إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا له بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَنْفعُهُ، فَهَلْ عندَ أَحَدٍ مِنكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بعضُهُمْ: نَعم، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْقِي، وَلكنْ وَاللهِ لَقَدِ اسْتَضَفْناكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حتى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ على قَطِيعٍ مِنْ الغَنَمِ، فَانْطَلقَ يَتْفِلُ عليه، وَيَقْرَأُ: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَكأنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الذي صَالَحُوهُمْ عليه، فَقالَ بعضُهُمْ: اقْسِمُوا. فَقَالَ الذي رَقَى: لا تَفْعَلُوا حتى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَذْكُرَ له الذي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمرُنَا، فقَدمُوا على رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا له، فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟»، ثم قَالَ: «قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعكُمْ سَهْمًا»، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (١) والقَطيعُ: ثَلاثونَ رَأْسًا مِنْ الغَنَمِ.
ولأنَّ الحاجةَ تَدعو إلى ذلك، فإنَّ العَملَ قَدْ يَكونُ مَجهولًا، كَرَدِّ الآبِقِ والضَّالَّةِ ونحوِ ذلك، ولا تَنعَقِدُ الإجارةُ فيه، والحاجةُ داعيةٌ إلى رَدِّهِما، وقَد لا يَجِدُ مَنْ يَتبرَّعُ به، فدَعَتِ الحاجةُ إلى إباحةِ بَذْلِ الجُعلِ فيه، مَع جَهالةِ العَملِ؛ لأنَّها غيرُ لَازِمةٍ، بخِلافِ الإجارةِ، ألَا تَرَى أنَّ الإجارةَ لمَّا كانَتْ لَازِمةً افتَقَرَتْ إلى تَقديرِ مُدَّةٍ، والعُقودُ الجائِزةُ -كالشَّرِكةِ والوَكالةِ- لا يَجِبُ تَقديرُ مُدَّتِها، ولأنَّ الجائِزةَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما تَرْكُها، فلا يُؤدِّي إلى أنْ يَلزَمَه مَجهولٌ عندَه بخِلافِ اللَّازِمةِ.
والجُعلُ عندَ المالِكيةِ رُخصةٌ اتِّفاقًا، والقياسَ عَدمُ جَوازِه، بَلْ عَدمُ
стр. 5882
صِحَّتِه؛ لِغَرَرِه، لكنْ خرَج عن ذلك بالآيةِ والحَديثِ لِلضَّرورةِ إليه (١).
وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّه يَصحُّ أخْذُ الجُعلِ على رَدِّ الآبِقِ، وهو أربَعونَ دِرهَمًا، ولا يَجوزُ فيما عَداه.
قالَ الحَنفيَّةُ: ولِمَن رَدَّهُ -أي: الآبِقَ- إلى مالِكِه، مِنْ مُدَّةِ سَفَرٍ أو أكثَرَ، أربَعونَ دِرهَمًا، لا غيرُ، ولو بلا شَرطٍ؛ استِحسانًا، فلَو صالَحَ على خَمسينَ لَم تَجُزِ الزِّيادةُ، بخِلافِ الصُّلحِ على الأقَلِّ، ولو كانَ الرَّادُّ رَجُلَيْنِ نُصِّفَ المَبلَغُ بينَهما، كما أنَّه لو اشترَكَ الآبِقُ بينَ رَجُلَيْنِ كانَ المَبلَغُ على قَدْرِ نَصيبِهِما، ولو رَدَّ جاريةً مَعها وَلَدٌ صَغيرٌ، يَكونُ تَبَعًا لِأُمِّه، فلا يُزادُ على الجُعلِ شَيءٌ (٢).
وقالَ في «الدُّرِّ المُختارِ»: ولا شَيءَ لِلمُلتَقِطِ لِمالٍ أو بَهيمةٍ أو ضالٍّ مِنْ الجُعلِ أصلًا، إلَّا بالشَّرطِ، كَمَنْ رَدَّه، فله كذا، فله أجْرُ مِثلِه … كإجارةٍ فاسِدةٍ.
стр. 5883
قالَ ابنُ عابِدينَ: قَولُه: «فله أجْرُ مِثلِه» علَّله في المُحيطِ بأنَّها إجارةٌ فاسِدةٌ.
واعتَرضَه في البَحرِ بأنَّه لا إجارةَ أصْلًا؛ لِعدمِ مَنْ يَقبَلُ، وأجابَ المَقدِسيُّ بحَملِه على أنَّه قالَ ذلك لِجَمعٍ حضَر.
قُلتُ: يُؤيِّدُه ما في إجاراتِ الوَلوالِجِيَّةِ: ضاعَ له شَيءٌ فقالَ: مَنْ دَلَّني عليه فله كذا، فالإجارةُ باطِلةٌ؛ لأنَّ المُستأجَرَ له غيرُ مَعلومٍ، والدِّلالةُ ليسَتْ بعَمَلٍ يَستحقُّ به الأجرَ، فلا يَجِبُ الأجْرُ، وإنْ خصَّصَ بأنْ قالَ لِرَجُلٍ بعَينهِ: إنْ دَلَلتَني عليه فلكَ كذا، إنْ مَشَى له ودَلَّه يَجِبُ أجْرُ المِثلِ في المَشْيِ؛ لأنَّ ذلك عَمَلٌ يُستحَقُّ بعَقدِ الإجارةِ، إلَّا أنَّه غيرُ مُقدَّرٍ بقَدْرٍ، فيَجِبُ أجْرُ المِثلِ، وإنْ دَلَّه بلا مَشْيٍ فهو والأوَّلُ سَواءٌ. اه.
وبه ظهَر أنَّه هُنا إنْ خصَّصَ فالإجارةُ فاسِدةُ؛ لِكَونِ مَكانِ الرَّدِّ غيرَ مُقدَّرٍ، فيَجِبُ أجْرُ المِثلِ، وإنْ عمَّم فباطِلةٌ، ولا أجْرَ (١).
ما تَختلِفُ به الجَعالةُ عن الإجارةُ:
تَختلِفُ الجَعالةُ عن الإجارةِ في بعضِ الأحكامِ، أذكُرُها هُنا مُختصَرةً وسَيَأتي بَيانُها بالتَّفصيلِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإجارةَ عَقدٌ لَازِمٌ، والجَعالةُ عَقدٌ جائِزٌ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ عندَ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ فلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما الرُّجوعُ فيه قبلَ حُصولِ العَملِ، لكنْ إنْ رجَع الجاعِلُ قبلَ التَّلبُّسِ بالعَملِ فلا شَيءَ عليه، وإنْ رجَع بعدَ التَّلبُّسِ به فعليه لِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّه إنَّما عمِل بعِوَضٍ، فلَمْ يُسلَّمْ له، وإنْ فسَخ العامِلُ قبلَ إتمامِ العمَلِ فلا شَيءَ له؛ لأنَّه
стр. 5884
أسقَطَ حَقَّ نَفْسِه، حيثُ لَم يَأتِ بما شُرِطَ عليه العِوَضُ، ويَصيرُ كَعامِلِ المُضارَبةِ إذا فسَخ قبلَ ظُهورِ الرِّبحِ.
الثَّاني: أنَّه لا يُشترَطُ العِلمُ بالعَملِ؛ فيَصحُّ أنْ يَكونَ العَملُ فيها مَجهولًا، كَخياطةِ لَم يَصِفْها لِثَوبٍ، فجازَ أنْ يَكونَ العَملُ فيها غيرَ مَعلومٍ، كالعاريةِ، بخِلافِ الإجارةِ، فلا بدَّ مِنْ بَيانِ العَملِ.
فَإنْ قالَ: مَنْ رَدَّ عَبدي مِنْ مَوضِعِ كذا، فله كذا … صَحَّ؛ لأنَّه إذا صَحَّ ذلك مَع جَهالةِ العَملِ … فلَأنْ يَصحَّ إذا كانَ العَملُ مَعلومًا أَوْلَى.
الثَّالثُ: أنَّه لا يُشترَطُ العِلمُ بالمُدَّةِ، فتَصحُّ على مُدَّةٍ مَجهولةٍ عندَ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، مثلَ: مَنْ حرَس زَرْعي فله كلَّ يَومٍ كذا، أو أذَّنَ في هذا المَسجِدِ فله كلَّ شَهرٍ كذا، أو مَنْ رَدَّ لُقَطَتِي أو بَنَى لي هذا الحائِطَ فله كذا، والحِكمةُ ما تَقدَّم، وهذا بخِلافِ الإجارةِ؛ فلا بدَّ فيها مِنْ بَيانِ المُدَّةِ.
الرَّابِعُ: أنَّه لو قُدِّرَتِ المُدَّةُ، كَأنْ قالَ: إنْ وَجَدتَها في شَهرٍ، أو مَنْ رَدَّ عَبدي مِنْ البَصرةِ في هذا الشَّهرِ، فله كذا، أو مَنْ خاطَ قَميصِي في هذا اليَومِ فله دِرهَمٌ، ونحوَ ذلك، صَحَّ عندَ الحَنابِلةِ؛ نَظَرًا لِإطلاقِ كَلامِه؛ لِاحتِمالِ الغَرَرِ فيها، بخِلافِ الإجارةِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ المُدَّةَ إذا جازَتْ مَجهولةً فمَع التَّقديرِ أَوْلَى.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ أنَّ مثلَ هذا لا يَجوزُ في الإجارةِ، فكَيفَ أجَزْتُموه في الجَعالةِ؟ قُلْنا: الفَرقُ بينَهما مِنْ وُجوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الجَعالةَ يُحتمَلُ فيها الغَرَرُ، وتَجوزُ جَهالةُ العَملِ والمُدَّةِ، بخِلافِ الإجارةِ.
стр. 5885
الثَّاني: أنَّ الجَعالةَ عَقدٌ جائِزٌ؛ فلا يَلزَمُه بالدُّخولِ فيها مَع الغَرَرِ ضَرَرٌ، بخِلافِ الإجارةِ؛ فإنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فإذا دخَل فيها مَع الغَرَرِ لَزِمَه ذلك.
