه يُوجِبُ لِلمُؤجِّرِ الفَسخَ، كَما أطلَقَه في الرَّوضةِ، وأصْلُها في بابِ التَّفليسِ.
وَأفتَى ابنُ الصَّلاحِ ﵀ بأنَّ الإجارةَ لا تَنفَسِخُ بالإفلاسِ، إذا كانَتِ الأُجرةُ تُستحَقُّ آخِرَ كلِّ شَهرٍ؛ لأنَّ الأُجرةَ قبلَ انقِضاءِ الشَّهرِ لَم تُستَحقَّ، وبَعدَه فاتَتِ المَنفَعةُ، وهَكَذا العَملُ في كلِّ شَهرٍ، وحينئذٍ لا يُتصوَّرُ فيها الفَسخُ، وإنَّما يُتصوَّرُ إذا كانَتِ الإجارةُ كلُّها حالَّةً.
стр. 5782
وَعَدَمُ دُخولِ النَّاسِ الحَمَّامَ المُستَأجَرَ بسَبَبِ فِتنةٍ حادِثةٍ أو خَرابِ النَّاحِيةِ لَيسَ بعَيبٍ يُثبِتُ الخِيارَ، كَما قالَه الزَّركَشيُّ، خِلافًا لِلرُّويانيِّ؛ إذْ لا خَلَلَ في المَعقودِ عليه.
وَلَوِ اكتَرى أرضًا لِلزِّراعةِ فزَرَعَها فهَلَكَ الزَّرعُ بجائِحةٍ مِنْ سَيلٍ أو شِدَّةِ حَرٍّ أو بَردٍ أو كَثرةِ مَطَرٍ، ونَحوِها، فليسَ له الفَسخُ ولا حَطُّ شَيءٍ مِنْ الأُجرةِ؛ لأنَّ الجائِحةَ لَحِقَتْ زَرْعَ المُستَأجِرِ، لا مَنفَعةَ الأرضِ، فصارَ كَما لَوِ اكتَرى دُكَّانًا لِبَيعِ البَزِّ فاحتَرقَ بَزُّه لا تَنفَسِخُ الإجارةُ.
فَلَو فَسَدَتِ الأرضُ بجائِحةٍ أبطَلَتْ قُوَّةَ الإنباتِ في مدَّةِ الإجارةِ انفَسخَتِ الإجارةُ في المدَّةِ الباقِيةِ، ثم إنْ كانَ فَسادُ الأرضِ بعدَ فَسادِ الزَّرعِ، فهَلْ يَستَرِدُّ شَيئًا مِنْ الأُجرةِ؟ فيه احتِمالَانِ لِلإمامِ:
أصَحُّهُما: عندَ الغَزاليِّ المَنعُ؛ لأنَّه لَو بَقِيَتْ صَلاحيةُ الأرضِ لَم يكُنْ لِلمُستَأجِرِ فيها نَفْعٌ بعدَ فَواتِ الزَّرعِ.
والآخَرُ: وبِه قَطَعَ بَعضُ أصحابِ الإمامِ: يَستَرِدُّ؛ لأنَّ بَقاءَ الأرضِ على صِفَتِها مَطلوبٌ؛ فإذا زالَ ثبَتَ الِانفِساخُ.
وإنْ كانَ فَسادُ الزَّرعِ بعدَ فَسادِ الأرضِ؛ فأصَحُّ الِاحتِمالَيْنِ بالِاتِّفاقِ الِاستِردادُ.
وَلا تَنفَسِخُ الإجارةُ ولَو ذِمَّةً بمَوتِ العاقِدَيْنِ أو أحَدِهِما، بَلْ تَبقَى إلى انقِضاءِ المدَّةِ؛ لأنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فلا تَنفَسِخُ بالمَوتِ؛ كالبَيعِ، وتُترَكُ العَينُ بعدَ مَوتِ المُؤجِّرِ عندَ المُستَأجِرِ، أو وارِثِه؛ لِيَستَوفِيَ مِنها المَنفَعةَ، فإنْ
стр. 5783
كانَتِ الإجارةُ على الذِّمةِ فما التَزَمه دَيْنٌ عليه، فإنْ كانَ في التَّرِكةِ وَفاءٌ استُؤجِرَ مِنها لَتَوفِيَته، وإلَّا فالوارِثُ بالخِيارِ، إنْ شاءَ وَفَّاهُ واستَحقَّ الأُجرةَ، وإنْ شاءَ أعرَضَ، فلِلمُستَأجِرِ فَسخُ الإجارةِ.
وَيُستَثْنَى مِنْ ذلك ما لَو أوْصَى بدارِه لِزَيدٍ مدَّةَ عُمرِ زَيدٍ، فقَبِلَ الوَصيةَ، وأجَّرَها زَيدٌ مدَّةً، ثم ماتَ في خِلالِها، انفَسخَتِ الإجارةُ؛ لِانتِهاءِ حَقِّه بمَوتِه.
وَلا تَنفَسِخُ أيضًا بمَوتِ مُتوَلِّي الوَقْفِ مِنْ حاكِمٍ أو مَنصوبِه أو مَنْ شرطَ له النَّظَرَ على جَميعِ البُطونِ.
وَلَو أجَّرَ البَطنُ الأولُ مِنْ المَوقوفِ عليهمُ العَينَ المَوقوفةَ مدَّةً وماتَ البَطنُ المُؤجِّرُ قبلَ تَمامِها، وشرطَ الواقِفُ لكلِّ بَطنٍ مِنهمُ النَّظَرَ في حِصَّتِه مدَّةَ استِحقاقِه فَقَطْ.
أو أجَّرَ الوَلِيُّ صَبِيًّا أو مالَه مدَّةً لا يَبلُغُ فيها الصَّبِيُّ بالسِّنِّ، فبَلَغَ فيها بالِاحتِلامِ، وهو رَشيدٌ؛ فالأصَحُّ انفِساخُها فيما بَقِيَ مِنْ المدَّةِ في الوَقفِ؛ لأنَّ الوَقفَ انتَقلَ استِحقاقُه بمَوتِ المُؤجِّرِ لِغَيرِه، ولا وِلايةَ له عليه ولا نِيابَةَ لا في الصَّبِيِّ، فلا تَنفَسِخُ؛ لأنَّ الوَلِيَّ بَنَى تَصرُّفَه على المَصلَحةِ مع عَدَمِ تَقييدِ نَظَرِه، ومِثْلُ بُلُوغِه بالإنزالِ إفاقةُ مَجنونٍ ورُشدُ سَفيهٍ.
والثَّاني: لا تَنفَسِخُ في الوَقفِ، كالمِلْكِ، وتَنفَسِخُ في الصَّبيِّ لتَبيُّنِ عَدَمِ الوِلايةِ فيما بعدَ البُلوغِ، أمَّا الماضي مِنْ المدَّةِ فلا تَنفَسِخُ فيه.
أمَّا إذا بَلَغَ بالِاحتِلامِ سَفيهًا فلا تَنفَسِخُ قَطعًا، وأمَّا لَو أجَّرَه مدَّةً يَبلُغُ فيها بالسِّنِّ فتَبطُلُ في الزِّيادةِ إذا بَلَغَ رَشيدًا.
стр. 5784
وَغَصْبُ الدَّابَّةِ ونَدُّها وإباقُ العَبدِ بغَيرِ تَفريطٍ مِنْ المُستَأجِرِ إذا وَقَعَتِ الإجارةُ على عَينَيْهِما إذا قُدِّرَتْ بمدَّةٍ يثبُتُ الخِيارُ؛ لِتَعذُّرِ الِاستيفاءِ فيما بَقِيَ، وإذا فَسخَ انفَسخَ فيما بَقيَ مِنْ المدَّةِ، وفيما مَضَى الخِلافُ في مَوتِ الدَّابَّةِ المُعيَّنةِ.
نَعَمْ إنْ بادَرَ المُؤجِّرُ وانتَزَعَ مِنْ الغاصِبِ ورَدَّ النَّادَّةَ والآبِقَ قبلَ مُضيِّ مدَّةٍ لِمِثلِها أُجرةٌ، سقطَ خيارُ المُستَأجِرِ، وإنَّما لَم تَنفَسِخِ الإجارةُ لِبَقاءِ عَينِ المَعقودِ عليه.
فَإنْ فَسخَ فَواضِحٌ، وإنْ أجازَ ولَم يَرُدَّ حتى انقَضَتِ المدَّةُ انفَسخَتِ الإجارةُ، ويَستقِرُّ قِسطُ ما استَوْفاه مِنْ المُسمَّى.
وأمَّا إجارةُ الذِّمةِ فيَلزَمُ المُؤجِّرَ الإبدالُ فيها، فإنِ امتَنَعَ استَأجَرَ الحاكِمُ عليه؛ إذْ لَيسَ المُعيَّنُ فيها كَمُعيَّنٍ في العَقدِ.
وأمَّا إجارةُ عَينٍ قُدِّرَتْ بعَملٍ فلا تَنفَسِخُ بنَحوِ غَصْبِه، بَلْ يَستَوفيه متى قَدَرَ عليه؛ كَبَعيرٍ يَركَبُه إلى مَكَّةَ، استَوْفاه متى قَدَرَ عليه؛ لأنَّ المَنفَعةَ المُقدَّرةَ بعَملٍ، وإنْ وجبَ تَسليمُها عَقِبَ العَقدِ لا تَفوتُ بمُضِيِّ الزَّمانِ، أو بالزَّمانِ، انفَسخَتِ الإجارةُ فيما انقَضَى مِنه، واستَعمَلَ العَينَ في الباقي؛ فإنْ لَم يَفسَخْ وانقَضَتِ المدَّةُ انفَسخَتِ الإجارةُ؛ فإنْ كانَ بتَفريطٍ مِنْ المُستَأجِرِ لَزِمَه المُسمَّى، كَما لَو فَرَّطَ في الرَّقَبةِ ضَمِنَها.
وليسَ لِلمُستَأجِرِ مُخاصَمةُ الغاصِبِ؛ كالمُستَعيرِ والمُودِعِ.
وَمَحَلُّ الخِلافِ في غَصْبِ الأجنَبيِّ، أمَّا إذا غَصَبَها المالِكُ بعدَ القَبضِ، أو قَبلَه، بامتِناعِه مِنْ الإقباضِ، فطَريقتانِ:
стр. 5785
إحداهُما: كَغَصبِ الأجنَبيِّ، وأصَحُّهُما: القَطعُ بالِانفِساخِ، وإنْ غَصَبَها المُستَأجِرُ، ويُتصوَّرُ بأخذِها مِنْ المالِكِ بغَيرِ إذْنِه قبلَ انقِضاءِ الإجارةِ استَقرَّتِ الأُجرةُ عليه، وفي إجارةِ الذِّمةِ لا خِيارَ، وعَلَى المُؤجِّرِ الإبدالُ.
وَلَو أكرَى جِمَالًا بعَينِها، أو في الذِّمةِ، وسَلَّمَ عَينَها وهَرَبَ وتَركَها عندَ المُكتَرِي فلا فَسخَ لَه، ولا خِيارَ أيضًا، بَلْ إنْ شاءَ تَبرَّعَ بمُؤنَتِها، وإلَّا راجَعَ القاضيَ لِيَمُونَها، ومَن يَقومُ بحِفظِها مِنْ مالِ الجَمَّالِ؛ فإنْ لَم يَجِدْ له مالًا، ولَم يكُنْ في الجِمالِ فَضلٌ، اقتَرضَ القاضي عليه مِنْ المُكتَرِي أو أجنَبيٍّ أو بَيتِ المالِ؛ لأنَّ ذلك هو المُمكِنُ، ولأنَّ الحاكِمَ هو النَّاظِرُ في أموالِ الغائِبينَ، وقَد تَعيَّنَ ذلك طَريقًا.
فَإنْ وَثِقَ القاضي بالمُكتَرِي دفعَ ما اقتَرضَه إلَيه، وإنِ اقتَرضَه منه لِيُنفِقَه عليها، وإلَّا بأنْ لَم يَثِقْ به جعلَ ما اقتَرضَه القاضي عِندَه ثِقةً يُنْفِقُ عليها.
وَلِلقاضي ﵀: إنْ لَم يَجدْ مالًا يَقتَرِضُه فله أنْ يَبيعَ مِنها بقَدْرِ النَّفَقةِ عليها وعَلَى مُتعَهِّدِها.
وَلَو أذِنَ لِلمُكتَرِي في الإنفاقِ مِنْ مالِه لِيَرجِعَ، جازَ على الأظهَرِ؛ لأنَّه مَحَلُّ ضَرورةٍ، كَما لَوِ استَقرَضَ منه ودفعَ إلَيه، ولأنَّ الحاكِمَ قد لا يَجِدُ غَيرَه.
والطَّريقةُ الأُخرى: المَنعُ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى أنْ يَكونَ القولُ قَولَه فيما يَستَحقُّه على غَيرِه، بَلْ يُؤخَذُ المالُ مِنه، ويُدفَعُ إلى أمِينٍ.
فعلى الأَوْلَى لَوِ اختَلفا في قَدْرِ ما أنفَقَ؛ فالصَّحيحُ أنَّ القَولَ قولُ المُنفِقِ إذا ادَّعَى نَفَقةً مُعتادةً.
