← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

جعَل له جُعلًا ثانيًا على كلِّ حالٍ، ورَدَّه في القَولِ الآخَرِ إلى الجُعلِ الفاسِدِ، وأنْ لا شَيءَ له إنْ لَم يَجِدْهُ؛ يُريدُ: إنْ كانَتِ النَّفَقةُ يَسيرةً في قَدْرِ الجُعلِ. وقالَ ابنُ زَرْقونٍ ﵀: في الحُكمِ له بحُكمِ الجُعلِ أو الإجارةِ مُطلَقًا: ثالِثُها: إنْ جاءَ به فالأوَّلُ، وإلَّا فالثَّاني، وَرابِعُها: عَكسُه لِرِوايةِ الواضِحةِ والأخَوَيْنِ وابنِ القاسِمِ ولها. قُلتُ: وخامِسُها: ثالِثُ نَقلِ ابنِ رُشدٍ. وَسادِسُها: إنْ كانَ ما التَزَمَ على إنْ لَم يَأتِ به يَسيرًا فالأوَّلُ، وإلَّا فالثَّاني لِتَفسيرِ اللَّخميِّ ما تَقدَّم. وَسُمِعَ عيسَى بنُ القاسِمِ في جُعلِ الرَّجلِ على آبِقَيْنِ له عَشَرةُ دَنانيرَ: لا أُحِبُّه حتى يَجعَلَ في كلِّ واحِدٍ جُعلًا مَعروفًا، فإنْ نَزَلَ الأوَّلُ وأتَى بأحَدِهِما فله مِنْ الجُعلِ بقَدْرِ قِيمةِ الذي أتَى به مِنْ مَجموعِ قِيمتَيْهما. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: هذا خِلافُ قَولِ ابنِ القاسِمِ فيها، له قِيمةُ عَملِه على قَدْرِ عَنائِه، وطَلَبِه. وَقَولُ ابنِ نافِعٍ ﵀ فيها: له نِصفُ العَشَرةِ. قالَ: والجُعلُ عليهما لا يَخلو مِنْ أربَعةِ أوْجُهٍ، فإنْ جعَل فيهِما جُعلًا واحِدًا، على أنْ لا شَيءَ له إلَّا أنْ يَأتيَ بهِما معًا، فَسَدَ اتِّفاقًا. وفيهِ: إنْ وقَع ما تَقدَّم في الفاسِدِ، فإنْ كانَ على إنْ أتَى بأحَدِهِما فله نِصفُ الجُعلِ، أو على إنْ أتَى بفُلانٍ مِنهُما فله مِنه كذا، وإنْ أتَى بالآخَرِ فله مِنه كذا، جائِزٌ.

стр. 5952

قُلتُ: زادَ التُّونِسيُّ ﵀: إنْ عيَّن لكُلٍّ مِنهُما بعَينِه قَدْرًا مِنْ الجُعلِ مُتَفاوِتًا جازَ، إنْ عرَفَهُما المَجعولُ له، فإنْ جَهِلهُما ففي جَوازِه قَولانِ، الأظهَرُ الثَّاني. قالَ اللَّخميُّ ﵀: إنِ اختَلفَ الجُعلُ فيهِما فأجازَه في المُوازيةِ، ولو جَهِلَهُما، ومَنْعُه أحرَى، وهو أشبَهُ، ولو استَوَى واختَلفَ قِيمَتُهما فأجازَه في المُوازيةِ، ومَنعَه في غيرِها. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: فيمَن أتَى به مِنهُما ما يَقَعُ له مِنْ الجُعلِ بقَدْرِ قِيمَتِه مِنْ قِيمةِ صاحِبِه فأوجَبَ له في الذي أتى به منهُما ما يَقَعُ له مِنْ الجُعلِ، على ما ظهَر إليه مِنْ قَصدِهِما على أحَدِ قولَيْه في إجازةِ جَمْعِ الرَّجلَيْنِ سِلعتَيْهِما في البَيعِ (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ لصحَّةِ الجَعالةِ كَونُ الجُعلِ مالًا مَعلومًا جِنسًا وصِفةً وقَدْرًا، كالثَّمَنِ؛ لأنَّه عِوَضٌ، كالأُجرةِ والمَهرِ، ولأنَّه عَقدٌ جُوِّزَ لِلحاجةِ، ولا حاجةَ؛ لِجَهالةِ العِوَضِ، بخِلافِ العَملِ والعامِلِ. فَلَو كانَ مَجهولًا، كَأنْ قالَ: مَنْ رَدَّ عَبدي مثلًا فله ثَوبٌ أو سأُرضيه، أو نحوَه، أو كانَ الجُعلُ خَمرًا أو مَغصوبًا، فَسَدَ العَقدُ؛ لِجَهلِ الجُعلِ، أو نَجاسةِ عَيْنِه، أو عَدمِ القُدرةِ على تَسليمِه، ولِلرَّادِّ أُجرةُ مِثلِه، كالإجارةِ الفاسِدةِ.

