← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

لِلآخَرِ عَشَرةَ دَراهِمَ مثلًا على تَبليغِها النِّصفَ الآخَرَ، فإنَّ الأوَّلَ يَأخُذُ عَشَرةً؛ لأنَّه الذي يَنوبُ في فِعلِ الأوَل مِنْ إجارةِ الثَّاني؛ لأنَّ الثَّانيَ لمَّا استُؤجِرَ نِصفَ الطَّريقِ بعَشَرةٍ، عُلِمَ أنَّ قِيمةَ إجارَتِه يَومَ استُؤجِرَ عِشرونَ، ولا يُقالُ: إنَّ الأوَّلَ قَدْ رَضيَ أنْ يَحمِلَها جَميعَ الطَّريقِ بخَمسةٍ، فكانَ يَجِبُ أنْ يُعطَى نِصفَها، والمُغابَنةُ جائِزةٌ في الجُعْلِ وغيرِه؛ لأنَّا نَقولُ: لمَّا كانَ عَقدُ الجَعالةِ مُنَحَّلًا مِنْ جانِبِ المَجعولِ له بعدَ العَملِ، فلمَّا ترَكه بعدَ أنْ حمَل نِصفَ المَسافةِ، صارَ تَرْكُه له إبطالًا لِلعَقدِ مِنْ أصْلِه، وصارَ الثَّاني كاشِفًا مُبيِّنًا لِمَا يَستحقُّه الأوَّلُ، فعلى الجاعِلِ لِلأوَل نِسبةُ انتِفاعِه بالثَّاني. وقالَ ابنُ يُونُسَ ﵀: يَنبَغي أنْ يُعطَى نِصفَ جُعلِه الأوَل، وهو في المِثَالِ المُتقدِّمِ دِرهَمانِ ونِصفُ دِرهَمٍ؛ لأنَّ المُغابَنةَ جائِزةٌ في الجُعْلِ وغيرِه، ونَحوُه لِلتُّونِسِيِّ. وَلابنِ القاسِمِ ﵀ قَولٌ: إنَّ لِلأوَل قِيمةُ عَملِه يَومَ عمِل، ولِابنِ كِنانةَ: لِلأوَل قِيمةُ عَملِه يَومَ عمِل الثَّاني، كانَتِ القِيمةُ مثلَ الجُعْلِ أو أقَلَّ أو أكثَرَ (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: الجَعالةُ إذا وَرَدَتْ على بَذْلِ المَنافِعِ في تَحصيلِ الشَّيءِ فلَها صورَتانِ:

стр. 5917

إحداهُما: أنْ يَكونَ الجُعْلُ على شَيءٍ واحِدٍ، كقولِه: مَنْ بَنَى لي حائِطًا، أو خاطَ لي ثَوبًا، فله كذا، فخاطَ بعضَ الثَّوبِ، أو بَنَى بعضَ الحائِطِ، فلا يَستحقُّ شَيئًا؛ لأنَّه لَم يَحصُلْ غَرَضُه. الأُخرى: أنْ يَكونَ على تَحصيلِ شَيئَيْنِ يَنفَكُّ أحَدُهما عن الآخَرِ، كقولِه: مَنْ رَدَّ العبدَيْنِ فله كذا، فرَدَّ أحَدَهُما استَحقَّ نِصفَ الجُعْلِ. قالَ الزَّركَشِيُّ ﵀: وعلى هذا يَتخَرَّج غَيبةُ الطَّالِبِ عن الدَّرسِ بعضَ الأيَّامِ، إذا قالَ الواقِفُ: مَنْ حضَر شَهَرَ كذا فله كذا؛ فإنَّ الأيَّامَ كَمَسألةِ العَبيدِ؛ فإنَّها أشياءُ مُتَفاصِلةٌ، فيَستحقُّ قِسطَ ما حضَر، قالَ: فتَفَطَّنْ لِذلك؛ فإنَّه ممَّا يُغلَطُ فيه. قالَ الدَّميريُّ ﵀: ولِذلك كانَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ القُشَيريُّ إذا بطَل يَومًا غيرَ مَعهودِ البَطالةِ في دَرسِه لا يَأخُذُ لِذلك اليَومِ مَعلومًا. قالَ: وسَألتُ شَيخَنا عن ذلك مَرَّتَيْنِ، فقالَ: إنْ كانَ الطَّالِبُ في حالِ انقِطاعِه مُشتَغِلًا بالعِلمِ، استَحقَّ، وإلَّا فلا، قالَ -يَعني شَيخُه-: ولو حضَر ولَم يَكُنْ بصَدَدِ الاشتِغالِ، لَم يَستحقَّ؛ لأنَّ المَقصودَ نَفْعُه بالعِلمِ، لا بمُجَرَّدِ حُضورِه، وكانَ يَذهبُ إلى أنَّ ذلك مِنْ بابِ الإرصادِ. اه. قالَ الزَّركَشيُّ ﵀: ولو تَوَلَّى وَظيفةً وأُكرِهَ على عَدمِ مُباشَرتِها، أفتَى الشَّيخُ تاجُ الدِّينِ الفَزَاريُّ باستِحقاقِه المَعلومَ، والظَّاهِرُ خِلافُه، لأنَّها جَعالةٌ، وهو لَم يُباشِرْ. اه. والظَّاهِرُ ما أفتَى به الشَّيخُ تاجُ الدِّينِ.

стр. 5918

والَّذي يَنبَغي أنْ يُقالَ في ذلك أنَّ هذه الوَظائِفَ إنْ كانَتْ مِنْ بَيتِ المالِ، وكانَ مَنْ هي بيَدِه مُستَحقًّا فهو يَستحقُّ مَعلومَها، سَواءٌ أحضَر أم لا، استَنابَ أو لا. وأمَّا النَّائِبُ فإنْ جَعلَ له مَعلومًا في نيابَتِه استَحقَّ، وإلَّا فلا، فإنْ لَم تَكُنْ مِنْ بَيتِ المالِ، أو كانَتْ ولَم يَكُنْ مُستَحقًّا فيه، فما قالَه المُصنِّفُ هو الظَّاهِرُ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَستحقُّ العامِلُ الجُعْلَ قبلَ تَمامِ عَملِه، فإنْ فسَخ العامِلُ قبلَ تَمامِ عَملِه، ولَم يُكمِلِ العَملَ، فلا شَيءَ له؛ لِإسقاطِ حَقِّ نَفْسِه، حيثُ لَم يُوَفِّ ما شرَطه عليه. وإنْ فسَخ الجاعِلُ بعدَ شُروعِ العامِلِ في العَملِ فعليه لِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِ عَملِه؛ لأنَّه عَمَلٌ بعِوَضٍ، لَم يُسلَّمْ له، فكَانَ له أُجرةُ عَملِه، وما عمِله بعدَ الفَسخِ لا أُجرةَ له عليه؛ لأنَّه عَمَلٌ غيرُ مَأذونٍ فيه، وإنْ زادَ الجاعِلُ أو نَقَصَ مِنْ الجُعْلِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ جازَ، وعُمِلَ به؛ لأنَّه عَقدٌ جائِزٌ، فجازَ فيه ذلك، كالمُضارَبةِ (٢).

стр. 5919

المَسألةُ الرَّابِعةَ عَشْرةَ: إذا جاءَ به مِنْ نِصفِ المَسافةِ: قالَ الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: مَنْ قالَ: «مَنْ رَدَّ عَبدي أو ضالَّتي مِنْ بَلَدِ كذا فله دِينارٌ» فرَدَّه سامِعٌ مِنْ نِصفِ الطَّريقِ المُتَساويةِ سُهولةً وحُزونةً استَحقَّ النِّصفَ مِنْ الجُعْلِ، أو مِنْ ثُلُثِها استَحقَّ الثُّلُثَ؛ لأنَّ كلَّ الجُعْلِ في مُقابَلةِ العَملِ، فبعضُه في مُقابَلةِ البعضِ، وإنْ كانَ أقَلَّ أو أكثَرَ فبِحِسابِه، وإنْ رَدَّه مِنْ أبعَدَ مِنْ البَلَدِ فلا يَستحقُّ إلَّا المُسمَّى فَقط؛ لِتَبرُّعِه بالزَّائِدِ، لِعدمِ الإذْنِ فيه. قالَ الشَّافِعيَّةُ: لو قالَ: «مَنْ رَدَّ عَبدي مِنْ بَلَدِ كذا فله دِينارٌ» فرَدَّه سامِعٌ مِنْ نِصفِ الطَّريقِ المُتَساويةِ سُهولةً وحُزونةً استَحقَّ النِّصفَ مِنْ الجُعْلِ، أو مِنْ ثُلُثِها استَحقَّ الثُّلُثَ؛ لأنَّ كلَّ الجُعْلِ في مُقابَلةِ العَملِ، فبعضُه في مُقابَلةِ بَعضٍ، أو قالَ: «مَنْ رَدَّ العَبدَيْنِ مِنْ كذا فله دِينارٌ» فرَدَّهُما سامِعٌ مِنْ نِصفِ المَسافةِ المُتَساويةِ سُهولةً وحُزونةً، أو رَدَّ أحَدَهُما مِنْ جَميعِها، استَحقَّ النِّصفَ، عَملًا بالتَّوزيعِ على العَملِ، أو قالَ لِاثنَيْنِ: «إنْ رَدَدتُما العَبدَيْنِ فلَكُما كذا» فرَدَّهُما واحِدٌ مِنهُما فله النِّصفُ، أو رَدَّ أحدُهُما واحِدًا مِنْ العَبدَيْنِ فله الرُّبُعُ بذلك فيهِما، أو رَدَّ العَبدَ مِنْ مَكانٍ أبعَدَ ممَّا عُيِّنَ، فالزَّائِدُ هَدَرٌ لا جُعلَ له؛ لِعدمِ التِزامِه. قالَ السُّبكيُّ ﵀: ولو قالَ: أيُّ رَجُلٍ رَدَّ عَبدي فله دِرهَمٌ، فرَدَّه اثنانِ قُسِّطَ الدِّرهَمُ بينَهما على الأقرَبِ عِندي (١).

стр. 5920

وقالَ الحَنابِلةُ: وإنْ قالَ: مَنْ رَدَّ عَبدي مِنْ بَلَدِ كذا فله دِينارٌ، فرَدَّه إنسانٌ مِنْ نِصفِ طَريقِ ذلك البَلَدِ، استَحقَّ نِصفَ الجُعْلِ؛ لأنَّه عمِل نِصفَ العَملِ، وكَذلك لو قالَ: مَنْ رَدَّ عَبدَيَّ فله دِينارٌ، فرَدَّ أحَدَهُما فله نِصفُ الدِّينارِ؛ لأنَّه رَدَّ نِصفَ العَبدَيْنِ، وإنْ رَدَّ العَبدَ مِنْ غيرِ البَلَدِ المُسمَّى فلا شَيءَ له؛ لأنَّه لَم يَجعَلْ في رَدِّه مِنه شَيئًا، فأشبَهَ ما لو جعَل في رَدِّ أحَدِ عَبدَيْه شَيئًا، فرَدَّ الآخَرَ، ولو قالَ: مَنْ رَدَّ عَبدِي فله دِينارٌ، فرَدَّه إنسانٌ إلى نِصفِ الطَّريقِ، فهرَب مِنه، لَم يَستحقَّ شَيئًا؛ لأنَّه شرَط الجُعْلَ برَدِّه، ولَم يَرُدَّه، وكَذلك لو ماتَ، كما لو استأجَرَ خَيَّاطًا لِخياطةِ ثَوبٍ فخاطَه ولَم يُسلِّمْه حتى تَلِفَ، لَم يَستحقَّ أُجرةً. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: فإنْ كانَ الجاعِلُ قالَ: مَنْ وجَد لُقَطَتِي فله دِينارٌ، فقَد وُجِدَ الوِجدانُ، قُلْنا: قَرينةُ الحالِ تَدُلُّ على اشتِراطِ الرَّدِّ، والمَقصودُ هو الرَّدُّ، لا الوِجدانُ المُجَرَّدُ، وإنَّما اكتَفَى بذِكرِ الوِجدانِ؛ لأنَّه سَبَبُ الرَّدِّ، فصارَ كَأنَّه قالَ: مَنْ وجَد لُقَطَتِي فرَدَّها عَلَيَّ … (١). المَسألةُ الخامِسةَ عَشْرةَ: حُكمُ جُعلِ الفُضوليِّ: لا يُشترَطُ عندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ -وَهو أيضًا مُقتَضَى مَذهبِ المالِكيَّةِ وغيرِهم- أنْ يَكونَ المُلتزِمُ لِلجُعلِ مَنْ يَقَعُ العَملُ في مِلْكِه، فلَو قالَ غيرُ المالِكِ: مَنْ رَدَّ عَبدَ فُلانٍ أو ضالَّةَ فُلانٍ فله كذا، استَحقَّه الرَّادُّ على القائِلِ؛ لأنَّه التَزَمَ العِوَضَ، ولا شَيءَ على رَبِّها؛ لأنَّه لَم يَلتزِمْه.