стр. 5786
وعلى الأظهَرِ: لَو قُدِّرَ له نَفَقةٌ مُعتادةٌ لَم يَزِدْ عليها، فإنْ زادَ كانَ مُتبرِّعًا بالزَّائِدِ.
وَلَو أنفَقَ المُكتَرِي بغَيرِ إذْنِ الحاكِمِ مع إمكانِه، لَم يَرجِعْ، وإنْ لَم يكُنْ هناك حاكِمٌ فأنفَقَ وأشهَدَ وشرطَ الرُّجوعَ، رَجعَ، على الأصَحِّ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: الإجارةُ عَقدٌ لَازِمٌ، فليسَ لِأحَدِهِما فَسخُها بلا مُوجِبٍ؛ لأنَّها عَقدُ مُعاوَضةٍ، كالبَيعِ.
وَتَنفَسِخُ الإجارةُ بما يَلي:
١ - إذا وَجَدَ عَيبًا في العَينِ المُؤجَّرةِ لَم يكُنْ عَلِمَ به، فلَه فَسخُ العَقدِ بغَيرِ خِلافٍ بينَ العُلماءِ، قالَه ابنُ قُدامةَ في «المُغني»؛ لأنَّه عَيبٌ في المَعقودِ عليه، فأثبَتَ له الخِيارَ؛ كالعَيبِ في المَبيعِ.
والعَيبُ الذي يُفسَخُ به في الإجارةِ ما تَنْقُصُ به المَنفَعةُ، ويَظهَرُ به تَفاوُتُ الأُجرةِ، فيُفسَخُ بذلك، إنْ لَم يَزُلِ العَيبُ بلا ضَرَرٍ يَلحَقُ المُستَأجِرَ.
وَمِنْ أمثِلةِ العَيبِ أنْ تَكونَ الدَّابَّةُ جَموحًا أو عَضوضًا أو نَفورًا أو شَموسًا، أو بها عَيبٌ، كَتَعَثُّرِ الظَّهرِ في المَشيِ، وعَرجٍ يَتأخَّرُ به عن القافِلةِ، ورَبَضِ -أي: بُرُوكِ-، البَهيمةِ بالحِملِ، أو يَجِدُ المُستَأجِرُ المُكتَرى لِلخِدمةِ ضَعيفَ البَصَرِ، أو به جُنونٌ، أو جُذامٌ، أو بَرَصٌ، أو مَرَضٌ، أو يَجِدُ
стр. 5787
المُستَأجِرُ الدَّارَ مَهدومةَ الحائِطِ، أو يَخافُ مِنْ سُقوطِها أو انقِطاعِ الماءِ مِنْ بِئرِها أو تَغيُّرِه، بحَيثُ يَمنَعُ الشُّربَ والوُضوءَ، فيثبُتُ له خِيارُ الفَسخِ، وأشباهُ ذلك مِنْ العُيوبِ.
فَإنْ رَضيَ المُستَأجِرُ بالمُقامِ ولَم يَفسَخِ الإجارةَ لَزِمَه جَميعُ الأُجرةِ المُسمَّاةِ ولا أرشَ لَه، وإنِ اختَلفا -أي: المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ- في المَوجودِ، هَلْ هو عَيبٌ أو لا، رَجعَ فيه إلى أهلِ الخِبرةِ، مثلَ أنْ تَكونَ الدَّابَّةُ خَشِنةَ المَشيِ، أو أنَّها تُتعِبُ راكِبَها؛ لِكَونِها لا تُركَبُ كَثيرًا؛ فإنْ قالوا: هو عَيبٌ فلَه الفَسخُ، وإلَّا فلا فَسخَ لَه، ويَكفي فيه اثنانِ مِنهم.
هَذا -أي: ما ذُكِرَ مِنْ الفَسخِ- إذا كانَ العَقدُ على عَينِها؛ فإنْ كانَتِ المُؤجَّرةُ مَوصوفةً في الذِّمةِ لَم يَنفَسِخِ العَقدُ برَدِّها؛ لِكَونِها مَعيبةً وعَلَى المُكري إبدالُها بسَليمةٍ، كالمُسلَّمِ فيه، لأنَّ إطلاقَ العَقدِ إنَّما يَتناوَلُ السَّليمَ، فإنْ عَجَزَ المُكري عن إبدالِها أو امتَنَعَ مِنْ إبدالِها ولَم يُمكِنْ إجبارُه عليه، فلِلمُكتَرِي الفَسخُ أيضًا استِدراكًا لِما فاتَه.
وَعُلِمَ ممَّا تَقدَّمَ أنَّ الإجارةَ الصَّحيحةَ لَيسَ لِلمُؤجَّرِ ولا غَيرِه فَسخُها لِزيادةٍ حَصَلَتْ، ولَو كانَتِ العَينُ وَقَفًا، قالَ الشَّيخُ تقِيُّ الدِّينِ: باتِّفاقِ الأئِمَّةِ.
وَإذا التَزَم المُستَأجِرُ بهذه الزِّيادةِ على الوَجهِ المَذكورِ لَم تَلزَمْهُ اتِّفاقًا، ولَوِ التَزَمها بطِيبِ نَفْسٍ منه بِناءً على أنَّ الزِّيادة والشُّروطَ بالعُقودِ اللَّازِمةِ لا تُلحَقُ، ذكرَه في الِاختياراتِ.
стр. 5788
وإنْ فَسخَها المُستَأجِرُ مِنْ غيرِ عَيبٍ ولا خِيارِ غَيرِه، وتَركَ الِانتِفاعَ بالمَأْجورِ قبلَ تَقضِّي المدَّةِ لَم تَنفَسِخِ الإجارةُ، وعليه الأُجرةُ ولا يَزولُ مِلْكُه عن المَنافِعِ، بَلْ تَذهَبُ على مِلْكِه؛ لِمَا تَقدَّمَ مِنْ أنَّها عَقدٌ لَازِمٌ ولا يَجوزُ لِلمُؤجِّرِ التَصرُّفُ في العَينِ المُؤجَّرةِ، سَواءٌ تَركَ المُستَأجِرُ الِانتِفاعَ بها أو لا؛ لأنَّها صارَتْ مَملوكةً لِغَيرِه، كَما لا يَملِكُ البائِعُ التَصرُّفَ في المَبيعِ إلَّا أنْ يُوجَدَ مِنهما ما يَدلُّ على الإقالةِ.
فَإنْ تَصرَّفَ المُؤجِّرِ في العَينِ المُؤجَّرةِ ويَد المُستَأجِرِ عليها، بأنْ سَكَنَ المُؤجِّرُ الدَّارَ أو آجَرَها لِغَيرِه، بعدَ تَسليمِها لِلمُستَأجِرِ، لَم تَنفَسِخِ الإجارةُ بذلك؛ لِمَا مَرَّ، وعَلَى المُستَأجِرِ جَميعُ الأُجرةِ؛ لأنَّ يَدَه لَم تَزُلْ عن العَينِ، ولِلمُستَأجِرِ على المالِكِ أُجرةُ المِثلِ؛ لِمَا سَكَنَه أو تَصرَّفَ فيهِ؛ لأنَّه تَصرَّفَ فيما ملكَه المُستَأجِرُ عليه بغَيرِ إذْنِه، فأشبَهَ تَصرُّفَه في المَبيعِ بعدَ قَبضِ المُشتَرِي لَه، وقَبضُ العَينِ هُنا قامَ مَقامَ قَبضِ المَنافِعِ.
وإنْ تَصرَّفَ المالِكُ قبلَ تَسليمِ العَينِ المُؤجَّرةِ أو امتَنَعَ مِنْ التَّسليمِ حتى انقَضَتِ المدَّةُ انفَسخَتِ الإجارةُ بذلك؛ لأنَّ العاقِدَ قد أتلَفَ المَعقودَ عليه قبلَ تَسليمِه، فأشبَهَ تَلَفَ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه، وإنْ سَلَّمَ المُؤجِّرُ العَينَ المُؤجَّرةَ إلى المُستَأجِرِ في أثناءِ المدَّةِ انفَسخَتِ الإجارةُ فيما مَضَى مِنْ مدَّةِ الإجارةِ، وتَجِبُ أُجرةُ الباقي بالحِصَّةِ، أي: بالقِسطِ مِنْ المُسمَّى.
وإنْ حَوَّلَه المالِكُ قبلَ تَقضِّي المدَّةِ المُؤجَّرةِ، أو مَنَعَه بَعضَ المدَّةِ، أوِ امتَنَعَ الأجيرُ مِنْ تَكميلِ العَملِ، أو مِنْ التَّسليمِ في بَعضِ المدَّةِ أوِ المَسافةِ، لَم يكُنْ له -أي: المُؤجِّرِ ولا الأجيرِ- أُجرةٌ؛ لِمَا فعلَ الأجيرُ، أو لِمَا سَكَنَ
стр. 5789
المُستَأجِرُ، قبلَ أنْ يُحَوِّلَه المُؤجِّرُ نَصًّا؛ لأنَّ كُلًّا مِنهم لَم يُسَلِّمْ إلى المُستَأجِرِ ما وقعَ عليه عَقدُ الإجارةِ، فلَم يَستَحقَّ شَيئًا، كَمَنِ استَأجَرَ إنسانًا لِيَحمِلَ له كِتابًا إلى بَلَدٍ مُعيَّنٍ فحَمَلَه بَعضَ الطَّريقِ فَقَطْ، أو لِيَحفِرَ له عِشرينَ ذِراعًا، فحَفَرَ له عَشْرًا، وامتَنَعَ مِنْ حَفرِ البقيَّةِ.
وإنْ هَرَبَ الأجيرُ قبلَ إكمالِ العَملِ لَم تَنفَسِخِ الإجارةُ، أو شَرَدَتِ الدَّابَّةُ المُؤجَّرةُ، لَم تَنفَسِخِ الإجارةُ، أو أخَذَها المُؤجِّرُ وهَرَبَ بها، لَم تَنفَسِخِ الإجارةُ، أو مَنَعَ المُؤجِّرُ المُستَأجِرَ مِنْ استِيفاءِ المَنفَعةِ مِنْ غيرِ هَرَبٍ لَم تَنفَسِخِ الإجارةُ بذلك؛ لِلُزومِها، ويثبُتُ لِلمُستَأجِرِ خِيارُ الفَسخِ؛ استِدراكًا لِمَا فاتَهُ؛ فإنْ فَسخَ فلا كَلامَ، وإنْ لَم يَفسَخِ المُستَأجِرُ الإجارةَ، وكانَتِ الإجارةُ على مدَّةٍ انفَسخَتِ الإجارةُ بمُضِيِّها يَومًا فيَومًا؛ لِفَواتِ المَعقودِ عليه؛ فإنْ عادَتِ العَينُ المُؤجَّرةُ في أثنائِها استَوفَى المُستَأجِرُ ما بَقيَ مِنْ المدَّةِ؛ لِبَقاءِ الإجارةِ فيه، وإنِ انقَضَتِ المدَّةُ كلُّها قبلَ عَوْدِها انفَسخَتِ الإجارةُ؛ لِفَواتِ المَعقودِ عليه.
وإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَملٍ في الذِّمةِ، كَأنِ استُؤجِرَ لِخياطةِ ثَوبٍ ونَحوِهِ؛ كَبِناءِ حائِطٍ، أو استُؤجِرَ لِحَملِ شَيءٍ إلى مَوضِعٍ مُعيَّنٍ، ثم هَرَبَ الأجيرُ قبلَ إتمامِ العَملِ، استُؤجِرَ مِنْ مالِه -أي: استَأجَرَ الحاكِمُ مِنْ مالِ الأجيرِ- مَنْ يَعمَلُه، كَما لَو أسَلَمَ إليه في شَيءٍ، فهَرَبَ قبلَ أدائِه؛ لأنَّ له وِلايةً على الغائِبِ والمُمتَنِعِ؛ فيَقومُ عَنهُما بما وجبَ عليهما مِنْ مالِهِما؛ فإنْ تَعذَّرَ بأنْ لَم يكُنْ له مالٌ، فلِلمُستَأجِرِ الفَسخُ، ولَه الصَّبرُ إلى أنْ يَقدِرَ عليه فيُطالِبَه بالعَملِ؛ لأنَّ ما في ذِمَّتِه لا يَفوتُ بهَرَبِه، فإنْ لَم يَفسَخِ المُستَأجِرُ
стр. 5790
وصَبَرَ حتى وَجَدَ الأجيرَ فلَه مُطالَبتُه بالعَملِ متى أمكَنَ؛ لِبَقائِه في ذِمَّتِه.
وَكلُّ مَوضِعٍ امتَنَعَ الأجيرُ مِنْ إتمامِ العَملِ فيه لا أُجرةَ له لِمَا عَمِلَ.