стр. 5953

واستُثنِيَ مِنْ هُنا صُورَتانِ: الأُولَى: ما إذا قالَ: حُجَّ عَنِّي وأُعطيكَ نَفقَتَك، فإنَّه يَجوزُ مَع جَهالَتِها، كما جَزَمَ به الرَّافِعيُّ في الشَّرحِ الصَّغيرِ، والمُصنِّفُ في الرَّوضةِ، وقيلَ: إنَّ هذه أرزاقٌ، لا جَعالةٌ، وإنَّما يَكونُ جَعالةً إذا جعَله عِوَضًا، فقالَ: حُجَّ عَنِّي بنَفقَتِك، وقَد صرَّح الماوَرديُّ في هذه الصُّورةِ بأنَّها جَعالةٌ فاسِدةٌ، ونَصَّ عليه في الأُمِّ. الثَّانيةُ: ما إذا جعَل الإمامُ لمَن دَلَّه على قَلعةِ الكُفَّارِ جُعلًا؛ فإنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ مَجهولًا؛ لِلحاجةِ إليه. ولو وُصِفَ الجُعلُ بما يُفيدُ العِلمَ، استَحقَّه العامِلُ. ولو قالَ: مَنْ رَدَّ رَقيقي مثلًا فله ثِيابُه، أو رُبُعُه، استَحقَّ المَشروطَ إنْ علِمه، وإلَّا استَحقَّ أُجرةَ المِثلِ. وَهَل يَكفي الوَصفُ في الرَّقيقِ أو لا لِتَفاوُتِ الأغراضِ؟ فيه خِلافٌ، والذي يَنبَغي أنَّه -إنْ وَصَفَه بمَا يُفيدُ العِلمَ- الصِّحَّةُ. والِاعتِبارُ بأُجرةِ المِثلِ بالزَّمانِ الذي حصَل فيه كلُّ العَملِ، لا بالزَّمانِ الذي حصَل فيه التَّسليمُ (١).

стр. 5954

وأمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ المِرداويُّ ﵀: يُشترَطُ أنْ يَكونَ العِوَضُ مَعلومًا، كالأُجرةِ، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وعليه الأصحابُ. وقالَ المُصنِّفُ ﵀ في «المُغني»: ويُحتمَلُ أنْ تَصِحَّ الجَعالةُ مَع الجَهلِ بالعِوَضِ، إذا كانَ الجَهلُ لا يَمنَعُ التَّسليمَ، نحوَ أنْ يَقولَ: مَنْ رَدَّ عَبدِي الآبِقَ فله نِصفُه، ومَن رَدَّ ضالَّتي فله ثُلُثُها. قالَ الإمامُ أحمَدُ ﵀: إذا قالَ الأميرُ في الغَزوِ: مَنْ جاءَ بعَشَرةِ رُؤُوسٍ فله رَأْسٌ، جازَ. وَقالوا: إذا جعَل جُعلًا لمَن يَدُلُّه على قَلعةٍ، أو طَريقٍ سَهلٍ، وكانَ الجُعلُ مِنْ مالِ الكُفَّارِ، كَجاريةٍ بعَينِها، جازَ، فيُخَرَّج هُنا مِثلُه، انتَهَى. وقالَ الحارِثيُّ ﵀: يُشترَطُ كَونُ الجُعلِ مَعلومًا، فإنْ شرَط عِوَضًا مَجهولًا فَسَدَ العَقدُ. وإنْ قالَ: فلكَ ثُلُثُ الضَّالَّةِ، أو رُبُعُها، صَحَّ على ما نَصَّ عليه في الثَّوبِ يُنسَجُ بثُلُثِه، والزَّرعِ يُحصَدُ، والنَّخلِ يُصرَمُ بسُدُسِه، لا بَأْسَ به، وفي الغَزوِ مَنْ جاءَ بعَشَرةِ أرْؤُسٍ فله رَأسٌ، جازَ. وَعندَ المُصنِّفِ ﵀ لا يَصحُّ، ولِلعامِلِ أُجرةُ المِثلِ، والأوَّلُ المَذهبُ. وذكَر المُصنِّفُ ﵀ في أصْلِ المَسألةِ وَجهًا بجَوازِ الجَهالةِ التي لا تَمنَعُ التَّسليمَ، ونُظر بمَسألةِ الثُّلُثِ، واستُشهِدَ بنَصِّه الذي حَكَيْناه في الغَزوِ، وبِما إذا جعَل جُعلًا لمَن يَدُلُّه على قَلعةٍ أو طَريقٍ سَهلٍ، وكانَ الجُعلُ مِنْ