الثَّالثُ: أنَّ الإجارةَ إذا قُدِّرَتْ بمُدَّةٍ لَزِمَه العَملُ في جَميعِها، ولا يَلزَمُه العَملُ بعدَها؛ فإذا جَمَع بينَ تَقديرِ المُدَّةِ والعَملِ فرُبَّما عمِله قبلَ المُدَّةِ، فإنْ قُلْنا: يَلزَمُه العَملُ في بَقيةِ المُدَّةِ، فقَد لَزِمَه مِنْ العَملِ أكثَرُ مِنْ المَعقودِ عليه، وإنْ قُلْنا: لَا يَلزَمُه، فقَد خَلَا بعضُ المُدَّةِ مِنْ العَملِ، فإنِ انقَضَتِ المُدَّةُ قبلَ عَملِه فألزَمْناه إتمامَ العَملِ فقَد لَزِمَه العَملُ في غيرِ المُدَّةِ المَعقودِ عليها، وإنْ قُلْنا: لَا يَلزَمُه العَملُ فما أتَى بالمَعقودِ عليه مِنْ العَملِ بخِلافِ مَسألَتِنا، فإنَّ العَملَ الذي يَستحقُّ به الجُعلَ هو عَمَلٌ مُقيَّدٌ بمُدَّةٍ، إنْ أتَى به استَحقَّ الجُعلَ، ولا يَلزَمُه شَيءٌ آخَرُ، وإنْ لَم يَفِ به فيها فلا شَيءَ له (١).
وأمَّا الشَّافِعيَّةُ فقالَ منهم القاضي ﵀ في «المُجَرَّدِ»: لَم يَصحَّ؛ لأنَّه يَكثُرُ بذلك الغَرَرُ، حيثُ قدَّره بمُدَّةٍ مَعلومةٍ.
وَهو أيضًا قَولُ المالِكيَّةِ، فيُشترَطُ عندَهم لصحَّةِ الجَعالةِ، عَدمُ شَرطِ تَعيينِ الزَّمَنِ؛ لأنَّ العَملَ لا يَستحقُّ الجُعْلَ إلَّا بالعَملِ، فقَد يَنقَضي الزَّمَنُ قبلَ التَّمامِ؛ فيَذهبُ عَملُه باطِلًا، ففيه زِيادةُ غَرَرٍ، مَع أنَّ الأصلَ فيها الغَرَرُ؛ وإنَّما أُجيزَتْ لِأذْنِ الشَّارِعِ فيها.
وَمَحَلُّ كَونِ شَرطِ تَعيينِ الزَّمَنِ مُفسِدًا ما إذا لَم يَشترِطِ العامِلُ أنَّ له التَّركَ متى شاءَ، فإنْ شرَط ذلك أو شُرِطَ له ذلك، لَم تَفسُدْ، ووَجهُ ذلك أنَّه
стр. 5886
قَدْ رجَع فيها حينَئذٍ لِأصْلِها مِنْ عَدمِ تَعيينِ الزَّمانِ، أي: مِنْ حيثُ إنَّه صارَ تَعيينُه مُلْغيً.
الخامِسُ: يَجوزُ الجَمعُ بينَ العَملِ والمُدَّةِ هُنا، بخِلافِ الإجارةِ عندَ الحَنابِلةِ.
السَّادِسُ: أنَّه لا يُشترَطُ تَعيينُ العامِلِ؛ لِلحاجةِ الدَّاعيةِ إلى ذلك، بخِلافِ الإجارةِ عندَ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ.
السَّابِعُ: أنَّ العَملَ قائِمٌ مَقامَ القَبولِ مِنْ العامِلِ عندَ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ فلا يُشترَطُ قَبولُ العامِلِ لَفظًا، قالَ الشَّافِعيَّةُ: وإنْ عيَّنَه الجاعِلُ، بَلْ يَكفي القَبولُ بالفِعلِ؛ لأنَّه يَدُلُّ عليه، أشَبَهَ الوَكالةَ، أمَّا غيرُ المُعيَّنِ فبِلا خِلافٍ، كما في الوَقفِ على الجِهةِ العامَّةِ، وأمَّا المُعيَّنُ فعلى المَشهورِ عندَ الشَّافِعيَّةِ؛ لِمَا فيه مِنْ التَّضييقِ.
الثَّامِنُ: عَدمُ استِحقاقِ العامِلِ الجُعْلَ إلَّا بالفَراغِ مِنْ العَملِ عندَ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ، وَهو أيضًا مُقتَضَى كَلامِ الحَنابِلةِ، فلَو شرَط تَعجيلَ الجُعْلِ فَسَدَ العَقدُ، واستَحقَّ أُجرةَ المِثْلِ، فإنْ سلَّمَه الجُعْلَ قبلَ الفَراغِ مِنْ العَملِ، سَواءٌ أكانَ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، أم بعدَه، بلا شَرطٍ، امتَنَعَ تَصرُّفُه فيه مِنْ حيثُ كَونُه جُعلًا، وأمَّا مِنْ حيثُ رِضا المالِكِ الدَّافِعِ الذي تَضمَّنَه التَّسليمُ فيَجوزُ التَصرُّفُ فيه، قالَ الشَّبْرَامُلْسِيُّ: أقولُ: هو مُسلَّمٌ في التَصرُّفِ فيه بالِانتِفاعِ به، بنحوِ أكلِه أو لُبسِه، أمَّا التَصرُّفُ فيه بنَقلِ المِلْكِ فيه الذي يَتوقَّفُ عليه ذلك فلا، فلَو أتلَفَه بنحوِ أكلِه فهَل يَضمَنُه؟ الوَجهُ أنَّه يَضمَنُه؛
стр. 5887
لأنَّه لَم يُسلِّمْه له مَجَّانًا، بَلْ على أنَّه عِوَضٌ. اه (١).
وَيُفرَّقُ بينَه -أي: بينَ امتِناعِ التَصرُّفِ على العامِلِ-، وبينَ الإجارةِ، بأنَّه ثم ملَكه بالعَقدِ، وهُنا لا يَملِكُه إلَّا بالعَملِ.
التَّاسعُ: عَدمُ اشتِراطِ قَبْضِهِ -أي: الجُعلِ- في المَجلِسِ مُطلَقًا، أي: مُعيَّنًا، أو في الذِّمةِ عندَ الشَّافِعيَّةِ، وكذا عندَ المالِكيَّةِ، قالَ المالِكيَّةُ: يُشترَطُ لصحَّةِ الجَعالةِ عَدمُ شَرطِ النَّقدِ لِلجُعلِ؛ لِتَردُّدِه بينَ السَّلَفِيَّةِ والثَّمَنِيَّةِ، وأمَّا تَعجيلُه بلا شَرطٍ، بَلْ تَطوُّعًا، فلا يَفسُدُ، ووَجهُ ذلك أنَّه قَدْ لا يَتمُّ ما جُعِلَ له عليه، فيُرَدُّ ما قُبِضَ، وقَد يَتمُّ، فيَصيرُ له، فتارةً يَكونُ جُعلًا، وتارةً يَكونُ سَلَفًا، وذلك يَمنَعُ صِحَّتَه (٢).
العاشِرُ: يَجوزُ أنْ يَكونَ الجُعْلُ -العِوَضُ- مَجهولًا، إنْ لَم يُمنَعِ التَّسليمُ في احتِمالٍ لِلحَنابِلةِ، قالَ ابنُ قُدامةَ: ويُحتمَلُ أنْ تَجوزَ الجَعالةُ مَع جَهالةِ العِوَضِ، إذا كانَتِ الجَهالةُ لا تَمنَعُ التَّسليمَ، نحوَ أنْ يَقولَ: مَنْ رَدَّ عَبدي الآبِقَ فله نِصفُه، ومَن رَدَّ ضالَّتي فله ثُلُثُها، فإنَّ أحمدَ قالَ: إذا قالَ الأميرُ في الغَزوِ: مَنْ جاءَ بعَشَرةِ رُؤوسٍ فله رَأْسٌ، جازَ، وقالوا: إذا جعَل جُعلًا لمَن يَدُلُّه على قَلْعةٍ أو طَريقٍ سَهلٍ، وكانَ الجُعْلُ مِنْ مالِ الكُفَّارِ، جازَ أنْ يَكونَ مَجهولًا، كَجاريةٍ يُعيِّنُها العامِلُ، فتَخرُجُ ههُنا مثلَه، فأمَّا إنْ كانَتِ الجَهالةُ تَمنَعُ التَّسليمَ لَم تَصِحَّ الجَعالةُ وَجهًا واحِدًا (٣)، وهو أيضًا قَولٌ
стр. 5888
لِلشَّافِعيَّةِ، حَكاه عُمَيرةُ في «حاشِيَتِه» (١)، وإنْ كانَ المَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ والشَّافِعيَّةِ والمالِكيَّةِ أنَّه يُشترَطُ أنْ يَكونَ الجُعْلُ مَعلومًا، كالإجارةِ وغيرِها مِنْ العُقودِ؛ لأنَّ الجَعالةَ كالإجارةِ، ولأنَّ الجُعلَ كالأُجرةِ، فحِمْلُ البَعيرِ في الآيةِ مَعلومٌ عندَهم، والقِياسُ على العَملِ لا يَصحُّ، والفَرقُ بينَ العَملِ والعِوَضِ مِنْ وَجهَيْنِ:
أحَدُهما: أنَّ الحاجةَ تَدعو إلى كَوْنِ العَملِ مَجهولًا بألَّا يُعلَمَ مَوضِعُ الضَّالَّةِ والآبِقِ، ولا حاجةَ إلى جَهالةِ العِوَضِ.
والآخَرُ: أنَّ العَملَ لا يَصيرُ لَازِمًا، فلَم يَجِبْ كَونُه مَعلومًا، والعِوَضُ يَصيرُ لَازِمًا بإتمامِ العَملِ، فوجَب كَونُه مَعلومًا (٢).
وسيأتي بَيانُ كلِّ ذلك مُفصَّلًا في أركانِ الجَعالةِ وشُروطِها إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
стр. 5889
أركانُ الجَعالةِ:
أركانُ الجَعالةِ أربَعةٌ:
١ - عاقِدٌ
٢ - صِيغةٌ.
