فصل في الاختِلافِ بينَ المُؤجِّرِ والمُستَأجِرِ
عَقدُ الإجارةِ مِثلُ غَيرِه مِنْ العُقودِ، قد يَتَّفِقُ العاقِدانِ على الإجارةِ ويَختَلِفانِ فيما سِواها، مثلَ الأُجرةِ، أوِ التَّلَفِ، أوِ الصِّناعةِ، أو غَيرِها، على ما سنُبَينه الآنَ بحَولِ اللَّه .
١ - الِاختِلافُ في قَدْرِ الأُجرةِ:
إذا وَقَعَتِ الإجارةُ صَحيحةً واختَلفَ المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ في قَدْرِ الأُجرةِ قبلَ استِيفاءِ المَنافِعِ، بأنْ قالَ المُؤجِّرُ: ألفٌ، وقالَ المُستَأجِرُ: ألفَانِ، أو قالَ المُؤجِّرُ: ألفانِ، وقالَ المُستَأجِرُ: ألفٌ، ولا بيِّنةَ لِأحَدِهِما، تَحالَفَا عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ الإجارةَ نَوعٌ مِنْ البَيعِ، فيَتَحالَفانِ عندَ اختِلافِهِما، وإذا ثبَتَ التَّحالُفُ في نَوعٍ بالحَديثِ ثبَتَ في الأنواعِ كلِّها بنَتيجةِ الإجماعِ؛ لأنَّ أحَدًا لا يَفصِلُ بَينَهما، ولأنَّ التَّحالُفَ قبلَ استِيفاءِ المَنفَعةِ مُوافِقٌ لِلأُصولِ؛ لأنَّ اليَمينَ في أُصولِ الشَّرعِ على المُنكِرِ، وكلُّ واحِدٍ مِنهما مُنكِرٌ مِنْ وَجْهٍ، ومدَّعٍ مِنْ وَجْهٍ؛ لأنَّ المُؤجِّرَ يدَّعي على المُستَأجِرِ زِيادةَ الأُجرةِ، ولأنَّ المُستَأجِرَ مُنكِرٌ، والمُستَأجِرُ يدَّعي على المُؤجِّرِ وُجوبَ تَسليمِ المُستَأجِرِ بما يدَّعي مِنْ الأُجرةِ، ولأنَّ المُؤجِّرَ يُنكِرُ، فكانَ
стр. 5847
كلُّ واحِدٍ مِنهما مُنكِرًا مِنْ وَجْهٍ، واليَمينُ وَظيفةُ المُنكِرِ في أُصولِ الشَّرعِ؛ ولِهَذا جَرَى التَّحالُفُ قبلَ القَبضِ في بَيعِ العَينِ، والتَّحالُفُ هَهُنا قبلَ القَبضِ؛ لأنَّهما اختَلفا قبلَ استِيفاءِ المَنفَعةِ.
وَإذا تَحالَفَا قبلَ مُضيِّ شَيءٍ مِنْ المدَّةِ، أوِ العَملِ، تُفسَخُ الإجارةُ، ورَجعَ كلُّ واحِدٍ مِنهما في مالِه، وأيُّهُما نَكَلَ لَزِمَه دَعوَى صاحِبِه؛ لأنَّ النُّكولَ بَذْلٌ أو إقرارٌ، والبَدَلُ والمُبدَلُ كلُّ واحِدٍ مِنهما يَحتَمِلُ البَذْلَ والإقرارَ.
وَكَذا إذا اختَلفا بعدَ مُضيِّ مدَّةٍ مِنْ العَملِ أو السُّكنَى يَتحالَفانِ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، فإذا فُسِخَ العَقدُ بعدَ المدَّةِ، أو مُضيِّ شَيءٍ مِنها، سقطَ المُسمَّى، ووجبَ أُجرةُ المِثلِ، كَما لَوِ اختَلفا في المَبيعِ بعدَ تَلَفِه، وسَواءٌ كانَتْ أُجرةُ المِثلِ أقَلَّ ممَّا ادَّعاه المُكرِي أو أكَثَرَ؛ لأنَّها قِيمةُ مُتلَفٍ.
وقالَ الحَنفيَّةُ: إنْ كانَ اختِلافُهما بَعدَما استَوفَى المُستَأجِرُ بَعضَ المَنفَعةِ، بأنْ سَكَنَ الدَّارَ المُستَأجَرةَ بَعضَ المدَّةِ، أو رَكِبَ الدَّابَّةَ المُستَأجَرةَ بَعضَ المَسافةِ، ثم اختَلفا، فالقولُ قولُ المُستَأجِرِ فيما مَضَى، مع يَمينِه، ويَتَحالَفانِ، وتُفسَخُ الإجارةُ فيما بَقيَ؛ لأنَّ العَقدَ على المَنافِعِ يَكونُ ساعةً فساعةً، على حَسَبِ حُدوثِها شَيئًا فشَيئًا، فكانَ كلُّ جُزءٍ مِنْ أجزاءِ المَنفَعةِ مَعقودًا عليه، مُبتَدَأً، فكانَ ما بَقيَ مِنْ المدَّةِ والمَسافةِ مُنفَرِدًا بالعَقدِ، فيَتَحالَفانِ فيه، بخِلافِ ما إذا هَلَكَ بَعضُ المَبيعِ، على قَولِ أبي حَنيفَةَ أنَّه لا يثبُتُ التَّحالُفُ عِندَه؛ لأنَّ البَيعَ وَردَ على جُملةٍ واحِدةٍ، وهي العَينُ القائِمةُ لِلحالِ، وكلُّ جُزءٍ مِنْ المَبيعِ لَيسَ مَعقودًا عليه مُبتَدَأً، إنَّما الجُملةُ مَعقودٌ
стр. 5848
عليها بعَقدٍ واحِدٍ، فإذا تَعذَّرَ الفَسخُ في قَدرِ الهالِكِ يَسقُطُ في البَقيَّةِ.
وإنْ كانَ اختِلافُهما بعدَ مُضِيِّ وَقتِ الإجارةِ، أو بعدَ بُلوغِ المَسافةِ التي استَأجَرَ إلَيها، لا يَتحالَفانِ فيه، والقولُ قولُ المُستَأجِرِ في مِقدارِ البَدَلِ، مع يَمينِه، ولا يَمينَ على المُؤجِّرِ؛ لأنَّ التَّحالُفَ يُثبِتُ الفَسخَ، ولأنَّ المَنافِعَ المُنعَدِمةَ لا تَحتَمِلُ فَسخَ العَقدِ، فلا يثبُتُ التَّحالُفُ، وهذا على أصْلِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ظاهِرٌ؛ لأنَّ قِيامَ المَبيعِ في بابِ البَيعِ شَرطُ جَرَيانِ التَّحالُفِ، حتى لا يَثبُتَ التَّحالُفُ في المَبيعِ الهالِكِ، والمَنافِعُ هَهُنا هالِكةٌ؛ فلا يثبُتُ فيها التَّحالُفُ، وأمَّا مُحمَّدٌ فيَحتاجُ إلى الفَرقِ بينَ المَبيعِ الهالِكِ، وبَينَ المَنافِعِ الهالِكةِ.
وَوَجْهُ الفَرقِ له: أنَّ المَنافِعَ غيرُ مُتقَوَّمةٍ بأنْفُسِها على أصْلِنا، وإنَّما تُتَقوَّمُ بالعَقدِ، فإذا فُسِخَتِ الإجارةُ بالتَّحالُفِ تَبقَى المَنافِعُ مُستَوفاةً مِنْ غيرِ عَقدٍ، فلا تُتَقوَّمُ، فلا يثبُتُ التَّحالُفُ، بخِلافِ الأعيانِ؛ فإنَّها مُتقَوَّمةٌ بأنْفُسِها، فإذا فُسِخَ البَيعُ بالتَّحالُفِ يَبقَى العَقدُ مُتقَوَّمًا بنَفْسِه في يَدِ المُشتَرِي، فيَجِبُ عليه قِيمَتُه، وإنَّما كانَ القولُ قَولَ المُستَأجِرِ؛ لأنَّه المُستحَقُّ عليه، والخِلافُ متى وقعَ في الِاستِحقاقِ كانَ القولُ قَولَ المُستحَقِّ عليه.
وَأيُّهُما أقامَ البيِّنةَ يُقضَى ببيِّنَتِه اتِّفاقًا؛ لأنَّ الدَّعوَى لا تُقابِلُ الحُجَّةَ.
وإنْ أقامَا جَميعًا البيِّنةَ اختُلِفَ فيه على ثَلاثةِ أقوالٍ.
قالَ الحَنابِلةُ: إنْ أقامَا جَميعًا البيِّنةَ تَحالَفَا وسقطَتْ بيِّنَتاهما؛ لِتَعارُضِهِما.
стр. 5849
وقالَ الشافِعيَّةُ: إنْ كانَ لكلِّ واحِدٍ مِنهما بيِّنةٌ نُظِرَتْ، فإنْ كانَتا مُؤَرَّخَتَيْنِ بتاريخَيْنِ مُختلِفيْنِ قُضِيَ بالأُولَى مِنهما؛ لأنَّ العَقدَ الأولَ يَمنَعُ صِحَّةَ العَقدِ الثَّاني.
وإنْ كانَتا مُطلَقَتيْنِ، أو مُؤَرَّختَيْنِ تاريخًا واحِدًا، أو كانَتْ إحداهُما مُطلَقةً والأُخرَى مُؤَرَّخةً، فهُما مُتعارِضَتانِ، وفيهِما قولانِ:
أحَدُهما: أنَّهما تَسقُطانِ، ويَصيرُ كَما لَو لَم تكُنْ بيِّنةٌ، ويَتَحالَفانِ على ما في البَيعِ.
والآخَرُ: أنَّهما يُستَعمَلانِ، فيُقرَعُ بَينَهما، فمَن خَرجَتْ له القُرعةُ قُضِيَ لَه، قالَ الشِّيرازيُّ: ولا يَجيءُ القولُ بالوَقفِ؛ لأنَّ العُقودَ لا تُوقَفُ، ولا يَجيءُ القولُ بالقِسمةِ؛ لأنَّهما يَتنازَعانِ في عَقدِ، والعَقدُ لا يُمكِنُ قِسمَتُه.
وَخَرجَ أبو العَبَّاسِ قَولًا آخَرَ: أنَّه إذا كانَ الِاختِلافُ في قَدْرِ المدَّةِ أو في قَدْرِ الأُجرةِ، قُضِيَ بالبيِّنةِ التي تُوجِبُ الزِّيادةَ، كَما لَو شَهِدَتْ بيِّنةٌ أنَّ لِفُلانٍ عليه ألفًا، وشَهِدَتْ بيِّنةٌ أنَّ له عليه ألفَيْنِ، وهذا خَطَأٌ؛ لأنَّ الشَّهادةَ بالألفِ لا تَنفِي الزِّيادةَ عليه، فلَم يكُنْ بَينَها وبَينَ بيِّنةِ الشَّهادةِ الأُخرَى تَعارُضٌ، وهَهُنا أحَدُ البيِّنَتَيْنِ تَنفِي ما شَهِدَتْ به البيِّنةُ الأُخرَى؛ لأنَّه إذا عُقِدَ بأحَدِ العِوَضَيْنِ لَم يَجُزْ أنْ يُعقَدَ بالعِوَضِ الآخَرِ؛ فتَعارَضَتَا (١).
فإذا فُسِخَ العَقدُ بعدَ المدَّةِ أو مُضِيِّ شَيءٍ منها سقطَ المُسمَّى ووجبَ
стр. 5850
أُجرةُ المِثلِ، أو القِسطُ، إذا مَضَى شَيءٌ منها، وسَواءٌ كانَتْ أُجرةُ المِثلِ أقَلَّ ممَّا ادَّعاهُ المُكرِي أو أكثَرَ؛ لأنَّها قِيمةُ مُتلَفٍ.
وقالَ الحَنفيَّةُ: إنْ أقاما جَميعًا البيِّنةَ فبيِّنةُ المُؤجِّرِ أَوْلَى؛ لأنَّها تُثبِتُ زِيادةَ الأُجرةِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: القولُ لِلأجيرِ في قَدْرِ الأُجرةِ إنْ أشبَهَ بيَمينِه، أشبَهَ رَبَّه أو لا.