стр. 5955

مالِ الكُفَّارِ جازَ أنْ يَكونَ مَجهولًا، كَجاريةٍ يُعيِّنُها لِلعامِلِ، قالَ: فيُخرَّج هُنا مِثلُه. انتَهَى. وَقَدْ قطَع في الرِّعايتَيْنِ والحاوي الصَّغيرِ مَع اشتِراطِهم أنْ يَكونَ الجُعلُ مَعلومًا، فظاهِرُه جَعْلُ جُزءٍ مَشاعٍ مِنْ الضَّالَّةِ ليسَ بمَجهولٍ. فائِدةٌ: إذا كانَتِ الجَهالةُ تَمنَعُ التَّسليمَ لَم تَصِحَّ الجَعالةُ، قَولًا واحِدًا، ويَستحقُّ أُجرةَ المِثلِ مُطلَقًا، وكذا إنْ كانَتْ لا تَمنَعُ التَّسليمَ على المَذهبِ، كما تَقدَّم، وله أُجرةُ المِثلِ (١). الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكونَ جائِزًا بَيعُه والاستِئجارُ بهِ: اشترَطَ الفُقهاءُ في العِوَضِ في الجَعالةِ أنْ يَكونَ ممَّا يَجوزُ بَيعُه والِاستِئجارُ به، فلا يَصحُّ أنْ يَكونَ مَيْتةً ولا خَمرًا ولا مَغصوبًا ولا شَيئًا لا يَجوزُ بَيعُه، فكلُّ ما جازَ أنْ يَكونَ عِوَضًا في الإجارةِ جازَ أنْ يَكونَ عِوَضًا في الجَعالةِ، وتَزيدُ الجَعالةُ أيضًا. قالَ المالِكيَّةُ: كلُّ ما جازَ بَيعُه جازَ الِاستِئجارُ به، وأنْ يُجعَلَ جُعلًا، وما لَم يَجُزْ بَيعُه لَم يَجُزْ الِاستِئجارُ به، ولا جَعلُه جُعلًا، إلَّا خَصلَتَيْنِ: في الذي يَجعَلُ لِرَجُلٍ على أنْ يَغرِسَ له أُصولًا حتى تَبلُغَ حَدَّ كذا، ثم هي والأصْلُ بينَهما، فإنَّ نِصفَ هذا لا يَجوزُ بَيعُه.