٣ - مَعقودٌ عليه، وهو العَملُ.
٤ - جُعْلٌ، وهو المَعقودُ به.
ويُمكِنُ أخْذُ هذه الأركانِ مِنْ الآيةِ التي استَدَلُّوا بها لِمَشروعيَّةِ الجُعْلِ، وهي قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢]، فالعاقِدُ: هو مُنادِي يُوسفَ وسامِعُه، والمَعقودُ عليه: المَجيءُ بصُواعِ المَلِكِ، والمَعقودُ به: حِمْلُ بَعيرٍ.
стр. 5890
الرُّكنُ الأوَّلُ: العاقِدُ:
وهو المُلتزِمُ بالجُعلِ، مالِكًا كانَ أو غيرَه، وشَرطُه أنْ يَكونَ أهلًا لِلمُعاوَضةِ بأنْ يَصحَّ منه البَيعُ والإجارةُ، فكلُّ مَنْ يَصحُّ إجارَتُه يَصحُّ أنْ يَكونَ جاعِلًا.
فيُشترَطُ فيه أنْ يَكونَ مُطلَقَ التَصرُّفِ عندَ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ (١)، فَلا يَصحُّ مِنْ صَبِيٍّ ومَجنونٍ ومَحجُورٍ عليه لِسَفَهٍ.
وأمَّا العامِلُ، فإنْ كانَ مُعيَّنًا، اشتُرِطَ فيه أهليَّةُ العَملِ، ويَدخُلُ فيه العَبدُ وغيرُ المُكَلَّفِ؛ فلا يُشترَطُ فيه تَكليفٌ ولا رُشدٌ ولا حُرِّيَّةٌ ولا إذْنُ سَيِّدٍ أو وَليٍّ؛ فيَصحُّ مِنْ صَبِيٍّ ومَجنونٍ له نَوعُ تَمييزٍ، ومَحجورِ سَفَهٍ وقِنٍّ -على المُعتَمَدِ عندَ الشَّافِعيَّةِ-، ويَخرُجُ عنه العاجِزُ عن العَملِ، كَصَغيرٍ لا يَقدِرُ عليه؛ لأنَّ مَنفعتَه مَعلومةٌ، فأشبَهَ استِئجارَ الأعمَى لِلحِفظِ.
وإنْ كانَ مُبهَمًا كَفى عِلْمُه بالنِّداءِ، فلَو قالَ: «مَنْ جاءَ بسيَّارَتي أو عَبدي الآبِقِ فله دِينارٌ» مثلًا فمَن جاءَ به استَحقَّ، مِنْ رَجُلٍ أو امرَأةٍ أو صَبِيٍّ أو عَبدٍ أو مَجنونٍ، إذا سمِع النِّداءَ أو علِم به؛ لِدُخولِهم في عُمومِ قَوله: «مَنْ جاءَ» (٢).
стр. 5891
وعندَ المالِكيَّةِ لا يُشترَطُ البُلوغُ في العاقِدِ، فيَكفي عندَهم أنْ يَكونَ مُميِّزًا، كما في البَيعِ والإجارةِ؛ فالصَّبِيُّ المُميِّزُ يَتوقَّفُ لُزومُ إجارَتِه وجَعالَتِه على إذْنِ وَليِّه، والمَعنى أنَّ شَرطَ صِحَّةِ عَقدِ عاقِدِ الجَعالةِ التَّمييزُ، وشَرطَ لُزومِ عَقدِ عاقِدِها التَّكليفُ، كالإجارةِ والبَيعِ، فلا يُشترَطُ في مُتَعاقِدي الجُعْلِ إلا أهلِيَّةُ الاستِئجارِ والعَملِ (١).
стр. 5892
الرُّكنُ الثاني: الصِّيغةُ:
الصِّيغةُ هي: كلُّ لَفظٍ دَالٍّ على الإذْنِ في العَملِ بعِوَضٍ مَعلومٍ مَقصودٍ مُلتَزَمٍ.
قال المالِكيَّةُ: الصِّيغةُ مِثلُ أنْ يَقولَ الرَّجلُ لِلرَّجلِ: إنْ قَدَرتَ على غُلامِي الآبِقِ، أو جِئتَ بجَمَلي الشَّارِدِ، فلكَ كذا وكذا، لِشَيءٍ يُسَمِّيه (١).
قالَ الشَّافِعيَّةُ: الصِّيغةُ هي كلُّ لَفظٍ مِنْ النَّاطِقِ الذي لَم يُرِدِ الكِتابةَ، يَدُلُّ على إذْنٍ في العَملِ بطَلَبٍ بعِوَضٍ مَعلومٍ مَقصودٍ مُلتزَمٍ، كقولِه: «رُدَّ عَبدِي أو عَبدَ فُلانٍ، ولكَ كذا»، أو بشَرطٍ، كقولِه: «إنْ رَدَدتَ عَبدِي فلكَ كذا»، ونحوِها مِنْ الصِّيغِ؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ، فافتقَرَتْ إلى صِيغةٍ تَدُلُّ على المَطلوبِ، وقَدْرِ المَبذولِ.
وَإشارةُ الأخرَسِ المُفهِمةُ تَقومُ مَقامَ الصِّيغةِ.
والكِتابةُ كِنايةٌ، إنْ نَوَى بها صَحَّ، وإلَّا فلا (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: الصِّيغةُ: أنْ يَقولَ جائِزُ التَّصرُّفِ لِزَيدٍ مثلًا: «إنْ رَدَدتَ لُقَطَتِي فلكَ كذا»، أو جعَله لِغيرِ مُعيَّنٍ بأنْ يَقولَ: «مَنْ رَدَّ لُقَطَتِي أو وجَدها فله كذا، أو مَنْ بَنَى لي هذا الحائِطَ، أو مَنْ رَدَّ عَبدِي الآبِقَ فله كذا» فيَصحَّ العَقدُ (٣).
وهنا بعضُ المَسائِلِ الخاصَّة بالصِّيغةِ:
стр. 5893
المَسألةُ الأُولى: هل يُشترَطُ قَبولُ العامِلِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ (١) القائِلونَ بجَوازِ الجَعالةِ إلى أنَّه لا يُشترَطُ القَبولُ مِنْ العَملِ لَفظًا، بَلْ يَقومُ العَملُ مَقامَ القَبولِ، فمَن سمِع قائِلًا يَقولُ: مَنْ يأتِني بعَبدِي الآبِقِ -مَثلًا- فله كذا، فأتاه به مِنْ غيرِ تَواطُؤٍ معه فإنَّه يَستحقُّ الجُعلَ (٢).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: لا يُشترَطُ القَبولُ مِنْ العامِلِ لَفظًا، وإنْ عيَّنه الجاعِلُ، بَلْ يَكفي القَبولُ بالفِعلِ؛ لأنَّه يَدُلُّ عليه، أشبَهَ الوَكالةَ، فكلُّ مَنْ سَمِعِه اشترَكَ في حُكمِه، ويَقومُ العَملُ مَقامَ القَبولِ.
أمَّا غيرُ المُعيَّنِ فلا يُشترَطُ قَبولُه بلا خِلافٍ، كما في الوَقفِ على الجِهةِ العامَّةِ، ولِاستِحالةِ طَلَبِ جَوابِه، وأمَّا المُعيَّنُ فعلى المَشهورِ عندَ الشَّافِعيَّةِ؛ لِمَا فيه مِنْ التَّضييقِ في مَحَلِّ الحاجةِ.
وَعليه لو قالَ شَخصٌ لِغيرِهِ: «إنْ رَدَدتَ عَبدي فلكَ دِينارٌ» فقالَ: «أرُدُّه بنِصفِ دِينارٍ» .. فإنَّه يَستحقُّ الدِّينارَ؛ لأنَّ القَبولَ لا أثَرَ له في الجَعالةِ (٣).
стр. 5894
المَسألةُ الثَّانيةُ: مَنْ رَدَّه دونَ أنْ يَأذَنَ مالِكُه بالرَّدِّ، هَلْ يَستحقُّ الجُعْلَ أو لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ رَدَّ الضَّالَّةَ دونَ أنْ يَأذَنَ المالِكُ في رَدِّها، ولَم يَجعَلْ لمَن رَدَّها جُعلًا، هَلْ يَستحقُّ جُعلَ المِثْلِ بذلك أو لا يَستحقُّ، ويَكونُ مُتَبَرِّعًا بذلك.
فَقالَ الشَّافِعيَّةُ: مَنْ رَدَّ آبِقًا أو ضالَّةً بغيرِ إذْنِ مالِكِها كَأنْ عمِل قبلَ النِّداءِ، فلا شَيءَ له، سَواءٌ أكانَ الرَّادُّ مَعروفًا برَدِّ الضَّوالِّ بعِوَضٍ أم لا؛ لأنَّه عَمَلٌ بلا صِيغةٍ، فلا شَيءَ له؛ لِعَدمِ الِالتِزامِ له بشَيءٍ، فوقَع عَملُه تَبرُّعًا، ودخَل العَبدُ مثلًا في ضَمانِه، وكذا مَنْ عمِل بإذْنٍ مِنْ غيرِ ذِكْرِ عِوضٍ (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: إنْ لَم يَقُلْ رَبُّه شَيئًا، فجاءَ به شَخصٌ، وكانَ مِنْ عادَتِه طَلَبُ الضَّوالِّ والآبِقِينَ، فإنَّه يَستحقُّ جُعلَ مِثلِه، فإنْ لَم تَكُنْ عادَتُه طَلبَ ما ذُكِرَ فلا جُعلَ له، وله النَّفَقةُ فَقط، أي: نَفَقةُ الآبِقِ، أي: ما أنفَقَه عليه مِنْ مَأْكَلٍ ومَركَبٍ ولِباسٍ، لا نَفقَتُه على نَفْسِه ودَابَّتِه -مثلًا- في زَمَنِ تَحصيلِه.
ولرَبِّه تَرْكُه إذا أتَى العُمَّالُ بالعَبدِ الآبِقِ قبلَ أنْ يَلتزِمَ رَبُّه بالجُعلِ، فإنَّ له أنْ يَترُكَه لمَن جاءَ به، ولا مَقالَ لِلعامِلِ حينَئذٍ، وسَواءٌ أكانَ الجُعْلُ يُساوي قِيمةَ رَقَبةِ العَبدِ أم لا (٢).