وَكلُّ مَوضِعٍ مَنَعَ المُؤجِّرُ فيه المُستَأجِرَ مِنْ الِانتِفاعِ بالعَينِ المُؤجَّرةِ، إذا كانَ بعدَ عَملِ بَعضٍ، فلا أُجرةَ له فيه على ما سَبَقَ؛ لأنَّه لَم يُسَلِّمْ له ما تَناوَلَه عَقدُ الإجارةِ؛ فلَم يَستَحقَّ شَيئًا، إلَّا أنْ يَرُدَّ المُؤجِّرُ العَينَ لِلمُستَأجِرِ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، فلَه الأُجرةُ؛ لأنَّه سَلَّمَ العَينَ، لَكِنْ يَسقُطُ مِنها أُجرةُ المدَّةِ التي احتَبَسَها المُؤجِّرُ؛ لِانفِساخِ الإجارةِ فيه، كَما تَقدَّمَ، إلَّا أنْ يُتَمِّمَ الأجيرُ العَملَ، إنْ لَم يَكُنِ العَقدُ على مدَّةٍ قبلَ فَسخِ المُستَأجِرِ، فيَكونَ له أُجرةُ ما عَمِلَ؛ لِكَونِه وَفَّى بالعَملِ.
فَأمَّا إنْ شَرَدَتِ الدَّابَّةُ أو تَعذَّرَ استِيفاءُ المَنفَعةِ بغَيرِ فِعلِ المُؤجِّرِ فلِلمُؤجِّرِ مِنْ الأجْرِ بقَدْرِ ما استَوفَى المُستَأجِرُ بكلِّ حالٍ، سَواءٌ عادَتِ العَينُ في المدَّةِ أو لَم تَعُدْ؛ لأنَّ لِلمُكرِي فيه عُذرًا.
وإنْ هَرَبَ الجَمَّالُ ونَحوُه بدَوابِّه في بَعضِ الطَّريقِ، أو قبلَ الدُّخولِ فيها، استَأجَرَ عليه الحاكِمُ إلى أنْ يَرجِعَ، وباعَ ما له في ذلك، إنْ وُجِدَ له مالٌ؛ لأنَّ له الوِلايةَ على الغائِبِ؛ فإنْ تَعذَّرَ، بأنْ لَم يكُنْ هناك حاكِمٌ، أو كانَ وتَعذَّرَ الإثباتُ، أو لَم يَجِدْ ما يَكتَريه، أو وَجَدَه ولَم يَجِدْ ما يَكتَرِي به؛ فلِلمُستَأجِرِ الفَسخُ، أو كانَتِ الدَّوابُّ مُعيَّنةً في العَقدِ، فلِلمُستَأجِرِ الفَسخُ؛ لأنَّه تَعذَّرَ عليه قَبضُ المَعقودِ عليه، ولَم يَجُزْ إبدالُها؛ لأنَّ العَقدَ وقعَ على عَينِها ولا أُجرةَ لِلجَمَّالِ ونَحوِه؛ لِمَا مَضَى قبلَ هَرَبِه؛ لِكَونِه لَم يُوَفِّ
стр. 5791
المَعقودَ عليه، فإنْ فَسخَ وكانَ الجَمَّالُ ونَحوُه قَبَضَ الأُجرةَ فهي دَيْنٌ في ذِمَّتِه، وإنِ اختارَ المُقامَ وكانَت على عَملٍ في الذِّمةِ فلَه ذلك، ومُطالَبتُه متى قَدَرَ عليه، وإنْ كانَتْ على مدَّةٍ وانقَضَتْ في هَرَبِه، انفَسخَتِ الإجارةُ.
وإنْ كانَ العَقدُ على مَوصوفٍ غيرِ مُعيَّنٍ لَم يَنفَسِخِ العَقدُ، ويُرفَعُ الأمْرُ إلى الحاكِمِ؛ فإنْ وَجَدَ له مالًا اكتَرى به، كَما سَبَقَ، وإلَّا اقتَرضَ عليه ما يَكتَري بهِ؛ فإنْ دفعَه له لِيَكتَرِيَ لِنَفْسِه جازَ، وإنْ كانَ القَرضُ مِنْ المُكتَرِي جازَ، وصارَ دَيْنًا في ذِمَّةِ الجَمَّالِ، وإنْ هَرَبَ الجَمَّالُ أو نَحوُه أو ماتَ وتَركَ بَهائِمَه ولَه مالٌ، أنفَقَ عليها الحاكِمُ مِنْ مالِه إنْ كانَ، ولَو ببَيعٍ، ما فَضَلَ مِنها عَما وقعَ عليه العَقدُ؛ لأنَّ عَلَفَها وسَقْيَها على مالِكِها، وهو غائِبٌ، والحاكِمُ نائِبُه ويَستَأجِرُ الحاكِمُ مِنْ مالِ الجَمَّالِ مَنْ يَقومُ مَقامَه في الشَّدِّ عليها، وحَفِظَها، وفِعْلِ ما يَلزَمُه فِعلُه؛ فإنْ لَم يُمكِنْ، بأنْ لَم يُوجَدْ له مالٌ، استَدانَ الحاكِمُ عليه ما يُنفِقُه عليها؛ لأنَّه مَوضِعُ حاجةٍ، أو أذِنَ الحاكِمُ لِلمُستَأجِرِ في النَّفَقةِ على البَهائِمِ؛ لأنَّ إقامةَ أمينٍ غيرِ المُستَأجِرِ تَشُقُّ وتَتعذَّرُ مُباشَرَتُه كلَّ وَقتٍ، فإذا انقَضَتِ الإجارةُ باعَها -أي: البَهائِمَ- الحاكِمُ ووَفَّى المُنفِقَ مِنْ مُستَأجِرٍ وغَيرِه ما أنفَقَه؛ لأنَّ فيه تَخليصًا لِذِمَّةِ الجَمَّالِ، وإيفاءً لِحَقِّ صاحِبِ النَّفَقةِ، وحِفظَ بقيَّةِ ثَمنِها لِصاحِبِها؛ لأنَّ الحاكِمَ يَلزَمُه حِفظُ مالِ الغائِبِ؛ فإنْ لَم يَستَأذِنِ المُنفِقُ مِنْ مُستَأجِرٍ أو غَيرِه الحاكِمَ وأنفَقَ بنِيَّةِ الرُّجوعِ، رَجعَ على رَبِّها بما أنفَقَهُ؛ لأنَّه قامَ عنه بواجِبٍ غيرِ مُتبرَّعٍ به، وإنْ لَم يَنْوِ الرُّجوعَ فلا رُجوعَ لَه؛ لأنَّه مُتبرِّعٌ، ولا يُعتبَرُ الإشهادُ على نِيَته الرُّجوعَ، وكَذا لا يُعتبَرُ تَعذُّرُ استِئذانِ الحاكِمِ.
стр. 5792
وَإذا رَجعَ ربُّ البَهائِمِ واختَلفا فيما أنفَقَ، وكانَ الحاكِمُ قدَّرَ النَّفَقةَ قبلَ قَولِ المُكتَرِي في إنفاقِ ذلك الذي قدَّرَه الحاكِمُ؛ لأنَّه أمينٌ دونَ ما زادَ على ذلك، فلا يُقبَلُ قولُه فيه، وإنْ لَم يُقَدِّرِ الحاكِمُ له نَفَقةً قبلَ قَولِ المُستَأجِرِ في قَدْرِ النَّفَقةِ بالمَعروفِ؛ لأنَّه أمينٌ.
٢ - وتَنفَسِخُ الإجارةُ بتَلَفِ العَينِ المَعقودِ عليها، كَعَبدٍ ماتَ ودارٍ انهَدَمَتْ؛ لِزَوالِ المَنفَعةِ بتَلَفِ المَعقودِ عليه، فانفَسخَتْ؛ سَواءٌ كانَ قبلَ قَبضِها، أو عَقِبَه، ولا أُجرةَ؛ فإنْ تَلِفَتِ العَينُ في أثنائِها، بأنِ اكتَرى دارًا فانهَدَمَتْ، أوِ اكتَرى أرضًا لِلزَّرعِ فانقَطَعَ ماؤُها، أو غَرِقَتِ، انفَسخَتِ الإجارةُ في البقيَّةِ مِنْ المدَّةِ؛ لأنَّ المَقصودَ بالعَقدِ قد فاتَ، أشبَهَ ما لَو تَلِفَ. وإنْ كانَ التَّلَفُ بعدَ مُضيِّ مدَّةٍ لَها أُجرةٌ انفَسخَتْ فيما بَقيَ، ووجبَ لِلماضي القِسطُ.
٣ - وتَنفَسِخُ الإجارةُ بمَوتِ الصَّبيِّ المُرتَضِعِ أو امتِناعِه مِنْ الرَّضاعِ مِنها: لِتَعذُّرِ استِيفاءِ المَعقودِ عليه؛ لأنَّ غيرَه لَا يَقومُ مَقامَه في الِارتِضاعِ؛ لِاختِلافِ المُرتَضِعَيْنِ فيه، وقَد يُدَرُّ اللَّبنُ على واحِدٍ دونَ آخَرَ.
فَإنْ كانَ مَوتُه عَقِبَ العَقدِ زَالَتِ الإجارةُ مِنْ أصْلِها، ورَجعَ المُستَأجِرُ بالأجْرِ كلِّه، وإنْ كانَ بعدَ مُضيِّ مدَّةٍ رَجعَ بحِصَّةِ ما بَقيَ.
٤ - وتَنفَسِخُ أيضًا بمَوتِ المُرضِعةِ؛ لِفَواتِ المَنفَعةِ بهَلاكِ مَحَلِّها.
٥ - وتَنفَسِخُ أيضًا بانقِلاعِ الضِّرسِ الذي اكتَرى لِقَلعِه أو بُرئِه ؛ لِتَعذُّرِ استِيفاءِ المَعقودِ عليه؛ كالمَوتِ ونَحوِه؛ كاستِئجارِ طَبيبٍ لِيُداوِيَه، فيَبرَأُ أو
стр. 5793
يَموتُ، فتَنفَسِخُ فيما بَقيَ، فإنِ امتَنَعَ المَريضُ مِنْ ذلك مع بَقاءِ المَرَضِ، استَحقَّ الطَّبيبُ الأُجرةَ بمُضِيِّ المدَّةِ، وإنْ شارَطَه على البُرءِ فهي جَعالةٌ، ولا يَستَحقُّ شَيئًا مِنْ أُجرةٍ حتى يُوجَدَ البُرءُ.
وَلا تَصحُّ الإجارةُ إنْ أجَّرَه أرضًا لا ماءَ لَها، إنْ ظَنَّ المُستَأجِرُ إمكانَ تَحصيلِ الماءِ، أو لَم يَعلَمْ أنَّها لا ماءَ لَها؛ لأنَّه رُبَّما دخلَ في العَقدِ بِناءً على أنَّ المُؤجِّرَ يَحصُلُ له ماءٌ، وأنَّه يَكتَريها لِلزِّراعةِ مع تَعذُّرِها، وإنْ عُلِمَ وُجودُ الماءِ بالأمطارِ ونَحوِها، أو ظَنَّ وُجودَه بالأمطارِ، أو زيادةِ النِّيلِ ونَحوِه، صَحَّ العَقدُ؛ لأنَّ حُصولَه مُعتادٌ، والظَّاهِرُ وُجودُه.
ومتى زَرَعَ فغَرِقَ الزَّرعُ أو تَلِفَ بحَريقٍ أو جَرادٍ أو فَأْرٍ أو بَردٍ أو غَيرِه، قبلَ حَصادِه، أو لَم تَنبُتْ، فلا خِيارَ، وتَلزَمُه الأُجرةُ نَصًّا، قالَ ابنُ قُدامةَ: بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُهُ (١)؛ لأنَّ التَّالِفَ غيرُ المَعقودِ عليه، وسَبَبُه غيرُ مَضمونٍ على المُؤجِّرِ، ثم إنْ أمكَنَ المُكتَرِيَ الِانتِفاعُ بالأرضِ بغَيرِ الزَّرعِ، أو بالزَّرعِ في بَقيَّةِ المدَّةِ فلَه ذلك؛ لأنَّه ملكَ المَنفَعةَ إلى انقِضاءِ مدَّتِه، وإنْ تَعذَّرَ زَرْعُها، أيِ: المُؤجَّرةِ؛ لِغَرَقِ الأرضِ المُؤجَّرةِ، أو قَلَّ الماءُ قبلَ زَرعِها، أو بَعدَه، أو عابَتْ بغَرَقٍ يَعيبُ به بَعضُ الزَّرعِ، فلَه الخِيارُ؛ لِحُصولِ ما نَقَصَ به مَنفَعةُ العَينِ المُؤجَّرةِ، ثم إنِ اختارَ الفَسخَ وقَد زَرَعَ بَقيَّةَ الزَّرعِ في الأرضِ إلى الحَصادِ، وعليه مِنْ المُسمَّى بحِصَّتِه إلى حينِ الفَسخِ، وأجْرُ المِثلِ لِمَا بَقيَ مِنْ المدَّةِ لِأرضٍ مُتصفةٍ بالعَيبِ الذي ملكَ الفَسخَ مِنْ أجْلِه.
