← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

إحداهُما: أنْ يَكونَ لِتَفريطٍ مِنْ المُستَأجِرِ، مثلَ أنْ يَزرَعَ زَرعًا لَم تَجْرِ العادةُ بكَمالِه قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، فحُكمُه حُكمُ زَرعِ الغاصِبِ يُخيَّرُ المالِكُ بعدَ المدَّةِ بينَ أخْذِه بالقِيمةِ أو تَرْكِه بالأجْرِ لِمَا زادَ على المدَّةِ؛ لأنَّه أبقَى زَرعَه في أرضِ غَيرِه بعُدوانِه، وإنِ اختارَ المُستَأجِرُ قَطعَ زَرعِه في الحالِ وتَفريغَ الأرضِ فلَه ذلك؛ لأنَّه يُزيلُ الضَّررَ ويُسَلِّمُ الأرضَ على الوَجهِ الذي اقتَضاه العَقدُ، وذكرَ القاضي: أنَّ على المُستَأجِرِ نَقلَ الزَّرعِ وتَفريغَ الأرضِ، وإنِ اتَّفَقا على تَركِه بعِوَضٍ أو بغَيرِه جازَ، وهذا مَذهَبُ الشافِعيِّ بِناءً على قَولِه في الغاصِبِ، وقِياسُ مَذهبِنا ما ذَكَرْناه. الحالةُ الأُخرى: أنْ يَكونَ بَقاؤُه بغَيرِ تَفريطٍ، مثلَ أنْ يَزرَعَ زَرعًا يَنتَهي في المدَّةِ عادةً، فأبطَأَ لِبَردٍ أو غَيرِهِ؛ فإنَّه يَلزَمُ المُؤجِّرَ تَرْكُه إلى أنْ يَنتَهيَ، ولَه المُسمَّى وأجْرُ المِثلِ لِمَا زادَ، وهذا أحَدُ الوجهيْنِ لِأصحابِ الشَّافِعيِّ. والوَجْهُ الآخَرُ: قالوا: يَلزَمُه نَقْلُه؛ لأنَّ المدَّةَ ضُرِبَتْ لِنَقلِ الزَّرعِ؛ فيَلزَمُ العَملُ بمُوجِبِه، وقَد وُجِدَ منه تَفريطٌ؛ لأنَّه كانَ يُمكِنُه أنْ يَستَظهِرَ في المدَّةِ، فلَم يَفعَلْ. وَلَنا: أنَّه حَصَلَ الزَّرعُ في أرضِ غَيرِه بإذْنِه، مِنْ غيرِ تَفريطٍ، فلَزِمَ تَرْكُه كَما لَو أعارَه أرضًا فزَرَعَها ثم رَجعَ المالِكُ قبلَ كَمالِ الزَّرعِ، وقولُهم: إنَّه مُفَرِّطٌ، غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّ هذه المدَّةَ التي جَرَتِ العادةُ بكَمالِ الزَّرعِ فيها، وفي زِيادةِ المدَّةِ تَفويتُ زِيادةِ الأجْرِ بغَيرِ فائِدةٍ، وتَضييعُ زِيادةٍ مُتيَقَّنةٍ لِتَحصيلِ شَيءٍ مُتوَهَّمٍ على خِلافِ العادةِ، هو التَّفريطُ؛ فلَم يكُنْ تَرْكُه تَفريطًا.

стр. 5812

ومتى أرادَ المُستَأجِرُ زَرعَ شَيءٍ لا يُدرَكُ مِثلُه في الإجارةِ، فلِلمالِكِ مَنْعُه؛ لأنَّه سَبَبٌ لِوُجودِ زَرعِه في أرضِه بغَيرِ حَقٍّ، فملكَ مَنْعَه مِنه؛ فإنْ زَرَعَ لَم يَملِكْ مُطالَبتَه بقَلعِه قبلَ المدَّةِ؛ لأنَّه في أرضٍ يَملِكُ نَفْعَها، ولأنَّه لا يَملِكُ ذلك بعدَ المدَّةِ، فقَبْلَها أَوْلَى، ومَن أوجَبَ عليه قَطعَه بعدَ المدَّةِ، قالَ: إذا لَم يكُنْ بُدٌّ مِنْ المُطالَبةِ بالنَّقلِ تَكُونُ عندَ المدَّةِ التي يُستحَقُّ فيها تَسليمُها إلى المُؤجِّرِ فارِغةً. وَإذا اكتَرى الأرضَ لِزَرعٍ مدَّةً لا يَكمُلُ فيها، مثلَ أنْ يَكتَريَ خَمسةَ أشهُرٍ لِزَرعٍ لا يَكمُلُ إلَّا في سَنةٍ، نَظَرْنا؛ فإنْ شرطَ تَفريغَها عندَ انقِضاءِ المدَّةِ ونَقلَه عَنها، صَحَّ؛ لأنَّه لا يُفضي إلى الزِّيادةِ على مدَّتِه، وقَد يَكونُ له غَرَضٌ في ذلك؛ لِأخذِه إيَّاه قَصيلًا، أو غَيرَه، ويَلزَمُه ما التَزَم، وإنْ أطلَقَ العَقدَ ولَم يَشتَرِطْ شَيئًا احتَمَلَ أنْ يَصحَّ؛ لأنَّ الِانتِفاعَ بالزَّرعِ في هذه المدَّةِ مُمكِنٌ، واحتَمَلَ أنَّه إنْ أمكَنَ أنْ يَنتفِعَ بالأرضِ في زَرعٍ ضَرَرُهُ كَضَرَرِ الزَّرعِ المَشروطِ، أو دُونَه، مثلَ أنْ يَزرَعَها شَعيرًا، يَأخُذُه قَصيلًا، صَحَّ العَقدُ؛ لأنَّ الِانتِفاعَ بها في بَعضِ ما اقتَضاه العَقدُ مُمكِنٌ، وإنْ لَم يكُنْ كذلك لَم يَصحَّ؛ لأنَّه اكتَرى لِلزَّرعِ ما لا يَنتفِعُ به، أشبَهَ إجارةَ السَّبخةِ لَه. فَإنْ قُلْنا: يَصحُّ؛ فإنِ انقَضَتِ المدَّةُ ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: حُكمُه حُكمُ زَرعِ المُستَأجِرِ، لِمَا لا يَكمُلُ في مدَّتِه؛ لأنَّه ههُنا مُفَرِّطٌ، واحتَمَلَ أنْ يَلزَم المُكرِي تَرْكُه بالأجْرِ؛ لأنَّ التَّفريطَ منه حَيثُ أكراه مدَّةً لِزَرعٍ لا يَكمُلُ فيها، وإنْ شرطَ تَبقِيَتَه حتى يَكمُلَ فالعَقدُ فاسِدٌ؛ لأنَّه جَمْعٌ بينَ مُتضادَّيْنِ، فإنَّ تَقديرَ المدَّةِ يَقتَضي النَّقلَ فيها، وشَرْطُ التَّبقِيَةِ

стр. 5813

يُخالِفُه، ولأنَّ مدَّةَ التَّبقيَةِ مَجهولةٌ؛ فإنْ زَرَعَ لَم يُطالَبْ بنَقلِه، كالَّتي تَقدَّمَتْ. فَصلٌ: إذا أجَّرَه لِلغِراسِ سَنةً صَحَّ؛ لأنَّه يُمكِنُه تَسليمُ مَنفعَتِها المُباحةِ المَقصودةِ، فأشبَهَتْ سائِرَ المَنافِعِ، وسَواءٌ قَلَعَ الغِراسَ عندَ انقِضاءِ المدَّةِ، أو أطلَقَ، ولَه أنْ يَغرِسَ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، فإذا انقَضَتْ لَم يكُنْ له أنْ يَغرِسَ؛ لِزَوالِ عَقدِه، فإذا انقَضَتِ السَّنةُ وكانَ قد شرطَ القَلعَ عندَ انقِضائِها، لَزِمَه ذلك؛ وَفاءً بمُوجِبِ شَرطِه، وليسَ على صاحِبِ الأرضِ غَرامةُ نَقصِه، ولا على المُكتَرِي تَسويةُ الحُفَرِ، وإصلاحُ الأرضِ؛ لأنَّهما دخلَا على هَذا؛ لِرِضاهُما بالقَلعِ، وعلى اشتِراطِهِما عليه، وإنِ اتَّفَقا على إبقائِه بأجْرٍ أو غَيرِه جازَ، إذا شَرَطا مدَّةً مَعلومةً، وكذلك لَوِ اكتَرى الأرضَ سَنةً بعدَ سَنةٍ، كلَّما انقَضَى عَقدٌ جُدِّدَ آخَرُ، جازَ، وإنْ أطَلَقَ العَقدَ فلِلمُكتَرِي القَلعُ؛ لأنَّ الغَرسَ مِلْكُه؛ فلَه أخْذُه، كَطَعامِه مِنْ الدَّارِ التي باعَها، وإذا قَلَعَ فعليه تَسويةُ الحُفَرِ؛ لأنَّه نَقصٌ دخلَ على مِلْكِ غَيرِه بغَيرِ إذْنِه، وهَكَذا إنْ قَلَعَه قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ ههُنا، وفي التي قَبلَها؛ لأنَّ القَلعَ قبلَ الوَقتِ لَم يَأذَنْ فيه المالِكُ، ولأنَّه تَصرَّفَ في الأرضِ تَصرُّفًا نَقَصَها، لَم يَقتَضِه عَقدُ الإجارةِ، وإنْ أبَى القَلعَ لَم يُجبَرْ عليه، إلَّا أنْ يَضمَنَ له المالِكُ نَقصَ غَرْسِه، فيُجبَرَ حينئذٍ، وبِهَذا قالَ الشافِعيُّ. وقالَ أبو حَنيفَةَ ومالِكٌ: عليه القَلعُ مِنْ غيرِ ضَمانِ النَّقصِ لَه؛ لأنَّ تَقديرَ المدَّةِ في الإجارةِ يَقتَضي التَّفريغَ عندَ انقِضائِها، كَما لَوِ استَأجَرَها لِلزَّرعِ.

стр. 5814

وَلَنا: قولُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَيسَ لِعِرقٍ ظالِمٍ حَقٌّ» (١)، مَفهومُه أنَّ ما لَيسَ بظالِمٍ له حَقٌّ، وهذا لَيسَ بظالِمٍ، ولأنَّه غَرَسَ بإذْنِ المالِكِ ولَم يَشرُطْ قَلعَه، فلَم يُجبَرْ على القَلعِ مِنْ غيرِ ضَمانِ النَّقصِ، كَما لَوِ استَعارَ منه أرضًا لِلغَرسِ مدَّةً، فرَجعَ قبلَ انقِضائِها، ويُخالِفُ الزَّرعَ؛ فإنَّه لا يَقتَضي التَّأبيدَ. فَإن قيلَ: فإنْ كانَ إطلاقُ العَقدِ في الغِراسِ يَقتَضي التَّأبيدَ فشَرطُ القَلعِ يُنافي مُقتَضَى العَقدِ؛ فيَنبَغي أنْ يُفسِدَه. قُلْنا: إنَّما اقتَضَى التَّأبيدَ مِنْ حَيثُ إنَّ العادةَ في الغِراسِ التَّبْقِيَةُ؛ فإذا أطلَقَه حُمِلَ على العادةِ، وإذا شرطَ خِلافَه جازَ، كَما إذا باعَ بغَيرِ نَقدِ البَلَدِ، أو شرطَ في الإجارةِ شَرطًا يُخالِفُ العادةَ. إذا ثبَتَ هَذا؛ فإنَّ ربَّ الأرضِ يُخيَّرُ بينَ ثَلاثةِ أشياءَ: أحَدُها: أنْ يَدفَعَ قِيمةَ الغِراسِ والبِناءِ فيَملِكَه مع أرضِه. والثَّاني: أنْ يَقلَعَ الغِراسَ والبِناءَ، ويَضمَنَ أرشَ نَقْصِه. والثَّالث: أنْ يُقِرَّ الغِراسَ والبِناءَ ويَأخُذَ منه أجْرَ المِثلِ؛ وبِهَذا قالَ الشافِعيُّ. وقالَ مالِكٌ ﵀: يُخيَّرُ بينَ دَفْعِ قِيمَتِه فيَملِكُه، وبَينَ مُطالَبتِه بالقَلعِ مِنْ غيرِ ضَمانٍ، وبَينَ تَرْكِه، فيَكونانِ شَريكَيْنِ وليسَ بصَحيحٍ، لأنَّ الغِراسَ مِلْكٌ لِغارِسِه، لَم يُدفَعْ إليه عنه عِوَضٌ، ولا رَضيَ بزَوالِ مِلْكِه عنه، كَسائِرِ

стр. 5815

الغَرسِ، وإنِ اتَّفَقا على بَيعِ الغِراسِ والبِناءِ لِلمالِكِ جازَ، وإنْ باعَهُما صاحِبُهُما لِغَيرِ مالِكِ الأرضِ جازَ، ومُشتَريهما يَقومُ فيهِما مَقامَ البائِعِ، وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ في أحَدِ الوجهيْنِ: لَيسَ له بَيعُهما لِغَيرِ مالِكِ الأرضِ؛ لأنَّ مالِكَه ضَعيفٌ، بدَليلِ أنَّ لِصاحِبِ الأرضِ تَملُّكَه عليه بالقِيمةِ مِنْ غيرِ إذْنِه. لَنا: أنَّه مَملوكٌ لَه، يَجوزُ بَيعُه لِمالِكِ الأرضِ، فجازَ لِغَيرِه، كَشِقْصٍ مَشفوعٍ، وبِهَذا يَبطُلُ ما ذَكَروهُ؛ فإنَّ لِلشَّفيعِ تَملُّكَ الشِّقصِ وشِراءَه، ويَجوزُ بَيعُه لِغَيرِه، فأمَّا إنْ شرطَ في العَقدِ تَبْقِيةَ الغِراسِ، فذكرَ القاضي أنَّه صَحيحٌ، وحُكمُه حُكمُ ما لَو أطلَقَ العَقدَ، سَواءٌ، وهو قولُ أصحابِ الشَّافِعيِّ، ويُحتَمَلُ أنْ يَبطُلَ العَقدُ؛ لأنَّه شرطَ ما يُنافِي مُقتَضَى العَقدِ؛ فلَم يَصحَّ، كَما لَو شرطَ ذلك في الزَّرعِ الذي لا يَكمُلُ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، ولأنَّ الشَّرطَ باطِلٌ، بدَليلِ أنَّه لا يَجِبُ الوَفاءُ به، وهو مُؤثِّرٌ؛ فأبطَلَه، كَشَرطِ تَبْقِيةِ الزَّرعِ بعدَ مدَّةِ الإجارةِ (١). ثانيًا: الإقالةُ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على جَوازِ صِحَّةِ الإقالةِ في الإجارةِ، فإذا أقالَ المُؤجِّرُ المُستَأجِرَ؛ انقَضَتِ الإجارةُ. قالَ الحَنفيَّةُ: تَنقَضي الإجارةُ بالإقالةِ؛ لأنَّه مُعاوَضةُ المالِ بالمالِ، فكانَ مُحتَمِلًا لِلإقالةِ، كالبَيعِ (٢).