стр. 5921

أمَّا إنْ قالَ فُضوليٌّ: قالَ فُلانٌ: مَنْ رَدَّ ضالَّتي فله دِينارٌ، ولَم يَكُنْ رَبُّها قالَ ذلك، فرَدَّها رَجُلٌ، لَم يَضمَنِ الفُضوليُّ -المُنادِي- شَيئًا؛ لأنَّه حَكَى قولَ غيرِه، ولَم يَلتزِمِ العِوَضَ، والرَّادُّ مُقَصِّرٌ بعَدمِ الِاحتياطِ (١). وَزادَ الشَّافِعيَّةُ أنَّ المالِكَ إنْ كذَّب الفُضوليَّ في هذه الحالةِ فلا شَيءَ عليه، وإنْ صدَّق، قالَ البَغَويُّ: يُستحَقُّ عليه الجُعلُ. قالَ النَّوَويُّ ﵀: وكَانَ هذا فيما إذا كانَ المُخبِرُ ممَّن يُعتَمَدُ قَولُه، وإلَّا فهو كما لو رَدَّ غيرَ عالِمٍ بإذْنِه. قُلتُ -أي: النَّوَويُّ-: لو شهِد الفُضوليُّ على المالِكِ بإذْنِه قالَ: يَنبَغي ألَّا تُقبَلَ شَهادَتُه؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في تَرويجِ قَوله. وأمَّا قَولُ صاحِبِ البَيانِ: مُقتَضَى المَذهبِ قَبُولُها؛ فلا يُوافَقُ عليه، واللَّهُ أعلَمُ (٢). قالَ العِمرانيُّ ﵀ -صاحِبُ البَيانِ-: وإنْ قالَ رَجُلٌ: مَنْ رَدَّ عَبدَ فُلانٍ فله دِينارٌ، فرَدَّه رَجُلُ، استُحِقَّ الدِّينارُ على الذي قالَ ذلك؛ لأنَّه التَزَمَ العِوَضَ، فلَزِمَه بالعَملِ. وإنْ نادَى، فقالَ: قالَ فُلانٌ: مَنْ رَدَّ عَبدي فله دِينارٌ، فرَدَّه رَجُلٌ، لَم يَلزَمِ المُنادِي شَيءٌ؛ لأنَّه حَكَى قولَ غيرِه، ولَم يَلتزِمْ بضَمانِه، فإنْ أنكَرَ مالِكُ العَبدِ أنَّه قالَ ذلك، فالَّذي يَقتَضيه المَذهبُ أنَّ

стр. 5922

المُنادِيَ إذا كانَ عَدْلًا وشُهِدَ عليه بذلك، حلَف مَنْ رَدَّ العَبدَ مَعه إذا صدَّقه، واستُحِقَّ على مالِكِ العَبدِ الدِّينارُ، وإنْ لَم يَكُنْ عَدْلًا، أو لَم يُشهِدْ عليه، لَم يَلزَمِ المُنادِيَ شَيءٌ؛ لأنَّه يَقولُ: أنا صادِقٌ، ومالِكُ العَبدِ كاذِبٌ، فلا يَلزَمُني الغُرْمُ بكَذِبِه، ولأنَّه لا يَلتزِمُ ضَمانَه، فلا يَلزَمُه بالحِكايةِ (١). المَسألةُ السَّادِسةَ عَشْرةَ: تَأْقِيتُ الجَعالةِ بمُدَّةٍ مُحَدَّدةٍ، والجَمعُ بينَ تَقديرِ المُدَّةِ وبينَ العَملِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الجَعالةِ هَلْ يَصحُّ اشتِراطُ التَّأقيتِ فيها بمُدَّةٍ مُحَدَّدةٍ أو لا؟ فَذهَب الحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ تَوقيتُ الجَعالةِ بمُدَّةٍ، كَأنْ قالَ: إنْ وَجَدتَها في شَهرٍ، أو مَنْ رَدَّ عَبدي مِنْ البَصرةِ في هذا الشَّهرِ فله كذا، ويَصحُّ الجَمعُ بينَ تَقديرِ المُدَّةِ وبينَ العَملِ، كَأنْ قالَ: مَنْ خاطَ قَميصي في هذا اليَومِ فله دِرهَمٌ، أو مَنْ بَنَى لي هذا الحائِطَ في هذا اليَومِ فله دِينارٌ، ونحوَ ذلك، صَحَّ؛ نَظَرًا لِإطلاقِ كَلامِه، لِاحتِمالِ الغَرَرِ فيها، بخِلافِ الإجارةِ، على الصَّحيحِ؛ لأنَّ المُدَّةَ إذا جازَتْ مَجهولةً فمَع التَّقديرِ أَوْلَى، فإنْ أتَى به في المُدَّةِ استَحقَّ الجُعْلَ، ولَم يَلزَمْه شَيءٌ آخَرُ، وإنْ لَم يَفِ به فيها فلا يَلزَمُه شَيءٌ له. وإذا أتَمَّ العَملَ قبلَ انقِضاءِ المُدَّةِ لَم يَلزَمْه العَملُ في بَقِيَّتِها؛ لأنَّه وَفَّى ما عليه قبلَ مُدَّتِه، فلَمْ يَلزَمْه شَيءٌ آخَرُ، كَقَضاءِ الدَّينِ قبلَ أجَلِه، وإنْ مَضَتِ المُدَّةُ قبلَ العَملِ؛ فلِلمُستأجِرِ فَسخُ الإجارةِ؛ لأنَّ الأجيرَ لَم يَفِ له

стр. 5923

بشَرطِه، فإنْ رَضيَ بالبَقاءِ عليه لَم يَملِكِ الأجيرُ الفَسْخَ؛ لأنَّ الإخلالَ بالشَّرطِ مِنه، فلا يَكونُ ذلك وَسيلةً إلى الفَسخِ، فإنِ اختارَ إمضاءَ العَقدِ طالَبَه بالعَملِ لا غيرُ؛ كالمُسلِمِ إذا صَبَرَ عندَ تَعَذُّرِ المُسلَّمِ فيه إلى حِينِ وُجودِهِ؛ لَم يَكُنْ له أكثَرُ مِنْ المُسلَّمِ فيه، وإنْ فُسِخَ العَقدُ قبلَ العَملِ؛ سقَط الأجْرُ والعَملُ، وإنْ كانَ بعدَ عَملِ بعضِهِ؛ فله أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ العَقدَ قَدِ انفسَخ، فسقَط المُسمَّى، ورجَع إلى أجْرِ المِثْلِ. وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ أنَّ مثلَ هذا لا يَجوزُ في الإجارةِ، فكَيفَ أجَزْتُموه في الجَعالةِ؟ قُلْنا: الفَرقُ بينَهما مِنْ وُجوهٍ: أحَدُها: أنَّ الجَعالةَ يُحتمَلُ فيها الغَرَرُ، وتَجوزُ جَهالةُ العَملِ والمُدَّةِ، بخِلافِ الإجارةِ. الثَّاني: أنَّ الجَعالةَ عَقدٌ جائِزٌ، فلا يَلزَمُه بالدُّخولِ فيها مَع الغَرَرِ ضَرَرٌ، بخِلافِ الإجارةِ؛ فإنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فإذا دخَل فيها مَع الغَرَرِ لَزِمَه ذلك. الثَّالثُ: أنَّ الإجارةَ إذا قُدِّرَتْ بمُدَّةٍ لَزِمَه العَملُ في جَميعِها، ولا يَلزَمُه العَملُ بعدَها؛ فإذا جَمَع بينَ تَقديرِ المُدَّةِ والعَملِ، فرُبَّما عمِله قبلَ المُدَّةِ، فإنْ قُلْنا: يَلزَمُه العَملُ في بَقِيَّةِ المُدَّةِ فقَد لَزِمَه مِنْ العَملِ أكثَرُ مِنْ المَعقودِ عليه، وإنْ قُلْنا: لَا يَلزَمُه فقَد خَلَا بعضُ المُدَّةِ مِنْ العَملِ، فإنِ انقَضَتِ المُدَّةُ قبلَ عَملِه فألزَمْناه إتمامَ العَملِ، فقَد لَزِمَه العَملُ في غيرِ المُدَّةِ المَعقودِ عليها، وإنْ قُلْنا: لَا يَلزَمُه العَملُ، فما أتَى بالمَعقودِ عليه مِنْ العَملِ بخِلافِ

стр. 5924

مَسألَتِنا فإنَّ العَملَ الذي يَستحقُّ به الجُعْلَ هو عَمَلٌ مُقيَّدٌ بمُدَّةٍ، إنْ أتَى به استَحقَّ الجُعْلَ، ولا يَلزَمُه شَيءٌ آخَرُ، وإنْ لَم يَفِ به فيها فلا شَيءَ له (١). وذهَب المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ إلى أنَّ مِنْ شُروطِ الصِّيغةِ: عَدمُ التَّأْقِيتِ، فلَو قالَ: مَنْ رَدَّه اليَومَ فله كذا، أو مَنْ رَدَّ عَبدي مِنْ البَصرةِ في هذا الشَّهرِ فله كذا، لَم يَصحَّ، وفَسَدَتِ الجَعالةُ؛ لأنَّه يَكثُرُ بذلك الغَرَرُ، حيثُ قدَّره بمُدَّةٍ مَعلومةٍ، وهذا يُخِلُّ بمَقصودِ العَقدِ؛ لأنَّه رُبَّما لَم يَظفَرْ به فيه، ويَضيعُ عَملُه، ولا يَحصُلُ غَرَضُ المالِكِ، ولِهذا امتَنَعَ تَأْقِيتُ القِراضِ، فلا يَصحُّ تَأْقِيتُها، ولا الجَمعُ بينَ تَقديرِ المُدَّةِ والعَملِ. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ويُؤخَذُ مِنْ التَّشبيهِ بالقِراضِ أنَّه لا يَصحُّ تَعليقًا، وهو ظَاهِرٌ، وإنْ لَم أرَ مَنْ تَعرَّض له (٢). وقالَ المالِكيَّةُ: يُشترَطُ لصحَّةِ الجَعالةِ عَدمُ شَرطِ تَعيينِ الزَّمَنِ؛ لأنَّ العَامِلَ لا يَستحقُّ الجُعلَ إلَّا بالعَملِ، فقَد يَنقَضي الزَّمَنُ قبلَ التَّمامِ، ويَذهبُ عَملُه باطِلًا، ففيه زيادةُ غَرَرٍ، مَع أنَّ الأصْلَ فيها الغَرَرُ؛ وإنَّما أُجيزَتْ لِإذْنِ الشَّارِعِ فيها، والدَّليلُ على عَدمِ صِحَّةِ التَّأقيتِ قَولُ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢]، ولَم يُقدِّرْ أجَلًا.