فإنِ انفَرَدَ رَبُّه بالشَّبَهِ، فالقولُ له بيَمينِه، فإنْ لَم يُشْبِهَا حلَفا، وكانَ لِلأجيِر أُجرةُ مِثلِه.
كَأنْ نَكَلَا معًا وقُضِيَ لِلحالِفِ على الناكِلِ، وهذا إذا كانَ المَصنوعُ تَحتَ يَدِ الصَّانِعِ، فإنْ حازَه رَبُّه، أو كانَ الصَّانِعُ إنَّما يَصنَعُه في بَيتِ رَبِّه ولا يُمكِّنُه مِنْ الخُروجِ به، أو كالبِناءِ، فالقولُ في قَدْرِ الأُجرةِ لربِّه، إذا لَم يَنفَرِدِ الصَّانِعُ بالشَّبَهِ، وإلَّا فالقولُ له (٢).
وقالَ في «البَهجة في شَرحِ التُّحفةِ»: والقولُ فيما إذا اختَلفا في قَدْرِ
стр. 5851
الأُجرةِ مِنْ بَعدِ انقِضاءِ أمَدِ الكِراءِ لِلمُكتَرِي، بشَرطِ الشَّبَهِ؛ لأنَّه مُعتَبرٌ مع فَواتِ كلِّ المَنافِعِ أو بَعضِها، وبِشَرطِ أنْ يَحلِفَ، وألَّا يَكونَ نَقَدَ شَيئًا.
فَإنْ لَم يُشبِهْ، بَلْ أشبَهَ المُكرِي وَحدَه، ونَكَلَ المُكتَرِي عن اليَمينِ، أو كانَ نَقَدَ العَشَرةَ مثلًا، وزَعَم بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ أنَّ الكِراءَ إنَّما هو خَمسةٌ مِنها، والخَمسةُ الأُخرَى قَرضٌ، أو وَديعةٌ، فالقولُ لِلمُكري أنَّ الجَميعَ كِراءٌ بيَمينِه، إنْ أشبَهَ، وإنْ لَم يُشبِهَا حلَفا، ووجبَ كِراءُ المِثلِ (١).
وقالَ مَيَّارةُ الفاسِيُّ ﵀: إذا اختُلِفَ في قَدْرِ الكِراءِ، كَأنْ يَقولَ المُكري بعَشَرةٍ، ويَقولَ المُكتَرِي بثَمانيةٍ، فذلك على ثَلاثةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَختَلِفَا قبلَ أنْ يَسكُنَ المُكتَرِي، فيَتَحالَفَا ويَتَفاسَخَا.
الوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَختَلِفا بعدَ الشُّروعِ في السُّكنَى، فيَتَحالَفَا ويُفسَخَ الكِراءُ فيما بَقيَ مِنْ المدَّةِ، ويُؤدِّي المُكتَرِي كِراءَ ما سَكَنَ مِنْ حِسابِ ما حلَف عليه إذا كانَ لَم يَنقُدْ لِماضي المدَّةِ، وأمَّا إنْ كانَ قد نَقَدَ لَهَا قَدْرًا مَعلومًا، فالقولُ قولُ المُكرِي إذا ادَّعاه.
الوَجْهُ الثَّالث: أنْ يَختَلِفا بعدَ انقِضاءِ أمَدِ السُّكنَى، فالقولُ في ذلك قولُ المُكتَرِي مع يَمينِه، وهذا إذا لَم يكُنْ نَقَدَ الكِراءَ، فإنْ نَقَدَه فالقولُ قولُ المُكرِي.
وقالَ اللَّخميُّ ﵀ في تَبصِرَتِه: ولَوِ اتَّفقَا أنَّ الكِراءَ بعَينٍ، واختَلفَا في قَدْرِه، فقالَ السَّاكِنُ: خَمسونَ، وقالَ الآخَرُ: مِئةٌ، فإنِ اختَلفا قبلَ السُّكنَى
стр. 5852
تَحالَفَا وتَفاسَخَا، وإنْ كانَ بعدَ مُضِيِّ السَّنةِ كانَ القولُ قَولَ السَّاكِنِ مع يَمينِه إذا أتَى بما يُشبِهُ، وإنِ اختَلفا بعدَ مُضِيِّ سِتَّةِ أشهُرٍ كانَ القولُ قَولَ السَّاكِنِ، مع يَمينِه في الماضي، وتَحالَفَا وتَفاسَخَا في البَقيَّةِ، وهذا إذا لَم يكُنْ نَقَدَ.
وفي «المُتيطِيَّةُ»: وإنْ كانَ قد سَكَنَ سِتَّةَ أشهُرٍ، وقالَ المُكرِي وقَد قَبَضَ خَمسينَ: بَقيَ لي مِنْ كِراءِ السَّنةِ خَمسونَ، وقالَ المُكتَرِي: الخَمسونَ التي نَقَدتَ هي عن السَّنةِ كلِّها، فأنَّهما يَتحالَفانِ، وتُقَسَّمُ الخَمسونَ التي نَقَدَ على السَّنةِ، ويَكونُ عليه فيما سَكَنَ خَمسةٌ وعِشرونَ على ما أقَرَّ به، ثم يُنظَرُ، فإنِ احتَمَلَتِ الدَّارُ القَسْمَ، ولا ضَرَرَ على المُكتَرِي في سُكنَى نَصفِها، سَكَنَه في الخَمسةِ والعِشرينَ الباقيةِ؛ لأنَّ المُكرِي مُقِرٌّ بأنَّه لَم يَدفَعْ إليه بَقيَّةَ السُّكنَى، وإنْ كانَ عليه في ذلك ضَرَرٌ فُسِخَتْ بَقيَّةُ المدَّةِ. اه.
تَنبيهٌ: أطلَقَ النَّاظِمُ في قَولِه: والقولُ مِنْ بَعدِ انقِضاءِ الأمَدِ لِلمُكتَرِي، وهو مُقيَّدٌ بما إذا أشبَه، كَما تَقدَّمَ في كلامِ اللَّخميِّ (١).
٢ - الِاختِلافُ في قَدْرِ المدَّةِ:
إذا اختَلفَ المُؤجِّرُ المالِكُ، والمُستَأجِرُ، في المدَّةِ، فقالَ المُؤجِّرُ: أجَّرتُكَها سَنةً بألفٍ، وقالَ المُستَأجِرُ: بَلْ أجَّرتَني سَنتَيْنِ بألفَيْنِ.
فاختَلفَ الفُقهاءُ: هَلِ القولُ قولُ المالِكِ المُؤجِّرِ، أو قولُ المُستَأجِرِ، أو يَتحالَفانِ؟
فَقالَ الحَنفيَّةُ: إذا اختَلفَ المُستَأجِرُ قبلَ أنْ يَتصرَّفَ في المَأجورِ مع
стр. 5853
المُؤجِّرِ في المدَّةِ بأنْ يدَّعيَ المُؤجِّرُ مثلًا بقَولِه: أنتَ آجَرتَ لِشَهرٍ، ويدَّعيَ المُستَأجِرُ بقَولِهِ: استَأجَرتُ لِشَهرَيْنِ.
أو اختَلفَا في المَسافةِ، بأنْ يدَّعيَ المُؤجِّرُ إيجارَه دابَّتَه لدِمَشقَ، ويدَّعيَ المُستَأجِرُ استِئجارَه الدابَّةَ لحِمْصَ، تُقبَلُ دَعوَى مَنْ أقامَ البيِّنةَ مِنهما، فإذا أقامَ كِلاهُما البيِّنةَ يُحكَمُ ببيِّنةِ المُستَأجِرِ، وإنْ عَجَزَا عن الإثباتِ يَحلِفانِ معًا، ويُبدَأُ بتَحليفِ المُؤجِّرِ أوَّلًا، ويُلزَمُ مَنْ نَكَلَ بنُكولِه، فإنْ حلَف كِلاهُما فَسخَ الحاكِمُ الإجارةَ.
وَإذا اختَلفَ المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ بعدَ انقِضاءِ مدَّةِ الإجارةِ، أي: بعدَ استِيفاءِ كلِّ المَنفَعةِ، أو اقتِدارِ المُستَأجِرِ على كلِّ المَنفَعةِ، فلا تَحالُفَ في الأُجرةِ؛ لأنَّ التَّحالُفَ شُرِعَ لِفَسخِ العَقدِ، فبَعدَ استِيفاءِ المَنفَعةِ لا يُتصوَّرُ إمكانُ فَسخِ العَقدِ؛ قيامَ العَقدِ بقِيامِ المَبيعِ، ولأنَّ القَولَ مع اليَمينِ لِلمُستَأجِرِ؛ لأنَّ المُستَأجِرَ يُنْكِرُ هُنا زِيادةَ الأُجرةِ.
أمَّا إذا كانَ الِاختِلافُ في المدَّةِ، فلا تَحالُفَ أيضًا، إلَّا أنَّ القَولَ مع اليَمينِ لِلمُؤجِّرِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: إذا اختَلفَ المُكرِي والمُكتَرِي في قَدْرِ المدَّةِ، فلا يَخلو مِنْ وجهيْنِ:
أحَدُهما: أنْ يَكونَ المُكري انتَقدَ الكِراءَ، أي: قَبَضَه، فالقولُ قولُه مع يَمينِه، سَكَنَ المُكتَرِي أو لَم يَسكُنْ.
стр. 5854
والوَجْهُ الآخَرُ: أنْ يَكونَ لَم يَنتقِدِ الكِراءَ، وفيه وَجهانِ؛ لأنَّه إمَّا أنْ يَقَعَ اختِلافُهُما بعدَ السُّكنَى، أي: بعدَ الشُّروعِ فيها، والحُكمُ أنَّهما يَتحالَفانِ، ويُفسَخُ الكِراءُ في بَقيَّةِ المدَّةِ، ويُؤدِّي المُكتَرِي كِراءَ ما سَكَنَ مِنْ حِسابِ ما حلَف عليه، وكذلك يُفسَخُ إذا نَكَلا معًا.
فَإنْ حلَف أحَدُهما ونَكَلَ الآخَرُ، فالقولُ قولُ الحالِفِ.
وأمَّا أنْ يَكونَ اختِلافُهما قبلَ السُّكنَى، والمَسألةُ بحالِها مِنْ كَوْنِ المُكتَرِي لَم يَنقُدِ الكِراءَ، فإنَّ الكِراءَ يُفسَخُ إذا نَكَلَا أو حلَفا، فإنْ حلَف أحَدُهما ونَكَلَ الآخَرُ، فالقولُ قولُ الحالِفِ مِنهما.
وَإلَيه أشارَ بقَولِهِ:
وإنْ يَكونَا قبلَ سُكنَى اختَلفا فالفَسخُ مَهمَا نَكَلا أو حَلَفا
والقولُ في ذلك قولُ الحالِفِ، فقولُه في البَيتِ الأخيرِ: والقولُ في ذلك قولُ الحالِفِ.
وقالَ في «المُتيطِيَّة»: وإذا اختَلفا في مدَّةِ الكِراءِ فلا يَخلو، إمَّا أنْ يَكونَ المُكرِي قد انتَقدَ أو لَم يَنتقِدْ، فإنْ كانَ انتَقدَ صُدِّقَ مع يَمينِه، سَكَنَ المُكتَرِي أوْ لَم يَسكُنْ، وإنْ لَم يَنتقِدْ فلا يَخلو إمَّا أنْ يَكونَ بحَضرةِ الكِراءِ، وقَبلَ أنْ يَسكُنَ، أو بعدَ ذلك، فإنْ كانَ بحَضرةِ الكِراءِ وقَبلَ السُّكنَى، تَحالَفا، فإنْ حَلَفا أو نَكَلَا فُسِخَ الكِراءُ بَينَهما، وإنْ نَكَلَ أحَدُهما وحلَف الآخَرُ فالقولُ قولُ مَنْ حلَف مِنهما، وإنْ كانَ بعدَ السُّكنَى نِصفَ السَّنةِ تَحالَفا، وفُسِخَ في بَقيَّةِ المدَّةِ، وعليه فيما سَكَنَ بحِسابِ ما أقَرَّ به إنْ تَساوَتِ الشُّهورُ في القِيمةِ. اه.