стр. 5895
قالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: مَنْ جاءَ بآبِقٍ أو شارِدٍ، ابتِداءً، ثم طَلبَ الأجْرَ، فإنْ كانَ ذلك شَأنَه وعادَتَه، ويُعلَمُ أنَّه يَتكَسَّبُ به، فله أُجرةُ مِثْلِه بقَدْرِ تَعَبِه وسَفَرِه، وتَكلُّفِ طَلَبِه -خِلافًا لِأبي حَنِيفَةَ والشَّافِعيِّ في قَولهما إنَّه مُتَطوِّعٌ، لا شَيءَ له-؛ لأنَّ مَنافِعَه فيما لو أضاعَه رَبُّه لَعُدَّ سَفَهًا مِنه يُوجِبُ له الأجْرَ عليها، أصْلُه لو سقَط مِنْ مَوضِعٍ عالٍ، أو وقَع في بِئرٍ، فأخرَجَه، فأثبَتَ ذلك، فله أجْرُ مِثلِه؛ لأنَّه ليسَ هُناكَ مُسَمًّى، فإنْ أبَى صاحِبُ العَبدِ أنْ يَدفعَ إليه، خَلَّى بينَه وبينَ العَبدِ؛ لأنَّ امتِناعَه مِنْ ذلك رِضًا بإسلامِ العَبدِ، وإنْ عُلِمَ أنَّ ذلك ليسَ مِنْ شَأنِه، فعادَتُه أنَّه يَترفَّعَ عن مِثلِه، وإنَّما فَعلَه على وَجْهِ الحِسبةِ واكتِسابِ المَوَدَّةِ، فليسَ له أُجرةٌ إنْ طَلبَها؛ لأنَّ دَعواه لِذلك تُنافي ظاهِرَ حالِه، فكَأنَّه نَدِمَ فاستَدرَكَ ندَمه، ولا يَستحقُّ شَيئًا (١).
إلَّا أنِّي وَجَدتُ ابنَ رُشدٍ ﵀ قالَ: لا اختِلافَ في أنَّه لا حَقَّ في الجُعْلِ لمَن وجَد العَبدَ قبلَ أنْ يُجعَلَ فيه الجُعْلُ؛ إذْ قَدْ وجَب عليه رَدُّه إلى صاحِبِه قبلَ أنْ يُجعَلَ فيه الجُعْلُ، واختُلِفَ فيمَن وجَده بعدَ أنْ جُعِلَ فيه الجُعْلُ على قولَيْنِ، أحَدُهما: أنَّه لا شَيءَ له فيه، إلَّا أنْ يَسمَع الجُعْلَ ويَطلُبَ العَبدَ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ. والآخَرُ: أنَّ الجُعْلَ يَكونُ له، وإنْ لَم
стр. 5896
يَسمَعِ الجُعْلَ، ولَم يَطلُبِ العَبدَ، وهو القَولُ الذي حَكَى ابنُ حَبيبٍ، وبِاللَّهِ التَّوفيقُ (١). ولَم يُذكَرْ هذا التَّفصيلُ المَعروفُ عندَ المالِكيَّةِ.
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالوا: مَنْ رَدَّ لُقَطَةً أو ضالَّةً أو عمِل لِغيرِه عَملًا بغيرِ جُعلٍ ولا إذْنٍ، لَم يَستحقَّ عِوَضًا؛ لأنَّه بذَل مَنفعةً مِنْ غيرِ عِوَضٍ، فلَم يَستحقَّهُ؛ ولِئَلَّا يُلزَمَ الإنسانُ ما لَم يَلتزِمْه، ولَم تَطِبْ به نَفْسُه، إلَّا في مَسألَتَيْنِ:
الأُولَى: أنْ يُخَلِّصَ مَتاعَ غيرِه مِنْ مَهلَكةٍ، كَغَرَقٍ وفَمِ سَبُعٍ وفَلاةٍ يُظَنُّ هَلاكُه في تَرْكِه فيها، فله أُجرةُ مِثلِه؛ تَرغيبًا، وإنْ لَم يَأذَنْ له رَبُّه؛ لأنَّه يُخشَى هَلاكُه وتَلَفُه على مالِكِه، وفيه حَثٌّ وتَرغيبٌ في إنقاذِ الأموالِ مِنْ التَّهلُكةِ.
والأُخرى: أنْ يَرُدَّ رَقيقًا آبِقًا لِسيِّدِه؛ فله ما قدَّره الشَّارِعُ، وهو دِينارٌ، أو اثنا عَشَرَ دِرهَمًا، رُوِيَ عن عُمرَ وعَلِيٍّ وابنِ مَسعودٍ؛ لقولِ ابنِ أبي مُلَيكةَ وعَمرِو بنِ دِينارٍ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ جعَل في رَدِّ الآبِقِ إذا جاءَ به خارِجًا مِنْ الحَرَمِ دِينارًا» (٢).
وَيَرجِعُ رادُّ الآبِقِ بنَفقَتِه أيضًا؛ لأنَّه مَأذونٌ في الإنفاقِ شَرعًا؛ لِحُرمةِ النَّفْسِ، ومَحَلُّه إنْ لَم يَنْوِ التَّبرُّعَ، ولو هرَب مِنه في الطَّريقِ، وإنْ ماتَ السَّيِّدُ رجَع في تَرِكَتِه، وعُلِمَ مِنه جَوازُ أَخْذِ الآبِقِ لمَن وجَده، وهو أمانةٌ بيَدِه، ومَنِ ادَّعاه فصدَّقه العَبدُ أخَذَه، فإنْ لَم يَجِدْ سَيِّدَه دفَعه إلى الإمامِ أو نائِبِه؛
стр. 5897
لِيَحفَظَه لِصاحِبِه، وله بَيعُه لِمَصلَحةٍ، ولا يَملِكُه مُلتَقِطُه بالتَّعريفِ، كَضَوالِّ الإبِلِ، وإنْ باعَه ففاسِدٌ.
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن رَدَّ لُقَطَةً أو ضالَّةً أو عمِل لِغيرِه عَملًا غيرَ رَدِّ الآبِقِ بغيرِ جُعلٍ، لَم يَستحقَّ عِوَضًا، لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّه عَمَلٌ يَستحقُّ به العِوَضَ مَع المُعاوَضةِ، فلا يَستحقُّ مَع عَدمِها، كالعَملِ في الإجارةِ، فإنِ اختَلَفا في الجُعْلِ فقالَ: جَعَلتَ لي في رَدِّ لُقَطَتِكَ كذا، فأنكَرَه المالِكُ، فالقَولُ قَولُه مَع يَمينِه؛ لأنَّ الأصْلَ مَعهُ (١).
المَسألةُ الثَّالثةُ: مَنْ عمِل قبلَ أنْ يَبلُغَه الجُعْلُ، هَلْ يَستحقُّ شَيئًا أو لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ القائِلونَ بجَوازِ الجُعْلِ فيما إذا جعَل رَبُّ الضَّالَّةِ جُعلًا على مَنْ رَدَّها عليه، فعمِل إنسانٌ قبلَ أنْ يَبلُغَه الجُعْلُ، هَلْ يَستحقُّ الجُعْلَ أو لا؟
فَذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وابنُ القاسِمِ مِنْ المالِكيَّةِ -على تَفصيلٍ عنه سَيَأْتي- إلى أنَّ مَنْ قالَ: مَنْ رَدَّ ضالَّتِي فله كذا، فرَدَّها إنسانٌ لَم يَبلُغْه نِداؤُه، ولا علِم بالجُعلِ، لا يَستحقُّ شَيئًا.
قالَ الشَّافِعيَّةُ: لو قالَ: مَنْ رَدَّ آبِقِي فله كذا، فرَدَّه مَنْ لَم يَبلُغْه نِداؤُه، لَم
стр. 5898
يَستحقَّ شَيئًا؛ لأنَّه مُتَبَرِّعٌ، فإنْ قصَد العِوَضَ لِاعتِقادِه أنَّ مثلَ هذا العَملِ لا يُحبَطُ لَم يَستحقَّ أيضًا على المَذهبِ، ولا أثَرَ لِاعتِقادِهِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ فَعلَ العَملَ المُجاعَلَ عليه قبلَ أنْ يَبلُغَه الجُعْلُ، لَم يَستحقَّ الجُعْلَ، ولا يَستحقُّ شَيئًا منه؛ لأنَّه مُتَبَرِّعٌ بعَملِه، وحَرُمَ عليه أخْذُه؛ لأنَّه مِنْ أكْلِ المالِ بالباطِلِ، إلَّا إنْ تبَرَّع له به رَبُّه بعدَ إعلامِه بالحالِ، وسَواءٌ أرَدَّه قبلَ بُلوغِ الجُعْلِ أم بعدَه؛ إذِ الجُعْلُ في مُقابَلةِ العَملِ لا التَّسليمِ، أي: سلَّمَ المَردودَ ونحوَه (٢).
وقالَ المالِكيَّةُ: إذا قالَ المالِكُ: «مَنْ أتَى بعَبدِي الآبِقِ، أو ببَعِيرِي الشَّارِدِ فله كذا» فجاءَ به شَخصٌ لَم يَسمَعْ كَلامَه، لكنَّ عادَتَه طَلَبُ الضَّوالِّ والآبِقِينَ فإنَّه يَستحقُّ جُعلَ مِثلِه، سَواءٌ أكانَ جُعلُ مِثلِه مثلَ المُسمَّى أم أقَلَّ مِنه، أم أكَثَرَ.
فَإذا تَخالَفا بعدَ تَمامِ العَملِ في قَدْرِ الجُعْلِ ولَم يُشبِها فإنَّهما يَتحالَفانِ، ويُرَدُّ العامِلُ إلى جُعلِ مِثلِه، ومَن أشبَهَ فالقَولُ قَولُه، وإنْ أشبَها معًا مثلَما إذا أشبَهَ العامِلُ يَكونُ القَولُ قوله، ونُكولُهما كَحَلِفِهما، ويُقضَى لِلحالِفِ على النَّاكِلِ.