стр. 5925

وَمَحَلُّ كَونِ شَرطِ تَعيينِ الزَّمَنِ مُفسِدًا ما إذا لَم يَشترِطِ العامِلُ أنَّ له التَّركَ متى شاءَ، فإنْ شرَط ذلك بأنَّ له التَّركَ متى شاءَ، أو شرَط له ذلك، لَم تَفسُدْ، ووَجهُ ذلك أنَّه قَدْ رجَع فيها حينَئذٍ لِأصْلِها مِنْ عَدمِ تَعيينِ الزَّمانِ، أي: مِنْ حيثُ إنَّه صارَ تَعيينُه مُلْغًى. وَمِثلُ شَرطِ التَّركِ متى شاءَ إذا جعَل له الجُعلَ بتَمامِ الزَّمَنِ، تَمَّ العَملُ أو لا، فيَجوزُ، إلَّا أنَّه قَدْ خرَج حينَئذٍ مِنْ الجَعالةِ إلى الإجارةِ؛ فإذا قالَ له: أُجاعِلُكَ على أنْ تَأتيَني بعَبدِي في شَهرٍ بدِينارٍ، عَمِلتَ أو لا، انقَلَبَتِ الجَعالةُ إجارةً، ويُنظَرُ حينَئذٍ إذا لَم يَأتِ به، فإنْ عمِل استَحقَّ بقَدْرِ عَملِه، وإنْ لَم يَعمَلْ فلا شَيءَ له. قالَ الخَرشِيُّ ﵀: فإنْ قيلَ: شَأنُ هذا العَقدِ التَّرْكُ فيه متى شاءَ، فلِمَ كانَ العَقدُ غيرَ جائِزٍ عندَ عَدمِ الشَّرطِ؟ وأُجيبَ بأنَّ المَجعولَ له عندَ عَدمِ الشَّرطِ دخَل على التَّمامِ، وإنْ كانَ له التَّركُ، وحينَئذٍ فغَرَرُه قَوِيٌّ، وأمَّا عندَ الشَّرطِ فقَد دخَل ابتِداءً على أنَّه مُخيَّرٌ، فغَرَرُه خَفيفٌ (١). المَسألةُ السَّابِعةَ عَشْرةَ: الزِّيادةُ والنُّقصانُ في الجَعلِ: ذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ لِلجاعِلِ أنْ يَزيدَ في الجُعلِ وأنْ يَنقُصَ مِنه أو يُغيِّرَ جِنْسَه قبلَ الشُّروعِ في العَملِ.

стр. 5926

قالَ الحَنابِلةُ: وإنْ زادَ الجاعِلُ أو نَقَصَ مِنْ الجُعلِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ جازَ، وعُمِلَ به؛ لأنَّها عَقدٌ جائِزٌ، فجازَ فيه ذلك، كالمُضاربةِ (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يَجوزُ لِلجاعِلِ أنْ يَزيدَ ويَنقُصَ ويُغيِّرَ الجِنسَ قبلَ الفَراغِ مِنْ عَملِ العامِلِ، سَواءٌ أكانَ قبلَ الشُّروعِ أم بعدَه، كما يَجوزُ في البَيعِ في زَمَنِ الخِيارِ، بَلْ أوْلَى، كَأنْ يَقولَ: مَنْ رَدَّ عَبدِي فله عَشَرةٌ، ثم يَقولَ: فله خَمسةٌ، أو يَحدُثَ عَكسُه، أو يَقولَ مَنْ رَدَّه فله دِينارٌ، ثم يَقولَ: فله دِرهَمٌ، وإنْ سمِع العامِلُ ذلك قبلَ الشُّروعِ في العَملِ اعتُبِرَ النِّداءُ الأخيرُ، ولِلعامِلِ ما ذُكِرَ فيه. وإنْ لَم يَسمَعْه العامِلُ أو كانَ بعدَ الشُّروعِ فيه، وجَب أُجرةُ المِثلِ؛ لأنَّ النِّداءَ الأخيرَ فَسخٌ لِلأوَل، ولأنَّ الفَسخَ مِنْ المالِكِ في أثناءِ العَملِ يَقتَضي الرُّجوعَ إلى أُجرةِ المِثلِ، فلَو عمِل مَنْ سمِع النِّداءَ الأوَّلَ خاصَّةً، ومَن سمِع الثَّانيَ، استَحقَّ الأوَّلُ نِصفَ أُجرةِ المِثلِ، والثَّاني نِصفَ المُسمَّى الثَّاني، والمُرادُ بالسَّماعِ العِلمُ، وتَكونُ أُجرةُ المِثلِ فيما ذُكِرَ لِجَميعِ العَملِ، لا لِلماضي خاصَّةً (٢).

стр. 5927

الرُّكنُ الثَّالثُ: المَعقودُ عليه، وهو العَملُ: العِلمُ بالعَملِ: لا يُشترَطُ في العَملِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ أنْ يَكونَ مَعلومًا إذا كانَ مُتعَسِّرًا؛ فيَصحُّ أنْ يَكونَ العَملُ فيها مَجهولًا غيرَ مَعلومٍ، كَرَدِّ الآبِقِ، والضَّالَّةِ، فإنَّ مَسافةَ الآبِقِ والضَّالَّةِ غيرُ مَعلومةٍ، بخِلافِ الإجارةِ، فلا بدَّ مِنْ بَيانِ العَملِ. فَإنْ قالَ: مَنْ رَدَّ عَبدِي فله كذا، أو مَنْ رَدَّ عَبدِي مِنْ مَوضِعِ كذا فله كذا، صَحَّ؛ لأنَّه إذا صَحَّ ذلك مَع جَهالةِ العَملِ، فلَأنْ يَصحَّ إذا كانَ العَملُ مَعلومًا أَوْلَى. أمَّا إذا كانَ العَملُ مُتيسِّرًا يُمكِنُ ضَبطُه، كَحَفرِ بِئرٍ لِإخراجِ الماءِ، وبِناءِ حائِطٍ، فلا يَجوزُ عندَ المالِكيَّةِ في المَذهبِ، وبعضِ الشَّافِعيَّةِ، حتى يَعلَمَ به، ويَجوزُ عندَ الشَّافِعيَّةِ -على ما أطلَقَه الرَّافِعيُّ والنَّوَويُّ كما سَيَأْتي- والحَنابِلةِ، فلا فَرقَ عندَهم بينَ أنْ يَكونَ العَملُ مَجهولًا، أو مَعلومًا، مُتيسِّرًا أو مُتعسِّرًا. قالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: يَجوزُ الجُعلُ على استِخراجِ المياهِ في الآبارِ، والعُيونِ، على صِفةٍ مَعلومةٍ، وعلى مَعرِفةِ بُعدِ الأرضِ وقُربِها وشِدَّتِها ولِينِها، فإنْ لَم يَعْرِفْ ذلك لَم يَجُزْ؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ على عَمَلٍ مَجهولٍ، لا تَدْعو ضَرورةٌ إليه، وإنْ لَم يَأتِ الماءُ فلا شَيءَ له، إلَّا أنْ يَكونَ رَبُّ الدَّارِ قَدِ انتَفَعَ بشَيءٍ مِنْ عَملِه، فتَكونَ له الأُجرةُ بقَدْرِه (١).

стр. 5928

وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: لا يُشترَطُ فيهِ -أي: الجُعلِ- عِلمُ مُتعسِّرِه، بخِلافِ مُتيسِّرِه؛ إذْ كلُّ المَذهبِ جَوازُه على الآبِقِ، مَع جَهلِهما ناحيتَيْه، بخِلافِه على استِخراجِ الماءِ مِنْ الأرضِ؛ ففي «المَعونةِ»: يَجوزُ بعدَ مَعرِفةِ بُعدِ ماءِ الأرضِ وقُربِه وشِدَّتِها ولِينِها، فإنْ لَم يَعرِفْ فلا يَجوزُ؛ لأنَّه لا تَدْعُو ضَرورةٌ إليه، وهو نَصُّ نَقْلِ ابنِ فَتُّوحٍ عن المَذهبِ. وَقَولُ «المُقدِماتِ»: ليسَ مِنْ شَرطِه كَونُ العَملِ مَعلومًا، بَلْ يَجوزُ فيه المَجهولُ، ظاهِرُه عَدمُ شَرطِ خِبرةِ الأرضِ، وهو ظاهِرٌ (١). وقالَ الدُّسوقيُّ ﵀: لا يُشترَطُ العِلمُ بالمَجعولِ عليه، بَلْ تارةً يَكونُ مَجهولًا، كالآبِقِ؛ فإنَّه لا بدَّ في صِحَّةِ الجُعلِ على الإتيانِ به ألَّا يُعلَمَ مَكانُه، فإنْ علِمه رَبُّه فَقط، لَزِمَه الأكثَرُ ممَّا سُمِّيَ، وجُعْلُ المِثلِ، وإنْ علِمه العامِلُ فَقط كانَ له بقَدْرِ تَعَبِه عندَ ابنِ القاسِمِ. وقِيلَ: لا شَيءَ له، وإنْ علِماه معًا يَنبَغي له جُعلُ مِثلِه؛ نَظَرًا لِسَبْقِ الجاعِلِ بالعَداءِ. وَتارةً يَكونُ مَعلومًا كالمُجاعَلةِ على حَفرِ بِئرٍ؛ فإنَّه يُشترَطُ فيه الخِبرةُ بالأرضِ وبمائِها (٢). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: لا يُشترَطُ أنْ يَكونَ العَملُ مَعلومًا؛ لأنَّ الجَعالةَ عَقدٌ جائِزٌ؛ فجازَ أنْ يَكونَ العَملُ فيها مَجهولًا، وَرَدُّ الآبِقِ لا يَنضَبِطُ العَملُ فيه.

стр. 5929

قالَ النَّوَويُّ ﵀: كلُّ ما لا تَجوزُ الإجارةُ عليه مِنْ الأعمالِ لِكَونِه مَجهولًا، تَجوزُ الجَهالةُ عليه لِلحاجةِ، وما جازَتِ الإجارةُ عليه، جازَتِ الجَعالةُ أيضًا، على الصَّحيحِ. وقيلَ: لا؛ لِلِاستِغناءِ بالإجارةِ (١). وَقَدْ أطلَقَ الرَّافِعيُّ والنَّوَويُّ صِحَّتَها مَع جَهالةِ العَملِ، لكنْ قالَ ابنُ الرِّفعةِ -تَبَعًا لِلقاضي حُسَينٍ-: هذا مَخصوصٌ بما لا يُمكِنُ ضَبطُه، وعَسُرَ عَملُه، كقولِه: مَنْ رَدَّ عَبدِي فله كذا، فأمَّا ما يُمكِنُ ضَبطُه ويَسهُلُ، كما إذا قالَ: مَنْ بَنَى لي حائِطًا فله كذا، فلا بدَّ مِنْ بَيانِ مَوضِعِ البِناءِ، وطُولِ الحائِطِ، وسُمْكِه وارتِفاعِه، وما يُبنَى به، وفي الخِياطةِ يُعتبَرُ وَصفُ الثَّوبِ والخِياطةِ؛ إذْ لا حاجةَ إلى احتِمالِ الجَهالةِ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: يَجوزُ أنْ يَكونَ العَملُ في الجَعالةِ مَجهولًا، كَخِياطةِ لَم يَصِفْها لِثَوبٍ، ورَدِّ لُقَطَةٍ لَم يُعيِّنْ مَوضِعَها؛ لأنَّ الحاجةَ تَدْعو إلى كَونِ العَملِ مَجهولًا بألَّا يُعلَمُ مَوضِعُ الضَّالَّةِ والآبِقِ، ولأنَّ العَملَ لا يَصيرُ لَازِمًا؛ فلَمْ يَجِبْ كَونُه مَعلومًا (٣).