стр. 5956

وفي الذي يَقولُ: القُطْ زَيتُونِي، فما لَقَطتَ مِنْ شَيءٍ فلَك نِصفُه، فإنَّ هذا يَجوزُ، وبَيعُه لا يَجوزُ. قالَ ابنُ لُبابةَ ﵀: وقَد رُوِيَ عن مالِكٍ أنَّه لا يَجوزُ، ولَم يَختلِفْ قَولُ مالِكٍ في الرَّجلِ يَكونُ له على الرَّجلِ مِئةَ دِينارٍ، فيَقولُ: ما اقتَضَيتَ مِنْ شَيءٍ مِنْ دَيْنِي فلكَ نِصفُه، أنَّه لا يَجوزُ، وهُما سَواءٌ. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: ما هُما سَواءً، والأظهَرُ مِنْ القولَيْنِ أنَّه لا يَجوزُ المُجاعَلةُ على لَقْطِ الزَّيتونِ بالجُزءِ مِنهُ؛ لأنَّ أوله أهوَنُ مِنْ آخِرِه، ولا تَجوزُ في ذلك إلَّا الإجارةُ على جَميعِه، بأنْ يَقولَ: القُطْه كلَّه ولكَ نِصفُه، أو ثُلُثُه. وأمَّا المُجاعَلةُ على اقتِضاءِ الدَّيْنِ بجُزءٍ ممَّا يُقتَضَى مِنه، فأشهَبُ لا يُجيزُه، والأظهَرُ أنَّه جائِزٌ؛ إذْ لا فَرقَ بينَ أوَله وآخِرِه في العَناءِ في اقتِضائِه. وأمَّا الحَصادُ والجِدادُ فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في جَوازِ المُجاعَلةِ فيه على الجُزءِ مِنه بأنْ يَقولَ له: جُدَّ مِنْ نَخلي ما شِئتَ، أو احصُدْ مِنْ زَرعي ما شِئتَ على أنْ لكَ مِنْ كلِّ ما تَحصُدُ أو تَجُدُّ جُزءَ كذا، لِجُزءٍ يُسَمِّيه، ووَجهُ جَوازِ ذلك باتِّفاقٍ هو أنَّ الحُكمَ فيه أنَّ الجُعلَ عليه لا يَلزَمُ واحِدًا مِنهُما، ولِلمَجعولِ له أنْ يُخرِجَ متى شاءَ، ولِلجاعِلِ أنْ يُخرِجَه متى شاءَ؛ إذْ لو كانَ الحُكمُ فيه أنْ يَلزَمَ الجاعِلَ، ولا يَلزَمَ المَجعولَ له، لَمَا جازَ؛ لأنَّ الجُعلَ يَكونُ وَقتَها فيه ما لا يَجوزُ بَيعُه، وذلك غَرَرٌ (١).

стр. 5957

وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ أنْ يَكونَ الجُعلُ مُباحًا طاهِرًا مَقصودًا، فلَو جعَل الجُعلَ خَمرًا أو خِنزيرًا أو دَمًا، فَسَدَ العَقدُ، ولو جعَل الجُعلَ ثَوبًا مَغصوبًا، قالَ الإمامُ: يُحتمَلُ أنْ يَكونَ فيه قَولانِ، كما لو جعَل المَغصوبَ صَداقًا، ويَرجِعُ في قَولٍ بأُجرةِ المِثلِ، وفي قَولٍ بقِيمةِ المُسمَّى. قالَ: ويُحتمَلُ القَطعُ بأُجرةِ المِثلِ (١). قالَ الحَنابِلةُ: كلُّ ما جازَ أنْ يَكونَ عِوَضًا في الإجارةِ جازَ أنْ يَكونَ عِوَضًا في الجَعالةِ، فيَصحُّ أنْ يُجعَلَ لِعامِلٍ نَفقَتُه وكِسوَتُه، كاستِئجارِه بذلك مُفرَدًا أو مَع دَراهِمَ مُسَمَّاةٍ، وتَزيدُ الجَعالةُ بجُعلٍ مَجهولٍ مِنْ مالِ حَربيٍّ (٢).