стр. 5899
وَلمَن لَم يَسمَعْ قولَ المالِكِ: «مَنْ جاءَني بعَبدِي الآبِقِ فله كذا» فجاءَ به شَخصٌ ليسَ مَنْ عادَتِه طَلَبُ الضَّوالِّ والآبِقِينَ فإنَّه لا جُعلَ له، وليسَ له إلَّا النَّفَقةُ فَقط، أي: نَفَقةُ الآبِقِ، أي: ما أنفَقَه عليه مِنْ مَأكَلٍ ومَركَبٍ ولِباسٍ، لا نَفقَتُه على نَفْسِه ودَابَّتِه -مثلًا- في زَمَنِ تَحصيلِه (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: قالَ ابنُ القاسِمِ في رَجُلٍ جعَل في عَبدٍ له عَشَرةَ دَنانيرَ لمَن جاءَ به، فجاءَ به رَجُلٌ لَم يَسمَعْ بالجُعلِ. قالَ: إنْ كانَ ممَّن يَأتي بالآبِقِينَ فله جُعلُ مِثلِه، وإنْ كانَ ممَّن لا يَأتي بالآبِقِينَ، فليسَ له إلَّا نَفقَتُه، وإنْ سمِع فكانَ ممَّن لا يَأخُذُ الآبِقِينَ، أو ممَّن يَأخُذُ الآبِقِينَ فله العَشَرةُ.
قالَ مُحمَّدُ بنُ رُشدٍ: حَكَى ابنُ حَبيبٍ في الواضِحةِ أنَّ له الجُعْلَ المُسمَّى، علِم به أو لَم يَعلَمْ، إذا وجَده بعدَ أنْ يُجعَلَ فيه، تَكَلَّفَ طَلبَه أو لَم يَتكَلَّفْ، عن ابنِ الماجِشونِ، وأصبَغَ، وغيرِهِما مِنْ أصحابِ مالِكٍ، وذكَر أنَّه قَولُ مالِكٍ.
وَوَجهُ قَولِ ابنِ القاسِمِ ﵀ أنَّ الذي أتَى به لَم يَعمَلْ على طَلَبِه، على الجُعْلِ المُسمَّى؛ إذْ لَم يَعلَمْ به، فوجَب ألَّا يَجِبَ له، ووَجهُ ما حَكَى ابنُ حَبيبٍ أنَّ الجاعِلَ قَدْ أوْجَبَ على نَفْسِه ما سمَّى مِنْ الجُعْلِ لمَن جاءَ به، فوجَب أنْ يَكونَ له، وإنْ لَم يَطلُبْه، أو كانَ أكثَرَ مِنْ جُعلِ مِثلِه إنْ طَلبَه،
стр. 5900
وكانَ ممَّن يَطلُبُ الأُبَّاقَ. وقَولُ ابنِ القاسِمِ أظهَرُ؛ لأنَّ الجاعِلَ أرادَ بقَوله: مَنْ جاءَني بعَبدِي فله عَشَرةُ دَنانيرَ؛ تَحريضَ مَنْ يَسمَعُ قوله على طَلَبِه، فوجَب ألَّا تَجِبَ الدَّنانيرُ العَشَرةُ إلَّا لمَن سمِع قوله، فطَلَبُه بعدَ ذلك لا لمَن لَم يَسمَعْ قوله، ولا لمَن سمِعه، فوجَد العَبدَ دونَ أنْ يَطلُبَه، فلا اختِلافَ في أنَّه لا حَقَّ في الجُعْلِ لمَن وجَد العَبدَ قبلَ أنْ يُجعَلَ فيه الجُعْلُ؛ إذْ قَدْ وجَب عليه رَدُّه إلى صاحِبِه، قبلَ أنْ يُجعَلَ فيه الجُعْلُ، واختُلِفَ فيمَن وجَده بعدَ أنْ جُعِلَ فيه الجُعْلُ على قولَيْنِ؛ أحَدُهما: أنَّه لا شَيءَ له فيه، إلَّا أنْ يَسمَع الجُعْلَ ويَطلُبَ العَبدَ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ. والآخَرُ: أنَّ الجُعْلَ يَكونُ له، وإنْ لَم يَسمَعِ الجُعْلَ، ولا طَلبَ العَبدَ، وهو القَولُ الذي حَكَى ابنُ حَبيبٍ، وبِاللَّهِ التَّوفيقُ (١).
المَسألةُ الرَّابِعةُ: مَنْ بَلغَه الجُعْلُ في أثناءِ العَملِ:
قالَ الحَنابِلةُ: مَنْ بَلغَه الجُعْلُ في أثناءِ العَملِ فله مِنْ الجُعْلِ حِصَّةُ تَمامِه، أي: بقِسطِ ما عمِله بعدَ بُلوغِه الخَبرُ إنْ أتَمَّه بنِيَّةِ الجُعْلِ؛ لأنَّ عَملَه قبلَ بُلوغِ الخَبرِ غيرُ مَأْذُونٍ له فيه؛ فلا يَستحقُّ عنه عِوَضًا؛ لِتَبرُّعِه به، وإنْ لَم يَبلُغْه إلَّا بعدَ العَملِ لَم يَستحقَّ شَيئًا لذلك (٢).
وأمَّا المالِكيَّةُ ففَرَّقوا بينَ أنْ يَكونَ مِنْ شَأنِه طَلَبُ الضَّوالِّ أو لا؛ فإنْ
стр. 5901
كانَ مِنْ شَأنِه طَلَبُ الضَّوالِّ فله جُعلُ مِثلِه، سَواءٌ أكانَ جُعلُ مِثلِه مثلَ المُسمَّى أم أقَلَّ مِنه أم أكَثَرَ، فإنْ لَم تَكُنْ عادَتُه طَلبَ ما ذُكِرَ فلا جُعلَ له، وله النَّفَقةُ فَقط، أي: له ما أنفَقَه عليه مِنْ مَأكَلٍ ومَركَبٍ ولِباسٍ، لا نَفقَتُه على نَفْسِه ودابَّتِه مثلًا، في زَمَنِ تَحصيلِه، فهذه على الآتي به.
وإذا تَخالَفا بعدَ تَمامِ العَملِ في قَدْرِ الجُعْلِ، ولَم يُشبِها فأنَّهما يَتحالَفانِ، ويُرَدُّ العامِلُ إلى جُعلِ مِثلِه، ومَن أشبَهَ فالقَولُ قَولُه، وإن أشبَها معًا مثلَما إذا أشبَهَ العامِلُ، يَكونُ القَولُ قوله، ونُكولُهما كَحَلِفِهما، ويُقضَى لِلحالِفِ على النَّاكِلِ (١).
المَسألةُ الخامِسةُ: مَنْ رَدَّه بعدَ العِلمِ بإذْنِه دونَ أنْ يَسمَع نِداءَه هل يَستحقُّ الجُعْلَ أو لا؟
قالَ الشَّافِعيَّةُ: لو رَدَّه مَنْ علِم بإذْنِه قبلَ رَدِّه استَحقَّ الجُعْلَ المُلتزَمَ، سَواءٌ أعلِمه بواسِطةٍ أم بدُونِها.
نَعم، إنْ قالَ: «إنْ رَدَّ عَبدي مِنْ سامِعي نِدائي فله كذا» فرَدَّه مَنْ علِمَ نِداءَه ولَم يَسمَعْه لَم يَستحقَّ شَيئًا، وإنْ عمِل طامِعًا، كما قاله الماوَرديُّ (٢).
وقالَ المالِكيَّةُ: إذا قالَ المالِكُ: «مَنْ أتَى بعَبدي الآبِقِ أو ببَعيري
стр. 5902
الشَّارِدِ، فله كذا» فجاءَ به شَخصٌ لَم يَسمَعْ كَلامَ سَيِّدِه لكنَّ عادَتَه طَلَبُ الضَّوالِّ والأُبَّاقِ فإنَّه يَستحقُّ جُعلَ مِثلِه، سَواءٌ أكانَ جُعلُ مِثلِه مثلَ المُسمَّى أم أقَلَّ مِنه أم أكَثَرَ، فإنْ لَم تَكُنْ عادَتُه طَلبَ ما ذُكِرَ فلا جُعلَ له، وله النَّفَقةُ فقَطْ، أي: له ما أنفَقَه عليه مِنْ مَأكَلٍ ومَركَبٍ ولِباسٍ، لا نَفقَتُه على نَفْسِه ودَابَّتِه مثلًا، في زَمَنِ تَحصيلِه، فهذه على الآتي به.
وإذا تَخالَفا بعدَ تَمامِ العَملِ في قَدْرِ الجُعْلِ ولَم يُشبِها فإنَّهما يَتحالَفانِ، ويُرَدُّ العامِلُ إلى جُعلِ مِثلِه، ومَن أشبَهَ فالقَولُ قَولُه، وإنْ أشبَها معًا مثلَما إذا أشبَهَ العامِلُ، يَكونُ القَولُ قوله، ونُكولُهما كَحَلِفِهِما، ويُقضَى لِلحالِفِ على النَّاكِلِ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: قالَ ابنُ القاسِمِ في رَجُلٍ جعَل في عَبدٍ له عَشَرةَ دَنانيرَ لمَن جاءَ به، فجاءَ به رَجُلٌ لَم يَسمَعْ بالجُعلِ. قالَ: إنْ كانَ ممَّن يَأتي بالأُبَّاقِ فله جُعلُ مِثلِه، وإنْ كانَ ممَّن لا يَأتي بالأُبَّاقِ، فليسَ له إلَّا نَفقَتُه، وإنْ سمِع فكانَ ممَّن لا يَأخُذُ الأُبَّاقَ، أو ممَّن يَأخُذُ الأُبَّاقَ، فله العَشَرةُ.
قالَ مُحمَّدُ بنُ رُشدٍ: حَكَى ابنُ حَبيبٍ في الواضِحةِ أنَّ له الجُعْلَ المُسمَّى، علِم به أو لَم يَعلَمْ، إذا وجَده بعدَ أنْ يُجعَلَ فيه، تَكَلَّفَ طَلبَه أو لَم يَتكَلَّفْ، عن ابنِ الماجِشونِ، وأصبَغَ، وغيرِهِما مِنْ أصحابِ مالِكٍ، وذكَر أنَّه قَولُ مالِكٍ.