стр. 5930

ما يُشترَطُ في العَملِ: يُشترَطُ في العَملِ المَعقودِ عليه في الجَعالةِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ أنْ يَكونَ مُباحًا، له فائِدةٌ، وأنْ يَكونَ ممَّا تَصحُّ فيه الإجارةُ، وأنْ يَكونَ فيه كُلفةٌ، عندَ بعضِهم، وإلَيكَ تَفصيلًا: أوَّلًا: أنْ يَكونَ مُباحًا: يُشترَطُ في العَملِ المُجاعَلِ عليه عندَ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ أنْ يَكونَ مُباحًا، لا مَحرَمًا، كَمِزمارٍ وغِنَاءٍ، فما يَجوزُ أخْذُ العِوَضِ عليه في الإجارةِ مِنْ الأعمالِ يَجوزُ أخْذُ العِوَضِ عليه في الجَعالةِ، وما لا يَجوزُ أخْذُ العِوَضِ عليه في الإجارةِ، كالغِناءِ والزَّمرِ وسائِرِ المُحرَّماتِ، لا يَجوزُ أخْذُ الجُعلِ عليها، لقولِ الله تَعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] (١). ثانيًا: أنْ يَكونَ ممَّا تَصحُّ فيه الإجارةُ: قالَ المالِكيَّةُ: كلُّ شَيءٍ جازَ فيه الجُعلُ، كَحَفرِ الآبارِ في المَواتِ، جازَتْ فيه الإجارةُ، وليسَ كلُّ ما جازَتْ فيه الإجارةُ يَجوزُ فيه الجُعلُ، كَخِياطةِ ثَوبٍ، وخِدمةِ شَهرٍ، وبَيعِ سِلَعٍ كَثيرةٍ، وحَفرِ الآبارِ في مِلْكِه، وإنَّما امتَنَعَ الجُعلُ في هذه الأُمورِ مثلًا؛ لأنَّه يَبقَى لِلجاعِلِ فيه مَنفعةٌ إنْ لَم يُتِمَّ

стр. 5931

المَجعولُ له العَملَ؛ فالإجارةُ أعَمُّ مِنه، والجُعلُ أخَصُّ مِنها؛ فكلُّ مَوضِعٍ جازَتْ فيه الإجارةُ لا يَلزَمُ أنْ يَجوزَ فيه الجُعلُ؛ إذ لا يَلزَمُ مِنْ وُجودِ الأعَمِّ وُجودُ الأخَصِّ؛ فلا يَلزَمُ مِنْ وُجودِ الحَيَوانيَّةِ وُجودُ الناطِقيَّةِ. وَكُلُّ مَوضِعٍ جازَ فيه الجُعلُ تَجوزُ فيه الإجارةُ؛ إذْ يَلزَمُ مِنْ وُجودِ الأخَصِّ وُجودُ الأعَمِّ، فيَلزَمُ مِنْ وُجودِ الناطِقيَّةِ وُجودُ الحَيَوانيَّةِ. وقالَ التُّسُوليُّ ﵀ في «البَهجةُ في شَرحِ التُّحفةِ»: في كلِّ ما جازَ فيه الإجارةُ بلا عَكسٍ … إلخ. وهذا واضِحٌ على المَشهورِ مِنْ أنَّ ما تَبْقَى فيه مَنفعةٌ لِلجاعِلِ بعدَ التَّركِ لا تَصحُّ فيه الجَعالةُ، وأمَّا على مُقابِلِه، وهو مَذهبُ ابنِ القاسِمِ مِنْ صِحَّةِ الجُعلِ فيما تَبْقَى فيه مَنفعةٌ لِلجاعِلِ، فيَتَساوَى الجُعلُ والإجارةُ، ولا يَنفَرِدُ أحَدُهما عن الآخَرِ بشَيءٍ. تَنبيهانِ: الأوَّلُ: قالَ في «المُتَيْطِيَّةِ»: وكَرِهَ مالِكٌ الجُعلَ على الخُصومةِ، على أنَّه لا يَأخُذُ شَيئًا إلَّا بإدراكِ الحَقِّ؛ لأنَّه لا يُعرَفُ لِفَراغِها غايةٌ، فإنْ عمِل هذا فله أجْرُ مِثلِه. اه. وقالَ قبلَ ذلك: ويَجوزُ في أحَدِ قولَيْ مالِكٍ أنْ يُجاعَلَ الطَّبيبُ على البُرءِ، والخَصْمُ على إدراكِ الحَقِّ، وهو المَعمولُ به عندَ المُوثَّقِينِ. اه. ونَحوُه في المَجالِسِ المكناسيةِ، وما تَقدَّم في الطَّبيبِ مَحَلُّه إذا كانَ الدَّواءُ مِنْ عِنْدِ العَليلِ، وإلَّا لَم يَجُزْ؛ لأنَّه غَرَرٌ: إنْ بَرِئَ أخَذَ حَقَّهُ وإلَّا ذهَب دَواؤُه باطِلًا. قالَ ابن ناجي: وبِه حَكَمتُ، ونَظمُه في العَملِ المُطلَقِ. الآخَرُ: مَنْ سُرِقَ له شَيءٌ أو ضاعَ له مثلًا، فالتَزَمَ رَبُّه الجُعلَ المُسمَّى

стр. 5932

بالبِشارةِ اليَومَ؛ فإنَّه يَجوزُ ذلك الِالتِزامُ ويُقضَى لِلمُبشِّرِ بأخْذِه بشَرطَيْنِ: أنْ يَلتزِمَ له ذلك قبلَ وُجودِ المَسروقِ ونحوِه، وأنْ يَكونَ مَكانُه مَجهولًا، فمَن وجَد الآبِقَ أو المَسروقَ أو علِم مَكأنَّهما ثم جاءَ إلى رَبِّه، فطَلبَ أنْ يَلتزِمَ له بالبِشارةِ على رَدِّه، أو على الدِّلالةِ على مَكانِه، فلا جُعلَ له، وإنْ قَبَضَه رَدَّه، قالَ في العَمَلياتِ: وَخُذ بِشارةً بجُعلٍ جعَلا قبلَ الوُجودِ والمَكانِ جُهِلَا انظُرِ الأنقالَ على ذلك في شَرحِه، لكنْ ذكَر أبو العَبَّاسِ المَلَويُّ في بعضِ تَقاييدِه، وذُكِرَ نَحوُه في شَرحِ العَملِ المَذكورِ، أنَّ بعضَ قُضاةِ فاسَ أفتَى بوُجوبِ الحُكمِ بالبِشارةِ مُطلَقًا؛ مُراعاةً لِلمَصالِحِ العامَّةِ، وخَوفًا مِنْ ضَياعِ أموالِ المُسلِمينَ بكِتمانِ الضَّوالِّ والمَسروقِ. قالَ: وقَد نَصَّ العُلماءُ على أنَّ الفَتوَى دائِرةٌ على مُقتَضَى الحالِ، وحيثُ أُخِذَتِ البِشارةُ مِنْ المَسروقِ له، فإنَّه يَرجِعُ بها على السَّارِقِ؛ لأنَّه ظالِمٌ تَسبَّبَ في إغرامِ رَبِّ البِشارةِ. قُلتُ: وهذه الفَتوَى جاريةٌ على ما تَقدَّم عن ابنِ سِراجٍ وغيرِه مِنْ رَعْيِ المَصالِحِ، وعلى مُقتَضاها عامَّةُ المُسلِمينَ اليَومَ؛ فلا يَستَطيعُ أنْ يَرُدَّهم عن كِتمانِ الضَّوالِّ رادٌّ إنْ لَم يَأخُذوا البِشارةَ، واللَّهُ أعلَمُ (١).

стр. 5933

أمَّا الشَّافِعيَّةُ فقالَ منهم الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: كلُّ ما لا تَجوزُ الإجارةُ عليه مِنْ الأعمالِ لِكَونِه مَجهولًا، تَجوزُ الجَهالةُ عليه لِلحاجةِ، وما جازَتِ الإجارةُ عليه، جازَتِ الجَعالةُ أيضًا، على الصَّحيحِ. وقيلَ: لا؛ لِلِاستِغناءِ بالإجارةِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: كلُّ ما جازَ أخْذُ العِوَضِ عليه في الإجارةِ مِنْ الأعمالِ، جازَ أخْذُه -أي: العِوَضِ- عليه في الجَعالةِ، وما لا يَجوزُ أخْذُ العِوَضِ عليه في الإجارةِ، كالغِناءِ والزَّمْرِ وسائِرِ المُحرَّماتِ، لا يَجوزُ أخْذُ الجُعلِ عليه؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. وَما يَختَصُّ أنْ يَكونَ فاعِلُه مِنْ أهلِ القُربةِ بأنِ اشترَطَ إسلامَ فاعِلِه ممَّا لا يَتعَدَّى نَفْعُه فاعِلَه، كالصَّلاةِ والصِّيامِ، لا يَجوزُ أخْذُ الجُعلِ عليه، كما تَقدَّم في الإجارةِ، فأمَّا ما يَتعَدَّى نَفْعُه، كالأذانِ ونحوِه، كَتَعليمِ فِقهٍ وقُرآنٍ وقَضاءٍ وإفتاءٍ ورُقيةٍ، فيَجوزُ؛ لِحَديثِ أبي سَعيدٍ في الرُّقيةِ، وقَد تَقدَّم. وإنْ قالَ: مَنْ داوَى لي هذا الجَريحَ حتى يَبرَأَ مِنْ جُرحِه، أو دَاوَى هذا المَريضَ حتى يَبرَأَ مِنْ مَرَضِه، أو دَاوَى هذا الأرمَدَ حتى يَبرَأَ مِنْ رَمَدِه، فله كذا، لَم يَصحَّ العَقدُ فيها مُطلَقًا، لا إجارةً ولا جَعالةً، صَحَّحَه في الإنصافِ وغيرِه (٢).

стр. 5934

ثالِثًا: ألاَّ يَكونَ واجِبًا عليه، وألا يَلزَمَه عَملُهُ: إذا كانَ الشَّيءُ المَعقودُ عليه واجِبًا على مَنْ في يَدِه أنْ يَرُدَّه فلا يَجوزُ أخْذُ العِوَضِ عليه، وكذا أنْ يَكونَ ممَّا لا يَلزَمُ المَجعولَ له عَملُه؛ فإنْ كانَ ممَّا يَلزَمُه لَم يَجُزْ له أخْذُ الجُعلِ عليه. قالَ المالِكيَّةُ: مِنْ شُروطِ المَعقودِ عليه أنْ يَكونَ ممَّا لا يَلزَمُ المَجعولَ له عَملُه؛ فإنْ كانَ ممَّا يَلزَمُه لَم يَجُزْ له أخْذُ الجُعلِ عليه، مثلَ أنْ يَجِدَ آبِقًا مِنْ غيرِ عَمَلٍ؛ لأنَّ رَدَّه واجِبٌ عليه. قالَ الحَطَّابُ ﵀: وقالَ في «النَّوادِرِ» في كِتابِ الجُعلِ والإجارةِ: وإنَّما يَجوزُ الجُعلُ على طَلَبِ عَبدٍ يُجهَلُ مَكانُه. فأمَّا مَنْ وجَد آبِقًا أو ضالًّا أو ثِيابًا، فلا يَجوزُ له أخْذُ الجُعلِ على رَدِّه، ولا على أنْ يَدُلَّ على مَكانِه، بَلْ ذلك واجِبٌ عليه (١). قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: لا اختِلافَ في أنَّه لا حَقَّ في الجُعلِ لمَن وجَد العَبدَ قبلَ أنْ يُجعَلَ فيه الجُعلُ؛ إذْ قَدْ وجَب عليه رَدُّه إلى صاحِبِه قبلَ أنْ يُجعَلَ فيه الجُعلُ (٢). وقالَ التُّسُوليُّ ﵀ في «البَهجةِ في شَرحِ التُّحفةِ»: مَنْ سُرِقَ له شَيءٌ أو ضاعَ له مثلًا، فالتَزَمَ رَبُّه الجُعلَ المُسمَّى بالبِشارةِ اليَومَ، فإنَّه يَجوزُ ذلك الِالتِزامُ، ويُقضَى لِلمُبَشِّرِ بأخْذِه بشَرطَيْنِ:

стр. 5935

أنْ يَلتزِمَ له ذلك قبلَ وُجودِ المَسروقِ ونحوِه، وأنْ يَكونَ مَكانُه مَجهولًا، فمَن وجَد الآبِقَ أو المَسروقَ أو علِم مَكأنَّهما ثم جاءَ إلى رَبِّه، فطَلبَ أنْ يَلتزِمَ له بالبِشارةِ على رَدِّه، أو على الدِّلالةِ على مَكانِه، فلا جُعلَ له، وإنْ قَبَضَه رَدَّه، قالَ في العَمَلياتِ: وَخُذْ بِشارةً بجُعلٍ جَعَلا قبلَ الوُجودِ والمَكانِ جُهِلَا انظُرِ الأنقالَ على ذلك في شَرحِه، لكنْ ذكَر أبو العَبَّاسِ المَلَويُّ في بعضِ تَقاييدِه، وذُكِرَ نَحوُه في شَرحِ العَملِ المَذكورِ، أنَّ بعضَ قُضاةِ فاسَ أفتَى بوُجوبِ الحُكمِ بالبِشارةِ مُطلَقًا؛ مُراعاةً لِلمَصالِحِ العامَّةِ، وخَوفًا مِنْ ضَياعِ أموالِ المُسلِمينَ بكِتمانِ الضَّوالِّ والمَسروقِ. قالَ: وقَد نَصَّ العُلماءُ على أنَّ الفَتوَى دائِرةٌ على مُقتَضَى الحالِ، وحيثُ أُخِذَتِ البِشارةُ مِنْ المَسروقِ له، فإنَّه يَرجِعُ بها على السَّارِقِ؛ لأنَّه ظالِمٌ، تَسَبَّبَ في إغرامِ رَبِّ البِشارةِ. قُلتُ: وهذه الفَتوَى جاريةٌ على ما تَقدَّم عن ابنِ سِراجٍ وغيرِه مِنْ رَعْيِ المَصالِحِ، وعلى مُقتَضاها عامَّةُ المُسلِمينَ اليَومَ؛ فلا يَستَطيعُ أنْ يَرُدَّهم عن كِتمانِ الضَّوالِّ رادٌّ إنْ لَم يَأخُذوا البِشارةَ، واللَّهُ أعلَمُ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: وإنْ كانَتِ الضَّالَّةُ بيَدِ إنسانٍ، فجعَل له مالِكُها جُعلًا لِيرُدَّها، لَم يُبَحْ له أخْذُهُ؛ لأنَّه يَجِبُ عليه أنْ يَرُدَّها عليه. قالوا أيضًا: ما يَختَصُّ فاعِلُه أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القُربةِ، بأنِ اشتُرِطَ

стр. 5936

إسلامُ فاعِلِه ممَّا لا يَتعَدَّى نَفْعُه فاعِلَه، كالصَّلاةِ والصِّيامِ، لا يَجوزُ أخْذُ الجُعلِ عليه؛ فإنْ كانَ يَتعَدَّى نَفْعُه، كالأذانِ والإقامةِ والحَجِّ، ففيه وَجهانِ، كالرِّوايَتَيْنِ في الإجارةِ، أصَحُّهما أنَّه يَجوزُ أخْذُ الجُعلِ عليه (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ في العَملِ المَعقودِ عليه ألَّا يَكونَ مُتعيَّنًا على العامِلِ، فدخَل نَحوُ مُداوةٍ ورُقيَةٍ وتَخليصٍ مِنْ نحوِ حَبسٍ وقَضاءِ حاجةٍ، ودَفعِ ظالِمٍ، وإنْ تَعيَّن؛ لأنَّه عارِضٌ (٢). ولو قالَ: مَنْ رَدَّ مالي فله كذا، فرَدَّه مَنْ كانَ في يَدِه، نُظر: إنْ كانَ في رَدِّه كُلفةٌ، كالآبِقِ، استَحقَّ الجُعلَ، وإنْ لَم يَكُنْ، كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، فلا؛ لأنَّ ما لا كُلفةَ فيه لا يُقابَلُ بالعِوَضِ. ولو قالَ: مَنْ دَلَّني على مالي فله كذا، فدَلَّه مَنِ المالُ في يَدِه لَم يَستحقَّ شَيئًا؛ لأنَّ ذلك واجِبٌ عليه شَرعًا، فلا يَأخُذُ عليه عِوَضًا. وإنْ كانَ في يَدِ غيرِه فدَلَّه عليه، استَحقَّ؛ لأنَّ الأغلَبَ أنَّه يَلحَقُه مَشقَّةٌ بالبَحثِ عنه (٣). رابِعًا: أنْ يَكونَ فيه فائِدةٌ ومَنفعةٌ وكُلفةٌ: اشترَطَ الفُقهاءُ لِلعَملِ المُجاعَلِ عليه أنْ يَكونَ فيه فائِدةٌ، فلا تَصحُّ الجَعالةُ على مَنْ يَعمَلُ عَملًا عَبَثًا لا فائِدةَ مِنه.

стр. 5937

قالَ الحَنابِلةُ: ويُتَّجَه: لا تَصحُّ الجَعالةُ لمَن يَعمَلُ عَملًا عَبَثًا؛ لأنَّه لا فائِدةَ فيه، كَساعٍ يَقطَعُ أيَّامًا في يَومٍ واحِدٍ، ومِثلُه في عَدمِ الصِّحَّةِ تَكليفٌ فَوقَ الطَّاقةِ، كَرَفعِ ثَقيلٍ مِنْ حَجَرٍ أو غيرِه، ومَشْيٍ على حَبلٍ؛ لأنَّه مُخاطَرةٌ لَم يَأذَنْ فيها الشَّارِعُ؛ فلا تَنعَقِدُ الجَعالةُ على شَيءٍ مِنْ ذلك؛ لِاشتِراطِ الإباحةِ، وهذه الأشياءُ إمَّا أنْ يَخشَى فاعِلُها الضَّرَرَ في بَدَنِه، أو لا، فإنْ خَشيَ الضَّرَرَ فحَرامٌ، وإلَّا فمَكروهةٌ، وعلى كُلٍّ يَكونُ غيرَ مُباحٍ، وهو مُتَّجَهٌ (١). وأمَّا الشَّافِعيَّةُ فقالَ قَليوبيٌّ ﵀ في حاشيَتِه: يُعتبَرُ في العَملِ مُطلَقًا أنْ يَكونَ فيه كُلفةٌ، كما في الإجارةِ، وألَّا يَكونَ مُتَعيَّنًا على العامِلِ، فدخَل نَحوُ مُداواةٍ ورُقيَةٍ وتَخليصٍ مِنْ نحوِ حَبسٍ، وقَضاءِ حاجةٍ، ودَفعِ ظالِمٍ، وإنْ تَعيَّن؛ لأنَّه عارِضٌ، وخرَج نَحوُ رِوايةِ خَبَرٍ، ودِلالةٍ على شَخصٍ، أو طَريقٍ، أو رَدِّ مَغصوبٍ ومُعارِضٍ مِنْ الغاصِبِ والمُعِيرِ، وإنْ كانَ فيهما كُلفةٌ (٢). وأمَّا المالِكيَّةُ فاختَلفَ النَّقلُ عندَهم هَلْ يُشترَطُ في الجُعلِ أنْ يَكونَ فيه مَنفعةٌ لِلجاعِلِ أو لا يُشترَطُ ذلك؟ فيه خِلافٌ، والمَشهورُ في المَذهبِ الأوَل، وهو أنَّه يُشترَطُ أنْ يَكونَ فيه مَنفعةٌ لِلجاعِلِ، ويَنبَني على ذلك لو جاعَلَ شَخصٌ شَخصًا على أنْ يَصعَدَ لِهذا الجَبَلِ ويَنزِلَ مِنه مِنْ غيرِ أنْ

стр. 5938

يَكونَ لِلجاعِلِ مَنفعةٌ بإتيانِ حاجةٍ مِنه، هَلْ يَصحُّ أو لا؟ المَشهورُ والصَّحيحُ أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّه مِنْ أكْلِ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ (١). خامِسًا: الجُعلُ على إخراجِ الجانِّ مِنْ الإنسانِ: نَصَّ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ على أنَّه لا يَجوزُ الجُعلُ على إخراجِ الجانِّ مِنْ الإنسانِ. قالَ المالِكيَّةُ: ولا يَجوزُ الجُعلُ على إخراجِ الجانِّ مِنْ شَخصٍ؛ لأنَّه لا يُعرَفُ حَقيقَتُه، ولا يُوقَفُ عليه، ولا يَنبَغي لِأهلِ الوَرَعِ الدُّخولُ فيه، وكَذلك الجُعلُ على حَلِّ المَربوطِ والمَسحورِ؛ لأنَّه لا يُعرَفُ حَقيقةُ ذلك، ولا يُوقَفُ عليه. لكنْ قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: قولُه: لأنَّه لا يُعلَمُ حَقيقةُ ذلك، أي أنَّه لا يَتأتَّى الوُقوفُ على كَونِ الجانِّ خرَج أو لا، ثم إنَّ هذا التَّعليلَ يَقتَضي أنَّه إذا تَكرَّر النَّفعُ مِنْ ذلك العامِلِ وجُرِّبَ وعُلِمَتِ الحَقيقةُ، جازَ الجُعلُ على ما ذُكِرَ، وبِه أفتَى ابنُ عَرفةَ، وقَيَّدَ ذلك بما إذا كانَتِ الرُّقيةُ عَربيَّةً أو عَجميَّةً مَعروفةَ المعنَى، مِنْ عَدْلٍ، ولو إجمالًا؛ لِئَلَّا تَكونَ ألفاظًا مُكَفِّرةً (٢).

стр. 5939

وقالَ الآبِيُّ ﵀: لا يَحِلُّ ما يَأخُذُه الذي يَكتُبُ البَراءةَ لِرَدِّ الضَّائِعِ؛ لأنَّه مِنْ السِّحرِ، ثم قالَ: وما يُؤخَذُ على المَعقودِ؛ فإنْ كانَ يَرقِيهِ بالرُّقَى العَرَبيةِ جازَ، وإنْ كانَ بالرُّقَى العجَميَّةِ امتُنِعَ، وفيه خِلافٌ، وكانَ الشَّيخُ -يَعني ابنَ عَرفةَ- يَقولُ: إنْ تَكرَّر مِنه النَّفعُ فذلك جائِزٌ (١). وأمَّا الشَّافِعيَّةُ فقالَ منهم ابنُ حَجَرٍ الهَيتَميُّ ﵀: وعَنِ ابنِ أبي زَيدٍ أيضًا: لا يَجوزُ الجُعلُ على إخراجِ الجانِّ مِنْ الإنسانِ؛ لأنَّه لا يُعرَفُ حَقيقَتُه، ولا يُوقَفُ عليه، ولا يَنبَغي لِأهلِ الوَرَعِ فِعلُه، ولا لِغيرِهم، وكذا الجُعلُ على حَلِّ المَربوطِ والمَسحورِ (٢). سادِسًا: الجُعلُ على مُداوةِ المَريضِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مُشارَطةِ الطَّبيبِ على البُرءِ، هَلْ يَصحُّ أو لا؟ فَذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ -والظَّاهِريَّةُ- إلى أنَّه لا يَصحُّ مُشارَطةُ الطَّبيبِ على البُرءِ أصْلًا؛ لأنَّه بيَدِ اللَّهِ تَعالى، لا بيَدِ أحَدٍ، وإنَّما الطَّبيبُ مُعالِجٌ ومُقَوٍّ لِلطَّبيعةِ بما يُقابِلُ الدَّاءَ، ولا يَعرِفُ كَمِّيَّةَ قُوَّةِ الدَّواءِ مِنْ كَمِّيَّةِ قُوةِ الدَّاءِ، فالبُرءُ لا يَقدِرُ عليه إلَّا اللَّهُ تَعالى، فإنْ أُعطِيَ شَيئًا عندَ البُرءِ بغيرِ شَرطٍ فحَلَالٌ؛ لِأمْرِ النَّبيِّ ﷺ بأخْذِ ما أُعطِيَ المَرءُ مِنْ غيرِ مَسألةٍ. وقالَ الحَنابِلةُ: ما يَتعَدَّى نَفْعُه، كالأذانِ ونحوِه، كَتَعليمِ فِقهٍ وقُرآنٍ وقَضاءٍ وإفتاءٍ ورُقيَةٍ، يَجوزُ؛ لِحَديثِ أبي سَعيدٍ في الرُّقيَةِ، وقَد تَقدَّم.