стр. 5958

فصل فيما يُفسِدُ الجَعالةَ تَفسُدُ الجَعالةُ بأمور، هي: ١ - تَوقيتُ العَملِ بمُدَّةٍ مُحَدَّدةٍ (الجَمعُ بينَ تَقديرِ المُدَّةِ والعَملِ): اختَلفَ الفُقهاءُ في الجَعالةِ هَلْ يَصحُّ اشتِراطُ التَّأْقِيتِ فيها بمُدَّةٍ مُحَدَّدةٍ أو لا؟ فَذهَب المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ إلى أنَّ مِنْ شُروطِ صِحَّةِ عَقدِ الجَعالةِ عَدمُ تَأْقِيتِ العَملِ بمُدَّةٍ مُحَدَّدةٍ، فلَو قالَ الجاعِلُ: مَنْ رَدَّ ضالَّتي أو عَبدي اليَومَ فله كذا، أو مَنْ رَدَّ عَبدي مِنْ البَصرةِ في هذا الشَّهرِ فله كذا، لَم يَصحَّ، وفَسَدَتِ الجَعالةُ؛ لأنَّه يَكثُرُ بذلك الغَرَرُ، حيثُ قدَّره بمُدَّةٍ مَعلومةٍ، وهذا يُخِلُّ بمَقصودِ العَقدِ؛ لأنَّه رُبَّما لَم يَظفَرْ به فيه، ويَضيعُ عَملُه، ولا يَحصُلُ غَرَضُ المالِكِ، ولِهذا امتَنَعَ تَأْقِيتُ القِراضِ، فلا يَصحُّ تَأْقِيتُها ولا الجَمعُ بينَ تَقديرِ المُدَّةِ والعَملِ. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ويُؤخَذُ مِنْ التَّشبيهِ بالقِراضِ أنَّه لا يَصحُّ تَعليقًا، وهو ظاهِرٌ، وإنْ لَم أرَ مَنْ تَعرَّض له (١).

стр. 5959

وقالَ المالِكيَّةُ: يُشترَطُ لصحَّةِ الجَعالةِ عَدمُ شَرطِ تَعيينِ الزَّمَنِ؛ لأنَّ العَملَ لا يَستحقُّ الجُعلَ إلَّا بالعَملِ، فقَد يَنقَضي الزَّمَنُ قبلَ التَّمامِ، فيَذهبُ عَملُه باطِلًا، ففيه زِيادةُ غَرَرٍ، مَع أنَّ الأصلَ فيها الغَرَرُ؛ وإنَّما أُجيزَتْ لِإذْنِ الشَّارِعِ فيها، والدَّليلُ على عَدمِ صِحَّةِ التَّأْقِيتِ قَولُ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢]، ولَم يُقدِّرْ أجَلًا. وَمَحَلُّ كَونِ شَرطِ تَعيينِ الزَّمَنِ مُفسِدًا ما إذا لَم يَشترِطِ العامِلُ أنَّ له التَّركَ متى شاءَ، فإنْ شرَط ذلك بأنَّ له التَّركَ متى شاءَ، أو شرَط له ذلك لَم تَفسُدْ، ووَجهُ ذلك أنَّه قَدْ رجَع فيها حينَئذٍ لِأصْلِها مِنْ عَدمِ تَعيينِ الزَّمانِ، أي: مِنْ حيثُ إنَّه صارَ تَعيينُه مُلْغًى. وَمِثلُ شَرطِ التَّركِ متى شاءَ إذا جعَل له الجُعلَ بتَمامِ الزَّمَنِ، تَمَّ العَملُ أو لا، فيَجوزُ، إلَّا أنَّه قَدْ خرَج حينَئذٍ مِنْ الجَعالةِ إلى الإجارةِ؛ فإذا قالَ له: أُجاعِلُكَ على أنْ تَأتِيَني بعَبدِي في شَهرٍ بدِينارٍ، عَمِلتَ أو لا، انقَلَبَتِ الجَعالةُ إجارةً، ويُنظَرُ حينَئذٍ إذا لَم يَأتِ به، فإنْ عمِل استَحقَّ بقَدْرِ عَملِه، وإنْ لَم يَعمَلْ فلا شَيءَ له. قالَ الخَرَشيُّ ﵀: فإنْ قِيلَ: شَأنُ هذا العَقدِ التَّركُ فيه متى شاءَ، فلِمَ كانَ العَقدُ غيرَ جائِزٍ عندَ عَدمِ الشَّرطِ؟ أُجيبَ بأنَّ المَجعولَ له عندَ عَدمِ الشَّرطِ دخَل على التَّمامِ، وإنْ كانَ له التَّركُ، وحينَئذٍ فغَرَرُه قَويٌّ، وأمَّا عندَ