стр. 5903
وَوَجهُ قَولِ ابنِ القاسِمِ ﵀ أنَّ الذي أتَى به لَم يَعمَلْ على طَلَبِه، على الجُعْلِ المُسمَّى؛ إذْ لَم يَعلَمْ به، فوجَب ألَّا يَجِبَ له، ووَجهُ ما حَكَى ابنُ حَبيبٍ أنَّ الجاعِلَ قَدْ أوجَبَ على نَفْسِه ما سمَّى مِنْ الجُعْلِ لمَن جاءَ به، فوجَب أنْ يَكونَ له، وإنْ لَم يَطلُبْه، أو كانَ أكثَرَ مِنْ جُعلِ مِثلِه إنْ طَلبَه، وكانَ ممَّن يَطلُبُ الأُبَّاقَ. وقَولُ ابنِ القاسِمِ أَظهَرُ؛ لأنَّ الجاعِلَ أرادَ بقَوله: مَنْ جاءَني بعَبدي فله عَشَرةُ دَنانيرَ، تَحريضَ مَنْ يَسمَعُ قوله على طَلَبِه، فوجَب ألَّا تَجِبَ الدَّنانيرُ العَشَرةُ إلَّا لمَن سمِع قوله، فطَلبَه بعدَ ذلك، لا لمَن لَم يَسمَعْ قوله، ولا لمَن سمِعه، فوجَد العَبدَ دونَ أنْ يَطلُبَه، فلا اختِلافَ في أنَّه لا حَقَّ في الجُعْلِ لمَن وجَد العَبدَ قبلَ أنْ يُجعَلَ فيه الجُعْلُ؛ إذْ قَدْ وجَب عليه رَدُّه إلى صاحِبِه قبلَ أنْ يُجعَلَ فيه الجُعْلُ، واختُلِفَ فيمَن وجَده بعدَ أنْ جُعِلَ فيه الجُعْلُ على قولَيْنِ؛ أحَدُهما: أنَّه لا شَيءَ له فيه إلَّا أنْ يَسمَع الجُعْلَ، ويَطلُبَ العَبدَ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ. والآخَرُ: أنَّ الجُعْلَ يَكونُ له، وإنْ لَم يَسمَعِ الجُعْلَ ولا طَلبَ العَبدِ، وهو القَولُ الذي حَكَى ابنُ حَبيبٍ، وبِاللَّهِ التَّوفيقُ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ فَعلَ العَملَ المُسمَّى عليه الجُعْلُ بعدَ أنْ بلَغه الجُعْلُ استَحقَّه، كَسائِرِ الدُّيونِ عن المُجاعِلِ؛ لأنَّ العَقدَ استَقَرَّ بتَمامِ العَملِ، فاستَحقَّ ما جُعِلَ له، كالرِّبحِ في المُضارَبةِ.
والجَماعةُ إنْ فَعلَتِ المُجاعَلَ عليه تَقتَسِمُ الجُعْلَ؛ لأنَّهم اشترَكوا في
стр. 5904
العَملِ الذي به استَحقَّ الجُعْلَ، بخِلافِ ما لو قالَ: «مَنْ دخَل هذا الثُّقبَ فله دِينارٌ» فدخَله جَماعةٌ، استَحقَّ كلُّ واحِدٍ مِنهم دينارًا؛ لأنَّه دخَل دُخولًا كامِلًا، بخِلافِ رَدِّ اللُّقَطَةِ ونحوِه؛ فإنَّه لَم يَرُدَّها واحِدٌ مِنهم رَدًّا كامِلًا، ومِن نحوِ ذلك لو قالَ: «مَنْ نقَب السُّورَ فله دِينارٌ» فنقَبه ثَلاثةٌ نَقبًا واحِدًا، اشترَكوا في الدِّينارِ، وإنْ نقَب كلُّ واحِدٍ نَقبًا استَحقَّ كُلٌّ واحِدٍ دِينارًا (١).
المَسألةُ السَّادِسةُ: إذا أذِنَ لِشَخصٍ فعمِل غيرُه، كما لو قالَ لِزَيدٍ: رُدَّ آبِقِي ولكَ دِينارٌ، فرَدَّه عَمْرٌو، هَلْ يَستحقُّ الجُعْلَ أو لا؟
ذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ أذِنَ لِشَخصٍ في أنْ يَرُدَّ ضالَّتَه فعمِل غيرُه لا يَستحقُّ واحِدٌ مِنهُما شَيئًا؛ أمَّا العامِلُ فلأنَّه لَم يَشرُطْ له الجاعِلُ، ولَم يُجاعِلْه على رَدِّها، وأمَّا المُعيَّنُ فلأنَّه لَم يَعمَلْ.
قالَ الشَّافِعيَّةُ: لو عيَّن شَخصًا فعمِل غيرُه لَم يَستحقَّ واحِدٌ مِنهُما شَيئًا، كما لو قالَ لِزَيدٍ: «رُدَّ آبِقِي ولكَ دِينارٌ» فرَدَّهُ عَمْرٌو، لَم يَستحقَّ واحِدٌ مِنهُما شَيئًا؛ أمَّا العامِلُ -عَمْرٌو- فلأنَّه لَم يَشرُطْ له الجاعِلُ شَيئًا، وعمِل بغيرِ إذْنٍ، وأمَّا المُعيَّنُ -وَهو زَيدٌ- فلأنَّه لَم يَعمَلْ.
نَعم، إنْ كانَ الآخَرُ رَقيقَ المَأْذُونِ له ورَدَّ بعدَ عِلمِ سَيِّدِه بالالتِزامِ استَحقَّ المَأذونُ له الجُعْلَ؛ لأنَّ يَدَ رَقيقِه كَيَدِه (٢).
стр. 5905
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا قالَ جائِزُ التَصرُّفِ لِزَيدٍ مثلًا: «إنْ رَدَدتَ لُقَطَتِي فلكَ كذا» يَستحقُّه إنْ رَدَّها، ولا يَستحقُّ مَنْ رَدَّها سِواه، أي: سِوى المُخاطَبِ بذلك؛ لأنَّ رَبَّها لَم يُجاعِلْه على رَدِّها (١).
المَسألةُ السَّابِعةُ: إذا عيَّن رَجُلاً فقالَ: إنْ رَدَّه زَيدٌ فله كذا، فرَدَّه زَيدٌ غيرَ عالِمٍ بإذْنِه، هل يَستحقُّ الجُعْلَ أو لا؟
قالَ الشَّافِعيَّةُ: لو عيَّن رَجُلًا بأنْ قالَ: «إنْ رَدَّه زَيدٌ فله كذا» فرَدَّه زَيدٌ غيرَ عالِمٍ بإذْنِه، أو أذِنَ له في الرَّدِّ ولَم يَشترِطْ عِوَضًا، أو شرَط عِوَضًا غيرَ مَقصودٍ، كالدَّمِ، فلا شَيءَ لِلرَّادِّ (٢).
وهو ما يَقتَضيه كَلامُ الحَنابِلةِ أنه لا يَستحقُّ شَيئًا.
المَسألةُ الثَّامِنةُ: كانَتْ بِيَدِ إنسانٍ فجعَل له مالِكُها جُعلا لِيَرُدَّها:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ والشَّافعيَّةُ على التَّفصيلِ الآتي عندَهم إلى أنَّ الإنسانَ إذا وجَد ضالَّةَ آخَرَ ثم جعَل صاحِبُها لمَن وجَدها جُعلًا أنَّه لا يَستحقُّه؛ لأنَّه يَجِبُ عليه أنْ يَرُدَّه إليه.
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: لا اختِلافَ في أنَّه لا حَقَّ في الجُعْلِ لمَن وجَد
стр. 5906
العَبدَ قبلَ أنْ يُجعَلَ فيه الجُعْلُ؛ إذْ قد وجَب عليه رَدُّه إلى صاحِبِه قبلَ أنْ يُجعَلَ فيه الجُعلُ (١).
وقالَ الحَطَّابُ ﵀: قالَ في النَّوادِرِ في كِتابِ الجُعْلِ والإجارةِ: وإنَّما يَجوزُ الجُعْلُ على طَلَبِ عَبدٍ يُجهَلُ مَكانُه.
فأمَّا مَنْ وجَد آبِقًا أو ضَالًّا أو ثِيابًا فلا يَجوزُ له أخْذُ الجُعْلِ على رَدِّه، ولا عَلى أنْ يَدُلَّ على مَكانِه، بل ذلك واجِبٌ عليه (٢).