стр. 5940

وإنْ قالَ: مَنْ داوَى لي هذا الجَريحَ حتى يَبرَأَ مِنْ جُرحِه، أو دَاوَى هذا المَريضَ حتى يَبرَأَ مِنْ مَرَضِه، أو دَاوَى هذا الأرمَدَ حتى يَبرَأَ مِنْ رَمَدِه، فله كذا، لَم يَصحَّ العَقدُ فيها مُطلَقًا، لا إجارةً، ولا جَعالةً، صَحَّحَه في الإنصافِ وغيرِه (١). قالَ المِرداوِيُّ ﵀: فائِدةٌ: لو قالَ: «مَنْ داوَى لي هذا حتى يَبرَأَ مِنْ جُرحِه أو مَرَضِه أو رَمَدِه فله كذا» لَم يَصحَّ مُطلَقًا على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، قدَّمه في الرِّعايتَيْنِ والحاوي الصَّغيرِ والفائِقِ وغيرِها، واختارَه القاضي. وقيلَ: تَصحُّ جَعالةً، اختارَه ابنُ أبي مُوسَى والمُصنِّفُ، نقَله الزَّركَشيُّ في الإجارةِ. وقيلَ: تَصحُّ إجارةً (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقالَ ابنُ أبي مُوسَى: لا بَأْسَ بمُشارَطةِ الطَّبيبِ على البُرءِ؛ لأنَّ أبا سَعيدٍ حينَ رَقَى الرَّجلَ شارَطَه على البُرءِ، والصَّحيحُ إنْ شاءَ اللَّهُ أنَّ هذا يَجوزُ، لكنْ يَكونُ جَعالةً، لا إجارةً، فإنَّ الإجارةَ لا بدَّ فيها مِنْ مُدَّةٍ أو عَمَلٍ مَعلومٍ. فأمَّا الجَعالةُ فتَجوزُ على عَمَلٍ مَجهولٍ، كَرَدِّ اللُّقَطةِ والآبِقِ، وحَديثُ

стр. 5941

أبي سَعيدٍ في الرُّقيَةِ إنَّما كانَ جَعالةً، فيَجوزُ ههُنا مِثلُه (١). وقالَ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ: يَجوزُ أنْ يُجعَلَ لِلطَّبيبِ جُعلٌ على الشِّفاءِ، كما جعَل أهلُ الحَيِّ لِأصحابِ النَّبيِّ ﷺ جُعلًا على الشِّفاءِ بالرُّقيةِ لِسَيِّدِ الحَيِّ الذين استَضافوهم فأبَوْا، ولا يَجوزُ أنْ يُستأجَرَ الطَّبيبُ على الشِّفاءِ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ له، والعَملُ غيرُ مَضبوطٍ له، فبابُ الجَعالةِ أوسَعُ مِنْ بابِ الإجارةِ (٢). واختَلفَ المالِكيَّةُ في مُشارَطةِ الطَّبيبِ على الشِّفاءِ مِنْ المَرَضِ، والمُعلِّمِ على تَحفِيظِ القُرآنِ مثلًا، وفي كِراءِ السُّفُنِ، هَلْ هي إجارةٌ أو جَعالةٌ؟ وهل هي جائِزةٌ أو لا؟ فَقالَ ابنُ الحاجِبِ ﵀: إنَّها تَصحُّ إجارةً وتَصحُّ جَعالةً. وقالَ ابنُ عَبدِ السَّلامِ ﵀: إنَّ هذه الفُروعَ كلَّها مِنْ الإجارةِ فَقط، على الرَّاجِحِ في المَذهبِ، ونَصَّ سَحنونٌ على أنَّ الأصلَ في مُداواةِ المَريضِ الجَعالةُ. قالَ المُتَيطِيُّ ﵀: إنَّما المُجاعَلةُ على أنَّه إنْ بَرِئَ فله كذا، وإنْ لَم يَبرَأْ فلا شَيءَ له، ولِلعُبَيديِّ عن ابنِ القابِسيِّ: أنَّ الدَّواءَ إنَّما يَكونُ مِنْ عِنْدِ العَليلِ، ولو كانَ مِنْ عِنْدِ الطَّبيبِ كانَ غَرَرًا (٣).

стр. 5942

وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفَ قَولُ مالِكٍ في جَوازِ مُعامَلةِ الطَّبيبِ على البُرءِ، فمَرَّةً أجازَ ذلك، ومَرَّةً قالَ: لا يَجوزُ إلَّا إلى مُدَّةٍ مَعلومةٍ (١). وقالَ ابنُ أبي زَيدٍ القَيرَوانيُّ ﵀: ولمَّا كانَتْ مُشارَطةُ الطَّبيبِ على البُرءِ شَبيهةً بمَسألةِ الإجارةِ على التَّعليمِ لِلقُرآنِ على الحُذَّاقِ، باعتِبارِ أنَّه لا شَيءَ لِلعامِلِ إلَّا بالتَّمامِ، ذكَرها عَقِبَها بقَوله: ومُشارَطةُ الطَّبيبِ على البُرءِ جائِزةٌ، والمعنَى أنَّه يَجوزُ مُعاقَدةُ الطَّبيبِ على البُرءِ بأُجرةٍ مَعلومةٍ لِلمتَعاقدَيْنِ؛ فإذا بَرِئَ المَريضُ أخَذَها الطَّبيبُ، وإلَّا لَم يَأخُذْ شَيئًا، واتَّفَقا على أنَّ جَميعَ الدَّواءِ مِنْ عِنْدِ العَليلِ؛ لأنَّه يَجوزُ كَونُه مِنْ عِنْدِ الطَّبيبِ، على أنَّه إنْ بَرِئَ العَليلُ يَدفَعُ الأُجرةَ وثَمَنَ الدَّواءِ، وإنْ لَم يَبرَأْ يَدفَعْ له قِيمةَ الدَّواءِ فَقط، وإنَّما لَم تَجُزْ تلك الصُّورةُ لِأدائِها إلى اجتِماعِ جُعلٍ وبَيعٍ، وهو لا يَجوزُ. والحاصِلُ أنَّ المُعاقَدةَ على حِفظِ القُرآنِ، وعلى البُرءِ، وعلى استِخراجِ الماءِ، وكِراءِ السَّفينةِ، والمُغارَسةِ، وهي إعطاءُ الرَّجلِ أرضَه لمَن يَغرِسُ فيها شَيئًا مِنْ الأشجارِ، وإذا بلَغتْ حَدًّا مَعروفًا تَصيرُ الأرضُ والأشجارُ بينَهما مُشابِهةً لِلإجارةِ والجَعالةِ، وبَيانُ ذلك أنَّه لمَّا كانَ العامِلُ

стр. 5943

لا يَستحقُّ شَيئًا إلَّا بتَمامِ العَملِ، شابَهَتِ الجَعالةَ، ولمَّا كانَ إذا ترَك الأوَّلُ، وأكمَلَ غيرُه العَملَ، يَكونُ لِلأوَل بحِسابِه، لا بنِسبةِ الثَّاني، شابَهَتِ الإجارةَ، ولا يَجوزُ اشتِراطُ النَّقدِ في تلك الحالةِ؛ لِتَردُّدِ المَنقودِ بينَ السَّلَفيَّةِ والثَّمَنيَّةِ. تَنبيهٌ: عُلِمَ ممَّا قَرَّرْنا أنَّ مَوضوعَ كَلامِ المُصنِّفِ فيما إذا تَعاقَدَ على شَرطِ حُصولِ البُرءِ، وأمَّا الاستِئجارُ على المُداواةِ في زَمَنِ المَرَضِ فعلى ثَلاثةِ أقسامٍ هي: قِسمٌ يَجوزُ باتِّفاقٍ، وهو استِئجارُه على مُداواتِه مُدَّةً مَعلومةً بأُجرةٍ مَعلومةٍ، فإنْ تَمَّتِ المُدَّةُ وبَرِئَ، أو لَم يَبرَأْ فله الأُجرةُ كلُّها، وإنْ بَرِئَ في نِصفِ الأجَلِ فله نِصفُ الأُجرةِ، والدَّواءُ مِنْ عِنْدِ العَليلِ، ولا يَجوزُ اشتِراطُ النَّقدِ في تلك الحالةِ؛ لِاحتِمالِ البُرءِ في أثناءِ المُدَّةِ، فتَكونُ سَلَفًا. وَقِسَمانِ فيهِما خِلافٌ: أحَدُهما: أنْ يُعاقِدَه على أنْ يُداويَه مُدَّةً مَعلومةً، والمَسألةُ بحالِها، إلَّا أنَّ الدَّواءَ مِنْ عِنْدِ الطَّبيبِ، فقيلَ: يَجوزُ، وقيلَ: لا يَجوزُ؛ لِمَا فيها مِنْ اجتِماعِ الجُعلِ والبَيعِ. وَالآخَرُ: أنْ يَقولَ له: أُعاقِدُكَ بكذا على عِلاجِ هذا المَريضِ حتى يَبرَأَ، فإنْ بَرِئَ كانَ له الجُعلُ، وإنْ لَم يَبرَأْ فلا شَيءَ له، ويَكونُ الدَّواءُ مِنْ عِنْدِ الطَّبيبِ، فقيلَ: يَجوزُ، وقيلَ: لا يَجوزُ؛ لِمَا فيه مِنْ الغَرَرِ (١).

стр. 5944

وقالَ التُّسُوليُّ ﵀ في «البَهجةِ في شَرحِ التُّحفةِ»: قالَ في «المُتَيْطِيَّةِ»: ويَجوزُ في أحَدِ قولَيْ مالِكٍ أنْ يُجاعَلَ الطَّبيبُ على البُرءِ، والخَصمُ على إدراكِ الحَقِّ، وهو المَعمولُ به عندَ المُوَثَّقِينَ. اه. وَنَحوُه في المَجالِسِ المكناسيةِ، وما تَقدَّم في الطَّبيبِ مَحَلُّه إذا كانَ الدَّواءُ مِنْ عِنْدِ العَليلِ، وإلَّا لَم يَجُزْ؛ لأنَّه غَرَرٌ: إنْ بَرِئَ أخَذَ حَقَّهُ، وإلَّا ذهَب دَواؤُه باطِلًا. قالَ ابنُ ناجي: وبِه حَكَمتُ، ونَظمُه في العَملِ المُطلَقِ (١). وأمَّا الشَّافِعيَّةُ فقالَ قَليوبيٌّ ﵀ في «حاشيَتِه»: يُعتبَرُ في العَملِ مُطلَقًا أنْ يَكونَ فيه كُلفةٌ، كما في الإجارةِ، وألَّا يَكونَ مُتعيَّنًا على العامِلِ، فدخَل نَحوُ مُداواةٍ ورُقيَةٍ وتَخليصٍ مِنْ نحوِ حَبسٍ، وقَضاءِ حاجةٍ، ودَفعِ ظالِمٍ، وإنْ تَعيَّن؛ لأنَّه عارِضٌ، وخرَج نَحوُ رِوايةِ خَبَرٍ ودِلالةٍ على شَخصٍ أو طَريقٍ أو رَدِّ مَغصوبٍ ومُعارِضٍ مِنْ الغاصِبِ والمُعِيرِ، وإنْ كانَ فيهِما كُلفةٌ (٢). وقالَ أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ ﵀: وقالَ الحَسَنُ بنُ حَيٍّ: لا بَأْسَ أنْ يُشارَطَ الطَّبيبُ على البُرءِ، ويُشارَطَ في العَبدِ على تَعليمِه عَملًا؛ فإنْ كانَ ذلك فله الأجرُ المُسمَّى، وإنْ لَم يَكُنْ ذلك فله أجْرُ مِثلِه، وهو قَولُ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ الحَسَنِ. قالَ أبو جَعفَرٍ ﵀: الدَّواءُ في العِلاجِ بمَنزِلةِ الخُيوطِ والخَيَّاطِ (٣).

стр. 5945

الجُعلُ على الخُصومةِ: قالَ أبو القاسِمِ القَيرَوانيُّ ﵀ في «تَهذيبِ المُدوَّنةِ»: وكَرِهَ مالِكٌ الجُعلَ على الخُصومةِ على أنَّه لا يَأخُذُ شَيئًا إلَّا بإدراكِ الحَقِّ، قالَ ابنُ القاسِمِ: فإنْ عمِل على ذلك فله أجْرُ مِثلِه، ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّه جائِزٌ (١). قالَ ابنُ فَرحونٍ ﵀: وإنَّما كَرِهَ مالِكٌ ﵀ ذلك لأنَّها على الشَّرِّ والمُجادَلةِ، ولأنَّها قَدْ تَطولُ ولا يُنجَزُ مِنهَا غَرَضُ الجاعِلِ، ويَذهبُ عَملُه مَجَّانًا، والرِّوايةُ بإجازةِ ذلك لِمَا بالنَّاسِ مِنْ الضَّرورةِ إلى ذلك. وفي «الطُّررِ» قالَ الشَّعبانيُّ ﵀: لا خَيرَ في الوَكالةِ على الخُصومةِ إذا كانَتْ بالأُجرةِ حتى تَنقَطِعَ؛ لأنَّها قَدْ تَطولُ وتَقصُرُ. قالَ: ولو تَوكَّل على أنْ يَحضُرَ مَعه مَجلِسَ السُّلطانِ في كلِّ يَومٍ كذا، يُناظِرُ عنه، كانَ جائِزًا، وإنْ لَم يَعلَمْ قَدْرَ مُقامِه مِنْ السَّاعاتِ، قالَ غيرُه؛ لأنَّ ذلك خَفيفُ القَدْرِ، مُتَقارِبُ الأمْرِ، قالَ: ولو حضَر مَعه اليَومَ فلَمْ يَجلِسْ مَنْ يُخاصِمُ إليه فانتَظَرَه إلى آخِرِ مَجلِسِه وجَب له حَقُّه، وإنِ انصَرَفَ في أوَل ما حضَر بطَل ذلك، ولَم يَكُنْ عليه حُضورُ يَومٍ آخَرَ؛ لأنَّ اليَومَ الذي كانَ أجْرُه فيه قَدْ ذهَب (٢).