стр. 5794
والأرضُ الغارِقةُ بالماءِ، التي لا يُمكِنُ زَرعُها قبلَ انحِسارِه، وهو تارَةً يَنحَسِرُ، وتارةً لا يَنحَسِرُ، لا يَصحُّ عَقدُ الإجارةِ عليها إذَنْ؛ لأنَّ الِانتِفاعَ بها في الحالِ مُتعَذِّرٌ لِوُجودِ المانِعِ، وفي المَآلِ غيرُ ظاهِرٍ؛ لأنَّه لا يَزولُ في الأغلَبِ.
وَلا تَنفَسِخُ الإجارةُ بمَوتِ المُكرِي، وَمَوتِ المُكتَرِي معًا، أو بمَوتِ أحَدِهِما؛ لأنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فلَم تَنفَسِخْ بمَوتِ العاقِدِ مع سَلامةِ المَعقودِ عليه، إلَّا إذا ماتَ المَوقوفُ عليه، وقَد أجَّرَ؛ لِكَونِ الوَقفِ عليه، ولَم يَشرُطِ الواقِفُ ناظِرًا.
وَلا تَنفَسِخُ أيضًا بعُذرٍ لِأحَدِهِما، مثلَ أنْ يَكتَريَ لِلحَجِّ، فتَضيعَ نَفَقَتُه، أو يَكتَريَ دُكَّانًا يَبيعُ فيه مَتاعَه، فيَحتَرِقَ مَتاعُه؛ لأنَّه عَقدٌ لا يَجوزُ فَسخُه لِغَيرِ عُذرٍ؛ فلَم يَجُزْ لِعُذرٍ مِنْ غيرِ المَعقودِ عليه، كالبَيعِ.
وإنْ غُصِبَتِ العَينُ المُستَأجَرةُ فإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَينٍ مَوصوفةٍ في الذِّمةِ بأنْ أجَّرَه دَابَّةً صِفَتُها كَذا وكَذا، ثم سَلَّمَه عَينًا بتلك الصِّفاتِ، فغُصِبَتْ، لَزِمَه -أي: المُؤجِّرَ- بَدَلُها؛ لأنَّ العَقدَ على ما في الذِّمةِ، لا عليها؛ فإنْ تَعذَّرَ بَدَلُها على المُؤجِّرِ فلَه الفَسخُ، ولَه الصَّبرُ إلى القُدرةِ عليها أو على بَدَلِها، وتَنفَسِخُ بمُضِيِّ المدَّةِ، إنْ كانَتْ على مدَّةٍ، وكَذا لَو تَلِفَتِ المَوصوفةُ في الذِّمةِ، أو تَعَيَّبَتْ؛ فيَلزَمُ المُؤجِّرَ بَدَلُها.
فَإنْ تَعذَّرَ فلِلمُستَأجِرِ الفَسخُ، كَما لَو تَعذَّرَ تَسليمُ المَبيعِ.
وإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَينٍ مُعيَّنةٍ لِعَملٍ، بأنْ أجَّرَ هذه الدَّابَّةَ لِيَركَبَها
стр. 5795
إلى كَذا، خُيِّرَ المُستَأجِرُ بينَ فَسخٍ وصَبْرٍ إلى أنْ يَقدِرَ عليها؛ لأنَّ الحَقَّ في ذلك لَه، فإذا أخَّرَه جازَ.
وإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَينٍ مُعيَّنةٍ إلى مدَّةٍ مَعلومةٍ، بأنْ قالَ: أجَّرتُكَ هذا العبدَ لِلخِدمةِ شَهرًا، فغُصِبَ، خُيِّرَ المُستَأجِرُ بينَ فَسخِ العَقدِ؛ لِتَعذُّرِ تَسليمِ المَعقودِ عليه، وبَينَ إبقاءِ العَقدِ بلا فَسخٍ، ومُطالَبةِ الغاصِبِ بأُجرةِ مِثلٍ، ولا يَنفَسِخُ العَقدُ بمُجرَّدِ الغَصبِ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه لَم يَفُتْ مُطلَقًا، بَلْ إلى بَدَلٍ، وهو القِيمةُ، أشبَهَ ما لَو أتلَفَ الثَّمرةَ المَبيعةَ آدَميٌّ، وحَيثُ ثبَتَ له الخيارُ فلَه الفَسخُ، ولَو مُتراخيًا، ولَو بعدَ فَراغِ المدَّةِ؛ لأنَّه فَسخٌ لِاستِدراكِ ظُلامةٍ، فهو كالفَسخِ لِعَيبٍ في المَبيعِ، فإنْ فَسخَ المُستَأجِرُ فعليه أُجرةُ ما مَضَى قبلَ الفَسخِ مِنْ المُسمَّى؛ لِاستِقرارِه عليه، وإنْ رُدَّتِ العَينُ المَغصوبةُ في أثناءِ مدَّةِ الإجارةِ قبلَ الفَسخِ استَوفَى المُستَأجِرُ ما بَقيَ مِنْ مدَّتِه، وخُيِّرَ فيما مَضَى والعَينُ بَيدِ الغاصِبِ، وإنْ كانَ الغاصِبُ هو المُؤجِّرَ فلا أُجرةَ لَه، سَواءٌ كانَتِ الإجارةُ على عَملٍ، أو إلى مدَّةٍ، وسَواءٌ كانَتْ على عَينٍ مُعيَّنةٍ، أو مَوصوفةٍ، وسَواءٌ كانَ غَصْبُه لَها قبلَ المدَّةِ، أو في أثنائِها، فليسَ حُكمُه حُكمَ الغاصِبِ الأجنَبيِّ؛ حَيثُ لَم تكُنْ يَد المُستَأجِرِ عليها، كَما تَقدَّمَ.
وَلَو أتلَفَ المُستَأجِرُ العَينَ المُؤجَّرةَ ثبَتَ ما تَقدَّمَ مِنْ مِلْكِ الفَسخِ إذا كانَتْ على مَوصوفةٍ في الذِّمةِ، وتَعذَّرَ البَدَلُ أو الِانفِساخُ إذا كانَتْ على مُعيَّنةٍ؛ لِتَعذُّرِ تَسليمِ المَعقودِ عليه مع تَضمينِ المُستَأجِرِ ما أُتلِفَ مِنْ العَينِ.
стр. 5796
وَلَو حَدَثَ خَوفٌ عامٌّ يَمنَعُ مِنْ سُكنَى المَكانِ الذي فيه المُستَأجَرةُ، أو حُصِرَ البَلَدُ، فامتَنَعَ خُروجُ المُستَأجِرِ إلى الأرضِ التي استَأجَرَها لِيَزرَعَها، فلَه الفَسخُ؛ لأنَّه أمْرٌ غالِبٌ مَنَعَ المُستَأجِرَ مِنْ استِيفاءِ المَنفَعةِ، فيثبُتُ به الخِيارُ، كالغَصبِ.
وإنْ كانَ الخَوفُ خاصًّا بالمُستَأجِرِ، كَمَنْ خافَ وَحدَه لِقُربِ أعدائِه مِنْ المَوضِعِ المَأْجورِ، أو لِحُلولِهم في طَريقِه، أو لِمَرَضٍ، أو حَبسٍ، ولَو ظُلْمًا، لَم يَملِكِ الفَسخَ؛ لأنَّه عُذرٌ يَختَصُّ به، لا يَمنَعُ مِنْ استِيفاءِ المَنفَعةِ بالكُليَّةِ؛ لأنَّ له أنْ يُؤجِّرَ مَنْ يَقومُ مَقامَه.
وَلَوِ اكتَرى دَابَّةً لِيَركَبَها إلى مَوضِعٍ مُعيَّنٍ، أوِ اكتَراها لِيَحمِلَ عليها إلى مَوضِعٍ مُعيَّنٍ، فانقَطَعَتِ الطَّريقُ إلَيها، أي: إلى جِهةِ ذلك المَوضِعِ المُعيَّنِ؛ لِخَوفٍ حادِثٍ، أوِ اكتَرى إلى مَكَّةَ، فلَم يَحُجَّ النَّاسُ ذلك العامَ مِنْ تلك الطَّريقِ، ملكَ كلٌّ مِنهما -أي: مِنْ المُؤجِّرِ والمُستَأجِرِ- فَسْخَ الإجارةِ، لِمَا تَقدَّمَ، وإنِ اختارا -أي: المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ- بَقاءَ الإجارةِ إلى حِينِ إمكانِ استِيفاءِ المَنفَعةِ جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَعدوهُما.
وَمَنِ استُؤجِرَ لِعَملِ شَيءٍ في الذِّمةِ ولَم يُشترَطْ عليه مُباشَرَتُه فمَرِضَ، وجبَ عليه أنْ يُقيمَ مَقامَه مَنْ يَعمَلُه لِيَخرُجَ مِنْ الحَقِّ الواجِبِ في ذِمَّتِه؛ كالمُسلَّمِ فيه، والأُجرةُ عليه؛ لأنَّها في مُقابَلةِ ما وجبَ عليه، ولا يَلزَمُ المُستَأجِرَ إنظارُه؛ لأنَّ العَقدَ بإطلاقِه يَقتَضي التَّعجيلَ، إلَّا فيما يَختَلِفُ فيه القَصدُ، كَنَسخٍ؛ فإنَّه يَختَلِفُ باختِلافِ الخُطوطِ، ولا يَلزَمُ المُستَأجِرَ قَبولُ عَملِ غَيرِه؛ لأنَّ الغَرَضَ لا يَحصُلُ به، وإنْ تَعذَّرَ عَملُ الأجيرِ فلِلمُستَأجِرِ
стр. 5797
الفَسخُ لِتَعذُّرِ وُصولِه إلى حَقِّه، وإنْ شرطَ المُستَأجِرُ على الأجيرِ مُباشَرَتَه فلا استِنابةَ إذَنْ لِوُجودِ الشَّرطِ.
وإنْ ماتَ الأجيرُ في أثناءِ مدَّةِ الإجارةِ بَطَلَتِ الإجارةُ فيما بَقيَ؛ لِفَواتِ المَعقودِ عليه بهَلاكِ مَحَلِّه، وإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَينِه في مدَّةٍ أو غَيرِها، بأنِ استَأجَرَ عَبدًا مُعيَّنًا، أو إنسانًا مُعيَّنًا؛ لِيَخِيطَ له شَهرًا، أو لِيَبنِيَ له هذا الحائِطَ، فمَرِضَ الأجيرُ، لَم يُقِمْ غيرَه مَقامَه؛ لِوُقوعِ العَقدِ على عَينِهِ، كالمَبيعِ المُعيَّنِ.
وإنْ وَجَدَ المُستَأجِرُ العَينَ المُؤجَّرةَ مَعيبةً، أو حَدَثَ بها عِندَه عَيبٌ يَظهَرُ به تَفاوُتُ الأُجرةِ، فلَه الفَسخُ؛ لأنَّ المَنافِعَ لا يَحصُلُ قَبضُها إلَّا شَيئًا فشَيئًا، فإذا حَدَثَ العَيبُ فقَد وُجِدَ قبلَ قَبضِ البَقيَّةِ مِنْ المَعقودِ عليه فأثبَتَ الفَسخَ فيما بَقيَ مِنها.
أو استَأجَرَ دارًا جارُها رَجُلُ سَوْءٍ، أو امرَأةٌ كذلك، ولَم يَعلَمِ المُستَأجِرُ، فلَه الفَسخُ بذلك، كالبَيعِ، إنْ لَم يَزُلِ العَيبُ سَريعًا بلا ضَرَرٍ يَلحَقُ المُستَأجِرَ.
فَإنِ انسَدَّتِ البالُوعةُ فأرادَ المُستَأجِرُ الرَّدَّ، فقالَ المُؤجِّرُ: أنا أفتَحُها، وكانَ زَمنًا يَسيرًا لا تَتلَفُ فيه مَنفَعةٌ تَضُرُّ بالمُستَأجِرِ، لَم يكُنْ له الخِيارُ.
وَإذا فَسخَ المُستَأجِرُ الإجارةَ لِلعَيْبِ فعليه أُجرةُ ما مَضَى قبلَ الفَسخِ؛ لِاستِقرارِه عليه، ولِلمُستَأجِرِ أيضًا الإمضاءُ بلا أرشٍ لِلعَيْبِ؛ لأنَّه رَضيَ به ناقِصًا، وفيه وَجهٌ: له الأرشُ كالبَيعِ، قالَ ابنُ نَصرِ اللَّهِ: قد تَعِبْنا فلَم نَجِدْ بَينَهما فَرقًا.
стр. 5798
فَلَو لَم يَعلَمِ المُستَأجِرُ بالعَيبِ حتى انقَضَتِ المدَّةُ، لَزِمتْه الأُجرةُ كامِلةً، ولا أرشَ لَه؛ لِلعَيبِ، كَما لَو عَلِمَ، واختارَ الإمضاءَ.
وَيَصحُّ بَيعُ العَينِ المُؤجَّرةِ سَواءٌ أجَّرَها مدَّةً لا تَلِي العَقدَ، باعَها قبلَ دُخولِها، أو باعَها في أثناءِ المدَّةِ؛ لأنَّ الإجارةَ عَقدٌ على المَنافِعِ، فلا تَمنَعُ صِحَّةَ البَيعِ، كَما لَو زَوَّجَ أَمَتَهُ ثم باعَها.