وقالَ التُّسُوليُّ ﵀ في «البَهجةُ في شَرحِ التُّحفةِ»: مَنْ سُرِقَ له شَيءٌ، أو ضاعَ له -مثلًا- فالتَزَمَ رَبُّه الجُعْلَ المُسمَّى بالبِشارةِ اليَومَ، فإنَّه يَجوزُ ذلك الِالتِزامُ، ويُقضَى لِلمُبَشِّرِ بأخْذِه بشَرطَيْنِ:
أنْ يَلتزِمَ له ذلك قبلَ وُجودِ المَسروقِ ونحوِه، وأنْ يَكونَ مَكانُه مَجهولًا، فمَن وجَد الآبِقَ أو المَسروقَ أو علِم مَكأنَّهما ثم جاءَ إلى رَبِّه فطَلبَ أنْ يَلتزِمَ له بالبِشارةِ على رَدِّه أو على الدِّلالةِ على مَكانِه فلا جُعلَ له، وإنْ قَبَضَه رَدَّه، قالَ في العَمَلياتِ:
وَخُذْ بِشارةً بجُعلٍ جُعِلا قبلَ الوُجودِ والمَكانِ جُهِلَا
انظُرِ الأنقالَ على ذلك في شَرحِه، لكنْ ذكَر أبو العَبَّاسِ المَلَّويُّ في بعضِ تَقاييدِه -ونَحوُه في شَرحِ العَملِ المَذكورِ- أنَّ بعضَ قُضاةِ فاسَ أفتَى
стр. 5907
بوُجوبِ الحُكمِ بالبِشارةِ مُطلَقًا؛ مُراعاةً لِلمَصالِحِ العامَّةِ، وخَوفًا مِنْ ضَياعِ أموالِ المُسلِمينَ بكِتمانِ الضَّوالِّ والمَسروقِ. قالَ: وقَد نَصَّ العُلماءُ على أنَّ الفَتوَى دائِرةٌ على مُقتَضَى الحالِ، وحيثُ أُخِذَتِ البِشارةُ مِنْ المَسروقِ له، فإنَّه يَرجِعُ بها على السَّارِقِ؛ لأنَّه ظالِمٌ تَسَبَّبَ في إغرامِ رَبِّ البِشارةِ. قُلتُ: وهذه الفَتوَى جاريةٌ على ما تَقدَّم عن ابنِ سِراجٍ وغيرِه مِنْ رَعْيِ المَصالِحِ، وعلى مُقتَضاها عامَّةُ المُسلِمينَ اليَومَ؛ فلا يَستَطيعُ أنْ يَرُدَّهم عن كِتمانِ الضَّوالِّ رَادٌّ إنْ لَم يَأخُذوا البِشارةَ، واللَّهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: وإنْ كانَتِ الضَّالَّةُ بيَدِ إنسانٍ فجعَل له مالِكُها جُعلًا لِيَرُدَّها، لَم يُبَحْ له أخْذُه؛ لأنَّه يَجِبُ عليه أنْ يَرُدَّها عليه (٢).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: لو قالَ: «مَنْ رَدِّ مالي فله كذا» فرَدَّه مَنْ كانَ في يَدِه نُظر: إنْ كانَ في رَدِّه كُلْفةٌ كالآبِقِ استَحقَّ الجُعْلَ، وإنْ لَم يَكُنْ كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ فلا؛ لأنَّ ما لا كُلْفةَ فيه لا يُقابَلُ بالعِوَضِ.
ولو قالَ: «مَنْ دَلَّني على مالي فله كذا» فدَلَّه مَنِ المالُ في يَدِه لَم يَستحقَّ شَيئًا؛ لأنَّ ذلك واجِبٌ عليه شَرعًا؛ فلا يَأخُذُ عليه عِوَضًا.
وإنْ كانَ في يَدِ غيرِه فدَلَّه عليه استَحقَّ؛ لأنَّ الأغلَبَ أنَّه يَلحَقُه مَشقَّةٌ بالبَحثِ عَنهُ (٣).
стр. 5908
المَسألةُ التَّاسعةُ: إذا اشترَكَ جَماعةٌ في العَملِ:
قالَ الشَّافِعيَّةُ: ولو عمَّم المالِكُ النِّداءَ، كَأنْ قالَ: «مَنْ رَدَّ عَبدي فله كذا» واشترَكَ حينَئذٍ اثنانِ مثلًا غيرُ مُعيَّنَيْنِ في رَدِّه، اشترَكا في الجُعْلِ؛ لِحُصولِ الرَّدِّ مِنهُما، والِاشتِراكُ فيه على عَدَدِ الرُّؤوسِ، وإنْ تَفاوَتَا في العَملِ؛ لأنَّه لا يَنضَبِطُ، أي: في الأغلَبِ، حتى يَقَعَ التَّوزيعُ عليه.
وهذا إذا عمَّم النِّداءَ، كقولِه: مَنْ رَدَّه فله كذا، أو قالَ لِنَفَرٍ: إنْ رَدَدتُموه فلَكم كذا، وعُلِمَ مِنه أنَّه لا يُزادُ بزِيادةِ الرَّادِّ، بخِلافِ ما لو قالَ: مَنْ دخَل دَارِي أُعطِيه دِرهَمًا، فدخَل جَمْعٌ، استَحقَّ كلُّ واحِدٍ دِرهَمًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ دخَل، وليسَ كلُّ واحِدٍ رَادًّا لِلعَبدِ، بَلِ الجَميعُ رَدُّوه؛ فلِذلك اشترَكوا في الجُعْلِ على عَدَدِ الرُّؤوسِ؛ لأنَّ العَملَ في أصْلِه مَجهولٌ، لا يُوزَّعُ عليه.
وقالَ الإمامُ: لا يَبعُدُ التَّوزيعُ على أُجورِ أمثالِهم، فإنَّ الأُجرةَ إنَّما تُدفَعُ إليهم عندَ تَمامِ العَملِ؛ فإذا تَمَّ فقَد انضَبَطَ ما صَدَرَ مِنْ كُلٍّ مِنهم.
ولو قالَ: مَنْ رَدَّ العَبدَيْنِ مِنْ كذا، فله دِينارٌ، فرَدَّهُما سامِعٌ مِنْ نِصفِ المَسافةِ، أو رَدَّ أحَدَهما مِنْ جَميعِها، استَحقَّ النِّصفَ، عَملًا بالتَّوزيعِ على العَملِ.
أو قالَ لِاثنَيْنِ: إنْ رَددْتُما العَبدَيْنِ فلَكُما كذا، فرَدَّهُما واحِدٌ مِنهُما، فله النِّصفُ، أو رَدَّ أحَدُهما واحِدًا مِنْ العَبدَيْنِ، فله الرُّبُعُ لِذلك فيهِما.
قالَ السُّبكيُّ ﵀: ولو قالَ: أيُّ رَجُلٍ رَدَّ عَبدي فله دِرهَمٌ، فرَدَّه اثنانِ، اقتَسَما الدِّرهَمَ بينَهما، على الأقرَبِ عِنْدِي.
стр. 5909
ولو كانَ عَبْدٌ بينَ اثنَيْنِ لِأحَدِهِما ثُلُثُه، فقالَا لِرَجُلٍ: إنْ رَدَدتَ عَبدَنا فلكَ دِينارٌ، فرَدَّه، فالدِّينارُ بينَهما أثلاثًا، على قَدْرِ المِلْكِ، في أصَحِّ الوجهَيْنِ، كما قالَه القاضي حُسَينٌ.
إنْ قالَ لِرَجُلٍ: إنْ رَدَدتَ عَبدي فلكَ دِينارٌ، فرَدَّه مَعه رَجُلانِ آخَرانِ، فإنْ قالَا: عاوَنَّاه في الرَّدِّ، استَحقَّ المَجعولَ له، الدِّينارَ، ولَم يَستحقَّا شَيئًا؛ لأنَّهما عمِلا له بغيرِ عِوَضٍ.
وإنْ قالَا: شارَكْناه في العَملِ لِنُشارِكَه في الجُعْلِ، استَحقَّ المَجعولُ له ثُلُثَ الدِّينارِ؛ لأنَّه عمِل ثُلُثَ العَملِ، ولا شَيءَ لِلآخَرينَ؛ لأنَّ مالِكَ العَبدِ لَم يَشرُطْ لهما شَيئًا، وإنَّما شرَط لِلثَّالثِ. فلا شَيءَ لِلمُشارِكِ بحالٍ في أيِّ حالٍ ممَّا قصَدهُ؛ لأنَّ المالِكَ لَم يَلتزِم له شَيئًا، نَعم، إنِ التَزَمَ له العامِلُ بشَيءٍ لَزِمَه.
ولو قالَ لِزَيدٍ: رُدَّ عَبدِي مثلًا، ولكَ دِينارٌ، فأعانَه آخَرُ، فالكُلُّ لِزَيدٍ، فقَد يَحتاجُ لِلمُعاوَنةِ، وغَرَضُ المُلتزِمِ العَملُ، بأيِّ وَجهٍ أمْكَنَ، فلا يُحمَلُ على قَصرِ العَملِ على المُخاطَبِ.
وَيَجوزُ لِلعامِلِ أنْ يَستَعينَ بغيرِه إذا لَم يَكُنْ مُعيَّنًا، وإنْ لَم يَعجِزْ؛ لأنَّ الجَعالةَ خُفِّفَ فيها، وإنْ كانَ مُعيَّنًا فهو كالوَكيلِ، يَجوزُ أنْ يَستَعينَ به فيما يَعجِزُ عنه أو لا يَليقُ به، كما يُوكَّلُ فيه، وتَوكيلُ غيرِ المُعيَّنِ بعدَ سَماعِه النِّداءَ غيرَه، كالتَّوكيلِ في الاحتِطابِ ونحوِه، يَجوزُ.
قالَ الشِّربينيُّ ﵀: فائِدةٌ: استَنبَطَ السُّبكيُّ ﵀ مِنْ استِحقاقِ المَجعولِ له تَمامَ الجُعْلِ إذا قصَد المُشارِكُ إعانَتَه، ومِن استِحقاقِ العامِلِ
стр. 5910
في المُساقاةِ نَصيبَه إذا تَبَرَّعَ عنه المالِكُ أو أجنَبيٌّ في العَملِ: جَوازُ الِاستِنابةِ في الإمامةِ.
وَكُلُّ وَظيفةٍ تَقبَلُ الاستِنابةَ، كالتَّدريسِ، بشَرطِ أنْ يَستَنيبَ مثلَه، أو خَيرًا مِنه، ويَستحقُّ كلَّ المَعلومِ، قالَ: وإنْ أفتَى ابنُ عَبدِ السَّلامِ والنَّوَويُّ بعَدمِ استِحقاقِ واحِدٍ مِنهُما، قالَا: أمَّا المُستَنيبُ فلِعدمِ مُباشَرَتِه، وأمَّا النَّائِبُ فلِعدمِ وِلايَتِه، إلَّا أنْ يَأذَنَ له النَّاظِرُ في المُباشَرةِ.
قالَ الزَّركَشيُّ ﵀: ومُدرِكُهُما في ذلك أنَّ الرِّيعَ ليسَ مِنْ بابِ الإجارةِ ولا الجَعالةِ؛ لأنَّ شَرطَهُما أنْ يَقَعَ العَملُ فيهِما لِلمُستأجِرِ والجاعِلِ، والعَملُ هُنا لا يُمكِنُ وُقوعُه لِلجاعِلِ، فلَمْ يَبْقَ إلَّا الإباحةُ بشَرطِ الحُضورِ، ولَم يُوجَدْ، فلا يَصحُّ إلحاقُه بهذه المَسألةِ.