стр. 5946

وقالَ التُّسُوليُّ ﵀ في «البَهجةِ في شَرحِ التُّحفةِ»: قالَ في «المُتَيْطِيَّةِ»: وكَرِهَ مالِكٌ الجُعلَ على الخُصومةِ على أنَّه لا يَأخُذُ شَيئًا إلَّا بإدراكِ الحَقِّ؛ لأنَّه لا يُعرَفُ لِفَراغِها غايةٌ، فإنْ عمِل هذا فله أجْرُ مِثلِه. اه (١). الزِّيادةُ والنُّقصانُ في العَملِ: نَصَّ الشَّافِعيَّةُ على أنَّه يَجوزُ لِلمالِكِ أنْ يَزيدَ ويَنقُصَ في العَملِ، سَواءٌ أكان قبلَ شُروعِ العامِلِ أم بعدَه. فَلَو زادَ المالِكُ في العَملِ ولَم يَرضَ العامِلُ بالزِّيادةِ ففسَخ لِذلك، فله أُجرةُ المِثلِ؛ لأنَّ المالِكَ هو الذي ألجَأه لِذلك. وَقَولُ الإسنَويِّ وقياسُه إذا نَقَصَ مِنْ الجُعلِ مَمنوعٌ، وإنْ كانَ الحُكمُ صَحيحًا؛ لأنَّ النَّقصَ فَسخٌ، فهو فَسخٌ مِنْ المالِكِ، لا مِنْ العامِلِ (٢).

стр. 5947

الرُّكنُ الرَّابِعُ: الجُعلُ، وهو المَعقودُ بهِ: يُشترَطُ في الجُعلِ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ بعضُ شُروطٍ: الشَّرطُ الأوَّلُ: أنْ يَكونَ مَعلومًا: اختَلفَ الفُقهاءُ في العِوَضِ في الجَعالةِ، هَلْ يُشترَطُ أنْ يَكونَ مَعلومًا أو يَصحُّ مَجهولًا؟ فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشترَطُ في الجُعلِ أنْ يَكونَ مَعلومًا، فلا يَصحُّ مَجهولًا، كالإجارةِ وغيرِها مِنْ العُقودِ؛ لأنَّ الجَعالةَ كالإجارةِ والجُعلَ كالأُجرةِ، وحِمْلُ البَعيرِ في الآيةِ مَعلومٌ عندَهم، والقِياسُ على العَملِ لا يَصحُّ، والفَرقُ بينَ العَملِ والعِوَضِ مِنْ وَجهَيْنِ: أحَدُهما: أنَّ الحاجةَ تَدْعو إلى كَونِ العَملِ مَجهولًا، بألَّا يَعلَمَ مَوضِعَ الضَّالَّةِ والآبِقِ، ولا حاجةَ إلى جَهالةِ العِوَضِ. والآخَرُ: أنَّ العَملَ لا يَصيرُ لَازِمًا، فلَمْ يَجِبْ كَونُه مَعلومًا، والعِوَضُ يَصيرُ لَازِمًا بإتمامِ العَملِ، فوجَب كَونُه مَعلومًا. وذهَب الحَنابِلةُ في احتِمالٍ -كما تَقدَّم- كما يَقولُ ابنُ قُدامةَ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ العِوَضُ مَجهولًا، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُحتمَلُ أنْ تَجوزَ الجَعالةُ مَع جَهالةِ العِوَضِ، إذا كانَتِ الجَهالةُ لا تَمنَعُ التَّسليمَ، نحوَ أنْ يَقولَ: مَنْ رَدَّ عَبدِي الآبِقَ فله نِصفُه، ومَن رَدَّ ضالَّتي فله ثُلُثُها، فإنَّ أحمدَ

стр. 5948

قالَ: إذا قالَ الأميرُ في الغَزوِ: مَنْ جاءَ بعَشَرةِ رُؤُوسٍ فله رَأْسٌ، جازَ، وقالوا: إذا جعَل جُعلًا لمَن يَدُلُّه على قَلعَةٍ أو طَريقٍ سَهلٍ، وكانَ الجُعلُ مِنْ مالِ الكُفَّارِ، جازَ أنْ يَكونَ مَجهولًا، كَجاريةٍ يُعيِّنُها العامِلُ، فتُخَرَّج ههُنا مثلَه، فأمَّا إنْ كانَتِ الجَهالةُ تَمنَعُ التَّسليمَ، لَم تَصِحَّ الجَعالةُ وَجهًا واحِدًا (١)، وهو أيضًا قَولٌ لِلشَّافِعيةِ، حَكاه عُمَيرةُ في حاشِيَتِه (٢). قالَ المالِكيَّةُ: يُشترَطُ في الجُعلِ أنْ يَكونَ مَعلومًا، فلا يَصحُّ بالمَجهولِ؛ لأنَّ الجَعالةَ كالإجارةِ، والجُعلَ كالأُجرةِ. قالَ أبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ القُرطُبيُّ ﵀: مَسألةٌ: قُلتُ: فرَجُلٌ قالَ لِرَجُلٍ: صِحْ على هذه السِّلعةِ، فإنْ بِعتَها بعَشَرةِ دَنانيرَ، فلكَ مِنْ كلِّ دِينارٍ سُدُسُه. قالَ: هذا حَلالٌ، لا بَأْسَ بهِ؛ لأنَّه قالَ له: إنْ بِعتَ هذه السِّلعةَ بعَشَرةِ دَنانيرَ فلكَ دِينارٌ وثُلُثانِ. قُلتُ: فإنْ باعَها بأكثَرَ مِنْ عَشَرةٍ؟ قالَ: فليسَ له إلَّا الدِّينارُ والثُّلُثانِ، الجُعلُ الذي جُعِلَ له أوَّلًا، وإنْ باعَها بعِشرينَ. قُلتُ: أفَيَجُوزُ له أنْ يَقولَ: بِعْ وصِحْ على هذه السِّلعةِ، فما بِعتَها به مِنْ دِينارٍ، فلكَ مِنْ كلِّ دِينارٍ سُدُسُه، ولَم يُوَقِّتْ له ثَمَنًا؟ قالَ: هذا حَرامٌ لا خَيرَ فيه. قالَ مُحمَّدُ بنُ رُشدٍ: هذا بيِّن على ما قالَ؛ لأنَّ مِنْ شُروطِ صِحَّةِ الجُعلِ أنْ يَكونَ الجُعلُ مَعلومًا؛ فإذا كانَ الجُعلُ ثابِتًا لا يَزيدُ بزِيادةِ الثَّمَنِ، ولا

стр. 5949

يَنقُصُ بنُقصانِه جازَ، وإنْ كانَ يَزيدُ بزِيادَتِه ويَنقُصُ بنُقصانِه لَم يَجُزْ؛ لأنَّه مَجهولٌ، وبِاللَّهِ التَّوفيقُ (١). وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: ومَن قالَ: مَنْ جاءَني بعَبدي الآبِقِ فله نِصفُه، لَم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يَدْري ما دَخْلُه، فإنْ جاءَ به فله أجْرُ مِثلِه، وإلَّا فلا شَيءَ له. قالَ عَبدُ الحَقِّ ﵀: إنْ قدِم به فهَلكَ بيَدِه فله قِيمةُ عَنائِه في طَلَبِه، ونِصفُ قِيمةِ عَنائِه في رُجوعِه لو ثَبَتَ هَلاكُه، ولِرَبِّه عليه قِيمةُ نِصفِ عَبدِه يَومَ قَبضِه، وهو جُعلٌ فاسِدٌ على سَمعِ ابنِ القاسِمِ، مَنْ جاعَلَ في آبِقٍ له فقالَ: إنْ وَجَدتَه فلكَ كذا وكذا، وإنْ لَم تَجِدْه فلكَ نَفقَتُكَ وطَعامُكَ وكِسوَتُكَ، لا خَيرَ فيه. قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: إنْ وقَع فله جُعلُ مِثلِه إنْ وجَده، وإنْ لَم يَجِدْه فله أجْرُ مِثلِه. ورَوى أصبَغُ عن ابنِ القاسِمِ: لا أجْرَ له. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀ في رَدِّ فاسِدِ الجُعلِ لِحُكمِ نَفْسِه: إنْ أتَى به فله جُعلُ مِثلِه، وإلَّا فلا شَيءَ له، أوِ الحُكمُ الإجارةُ، له أجْرُ مِثلِه، وإنْ لَم يَأتِ به، ثالِثُها: هذا إنِ التُزِمَ له عِوَضٌ، وإنْ لَم يَأتِ به كَهذه المَسألةِ، وإلَّا فالأوَّلُ وَجهُ الأوَل، بِناءً على جَعلِ دَليلِ الجُعلِ أصلًا في نَفْسِه، والثَّاني على جَعلِه إيَّاه نَوعًا مِنْ الإجارةِ، إجارةً ذاتَ غَرَرٍ بشُروطٍ، والثَّالثُ على أنَّ لُزومَ

стр. 5950

العِوَضِ في حالَتَيْه قَوَّى شَبَهَهُ بالإجارةِ، وهذا أظهَرُها، واختارَه ابنُ حَبيبٍ، وحَكاه عن مالِكِ والأخَوَيْنِ. والأقوالُ الثَّلاثةُ راجِعةٌ لِأصْلٍ، وجاريةٌ على قِياسٍ، وقَولُ ابنِ القاسِمِ في هذا السَّماعِ: له جُعلُ مِثلِه إنْ وجَده، وأجْرُ مِثلِه إنْ لَم يَجِدْه لا يَرجِعُ لِأصلٍ، ولا يَجري على قِياسٍ، وكذا قَوله في المُدوَّنةِ: في إنْ جِئتَ بعَبدِي الآبِقِ فلكَ نِصفُه، له أجْرُ مِثلِه إنْ أتَى به، وإنْ لَم يَأتِ به فلا جُعلَ له، ولا إجارةَ، ولا حَظَّ له في نَظَرٍ ولا قِياسٍ. قالَ ابنُ عَبدِ السَّلامِ ﵀: معنَى قَوله فيها: إنْ جاءَ به فله أجْرُ مِثلِه أنَّه إنْ أتَى به، وإنْ لَم يَأتِ به فلا جُعلَ، ولا إجارةَ، عندَ المُحقِّقينَ له جُعلُ مِثلِه؛ لأنَّ أجْرَ المِثلِ يَجِبُ، ولو لَم يَظهَرْ لِعَملِه فائِدةٌ، وجُعلُ مِثلِه لا يَجِبُ حتى يَظهَرَ له فائِدةٌ، وهي الإتيانُ بالآبِقِ، ولمَّا علَّق وُجوبَ العِوَضِ مِنه على إتيانِه به دَلَّ على أنَّه أطلَقَ لَفظَ الأجْرِ على الجُعلِ مَجازًا. قُلتُ: ما عَزاه لِلمُحقِّقِينَ هو ما تَقدَّم لِعَبدِ الحَقِّ، وهو خِلافُ ما تَقدَّم لِابنِ رُشدٍ، ودَليلُ ابنِ رُشدٍ قَولُه في «المُدوَّنةِ»: لا جُعلَ له، ولا إجارةَ، فعَطفُه الإجارةَ على الجُعلِ ظاهِرٌ في عَدمِ إرادَتِه بالإجارةِ الجُعلَ. قالَ اللَّخميُّ ﵀ في «المُوازيةِ»: مَنْ جعَل في آبِقٍ أو في اقتِضاءِ دَيْنٍ جُعلًا، فإنْ لَم يَجِدْه، أو لَم يَقبِضِ الدَّيْنَ فله نَفقَتُه، فَسَدَ، وإنْ وجَده أو اقتَضاه فله جُعلُ مِثلِه، وإلَّا فلا شَيءَ له. وقالَ في «العُتبِيَّةِ»: إنْ لَم يَجِدْه فله أجْرُ مِثلِه، فرَدَّه لِلإجارةِ الفاسِدةِ لمَّا