وَيَصحُّ أيضًا رَهْنُها؛ لأنَّه يَصحُّ بَيعُها، ولِمُشتَريها الخِيارُ بينَ الفَسخِ والإمضاءِ مَجَّانًا، إذا لَم يَعلَمْ أنَّها مُؤجَّرةٌ، وفي الرِّعايةِ الفَسخُ أو الأرشُ، قالَ أحمَدُ: هو عَيبٌ.
وَلا تَنفَسِخُ الإجارةُ بشِراءِ مُستَأجِرِها، أي: العَينِ المُؤجَّرةِ؛ لأنَّه كانَ مالِكًا لِلمَنفَعةِ، ثم ملكَ الرَّقَبةَ، ولا تَنافِيَ بَينَهما.
وَلا تَنفَسِخُ الإجارةُ أيضًا بانتِقالِ العَينِ المُؤجَّرةِ إلى المُستَأجِرِ بإرْثٍ أو هِبةٍ أو وَصِيَّةٍ أو صَداقٍ أو عِوَضٍ في خُلعٍ أو صُلحٍ ونَحوِهِما؛ كَجَعالةٍ وطَلاقٍ وعِتقٍ؛ لِعَدَمِ التَّنافِي بينَ مِلْكِ الرَّقَبةِ والمَنفَعةِ، فيَجتَمِعُ لِبائِعٍ على مُشتَرِي العَينِ المُؤجَّرةِ الثَّمنُ والأُجرةُ؛ لأنَّ عَقدَ البَيعِ لَم يَشمَلِ المَنافِعَ الجارِيةَ في مِلْكِه بعَقدِ التَّأجِيرِ؛ لأنَّ شِراءَ الإنسانِ مِلْكَ نَفْسِه مُحالٌ.
وَإنِ اشترَى المُستَأجِرُ العَينَ المُؤجَّرةَ فوَجَدَها مَعيبةً، فرَدَّ شِراءَها لِلعَيبِ؛ فالإجارةُ بحالِها؛ لأنَّهما عَقدانِ، فإذا فُسِخَ أحَدُهما بَقيَ الآخَرُ.
وإنْ كانَ المُشتَرِي لِلعَينِ المُؤجَّرةِ أجنَبِيًّا؛ فالأُجرةُ مِنْ حِينِ البَيعِ لَه، نَصَّ عليه في رِوايةِ جَعفَرِ بنِ مُحمَّدٍ، قالَ البُهُوتِيُّ: واستُشكِلَ بكَونِ المَنافِعِ
стр. 5799
مدَّةَ الإجارةِ غيرَ مَملوكةٍ لِلبائِعِ، فلا تَدخُلُ في عَقدِ البَيعِ، حتى إنَّ المُشتَرِيَ يَكونُ له عِوَضُها، وهو الأُجرةُ.
وَأُجيبَ عن ذلك: بأنَّ المالِكَ يَملِكُ عِوَضَها، وهو الأُجرةُ، ولَم تَستقِرَّ بَعدُ، ولَوِ انفَسخَ العَقدُ لرَجعَتِ المَنافِعُ إلى البائِعِ؛ فيَقومَ المُشتَري مَقامَ البائِعِ فيما كانَ يَستَحقُّه مِنها، وهو استِحقاقُ عِوَضٍ لِمَنافِعَ، مع بَقاءِ الإجارةِ، قالَه في شَرحِ المُنتهى، وفي المُغني ما يَقتَضي أنَّ الأُجرةَ لِلبائِعِ، وهو واضِحٌ؛ لأنَّه ملكَها بالعَقدِ.
فَإنْ رَدَّ المُستَأجِرُ الأجنَبيُّ الإجارةَ لِعَيبٍ ونَحوِه عادَتِ المَنفَعةُ في بَقيَّةِ المدَّةِ إلى البائِعِ دونَ المُشتَرِي؛ لأنَّ عَقدَه لَم يَتناوَلْها؛ لِعَدَمِ مِلكِ البائِعِ لَها إذْ ذاكَ (١).
وقالَ الرُّحَيبانيُّ ﵀: ويُتَّجَهُ بأنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ باستِيلاءِ حَربِيٍّ على دارِ المُسلِمينَ، فيَضَعُ يَدَه على المَأجورِ، ويَمنَعُ مِنْ الِانتِفاعِ به، وعَكسُه؛ بأنْ يَستَوليَ المُسلِمونَ على دارِ الحَربِ، ويَضَعُوا أيديَهم على مَأْجُورَاتِهم، فلا يُمكَّنُ المُستَأجِرُ مِنْ التَصرُّفِ فيما استَأجَرَه مِنْ الحَربِيِّ، فتَنفَسِخُ الإجارةُ بذلك، إلَّا إنْ كانَ الحَربِيُّ قد أجَّرَه -أي: ما بيَدِه- لِإنسانٍ مَعصومٍ مِنْ مُسلِمٍ أو ذِمِّيٍّ؛ فلا تَنفَسِخُ الإجارةُ؛ لِدَوامِ ثُبوتِ يَدِه على المَأجورِ؛ لأنَّه مُحتَرمٌ، وانتِقالُ المِلْكِ في المَأْجورِ لا يَقتَضي بُطلانَ الإجارةِ، كَما تَقدَّمَ، وهو مُتجَهٌ (٢).
стр. 5800
إذا مَنَعَ المالِكُ المُستَأجِرَ مِنْ إكمالِ المدَّةِ، أو لَم يُكمِلِ المُستَأجِرُ العَملَ:
إذا تَمَّتِ الإجارةُ بأركانِها وشُروطِها، وكانَتْ صَحيحةً، لَزِمتْ بمُجرَّدِ العَقدِ، اتِّفاقًا، كَما تَقدَّمَ، فإذا مَنَعَ المالِكُ المُستَأجِرَ مِنْ إتمامِ مدَّةِ الإجارةِ، كَما لَو أجَّرَه دارًا سَنةً، فسَكَنَ نِصفَها، ثم مَنَعَه المالِكُ مِنْ إتمامِ مدَّةِ الإجارةِ، أو مَنَعَه مِنْ العَملِ، كَمَنِ استَأجَرَ رَجُلًا لِبِناءِ حائِطٍ، ثم مَنَعَه مِنْ إكمالِه، أو لَم يُكمِلِ الأجيرُ العَملَ، اختَلفَ الفُقهاءُ في الأُجرةِ لِمَا سَبَقَ مِنْ السُّكنَى، أوِ العَملِ، هَلْ يَستَحقُّها المالِكُ إذا مُنِعَ مِنْ إتمامِ السُّكنَى أوِ العَملِ؟ وهَل يَستَحقُّ الأجيرُ إذا تَركَ العَملَ بَعدَما عَمِلَ فيه، كَمَنِ استُؤجِرَ لِبِناءِ حائِطٍ فبَنَى نِصفَه، ثم تَركَ العَملَ، ولَم يُكمِلْه، هَلْ يَستَحقُّ أُجرةَ ما عَمِلَ أو لا؟
قالَ الحَنابِلةُ: إذا أجَّرَه شَيئًا ومَنَعَ المُؤجِّرُ المُستَأجِرَ الشَّيءَ المُؤجَّرَ كلَّ المدَّةِ أو بَعضَها، بأنْ سَلَّمَه العَينَ ثم حَوَّلَه قبلَ أنْ تُقضَى المدَّةُ فلا شَيءَ له مِنْ الأُجرةِ؛ لأنَّه لَم يُسَلِّمْ له ما تَناوَلَه عَقدُ الإجارةِ، فلَم يَستَحقَّ شَيئًا، وإنْ بَدَا لِلمُستَأجِرِ فتحَوَّلَ قبلَ انقِضاءِ مدَّةِ الإجارةِ، فعليه جَميعُ الأُجرةِ؛ لأنَّها عَقدٌ لَازِمٌ، فتَرتَّبَ مُقتَضاها، وهو مِلْكُ المُؤجِّرِ الأجَرةَ، ومِلْكُ المُستَأجِرِ المَنافِعَ.
وَجاءَ في «المُغني» لِابنِ قُدامةَ ﵀: فإنْ حَوَّلَه المالِكُ قبلَ تَقضِّي المدَّةِ لَم يكُنْ له أجْرٌ لِمَا سَكَنَ.
стр. 5801
يَعني إذا استَأجَرَ عَقارًا مدَّةً فسَكَنَه بَعضَ المدَّةِ ثم أخرَجَه المالِكُ ومَنَعَه تَمامَ السُّكنَى، فلا شَيءَ له مِنْ الأُجرةِ.
وَيُحتَمَلُ أنَّ له مِنْ الأجْرِ بقِسطِه، وهو قولُ أكثَرِ الفُقهاءِ، فَيَكونُ له أجْرُ ما سَكَنَ؛ لأنَّه استَوفَى مِلْكَ غَيرِه على سَبيلِ المُعاوَضةِ، فلَزِمَه عِوَضُه كالبَيعِ، إذا استَوفَى بَعضَه، ومَنَعَه المالِكُ بَقيَّتَه، كَما لَو تَعذَّرَ استِيفاءُ البَقيَّةِ لِأمْرٍ غالِبٍ.
وَلَنا: أنَّه لَم يُسَلِّمْ إليه ما عَقدَ الإجارةَ عليه، فلَم يَستَحقَّ شَيئًا، كَما لَوِ استَأجَرَه لِيَحمِلَ كِتابًا، فحَمَلَه بَعضَ الطَّريقِ، أوِ استَأجَرَه لِيَحفِرَ له عِشرينَ ذِراعًا، فحَفَرَ له عَشْرًا، وامتَنَعَ مِنْ حَفرِ البَقيَّةِ، وقياسُ الإجارةِ على الإجارةِ أَوْلَى مِنْ قِياسِها على البَيعِ، ويُفارِقُ ما إذا امتَنَعَ الأمرُ الغالِبُ؛ لأنَّ له عُذرًا.
والحُكمُ فيمَنِ اكتَرى دَابَّةً فامتَنَعَ المُكرِي مِنْ تَسليمِها في بَعضِ المدَّةِ، أو آجَرَ نَفْسَه أو عبدَه لِلخِدمةِ مدَّةً، وامتَنَعَ مِنْ إتمامِها، أو أجَّرَ نَفْسَه لِبِناءِ حائِطٍ، أو خِياطةٍ أو حَفرِ بِئرٍ، أو حَمْلِ شَيءٍ إلى مَكانٍ، وامتَنَعَ مِنْ إتمامِ العَملِ؛ كالحُكمِ في العَقارِ، يَمتَنِعُ مِنْ تَسليمِه، وأنَّه لا يَستَحقُّ شَيئًا؛ لِمَا ذَكَرْنا.
فَصلٌ: إذا هَرَبَ الأجيرُ أو شَرَدَتِ الدَّابَّةُ، أو أخَذَ المُؤجِّرُ العَينَ وهَرَبَ بها أو مَنَعَه استِيفاءَ المَنفَعةِ مِنها مِنْ غيرِ هَرَبٍ، لَم تَنفَسِخِ الإجارةُ، لَكِنْ يثبُتُ لِلمُستَأجِرِ خِيارُ الفَسخِ؛ فإنْ فَسخَ فلا كَلامَ، وإنْ لَم يَفسَخِ انفَسخَتِ الإجارةُ بمُضيِّ المدَّةِ يَومًا فيَومًا؛ فإنْ عادَتِ العَينُ في أثناءِ المدَّةِ استَوفَى ما بَقيَ مِنها، فإنِ انقَضَتِ المدَّةُ انفَسخَتِ الإجارةُ؛ لِفَواتِ المَعقودِ عليه.
стр. 5802
وإنْ كانَتِ الإجارةُ على مَوصوفٍ في الذِّمةِ؛ كَخِياطةِ ثَوبٍ، أو بِناءِ حائِطٍ، أو حَمْلٍ إلى مَوضِعٍ مُعيَّنٍ استُؤجِرَ مِنْ مالِه مَنْ يَعمَلُه، كَما لَو أسلَمَ إليه في شَيءٍ فهَرَبَ، ابتِيعَ مِنْ مالِهِ؛ فإنْ لَم يكُنْ ثبَتَ لِلمُستَأجِرِ الفَسخُ، فإنْ فَسخَ فلا كَلامَ، وإنْ لَم يَفسَخْ وصَبَرَ إلى أنْ يَقدِرَ عليه فلَه مُطالَبتُه بالعَملِ؛ لأنَّ ما في الذِّمةِ لا يَفوتُ بهَرَبِه.
وَكلُّ مَوضِعٍ امتَنَعَ الأجيرُ مِنْ العَملِ فيه، أو مَنَعَ المُؤجِّرُ المُستَأجِرَ مِنْ الِانتِفاعِ، إذا كانَ بعدَ عَملِ بَعضٍ، فلا أجْرَ له فيه على ما سَبَقَ، إلَّا أنْ يَرُدَّ العَينَ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، أو يُتِمَّ العَملَ إنْ لَم يكُنْ على مدَّةٍ قبلَ فَسخِ المُستَأجِرِ، فيَكونَ له أجْرُ ما عَمِلَ.