стр. 5855
وفي النَّوادِرِ مِنْ الواضِحةِ: ويُحمَلانِ في نَقدِ الكِراءِ على عُرفِ النَّاسِ، وإذا اختَلفا في المدَّةِ فإنِ انتَقدَ المُكرِي فهو مُصدَّقٌ مع يَمينِه، سَكَنَ المُكتَرِي أو لَم يَسكُنْ، وإنْ لَم يَنتقِدْ، وكانَ بحَضرةِ الكِراءِ، وقَبلَ السُّكنَى تَحالَفا، وفُسِخَ الكِراءُ إذا حَلَفا أو نَكَلَا، وإنْ نَكَلَا فالقولُ قولُ مَنْ حلَف، وإنِ اختَلفَا بعدَ أنْ سَكَنَ سَنةً أو بَعضَها تَحالَفَا، وفُسِخَتْ بَقيَّةُ المدَّةِ، وعليه فيما سَكَنَ بحِسابِ ما أقَرَّ به. اه.
قالَ مَيَّارةُ ﵀: تَنبيهٌ يُؤخَذُ مِنْ قَولِهم فيما إذا سَكَنَ بَعضَ المدَّةِ عليه مِنْ الكِراءِ بحِسابِ ما أقَرَّ به الذي أشارَ له النَّاظِمُ بقَولِه: (ثم يُؤدِّي ما عليه حَلَفا) أنَّ فَرضَ المَسألةِ، مثلًا، أنَّه اكتَرى ودفعَ أربَعينَ دِرهَمًا، وهذا لا نِزاعَ فيه، والنِّزاعُ في قَدْرِ المدَّةِ، فقالَ المُكرِي: الأربَعونَ لِأربَعةِ أشهُرٍ، عَشَرةُ دَراهِمَ لكلِّ شَهرٍ، وقالَ المُكتَرِي: الأربَعونَ لِخَمسةِ أشهُرٍ، ثَمانيةُ دَراهِمَ لكلِّ شَهرٍ، كَذا هي صُورةُ مَسألةِ النَّاظِمِ، وفيها هو التَّفصيلُ بينَ أنْ يَنقُدَ المُكتَرِي الكِراءَ أو لا، وإذا تَحالَفا وتَفاسَخَا فإنَّ المُكتَرِي يُؤدِّي لِمَا سَكَنَ بحِسابِ ثَمانيةِ دَراهِمَ لكلِّ شَهرٍ، فالِاختِلافُ في مدَّةِ الكِراءِ، ولَكِنْ لَزِمَ منه الِاختِلافُ في قَدْرِ الكِراءِ، فلِذلك قالوا: يَلزَمُه بحِسابِ ما أقَرَّ به، وحلَف عليه، وهو ثَمانيةٌ لكلِّ شَهرٍ، أي: لا بحَسَبِ دَعوَى المُكرِي، وهو عَشَرةٌ لكلِّ شَهرٍ، ولَو كانَ فَرضُ المَسألةِ أنَّهما اتَّفقَا على أنَّ لكلِّ شَهرٍ كَذا، واختَلفَا هَلِ اكتَرى لِخَمسةِ أشهُرٍ أو لِأربَعةٍ، فسَكَنَ شَهرَيْنِ مثلًا، لَقالوا: لَزِمَه لِلشَّهرَيْنِ ما دخلَا عليه، واتَّفقَا عليه، ولَم يَقولوا بحِسابِ ما أقَرَّ به، واللَّهُ أعلمُ (١).
стр. 5856
وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا اختَلفَ المُتكارِيَانِ في المدَّةِ تَحالَفَا، فإذا تَحالَفا فُسِخَ العَقدُ، وعلى المُستَأجِرِ أُجرةُ المِثلِ لِمَا استَوْفاه (١).
وذَهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ القَولَ قولُ المالِكِ؛ لأنَّه مُنكِرٌ للزِّيادةِ، فكانَ القولُ قَولَه فيما أنكَرَه (٢).
٣ - الِاختِلافُ في قَدْرِ الأُجرةِ والمدَّةِ معًا:
إذا اختَلفَ المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ في الأُجرةِ والمدَّةِ معًا، كَأنْ يدَّعيَ المُؤجِّرُ مثلًا قائِلًا: قد آجَرتُ هذه الدَّارَ لشَهرٍ واحِدٍ بمِئتَيْ دِرهَمٍ، وأنْ يدَّعيَ المُستَأجِرُ أنَّه اسَتَأجَرَ تلك الدَّارَ مدَّةَ شهرَيْنِ بمِئتَيْ دِرهَمٍ، أو بمِئةِ دِرهَمٍ، فقَدِ اختَلفَ العُلماءُ في هَذا:
فَقالَ الحَنفيَّةُ: إذا اختَلفَ المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ في الأُجرةِ، وفي المدَّةِ معًا، تُرَجَّحُ بيِّنةُ المُؤجِّرِ في زِيادةِ الأُجرةِ، وبيِّنةُ المُستَأجِرِ في زِيادةِ المدَّةِ. مثلًا: إذا ادَّعَى المُؤجِّرُ قائِلًا: قد آجَرتُكَ حانُوتِي هذا سَنويًّا بعِشرينَ دِينارًا، وادَّعَى المُستَأجِرُ قائِلًا: قد آجَرْتَني إيَّاه سَنتَيْنِ بخَمسةَ عَشَرَ دِينارًا، وأقامَ كِلاهُما البيِّنةَ على دَعواه، يُحكَمُ بأنَّ إيجارَ الحانوتِ المَذكورِ عِشرونَ دِينارًا لِسَنتَيْنِ.
وَإذا عَجَزَ كِلاهُما عن إقامةِ البيِّنةِ، يَجري التَّحالُفُ بَينَهما، ويُبدَأُ
стр. 5857
بتَحليفِ مَنِ ادَّعَى قَبْلًا، وإذا ادَّعَى كِلاهُما في وَقتٍ واحِدٍ فلِلقاضي أنْ يَبدَأَ بمَن شاءَ مِنهما، أو أنَّه يُعَيِّنُ مَنْ يَبدَأُ به بالقُرعةِ.
وَلَكِنْ إذا كانَ الِاختِلافُ حَصَلَ بعدَ مُرورِ مدَّةِ الإجارةِ، أي: بعدَ استِيفاءِ المَنفَعةِ كامِلةً، فالقولُ قولُ المُستَأجِرِ، ولا يَجري التَّحالُفُ.
إذا اختَلفَ الطَّرفانِ على الوَجْهِ السَّابِقِ بعدَ مُرورِ بَعضِ مدَّةِ الإجارةِ، أو بعدَ أنْ قَطَعَ المُستَأجِرُ بَعضَ الطَّريقِ، يُجرَى التَّحالُفُ، فإنْ حلَف كِلاهُما تُفسَخُ الإجارةُ في حَقِّ المدَّةِ الباقيةِ، وأمَّا في المدَّةِ المُنقَضيةِ فالقولُ قولُ المُستَأجِرِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: إذا اكتَرى ودفعَ أربَعينَ دِرهَمًا فقالَ المُكرِي: الأربَعونَ لأربَعةِ أشهُرٍ، عَشَرةُ دَراهِمَ لكلِّ شَهرٍ، وقالَ المُكتَرِي: الأربَعونَ لِخَمسةِ أشهُرٍ، ثَمانيةُ دَراهِمَ لكلِّ شَهرٍ.
فَلا يَخلو مِنْ أحَدِ وجهيْنِ:
أنْ يَكونَ المُكرِي انتَقدَ الكِراءَ، أي: قَبَضَه، فالقولُ قولُه مع يَمينِه، سَكَنَ المُكتَرِي أو لَم يَسكُنْ.
أو أنْ يَكونَ لَم يَنتقِدِ الكِراءَ، وفيه وَجهانِ؛ لأنَّه إمَّا أنْ يَقَعَ اختِلافُهُما بعدَ السُّكنَى، أي: بعدَ الشُّروعِ فيها، والحُكمُ أنَّهما يَتحالَفانِ ويُفسَخُ الكِراءُ في باقي المدَّةِ، ويُؤدِّي المُكتَرِي كِراءَ ما سَكَنَ مِنْ حِسابِ ما حلَف عليه، وكذلك يُفسَخُ إذا نَكَلَا معًا.
стр. 5858
فَإنْ حلَف أحَدُهما ونَكَلَ الآخَرُ، فالقولُ قولُ الحالِفِ.
وأمَّا أنْ يَكونَ اختِلافُهما قبلَ السُّكنَى، والمَسألةُ بحالِها مِنْ كَونِ المُكتَرِي لَم يَنقُدِ الكِراءَ، فإنَّ الكِراءَ يُفسَخُ إذا نَكَلا أو حَلَفا، فإنْ حلَف أحَدُهما ونَكَلَ الآخَرُ، فالقولُ قولُ الحالِفِ مِنهما.
وَإذا تَحالَفا وتَفاسَخا، فإنَّ المُكتَرِيَ يُؤدِّي لِمَا سَكَنَ بحِسابِ ثَمانيةِ دَراهِمَ لكلِّ شَهرٍ.
قالَ مَيَّارةُ ﵀: فالِاختِلافُ في مدَّةِ الكِراءِ، ولَكِنْ لَزِمَ منه الِاختِلافُ في قَدْرِ الكِراءِ، فلِذلك قالوا: يَلزَمُه بحِسابِ ما أقَرَّ به وحلَف عليه، وهو ثَمانيةٌ لكلِّ شَهرٍ، أي: لا بحَسَبِ دَعوَى المُكرِي، وهو عَشَرةٌ لكلِّ شَهرٍ، ولَو كانَ فَرضُ المَسألةِ أنَّهما اتَّفقَا على أنَّ لكلِّ شَهرٍ كَذا، واختَلفَا هَلِ اكتَرى لخَمسةِ أشهُرٍ أو لأربَعةٍ، فسَكَنَ شَهريْنِ مثلًا، لَقالوا: لَزِمَه للشَّهريْنِ ما دَخَلا عليه، واتَّفَقا عليه، ولَم يَقولوا: بحِسابِ ما أقَرَّ به، واللَّهُ أعلمُ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا اختَلفَ المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ بأنْ قالَ المُؤجِّرُ: أجَّرتُكَها سَنةً بدِينارٍ، فقالَ المُستَأجِرُ: بَلْ أجَّرتَنِي سَنتَيْنِ بدِينارٍ، فههُنا قد اختَلفا في قَدْرِ العِوَضِ والمدَّةِ جَميعًا؛ فيَتَحالَفانِ؛ لأنَّه لَم يُوجَدْ الِاتِّفاقُ مِنهما على مدَّةٍ بعِوَضٍ، فصارَ كَما لَوِ اختَلفا في قَدْرِ الأُجرةِ مع اتِّفاقِ المدَّةِ.
وإنْ قالَ المالِكُ: أجَّرتُكَها سَنةً بدِينارٍ، فقالَ السَّاكِنُ: بَلْ استَأجَرتَني على حِفظِها بدِينارٍ، فقالَ أحمَدُ: القولُ قولُ ربِّ الدَّارِ، إلَّا أنْ يَكونَ
стр. 5859
لِلسَّاكِنِ بيِّنةٌ، وذلك لأنَّ سُكنَى الدَّارِ قد وُجِدَتْ مِنْ السَّاكِنِ، ووُجِدَ استِيفاءُ مَنفعَتِها، وهي مِلْكُ صاحِبِها، والقولُ قولُه في مِلْكِه، والأصْلُ عَدَمُ استِئجارِ السَّاكِنِ في الحِفظِ، فكانَ القولُ قَولَ مَنْ يَنفِيه (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا اختَلفَ المُتكارِيانِ في مِقدارِ المَنفَعةِ أو قَدْرِ الأُجرةِ، ولَم تكُنْ بيِّنةٌ، تَحالَفَا؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فأشبَهَ البَيعَ، وإذا تَحالَفَا فُسِخَ العَقدُ وعلى المُستَأجِرِ أُجرةُ المِثلِ؛ لِمَا استَوْفاه (٢).