стр. 5951

جعَل له جُعلًا ثانيًا على كلِّ حالٍ، ورَدَّه في القَولِ الآخَرِ إلى الجُعلِ الفاسِدِ، وأنْ لا شَيءَ له إنْ لَم يَجِدْهُ؛ يُريدُ: إنْ كانَتِ النَّفَقةُ يَسيرةً في قَدْرِ الجُعلِ. وقالَ ابنُ زَرْقونٍ ﵀: في الحُكمِ له بحُكمِ الجُعلِ أو الإجارةِ مُطلَقًا: ثالِثُها: إنْ جاءَ به فالأوَّلُ، وإلَّا فالثَّاني، وَرابِعُها: عَكسُه لِرِوايةِ الواضِحةِ والأخَوَيْنِ وابنِ القاسِمِ ولها. قُلتُ: وخامِسُها: ثالِثُ نَقلِ ابنِ رُشدٍ. وَسادِسُها: إنْ كانَ ما التَزَمَ على إنْ لَم يَأتِ به يَسيرًا فالأوَّلُ، وإلَّا فالثَّاني لِتَفسيرِ اللَّخميِّ ما تَقدَّم. وَسُمِعَ عيسَى بنُ القاسِمِ في جُعلِ الرَّجلِ على آبِقَيْنِ له عَشَرةُ دَنانيرَ: لا أُحِبُّه حتى يَجعَلَ في كلِّ واحِدٍ جُعلًا مَعروفًا، فإنْ نَزَلَ الأوَّلُ وأتَى بأحَدِهِما فله مِنْ الجُعلِ بقَدْرِ قِيمةِ الذي أتَى به مِنْ مَجموعِ قِيمتَيْهما. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: هذا خِلافُ قَولِ ابنِ القاسِمِ فيها، له قِيمةُ عَملِه على قَدْرِ عَنائِه، وطَلَبِه. وَقَولُ ابنِ نافِعٍ ﵀ فيها: له نِصفُ العَشَرةِ. قالَ: والجُعلُ عليهما لا يَخلو مِنْ أربَعةِ أوْجُهٍ، فإنْ جعَل فيهِما جُعلًا واحِدًا، على أنْ لا شَيءَ له إلَّا أنْ يَأتيَ بهِما معًا، فَسَدَ اتِّفاقًا. وفيهِ: إنْ وقَع ما تَقدَّم في الفاسِدِ، فإنْ كانَ على إنْ أتَى بأحَدِهِما فله نِصفُ الجُعلِ، أو على إنْ أتَى بفُلانٍ مِنهُما فله مِنه كذا، وإنْ أتَى بالآخَرِ فله مِنه كذا، جائِزٌ.

стр. 5952

قُلتُ: زادَ التُّونِسيُّ ﵀: إنْ عيَّن لكُلٍّ مِنهُما بعَينِه قَدْرًا مِنْ الجُعلِ مُتَفاوِتًا جازَ، إنْ عرَفَهُما المَجعولُ له، فإنْ جَهِلهُما ففي جَوازِه قَولانِ، الأظهَرُ الثَّاني. قالَ اللَّخميُّ ﵀: إنِ اختَلفَ الجُعلُ فيهِما فأجازَه في المُوازيةِ، ولو جَهِلَهُما، ومَنْعُه أحرَى، وهو أشبَهُ، ولو استَوَى واختَلفَ قِيمَتُهما فأجازَه في المُوازيةِ، ومَنعَه في غيرِها. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: فيمَن أتَى به مِنهُما ما يَقَعُ له مِنْ الجُعلِ بقَدْرِ قِيمَتِه مِنْ قِيمةِ صاحِبِه فأوجَبَ له في الذي أتى به منهُما ما يَقَعُ له مِنْ الجُعلِ، على ما ظهَر إليه مِنْ قَصدِهِما على أحَدِ قولَيْه في إجازةِ جَمْعِ الرَّجلَيْنِ سِلعتَيْهِما في البَيعِ (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ لصحَّةِ الجَعالةِ كَونُ الجُعلِ مالًا مَعلومًا جِنسًا وصِفةً وقَدْرًا، كالثَّمَنِ؛ لأنَّه عِوَضٌ، كالأُجرةِ والمَهرِ، ولأنَّه عَقدٌ جُوِّزَ لِلحاجةِ، ولا حاجةَ؛ لِجَهالةِ العِوَضِ، بخِلافِ العَملِ والعامِلِ. فَلَو كانَ مَجهولًا، كَأنْ قالَ: مَنْ رَدَّ عَبدي مثلًا فله ثَوبٌ أو سأُرضيه، أو نحوَه، أو كانَ الجُعلُ خَمرًا أو مَغصوبًا، فَسَدَ العَقدُ؛ لِجَهلِ الجُعلِ، أو نَجاسةِ عَيْنِه، أو عَدمِ القُدرةِ على تَسليمِه، ولِلرَّادِّ أُجرةُ مِثلِه، كالإجارةِ الفاسِدةِ.

стр. 5953

واستُثنِيَ مِنْ هُنا صُورَتانِ: الأُولَى: ما إذا قالَ: حُجَّ عَنِّي وأُعطيكَ نَفقَتَك، فإنَّه يَجوزُ مَع جَهالَتِها، كما جَزَمَ به الرَّافِعيُّ في الشَّرحِ الصَّغيرِ، والمُصنِّفُ في الرَّوضةِ، وقيلَ: إنَّ هذه أرزاقٌ، لا جَعالةٌ، وإنَّما يَكونُ جَعالةً إذا جعَله عِوَضًا، فقالَ: حُجَّ عَنِّي بنَفقَتِك، وقَد صرَّح الماوَرديُّ في هذه الصُّورةِ بأنَّها جَعالةٌ فاسِدةٌ، ونَصَّ عليه في الأُمِّ. الثَّانيةُ: ما إذا جعَل الإمامُ لمَن دَلَّه على قَلعةِ الكُفَّارِ جُعلًا؛ فإنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ مَجهولًا؛ لِلحاجةِ إليه. ولو وُصِفَ الجُعلُ بما يُفيدُ العِلمَ، استَحقَّه العامِلُ. ولو قالَ: مَنْ رَدَّ رَقيقي مثلًا فله ثِيابُه، أو رُبُعُه، استَحقَّ المَشروطَ إنْ علِمه، وإلَّا استَحقَّ أُجرةَ المِثلِ. وَهَل يَكفي الوَصفُ في الرَّقيقِ أو لا لِتَفاوُتِ الأغراضِ؟ فيه خِلافٌ، والذي يَنبَغي أنَّه -إنْ وَصَفَه بمَا يُفيدُ العِلمَ- الصِّحَّةُ. والِاعتِبارُ بأُجرةِ المِثلِ بالزَّمانِ الذي حصَل فيه كلُّ العَملِ، لا بالزَّمانِ الذي حصَل فيه التَّسليمُ (١).

стр. 5954

وأمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ المِرداويُّ ﵀: يُشترَطُ أنْ يَكونَ العِوَضُ مَعلومًا، كالأُجرةِ، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وعليه الأصحابُ. وقالَ المُصنِّفُ ﵀ في «المُغني»: ويُحتمَلُ أنْ تَصِحَّ الجَعالةُ مَع الجَهلِ بالعِوَضِ، إذا كانَ الجَهلُ لا يَمنَعُ التَّسليمَ، نحوَ أنْ يَقولَ: مَنْ رَدَّ عَبدِي الآبِقَ فله نِصفُه، ومَن رَدَّ ضالَّتي فله ثُلُثُها. قالَ الإمامُ أحمَدُ ﵀: إذا قالَ الأميرُ في الغَزوِ: مَنْ جاءَ بعَشَرةِ رُؤُوسٍ فله رَأْسٌ، جازَ. وَقالوا: إذا جعَل جُعلًا لمَن يَدُلُّه على قَلعةٍ، أو طَريقٍ سَهلٍ، وكانَ الجُعلُ مِنْ مالِ الكُفَّارِ، كَجاريةٍ بعَينِها، جازَ، فيُخَرَّج هُنا مِثلُه، انتَهَى. وقالَ الحارِثيُّ ﵀: يُشترَطُ كَونُ الجُعلِ مَعلومًا، فإنْ شرَط عِوَضًا مَجهولًا فَسَدَ العَقدُ. وإنْ قالَ: فلكَ ثُلُثُ الضَّالَّةِ، أو رُبُعُها، صَحَّ على ما نَصَّ عليه في الثَّوبِ يُنسَجُ بثُلُثِه، والزَّرعِ يُحصَدُ، والنَّخلِ يُصرَمُ بسُدُسِه، لا بَأْسَ به، وفي الغَزوِ مَنْ جاءَ بعَشَرةِ أرْؤُسٍ فله رَأسٌ، جازَ. وَعندَ المُصنِّفِ ﵀ لا يَصحُّ، ولِلعامِلِ أُجرةُ المِثلِ، والأوَّلُ المَذهبُ. وذكَر المُصنِّفُ ﵀ في أصْلِ المَسألةِ وَجهًا بجَوازِ الجَهالةِ التي لا تَمنَعُ التَّسليمَ، ونُظر بمَسألةِ الثُّلُثِ، واستُشهِدَ بنَصِّه الذي حَكَيْناه في الغَزوِ، وبِما إذا جعَل جُعلًا لمَن يَدُلُّه على قَلعةٍ أو طَريقٍ سَهلٍ، وكانَ الجُعلُ مِنْ

стр. 5955

مالِ الكُفَّارِ جازَ أنْ يَكونَ مَجهولًا، كَجاريةٍ يُعيِّنُها لِلعامِلِ، قالَ: فيُخرَّج هُنا مِثلُه. انتَهَى. وَقَدْ قطَع في الرِّعايتَيْنِ والحاوي الصَّغيرِ مَع اشتِراطِهم أنْ يَكونَ الجُعلُ مَعلومًا، فظاهِرُه جَعْلُ جُزءٍ مَشاعٍ مِنْ الضَّالَّةِ ليسَ بمَجهولٍ. فائِدةٌ: إذا كانَتِ الجَهالةُ تَمنَعُ التَّسليمَ لَم تَصِحَّ الجَعالةُ، قَولًا واحِدًا، ويَستحقُّ أُجرةَ المِثلِ مُطلَقًا، وكذا إنْ كانَتْ لا تَمنَعُ التَّسليمَ على المَذهبِ، كما تَقدَّم، وله أُجرةُ المِثلِ (١). الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكونَ جائِزًا بَيعُه والاستِئجارُ بهِ: اشترَطَ الفُقهاءُ في العِوَضِ في الجَعالةِ أنْ يَكونَ ممَّا يَجوزُ بَيعُه والِاستِئجارُ به، فلا يَصحُّ أنْ يَكونَ مَيْتةً ولا خَمرًا ولا مَغصوبًا ولا شَيئًا لا يَجوزُ بَيعُه، فكلُّ ما جازَ أنْ يَكونَ عِوَضًا في الإجارةِ جازَ أنْ يَكونَ عِوَضًا في الجَعالةِ، وتَزيدُ الجَعالةُ أيضًا. قالَ المالِكيَّةُ: كلُّ ما جازَ بَيعُه جازَ الِاستِئجارُ به، وأنْ يُجعَلَ جُعلًا، وما لَم يَجُزْ بَيعُه لَم يَجُزْ الِاستِئجارُ به، ولا جَعلُه جُعلًا، إلَّا خَصلَتَيْنِ: في الذي يَجعَلُ لِرَجُلٍ على أنْ يَغرِسَ له أُصولًا حتى تَبلُغَ حَدَّ كذا، ثم هي والأصْلُ بينَهما، فإنَّ نِصفَ هذا لا يَجوزُ بَيعُه.
следующие страницы →