فَأمَّا إنْ شَرَدَتِ الدَّابَّةُ أو تَعذَّرَ استِيفاءُ المَنفَعةِ بغَيرِ فِعلِ المُؤجِّرِ فلَه مِنْ الأجْرِ بقَدْرِ ما استَوفَى بكلِّ حالٍ.
مَسألةٌ: قالَ: فإنْ جاءَ أمْرٌ غالِبٌ يَحجِزُ المُستَأجِرَ عن مَنفَعةِ ما وقعَ عليه العَقدُ؛ لَزِمَه مِنْ الأجْرِ بمِقدارِ مدَّةِ انتِفاعِه.
وَجُملَتُهُ أنَّ مَنِ استَأجَرَ عَينًا مدَّةً فحِيلَ بَينَه وبَينَ الِانتِفاعِ بها لَم يَخْلُ مِنْ أقسامٍ ثَلاثةٍ:
أحَدُها: أنْ تَتلَفَ العَينُ كَدابَّةٍ تَنفُقُ، أو عَبدٍ يَموتُ، فذلك على ثَلاثةِ أضرُبٍ:
أحَدُها: أنْ تَتلَفَ قبلَ قَبضِها؛ فإنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنَّ المَعقودَ عليه تَلِفَ قبلَ قَبضِه، فأشبَهَ ما لَو تَلِفَ الطَّعامُ المَبيعُ قبلَ قَبضِه.
الثَّاني: أنْ تَتلَفَ عُقَيْبَ قَبضِها؛ فإنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ أيضًا، ويَسقُطُ الأجْرُ
стр. 5803
في قَولِ عامَّةِ الفُقهاءِ إلَّا أبا ثَورٍ، حُكيَ عنه أنَّه قالَ: يَستقِرُّ الأجْرُ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه أُتلِفَ بعدَ قَبضِه، أشبَهَ المَبيعَ، وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه المَنافِعُ، وقَبضُها باستِيفائِها، أوِ بالتَّمكُّنِ مِنْ استِيفائِها، ولَم يَحصُلْ ذلك، فأشبَهَ تَلَفَها قبلَ قَبضِ العَينِ.
الثَّالث: أنْ تَتلَفَ بعدَ مُضيِّ شَيءٍ مِنْ المدَّةِ؛ فإنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ فيما بَقِيَ مِنْ المدَّةِ دونَ ما مَضَى، ويَكونُ لِلمُؤجِّرِ مِنْ الأجْرِ بقَدْرِ ما استَوفَى مِنْ المَنفَعةِ، قالَ أحمَدُ في رِوايةِ إبراهيمَ بنِ الحارِثِ: إذا اكتَرى بَعيرًا بعَينِه فنَفَقَ البَعيرُ، يُعطيه بحِسابِ ما رَكِبَ، وذلك لِمَا ذَكَرْنا مِنْ أنَّ المَعقودَ عليه المَنافِعُ، وقَد تَلِفَ بَعضُها قبلَ قَبضِه، فبَطَلَ العَقدُ فيما تَلِفَ دونَ ما قُبِضَ، كَما لَوِ اشترَى صُبرَتيْنِ فقَبَضَ إحداهُما وتَلِفَتِ الأُخرَى قبلَ قَبضِها، ثم نَنظُرُ؛ فإنْ كانَ أجْرُ المدَّةِ مُتساويًا فعليه بقَدْرِ ما مَضَى، فإنْ كانَ قد مَضَى النِّصفُ فعليه نِصفُ الأجْرِ، وإنْ كانَ قد مَضَى الثُّلُثُ فعليه الثُّلُثُ، كَما يُقَسَّمُ الثَّمنُ على المَبيعِ المُتساوِي، وإنْ كانَ مُختَلِفًا؛ كَدارٍ أجْرُها في الشِّتاءِ أكثَرُ مِنْ أجْرِها في الصَّيفِ، وأرضٍ أجْرُها في الصَّيفِ أكثَرُ مِنْ الشِّتاءِ، أو دَارٍ لَها مَوسِمٌ، كَدُورِ مَكَّةَ، رُجِعَ في تَقويمِه إلى أهلِ الخِبرةِ ويَسقُطُ الأجرُ المُسمَّى على حَسَبِ قِيمةَ المَنفَعةِ؛ كَقِسمةِ الثَّمنِ على الأعيانِ المُختَلِفةِ في البَيعِ، وكذلك لَو كانَ الأجْرُ على قَطعِ مَسافةٍ، كَبَعيرٍ استَأجَرَه على حَمْلِ أشياءَ إلى مَكانٍ مُعيَّنٍ، وكانَتْ مُتساويةَ الأجزاءِ أو مُختَلِفةً، وهذا ظاهِرُ مَذهبِ الشَّافِعيِّ (١).
стр. 5804
وَإذا كانَ هُناكَ مانِعٌ مِنْ إتمامِ العَملِ مِنْ جِهةِ الأجيرِ، استَحقَّ مِنْ الأجْرِ بحِصَّةِ ما عَمِلَ.
قالَ البُهوتيُّ ﵀: وإنْ وَصَلَ الأجيرُ في الحَفرِ إلى صَخرٍ، أو جَمادٍ، يَمنَعُ الحَفرَ، لَم يَلزَمْهُ حَفرُه؛ لأنَّ ذلك الصَّخرَ أو نَحوَه مُخالِفٌ لِمَا شاهَدَه مِنْ الأرضِ، فإذا ظَهرَ فيها ما يُخالِفُ المُشاهَدةَ كانَ لِلأجيرِ الخيارُ في الفَسخِ والإمضاءِ؛ كَخِيارِ العَيبِ في المَبيعِ، فإنْ فَسخَ الأجيرُ كانَ له مِنْ الأجْرِ بحِصَّةِ ما عَمِلَ، لأنَّ المانِعَ مِنْ الإتمامِ لَيسَ مِنْ قِبَلِه؛ فيُقَسَّطُ الأجرُ المُسمَّى على ما بَقِيَ مِنْ العَملِ، وعَلَى ما عَمِلَ الأجيرُ، فيُقالُ: كَمْ أجْرُ ما عَمِلَ، وكَمْ أجْرُ ما بَقِيَ، فيَسقُطُ الأجْرُ المُسمَّى عليهما؛ فإذا فَرَضْنا أنَّ أجْرَ ما عَمِلَ عَشَرةٌ، وما بَقيَ خَمسةَ عَشَرَ، فلَه خُمُسانِ، ولا يَجوزُ تَقسيطُ الأجْرِ على عَدَدِ الأذرُعِ؛ لأنَّ أعلَى البِئرِ يَسهُلُ نَقلُ التُّرابِ مِنه، وأسفَلَها يَشُقُّ نَقلُ التُّرابِ فيه، هذا ما جَزَم به في «المُغني»، و «المُبدعُ»، وغَيرِهما خِلافَ ما ذكرَه في أوائِلِ البابِ، تَبَعًا لِلرِّعايةِ.
وإنْ نَبَعَ منه -أي: المَحفورِ مِنْ بِئرٍ أو نَهَرٍ- ما مَنَعَ الأجيرَ مِنْ الحَفرِ، فكالصَّخرةِ فلَه الفَسخُ، ويُقَسَّطُ المُسمَّى على ما عَمِلَ، وما بَقيَ، ويَأخُذُ بالقِسطِ (١).
стр. 5805
انقِضاءُ الإجارةِ:
تَنقَضِي الإجارةُ بِعِدَّةِ أُمورٍ ذكرَها الفُقهاءُ، وهي على التَّفصيلِ والبَيانِ التَّالي:
أولاً: انتِهاءُ مدَّةِ الإجارةِ:
لا خِلافَ بينَ عُلماءِ الأُمَّةِ على أنَّ الإجارةَ إذا كانَتْ مُحَدَّدةً بمدَّةٍ؛ فإنَّ الإجارةَ تَنتَهي بانتِهائِها، إلَّا لِعُذرٍ؛ لأنَّ الثَّابِتَ إلى غايةٍ يَنتَهي عندَ وُجودِ الغايةِ فتَنفَسِخُ الإجارةُ بانتِهاءِ المدَّةِ، إلَّا إذا كانَ ثَمةَ عُذرٌ بأنِ انقَضَتِ المدَّةُ وفي الأرضِ زَرعٌ لَم يُستَحصَدْ، ففيه تَفصيلٌ بينَ العُلماءِ.
فذهبَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّه إذا انقَضَتْ مدَّةُ الإجارةِ وفي الأرضِ زَرعٌ لَم يُستَحصَدْ، لا يَجوزُ قَلْعُه؛ وإنَّما يُترَكُ إلى أنْ يُستَحصَدَ بأُجرةِ المِثلِ، بخِلافِ الشَّجرِ؛ فإنَّ له أنْ يَأمُرَ الغارِسَ بقَلْعِه، والشَّجرُ إذا كانَ فيه ثَمرٌ قد أُبِّرَ كانَ بمَنزِلةِ الزَّرعِ.
قالَ الحَنفيَّةُ: إذا انقَضَتْ مدَّةُ الإجارةِ وفي الأرضِ زَرعٌ لَم يُستَحصَدْ؛ فإنَّه يُترَكُ إلى أنْ يُستَحصَدَ بأجْرِ المِثلِ، بخِلافِ ما إذا انقَضَتِ المدَّةُ وفي الأرضِ رَطبةٌ أو غَرسٌ، يُؤمَرُ بالقَلعِ؛ لأنَّ في تَركِ الزَّرعِ إلى أنْ يُدرِكَ مُراعاةَ الحَقَّيْنِ، والنَّظَرَ مِنْ الجانبيْنِ؛ لأنَّ لِقَطْعِه غايةً مَعلومةً؛ فأمَّا الرَّطبةُ فليسَ لِقَطعِها غايةٌ مَعلومةٌ، فلَو لَم تُقطَعْ لَتَعَطَّلَتِ الأرضُ على صاحِبِها، ويَتَضرَّرُ به، وبِخِلافِ الغاصِبِ إذا زَرَعَ الأرضَ المَغصوبةَ
стр. 5806
أنَّه يُؤمَرُ بالقَلعِ، ولا يُترَكُ إلى وَقتِ الحَصادِ بأجْرٍ؛ لأنَّ التَّركَ في الإجارةِ لِدَفعِ الضَّررِ عن المُستَأجِرِ نُظِرَ لَه، وهو مُستَحِقٌّ لِلنَّظَرِ؛ لأنَّه زُرِعَ بإذْنِ المالِكِ، فأمَّا الغاصِبُ فظالِمٌ مُتعَدٍّ في الزَّرعِ، فلا يَستَحقُّ النَّظَرَ بالتَّرْكِ مع ما أنَّه هو الذي أضَرَّ بنَفسِه، حَيثُ زَرَعَ أراضيَ غَيرِه بغَيرِ حَقٍّ؛ فكانَ مُضافًا إلَيهِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: إذا انقَضَتْ مدَّةُ الإجارةِ وفي الأرضِ زَرعٌ لَم يُستَحصَدْ، ولَم يَطِبْ، لَم يكُنْ لربِّ الأرضِ قَلْعُه؛ وإنَّما له كِراءُ أرْضِه إلى تَمامِ الغَرَضِ مِنْ الزَّرعِ مِنْ يَومِ انقَضَتْ مدَّةُ كِرائِه إلى أنْ يُحصَدَ زَرْعُه.
وَهَذا بخِلافِ الشَّجرِ؛ فإذا اكتَرى أرضًا لِيَغرِسَ فيها، فانقَضَتْ مدَّةُ الإجارةِ: فإنَّ صاحِبَها مُخَيَّرٌ بينَ أنْ يَأخُذَ المُستَأجِرُ بالقَلعِ، ولا شَيءَ عليه مِنْ أُجرةِ القَلعِ، أو يُعطيَه قِيمةَ الغِراسِ مَقلوعًا، أو يُبقيَه في الأرضِ، ويَكونا شَريكَيْنِ؛ لأنَّ الإجارةَ تَقتَضي تَسليمَ الأرضِ بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ فارِغةً مِنْ تَعلّقِ حَقٍّ لِلمُستَأجِرِ لَها، ويَقِلُّ ما شَغَلَها به، أصْلُه إذا كانَ له فيها مَتاعٌ أو طَعامٌ؛ فإنَّه يُؤمَرُ بقَلعِه، ولأنَّ فائِدةَ حَصر العَقدِ بالمدَّةِ تَقديرُ المَنفَعةِ المُستَوفاةِ بها، وانقِطاعُها فيما بَعدَها، وفي تَبْقِيَةِ الغِراسِ بعدَ المدَّةِ إبطالٌ لِفائِدةِ التَّحديدِ والتَّقديرِ، خِلافًا لِمُوجِبِ العَقدِ.
والشَّجرُ إذا كانَ فيه ثَمرٌ قد أُبِّرَ كانَ بمَنزِلةِ الزَّرعِ (٢).