стр. 5816

وَتَتفَرَّعُ عن الإقالةِ في الإجارةِ الأحكامُ الآتِيَةُ عندَ الحَنفيَّةِ: أوَّلًا: إذا استُؤجِرَتْ دارٌ على أنْ يَدفَعَ بَدَلَها ذَهَبًا، فدفعَه المُستَأجِرُ نَقدًا فِضِّيًّا برِضاءِ المُؤجِّرِ فإذا فُسِخَتِ الإجارةُ فلِلمُستَأجِرِ أنْ يَستَرِدَّ الأُجرةَ ذَهَبًا، إلَّا إذا كانَتِ الإجارةُ فاسِدةً، فإنَّه يَستَرِدُّها فِضَّةً كَما أعطاها. ثانيًا: إذا اشترَى المُؤجِّرُ شَيئًا مِنْ المُستَأجِرِ مُقابِلَ الأُجرةِ ثم تَعذَّرَ القِيامُ بالعَملِ، ولَزِمَه رَدُّ الأُجرةِ، يَرُدُّها نَقدًا، لا عَينَ ما تَسَلَّمَ. ثالِثًا: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ، وقَد قالَ المُستَأجِرُ لِلمُؤجِّرِ: بِعِ المَأجورَ. فأجابَه ب (نَعَمْ)، إذا هو لَم يَبِعْه. رابِعًا: إذا استُؤجِرَتْ أرضٌ لِلزِّراعةِ، وبَعدَ أنْ زُرِعَتْ ولَمَّا يُدرِكِ الزَّرعُ فيها، فَسخَ المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ الإجارةَ، فعلى المُستَأجِرِ أنْ يَقلَعَ الزَّرعَ ويُسَلِّمَ الأرضَ لِلمُؤجِّرِ، ولا صَلاحيةَ له في إبقاءِ الزَّرعِ لِحينِ إدراكِه، على أنْ يُؤدِّيَ أجْرَ المِثلِ؛ لأنَّه رَضيَ به المُستَأجِرُ حَيثُ أقدَمَ على الفَسخِ اختيارًا (١). وقالَ المالِكيَّةُ: مَنِ اكتَرى مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً جازَ له أنْ يُقايِلَه، قبلَ أنْ يَنقُدَ الكِراءَ أو بَعدَه ولَم يَغِبْ عليه، سَواءٌ كانَ ممَّا يُغابُ عليه أم لا، كانَتْ على رَأْسِ المالِ أو أزيَدَ، كانَتِ الزِّيادةُ دَنانيرَ أو دَراهِمَ أو عَرضًا نَقدًا؛ لأنَّه اشترَى الرُّكوبَ الذي وجبَ لِلمُكتَرِي بالزِّيادةِ التي وجبَتْ لَه، ويُمنَعُ لِأجْلِ أنَّ المَنافِعَ دَينٌ عليه لِلمُكرِي، ففَسخَها في دَيْنٍ إلى أجَلٍ. فَإنْ غابَ بعدَ النَّقدِ لَم تَجُزِ الإقالةُ بزيادةٍ إلَّا مِنْ المُكتَرِي فقَط، إنْ

стр. 5817

أسقَطَ ذلك مِنْ الكِراءِ؛ لأنَّه يَصيرُ قد أخَذَ أقَلَّ ممَّا دفعَ، فلا يُتَّهَمانِ على السَّلفِ بزِيادةٍ، ولَم تَجُزْ مِنْ المُكتَري؛ لأنَّه رَدَّ أزيَدَ ممَّا أخَذَ، ومِثلُه ما إذا سارَ مِنْ المَسافةِ يَسيرًا؛ لِقيامِ التُّهمةِ، أمَّا إذا قَطَعَ مِنها جُزءًا كَبيرًا فلا تُهمةَ، وتَجوزُ حينئذٍ الزِّيادةُ مِنْ أيِّهِما كانَ. وقالَ في «البَهجة في شَرحِ التُّحفةِ»: وأمَّا إنْ نَقَدَ الكِراءَ ولَم يَسكُنْ، ولَم يَركَبْ، فالإقالةُ جائِزةٌ؛ إذْ لا يَلزَمُ عليها شَيءٌ (١). وقالَ أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ ﵀: الإقالةُ في الإجارةِ على زِيادةِ الأجْرِ: قالَ أبو جَعفَرٍ: الإقالةُ قبلَ القَبضِ فَسخٌ عندَ أصحابِنا، وبَعدَ القَبضِ عندَ أبي حَنيفةَ كذلك، فلا تَصحُّ إلَّا على الثَّمنِ الأولِ، فأمَّا الإجارةُ فإنَّه يَصحُّ فيها الفَسخُ، ولا يَصحُّ فيها عَقدُ إجارةٍ بَينَه وبَينَ المُؤاجِرِ. قالَ ابنُ سِماعةَ عن مُحمَّدٍ: لا يَجوزُ لِلمُستَأجِرِ أنْ يُؤاجِرَ ما استَأجَرَه مِنْ المُؤاجِرِ بعدَ القَبضِ ولا قَبلَه؛ لأنَّه لَو جازَ كانَ على كلِّ واحِدٍ تَسليمُ مَنافِعِ غَيرِه وأخْذُها في وَقتٍ واحِدٍ إلى صاحِبِها، فيَبطُلُ. وقالَ مالِكٌ ﵀: إذا أنقَدَه الكِراءَ فإنَّه تَجوزُ إقالَتُه بزِيادةٍ على رَأْسِ المالِ، ما لَم يَبرَحا؛ فإنْ تَفَرَّقَا جازَتِ الزِّيادةُ مِنْ المُستَأجِرِ، ولا تَجوزُ مِنْ المُؤاجِرِ (٢).

стр. 5818

وسُئِلَ الرَّمليُّ الشافِعيُّ عن الإقالةِ في الإجارةِ هل تَجوزُ؟ فأجابَ: نَعَمْ، تَجوزُ بشَرطِها (١). وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ الإقالةُ في الإجارةِ، كَما تَصحُّ في البَيعِ، وتَصحُّ الإقالةُ مِنْ مُؤجِّرِ وَقْفٍ، إنْ كانَ الِاستِحقاقُ كلُّه لَه؛ لأنَّه كالمالِكِ لَه، وظاهِرُه إنْ كانَ الِاستِحقاقُ مُشترَكًا أو لِمُعيَّنٍ غَيرِه، أو كانَ الوَقفُ على جِهةٍ لَم تَصحَّ الإقالةُ، قالَ البُهوتيُّ: وعَملُ النَّاسِ على خِلافِه، وفي الفُروعِ في الحَجِّ مَنِ استُؤجِرَ عن مَيِّتٍ، يَعني لِيَحُجَّ عنه، إنْ قُلْنا: تَصحُّ الإجارةُ، فهَل تَصحُّ الإقالةُ؟ لأنَّ الحَقَّ لِلمَيِّتِ يُتَوَجَّهُ باحتِمالَيْنِ: قالَ في «تَصحيح الفُروع»: الصَّوابُ الجَوازُ؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَه، فهو كالشَّريكِ والمُضارِبِ. اه. وَقياسُها جَوازُها مِنْ النَّاظِرِ ووَلِيِّ اليَتيمِ لِمَصلَحةٍ (٢). ثالِثًا: هَلاكُ العَينِ المُؤجَّرةِ: ذَهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على الصَّحيحِ عِندَهم جَميعِهم، كَما تَقدَّمَ مُفصَّلًا ومُبيَّنًا إلى أنَّ الإجارةَ تُفسَخُ وتَنتَهي بتَلَفِ الذي يُستَوفَى منه المَنفَعةُ إذا كانَ مُعيَّنًا، كالدَّارِ والحانوتِ والدَّابَّةِ والسَّفينةِ. أمَّا إذا كانَتِ الدَّابَّةُ غيرَ مُعيَّنةٍ فلا تَنفَسِخُ. قالَ الحَنفيَّةُ: يَنتَهي عَقدُ الإجارةِ بهَلاكِ المُستَأجِرِ والمُستَأجَرِ فيه،

стр. 5819

لِوُقوعِ اليَأْسِ عن استِيفاءِ المَعقودِ عليه بعدَ هَلاكِه، فلَم يكُنْ في بَقاءِ العَقدِ فائِدةٌ حتى لَو كانَ المُستَأجِرُ عَبدًا أو ثَوْبًا أو حُلِيًّا أو ظَرْفًا أو دَابَّةً مُعيَّنةً، فهَلَكَ أو هَلَكَ الثَّوبُ المُستَأجَرُ فيه لِلخِياطةِ أو لِلقِصارةِ بَطَلَتِ الإجارةُ. وإنْ كانَتِ الإجارةُ على دَوابَّ بغَيرِ أعيانِها، فسَلَّمَ إليه دَوابَّ فقَبَضَها فماتَتْ، لا تَبطُلُ الإجارةُ، وعَلَى المُؤاجِرِ أنْ يَأتيَه بغَيرِ ذلك؛ لأنَّه هَلَكَ ما لَم يَقَعْ عليه العَقدُ؛ لأنَّ الدَّابَّةَ إذا لَم تكُنْ مُعيَّنةً فالعَقدُ يَقَعُ على مَنافِعَ في الذِّمةِ، وإنَّما تُسَلَّمُ العَينُ لِيُقِيمَ مَنافِعَها مَقامَ ما في ذِمَّتِه، فإذا هَلَكَ بَقيَ ما في الذِّمةِ بحالِه، فكانَ عليه أنْ يُعيِّنَ غَيرَها. وقالَ المَيدانيُّ ﵀ في «اللُّبابُ»: فإنْ فاتَتِ المَنفَعةُ بالكُليَّةِ: بأنْ خَرِبَتِ الدَّارُ كلُّها، أوِ انقَطَعَ شِربُ الضَّيعةِ -أي: الأرضِ- كلُّه، أوِ انقَطَعَ الماءُ جَميعُه عن الرَّحَى، انفَسخَتِ الإجارةُ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه قد فاتَ قبلَ القَبضِ، فتَشابَهَ فَوتُ المَبيعِ قبلَ القَبضِ، ومَوتِ العَبدِ المُستَأجَرِ. وَمِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: إنَّ العَقدَ لا يَنفَسِخُ؛ لأنَّ المَنافِعَ فاتَتْ على وَجْهٍ يُتصوَّرُ فيه عَودُها، فأشبَهَ الإباقَ في البَيعِ، «هِداية»، ومِثلُه في «شَرحُ الأقطَعِ». ثم قالَ: والصَّحيحُ هو الأولُ، وتَبِعَه في «الجَوهرةُ»، لَكنَّ عامَّةَ المَشايِخِ على الثَّاني، وهو الصَّحيحُ، كَما في «الذَّخيرةُ» وَ «التاتَرْخانيَّةُ» و «الاختِيارُ» وغَيرِها، وفي «الغايةُ» نَقلًا عن «إجاراتُ شَمسِ الأئِمةِ»: إذا انهَدَمَتِ الدَّارُ كلُّها فالصَّحيحُ أنَّها لا تَنفَسِخُ، لَكِنْ سقطَ الأجرُ، فَسخَ أو لَم يَفسَخْ (١).