وقالَ الأذرَعيُّ ﵀: وما ذكَره ﵀ فَتَحَ بابًا لِأربابِ الجِهاتِ والجَهالاتِ في تَوَلي المَناصِبِ الدِّينيةِ، واستِنابةِ مَنْ لا يَصلُحُ أو يَصلُحُ بنَزرِ يَسيرٍ مِنْ المَعلومِ، ويَأخُذُ ذلك المُستَنيبُ مالَ الوَقفِ على مَرِّ الأعصارِ. اه.
وقالَ الغَزِّيُّ -بعدَ تَمثيلِ السُّبكيِّ بالإمامةِ-: وهذا بخِلافِ الفُقهاءِ.
قالَ ابنُ شُهبةَ ﵀: وهو واضِحٌ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ أنْ يَستَنيبَ مَنْ يَتفقَّهُ عَنه. اه (١).
стр. 5911
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا اشترَكَ جَماعةٌ في العَملِ ففَعلَتِ المُجاعَلَ عليه اشترَكوا في الجُعْلِ؛ لأنَّهم اشترَكوا في العَملِ الذي به استُحِقَّ الجُعْلُ؛ فلَو قالَ قائِلٌ: مَنْ نقَب السُّورَ فله دِينارٌ، فنَقَبوه، أي: نقَبه ثَلاثةٌ نَقْبًا واحِدًا، استحَقُّوا دِينارًا واحِدًا بينَهم أثلاثًا؛ لأنَّهم اشترَكوا في العَملِ الذي يُستحَقُّ به العِوَضُ، فاشترَكوا في العِوَضِ، كالأجْرِ في الإجارةِ، وإنْ نقَب كلُّ واحِدٍ نَقْبًا، فكلُّ واحِدٍ يَأخُذُ دِينارًا، كما لو قالَ: مَنْ دخَل هذا النَّقْبَ فله دِينارٌ، فدخَله جَماعةٌ، استَحقَّ كلُّ واحِدٍ مِنهم دِينارًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ الدَّاخِلينَ
وإنْ رَدَّه واحِدٌ استَحقَّ جُعلَه. قالَ ابنُ قُدامةَ: وهذا كلُّه مَذهبُ الشَّافِعيِّ، ولا أعلَمُ فيه خِلافًا (١).
المَسألةُ الحاديةَ عَشْرَةَ: تَفاوُتُ الجُعْلِ في اختِلافِ المُدَّةِ:
قالَ العِمرانيُّ الشَّافِعيُّ ﵀: قالَ ابنُ الصَّبَّاغِ: فإنْ قالَ لِرَجُلٍ: إنْ خِطْتَ لي هذا الثَّوبَ اليَومَ فلكَ دِينارٌ، وإنْ خِطتَه غَدًا فلكَ نِصفُ دِينارٍ، فهو عَقدٌ فاسِدٌ؛ فإذا خاطَه استَحقَّ أُجرةَ المِثْلِ، وبِه قالَ مالِكٌ وزُفَرُ.
وقالَ أبو حَنِيفَةَ: الشَّرطُ الأوَّلُ جائِزٌ، والثَّاني فاسِدٌ، فإن خاطَه في اليَومِ الأوَل فله دِينارٌ، وإنْ خاطَه بعدَه فله أُجرةُ مِثلِه.
وقالَ أبو يُوسفَ، ومُحمَّدٌ: الشَّرطانِ جائِزانِ.
دَليلُنا: أنَّه عَقدٌ واحِدٌ؛ فإذا اختَلفَ فيه العِوَضُ بالتَّقديمِ والتَّأخيرِ كانَ فاسِدًا، كما لو قالَ: أجَّرتُكَ هذا بدِرهَمٍ نَسيئةً، أو بنِصفِ دِرهَمٍ نَقدًا.
إذا ثَبَتَ هذا: فكلُّ مَوضِعٍ شُرِطَ فيه جُعلٌ فاسِدٌ، فعمِل الأجيرُ، استَحقَّ أُجرةَ مِثلِه، كما قُلْنا في الإجارةِ (٢).
المَسألةُ الثانِيةَ عَشْرَةَ: إذا كانَتِ الجَعالةُ فاسِدةً:
قالَ الشَّافِعيَّةُ: كلُّ مَوضِعٍ شرَط فيه جُعلًا فاسِدًا، فعمِل الأجيرُ، استَحقَّ أُجرَةَ مِثلِه، كما في الإجارةِ.
стр. 5914
وإنْ شرَط لِواحِدٍ منهم جَعالةً فاسِدةً، ولِآخَرينَ جَعالةً صَحيحةً، استَحقَّ مَنْ شُرِطَ له جَعالةٌ صَحيحةٌ ثُلُثَ ما سُمِّيَ له، ويَستحقُّ مَنْ شُرِطَ له جَعالةٌ فاسِدةٌ ثُلُثَ أُجرةِ مِثلِه، اعتبارًا بالانفِرادِ (١).
وهو أيضًا مَذهبُ الحَنابِلةِ، حيثُ قالوا: وإنْ جعَل لِواحِدٍ عِوَضًا مَعلومًا، كدِينارٍ مثلًا، وجعَل لِآخَرَ عِوَضًا مَجهولًا، فرَدَّاه معًا، فلِرَبِّ المَعلومِ نِصفُه، ولِلآخَرِ أجْرُ عَملِه (٢).
وقالَ المالِكيَّةُ: وفي الجَعالةِ الفاسِدةِ -لِفَقدِ شَرطٍ- جُعلُ المِثْلِ، إنْ تَمَّ العَملُ؛ رَدًّا له لِصَحيحِ نَفْسِه، فإنْ لَم يَتِمَّ العَملُ فلا شَيءَ فيه، هذا هو المَشهورُ.
وقيلَ: له أُجرةُ مِثلِه؛ رَدًّا له لِصَحيحِ أصْلِه، وهو الإجارةُ، فيَأخُذُ بحِسابِ الإجارةِ، وإنَّما كانَتْ أصْلًا له لأنَّهم اشترَطوا في عاقِدِي الجُعْلِ ما اشترَطوه في عاقِدِي الإجارةِ.
إلَّا أنْ تَقَعَ الجَعالةُ بجُعلٍ مُطلَقًا، تَمَّ العَملُ أو لَم يَتِمَّ، كَأنْ يَقولَ له: إنْ أتَيتَنِي بعَبدي الآبِقِ فلكَ كذا، وإنْ لَم تَأتِ به فلكَ كذا، أو فلكَ نَفقَتُكَ؛ فله أُجرةُ مِثلِه، وإنْ لَم يَأتِ به، لِخُروجِها حينَئذٍ عن حَقيقَتِها، لأنَّ سُنَّتَها أنَّه لا جُعلَ إلَّا بتَمامِ العَملِ، وهو قَدْ جعَل له في الوَجهَيْنِ، وليسَ بحَقيقةِ الجُعلِ (٣).
стр. 5915
المَسألةُ الثَّالثةَ عَشْرَةَ: إذا عمِل أحَدُهما نِصفَ العَملِ، وأكمَلَه آخَرُ:
جُمهورُ أهلِ العِلمِ القائِلونَ بصِحَّةِ الجَعالةِ قالوا: إنَّ العامِلَ لا يَستحقُّ الجُعْلَ المَشروطَ إلَّا بتَمامِ العَملِ؛ فإذا ترَك العَملَ فلا يَستحقُّ شَيئًا مِنْ المَشروطِ له؛ لأنَّه فَوَّتَ عَملَه باختيارِه، ولا فَرقَ في ذلك بينَ أنْ يَقَعَ بعضُ العَملِ مُسلَّمًا، كما لو شرَط الجُعْلَ في مُقابَلةِ تَعليمِ القُرآنِ، أو بِناءِ الحائِطِ، فعَلَّمَ، أو بَنَى بعضَه، أو غيرَ مُسلَّمٍ، كَرَدِّ الآبِقِ؛ فلا يَستحقُّ شَيئًا، غيرَ أنَّه يُستَثنَى ما إذا زادَ الجاعِلُ في العَملِ، ولَم يَرْضَ العامِلُ بالزِّيادةِ، ففسَخ لِأجلِ ذلك؛ فإنَّه يَستحقُّ أُجرةَ المِثْلِ، وبِهذا قالَ الشَّافِعيَّةُ، والحَنابِلةُ، وهو أيضًا مَذهبُ المالِكيَّةِ: لا يَستحقُّ شَيئًا؛ إلَّا إذا أتَمَّه غيرُه على هذا التَّفصيلِ.
قالَ المالِكيَّةُ: لا يَستحقُّ الجُعْلَ إلَّا بالتَّمامِ لِلعَملِ المَطلوبِ، وتَمامُه بتَحصيلِ ثَمَرَتِه، وإذا لَم يَتِمَّ العَملُ لا يَستحقُّ شَيئًا، إذا كانَ ما فَعلَه لا انتِفاعَ به لِلجاعِلِ، أمَّا ما له فيه انتِفاعٌ فإنْ أتَمَّه غيرُه بعدَ تَركِ العَملِ، بأنِ استأجَرَ رَبُّه -بأجْرٍ، قَلَّ أو كَثُرَ- أو جاعَلَ مَنْ يُتِمُّ عَملَه، أو أتَمَّه بنَفْسِه أو بعَبيدِه؛ فإنَّه يَكونُ لِلأوَل مِنْ الأجْرِ بنِسبةِ أجْرِ عَملِ العامِلِ الثَّاني، أي: بنِسبةِ ما أخَذَ الثَّاني سَواءٌ أعمِل الثَّاني قَدْرَ عَملِ الأوَل، أم أقَلَّ، أم أكَثَرَ؛ لأنَّ الجاعِلَ حينَئذٍ قَدِ انتَفَعَ بما عمِله له الأوَّلُ، مِثالُه: أنْ يُجعَلَ لِلأوَل خَمسةٌ على حَمْلِ خَشَبةٍ مثلًا، إلى مَوضِعٍ مَعلومٍ، فبلَغها نِصفَ الطَّريقِ، وترَكها، فجعَل