стр. 5807
وأمَّا الشافِعيَّةُ فعِندَهم تَفصيلٌ، قالَ الشافِعيُّ: ولَو تَكاراها سَنَةً فزَرَعها فانقَضَتِ السَّنةُ والزَّرعُ فيها لَم يَبلُغْ أنْ يُحصَدَ؛ فإنْ كانَتِ السَّنةُ يُمكِنُه أنْ يَزرَعَ فيها زَرعًا يُحصَدُ قَبلَها؛ فالكِراءُ جائِزٌ، وليسَ لربِّ الزَّرعِ أنْ يُثبِتَ زَرعَه وعليه أنْ يَنقُلَه عن الأرضِ، إلَّا أنْ يَشاءَ ربُّ الأرضِ تَرْكَه.
وَإذا شرطَ أنْ يَزرَعَها صِنفًا مِنْ الزَّرعِ يُستَحصَدُ، أو يُستَقصَلُ قبلَ السَّنةِ فأخَّرَه إلى وَقتٍ مِنْ السَّنةِ وانقَضَتِ السَّنةُ قبلَ بُلوغِه فكذلك أيضًا، وإنْ تَكاراها لِمدَّةٍ أقَلَّ مِنْ سَنَةٍ، وشرطَ أنْ يَزرَعَها شَيئًا بعَينِه، ويَترُكَه حتى يُستَحصَدَ، وكانَ يَعلَمُ أنَّه لا يُمكِّنُه أنْ يَستَحصِدَ في مِثلِ المدَّةِ التي تَكاراها؛ فالكِراءُ فيه فاسِدٌ مِنْ قِبَلِ أنِّي إنْ أثبَتُّ بَينَهما شَرطَهما ولَم أُثبِتْ على ربِّ الأرضِ أنْ يُبقيَ زَرعَه فيها بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ، أبطَلتُ شَرطَ الزَّارِعِ أنْ يَترُكَه حتى يُستَحصَدَ، وإنْ أثبَتُّ له زَرعَه حتى يُستَحصَدَ أبطَلتُ شَرطَ ربِّ الأرضِ؛ فكانَ هذا كِراءً فاسِدًا، ولربِّ الأرضِ كِراءُ مِثلِ أرضِه إذا زَرَعَه وعليه تَرْكُه حتى يُستَحصَدَ.
قالَ الماوَرديُّ ﵀: وصُورةُ هذه المَسألةِ أنْ يَستَأجِرَ الرجُلُ أرضًا مدَّةً مَعلومةً لِيَزرَعها زَرعًا مَوصوفًا، فزَرَعَها، ثم انقَضَتِ المدَّةُ، قبلَ استِحصادِ زَرعِها، فلا يَخلو حالُ المدَّةِ مِنْ ثَلاثةِ أقسامٍ:
أحَدُها: أنْ يَعلَمَ أنَّ ذلك الزَّرعَ يُستَحصَدُ في مِثلِها.
стр. 5808
والثَّاني: أنْ يَعلَمَ أنَّه لا يُستَحصَدُ في مِثلِها.
والثَّالث: أنْ يَقَعَ الشَّكُّ فيه.
فَأمَّا القِسمُ الأولُ: وهو أنْ يَعلَمَ بجاري العادةِ أنَّ مثلَ ذلك الزَّرعِ يُستَحصَدُ في مِثلِ تلك المدَّةِ، فانقَضَتِ المدَّةُ قبلَ استِحصادِه، فلا يَخلو ذلك مِنْ ثَلاثةِ أقسامِ:
أحَدُها: أنْ يَكونَ تَأخُّرُ استِحصادِه لِعُدولِه عن الجِنسِ الذي شرطَه إلى غَيرِه، مثلَ أنْ يَستَأجِرَ خَمسةَ أشهُرٍ لِزَرعِ الباقِلَّا، فيَزرَعَها بُرًّا، فتَنقَضيَ المدَّةُ، والزَّرعُ غيرُ مُستَحصَدٍ، فهذا يُؤخَذُ بقَلعِ زَرعِه قبلَ استِحصادِه؛ لأنَّه بعُدولِه عن الباقِلَّا إلى البُرِّ يَصيرُ مُتعَدِّيًا، فلَم يَستَحقَّ استِيفاءَ زَرعٍ تَعدَّى فيه، فإنْ تَراضَى المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ على تَرْكِه إلى أوانِ حَصادِه بأُجرةِ المِثلِ فيما زادَ على المدَّةِ أُقِرَّ، وإنْ رَضيَ المُستَأجِرُ وأبَى المُؤجِّرُ، أو رَضيَ المُؤجِّرُ وأبَى المُستَأجِرُ مِنْ بَذْلِ أُجرةِ المِثلِ قُلِعَ.
والقِسمُ الثَّاني: أنْ يَكونَ تَأخيرُ استِحصادِه لِتَأخيرِ بَذْرِه مِنْ غيرِ عُدولٍ عن جِنسِه، فهذا مُفَرِّطٌ، ويُؤخَذُ بقَلعِ زَرعِه قبلَ استِحصادِه؛ لأنَّ تَفريطَه لَا يُلزِمُ غَيرَه، فإنْ بذلَ أُجرةَ مِثلِ المدَّةِ الزَّائِدةِ ورَضيَ المُؤجِّرُ بقَبولِها، تُرِكَ، وإلَّا قُلِعَ.
والقِسمُ الثَّالث: أنْ يَكونَ تَأخيرُ استِحصادِه لِأمْرٍ سَمائِيٍّ، مِنْ استِدامةِ بَردٍ، أو تَأخيرِ مَطَرٍ، أو دَوامِ ثَلجٍ، ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: يُترَكُ إلى وَقتِ استِحصادِه؛ لأنَّه لَم يكُنْ مِنْ المُستَأجِرِ
стр. 5809
عُدوانٌ، ولا تَفريطٌ، فإذا تُرِكَ إلى وَقتِ الحَصادِ ضَمِنَ المُستَأجِرُ أُجرةَ مِثلِ المدَّةِ الزَّائِدةِ على عَقدِه.
والوَجهُ الثَّاني: أنْ يُؤخَذَ بقَلعِ زَرعِه، ولا يُترَكَ؛ لأنَّه قد كانَ يَقدِرُ على الِاستِظهارِ لِنَفْسِه في استِزادةِ المدَّةِ؛ خَوفًا مِنْ حادِثِ سَماءٍ، فلَمَّا لَم يَستَظهِرْ صارَ مُفَرِّطًا.
وأمَّا القِسمُ الثَّاني مِنْ أقسامِ الأصلِ، وهو أنْ يَعلَمَ بجاري العادةِ أنَّ مثلَ ذلك الزَّرعِ لا يُستَحصَدُ في مِثلِ تلك المدَّةِ، مثلَ أنْ يَستَأجِرَها أربَعةَ أشهُرٍ لِزَرعٍ مِنْ بُرٍّ أو شَعيرٍ، فهذا على ثَلاثةِ أقسامٍ:
أحَدُها: أنْ يُشترَطَ قَلعُه عندَ تَقضِّي المدَّةِ، فهذه إجارةٌ جائِزةٌ؛ لأنَّه قد يُريدُ زَرعَه قَصيلًا، ولا يُريدُه حَبًّا، فإذا انقَضَتِ المدَّةُ أخَذَ بقَلعِ زَرعِه وقَطعِه.
والقِسمُ الثَّاني: أنْ يُشترَطَ تَركُه إلى وَقتِ حَصادِه؛ فهذه إجارةٌ فاسِدةٌ؛ لأنَّ اشتِراطَ استِيفاءِ الزَّرعِ بعدَ مدَّةِ الإجارةِ يُنافِي مُوجِبَها، فبَطَلَتْ ثم لِلزَّارِعِ استِيفاءُ زَرعِه إلى وَقتِ حَصادِه، وإنْ بَطَلَتِ الإجارةُ، فلا يُؤخَذُ بقَلعِ زَرعٍ؛ لأنَّه زُرِعَ عن إذْنٍ اشتُرِطَ فيه التَّركُ، وعليه أُجرةُ المِثلِ، والفَرقُ بينَ هذه المَسألةِ في استِيفاءِ الزَّرعِ مع فَسادِ الإجارةِ، وبَينَ أنْ يُؤخَذَ بقَلعِه فيما تَقدَّمَ مِنْ الأقسامِ، مع صِحَّةِ الإجارةِ: أنَّ الإجارةَ إذا بَطَلَتْ رُوعيَ الإذْنُ دونَ المدَّةِ، وإذا صَحَّتْ رُوعِيَت المدَّةُ.
والقِسمُ الثَّالث مِنْ هذه الأقسامِ: أنْ يُطلَقَ العَقدُ، فلا يُشترَطَ فيه
стр. 5810
قَلعٌ ولا تَرْكٌ، فقَدِ اختَلفَ أصحابُنا هَلْ إطلاقُه يَقتَضي القَلعَ أوِ التَّركَ؟ على وجهيْنِ:
أحَدُهما: وهو قولُ أبي إسحاقَ المَروَزيِّ أنَّه يَقتَضي القَلعَ اعتِبارًا بمُوجِبِ العَقدِ، فعلى هذا الإجارةُ صَحيحةٌ، ويُؤخَذُ المُستَأجِرُ بقَلعِ زَرعِه عندَ تَقضِّي المدَّةِ.
والوَجْهُ الثَّاني: وهو ظاهِرُ كَلامِ الشافِعيِّ ﵀ أنَّ الإطلاقَ يَقتَضي التَّركَ إلى أوانِ الحَصادِ، اعتِبارًا بالعُرفِ فيه، كَما أنَّ ما لَم يَبدُ صَلاحُه مِنْ الثِّمارِ يَقتَضي إطلاقُ بَيعِه لِلتَّركِ إلى وَقتِ الصِّرامِ؛ اعتِبارًا بالعُرفِ فيه، فعلى هذا تَكونُ الإجارةُ فاسِدةً، ويَكونُ لِلمُستَأجِرِ تَركُ زَرعِه إلى وَقتِ حَصادِه، وعليه أُجرةُ المِثلِ، كَما لَو شرطَ التَّركَ.
وأمَّا القِسمُ الثَّالث مِنْ أقسامِ الأصْلِ، وهو أنْ يَقَعَ الشَّكُّ في تلك المدَّةِ هَلْ يُستَحصَدُ الزَّرعُ فيها، كَأنِ استَأجَرَها خَمسةَ أشهُرٍ لِزَرعِ البُرِّ أوِ الشَّعيرِ، فقَد يَجوزُ أنْ يُستَحصَدَ الزَّرعُ في هذه المدَّةِ في بَعضِ البِلادِ وبَعضِ السِّنينِ، ويَجوزُ ألَّا يُستَحصَدَ، فيَكونَ حُكمُ هذا القِسمِ حُكمَ ما عُلِمَ أنَّه يُستَحصَدُ فيه، ويَكونَ حُكمُ هذا القِسمِ حُكمَ ما عُلِمَ أنَّه لا يُستَحصَدُ فيه على ما مَضَى؛ إسقاطًا لِلشَّكِّ، واعتِبارًا باليَقينِ، واللَّهُ أعلمُ (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا استَأجَرَ أرضًا لِلزِّراعةِ مدَّةً فانقَضَتْ وفيها زَرعٌ، ولَم يَبلُغْ حَصادَه، لَم يَخْلُ مِنْ حالَتَيْنِ:
стр. 5811
إحداهُما: أنْ يَكونَ لِتَفريطٍ مِنْ المُستَأجِرِ، مثلَ أنْ يَزرَعَ زَرعًا لَم تَجْرِ العادةُ بكَمالِه قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، فحُكمُه حُكمُ زَرعِ الغاصِبِ يُخيَّرُ المالِكُ بعدَ المدَّةِ بينَ أخْذِه بالقِيمةِ أو تَرْكِه بالأجْرِ لِمَا زادَ على المدَّةِ؛ لأنَّه أبقَى زَرعَه في أرضِ غَيرِه بعُدوانِه، وإنِ اختارَ المُستَأجِرُ قَطعَ زَرعِه في الحالِ وتَفريغَ الأرضِ فلَه ذلك؛ لأنَّه يُزيلُ الضَّررَ ويُسَلِّمُ الأرضَ على الوَجهِ الذي اقتَضاه العَقدُ، وذكرَ القاضي: أنَّ على المُستَأجِرِ نَقلَ الزَّرعِ وتَفريغَ الأرضِ، وإنِ اتَّفَقا على تَركِه بعِوَضٍ أو بغَيرِه جازَ، وهذا مَذهَبُ الشافِعيِّ بِناءً على قَولِه في الغاصِبِ، وقِياسُ مَذهبِنا ما ذَكَرْناه.
الحالةُ الأُخرى: أنْ يَكونَ بَقاؤُه بغَيرِ تَفريطٍ، مثلَ أنْ يَزرَعَ زَرعًا يَنتَهي في المدَّةِ عادةً، فأبطَأَ لِبَردٍ أو غَيرِهِ؛ فإنَّه يَلزَمُ المُؤجِّرَ تَرْكُه إلى أنْ يَنتَهيَ، ولَه المُسمَّى وأجْرُ المِثلِ لِمَا زادَ، وهذا أحَدُ الوجهيْنِ لِأصحابِ الشَّافِعيِّ.
والوَجْهُ الآخَرُ: قالوا: يَلزَمُه نَقْلُه؛ لأنَّ المدَّةَ ضُرِبَتْ لِنَقلِ الزَّرعِ؛ فيَلزَمُ العَملُ بمُوجِبِه، وقَد وُجِدَ منه تَفريطٌ؛ لأنَّه كانَ يُمكِنُه أنْ يَستَظهِرَ في المدَّةِ، فلَم يَفعَلْ.