стр. 5960

الشَّرطِ فقَد دخَل ابتِداءً على أنَّه مُخيَّرٌ، فغَرَرُه خَفيفٌ (١). وذهَب الحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ تَوقيتُ الجَعالةِ بمُدَّةٍ، كَأنْ قالَ: إنْ وَجَدتَها في شَهرٍ، أو مَنْ رَدَّ عَبدي مِنْ البَصرةِ في هذا الشَّهرِ، فله كذا، ويَصحُّ الجَمعُ بينَ تَقديرِ المُدَّةِ والعَملِ، كَأنْ قالَ: مَنْ خاطَ قَميصي في هذا اليَومِ فله دِرهَمٌ، أو مَنْ بَنَى لي هذا الحائِطَ في هذا اليَومِ فله دِينارٌ، ونحوَ ذلك، صَحَّ؛ نَظَرًا لِإطلاقِ كَلامِه؛ لِاحتِمالِ الغَرَرِ فيها، بخِلافِ الإجارةِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ المُدَّةَ إذا جازَتْ مَجهولةً فمَع التَّقديرِ أَوْلَى، فإنْ أتَى به في المُدَّةِ استَحقَّ الجُعلَ، ولَم يَلزَمْه شَيءٌ آخَرُ، وإنْ لَم يَفِ به فيها، فلا يَلزَمُه شَيءٌ له. وإذا أتَمَّ العَملَ قبلَ انقِضاءِ المُدَّةِ؛ لَم يَلزَمْه العَملُ في بَقيَّتِها؛ لأنَّه وَفَّى ما عليه قبلَ مُدَّتِه، فلَمْ يَلزَمْه شَيءٌ آخَرُ، كَقَضاءِ الدَّيْنِ قبلَ أجَلِه، وإنْ مَضَتِ المُدَّةُ قبلَ العَملِ؛ فلِلمُستأجِرِ فَسخُ الإجارةِ؛ لأنَّ الأجيرَ لَم يَفِ له بشَرطِه، فإنْ رَضيَ بالبَقاءِ عليه لَم يَملِكِ الأجيرُ الفَسخَ؛ لأنَّ الإخلالَ بالشَّرطِ مِنه، فلا يَكونُ ذلك وَسيلةً إلى الفَسخِ، فإنِ اختارَ إمضاءَ العَقدِ طالَبَه بالعَملِ، لا غيرُ؛ كالمُسلِّمِ إذا صَبَرَ عندَ تَعَذُّرِ المُسلَّمِ فيه إلى حِينِ وُجودِهِ؛ لَم يَكُنْ له أكثَرُ مِنْ المُسلَّمِ فيه، وإنْ فسَخ العَقدَ قبلَ العَملِ؛ سقَط

стр. 5961

الأجرُ والعَملُ، وإنْ كانَ بعدَ عَملِ بعضِهِ؛ فله أجْرُ المِثلِ؛ لأنَّ العَقدَ قَدِ انفسَخ، فسقَط المُسمَّى، ورجَع إلى أجْرِ المِثلِ. وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ أنَّ مثلَ هذا لا يَجوزُ في الإجارةِ، فكَيفَ أجَزتُموه في الجَعالةِ؟ قُلْنا: الفَرقُ بينَهما مِنْ وُجوهٍ: أحَدُها: أنَّ الجَعالةَ يُحتمَلُ فيها الغَرَرُ، وتَجوزُ جَهالةُ العَملِ والمُدَّةِ، بخِلافِ الإجارةِ. الثَّاني: أنَّ الجَعالةَ عَقدٌ جائِزٌ، فلا يَلزَمُه بالدُّخولِ فيها مَع الغَرَرِ ضَرَرٌ، بخِلافِ الإجارةِ، فإنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فإذا دخَل فيها مَع الغَرَرِ لَزِمَه ذلك. الثَّالثُ: أنَّ الإجارةَ إذا قُدِّرَتْ بمُدَّةٍ لَزِمَه العَملُ في جَميعِها، ولا يَلزَمُه العَملُ بعدَها؛ فإذا جَمَع بينَ تَقديرِ المُدَّةِ والعَملِ فرُبَّما عمِله قبلَ المُدَّةِ، فإنْ قُلْنا: يَلزَمُه العَملُ في بَقيَّةِ المُدَّةِ فقَد لَزِمَه مِنْ العَملِ أكثَرُ مِنْ المَعقودِ عليه، وإنْ قُلْنا: لَا يَلزَمُه فقَد خَلَا بعضُ المُدَّةِ مِنْ العَملِ، فإنِ انقَضَتِ المُدَّةُ قبلَ عَملِه فألزَمْناه إتمامَ العَملِ فقَد لَزِمَه العَملُ في غيرِ المُدَّةِ المَعقودِ عليها، وإنْ قُلْنا: لَا يَلزَمُه العَملُ فما أتَى بالمَعقودِ عليه مِنْ العَملِ بخِلافِ مَسألَتِنا، فإنَّ العَملَ الذي يَستحقُّ به الجُعلَ هو عَمَلٌ مُقيَّدٌ بمُدَّةٍ، إنْ أتَى به استَحقَّ الجُعلَ، ولا يَلزَمُه شَيءٌ آخَرُ، وإنْ لَم يَفِ به فيها فلا شَيءَ له (١).