٤ - الِاختِلافُ في رَدِّ العَينِ المُستَأجَرةِ:
إذا اختَلفَ المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ في رَدِّ العَينِ المُستَأجَرةِ، بأنِ ادَّعَى المُستَأجِرُ رَدَّها، وأنكَرَه المُؤجِّرُ، بأنْ قالَ: لَم تَرُدَّها، فاختَلفَ العُلماءُ فيمَن يَكونُ القولُ قَولَه، هَلْ يُقبَلُ قولُ المُؤجِّرِ أو قولُ المُستَأجِرِ أو يُفَرَّقُ في العَينِ المُستَأجَرةِ بينَ ما إذا كانَتْ ممَّا يُغابُ عليه، وممَّا لا يُغابُ عليه؟
فذهبَ الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ، والحَنابِلةُ -في المَذهبِ- إلى أنَّ القَولَ قولُ المُؤجِّرِ أنَّه لَم يَرُدَّ عليه؛ لأنَّ المُستَأجِرَ قَبَضَ العَينَ لمَنفعَتِه، فلَم يُقبَلْ قولُه في الرَّدِّ، كالمُستَعيرِ، إلَّا ببيِّنةٍ على الرَّدِّ (٣).
وَهو أيضًا قولُ الشافِعيَّةِ في رَدِّ العَينِ المُستَأجَرةِ، إلَّا أنَّهمُ اختَلفوا في
стр. 5860
الأجيرِ المُشترَكِ، فقالوا: إنِ اختَلفا في الرَّدِّ فادَّعاه المُستَأجِرُ، وأنكَرَه المُؤجِّرُ، فالقولُ قولُ المُؤجِّرِ، أنَّه لَم يَرُدَّ عليه؛ لأنَّ المُستَأجِرَ قَبَضَ العَينَ لمَنفعَتِه، فلَم يُقبَلْ قولُه في الرَّدِّ، كالمُستَعيرِ.
وَإنِ اختَلفَ الأجيرُ المُشترَكُ والمُستَأجِرُ في رَدِّ العَينِ التي استُؤجِرَ على العَملِ فيها، فادَّعَى الأجيرُ أنَّه رَدَّها، وأنكَرَ المُستَأجِرُ، فإنْ قُلنا: إنَّ الأجيرَ يَضمَنُ العَينَ بالقَبضِ، لَم يُقبَلْ قولُه في الرَّدِّ؛ لأنَّه ضامِنٌ، فلَم يُقبَلْ قولُه في الرَّدِّ، كالمُستَعيرِ والغاصِبِ.
وإنْ قُلْنا: إنَّه لا يَضمَنُ العَينَ بالقَبضِ، فهَل يُقبَلُ قَولَه في الرَّدِّ؟ فيه وَجهانِ، كالوَكيلِ بجُعلٍ (١).
وَذَهَبَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ والحَنابِلةُ في وَجْهٍ إلى أنَّ القَولَ قولُ المُستَأجِرِ؛ لأنَّه أمينٌ، وأنَّ القَولَ قولُ الأمينِ مع يَمينِه.
مثلًا: لَو طَلَب أحَدٌ مِنْ الخيَّاطِ الثَّوبَ الذي أعطاه إيَّاه لِيَخِيطَه، وادَّعَى الخيَّاطُ أنَّه أعطاه إيَّاه، فعِندَ الإمامِ يُصَدَّقُ قولُه بلا بيِّنةٍ، أمَّا عندَ الإمامَينِ فلا يُصَدَّقُ قَولَه بلا بُرهانٍ.
قالَ الكاسانيُّ ﵀: وإنْ كانَ الأجيرُ خاصًّا، فمَا في يَدِه يَكونُ أمانةً في قَولِهم جَميعًا، حتى لَو هَلَكَ في يَدِه بغَيرِ صُنعِه لا يَضمَنُ، أمَّا على أصْلِ أبي حَنيفَةَ فلأنَّه لَم يُوجَدْ منه صُنعٌ يَصلُحُ سَبَبًا لِوُجوبِ الضَّمانِ؛ لأنَّ القَبضَ حَصَلَ بإذْنِ المالِكِ.
стр. 5861
وأمَّا على أصلِهِما فلأنَّ وُجوبَ الضَّمانِ في الأجيرِ المُشترَكِ ثبَتَ استِحسانًا؛ صِيانةً لِأموالِ النَّاسِ، ولا حاجةَ إلى ذلك في الأجيرِ الخاصِّ؛ لأنَّ الأغلَب أنَّه يُسلِّمُ نَفْسَه ولا يَتسلَّمُ المالَ، فلا يُمكِنُه الخِيانةُ، واللَّهُ أعلَمُ (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فقَد فَرَّقوا بينَ ما يُغابُ عليه، فلا يُقبَلُ قولُ المُستَأجِرِ في الرَّدِّ، وبَينَ ما لا يُغابُ عليه، فيُقبَلُ قولُه في الرَّدِّ، قالوا:
إذا ادَّعَى الصَّانِعُ رَدَّ المَصنوعِ لربِّه، وأنكَرَ رَبُّه أخْذَه، كانَ القولُ قَولَ رَبِّه بيَمينِهِ؛ لأنَّ الصَّانِعَ اعتَرفَ بقَبضِه، وادَّعَى رَدَّه، وسَواءٌ كانَ الصَّانِعُ قَبَضَه ببيِّنةٍ أو بغَيرِها، وهذا إذا كانَ المَصنوعُ ممَّا يُغابُ عليه، لأنَّ الصَّانِعَ قَبَضَ ما فيه صَنعَتُه، ويُغابُ عليه على وَجْهِ الضَّمانِ.
وأمَّا ما لا يُغابُ عليه فالقولُ لِلأجيرِ في رَدِّها، إلَّا أنْ يَكونَ قَبَضَها ببيِّنةٍ مَقصودةٍ لِلتَّوثيقِ، وإلَّا فلا تُقبَلُ دَعواه رَدًّا ولا تَلَفًا. والتَّفريقُ بينَ ما يُغابُ عليه، وبَينَ ما لا يُغابُ عليه، هو استِحسانٌ، ومَعنَى ذلك أنَّ التُّهمةَ تَلحَقُ فيما يُغابُ عليه، ولا تَلحَقُ فيما لا يُغابُ عليه.
وقالَ عَبدُ المَلكِ ﵀: يُصَدَّقُ الصَّانِعُ في الرَّدِّ؛ لأنَّه أمينٌ، إلَّا أنْ يَقبِضَ ببيِّنةٍ، فيَكونَ الرَّدُّ بغَيرِها على خِلافِ العادةِ، فيُصدَّقَ المالِكُ (٢).
وَذَهَبَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ القَولَ قولُ الخيَّاطِ أو الصَّانِعِ.
وأمَّا المالِكيَّةُ؛ فقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: (بابُ القَضاءِ فيما يُعطَى العُمالُ):
قالَ مالِكٌ فيمَن دفعَ إلى الغسَّالِ ثَوبًا يَصبُغُه فصَبَغَه، فقالَ صاحِبُ الثَّوبِ: لَم آمُرْكَ بهذا الصَّبغِ، وقالَ الغسَّالُ: بَلْ أنتَ أمَرتَني بذلك، فإنَّ الغسَّالَ مُصدَّقٌ في ذلك، وإنَّ الخيَّاطَ مِثلُ ذلك، وإنَّ الصَّائِغَ مِثلُ ذلك، ويَحلِفونَ على ذلك، إلَّا أنْ يَأتوا بأمْرٍ لا يُستَعمَلونَ في مِثلِه، فلا يَجوزُ قولُهم في ذلك، ولْيَحلِفْ صاحِبُ الثَّوبِ، فإنْ ردَّها وأبَى أنْ يحلِفَ حلَف الصَّباغُ.
قالَ أبو عُمرَ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في هذه المَسألةِ ومِثلِها:
فَمِنهم مَنْ قالَ كَقَولِ مالِكٍ: (القولُ قولُ العُمالِ).
وَمِنهم مَنْ قالَ: القولُ قولُ ربِّ الثَّوبِ.
والأصْلُ في هذا مَعرِفةُ المدَّعِي على المدَّعَى عليه، والقولُ أبدًا عندَ جَميعِهم قولُ المدَّعَى عليه، إنْ لَم تكُنْ للمدَّعِي بيِّنةٌ.
فمَن جعلَ ربَّ الثَّوبِ مدَّعيًا، فلأنَّه قد أقرَّ بأنَّه أذِنَ للصَّباغِ في صَبغِ الثَّوبِ، ثم ادَّعَى أنَّه لَم يَعمَلْ له ما أمَرَه به، وكذلك الخيَّاطُ قد أقَرَّ له ربُّ الثَّوبِ بأنَّه أذِنَ له في قَطعِه، ثم ادَّعَى بَعدُ أنَّه لَم يَقطَعْه القَطعَ الذي أمَرَه به لِيَمضِيَ عَملُه باطِلًا.
وَمَنْ جعلَ القَولَ قَولَ ربِّ الثَّوبِ، فحُجَّتُه أنَّ الصَّباغَ أحدَثَ في ثَوبِ
стр. 5864
غَيرِه ما لَم يُوافِقْه عليه ربُّه، ولا بيِّنةَ لَه، وصارَ مدَّعيًا، وصارَ ربُّ الثَّوبِ مُنكِرًا لِدَعْواه، أنَّه أذِنَ له في ذلك العَملِ، فالقولُ قولُه؛ لِإجماعِهم أنَّهما لَوِ اتَّفَقا على أنَّه استَأجَرَه على عَملٍ، ثم ادَّعَى أنَّه عَمِلَه، فقالَ ربُّ المالِ: لَم يَعمَلْه، فالقولُ قولُ ربِّ العَملِ.
وقالَ الشافِعيُّ ﵀ في كِتابِ «اختِلافُ ابنِ أبي لَيلى وأبي حَنيفَةَ»: لَوِ اختَلفا في ثَوبٍ، فقالَ له ربُّه: أمَرتُكَ أنْ تَقطَعَه قَميصًا، وقالَ الآخَرُ: بَلْ قَباءً.
قالَ ابنُ أبي لَيلى ﵀: القولُ قولُ الخيَّاطِ؛ لاجتِماعِهما على القَطعِ.
وقالَ أبو حَنيفَةَ ﵀: القولُ قولُ ربِّ الثَّوبِ، قالَ: لأنَّهما قد اجتَمَعا؛ لأنَّه قد أمَرَه بالقَطعِ، فلَم يَعمَلْ له عَملَه، كَما لَوِ استَأجَرَه على حَمْلِ شَيءٍ بإجارةٍ، فقالَ: لَقَدْ حَمَلتُه، لَم يكُنْ ذلك إلَّا بإقرارِ صاحِبِه.
قالَ الشافِعيُّ ﵀: وهذا أشبَهُ القوليْنِ، وكِلاهُما مَدخولٌ.
قالَ المُزنيُّ ﵀: هو كَما قالَ الشافِعيُّ؛ لأنَّه لا خِلافَ أعلَمُه بَينَهم أنَّه مَنْ أحدَثَ حَدَثًا فيما لا يَملِكُ فإنَّه مَأخوذٌ بحَدَثِه، وأنَّ الدَّعوَى لا تَنفَعُه، والخيَّاطُ مُقِرٌّ بأنَّ الثَّوبَ لِربِّه، وأنَّه أحدَثَ حَدَثًا وادَّعَى، وإجازَتُه عليه، فإنْ أقامَ بيِّنةً على دَعواه وإلَّا حلَف صاحِبُه وضَمِنَ ما أحدَثَه في ثَوبِه.
قالَ أبو عُمرَ ﵀: المدَّعِي متى أشكَلَ أمْرُه مِنْ المدَّعَى عليه فواجِبٌ الِاعتِبارُ فيه، هَلْ هو آخِذٌ أو دافِعٌ؟ وهَل يَطلُبُ استِحقاقَ شَيءٍ على غَيرِه أو يَنفِيهِ؟ فالطَّالِبُ أبدًا مدَّعٍ، والدَّافِعُ المُنكِرُ مدَّعَى عليه، فقِفْ
стр. 5865
على هذا الأصْلِ تُصِبْ إنْ شاءَ اللَّهُ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ قالَ الخيَّاطُ لربِّ الثَّوبِ أذِنتَ لي في تَفصيلِه قَباءً، فقالَ ربُّ الثَّوبِ: بَلْ أذِنتُ في تَفصيلِه قَميصًا، فالقولُ قولُ الخيَّاطِ، أو قالَ الخيَّاطُ: أذِنتَ في تَفصيلِه قَميصَ امرَأةٍ، فقالَ ربُّ الثَّوبِ: بَلْ أذِنتُ في تَفصيلِه قَميصَ رجُلٍ، فالقولُ قولُ الخيَّاطِ بيَمينِهِ؛ لأنَّ الأجيرَ والمُستَأجِرَ اتَّفقَا على الإذْنِ واختَلفا في صِفَتِه، فكانَ القولُ قَولَ المَأذونِ، كالمُضارِبِ إذا قالَ: أذِنتَ لي في البَيعِ نِساءً، ولأنَّهما اتَّفَقا على مِلْكِ الخيَّاطِ القَطعَ، والظَّاهِرُ أنَّه فعلَ ما ملكَه، واختَلفا في لُزومِ الغُرمِ لَه، والأصْلُ عَدَمُه.