стр. 5820

وقالَ المالِكيَّةُ: تُفسَخُ الإجارةُ بتَلَف أو تَعذُّرِ الذي يُستَوفَى منه المَنفَعةُ إذا كانَ مُعيَّنًا، كالدَّارِ والحانوتِ والحَمَّامِ والسَّفينةِ ونَحوِها، والتَعذُّرُ أعَمُّ مِنْ التَّلَفِ؛ فيَشمَلُ الضَّياعَ والمَرَضَ والغَصْبَ وغَلْقَ الحَوانيتِ قَهرًا، وغَيرَ ذلك، كَما سَيأتي. وَإذا فُسِخَتْ رَجعَ لِلمُحاسَبةِ باعتِبارِ ما حَصَلَ مِنْ المَنفَعةِ، وما لَم يَحصُلْ، وبِاعتِبارِ المَسافةِ طُولًا وقِصَرًا، وسُهولةً وصُعوبةً. وَلا تَنفَسِخُ بتَلَفٍ أو بتَعذُّرِ ما يُستَوفَى به المَنفَعةُ، كالسَّاكِنِ والرَّاكِبِ وما حَمَلَ. فَكلُّ عَينٍ يُستَوفَى مِنها المَنفَعةُ فبِهَلاكِها تَنفَسِخُ الإجارةُ، كَمَوتِ الدَّابَّةِ المُعيَّنةِ -أمَّا الدَّابَّةُ غيرُ المُعيَّنةِ فلا تَنفَسِخُ الإجارةُ بمَوتِها-وانهِدامِ الدَّارِ المُعيَّنةِ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: تَنفَسِخُ الإجارةُ بفَواتِ المَنفَعةِ بالكُليَّةِ، حِسًّا، فمِن صُوَرِه مَوتُ الدَّابَّةِ، والأجيرِ المُعيَّنِ، فإنْ كانَ قبلَ القَبضِ أو عَقِبَه قبلَ مُضِيِّ مدَّةٍ لِمِثلِها أُجرةٌ انفَسخَ العَقدُ. وإنْ كانَ في خِلالِ المدَّةِ انفَسخَ العَقدُ في البَقيَّةِ، لا الماضي في الأظهَرِ؛ لأنَّه استَقرَّ بالقَبضِ. وَمُقابِلُ الأظهَرِ: تَنفَسِخُ فيه أيضًا؛ لأنَّ العَقدَ واحِدٌ، وقَدِ انفَسخَ في جَميعِ المدَّةِ.

стр. 5821

فَإنْ قُلْنا: يَنفَسِخُ في الماضي سقطَ المُسمَّى، ووجبَ أُجرةُ المِثلِ لِمَا مَضَى. وإنْ قُلْنا: لا يَنفَسِخُ فيه، فهَل له خِيارُ الفَسخِ؟ وَجهانِ: أصَحُّهُما: عندَ الإمامِ والبَغَويِّ: لا؛ لأنَّ مَنافِعَه استُهلِكَتْ. والآخَرُ: نَعَمْ، وبِه قَطَعَ ابنُ الصَّباغِ وآخَرونَ؛ لأنَّ جَميعَ المَعقودِ عليه لَم يُسَلَّمْ؛ فإنْ قُلْنا: له الفَسخُ، ففَسخَ، رَجعَ إلى أُجرةِ المِثلِ. وإنْ قُلْنا: لا فَسخَ، أو جازَ، وجبَ قِسطُ ما مَضَى مِنْ المُسمَّى، والتَّوزيعُ على قِيمةِ المَنفَعةِ، وهي أُجرةُ المِثلِ، لا على الزَّمانِ نَفْسِه، وذلك يَختَلِفُ؛ فرُبَّما تَزيدُ أُجرةُ شَهرٍ على أُجرةِ شَهرَيْنِ؛ لِكَثرةِ الرَّغَباتِ في ذلك الشَّهرِ. وإنْ كانَتْ مدَّةُ الإجارةِ سَنةً، ومَضَى نِصفُها، وأُجرةُ المِثلِ فيه مثلًا أُجرةَ المِثلِ في النِّصفِ الباقي، وجبَ مِنْ المُسمَّى ثُلُثاه، وإنْ كانَتْ بالعَكسِ فثُلُثُه. وَإذا أثبَتْنا الخِيارَ بعَيبٍ، ففُسِخَ العَقدُ في المُستَقبَلِ، ففي الِانفِساخِ في الماضي الطَّريقانِ، فإنْ لَم يَنفَسِخْ فطَريقُ التَّوزيعِ ما بيَّناه، وإنْ أجازَه فعليه الأُجرةُ المُسمَّاةُ بتَمامِها، كَما لَو رَضيَ بعَيبِ المَبيعِ لَزِمَه جَميعُ الثَّمنِ. وَسَواءٌ حَصَلَ التَّلَفُ بآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، أو بفِعلِ المُستَأجِرِ، بَلْ لَو قُتِلَ العَبدُ أو الدَّابَّةُ المُعيَّنةُ كانَ حُكمُ الِانفِساخِ والأُجرةِ ما ذَكَرْناه، ويَلزَمُه قِيمةُ ما أتلَفَ، وعَن ابنِ أبي هُرَيرةَ أنَّه تَستقِرُّ عليه الأُجرةُ المُسمَّاةُ بالإتلافِ، كَما يَستقِرُّ الثَّمنُ على المُشتَرِي بإتلافِه. والصَّحيحُ: الأولُ؛ لأنَّ البَيعَ وَردَ على العَيْنِ، فإذا أتلَفَها صارَ قابِضًا، والإجارةُ وارِدةٌ على المَنافِعِ، ومَنافِعُ الزَمنِ المُستَقبَلِ مَعدومةٌ، لا يُتصوَّرُ

стр. 5822

وُرودُ الإتلافِ عليها، وعَلَى هذا لَو عَيَّبَ المُستَأجِرُ الدَّارَ أو جَرَحَ العبدَ فهو كالتَّعيُّبِ بآفةٍ سَماوِيَّةٍ في ثُبوتِ الخِيارِ. وَتَنفَسِخُ الإجارةُ بانهِدامِ الدَّارِ على الأظهَرِ؛ لِزَوالِ الِاسمِ وفَواتِ المَنفَعةِ. وَفي مُقابِلِ الأظهَرِ لا تَنفَسِخُ. وأمَّا لَو تَشعَّثَتِ الدَّارُ ولَم تَنهَدِمْ، فإنَّها لا تَنفَسِخُ، بَلْ يثبُتُ الخِيارُ على التَّراخي (١). وقالَ الحَنابِلةُ: تُفسَخُ الإجارةُ بتَلَفِ العَينِ المَعقودِ عليها؛ كَدَابَّةٍ أو عَبدٍ ماتَ ودارٍ انهَدَمَتْ، قَبَضَها المُستَأجِرُ أو لا؛ لِزَوالِ المَنفَعةِ بتَلَفٍ مَعقودٍ عليه، وقَبضُها إنَّما يَكونُ باستِيفائِها، أوِ التَّمكُّنِ مِنه، ولَم يَحصُلْ ذلك. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀ في «المُغني»: وجُملَتُهُ: أنَّ مَنِ استَأجَرَ عَينًا مدَّةً فحِيلَ بَينَه وبَينَ الِانتِفاعِ بها لَم يَخْلُ مِنْ أقسامٍ ثَلاثةٍ: أحَدُها: أنْ تَتلَفَ العَينُ، كَدابَّةٍ تَنفُقُ، أو عَبدٍ يَموتُ، فذلك على ثَلاثةِ أضرُبٍ: أحَدُها: أنْ تَتلَفَ قبلَ قَبضِها؛ فإنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنَّ المَعقودَ عليه تَلِفَ قبلَ قَبضِه، فأشبَهَ ما لَو تَلِفَ الطَّعامُ المَبيعُ قبلَ قَبضِه.

стр. 5823

الثَّاني: أنْ تَتلَفَ عُقَيبَ قَبضِها؛ فإنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ أيضًا، ويَسقُطُ الأجْرُ في قَولِ عامَّةِ الفُقهاءِ إلَّا أبا ثَورٍ، حُكيَ عنه أنَّه قالَ: يَستقِرُّ الأجْرُ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه أُتلِفَ بعدَ قَبضِه، أشبَهَ المَبيعَ، وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه المَنافِعُ وقَبضُها باستِيفائِها، أوِ بالتَّمكُّنِ مِنْ استِيفائِها، ولَم يَحصُلْ ذلك، فأشبَهَ تَلَفَها قبلَ قَبضِ العَينِ. الثَّالث: أنْ تَتلَفَ بعدَ مُضيِّ شَيءٍ مِنْ المدَّةِ؛ فإنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ فيما بَقيَ مِنْ المدَّةِ دونَ ما مَضَى، ويَكونُ لِلمُؤجِّرِ مِنْ الأجْرِ بقَدرِ ما استَوفَى مِنْ المَنفَعةِ، قالَ أحمَدُ في رِوايةِ إبراهيمَ بنِ الحارِثِ: إذا اكتَرى بَعيرًا بعَيْنِه فنَفَقَ البَعيرُ، يُعطيه بحِسابِ ما رَكِبَ، وذلك لِمَا ذَكَرْنا مِنْ أنَّ المَعقودَ عليه المَنافِعُ، وقَد تَلِفَ بَعضُها قبلَ قَبضِه، فبَطَلَ العَقدُ فيما تَلِفَ دونَ ما قَبَضَ، كَما لَوِ اشترَى صُبرَتَيْنِ، فقَبَضَ إحداهُما وتَلِفَتِ الأُخرَى قبلَ قَبضِها، ثم نَنظُرُ، فإنْ كانَ أجْرُ المدَّةِ مُتساويًا، فعليه بقَدْرِ ما مَضَى إنْ كانَ قد مَضَى النِّصفُ، فعليه نِصفُ الأجْرِ، وإنْ كانَ قد مَضَى الثُّلُثُ فعليه الثُّلُثُ، كَما يُقسِّمُ الثَّمنَ على المَبيعِ المُتساوِي، وإنْ كانَ مُختَلِفًا كَدارٍ أجْرُها في الشِّتاءِ أكثَرُ مِنْ أجْرِها في الصَّيفِ، وأرضٍ أجْرُها في الصَّيفِ أكثَرُ مِنْ الشِّتاءِ، أو دارٍ لَها مَوسِمٌ، كَدُورِ مَكَّةَ، رَجعَ في تَقويمِه إلى أهلِ الخِبرةِ، ويَسقُطُ الأجْرَ المُسمَّى على حَسَبِ قِيمةِ المَنفَعةِ، كَقِسمةِ الثَّمنِ على الأعيانِ المُختَلِفةِ في البَيعِ، وكذلك لَو كانَ الأجْرُ على قَطعِ مَسافةٍ، كبَعيرٍ استَأجَرَه على حَمْلِ شَيءٍ إلى مَكانٍ مُعيَّنٍ، وكانَتْ مُتساويةَ الأجزاءِ، أو مُختَلِفةً، وهذا ظاهِرُ مَذهبِ الشَّافِعيِّ.

стр. 5824

القِسمُ الثَّاني: أنْ يَحدُثَ على العَينِ ما يَمنَعُ نَفْعَها، كَدارٍ انهَدَمَتْ، وأرضٍ غَرِقَتْ أو انقَطَعَ ماؤُها، فهذه يُنظَرُ فيها، فإنْ لَم يَبْقَ فيها نَفْعٌ أصْلًا فهي كالتَّالِفةِ سَواءٌ، وإنْ بَقِيَ فيها نَفعٌ غيرُ ما استَأجَرَها لَه، مثلَ أنْ يُمكِنَ الِانتِفاعُ بعَرصةِ الدَّارِ والأرضِ؛ لِوَضعِ حَطَبٍ فيها، أو نَصْبِ خَيمةٍ في الأرضِ التي استَأجَرَها لِلزَّرعِ، أو صَيدِ السَّمكِ مِنْ الأرضِ التي غَرِقَتِ، انفَسخَتِ الإجارةُ أيضًا؛ لأنَّ المَنفَعةَ التي وقعَ عليها العَقدُ تَلِفَتْ؛ فانفَسخَتِ الإجارةُ، كَما لَوِ استَأجَرَ دَابَّةً لِيَركَبَها، فزَمِنَتْ؛ بحَيثُ لا تَصلُحُ إلَّا لِتَدورَ في الرَّحَى. وقالَ القاضي ﵀ في الأرضِ التي يَنقَطِعُ ماؤُها: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ فيها، وهو مَنصوصُ الشَّافِعيِّ؛ لأنَّ المَنفَعةَ لَم تَبطُلْ جُملةً؛ لأنَّه يُمكِنُ الِانتِفاعُ بعَرصةِ الأرضِ بنَصبِ خَيمةٍ، أو جَمعِ حَطَبٍ فيها، فأشبَهَ ما لَو نَقَصَ نَفْعُها مع بَقائِه، فعلى هذا يُخَيِّرُ المُستَأجِرُ بينَ الفَسخِ والإمضاءِ، فإنْ فَسخَ فحُكمُه حُكمُ العَبدِ إذا ماتَ، وإنِ اختارَ إمضاءَ العَقدِ فعليه جَميعُ الأجْرِ؛ لأنَّ ذلك عَيبٌ، فإذا رَضيَ به سقطَ حُكمُه، فإنْ لَم يَختَرِ الفَسخَ ولا الإمضاءَ، إمَّا لِجَهلِه بأنَّ له الفَسخَ، أو لِغَيرِ ذلك، فلَه الفَسخُ بعدَ ذلك، والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ بَقاءَ غيرِ المَعقودِ عليه لا يَمنَعُ انفِساخَ العَقدِ بتَلَفِ المَعقودِ عليه، كَما في البَيعِ. وَلَو كانَ النَّفعُ الباقي في الأعيانِ ممَّا لا يُباحُ استيفاؤُه بالعَقدِ، كَدابَّةٍ استَأجَرَها لِلرُّكوبِ، فصارَتْ لا تَصلُحُ إلَّا لِلحَملِ، أو بالعَكسِ انفَسخَ العَقدُ وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّ المَنفَعةَ الباقيَةَ لا يَملِكُ استِيفاءَها مع سَلامَتِها، فلا يَملِكُها مع تَعيِيبِها، كَبَيعِها.