وَلَنا: أنَّه حَصَلَ الزَّرعُ في أرضِ غَيرِه بإذْنِه، مِنْ غيرِ تَفريطٍ، فلَزِمَ تَرْكُه كَما لَو أعارَه أرضًا فزَرَعَها ثم رَجعَ المالِكُ قبلَ كَمالِ الزَّرعِ، وقولُهم: إنَّه مُفَرِّطٌ، غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّ هذه المدَّةَ التي جَرَتِ العادةُ بكَمالِ الزَّرعِ فيها، وفي زِيادةِ المدَّةِ تَفويتُ زِيادةِ الأجْرِ بغَيرِ فائِدةٍ، وتَضييعُ زِيادةٍ مُتيَقَّنةٍ لِتَحصيلِ شَيءٍ مُتوَهَّمٍ على خِلافِ العادةِ، هو التَّفريطُ؛ فلَم يكُنْ تَرْكُه تَفريطًا.
стр. 5812
ومتى أرادَ المُستَأجِرُ زَرعَ شَيءٍ لا يُدرَكُ مِثلُه في الإجارةِ، فلِلمالِكِ مَنْعُه؛ لأنَّه سَبَبٌ لِوُجودِ زَرعِه في أرضِه بغَيرِ حَقٍّ، فملكَ مَنْعَه مِنه؛ فإنْ زَرَعَ لَم يَملِكْ مُطالَبتَه بقَلعِه قبلَ المدَّةِ؛ لأنَّه في أرضٍ يَملِكُ نَفْعَها، ولأنَّه لا يَملِكُ ذلك بعدَ المدَّةِ، فقَبْلَها أَوْلَى، ومَن أوجَبَ عليه قَطعَه بعدَ المدَّةِ، قالَ: إذا لَم يكُنْ بُدٌّ مِنْ المُطالَبةِ بالنَّقلِ تَكُونُ عندَ المدَّةِ التي يُستحَقُّ فيها تَسليمُها إلى المُؤجِّرِ فارِغةً.
وَإذا اكتَرى الأرضَ لِزَرعٍ مدَّةً لا يَكمُلُ فيها، مثلَ أنْ يَكتَريَ خَمسةَ أشهُرٍ لِزَرعٍ لا يَكمُلُ إلَّا في سَنةٍ، نَظَرْنا؛ فإنْ شرطَ تَفريغَها عندَ انقِضاءِ المدَّةِ ونَقلَه عَنها، صَحَّ؛ لأنَّه لا يُفضي إلى الزِّيادةِ على مدَّتِه، وقَد يَكونُ له غَرَضٌ في ذلك؛ لِأخذِه إيَّاه قَصيلًا، أو غَيرَه، ويَلزَمُه ما التَزَم، وإنْ أطلَقَ العَقدَ ولَم يَشتَرِطْ شَيئًا احتَمَلَ أنْ يَصحَّ؛ لأنَّ الِانتِفاعَ بالزَّرعِ في هذه المدَّةِ مُمكِنٌ، واحتَمَلَ أنَّه إنْ أمكَنَ أنْ يَنتفِعَ بالأرضِ في زَرعٍ ضَرَرُهُ كَضَرَرِ الزَّرعِ المَشروطِ، أو دُونَه، مثلَ أنْ يَزرَعَها شَعيرًا، يَأخُذُه قَصيلًا، صَحَّ العَقدُ؛ لأنَّ الِانتِفاعَ بها في بَعضِ ما اقتَضاه العَقدُ مُمكِنٌ، وإنْ لَم يكُنْ كذلك لَم يَصحَّ؛ لأنَّه اكتَرى لِلزَّرعِ ما لا يَنتفِعُ به، أشبَهَ إجارةَ السَّبخةِ لَه.
فَإنْ قُلْنا: يَصحُّ؛ فإنِ انقَضَتِ المدَّةُ ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: حُكمُه حُكمُ زَرعِ المُستَأجِرِ، لِمَا لا يَكمُلُ في مدَّتِه؛ لأنَّه ههُنا مُفَرِّطٌ، واحتَمَلَ أنْ يَلزَم المُكرِي تَرْكُه بالأجْرِ؛ لأنَّ التَّفريطَ منه حَيثُ أكراه مدَّةً لِزَرعٍ لا يَكمُلُ فيها، وإنْ شرطَ تَبقِيَتَه حتى يَكمُلَ فالعَقدُ فاسِدٌ؛ لأنَّه جَمْعٌ بينَ مُتضادَّيْنِ، فإنَّ تَقديرَ المدَّةِ يَقتَضي النَّقلَ فيها، وشَرْطُ التَّبقِيَةِ
стр. 5813
يُخالِفُه، ولأنَّ مدَّةَ التَّبقيَةِ مَجهولةٌ؛ فإنْ زَرَعَ لَم يُطالَبْ بنَقلِه، كالَّتي تَقدَّمَتْ.
فَصلٌ: إذا أجَّرَه لِلغِراسِ سَنةً صَحَّ؛ لأنَّه يُمكِنُه تَسليمُ مَنفعَتِها المُباحةِ المَقصودةِ، فأشبَهَتْ سائِرَ المَنافِعِ، وسَواءٌ قَلَعَ الغِراسَ عندَ انقِضاءِ المدَّةِ، أو أطلَقَ، ولَه أنْ يَغرِسَ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، فإذا انقَضَتْ لَم يكُنْ له أنْ يَغرِسَ؛ لِزَوالِ عَقدِه، فإذا انقَضَتِ السَّنةُ وكانَ قد شرطَ القَلعَ عندَ انقِضائِها، لَزِمَه ذلك؛ وَفاءً بمُوجِبِ شَرطِه، وليسَ على صاحِبِ الأرضِ غَرامةُ نَقصِه، ولا على المُكتَرِي تَسويةُ الحُفَرِ، وإصلاحُ الأرضِ؛ لأنَّهما دخلَا على هَذا؛ لِرِضاهُما بالقَلعِ، وعلى اشتِراطِهِما عليه، وإنِ اتَّفَقا على إبقائِه بأجْرٍ أو غَيرِه جازَ، إذا شَرَطا مدَّةً مَعلومةً، وكذلك لَوِ اكتَرى الأرضَ سَنةً بعدَ سَنةٍ، كلَّما انقَضَى عَقدٌ جُدِّدَ آخَرُ، جازَ، وإنْ أطَلَقَ العَقدَ فلِلمُكتَرِي القَلعُ؛ لأنَّ الغَرسَ مِلْكُه؛ فلَه أخْذُه، كَطَعامِه مِنْ الدَّارِ التي باعَها، وإذا قَلَعَ فعليه تَسويةُ الحُفَرِ؛ لأنَّه نَقصٌ دخلَ على مِلْكِ غَيرِه بغَيرِ إذْنِه، وهَكَذا إنْ قَلَعَه قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ ههُنا، وفي التي قَبلَها؛ لأنَّ القَلعَ قبلَ الوَقتِ لَم يَأذَنْ فيه المالِكُ، ولأنَّه تَصرَّفَ في الأرضِ تَصرُّفًا نَقَصَها، لَم يَقتَضِه عَقدُ الإجارةِ، وإنْ أبَى القَلعَ لَم يُجبَرْ عليه، إلَّا أنْ يَضمَنَ له المالِكُ نَقصَ غَرْسِه، فيُجبَرَ حينئذٍ، وبِهَذا قالَ الشافِعيُّ.
وقالَ أبو حَنيفَةَ ومالِكٌ: عليه القَلعُ مِنْ غيرِ ضَمانِ النَّقصِ لَه؛ لأنَّ تَقديرَ المدَّةِ في الإجارةِ يَقتَضي التَّفريغَ عندَ انقِضائِها، كَما لَوِ استَأجَرَها لِلزَّرعِ.
стр. 5814
وَلَنا: قولُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَيسَ لِعِرقٍ ظالِمٍ حَقٌّ» (١)، مَفهومُه أنَّ ما لَيسَ بظالِمٍ له حَقٌّ، وهذا لَيسَ بظالِمٍ، ولأنَّه غَرَسَ بإذْنِ المالِكِ ولَم يَشرُطْ قَلعَه، فلَم يُجبَرْ على القَلعِ مِنْ غيرِ ضَمانِ النَّقصِ، كَما لَوِ استَعارَ منه أرضًا لِلغَرسِ مدَّةً، فرَجعَ قبلَ انقِضائِها، ويُخالِفُ الزَّرعَ؛ فإنَّه لا يَقتَضي التَّأبيدَ.
فَإن قيلَ: فإنْ كانَ إطلاقُ العَقدِ في الغِراسِ يَقتَضي التَّأبيدَ فشَرطُ القَلعِ يُنافي مُقتَضَى العَقدِ؛ فيَنبَغي أنْ يُفسِدَه.
قُلْنا: إنَّما اقتَضَى التَّأبيدَ مِنْ حَيثُ إنَّ العادةَ في الغِراسِ التَّبْقِيَةُ؛ فإذا أطلَقَه حُمِلَ على العادةِ، وإذا شرطَ خِلافَه جازَ، كَما إذا باعَ بغَيرِ نَقدِ البَلَدِ، أو شرطَ في الإجارةِ شَرطًا يُخالِفُ العادةَ.
إذا ثبَتَ هَذا؛ فإنَّ ربَّ الأرضِ يُخيَّرُ بينَ ثَلاثةِ أشياءَ:
أحَدُها: أنْ يَدفَعَ قِيمةَ الغِراسِ والبِناءِ فيَملِكَه مع أرضِه.
والثَّاني: أنْ يَقلَعَ الغِراسَ والبِناءَ، ويَضمَنَ أرشَ نَقْصِه.
والثَّالث: أنْ يُقِرَّ الغِراسَ والبِناءَ ويَأخُذَ منه أجْرَ المِثلِ؛ وبِهَذا قالَ الشافِعيُّ.
وقالَ مالِكٌ ﵀: يُخيَّرُ بينَ دَفْعِ قِيمَتِه فيَملِكُه، وبَينَ مُطالَبتِه بالقَلعِ مِنْ غيرِ ضَمانٍ، وبَينَ تَرْكِه، فيَكونانِ شَريكَيْنِ وليسَ بصَحيحٍ، لأنَّ الغِراسَ مِلْكٌ لِغارِسِه، لَم يُدفَعْ إليه عنه عِوَضٌ، ولا رَضيَ بزَوالِ مِلْكِه عنه، كَسائِرِ
стр. 5815
الغَرسِ، وإنِ اتَّفَقا على بَيعِ الغِراسِ والبِناءِ لِلمالِكِ جازَ، وإنْ باعَهُما صاحِبُهُما لِغَيرِ مالِكِ الأرضِ جازَ، ومُشتَريهما يَقومُ فيهِما مَقامَ البائِعِ، وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ في أحَدِ الوجهيْنِ: لَيسَ له بَيعُهما لِغَيرِ مالِكِ الأرضِ؛ لأنَّ مالِكَه ضَعيفٌ، بدَليلِ أنَّ لِصاحِبِ الأرضِ تَملُّكَه عليه بالقِيمةِ مِنْ غيرِ إذْنِه.
لَنا: أنَّه مَملوكٌ لَه، يَجوزُ بَيعُه لِمالِكِ الأرضِ، فجازَ لِغَيرِه، كَشِقْصٍ مَشفوعٍ، وبِهَذا يَبطُلُ ما ذَكَروهُ؛ فإنَّ لِلشَّفيعِ تَملُّكَ الشِّقصِ وشِراءَه، ويَجوزُ بَيعُه لِغَيرِه، فأمَّا إنْ شرطَ في العَقدِ تَبْقِيةَ الغِراسِ، فذكرَ القاضي أنَّه صَحيحٌ، وحُكمُه حُكمُ ما لَو أطلَقَ العَقدَ، سَواءٌ، وهو قولُ أصحابِ الشَّافِعيِّ، ويُحتَمَلُ أنْ يَبطُلَ العَقدُ؛ لأنَّه شرطَ ما يُنافِي مُقتَضَى العَقدِ؛ فلَم يَصحَّ، كَما لَو شرطَ ذلك في الزَّرعِ الذي لا يَكمُلُ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، ولأنَّ الشَّرطَ باطِلٌ، بدَليلِ أنَّه لا يَجِبُ الوَفاءُ به، وهو مُؤثِّرٌ؛ فأبطَلَه، كَشَرطِ تَبْقِيةِ الزَّرعِ بعدَ مدَّةِ الإجارةِ (١).
ثانيًا: الإقالةُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على جَوازِ صِحَّةِ الإقالةِ في الإجارةِ، فإذا أقالَ المُؤجِّرُ المُستَأجِرَ؛ انقَضَتِ الإجارةُ.
قالَ الحَنفيَّةُ: تَنقَضي الإجارةُ بالإقالةِ؛ لأنَّه مُعاوَضةُ المالِ بالمالِ، فكانَ مُحتَمِلًا لِلإقالةِ، كالبَيعِ (٢).