وَلِلخيَّاطِ أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّه ثبَتَ وُجودُ فِعلِه المَأذونِ فيه، ولا يَستَحقُّ المُسمَّى؛ لأنَّه لا يثبُتُ بمُجرَّدِ دَعواه، ومِثلُ الخيَّاطِ صَبَّاغٌ ونَحوُه، كَصائِغٍ وغيرِه مِنْ الأُجَراءِ، اختَلفَ هو -أي: الصَّباغُ- وصاحِبُ الثَّوبِ في لَونِ الصَّبغِ، بأنْ قالَ: أذِنتَ لي في صَبغِه أسوَدَ، وقالَ ربُّ الثَّوبِ: بَلْ أذِنتُ في صَبغِه أحمَرَ ونَحوَه، فيُقبَلُ قولُ الصَّباغِ، ولَه أُجرةُ مِثلِه (٢).
وأمَّا الشافِعيَّةُ فعِندَهم تَفصيلٌ كَبيرٌ في المَسألةِ بيَّنَه العِمرانيُّ الشافِعيُّ، حَيثُ قالَ: إذا دفعَ إلى خيَّاطٍ ثَوبًا، فقَطَعَه قَباءً، فقالَ ربُّ الثَّوبِ: أمَرتُكَ أنْ تَقطَعَه قَميصًا، وقالَ الخيَّاطُ: بَلْ أمَرتَني أنْ أقطَعَه قَباءً. فقَد ذكرَها الشافِعيُّ ﵀ في (اختِلافِ العِراقِيِّينَ)، ونقلَها المُزنيُّ، فقالَ: فيها قولانِ:
стр. 5866
أحَدُهما: القولُ قولُ الخيَّاطِ، وهو قولُ ابنِ أبي لَيلى.
والآخَرُ: أنَّ القولَ قولُ ربِّ الثَّوبِ، وهو قولُ أبي حَنيفَةَ.
قالَ الشافِعيُّ ﵀: وهذا أشبَهُ، وكِلاهُما مَدخولٌ؛ لأنَّ الخيَّاطَ يدَّعي الأُجرةَ، ويَنفي الغُرمَ، ولأنَّ ربَّ الثَّوبِ يدَّعي الغُرمَ، ويَنفي الأُجرةَ. ولا أقبَلُ قَولَهما، وأرُدُّهما إلى أصْلِ السُّنةِ، فيتَحالَفانِ.
وقالَ في «الإملاء»: إذا دفعَ إلى صَبَّاغٍ ثَوبًا، فصَبَغَه أسوَدَ، فقالَ ربُّ الثَّوبِ: أمَرتُك أنْ تَصبُغَه أحمَرَ، فقالَ الصَّباغُ: بَلْ أمَرتَني أنْ أصبُغَه أسوَدَ؛ أنَّهما يَتحالَفانِ، وعَلَى الصَّباغِ أرشُ النَّقصِ. واختَلفَ أصحابُنا في المَسألةِ على ثَلاثةِ طُرُقٍ:
فالأول: قالَ أكثَرُهم: هي على قوليْنِ:
أحَدُهما: أنَّ القولَ قولُ الخيَّاطِ.
والآخَرُ: أنَّ القولَ قولُ ربِّ الثَّوبِ.
والطَّريقُ الثَّاني: مِنهم مَنْ قالَ: فيها ثَلاثةُ أقوالٍ:
أحَدُها: القولُ قولُ الخيَّاطِ.
والثَّاني: أنَّ القولَ قولُ ربِّ الثَّوبِ.
والثَّالث: أنَّهما يتحالَفانِ.
والطَّريقُ الثَّالث: قالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ ﵀: الأشبَهُ بالمَذهبِ: أنَّها على قولٍ واحدٍ، وأنَّهما يتحالَفانِ؛ لأنَّ الشافِعيَّ ذكرَ القوليْنِ في (اختِلافُ العِراقِيِّينَ)، وطَعَنَ عليهما، ولَمَّا ذكرَ التَّحالُفَ لَم يَطعَنْ فيه.
стр. 5867
فَإذا قُلنا: القولُ قولُ الخيَّاطِ فوَجْهُه: أنَّه قد ملكَ القَطعَ لِاتِّفاقِهِما عليه، فكانَ الظَّاهِرُ أنَّه إنَّما فعلَ ما ملكَه، فكَيف يحلِفُ؟
قالَ ابنُ الصَّباغِ ﵀: يحلِفُ باللَّهِ: ما أذِنتَ لي في قَطعِه قَميصًا، ولَقَد أذِنتَ لي في قَطعِه قَباءً.
وقالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ ﵀: يحلِفُ: أنَّ ربَّ الثَّوبِ أذِنَ له في قَطعِه قَباءً.
فَإذا حلَف لَم يَلزَمْه الغُرمُ؛ لأنَّه حقَّقَ بيَمينِه أنَّه مَأذونٌ له فيما فعلَه، وهَل يَستَحقُّ أُجرةً؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يَستَحقُّ؛ لأنَّه يَسقُطُ بيَمينِه ما يُدَّعَى عليه مِنْ الغُرمِ، فلا يَجوزُ أنْ يُثبِتَ بيَمينِه حقًّا له.
والآخَرُ: أنَّه يَستَحقُّ؛ لأنَّا حَكَمْنا بيَمينِه أنَّه مَأذونٌ له بالقَطعِ، فاستَحقَّ الأُجرةَ.
فَإذا قُلْنا بهَذا، فأيُّ أُجرةٍ يَستَحقُّ؟
قالَ الشَّيخُ أبو إسحاقَ ﵀: فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: الأُجرةُ التي ادَّعاها أنَّها مُسمَّاةٌ في العَقدِ؛ لأنَّا قَبِلْنا قَولَهُ: إنَّ ربَّ الثَّوبِ أذِنَ لي، فوجبَ له ما اقتَضاه الإذنُ.
والآخَرُ: لا يَستَحقُّ المُسمَّى، وإنَّما يَستَحقُّ أُجرةَ المِثلِ؛ لأنَّا لَو قَبِلْنا قَولَه لَم يُؤمَنْ أنْ يدَّعيَ ألفًا، وأُجرةُ مِثلِه دِرهَمٌ.
стр. 5868
وَذكرَ الشَّيخُ أبو حامِدُ، والمَحامِليُّ، وابنُ الصَّباغِ: أنَّه يَستَحقُّ المُسمَّى، وَجهًا واحِدًا.
قالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ ﵀: ما رَأيتُ أحَدًا مِنْ أصحابِنا يَقولُ: يَستَحقُّ المُسمَّى، وإنْ كانَ القياسُ يَقتَضي ذلك.
قُلتُ: والذي يَقتَضيه المَذهَبُ: أنَّ الشَّيخَ أبا حامِدٍ، ومَن قالَ: يَستَحقُّ أُجرةَ المِثلِ، ولا يَستَحقُّ المُسمَّى، أرادوا: إذا كانَ ما يدَّعيه مِنْ المُسمَّى أكثَرَ مِنْ أُجرةِ المِثلِ، فأمَّا إذا كانَ الذي يدَّعيه مِنْ المُسمَّى أقَلَّ مِنْ أُجرةِ المِثلِ استَحقَّ ذلك، وَجهًا واحِدًا، إذا قُلْنا: إنَّه يَستَحقُّ الأُجرةَ؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يُوجِبَ له أكثَرَ ممَّا يدَّعيه.
وَإذا قُلْنا: إنَّ القولَ قولُ ربِّ الثَّوبِ -قالَ في (التَّعليق): وهو الأصَحُّ- فوَجْهُهُ: قولُه: «البيِّنةُ على مَنِ ادَّعَى، واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ (١). والخيَّاطُ يدَّعِي على ربِّ الثَّوبِ الإذْنَ، ولأنَّهما لَوِ اختَلفا في أصْلِ الإذْنِ لَكانَ القولُ قَولَ ربِّ الثَّوبِ، فكذلك إذا اختَلفا في صِفَتِه.
قالَ ابنُ الصَّباغِ ﵀: وعِندي: أنَّه يَكفيه أنْ يَحلِفَ أنَّه ما أذِنَ له في قَطعِه قَباءً، ولا يَحتاجُ إلى إثباتِ إذْنِه في قَطعِ القَميصِ، فإذا حلَف وجبَ الغُرمُ على الخيَّاطِ؛ لأنَّه أثبَتَ بيَمينِه أنَّ الخيَّاطَ غيرُ مَأذونٍ له في قَطعِه، والقَطعُ بغَيرِ إذْنٍ يُوجِبُ الغُرمَ، وفي قَدْرِ الغُرمِ قولانِ:
أحَدُهما: يَجِبُ ما بينَ قِيمةِ الثَّوبِ صَحيحًا ومَقطوعًا قَباءً؛ لأنَّه تَعدَّى بقَطعِه قَباءً، فلَزِمَه أرشُ القَطعِ.
стр. 5869
والآخَرُ: يَلزَمُه ما بينَ قِيمَتِه مَقطوعًا قَميصًا ومَقطوعًا قَباءً؛ لأنَّ قَطعَ القَميصِ مَأذونٌ فيه. وهَل يَجِبُ لِلأجيرِ أُجرةٌ؟ فيه وَجهانِ:
الأولُ: قالَ أبو عَلِيِّ بنُ أبي هُرَيرةَ: يَجِبُ له أُجرةُ قَطعِ ما تحَصَّلَ مِنْ قَطعِ القَباءِ لِلقَميصِ؛ لأنَّه مَأذونٌ فيه.
والآخَرُ المَنصوصُ: أنَّه لا شَيءَ لَهُ؛ لأنَّه لَم يَقطَعْه لِلقَميصِ، فهو مُتعَدٍّ في ابتِداءِ القَطعِ.
وَإذا قُلْنا: أنَّهما يَتحالَفانِ -وهو اختيارُ الشَّيخِ أبي إسحاقَ- فوَجْهُهُ: أنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهما مدَّعٍ، ومدَّعًى عليه؛ لأنَّ الخيَّاطَ يدَّعِي الأُجرةَ، وربَّ الثَّوبِ يُنكِرُها، ولأنَّ ربَّ الثَّوبِ يدَّعي الأرشَ، والخيَّاطَ يُنكِرُه، فتَحالَفَا، كالمُتبايِعَيْنِ إذا اختَلفا في قَدْرِ الثَّمنِ.
فعلى هَذا: إذا حلَف أحَدُهما ونَكَلَ الآخَرُ كانَ الحُكمُ فيه كَما لَو قُلْنا: إنَّ القَولَ قولُ الحالِفِ، وحلَف، وإنْ حلَفا لَم يَستَحقَّ الخيَّاطُ الأُجرةَ؛ لأنَّ التَّحالُفَ يُوجِبُ رَفعَ العَقدِ، ولأنَّ الخِياطةَ مِنْ غيرِ عَقدٍ لا يُستحَقُّ لَها أُجرةٌ.
وَهَل يَجِبُ على الخيَّاطِ أرشُ القَطعِ؟ فيه قولانِ:
أحَدُهما: لا يَجِبُ عليه شَيءٌ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهما قد نَفَى بيَمينِه ما ادُّعِيَ عليه به.
والآخَرُ: يَجِبُ عليه؛ لأنَّ التَّحالُفَ يُوجِبُ رَفعَ العَقدِ، ولأنَّ القَطعَ مِنْ غيرِ عَقدٍ يُوجِبُ الضَّمانَ.
стр. 5870
فعلى هَذا: في قَدْرِ الأرشِ القولانِ الأولانِ.