стр. 5825

وأمَّا إنْ أمكَنَ الِانتِفاعُ بالعَينِ فيما اكتَراها له على نَعتٍ مِنْ القُصورِ، مثلَ أنْ يُمكِنَه زَرعُ الأرضِ بغَيرِ ماءٍ، أو كانَ الماءُ يَنحَسِرُ عن الأرضِ التي غَرِقَتْ على وَجهٍ يَمنَعُ بَعضَ الزِّراعةِ، أو يَسوءُ الزَّرعُ، أو كانَ يُمكِنُه سُكنَى ساحةِ الدَّارِ، إمَّا في خَيمةٍ أو غَيرِها، لَم تَنفَسِخِ الإجارةُ؛ لأنَّ المَنفَعةَ المَعقودَ عليها لَم تَزُلْ بالكُليَّةِ، فأشبَهَ ما لَو تَعِبَتْ، ولِلمُستَأجِرِ خِيارُ الفَسخِ، على ما ذَكَرْنا. إلَّا في الدَّارِ إذا انهَدَمَتْ؛ فإنَّ فيها وجهيْنِ: أحَدُهما: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ، والآخَرُ: تَنفَسِخُ؛ لأنَّه زالَ اسمُها بهَدمِها، وذَهَبَتِ المَنفَعةُ التي تُقصَدُ مِنها، ولِذلك لا يَستَأجِرُ أحَدٌ عَرصةَ دارٍ لِيَسكُنَها. فَأمَّا إنْ كانَ الحادِثُ في العَينِ لا يَضُرُّها، كَغَرَقِ الأرضِ بماءٍ يَنحَسِرُ في قُربٍ مِنْ الزَّمانِ، لا يَمنَعُ الزَّرعَ، ولا يَضُرُّه، وانقِطاعِ الماءِ عَنها، إذا ساقَ المُؤجِّرُ إلَيها ماءً مِنْ مَكانٍ آخَرَ، أو كانَ انقِطاعُه في زَمنٍ لا يَحتاجُ إليه فيه؛ فليسَ لِلمُستَأجِرِ الفَسخُ؛ لأنَّ هذا لَيسَ بعَيبٍ، وإنْ حَدَثَ الغَرَقُ المُضِرُّ، أو انقِطاعُ الماءِ، أو انهَدَمَ بَعضُ المُستَأجَرةِ، فلِذلك البَعضِ حُكمُ نَفْسِه في الفَسخِ، أو ثُبوتِ الخِيارِ، ولِلمُكتَرِي الخِيارُ في تَبْقِيَةِ العَينِ؛ لأنَّ الصَّفقةَ تَبَعَّضَتْ عليه، فإنِ اختارَ الإمساكَ أمسَكَ بالحِصَّةِ مِنْ الأجرِ، كَما إذا تَلِفَ أحَدُ القَفيزَيْنِ مِنْ الطَّعامِ في يَدِ البائِعِ (١).

стр. 5826

رابِعًا: مَوتُ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ، المُؤجِّرِ أوِ المُستَأجِرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا ماتَ المُتعاقدانِ، المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ، أو ماتَ أحَدُهما في أثناءِ عَقدِ الإجارةِ، هَلْ تَنفَسِخُ الإجارةُ أو تَبقَى على حالِها، ويَقومُ وارِثُ المُتوَفَّى مَقامَ مُورِّثِه؟ فذهبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّه إذا ماتَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ، المُؤجِّرُ أو المُستَأجِرُ، وقَد عَقدَ الإجارةَ لِنَفْسِه انفَسخَتْ؛ لأنَّه لَو بَقِيَ العَقدُ صارَتِ المَنفَعةُ المَملوكةُ به، أو الأُجرةُ المَملوكةُ لِغَيرِ العاقِدِ مُستَحقَّةً بالعَقدِ؛ لأنَّه يَنتقِلُ بالمَوتِ إلى الوارِثِ، وذلك لا يَجوزُ؛ لأنَّ الِانتِقالَ مِنْ المُورِّثِ إلى الوارِثِ لا يُتصوَّرُ في المَنفَعةِ والأُجرةِ المَملوكةِ؛ لأنَّ عَقدَ الإجارةِ يَنعَقِدُ ساعةً فساعةً بحَسَبِ حُدوثِ المَنفَعةِ، فإذا ماتَ المُؤجِّرُ بَطَلَتْ؛ لأنَّ المُستَحقَّ بالعَقدِ المَنافِعُ التي تَحدُثُ على مِلْكِه، وقَد فاتَ ذلك بمَوتِه؛ لأنَّ الدَّارَ تَنتقِلُ إلى وارِثِه، ومَنفعَتُها تَحدُثُ على مِلكِه، وإذا ماتَ المُستَأجِرُ لَو بَقيَ العَقدُ بعدَ مَوتِه لَبقيَ على أنْ يَخلُفَه الوارِثُ فيه، فتَكونَ المَنفَعةُ المُجرَّدةُ مَوروثةً، وهي لا تُورَثُ، ولأنَّ العَقدَ اقتَضَى استِحقاقَ الأُجرةِ مِنْ مالِه، فلَو بَقَّيْنا الإجارةَ بعدَ مَوتِه: استُحِقَّتِ الأُجرةُ مِنْ مِلكِ الآخَرينَ. وأمَّا إذا عَقدَها لِغَيرِه، كالوَكيلِ والوَلِيِّ والوَصِيِّ والمُتوَلِّي في الوَقفِ، لَم تَنفَسِخِ الإجارةُ بمَوتِه؛ لِبَقاءِ المُستَحِقِّ والمُستحَقِّ، ولِانعِدامِ ما أشَرْنا إلَيه، وهو صَيرورةُ المَنفَعةِ لِغَيرِ العاقِدِ مُستَحقَّةً بالعَقدِ؛ لأنَّه يَنتقِلُ بالمَوتِ إلى الوارِثِ، وذلك لا يَجوزُ؛ لأنَّ الِانتِقالَ مِنْ المُورِّثِ إلى الوارِثِ لا

стр. 5827

يُتصوَّرُ في المَنفَعةِ والأُجرةِ المَملوكةِ؛ فإنَّه في الِابتِداءِ كانَ واقِعًا لِغَيرِ العاقِدِ، وبَقيَ بعدَ المَوتِ كذلك (١). وليسَ هذا كمَن زَوَّجَ أَمَتَهُ، ثم ماتَ؛ فإنَّ النِّكاحَ لا يَبطُلُ بخِلافِ الإجارةِ؛ لأنَّ عَقدَ النِّكاحِ لا يَقَعُ على المَنافِعِ، وإنَّما يَقَعُ على مِلْكِ الِاستِباحةِ، وذلك يُملَكُ بالعَقدِ. وَلَو ماتَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ، وفي الأرضِ زَرعٌ لَم يُستَحصَدْ، فلِلمُستَأجِرِ أو وَرثَتِه أنْ يدَّعُوا ذلك في الأرضِ، ويَكونَ عليهم ما سُمِّيَ مِنْ الأُجرةِ، ولا يُشبِهُ هذا إذا انقَضَتِ المدَّةُ، وفي الأرضِ زَرعٌ لَم يُستَحصَدْ، فإنَّ الزَّرعَ يُترَكُ

стр. 5828

ويَجِبُ أُجرةُ المِثلِ؛ لأنَّ البَدَلَ لَمَّا وجبَ ولا تَسميةَ في هذه المدَّةِ، لَم يكُنْ هناك إلَّا أُجرةُ المِثلِ (١). وقالَ الكاسانيُّ ﵀: يَنتَهي عَقدُ الإجارةِ بمَوتِ مَنْ وقعَ له الإجارةُ إلَّا لِعُذرٍ عِندَنا. وَعِنْدَ الشافِعيِّ: لا تَبطُلُ بالمَوتِ، كَبَيعِ العَينِ. والكَلامُ فيه على أصْلٍ ذَكَرناه في كَيفيَّةِ انعِقادٍ هذا العَقدِ، وهو أنَّ الإجارةَ عِندَنا تَنعقِدُ ساعةً فساعةً على حَسَبِ حُدوثِ المَنافِعِ شَيئًا فشَيئًا، وإذا كانَ كذلك فما يَحدُثُ مِنْ المَنافِعِ في يَدِ الوارِثِ لَم يَملِكْها المُورِّثُ لِعَدَمِها، والمِلْكُ صِفةُ المَوجودِ، لا المَعدومِ، فلا يَملِكُها الوارِثُ؛ إذِ الوارِثُ إنَّما يَملِكُ ما كانَ على مِلْكِ المُورِّثِ، فما لَم يَملِكْه يَستَحيلُ وِراثَتُه، بخِلافِ بَيعِ العَينِ؛ لأنَّ العَينَ مِلْكٌ قائِمٌ بنَفْسِه، ملكَه المُورِّثُ إلى وَقتِ المَوتِ، فجازَ أنْ يَنتقِلَ منه إلى الوارِثِ؛ لأنَّ المَنافِعَ لا تُملَكُ إلَّا بالعَقدِ، وما يَحدُثُ مِنها في يَدِ الوارِثِ لَم يُعقَدْ عليه رَأْسًا؛ لأنَّها كانَتْ مَعدومةً حالَ حَياةِ المُورِّثِ، والوارِثُ لَم يَعقِدْ عليها، فلا يثبُتُ المِلْكُ فيها لِلوارِثِ. وَعِنْدَ الشافِعيِّ: مَنافِعُ المدَّةِ تُجعَلُ مَوجودةً لِلحالِ، كَأنَّها أعيانٌ قائِمةٌ، فأشبَهَ بَيعَ العَينِ، والبَيعُ لا يَبطُلُ بمَوتِ أحَدِ المُتبايِعَيْنِ، كَذا

стр. 5829

الإجارةُ، وعَلَى هذا يَخرُجُ ما إذا أجَّرَ رَجُلانِ دارًا مِنْ رَجُلٍ ثم ماتَ أحَدُ المُؤاجِرَيْنِ، أنَّ الإجارةَ تَبطُلُ في نَصيبِه عِندَنا، وتَبقَى في نَصيبِ الحَيِّ على حالِها؛ لأنَّ هذا (شيوعٌ) طارِئٌ، وأنَّه لا يُؤثِّرُ في العَقدِ في الرِّوايةِ المَشهورةِ لِمَا بيَّنَّا فيما تَقدَّمَ. وَكذلك لَوِ استَأجَرَ رَجُلانِ مِنْ رَجُلٍ دارًا فماتَ أحَدُ المُستَأجِرَيْنِ، فإنْ رَضيَ الوارِثُ بالبَقاءِ على العَقدِ ورَضيَ العاقِدُ أيضًا، جازَ، ويَكونُ ذلك بمَنزِلةِ عَقدٍ مُبتَدَأٍ، ولَو ماتَ الوَكيلُ بالعَقدِ لا تَبطُلُ الإجارةُ؛ لأنَّ العَقدَ لَم يَقَعْ لَه، وإنَّما هو عاقِدٌ، وكَذا لَو ماتَ الأبُ أوِ الوَصيُّ، لِمَا قُلْنا، وكَذا لَو ماتَ أبو الصَّبِيِّ في استِئجارِ الظِّئرِ لا تُنقَضُ الإجارةُ؛ لأنَّ الإجارةَ وَقَعَتْ لِلصَّبِيِّ والظِّئرِ، وهُمَا قائِمانِ، ولَو ماتَ الظِّئرُ انتَقضَتِ الإجارةُ، وكَذا لَو ماتَ الصَّبيُّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهما مَعقودٌ لَه. والأصلُ أنَّ الإجارةَ تَبطُلُ بمَوتِ المَعقودِ لَه، ولا تَبطُلُ بمَوتِ العاقِدِ، وإنَّما كانَ كذلك لأنَّ استِيفاءَ العَقدِ بعدَ مَوتِ مَنْ وقعَ له العَقدُ يُوجِبُ تَغييرَ مُوجِبِ العَقدِ؛ لأنَّ مَنْ وقعَ له إنْ كانَ هو المُؤاجِرَ فالعَقدُ يَقتَضي استِيفاءَ المَنافِعِ مِنْ مِلْكِه، ولَو بَقَّيْناه بعدَ مَوتِه لَاستُوفِيَت المَنافِعُ مِنْ مِلْكِ غَيرِه، وهذا خِلافُ مُقتَضَى العَقدِ، وإنْ كانَ هو المُستَأجِرَ فالعَقدُ يَقتَضي استِحقاقَ الأُجرةِ مِنْ مالِه، ولَو بَقَّيْنا العَقدَ بعدَ مَوتِه لَاستُحِقَّتِ الأُجرةُ مِنْ مالِ غَيرِه، وهذا خِلافُ مُوجِبِ العَقدِ بخِلافِ ما إذا ماتَ مَنْ لَم يَقَعِ العَقدُ لَه، كالوَكيلِ ونَحوِه؛ لأنَّ العَقدَ منه لا يَقَعُ مُقتَضيًا استِحقاقَ المَنافِعِ، ولا استِحقاقَ الأُجرةِ مِنْ مِلكِه؛ فإبقاءُ العَقدِ بعدَ مَوتِه لا يُوجِبُ تَغييرَ مُوجِبِ

стр. 5830

العَقدِ، وكذلك الوَلِيُّ في الوَقفِ، إذا عَقدَ ثم ماتَ، لا تَنتقِضُ الإجارةُ؛ لأنَّ العَقدَ لَم يَقَعْ لَه؛ فمَوتُه لا يُغَيِّرُ حُكمَه. وَلَوِ استَأجَرَ دَابَّةً إلى مَكَّةَ فماتَ المُؤاجِرُ في بَعضِ المَفازةِ، فلَه أنْ يَركَبَها، أو يَحمِلَ عليها إلى مَكَّةَ، أو إلى أقرَبِ الأماكِنِ مِنْ المِصرِ؛ لأنَّ الحُكمَ ببُطلانِ الإجارةِ هَهُنا يُؤدِّي إلى الضَّررِ بالمُستَأجِرِ؛ لِمَا فيه مِنْ تَعريضِ مالِه ونَفْسِه إلى التَّلَفِ، فجعلَ ذلك عُذرًا في بَقاءِ الإجارةِ، وهذا مَعنَى قَولِهم: إنَّ الإجارةَ كَما تُفسَخُ بالعُذرِ، تَبقَى بالعُذرِ. وَقالوا فيمَنِ اكتَرى إبِلًا إلى مَكَّةَ ذاهِبًا وجائِيًا، فماتَ الجمَّالُ في بَعضِ الطَّريقِ، فلِلمُستَأجِرِ أنْ يَركَبَها إلى مَكَّةَ، أو يَحمِلَ عليها، وعليه المُسمَّى؛ لأنَّ الحُكمَ بانفِساخِ الإجارةِ في الطَّريقِ إلحاقُ الضَّررِ بالمُستَأجِرِ؛ لأنَّه لا يَجِدُ ما يَحمِلُه، ويَحمِلُ قُماشَه، وإلحاقُ الضَّررِ بالوَرثةِ إذا كانوا غَيبًا؛ لأنَّ المَنافِعَ تَفوتُ مِنْ غيرِ عِوَضٍ، فكانَ في استِيفاءِ العَقدِ نَظَرٌ مِنْ الجانبيْنِ، فإذا وَصَلَ إلى مَكَّةَ رَفَعَ الأمْرَ إلى الحاكِمِ؛ لأنَّه لا ضَررَ عليه في فَسْخِ الإجارةِ عندَ ذلك؛ لأنَّه يَقدِرُ على أنْ يَستَأجِرَ مِنْ جَمَّالٍ آخَرَ، ثم يَنْظُرُ الحاكِمُ في الأصلَحِ. فَإنْ رَأى بَيعَ الجِمالِ وحِفظَ الثَّمنِ لِلوَرثةِ أصلَحَ، فعلَ ذلك، وإنْ رَأَى إمضاءَ الإجارةِ إلى الكُوفةِ أصلَحَ، فعلَ ذلك؛ لأنَّه نُصِّبَ ناظِرًا مُحتاطًا، وقَد يَكونُ أحَدُ الأمرَيْنِ أحوَطَ، فيُختارُ ذلك، قالوا: والأفضَلُ إذا كانَ المُستَأجِرُ ثِقةً أنْ يُمضيَ القاضي الإجارةَ.