فَكلُّ مَوضِعٍ أوجَبْنا لِلخيَّاطِ الأُجرةَ فيه فإنَّ الخيَّاطَ لا يَرجِعُ في الخُيوطِ؛ لأنَّها إنْ كانَتْ مِنْ الثَّوبِ فهي لِصاحِبِ الثَّوبِ، وإنْ كانَتْ لِلخيَّاطِ فهي تابِعةٌ لِلخِياطةِ التي أخَذَ عليها الأُجرةَ.
وَكلُّ مَوضِعٍ قُلْنا فيه: لا أُجرةَ لَه، فإنْ كانَ الثَّوبُ مَخيطًا بخُيوطٍ مِنْ ربِّ الثَّوبِ، أو مِنْ الثَّوبِ فإنَّ ربَّ الثَّوبِ يأخُذُ ثَوبَه مَخيطًا، وليسَ لِلخيَّاطِ فَتقُ الخِياطةِ؛ لأنَّه قد عَمِلَ في مِلْكِ غَيرِه عَملًا لا عَينَ له فيه، فلَم يكُنْ له إزالَتُه، كَما لَو نقلَ مِلْكَ غَيرِه مِنْ زاويةٍ إلى زاويةِ، فليسَ له رَدُّه إلَّا برِضا المالِكِ، وإنْ كانَتِ الخُيوطُ مِنْ الخيَّاطِ، فلَه أنْ يأخُذَ خُيوطَهُ؛ لأنَّها عَينُ مالِه، فإنْ بذلَ له ربُّ الثَّوبِ قِيمةَ الخُيوطِ لَم يُجبَرِ الخيَّاطُ على قَبولِها؛ لأنَّها عَينُ مالِ الخيَّاطِ لا يَتلفُ برَدِّها ما له حُرمةٌ، فلَم يَلزَمْه أخْذُ عِوَضِها، فإنْ قالَ ربُّ الثَّوبِ: أنا أشُدُّ بطَرَفِ خَيطِك خَيطًا، فإذا جَرَرتُ خَيطَك دخلَ هذا الخَيطُ مَكانَ خَيطِك، لَم يَلزمِ الخيَّاطَ تَمكينُه مِنْ ذلك؛ لأنَّه انتِفاعٌ بمِلْكِه، ولأنَّه يَتأخَّرُ بذلك وُصولُه إلى خَيطِه إلى أنْ يَثبُتَ الخَيطُ الآخَرُ مَكانَه، فلَم يُجبَرْ على ذلك (١).
٧ - الاختِلافُ في انقِضاءِ مدَّةِ الإجارةِ:
إذا اختَلفَ ربُّ الدَّارِ والمُستَأجِرُ في انقِضاءِ المدَّةِ، فقد نَصَّ المالِكيَّةُ على أنَّ القولَ قولُ المُستَأجِرِ السَّاكِنِ.
стр. 5871
جاءَ في «المُدوَّنةُ الكُبرى»: وإنِ اختَلفا في انقِضاءِ مدَّةِ الإجارةِ، فقالَ ربُّ الدَّارِ وربُّ الرَّحَا: أكرَيتُكَ سَنةً، وقدِ انقَضَتِ السَّنةُ، وقالَ المُتكارِي: بلْ أكرَيتَني سَنةً، وما سَكَنتُ وما طَحَنتُ إلَّا مُنذُ شَهرَيْنِ، فانهَدَمَتِ الدَّارُ الآنَ، كانَ القولُ قَولَ المُتكارِي؛ لأنَّ المُتكاريَ يُنْكِرُ أنْ يَكونَ سكنَ أكثَرَ مِنْ شَهرَيْنِ.
قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: وكذلك قالَ لي مالِكٌ في المدَّةِ: إنَّ القَولَ قولُ السَّاكِنِ (١).
وقالَ مَيَّارةُ ﵀: وإنِ اختُلِفَ في أمَدِ الكِراءِ، فقالَ صاحِبُ الدَّارِ: قدِ انصَرمَ، وقالَ المُكتَرِي: لَم يَنصَرِمْ بَعدُ، فالقولُ قولُ السَّاكِنِ مع يَمينِه، إذا لَم يكُنْ بَينَهما بيِّنةٌ، وله رَدُّ اليَمينِ على ربِّ الدَّارِ (٢).
وقالَ في «البَهجة»: القولُ لِلمُكتَرِي فيما إذا اتَّفَقا على الأُجرةِ وقَدْرِ المدَّةِ، وإنَّما اختَلفا في انقِضائِها … ، واعلَمْ أنَّه لا يَتأتَّى الِاختِلافُ في انقِضاءِ المدَّةِ إلَّا بالِاختِلافِ في مَبدَئِها، ومَحَلُّ كَونِ القَولِ لِلمُكتَرِي بيَمينِه إذا أشبَهَ الآخَرَ أو لا؟ فإنْ أشبَهَ المُكرِي فقولُه بيَمينِه، وإنْ لَم يُشبِها حلَفا، ووجبَ كِراءُ المِثلِ فيما مَضَى، وإنْ وقعَ الِاختِلافُ قبلَ أنْ يَمضيَ شَيءٌ مِنْ المدَّةِ حلَفا وتَفاسَخا، ولا يُنظرُ لشَبهٍ؛ لِعَدَمِ فَواتِ المَنافِعِ، فإنْ أقامَ كلٌّ البيِّنةَ، قُدِّمتْ بيِّنةُ المُكرِي لتَقدُّمِ تارِيخِها، وهذا الحُكمُ عامٌّ في الكِراءِ والبَيعِ (٣).
стр. 5872
وأمَّا عن الشافِعيَّةُ فقد سُئِلَ ابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ عَما إذا اختَلفَ المُتبايِعانِ في انقِضاءِ الأجَلِ، والمُتآجِرانِ في انقِضاءِ مدَّةِ الإجارةِ، فهل يَتحالَفانِ أو يُصَدَّقُ أحَدُهما؟
فأجابَ بقَولِه: إنْ نَشَأَ الاختِلافُ في الانقِضاءِ مِنْ الاختِلافِ في قَدْرِ الأجَلِ مع الاتِّفاقِ على وَقتِ العَقدِ تحَالَفا، وإنِ اختَلفا في ابتِدائِه صُدَّقَ مدَّعِي بَقائِه؛ لأنَّه الأصْلُ (١).
٨ - الِاختِلافُ في قَبضِ الكِراءِ وفي جِنسِهِ:
والقولُ في القَبضِ وفي الجِنسِ لِمَنْ شاهَدَه مع حَلِفِه حالَ الزَمنِ يَعني.
قالَ المالِكيَّةُ: إذا اختَلفَ المُتكاريانِ، إمَّا في قَبضِ الكِراءِ أو في جِنسِه، فإنَّ القَولَ قولُ مَنْ شَهِدَ له حالُ الزَّمانِ مع يَمينِه، ويَعني بحالِ الزَّمانِ كُلًّا ممَّا يَليقُ به، ففي الِاختِلافِ في قَبضِ الكِراءِ يُعتبَرُ القُربُ والبُعدُ في الزَّمانِ، وفي الِاختِلافِ في الجِنسِ يُعتبَرُ عُرفُ المَكانِ في ذلك الزَّمانِ أيضًا.
قالَ مَيَّارةُ ﵀: أمَّا مَسألةُ الِاختِلافِ في القَبضِ فقالَ عنها في «الوَثائِقُ المَجموعةُ»:
فَإنْ قامَ ربُّ الدَّارِ على المُكتَرِي يدَّعِي أنَّه لَم يَقبِضِ الكِراءَ بعدَ انقِضاءِ أشهُرِ السَّنةِ، فإنْ قامَ بقُربِ ذلك كانَ على السَّاكِنِ أنْ يُثبِتَ دَفْعَ ذلك، وإلَّا حلَف ربُّ الدَّارِ وقبضَ مِنه، أو رَدَّ عليه اليَمينَ فحلَف وبَرِئَ، فإنْ قامَ على بُعدٍ حلَف السَّاكِنُ وبَرِئَ مِنْ الكِراءِ، وكذلك الصُّنَّاعُ بهذه المَنزِلةِ إذا قاموا يَطلُبونَ الأُجرةَ فيما استُصنِعَ مِنهم.
стр. 5873
وأمَّا الِاختِلافُ في الجِنسِ فقالَ في «المُقرِّب»: قُلتُ: فمَنِ اكتَرى دارًا بدَراهِمَ أو دَنانِيرَ ولَم يُسَمِّ، أي: الدَّنانيرَ، ولا الدَّراهِمَ، قالَ: يُنظَرُ إلى النَّقدِ في الكِراءِ في ذلك المَوضِعِ، فيُحمَلانِ عليه. اه (١).
وقالَ في «البَهجة»: والقولُ في الِاختِلافِ في القَبضِ، وفي الِاختِلافِ في الجِنسِ لِمَنْ شاهَدَه مع حَلِفِه حالَ الزَمنِ.
فَإذا اختَلفا في جِنسِ الكِراءِ، فزَعَم المُكرِي أنَّه بالدَّنانيرِ، وزَعَم الآخَرُ أنَّه بعَرضٍ، فإنَّه يُنظَرُ لِعُرفِ البلَدِ في مِثلِ ذلك الكِراءِ مِنْ كَونِه بالدَّنانِيرِ أو بالعَرضِ، فمَن شَهِدَ له عُرفُ البلَدِ مِنهما صُدِّقَ مع يَمينِه … وأمَّا إذا اختَلفا في القَبضِ فإنَّه يُنظرُ لِلقُربِ والبُعدِ، فإنْ كانَ الكِراءُ مُشاهَرةً أو مُسانَهةً، ودفعَ ببيِّنةٍ كِراءَ شهرٍ مُعيَّنٍ أو سَنةٍ مُعيَّنةٍ، فذلك بَراءةٌ لِمَا قبلَ ذلك مِنْ الشُّهورِ والسِّنينِ، كَما مَرَّ في كِراءِ الدُّورِ في التَّنبيهِ الثَّالث، وإنْ لَم يَدفعْ كِراءَ شهرٍ مُعيَّنٍ ولا سَنةٍ بعَينِها، فالقولُ لِلمُكتَرِي فيما مَضَى، إلَّا في الشَّهرِ الأخيرِ والسَّنةِ الأخيرةِ، فالقولُ لربِّ الدَّارِ، إنْ قامَ بحُدثانِ ذلك، فإنْ تطاوَلَ ذلك حتى حالَ نَحوُ الشَّهرِ في الشُّهورِ، والسَّنةِ في السِّنينِ، فالمُكتَرِي مُصدَّقٌ مع يَمينِه، قالَه ابنُ سَلَمونٍ، ونَحوُه في «المُتيطِيَّةُ»: وبِه العَملُ.
وَكذلك قِيامُ الصُّناعِ بعدَ رَدِّ المَتاعِ، ثم يَطلُبونَ بعدَ ذلك أُجرَتَهم، يُفصَّلُ فيه بينَ القُربِ والبُعدِ، والعَملِ بفاسَ أنْ يُقبَلَ قولُ المُكرِي في الأشهُرِ الثَّلاثةِ الأخيرةِ، أنَّه لَم يقبِضْ كِراءَها مع يَمينِه، كَما في المَجالِسِ
стр. 5874
المكناسيَّةِ، ولا يُقبلُ قولُه فيما زادَ عليها، فقولُ النَّاظمِ: حالَ الزَمنِ، يَعني: يُعتبَرُ في كلِّ ما يَليقُ به، ففي القَبضِ يُعتبَرُ القُربُ والبُعدُ في الزَّمانِ، وفي الجِنسِ يُعتبَرُ عُرفُ البلَدِ في ذلك الزَّمانِ، واللَّهُ أعلمُ.
تَنبيهٌ: فإنْ لَم يُبيِّنا في عَقدِ الكِراءِ وَقتَ أدائِه، واختَلفَا فيه، فقالَ المُكتَرِي: تَعجَّله في أوَّلِ الشَّهرِ، وقالَ المُكرِي: في آخِرِه، حُمِلَا على عُرفِ البلَدِ، كَما قالَ (خ): وعجَّل إنْ عيَّن، أو بشَرطٍ، أو عادةٍ، إلخ. فإنْ لَم يَكنْ عُرفٌ لَزِمَه أنْ يُؤدِّيَ في كلِّ يَومٍ بحِسابِه (١).