стр. 5831

والأفضَلُ إذا كانَ غيرَ ثِقةٍ أنْ يَفسَخَها؛ فإنْ فَسخَها وقَد كانَ المُستَأجِرُ عَجَّلَ الأُجرةَ، سَمِعَ القاضي بيِّنَتَه عليها، وقَضاه مِنْ ثَمنِها، لأنَّ الإجارةَ إذا انفَسخَتْ فلِلمُستَأجِرِ إمساكُ العَينِ حتى يَستَوفيَ جَميعَ الأُجرةِ، وقامَ القاضي مَقامَ الغائِبِ، فنَصَبَ له خَصمًا وسَمِعَ عليه البيِّنةَ. وَلَو ماتَ أحَدٌ مِمَّنْ وقعَ له عَقدُ الإجارةِ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، وفي الأرضِ المُستَأجَرةِ زَرعٌ لَم يُستَحصَدْ يُترَكُ ذلك في الأرضِ إلى أنْ يُستَحصَدَ، ويَكونُ على المُستَأجِرِ أو على وَرثَتِه ما سَمَّى مِنْ الأجرِ؛ لأنَّ في الحُكمِ بالِانفِساخِ وقَلعِ الزَّرعِ ضَرَرًا بالمُستَأجِرِ، ولأنَّ في الإبقاءِ مِنْ غيرِ عِوَضٍ ضَرَرًا بالوارِثِ، ويُمكِنُ تَوفيرُ الحَقَّيْنِ مِنْ غيرِ ضَرَرٍ بإبقاءِ الزَّرعِ إلى أنْ يُستَحصَدَ بالأجْرِ؛ فيَجِبُ القولُ به، وإنَّما وجبَ المُسمَّى استِحسانًا. والقياسُ أنْ يَجِبَ أجْرُ المِثلِ؛ لأنَّ العَقدَ انفَسخَ حَقيقةً بالمَوتِ، وإنَّما بَقَّيْناه حُكمًا، فأشبَهَ شُبهةَ العَقدِ، واستِيفاءُ المَنافِعِ بشُبهةِ العَقدِ يُوجِبُ أجْرَ المِثلِ، كَما لَوِ استَوفاها بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ. وَجْهُ الِاستِحسانِ أنَّ التَّسميةَ تَناوَلَتْ هذه المدَّةَ، فإذا مَسَّتِ الضَّرورةَ إلى التَّركِ بعِوَضٍ كانَ إيجابُ العِوَضِ المُسمَّى أَوْلَى لِوُقوعِ التَّراضي، بخِلافِ التَّرْكِ بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ؛ لأنَّ التَّسميةَ لَم تَتناوَلْ ما بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ، فتَعذَّرَ إيجابُ المُسمَّى، فوجبَ أجْرُ المِثلِ (١). وَذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ عَقدَ الإجارةِ

стр. 5832

لا يَنفَسِخُ بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ مع بَقاءِ العَينِ المُستَأجَرةِ، بَلْ تَبقَى الإجارةُ على حالِها، ويَقومُ وارِثُ المَيِّتِ مِنهما مَقامَه في استِيفاءِ المَنفَعةِ ودَفعِ الأُجرةِ. قالَ المالِكيَّةُ: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ مع بَقاءِ العَينِ المُستَأجَرةِ إذا لَم يَتعذَّرِ استِيفاءُ المَنافِعِ؛ لِقَولِه ﷺ : «مَنْ تَركَ مالًا أو حَقًّا فلِوَرثَتِه»، وهذه الإجارةُ مَتروكةٌ لِلمَيِّتِ، فيَجِبُ أنْ تَكونَ لِوَرثَتِه، وهذا يَنفي الفَسخَ؛ ولأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ؛ فلَم يَنفَسِخْ بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ إذا لَم يَعُدْ بتَلَفِ المَنفَعةِ، أو تَعذَّرَ استِيفاؤُها، أصْلُه البَيعُ، ولأنَّه عَقدٌ تَعلّقَ بمَنفَعةٍ تُستَوفَى مِنْ عَينٍ، فلَم يَنفَسِخْ بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ، أصْلُه الرَّهنُ، ولأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ مِنْ مالِكٍ على مَنفَعةِ مالِه، وجبَ ألَّا يَنفَسِخَ بمَوتِ المالِكِ، كَعَقدِه النِّكاحَ على أَمَتِه (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ، ولَو ذِمَّةً، بمَوتِ العاقِدَيْنِ، أو أحَدِهما، بَلْ تَبقَى إلى انقِضاءِ المدَّةِ؛ لأنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فلا تَنفَسِخُ بالمَوتِ، كالبَيعِ، فتُترَكُ العَينُ بعدَ مَوتِ المُؤجِّرِ عندَ المُستَأجِرِ، أو وارِثِه؛ لِيَستَوفيَ مِنها المَنفَعةَ، فإنْ كانَتِ الإجارةُ على الذِّمةِ فما التَزَمه دَيْنٌ عليه، فإنْ كانَ في التَّرِكةِ وفاءٌ استُؤجِرَ مِنها؛ لتَوْفِيَته، وإلَّا فالوارِثُ بالخِيارِ، إنْ شاءَ وَفَّاه، واستَحقَّ الأُجرةَ، وإنْ شاءَ أعرَضَ، فلِلمُستَأجِرِ فَسخُ الإجارةِ.

стр. 5833

وَيُستَثنَى مِنْ ذلك ما لَو أوْصَى بدارِه لِزَيدٍ مدَّةَ عُمرِ زَيدٍ، فقَبِلَ الوَصيَّةَ، وأجَّرَها زَيدٌ مدَّةً، ثم ماتَ في خِلالِها، انفَسخَتِ الإجارةُ؛ لِانتِهاءِ حَقِّه بمَوتِه. وَلا تَنفَسِخُ أيضًا بمَوتِ مُتوَلِّي الوَقْفِ مِنْ حاكِمٍ أو مَنصوبِه أو مَنْ شُرِطَ له النَّظَرُ على جَميعِ البُطونِ. وَلَو أجَّرَ البَطنُ الأولُ مِنْ المَوقوفِ عليهمُ العَينَ المَوقوفةَ مدَّةً وماتَ البَطنُ المُؤجِّرُ قبلَ تَمامِها، وشرطَ الواقِفِ لكلِّ بَطنٍ مِنهم النَّظَرَ في حِصَّتِه مدَّةَ استِحقاقِه فَقَطْ، أَوْ أَجَّرَ الوَلِيُّ صَبِيًّا أو مالَه مدَّةً لا يَبلُغُ فيها الصَّبِيُّ بالسِّنِّ، فبَلَغَ فيها بالاحتِلامِ وهو رَشيدٌ، انفَسخَتْ في الوَقفِ؛ لأنَّ الوَقفَ انتقَلَ استِحقاقُه بمَوتِ المُؤجِّرِ لِغَيرِه (١). قالَ الماوَرديُّ ﵀: عَقدُ الإجارةِ لَازِمٌ لا يَنفَسِخُ بمَوتِ المُؤجِّرِ ولا المُستَأجِرِ. وبِه قالَ مالِكٌ وأحمَدُ وإسحاقُ. وقالَ أبو حَنيفَةَ وسُفيانُ الثَّوريُّ واللَّيثُ بنُ سَعدٍ: الإجارةُ تَبطُلُ بمَوتِ المُؤجِّرِ والمُستَأجِرِ، استِدلالًا بأنَّ عُقودَ المَنافِعِ تَبطُلُ بمَوتِ العاقِدِ، كالنِّكاحِ والمُضارَبةِ والوَكالةِ، ولأنَّ الإجارةَ تَفتقِرُ إلى مُؤجِّرٍ ومُؤاجَرٍ، فلَمَّا بَطَلَتْ بتَلَفِ المُؤاجَرِ بَطَلَتْ بتَلَفِ المُؤجِّرِ. وتَحريرُه قِياسًا أنَّه عَقدُ إجارةٍ، يَبطُلُ بتَلَفِ المُؤاجَرِ، فوجبَ أنْ يَبطُلَ

стр. 5834

بتَلَفِ المُؤجِّرِ قياسًا عليه، إذا أجَّرَ نَفْسَه، ولأنَّ زَوالَ مِلْكِ المُؤجِّرِ عن رَقَبةِ المُؤاجَرةِ يُوجِبُ فَسخَ الإجارةِ قِياسًا عليه إذا باعَ ما أجَّرَه برِضَى المُستَأجِرِ، ولأنَّ مَنافِعَ الإجارةِ إنَّما تُستَوفَى بالعَقدِ والمِلْكِ، وقَد زالَ مِلكُ المُؤجِّرِ بالمَوتِ، وإنْ كانَ عاقِدًا والوارِثُ لا عَقدَ عليه، وإنْ صارَ مالِكًا صارَتْ مُنتقِلةً عن العاقِدِ إلى مَنْ لَيسَ بعاقِدٍ، فوجبَ أنْ تَبطُلَ؛ لِتَنافي اجتِماعِ العَقدِ والمِلْكِ. وَدَليلُنا هو أنَّ ما لَزِمَ مِنْ عُقودِ المُعاوَضاتِ المَحضةِ لَم يَنفَسِخْ بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ، كالبَيعِ، فإنْ قيلَ: يَنتقِضُ بمَوتِ مَنْ أجَّرَ نَفْسَه؛ لَم يَصحَّ؛ لأنَّ العَقدَ إنَّما يَبطُلُ بتَلَفِ المَعقودِ عليه، لا بمَوتِ العاقِدِ، ألَا تَراه لَو كانَ حَيًّا فمَرِضَ بَطَلَتِ الإجارةُ، وإنْ كانَ العاقِدُ حَيًّا؟ لأنَّ السَّيِّدَ قد يُعاوِضُ على بُضعِ أَمَتِه بعَقدِ النِّكاحِ، كَما يُعاوِضُ على خِدمَتِها بعَقدِ الإجارةِ، فلَمَّا لَم يكُنْ مَوتُه مُبطِلًا لِلعَقدِ على بُضعِها لَم يَبطُلْ بالعَقدِ على استِخدامِها. وَيَتحرَّرُ مِنْ هذا الِاعتِلالِ قِياسانِ: أحَدُهما: أنَّه عَقدٌ لَازِمٌ على مَنافِعِ مِلْكِه، فلَم يَبطُلْ بمَوتِه، كالنِّكاحِ على أَمَتِه. والآخَرُ: أنَّه أحَدُ مَنفعَتَيِ الأَمَةِ فلَم يَبطُلْ بمَوتِ السَّيِّدِ، كالمَنفَعةِ الأُخرَى، ولأنَّ المَنافِعَ قد تَنتقِلُ بالمُعاوَضةِ، كالأعيانِ، فجازَ أنْ تَنتقِلَ بالإرثِ، كالأعيانِ، ويَتحرَّرُ مِنْ هذا الِاعتِلالِ قياسانِ: أحَدُهما: أنَّ ما صَحَّ أنْ يَنتقِلَ بعِوَضٍ صَحَّ أنْ يَنتقِلَ إرْثًا، كالأعيانِ.