وقالَ الحَنفيَّةُ: إنِ اختَلفا في جِنسِ الأجْرِ بأنْ قالَ المُستَأجِرُ: استَأجَرتُ هذه الدابَّةَ إلى مَوضِعِ كَذا بعَشَرةِ دَراهِمَ، وقالَ الآخَرُ: بدِينارٍ، فإنْ كانَ اختِلافُهما قبلَ استِيفاءِ المَنافِعِ تَحالَفا، وإذا تَحالَفا تُفسخُ الإجارةُ، وأيُّهما نَكَلَ لَزِمَه دَعوَى صاحِبِه، وأيُّهما أقامَ البيِّنةَ يُقضَى ببيِّنتِه؛ لأنَّ الدَّعوَى لا تُقابِلُ الحُجَّةَ.
فَإنْ أقامَا البيِّنةَ، فالبيِّنةُ بيِّنةُ المُؤاجِرِ؛ لأنَّها تُثبِتُ الأُجرةَ حَقًّا لَه، وبيِّنةُ المُستَأجِرِ لا تُثبِتُ الأُجرةَ حقًّا له، فكانَتْ بيِّنةُ المُؤاجِرِ أَوْلَى بالقَبولِ.
وَلَوِ اختَلفا فقالَ المُؤاجِرُ: أجَّرتُكَ هذه الدابَّةَ إلى القَصرِ بدِينارٍ، وقالَ المُستَأجِرُ إلى الكُوفةِ بعَشَرةِ دَراهِمَ، وأقامَا البيِّنةَ، فهي إلى الكُوفةِ بدِينارٍ وخَمسةِ دَراهِمَ؛ لأنَّ الِاختِلافَ إلى القَصرِ وقعَ في البَدَلِ، فكانَتْ بيِّنةُ المُؤاجِرِ أَولى؛ لِمَا قُلْنا، وتَثبُتُ الإجارةُ إلى القَصرِ بدِينارٍ، ثم المُستَأجِرُ
стр. 5875
يدَّعِي مِنْ القَصرِ إلى الكُوفةِ بخَمسةٍ؛ لأنَّ القَصرَ نِصفُ الطَّريقِ، والمُؤاجِرُ يَجحَدُ هذه الإجارةَ، فالبيِّنةُ المُثبِتةُ لِلإجارةِ أَولى مِنْ النَّافيةِ.
وقد رَوَى ابنُ سِماعةَ، عن أبي يُوسفَ في رَجُلٍ استَأجَرَ مِنْ رَجُلٍ دارًا سَنةً، فاختَلفا فأقامَ المُستَأجِرُ البيِّنةَ، أنَّه استَأجَرَ أحَدَ عَشَرَ شهرًا مِنها بدِرهَمٍ، وشهرًا بتِسعةٍ، وأقامَ البيِّنةَ ربُّ الدَّارِ أنَّه أجَّرَها بعَشَرةٍ، قالَ: فإنِّي آخُذُ ببيِّنةِ ربِّ الدَّارِ؛ لأنَّه يدَّعِي فَضلَ أُجرةٍ في أحَدَ عَشَرَ شهرًا، وقَد أقامَ على ذلك بيِّنةً، فتُقبلُ بيِّنتُه، فأمَّا الشَّهرُ الثَّاني عَشَرَ، فقَد أقرَّ المُستَأجِرُ للمُؤاجِرِ فيه بفَضلِ الأُجرةِ فيما ادَّعَى، فإنْ صَدَّقه على ذلك، وإلَّا سقطَ الفَضلُ بتَكذيبِه (١).
стр. 5876
كتاب الجعالة
تَعريفُ الجَعالةِ:
الجُعلُ: الاسْمُ بالضَّمِّ، والمَصدَرُ بالفَتحِ، يُقالُ: جَعَلتُ كذا جَعلًا، وجُعلًا، وهو الأُجرةُ على الشَّيءِ فِعلًا أو قَولًا.
والجَعالة -بتَثْلِيثِ الجِيمِ، كما قاله ابنُ مالِكٍ وغيرُه، واقتَصَرَ الجَوهَريُّ وغيرُه على كَسرِها- لُغةً: اسْمٌ لِمَا يُجعَلُ لِلإنسانِ على فِعلِ شَيءٍ، وكذا الجُعلُ والجَعيلةُ (١).
الجَعالةُ شَرعًا:
اختَلفَتْ عِباراتُ العُلماءِ في تَعريفِ الجَعالةِ، وإنْ كانَ جَميعُها يُؤدِّي إلى مَعنًى واحِدٍ:
стр. 5877
فَقالَ المالِكيَّةُ: الجَعالةُ: هي أنْ يَجعَلَ الرَّجلَ لِلرَّجلِ أجْرًا مَعلومًا، ولا يَنقُدَه إيَّاه على أنْ يَعمَلَ له في زَمَنٍ مَعلومٍ أو مَجهولٍ، ممَّا فيه مَنفعةٌ لِلجاعِلِ -على خِلافٍ في هذا-، على أنَّه إنْ كمَّله كانَ له الجُعلُ، وإنْ لَم يُتِمَّه فلا شَيءَ له، ممَّا لا مَنفعةَ فيه لِلجاعِلِ إلَّا بعدَ تَمامِه.
وحَدَّ ابنُ عَرفةَ حَقيقَتَه العُرفيَّةَ بقَوله: «عَقدُ مُعاوَضةٍ على عَمَلِ آدَميٍّ بعِوَضٍ غيرِ ناشِئٍ عن مَحَلِّه به، لا يَجِبُ إلَّا بتَمامِهِ».
فَخرَج ب «آدَميٍّ» كِراءُ السُّفُنِ، وكِراءُ الأرَضينَ والرَّواحِلِ، وبِقَوله: «غيرِ ناشِئٍ عن مَحَلِه»، المُساقاةُ والقِراضُ وشَرِكةُ الحَرثِ، وقَوله: «بِهِ»، قالَ ابنُ عَرفةَ: ما مَعناه أنَّه زِيدَ به خَوفُ نَقْضِ عَكسِ الحَدِّ أو الرَّسمِ؛ بقَوله: إنْ أتَيتَني بِعَبدِي الآبِقِ فلكَ عَملُه كذا، أو خِدمَتُه شَهرًا، فإنَّه جُعلٌ، وإنْ كانَ فاسِدًا؛ لِلجَهلِ بعِوَضِه، والضَّميرُ في قَوله: «بِهِ»، يَعودُ لِلعَملِ، أي: بِعِوَضٍ غَير ناشيءٍ عن مَحَلِّ العَملِ بسَبَبِ ذلك العَملِ، فتَخرُجُ المُغارَسةُ والقِراضُ؛ لأنَّه بعِوَضٍ ناشِئٍ عن مَحالِّ العَملِ، لكنْ ليسَ ذلك العِوَضُ ناشِئًا بسَبَبِ العَملِ.
وَقولُه: «لا يَجِبُ إلَّا بتَمامِهِ» الجُملةُ صِفةٌ لِ (عِوَضٍ)، أي: بِعِوَضٍ مَوصوفٍ بكَونِه لا يَجِبُ إلَّا بتَمامِه، فيَخرُجُ بذلك الإجارةُ في الآدَميِّ؛ لأنَّ عِوَضَها يَتبعَّضُ على قَدْرِ العَملِ (١).
стр. 5878
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: الجُعلُ هو الإجارةُ على مَنفعةٍ مَظنونٍ حُصولُها؛ مثلَ مُشارَطةِ الطَّبيبِ على البُرءِ، والمُعَلِّمِ على الحِذاقِ، والناشِدِ على وُجودِ العَبدِ الآبِقِ (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: التِزامُ عِوَضٍ مَعلومٍ على عَمَلٍ مُعيَّنٍ مَعلومٍ، أو مَجهولٍ، عَسُرَ عَملُه.
كقَولِ مُطلَقِ التَصرُّفِ: «مَنْ خاطَ ثَوبي هذا قَميصًا فله كذا، أو رَدَّ آبِقِي أو آبِقَ زَيدٍ، ونحوَ ذلك، فله كذا، وإنْ لَم يَكُنْ فيه خِطابٌ لِمُعيَّنٍ» (٢).
وقيلَ: التِزامُ عِوَضٍ مَعلومٍ على عَمَلٍ مُعيَّنٍ مَعلومٍ أو مَجهولٍ بمُعيَّنٍ أو مَجهولٍ (٣).
وقيلَ: التِزامُ عِوَضٍ مَعلومٍ على عَمَلٍ فيه كُلفةٌ، ولو كانَ غيرَ مُعيَّنٍ (٤).
وقالَ الحَنابِلةُ: الجَعالةُ: أنْ يَجعَلَ جائِزُ التَصرُّفِ شَيئًا مُتَمَولا مَعلومًا لمَن يَعمَلُ له عَملًا مُباحًا مَعلومًا؛ كَرَدِّ عَبدِه مِنْ مَحَلِّ كذا، أو بِناءِ حائِطِ كذا، أو لمَن يَعمَلُ له عَملًا مَجهولًا مُدَّةً مَعلومةً؛ كَخِياطةِ ثَوبٍ لَم يَصِفْه، في شَهرِ كذا، أو لمَن يَعمَلُ له مُدَّةً مَجهولةً، مثلَ: مَنْ حرَس زَرْعي أو أذَّنَ في هذا المَسجِدِ فله كلَّ يَومٍ كذا، أو كلَّ شَهرٍ كذا، أو: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِي أو بَنَى لي
стр. 5879
هذا الحائِطَ، أو مَنْ أقرَضَني زِيدَ بجاهِه ألفٌ؛ لأنَّ الجَعالةَ في مُقابَلةِ ما بذَله مِنْ جاهِه مِنْ غيرِ تَعلُّقٍ له بالقَرضِ، أو أذَّنَ بهذا المَسجِدِ شَهرًا فله كذا، أو مَنْ فَعلَه مِنْ مَديني -أي: ممَّن لي عليه دَيْنٌ-؛ فهو بَرِيءٌ مِنْ كذا، فيَصحُّ العَقدُ، مَع كَونِه تَعليقًا؛ لأنَّه في معنَى المُعاوَضةِ، ليس تَعليقًا مَحضًا.
فَلا يُشترَطُ العِلمُ بالعَملِ، ولا المُدَّةُ، ويَجوزُ الجَمعُ بينَهما هُنا، بخِلافِ الإجارةِ، ولا يُشترَطُ تَعيينُ العامِلِ لِلحاجةِ، ويَقومُ العَملُ مَقامَ القَبولِ؛ لأنَّه يَدُلُّ عليه؛ كالوَكالةِ (١).
стр. 5880
حُكمُ الجَعالةِ وأدِلَّةُ مَشروعيَّتِها:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الجَعالةَ جائِزةٌ في رَدِّ العَبدِ الأبِقِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الجَعالةُ في رَدِّ الضَّالَّةِ والآبِقِ وغيرِهما جائِزةٌ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ والشَّافِعيِّ، ولا نَعلَمُ فيه مُخالِفًا (١).
وقالَ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: اتَّفَقوا على أنَّ رَدَّ الآبِقِ يَستحقُّ الجُعلَ برَدِّه إذا شرَطه (٢).
واختَلَفوا فيما عَداه، هل تَصحُّ الجَعالةُ فيه أو لا؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الجَعالةَ جائِزةُ، واستَدَلُّوا على جَوازِها بما يَلي:
قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢]، وكانَ حِملُ البَعيرِ مَعلومًا عندَهم، كالوَسقِ، وشَرعُ مَنْ قبلَنا شَرعٌ لَنا، ما لَم يَرِدْ في شَرعِنا ما يُخالِفُه.
ولِمَا في الصَّحيحَيْنِ عن أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حتى نَزَلُوا على حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُضيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذلك الحَيِّ، فَسَعَوْا له بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بعضُهُمْ: لو أَتَيْتُمْ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الذين نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عندَ بعضِهِمْ شَيْءٌ. فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ
стр. 5881
إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا له بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَنْفعُهُ، فَهَلْ عندَ أَحَدٍ مِنكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بعضُهُمْ: نَعم، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْقِي، وَلكنْ وَاللهِ لَقَدِ اسْتَضَفْناكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حتى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ على قَطِيعٍ مِنْ الغَنَمِ، فَانْطَلقَ يَتْفِلُ عليه، وَيَقْرَأُ: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَكأنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الذي صَالَحُوهُمْ عليه، فَقالَ بعضُهُمْ: اقْسِمُوا. فَقَالَ الذي رَقَى: لا تَفْعَلُوا حتى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَذْكُرَ له الذي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمرُنَا، فقَدمُوا على رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا له، فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟»، ثم قَالَ: «قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعكُمْ سَهْمًا»، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (١) والقَطيعُ: ثَلاثونَ رَأْسًا مِنْ الغَنَمِ.