стр. 5835

والآخَرُ: أنَّ ما صَحَّ أنْ يَنتقِلَ به الأعيانُ في البِياعاتِ صَحَّ أنْ يَنتقِلَ به المَنافِعُ في الإجاراتِ، أصْلُه عَقدُ الحَيِّ المُختارِ. وَلأنَّ بالمَوتِ يَعجِزُ عن إقباضِ ما استُحِقَّ تَسليمُه بعَقدِ الإجارةِ، فلَم يَبطُلْ به العَقدُ، كالجُنونِ والزَّمانةِ، ولأنَّه عَقدٌ لا يَبطُلُ بالجُنونِ، لَم يَبطُلْ بالمَوتِ، كالبَيعِ؛ ولأنَّ مَنافِعَ الأعيانِ مع بَقاءِ مِلْكِها قد تُستحَقُّ بالرَّهنِ تارةً، وبِالإجارةِ أُخرَى، فلَمَّا كانَ ما تُستحَقُّ مَنفَعةُ ارتِهانِه إذا انتَقلَ مِلْكُه بالمَوتِ لَم يُوجِبْ بُطَلانَ رَهْنِه، وجبَ أنْ يَكونَ ما استُحِقَّتْ مَنفعَتُه بالإجارةِ إذا انتَقلَ مِلْكُه بالمَوتِ لَم يُوجِبْ بُطلانَ إجارَتِه، وقَدِ استَدَلَّ الشافِعيُّ بهذا في الأُمِّ، ولأنَّ الوارِثَ إنَّما يَملِكُ بالإرثِ ما كانَ يَملِكُه المَوروثُ، والمَوروثُ إنَّما كانَ يَملِكُ الرَّقَبةَ دونَ المَنفَعةِ، لَم يَجُزْ أنْ يَصيرَ الوارِثُ مالِكًا لِلرَّقَبةِ، والمَنفَعةِ، ولأنَّ إجارةَ الوَقفِ لا تَبطُلُ بمَوتِ مُؤجِّرِه. وتَحريرُه قِياسًا أنَّه عَقدُ إجارةٍ يُمكِنُ استِيفاءُ المَنفَعةِ فيه، فوجبَ ألَّا تَبطُلَ بمَوتِ مُؤجِّرِه، كالوَقفِ. وأمَّا الجَوابُ عن قياسِه على النِّكاحِ والمُضارَبةِ مع انتِقاضِه بالوَقفِ، فهو أنَّه إنْ رَدَّه إلى النِّكاحِ فالنِّكاحُ لَم يَبطُلْ بالمَوتِ، وإنَّما انقَضَتْ مدَّتُه بالمَوتِ، فصارَ كانقِضاءِ مدَّةِ الإجارةِ، وإنْ رَدَّه إلى المُضارَبةِ والوَكالةِ فالمَعنَى فيهِما عَدَمُ لُزومِهِما في حالِ الحَياةِ، وجَوازُ فَسخِها بغَيرِ عُذرٍ، وليسَتِ الإجارةُ كذلك؛ لِلُزومِها في حالِ الحَياةِ. وأمَّا الجَوابُ عن قياسِه على انهِدامِ الدَّارِ فهو أنَّ المَعنَى فيه فَواتُ المَعقودِ عليه قبلَ قَبضِه.

стр. 5836

وأمَّا الجَوابُ عن قياسِه على ما إذا باعَ ما أجَّرَ برِضَا المُستَأجِرِ فهو غيرُ مُسلَّمِ الأصْلِ؛ لأنَّ الإجارةَ لا تَبطُلُ بالبَيعِ عن رِضاه، كَما لا تَبطُلُ بالبَيعِ عن سُخطِه، وإنَّما البَيعُ مُختَلفٌ في إبطالِه، ثم يَنتقِضُ على أصْلِه بعِتقِ العَبدِ المُؤاجَرِ قد زالَ مِلْكُ سَيِّدِه عن رَقَبَتِه، مع بَقاءِ الإجارةِ عليها، فكذلك إذا زالَ مِلْكُه بالبَيعِ والمَوتِ. وأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِه بأنَّ المَنافِعَ تُستَوفَى بعَقدٍ ومِلْكٍ، وهذا مُفتَرقٌ بالمَوتِ، فهو أنَّ اجتِماعَها يُعتبَرُ عندَ العَقدِ، ولا يُعتبَرُ فيما بَعدُ، كَما لَو أعتَق أو باعَ، ولا يَمتَنِعُ أنْ يُستَوفَى مِنْ يَدِ الوارِثِ ما لَم يُعاقِدْ عليه، كَما يُستَوفَى منه ثَمنُ ما اشتَراه المَوروثُ، ويَقبِضُ منه أعيانَ ما باعَه المَوروثُ؛ لأنَّ المَوروثَ قد ملكَ عليه ذلك بعَقدِه، فلَم يَملِكْه الوارِثُ بمَوتِه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إذا ماتَ المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ، أو ماتَ أحَدُهما مع سَلامةِ المَعقودِ عليه؛ فلا تَنفَسِخُ الإجارةُ، كَما لَو زَوَّجَ أَمَتَه ثم ماتَ، ووُجوبُ الأجْرِ هَهُنا بسَبَبٍ مِنْ المُستَأجِرِ، فوجبَ في تَرِكَتِه بعدَ مَوتِه، كَما لَو حَفَرَ بِئرًا فوقعَ فيها شَيءٌ بعدَ مَوتِه، ضَمِنَه في مالِهِ؛ لأنَّ سَبَبَ ذلك كانَ منه في حالِ الحَياةِ، كَذا هَهُنا. وإنْ ماتَ المُستَأجِرُ ولَم يكُنْ له وارِثٌ يَقومُ مَقامَه في استِيفاءِ المَنفَعةِ، أو كانَ غائِبًا، كَمَنْ يَموتُ في طَريقِ مَكَّةَ، ويُخَلِّفُ جَمَلَهُ الذي اكتَراه، وليسَ له عليه شَيءٌ يَحمِلُه، ولا وارِثَ له حاضِرًا يَقومُ مَقامَه، قالَ ابنُ قُدامةَ:

стр. 5837

فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ فيما بَقيَ مِنْ المدَّةِ؛ لأنَّه قد جاءَ أمْرٌ غالِبٌ يَمنَعُ المُستَأجِرَ مِنْ مَنفَعةِ العَينِ، فأشبَهَ ما لَو غُصِبَتْ؛ ولأنَّ بَقاءَ العَقدِ ضَرَرٌ في حَقِّ المُكتَرِي والمُكري؛ لأنَّ المُكتَرِي يَجِبُ عليه الكِراءُ مِنْ غيرِ نَفْعٍ، والمُكرِي يَمتَنِعُ عليه التَصرُّفُ في مالِه مع ظُهورِ امتِناعِ الكِراءِ عليه. وقد نُقِلَ عن أحمدَ في رَجُلٍ اكتَرى بَعيرًا فماتَ المُكتَرِي في بَعضِ الطَّريقِ، فإنْ رَجعَ البَعيرُ خاليًا فعليه بقَدْرِ ما وجبَ لَه، وإنْ كانَ عليه ثِقْلُه ووِطاؤُه، فلَه الكِراءُ إلى المَوضِعِ، وظاهِرُ هذا أنَّه حَكَمَ بفَسخِ العَقدِ فيما بَقيَ مِنْ المدَّةِ إذا ماتَ المُستَأجِرُ ولَم يَبْقَ به انتِفاعٌ؛ لأنَّه تَعذَّرَ استِيفاءُ المَنفَعةِ بأمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعالى، فأشبَهَ ما لَوِ اكتَرى مَنْ يَقلَعُ له ضِرسَه فبَرَأَ أو انقَلَعَ قبلَ قَلعِه، أو اكتَرى كَحَّالًا لِيُكحِّلَ عَينَيْه فبَرَأتْا أو ذَهَبَتا، ويَجِبُ أنْ يُقَدِّرَ أنَّه لَم يكُنْ ثَم مِنْ وَرثَتِه مَنْ يَقومُ مَقامَه مِنْ الِانتِفاعِ؛ لأنَّ الوارِثَ يَقومُ مَقامَ المَوروثِ، وتَأوَّلَها القاضي على أنَّ المُكرِي قَبَضَ البَعيرَ، مَنَعَ الوَرثةَ مِنْ الِانتِفاعِ، ولَولا ذلك لَمَا انفَسخَ العَقدُ؛ لأنَّه لا يَنفَسِخُ بعُذْرٍ في المُستَأجِرِ مع سَلامةِ المَعقودِ عليه، كَما لَو حَبَسَ مُستَأجِرٌ الدَّارَ ومَنَعَ مِنْ سُكناها، ولا يَصحُّ هَذا؛ لأنَّه لَو مَنَعَ الوارِثَ الِانتِفاعَ لَمَا استَحقَّ شَيئًا مِنْ الأجْرِ، ويُفارِقُ هذا ما لَو حُبِسَ المُستَأجِرُ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه انتِفاعُه، وهذا لا يُؤيَسُ منه بالحَبسِ؛ فإنَّه في كلِّ وَقتٍ يُمكِنُ خُروجُه مِنْ الحَبسِ وانتِفاعُه، ويُمكِنُ أنْ يَستَنيبَ مَنْ يَستَوفيَ المَنفَعةَ، إمَّا بأجرٍ، وإمَّا بغَيرِه، بخِلافِ المَيِّتِ؛ فإنَّه قد فاتَ انتِفاعُه بنَفْسِه ونائِبِه، فأشبَهَ ما ذَكَرْنا مِنْ الصُّوَرِ.

стр. 5838

وَإذا أجَّرَ المَوقوفُ عليه الوَقفَ مدَّةً فماتَ في أثنائِها، وانتَقلَ إلى مَنْ بَعدَه، ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ؛ لأنَّه ملكَه في زَمنِ وِلايَته، فلَم يَبطُلْ بمَوتِه، كَما لَو أَجَّرَ مِلْكَه الطَّلقَ. الآخَرُ: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ فيما بَقيَ مِنْ المدَّةِ؛ لأنَّا تَبيَّنَّا أنَّه أجَّرَ مِلْكَه ومِلْكَ غَيرِه، فُسِخَ في مِلْكِه دونَ مِلكِ غَيرِه، كَما لَو أجَّرَ دارَيْنِ، إحداهُما لَه، والأُخرَى لِغَيرِه، وذلك لأنَّ المَنافِعَ بعدَ المَوتِ حَقٌّ لِغَيرِه؛ فلا يَنفُذُ عَقدُه عليها مِنْ غيرِ مِلْكٍ ولا وِلايةٍ، ولا بخِلافِ الطَّلقِ، فإنَّ المالِكَ يَملِكُ مِنْ جِهةِ المَوروثِ، فلا يَملِكُ إلَّا ما خَلَّفَه، وما تَصرَّفَ فيه في حَياتِه لا يَنتقِلُ إلى الوارِثِ، والمَنافِعُ التي أجَّرَها قد خَرجَتْ عن مِلْكِه بالإجارةِ؛ فلا تَنتقِلُ إلى الوارِثِ، والبَطنُ الثَّاني في الوَقفِ يَملِكونَ مِنْ جِهةِ الواقِفِ، فما حَدَثَ فيها بعدَ البَطنِ الأولِ كانَ مِلْكًا لَهم، فقَد صادَفَ تَصرُّفَ المُؤجِّرِ في مِلْكِهم مِنْ غيرِ إذْنِهم، ولا وِلايةَ له عليهم؛ فلَم يَصحَّ. وَيُتخَرجُ بأنْ تَبطُلَ الإجارةُ كلُّها بِناءً على تَفريقِ الصَّفقةِ، وهذا التَّفصيلُ مَذهَبُ الشَّافِعيِّ؛ فعلى هذا إنْ كانَ المُؤجِّرُ قَبَضَ الأجْرَ كلَّه، وقُلْنا: تَنفَسِخُ الإجارةُ؛ فلِمَنِ انتَقلَ إليه الوَقْفُ أخْذُه، ويَرجِعُ المُستَأجِرُ على وَرثةِ المُؤجِّرِ بحِصَّةِ البَقيَّةِ مِنْ الأجْرِ، وإنْ قُلْنا: لا تَنفَسِخُ، رَجعَ مَنِ انتَقلَ إليه الوَقْفُ على التَّرِكةِ بحِصَّتِه (١).

стр. 5839

خامسًا: بَيعُ العَينِ المُؤجَّرةِ هل تُفسَخُ الإجارةُ ببَيعِها أو لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في العَينِ المُؤجَّرةِ هل يَصحُّ لِلمُؤجِّرِ مالِكِها أنْ يَبيعَها في أثناءِ مدَّةِ الإجارةِ أو لا؟ وهل يَستَوي في ذلك بَيعُها لِلمُستَأجِرِ وغَيرِه أو لا؟ وهل تَنفَسِخُ الإجارةُ ببَيعِها أو لا؟ ذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ بَيعُ العَينِ المُستَأجَرةِ لِلمُستَأجِرِ إذا كانَتِ البَقيَّةُ مِنْ مدَّةِ الإجارةِ ما لا يَكونُ أمَدًا يُخافُ تَغيُّرُها في مِثلِه؛ لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وَلأنَّه لَيسَ في بَيعِها إبطالُ حَقِّ المُستَأجِرِ؛ لأنَّ المُشتَرِيَ إنَّما يَتسلَّمُها بعدَ انقِضاءِ أمَدِ الإجارةِ، وكلُّ تَصرُّفٍ لا يُبطِلُ حَقَّ المُستَأجِرِ لا يُمنَعُ، ولأنَّه عَقدٌ على مَنفَعةٍ، فلَم يَمنَعِ العَقدَ على الرَّقَبةِ، كَما لَو زَوَّجَ أَمَتَهُ ثم باعَها، ولأنَّه لَيسَ في ذلك أكثَرُ مِنْ أنَّه باعَ دارًا أو أرضًا يَتأخَّرُ قَبضُها مدَّةً مِنْ الزَمنِ، لا تَتغيَّرُ في مِثلِها، ولأنَّها في يَدِ المُستَأجِرِ مِنْ غيرِ حائِلٍ، فأشبَهَ بَيعَ المَغصوبِ مِنْ الغاصِبِ. والمَنفَعةُ لِلمُستَأجِرِ إلى انقِضاءِ الإجارةِ، ولِلمُؤجِّرِ جَميعُ الأُجرةِ. وَكَذا يَصحُّ بَيعُها لِغَيرِ المُستَأجِرِ عندَ المالِكيَّةِ والحَنابِلةِ والشافِعيَّةِ في الأظهَرِ، كَما يَجوزُ بَيعُها لِلمُستَأجِرِ، سَواءٌ أذِنَ المُستَأجِرُ أو لا؛ لأنَّ استِثناءَ