ولأنَّ الحاجةَ تَدعو إلى ذلك، فإنَّ العَملَ قَدْ يَكونُ مَجهولًا، كَرَدِّ الآبِقِ والضَّالَّةِ ونحوِ ذلك، ولا تَنعَقِدُ الإجارةُ فيه، والحاجةُ داعيةٌ إلى رَدِّهِما، وقَد لا يَجِدُ مَنْ يَتبرَّعُ به، فدَعَتِ الحاجةُ إلى إباحةِ بَذْلِ الجُعلِ فيه، مَع جَهالةِ العَملِ؛ لأنَّها غيرُ لَازِمةٍ، بخِلافِ الإجارةِ، ألَا تَرَى أنَّ الإجارةَ لمَّا كانَتْ لَازِمةً افتَقَرَتْ إلى تَقديرِ مُدَّةٍ، والعُقودُ الجائِزةُ -كالشَّرِكةِ والوَكالةِ- لا يَجِبُ تَقديرُ مُدَّتِها، ولأنَّ الجائِزةَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما تَرْكُها، فلا يُؤدِّي إلى أنْ يَلزَمَه مَجهولٌ عندَه بخِلافِ اللَّازِمةِ.
والجُعلُ عندَ المالِكيةِ رُخصةٌ اتِّفاقًا، والقياسَ عَدمُ جَوازِه، بَلْ عَدمُ
стр. 5882
صِحَّتِه؛ لِغَرَرِه، لكنْ خرَج عن ذلك بالآيةِ والحَديثِ لِلضَّرورةِ إليه (١).
وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّه يَصحُّ أخْذُ الجُعلِ على رَدِّ الآبِقِ، وهو أربَعونَ دِرهَمًا، ولا يَجوزُ فيما عَداه.
قالَ الحَنفيَّةُ: ولِمَن رَدَّهُ -أي: الآبِقَ- إلى مالِكِه، مِنْ مُدَّةِ سَفَرٍ أو أكثَرَ، أربَعونَ دِرهَمًا، لا غيرُ، ولو بلا شَرطٍ؛ استِحسانًا، فلَو صالَحَ على خَمسينَ لَم تَجُزِ الزِّيادةُ، بخِلافِ الصُّلحِ على الأقَلِّ، ولو كانَ الرَّادُّ رَجُلَيْنِ نُصِّفَ المَبلَغُ بينَهما، كما أنَّه لو اشترَكَ الآبِقُ بينَ رَجُلَيْنِ كانَ المَبلَغُ على قَدْرِ نَصيبِهِما، ولو رَدَّ جاريةً مَعها وَلَدٌ صَغيرٌ، يَكونُ تَبَعًا لِأُمِّه، فلا يُزادُ على الجُعلِ شَيءٌ (٢).
وقالَ في «الدُّرِّ المُختارِ»: ولا شَيءَ لِلمُلتَقِطِ لِمالٍ أو بَهيمةٍ أو ضالٍّ مِنْ الجُعلِ أصلًا، إلَّا بالشَّرطِ، كَمَنْ رَدَّه، فله كذا، فله أجْرُ مِثلِه … كإجارةٍ فاسِدةٍ.
стр. 5883
قالَ ابنُ عابِدينَ: قَولُه: «فله أجْرُ مِثلِه» علَّله في المُحيطِ بأنَّها إجارةٌ فاسِدةٌ.
واعتَرضَه في البَحرِ بأنَّه لا إجارةَ أصْلًا؛ لِعدمِ مَنْ يَقبَلُ، وأجابَ المَقدِسيُّ بحَملِه على أنَّه قالَ ذلك لِجَمعٍ حضَر.
قُلتُ: يُؤيِّدُه ما في إجاراتِ الوَلوالِجِيَّةِ: ضاعَ له شَيءٌ فقالَ: مَنْ دَلَّني عليه فله كذا، فالإجارةُ باطِلةٌ؛ لأنَّ المُستأجَرَ له غيرُ مَعلومٍ، والدِّلالةُ ليسَتْ بعَمَلٍ يَستحقُّ به الأجرَ، فلا يَجِبُ الأجْرُ، وإنْ خصَّصَ بأنْ قالَ لِرَجُلٍ بعَينهِ: إنْ دَلَلتَني عليه فلكَ كذا، إنْ مَشَى له ودَلَّه يَجِبُ أجْرُ المِثلِ في المَشْيِ؛ لأنَّ ذلك عَمَلٌ يُستحَقُّ بعَقدِ الإجارةِ، إلَّا أنَّه غيرُ مُقدَّرٍ بقَدْرٍ، فيَجِبُ أجْرُ المِثلِ، وإنْ دَلَّه بلا مَشْيٍ فهو والأوَّلُ سَواءٌ. اه.
وبه ظهَر أنَّه هُنا إنْ خصَّصَ فالإجارةُ فاسِدةُ؛ لِكَونِ مَكانِ الرَّدِّ غيرَ مُقدَّرٍ، فيَجِبُ أجْرُ المِثلِ، وإنْ عمَّم فباطِلةٌ، ولا أجْرَ (١).
ما تَختلِفُ به الجَعالةُ عن الإجارةُ:
تَختلِفُ الجَعالةُ عن الإجارةِ في بعضِ الأحكامِ، أذكُرُها هُنا مُختصَرةً وسَيَأتي بَيانُها بالتَّفصيلِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإجارةَ عَقدٌ لَازِمٌ، والجَعالةُ عَقدٌ جائِزٌ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ عندَ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ فلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما الرُّجوعُ فيه قبلَ حُصولِ العَملِ، لكنْ إنْ رجَع الجاعِلُ قبلَ التَّلبُّسِ بالعَملِ فلا شَيءَ عليه، وإنْ رجَع بعدَ التَّلبُّسِ به فعليه لِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّه إنَّما عمِل بعِوَضٍ، فلَمْ يُسلَّمْ له، وإنْ فسَخ العامِلُ قبلَ إتمامِ العمَلِ فلا شَيءَ له؛ لأنَّه
стр. 5884
أسقَطَ حَقَّ نَفْسِه، حيثُ لَم يَأتِ بما شُرِطَ عليه العِوَضُ، ويَصيرُ كَعامِلِ المُضارَبةِ إذا فسَخ قبلَ ظُهورِ الرِّبحِ.
الثَّاني: أنَّه لا يُشترَطُ العِلمُ بالعَملِ؛ فيَصحُّ أنْ يَكونَ العَملُ فيها مَجهولًا، كَخياطةِ لَم يَصِفْها لِثَوبٍ، فجازَ أنْ يَكونَ العَملُ فيها غيرَ مَعلومٍ، كالعاريةِ، بخِلافِ الإجارةِ، فلا بدَّ مِنْ بَيانِ العَملِ.
فَإنْ قالَ: مَنْ رَدَّ عَبدي مِنْ مَوضِعِ كذا، فله كذا … صَحَّ؛ لأنَّه إذا صَحَّ ذلك مَع جَهالةِ العَملِ … فلَأنْ يَصحَّ إذا كانَ العَملُ مَعلومًا أَوْلَى.
الثَّالثُ: أنَّه لا يُشترَطُ العِلمُ بالمُدَّةِ، فتَصحُّ على مُدَّةٍ مَجهولةٍ عندَ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، مثلَ: مَنْ حرَس زَرْعي فله كلَّ يَومٍ كذا، أو أذَّنَ في هذا المَسجِدِ فله كلَّ شَهرٍ كذا، أو مَنْ رَدَّ لُقَطَتِي أو بَنَى لي هذا الحائِطَ فله كذا، والحِكمةُ ما تَقدَّم، وهذا بخِلافِ الإجارةِ؛ فلا بدَّ فيها مِنْ بَيانِ المُدَّةِ.
الرَّابِعُ: أنَّه لو قُدِّرَتِ المُدَّةُ، كَأنْ قالَ: إنْ وَجَدتَها في شَهرٍ، أو مَنْ رَدَّ عَبدي مِنْ البَصرةِ في هذا الشَّهرِ، فله كذا، أو مَنْ خاطَ قَميصِي في هذا اليَومِ فله دِرهَمٌ، ونحوَ ذلك، صَحَّ عندَ الحَنابِلةِ؛ نَظَرًا لِإطلاقِ كَلامِه؛ لِاحتِمالِ الغَرَرِ فيها، بخِلافِ الإجارةِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ المُدَّةَ إذا جازَتْ مَجهولةً فمَع التَّقديرِ أَوْلَى.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ أنَّ مثلَ هذا لا يَجوزُ في الإجارةِ، فكَيفَ أجَزْتُموه في الجَعالةِ؟ قُلْنا: الفَرقُ بينَهما مِنْ وُجوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الجَعالةَ يُحتمَلُ فيها الغَرَرُ، وتَجوزُ جَهالةُ العَملِ والمُدَّةِ، بخِلافِ الإجارةِ.
стр. 5885
الثَّاني: أنَّ الجَعالةَ عَقدٌ جائِزٌ؛ فلا يَلزَمُه بالدُّخولِ فيها مَع الغَرَرِ ضَرَرٌ، بخِلافِ الإجارةِ؛ فإنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فإذا دخَل فيها مَع الغَرَرِ لَزِمَه ذلك.
الثَّالثُ: أنَّ الإجارةَ إذا قُدِّرَتْ بمُدَّةٍ لَزِمَه العَملُ في جَميعِها، ولا يَلزَمُه العَملُ بعدَها؛ فإذا جَمَع بينَ تَقديرِ المُدَّةِ والعَملِ فرُبَّما عمِله قبلَ المُدَّةِ، فإنْ قُلْنا: يَلزَمُه العَملُ في بَقيةِ المُدَّةِ، فقَد لَزِمَه مِنْ العَملِ أكثَرُ مِنْ المَعقودِ عليه، وإنْ قُلْنا: لَا يَلزَمُه، فقَد خَلَا بعضُ المُدَّةِ مِنْ العَملِ، فإنِ انقَضَتِ المُدَّةُ قبلَ عَملِه فألزَمْناه إتمامَ العَملِ فقَد لَزِمَه العَملُ في غيرِ المُدَّةِ المَعقودِ عليها، وإنْ قُلْنا: لَا يَلزَمُه العَملُ فما أتَى بالمَعقودِ عليه مِنْ العَملِ بخِلافِ مَسألَتِنا، فإنَّ العَملَ الذي يَستحقُّ به الجُعلَ هو عَمَلٌ مُقيَّدٌ بمُدَّةٍ، إنْ أتَى به استَحقَّ الجُعلَ، ولا يَلزَمُه شَيءٌ آخَرُ، وإنْ لَم يَفِ به فيها فلا شَيءَ له (١).
وأمَّا الشَّافِعيَّةُ فقالَ منهم القاضي ﵀ في «المُجَرَّدِ»: لَم يَصحَّ؛ لأنَّه يَكثُرُ بذلك الغَرَرُ، حيثُ قدَّره بمُدَّةٍ مَعلومةٍ.
وَهو أيضًا قَولُ المالِكيَّةِ، فيُشترَطُ عندَهم لصحَّةِ الجَعالةِ، عَدمُ شَرطِ تَعيينِ الزَّمَنِ؛ لأنَّ العَملَ لا يَستحقُّ الجُعْلَ إلَّا بالعَملِ، فقَد يَنقَضي الزَّمَنُ قبلَ التَّمامِ؛ فيَذهبُ عَملُه باطِلًا، ففيه زِيادةُ غَرَرٍ، مَع أنَّ الأصلَ فيها الغَرَرُ؛ وإنَّما أُجيزَتْ لِأذْنِ الشَّارِعِ فيها.
وَمَحَلُّ كَونِ شَرطِ تَعيينِ الزَّمَنِ مُفسِدًا ما إذا لَم يَشترِطِ العامِلُ أنَّ له التَّركَ متى شاءَ، فإنْ شرَط ذلك أو شُرِطَ له ذلك، لَم تَفسُدْ، ووَجهُ ذلك أنَّه