стр. 5840

المَنفَعةِ فيه شَرعيٌّ لا حِسِّيٌّ، ولأنَّ ثُبوتَ العَقدِ على المَنفَعةِ لا يَمنَعُ بَيعَ الرَّقَبةِ، كالأَمَةِ المُزوَّجةِ. وَمُقابِلُ الأظهَرِ عندَ الشافِعيَّةِ: لا يَصحُّ بَيعُها لِغَيرِ المُستَأجِرِ؛ لأنَّ يَدَ المُستَأجِرِ حائِلةٌ تَمنَعُ التَّسليمَ إلى المُشتَرِي، فمُنِعَتِ الصِّحَّةُ، كَما في بَيعِ المَغصوبِ. وَهَل تَنفَسِخُ الإجارةُ أو لا؟ ذَهَبَ الشافِعيَّةُ في وَجهٍ، والحَنابِلةُ في وَجْهٍ إلى أنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ فيما بَقِيَ مِنْ المدَّةِ؛ لأنَّ الإجارةَ والمِلْكَ لا يَجتَمِعانِ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَنفَعةِ العَينِ، فبَطَلَ مِلْكُ العاقِدِ لِلعَينِ، كالنِّكاحِ؛ فإنَّه لَو تَزوَّجَ أَمَةً ثم اشتَراها بَطَلَ نِكاحُه، ولأنَّ مِلْكَ الرَّقَبةِ يَمنَعُ ابتِداءَ الإجارةِ، فمُنِعَ استَدامَتُها، كالنِّكاحِ. فعلى هذا يَسقُطُ عن المُشتَرِي الأجْرُ فيما بَقِيَ مِنْ مدَّةِ الإجارةِ، ويَرجِعُ المُستَأجِرُ على المُؤجِّرِ بأُجرةِ بَقيَّةِ المدَّةِ، كَما لَو بَطَلَتِ الإجارةُ بتَلَفِ العَينِ، وإنْ كانَ المُؤجِّرُ قد قَبَضَ الأجْرَ كلَّه حَسَبَ عليه بَقيَّةَ الأجْرِ مِنْ الثَّمنِ. والصَّحيحُ عندَ الشافِعيَّةِ والوَجِهُ الآخَرُ لِلحَنابِلةِ هو قولُ المالِكيَّةِ بأنَّ الإجارةَ لا تَنفَسِخُ ببَيعِ العَينِ المُستَأجَرةِ؛ لأنَّه تَملكَ المَنفَعةَ بعَقدٍ، ثم ملكَ الرَّقَبةَ المَسلوبةَ بعَقدٍ آخَرَ، فلَم يَتنافَيا، كَما يَملِكُ الثَّمرةَ بعَقدٍ، ثم يَملِكُ الأصْلَ بعَقدٍ آخَرَ، ولَو أجَّرَ المُوصَى له بالمَنفَعةِ مالِكَ الرَّقَبةِ، صَحَّتِ الإجارةُ، فدَلَّ على أنَّ مِلْكَ المَنفَعةِ لا يُنافِي العَقدَ على الرَّقَبةِ، وكذلك لَوِ استَأجَرَ المالِكُ العَينَ المُستَأجَرةَ مِنْ مُستَأجِرِها، جازَ.

стр. 5841

فعلى هذا يَكونُ الأجْرُ باقيًا على المُشتَرِي، وعليه الثَّمنُ، ويَجتَمِعانِ لِلبائِعِ، كَما لَو كانَ المُشتَرِي غَيرَه. وَهَذا كلُّه فيما إذا كانَ المُشتَرِي يَعلَمُ بالإجارةِ وبمِقدارِ مدَّةِ الإجارةِ، وليسَ له فَسخُ البَيعِ. فَإنْ لَم يكُنْ يَعلَمُ بالإجارةِ، أو عَلِمَ بها وجَهِلَ المدَّةَ، ثبَتَ له الخِيارُ بينَ فَسخِ البَيعِ وبَينَ إمضائِه مَجَّانًا، بلا أُجرةٍ لِتلك المدَّةِ عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ. وَفي قَولٍ لِلحَنابِلةِ له الفَسخُ أوِ الأرشُ. وَكَذا إذا عَلِمَ بالمدَّةِ، لَكِنْ ظَنَّ أنَّ له الأُجرةَ في بَقِيَتها، فإنَّه يَتخيَّرُ على الصَّحيحِ عندَ الشافِعيَّةِ. وقالَ الشَّاشيُّ: لا يَتخيَّرُ. وَهَل يَصحُّ اشتِراطُ الأُجرةِ لِلمُشتَرِي؟ فيه قولانِ لِلمالِكيَّةِ بالجَوازِ وعَدَمِه (١).

стр. 5842

أمَّا الحَنفيَّةُ؛ فقالَ الكاسانيُّ ﵀: ولَو باعَ المُؤاجِرُ الدَّارَ المُستَأجَرةَ بَعدَما أجَّرَها مِنْ غيرِ عُذرِ، ذكرَ في الأصْلِ أنَّ البَيعَ لا يَجوزُ. وَذكرَ في بَعضِ المَواضِعِ أنَّ البَيعَ مَوقوفٌ، وذكرَ في بَعضِها أنَّ البَيعَ باطِلٌ. والتَّوفيقُ مُمكِنٌ؛ لأنَّه في مَعنَى قَولِه: لا يَجوزُ، أي: لا يَنفُذُ، وهذا لا يَمنَعُ التَّوقُّفَ، وقولُه: باطِلٌ، أي: لَيسَ له حُكمٌ ظاهِرٌ لِلحالِ، وهو تَفسيرُ التَّوقُّفِ. والصَّحيحُ: أنَّه جائِزٌ في حَقِّ البائِعِ والمُشتَرِي، مَوقوفٌ في حَقِّ المُستَأجِرِ، حتى إذا انقَضَتِ المدَّةُ يَلزَمُ المُشتَرِيَ البَيعُ، وليسَ له أنْ يَمتَنِعَ مِنْ الأخْذِ، وليسَ لِلبائِعِ أنْ يَأخُذَ المَبيعَ مِنْ يَدِ المُستَأجِرِ مِنْ غيرِ إجازةِ البَيعِ، فإنْ أجازَ جازَ، وإنْ أبَى فلِلمُشتَرِي أنْ يَفسَخَ البَيعَ، ومتى فَسخَ لا يَعودُ جائِزًا بعدَ انقِضاءِ مدَّةِ الإجارةِ. وَهَل يَملِكُ المُستَأجِرُ فَسخَ هذا البَيعِ؟ ذكرَ في ظاهِرِ الرِّوايةِ أنَّه لا يَملِكُ الفَسخَ، حتى لَو فَسخَ، لا يَنفَسِخُ، حتى إذا مَضَتْ مدَّةُ الإجارةِ كانَ لِلمُشتَرِي أنْ يَأخُذَ الدارَ. وَروَى الطَّحاويُّ عن أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ أنَّ له أنْ يَنقُضَ البَيعَ، وإذا نَقَضَه لا يَعودُ جائِزًا. وَرُوِيَ عن أبي يُوسفَ أنَّه لَيسَ لِلمُستَأجِرِ نَقضُ البَيعِ والإجارةِ، كالعَيبِ، فإنْ كانَ المُشتَرِي عالِمًا بها وَقتَ الشِّراءِ وَقَعَتِ الإجارةُ لَازِمةً،

стр. 5843

وإنْ لَم يكُنْ عالِمًا بها وَقتَ الشِّراءِ فهو بالخِيارِ، إنْ شاءَ نَقَضَ البَيعَ لِأجْلِ العَيبِ، وهو الإجارةُ، وإنْ شاءَ أمْضاه، وهذا كلُّه مَذهَبُ أصحابِنا. وقالَ الشافِعيُّ ﵀: البَيعُ نافِذٌ مِنْ غيرِ إجازةِ المُستَأجِرِ، وَوَجْهُ قَولِه أنَّ البَيعَ صادَفَ مَحَلَّه؛ لأنَّ الرَّقَبةَ مِلْكُ المُؤاجِرِ، وإنَّما حَقُّ المُستَأجِرِ في المَنفَعةِ، ومَحَلُّ البَيعِ العَينُ، ولا حَقَّ لِلمُستَأجِرِ فيها. وَلَنا: أنَّ البائِعَ غيرُ قادِرٍ على تَسليمِه؛ لِتَعلّقِ حَقِّ المُستَأجِرِ به، وحَقُّ الإنسانِ يَجِبُ صيانَتُه عن الإبطالِ ما أمكَنَ، وأمكَنَ هَهُنا بالتَّوقُّفِ في حَقِّه، فقُلْنا بالجَوازِ في حَقِّ المُشتَرِي، وبِالتَّوقُّفِ في حَقِّ المُستَأجِرِ، صِيانةً لِلحقَّيْنِ، ومُراعاةً لِلجانِبيْنِ. وعلى هذا إذا أجَّرَ دارَه ثم أقَرَّ بها لِإنسانٍ، فإقرارُه يَنفُذُ في حَقِّ نَفْسِه، ولا يَنفُذُ في حَقِّ المُستَأجِرِ، بَلْ يَتوقَّفُ إلى أنْ تَمضيَ مدَّةُ الإجارةِ، فإذا مَضَتْ نَفَذَ الإقرارُ في حَقِّه أيضًا، فيَقضيَ بالدَّارِ لِلمُقِرِّ لَه، وهذا بخِلافِ ما إذا أجَّرَ دارَه مِنْ إنسانٍ ثم أجَّرَ مِنْ غَيرِه، فالإجارةُ الثَّانيةُ تَكونُ مَوقوفةً على إجازةِ المُستَأجِرِ الأولِ، فإنْ أجازَها جازَتْ، وإنْ أبطَلَها بَطَلَتْ، وهَهُنا لَيسَ لِلمُستَأجِرِ أنْ يُبطِلَ البَيعَ. وَوَجْهُ الفَرقِ أنَّ عَقدَ الإجارةِ يَقَعُ على المَنفَعةِ؛ إذْ هو تَمليكُ المَنفَعةِ، والمَنافِعُ مِلْكُ المُستَأجِرِ الأولِ؛ فتَجوزُ بإجازَتِه، وتَبطُلُ بإبطالِه، فأمَّا الإقرارُ فإنَّما يَقَعُ على العَينِ، والعَينُ مِلْكُ المُؤاجِرِ، لَكنَّ لِلمُستَأجِرِ فيها حَقًّا، فإذا زالَ حَقُّه بتَقديمِ المُستَأجِرِ الأولِ إذا أجازَ الإجارةَ الثَّانيةَ

стр. 5844

حتى نَفَذَتْ، كانَتِ الأُجرةُ لَه، لا لِصاحِبِ الدَّارِ، وفي البَيعِ يَكونُ الثَّمنُ لِصاحِبِ المِلكِ. وَوَجْهُ الفَرقِ على نَحوِ ما ذَكَرْنا؛ لأنَّ الإجارةَ وَردَتْ على المَنفَعةِ وهي مِلكُ المُستَأجِرِ الأولِ، فإذا أجازَ كانَ بَدَلُها لَه، فأمَّا الثَّمنُ فإنَّه بَدَلُ العَينِ، والعَينُ مِلْكُ المُؤاجِرِ، فكانَ بَدَلُها لَه، وبِالإجارةِ لا يَنفَسِخُ عَقدُ المُستَأجِرِ الأولِ، ما لَم تَمضِ مدَّةُ الإجارةِ الثَّانيةِ، فإذا مَضَتْ فإنْ كانَتْ مدَّتُهُما واحِدةً تَنقَضي المدَّتانِ جَميعًا، وإنْ كانَتْ مدَّةُ الثَّانيةِ أقَلَّ فلِلأوَّلِ أنْ يَسكُنَ حتى تَتِمَّ المدَّةُ. وَكذلك لَو رَهَنَها المُؤاجِرُ قبلَ انقِضاءِ مدَّةِ الإجارةِ فالعَقدُ جائِزٌ فيما بَينَه وبَينَ المُرتهِنِ، مَوقوفٌ في حَقِّ المُستَأجِرِ؛ لِتَعلّقِ حَقِّه بالمُستَأجِرِ، ولَه أنْ يَحبِسَ حتى تَنقَضيَ مدَّتُه. وعلى هذا فبَيعُ المَرهونِ مِنْ الرَّاهِنِ جائِزٌ بينَ البائِعِ والمُشتَرِي، مَوقوفٌ في حَقِّ المُرتهِنِ، ولَه أنْ يَحبِسَه حتى يَستَوفيَ مالَه، فإذا افتكَها الرَّاهِنُ يَجِبُ عليه تَسليمُ الدَّارِ إلى المُشتَرِي، كَما في الإجارةِ، إلَّا أنَّه هَهُنا إذا أجازَ المُرتهِنُ البَيعَ حتى جاءَ وسَلَّمَ الدَّارَ إلى المُشتَرِي فالثَّمنُ يَكونُ رَهنًا عندَ المُرتهِنِ، قائِمًا مَقامَ الدَّارِ؛ لأنَّ حَقَّ حَبسِ العَينِ كانَ ثابِتًا له ما دامَتْ في يَدِه، ولأنَّ بَدَلَ العَينِ قائِمٌ مَقامَ العَينِ، فثبَتَ له حَقُّ حَبسِه. وَفَرَّقَ القُدوريُّ بينَ الرَّهنِ والإجارةِ، فقالَ في الرَّهنِ: لِلمُرتهِنِ أنْ يُبطِلَ البَيعَ، وليسَ لِلمُستَأجِرِ ذلك؛ لأنَّ حَقَّ المُستَأجِرِ في المَنفَعةِ، لا في العَينِ،

стр. 5845

فكانَ الفَسخُ منه تَصرُّفًا في مَحَلِّ حَقِّ الآخَرينَ، فلا يَملِكُه، وأمَّا في حقِّ المُرتهِنِ فتَعلّقَ بعَينِ المَرهونِ. ألَا تَرى أنَّه يَصيرُ به مُستَوفيًا لِلدَّيْنِ؟ فكانَ الفَسخُ منه تَصرُّفًا في مَحَلِّ حَقِّه، ويَملِكُ، واللَّهُ أعلَمُ (١).

стр. 5846

فصل في الاختِلافِ بينَ المُؤجِّرِ والمُستَأجِرِ عَقدُ الإجارةِ مِثلُ غَيرِه مِنْ العُقودِ، قد يَتَّفِقُ العاقِدانِ على الإجارةِ ويَختَلِفانِ فيما سِواها، مثلَ الأُجرةِ، أوِ التَّلَفِ، أوِ الصِّناعةِ، أو غَيرِها، على ما سنُبَينه الآنَ بحَولِ اللَّه . ١ - الِاختِلافُ في قَدْرِ الأُجرةِ: إذا وَقَعَتِ الإجارةُ صَحيحةً واختَلفَ المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ في قَدْرِ الأُجرةِ قبلَ استِيفاءِ المَنافِعِ، بأنْ قالَ المُؤجِّرُ: ألفٌ، وقالَ المُستَأجِرُ: ألفَانِ، أو قالَ المُؤجِّرُ: ألفانِ، وقالَ المُستَأجِرُ: ألفٌ، ولا بيِّنةَ لِأحَدِهِما، تَحالَفَا عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ الإجارةَ نَوعٌ مِنْ البَيعِ، فيَتَحالَفانِ عندَ اختِلافِهِما، وإذا ثبَتَ التَّحالُفُ في نَوعٍ بالحَديثِ ثبَتَ في الأنواعِ كلِّها بنَتيجةِ الإجماعِ؛ لأنَّ أحَدًا لا يَفصِلُ بَينَهما، ولأنَّ التَّحالُفَ قبلَ استِيفاءِ المَنفَعةِ مُوافِقٌ لِلأُصولِ؛ لأنَّ اليَمينَ في أُصولِ الشَّرعِ على المُنكِرِ، وكلُّ واحِدٍ مِنهما مُنكِرٌ مِنْ وَجْهٍ، ومدَّعٍ مِنْ وَجْهٍ؛ لأنَّ المُؤجِّرَ يدَّعي على المُستَأجِرِ زِيادةَ الأُجرةِ، ولأنَّ المُستَأجِرَ مُنكِرٌ، والمُستَأجِرُ يدَّعي على المُؤجِّرِ وُجوبَ تَسليمِ المُستَأجِرِ بما يدَّعي مِنْ الأُجرةِ، ولأنَّ المُؤجِّرَ يُنكِرُ، فكانَ

стр. 5847

كلُّ واحِدٍ مِنهما مُنكِرًا مِنْ وَجْهٍ، واليَمينُ وَظيفةُ المُنكِرِ في أُصولِ الشَّرعِ؛ ولِهَذا جَرَى التَّحالُفُ قبلَ القَبضِ في بَيعِ العَينِ، والتَّحالُفُ هَهُنا قبلَ القَبضِ؛ لأنَّهما اختَلفا قبلَ استِيفاءِ المَنفَعةِ. وَإذا تَحالَفَا قبلَ مُضيِّ شَيءٍ مِنْ المدَّةِ، أوِ العَملِ، تُفسَخُ الإجارةُ، ورَجعَ كلُّ واحِدٍ مِنهما في مالِه، وأيُّهُما نَكَلَ لَزِمَه دَعوَى صاحِبِه؛ لأنَّ النُّكولَ بَذْلٌ أو إقرارٌ، والبَدَلُ والمُبدَلُ كلُّ واحِدٍ مِنهما يَحتَمِلُ البَذْلَ والإقرارَ. وَكَذا إذا اختَلفا بعدَ مُضيِّ مدَّةٍ مِنْ العَملِ أو السُّكنَى يَتحالَفانِ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، فإذا فُسِخَ العَقدُ بعدَ المدَّةِ، أو مُضيِّ شَيءٍ مِنها، سقطَ المُسمَّى، ووجبَ أُجرةُ المِثلِ، كَما لَوِ اختَلفا في المَبيعِ بعدَ تَلَفِه، وسَواءٌ كانَتْ أُجرةُ المِثلِ أقَلَّ ممَّا ادَّعاه المُكرِي أو أكَثَرَ؛ لأنَّها قِيمةُ مُتلَفٍ. وقالَ الحَنفيَّةُ: إنْ كانَ اختِلافُهما بَعدَما استَوفَى المُستَأجِرُ بَعضَ المَنفَعةِ، بأنْ سَكَنَ الدَّارَ المُستَأجَرةَ بَعضَ المدَّةِ، أو رَكِبَ الدَّابَّةَ المُستَأجَرةَ بَعضَ المَسافةِ، ثم اختَلفا، فالقولُ قولُ المُستَأجِرِ فيما مَضَى، مع يَمينِه، ويَتَحالَفانِ، وتُفسَخُ الإجارةُ فيما بَقيَ؛ لأنَّ العَقدَ على المَنافِعِ يَكونُ ساعةً فساعةً، على حَسَبِ حُدوثِها شَيئًا فشَيئًا، فكانَ كلُّ جُزءٍ مِنْ أجزاءِ المَنفَعةِ مَعقودًا عليه، مُبتَدَأً، فكانَ ما بَقيَ مِنْ المدَّةِ والمَسافةِ مُنفَرِدًا بالعَقدِ، فيَتَحالَفانِ فيه، بخِلافِ ما إذا هَلَكَ بَعضُ المَبيعِ، على قَولِ أبي حَنيفَةَ أنَّه لا يثبُتُ التَّحالُفُ عِندَه؛ لأنَّ البَيعَ وَردَ على جُملةٍ واحِدةٍ، وهي العَينُ القائِمةُ لِلحالِ، وكلُّ جُزءٍ مِنْ المَبيعِ لَيسَ مَعقودًا عليه مُبتَدَأً، إنَّما الجُملةُ مَعقودٌ

стр. 5848

عليها بعَقدٍ واحِدٍ، فإذا تَعذَّرَ الفَسخُ في قَدرِ الهالِكِ يَسقُطُ في البَقيَّةِ. وإنْ كانَ اختِلافُهما بعدَ مُضِيِّ وَقتِ الإجارةِ، أو بعدَ بُلوغِ المَسافةِ التي استَأجَرَ إلَيها، لا يَتحالَفانِ فيه، والقولُ قولُ المُستَأجِرِ في مِقدارِ البَدَلِ، مع يَمينِه، ولا يَمينَ على المُؤجِّرِ؛ لأنَّ التَّحالُفَ يُثبِتُ الفَسخَ، ولأنَّ المَنافِعَ المُنعَدِمةَ لا تَحتَمِلُ فَسخَ العَقدِ، فلا يثبُتُ التَّحالُفُ، وهذا على أصْلِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ظاهِرٌ؛ لأنَّ قِيامَ المَبيعِ في بابِ البَيعِ شَرطُ جَرَيانِ التَّحالُفِ، حتى لا يَثبُتَ التَّحالُفُ في المَبيعِ الهالِكِ، والمَنافِعُ هَهُنا هالِكةٌ؛ فلا يثبُتُ فيها التَّحالُفُ، وأمَّا مُحمَّدٌ فيَحتاجُ إلى الفَرقِ بينَ المَبيعِ الهالِكِ، وبَينَ المَنافِعِ الهالِكةِ. وَوَجْهُ الفَرقِ له: أنَّ المَنافِعَ غيرُ مُتقَوَّمةٍ بأنْفُسِها على أصْلِنا، وإنَّما تُتَقوَّمُ بالعَقدِ، فإذا فُسِخَتِ الإجارةُ بالتَّحالُفِ تَبقَى المَنافِعُ مُستَوفاةً مِنْ غيرِ عَقدٍ، فلا تُتَقوَّمُ، فلا يثبُتُ التَّحالُفُ، بخِلافِ الأعيانِ؛ فإنَّها مُتقَوَّمةٌ بأنْفُسِها، فإذا فُسِخَ البَيعُ بالتَّحالُفِ يَبقَى العَقدُ مُتقَوَّمًا بنَفْسِه في يَدِ المُشتَرِي، فيَجِبُ عليه قِيمَتُه، وإنَّما كانَ القولُ قَولَ المُستَأجِرِ؛ لأنَّه المُستحَقُّ عليه، والخِلافُ متى وقعَ في الِاستِحقاقِ كانَ القولُ قَولَ المُستحَقِّ عليه. وَأيُّهُما أقامَ البيِّنةَ يُقضَى ببيِّنَتِه اتِّفاقًا؛ لأنَّ الدَّعوَى لا تُقابِلُ الحُجَّةَ. وإنْ أقامَا جَميعًا البيِّنةَ اختُلِفَ فيه على ثَلاثةِ أقوالٍ. قالَ الحَنابِلةُ: إنْ أقامَا جَميعًا البيِّنةَ تَحالَفَا وسقطَتْ بيِّنَتاهما؛ لِتَعارُضِهِما.

стр. 5849

وقالَ الشافِعيَّةُ: إنْ كانَ لكلِّ واحِدٍ مِنهما بيِّنةٌ نُظِرَتْ، فإنْ كانَتا مُؤَرَّخَتَيْنِ بتاريخَيْنِ مُختلِفيْنِ قُضِيَ بالأُولَى مِنهما؛ لأنَّ العَقدَ الأولَ يَمنَعُ صِحَّةَ العَقدِ الثَّاني. وإنْ كانَتا مُطلَقَتيْنِ، أو مُؤَرَّختَيْنِ تاريخًا واحِدًا، أو كانَتْ إحداهُما مُطلَقةً والأُخرَى مُؤَرَّخةً، فهُما مُتعارِضَتانِ، وفيهِما قولانِ: أحَدُهما: أنَّهما تَسقُطانِ، ويَصيرُ كَما لَو لَم تكُنْ بيِّنةٌ، ويَتَحالَفانِ على ما في البَيعِ. والآخَرُ: أنَّهما يُستَعمَلانِ، فيُقرَعُ بَينَهما، فمَن خَرجَتْ له القُرعةُ قُضِيَ لَه، قالَ الشِّيرازيُّ: ولا يَجيءُ القولُ بالوَقفِ؛ لأنَّ العُقودَ لا تُوقَفُ، ولا يَجيءُ القولُ بالقِسمةِ؛ لأنَّهما يَتنازَعانِ في عَقدِ، والعَقدُ لا يُمكِنُ قِسمَتُه. وَخَرجَ أبو العَبَّاسِ قَولًا آخَرَ: أنَّه إذا كانَ الِاختِلافُ في قَدْرِ المدَّةِ أو في قَدْرِ الأُجرةِ، قُضِيَ بالبيِّنةِ التي تُوجِبُ الزِّيادةَ، كَما لَو شَهِدَتْ بيِّنةٌ أنَّ لِفُلانٍ عليه ألفًا، وشَهِدَتْ بيِّنةٌ أنَّ له عليه ألفَيْنِ، وهذا خَطَأٌ؛ لأنَّ الشَّهادةَ بالألفِ لا تَنفِي الزِّيادةَ عليه، فلَم يكُنْ بَينَها وبَينَ بيِّنةِ الشَّهادةِ الأُخرَى تَعارُضٌ، وهَهُنا أحَدُ البيِّنَتَيْنِ تَنفِي ما شَهِدَتْ به البيِّنةُ الأُخرَى؛ لأنَّه إذا عُقِدَ بأحَدِ العِوَضَيْنِ لَم يَجُزْ أنْ يُعقَدَ بالعِوَضِ الآخَرِ؛ فتَعارَضَتَا (١). فإذا فُسِخَ العَقدُ بعدَ المدَّةِ أو مُضِيِّ شَيءٍ منها سقطَ المُسمَّى ووجبَ

стр. 5850

أُجرةُ المِثلِ، أو القِسطُ، إذا مَضَى شَيءٌ منها، وسَواءٌ كانَتْ أُجرةُ المِثلِ أقَلَّ ممَّا ادَّعاهُ المُكرِي أو أكثَرَ؛ لأنَّها قِيمةُ مُتلَفٍ. وقالَ الحَنفيَّةُ: إنْ أقاما جَميعًا البيِّنةَ فبيِّنةُ المُؤجِّرِ أَوْلَى؛ لأنَّها تُثبِتُ زِيادةَ الأُجرةِ (١). وقالَ المالِكيَّةُ: القولُ لِلأجيرِ في قَدْرِ الأُجرةِ إنْ أشبَهَ بيَمينِه، أشبَهَ رَبَّه أو لا. فإنِ انفَرَدَ رَبُّه بالشَّبَهِ، فالقولُ له بيَمينِه، فإنْ لَم يُشْبِهَا حلَفا، وكانَ لِلأجيِر أُجرةُ مِثلِه. كَأنْ نَكَلَا معًا وقُضِيَ لِلحالِفِ على الناكِلِ، وهذا إذا كانَ المَصنوعُ تَحتَ يَدِ الصَّانِعِ، فإنْ حازَه رَبُّه، أو كانَ الصَّانِعُ إنَّما يَصنَعُه في بَيتِ رَبِّه ولا يُمكِّنُه مِنْ الخُروجِ به، أو كالبِناءِ، فالقولُ في قَدْرِ الأُجرةِ لربِّه، إذا لَم يَنفَرِدِ الصَّانِعُ بالشَّبَهِ، وإلَّا فالقولُ له (٢). وقالَ في «البَهجة في شَرحِ التُّحفةِ»: والقولُ فيما إذا اختَلفا في قَدْرِ
следующие страницы →