стр. 5962

٢ - شَرطُ النَّقدِ في الجُعلِ: اشترَطَ المالِكيَّةُ لصحَّةِ الجَعالةِ عَدَمَ اشتِراطِ النَّقدِ في الجُعلِ، فإنْ شُرِطَ النَّقدُ فَسَدَ العَقدُ، فشَرطُ النَّقدِ مُضِرٌّ، ولو لَم يَحصُلْ نَقدٌ بالفِعلِ؛ لِدَوَرانِ الجُعلِ بينَ الثَّمَنِيَّةِ، إنْ وُجِدَ الآبِقُ، وأوصَلَه إلى رَبِّه، والسَّلَفِيَّةِ إنْ لَم يُوَصِّلْه إلى رَبِّه، بأنْ لَم يَجِدْه أصلًا، أو وجَده وهرَب مِنه في الطَّريقِ، وأمَّا تَعجيلُه بلا شَرطِ فجائِزٌ، ولا يُفسِدُها (١). ٣ - جَهالةُ الجُعلِ: تَفسُدُ الجَعالةُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إذا كانَ الجُعلُ مَجهولًا؛ لأنَّ الجَعالةَ كالإجارةِ، والجُعلَ كالأُجرةِ، كما تَقدَّم بَيانُه. وذهَب الحَنابِلةُ في احتِمالٍ -كما تَقدَّم عن ابنِ قُدامةَ- إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ العِوَضُ مَجهولًا، ولا تَفسُدُ الجَعالةُ بذلك (٢). وقَد تَقدَّم بَيانُ هذا بالتَّفصيلِ.

стр. 5963

حُكمُ الجَعالةِ الفاسِدةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ لو فَسَدَتِ الجَعالةُ لِفَقْدِ شَرطٍ، أو شُرِطَ شَرطٌ فاسِدٌ، فعمِل العامِلُ، فيما يَجِبُ له، هَلْ يَجِبُ له أُجرةُ مِثلِه أو جُعلُ مِثلِه؟ فَذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّ كلَّ مَوضِعٍ فَسَدتْ فيه الجَعالةُ أو شُرِطَ جُعلٌ فاسِدٌ، فعمِل الأجيرُ، استَحقَّ أُجرةَ مِثلِه، كما في الإجارةِ، وإنْ لَم يَعمَلْ فلا شَيءَ له. وإنْ كانوا اثنَيْنِ أو ثَلاثةً فشُرِطَ لِواحِدٍ مِنهم جَعالةٌ فاسِدةٌ، ولِلآخَرَيْنِ جَعالةٌ صَحيحةٌ، استَحقَّ مَنْ شُرِطَ له جَعالةٌ صَحيحةٌ ثُلُثَ ما سُمِّيَ له، ويَستحقُّ مَنْ شُرِطَ له جَعالةٌ فاسِدةٌ ثُلُثَ أُجرةِ مِثلِ عَملِه اعتِبارًا بالانفِرادِ (١). وقالَ المالِكيَّةُ في المَشهورِ: وفي الجَعالةِ الفاسِدةِ لِفَقدِ شَرطٍ جُعلُ المِثلِ، إنْ تَمَّ العَملُ رَدًّا له إلى صَحيحِ نَفْسِه، لا أُجرَتُه، فإنْ لَم يَتِمَّ العَملُ فلا شَيءَ فيه، هذا هو المَشهورُ. وقيلَ: له أُجرةُ مِثلِه، رَدًّا له إلى صَحيحِ أصلِه، وهو الإجارةُ، فيَأخُذُ بحِسابِ الإجارةِ، وإنَّما كانَتْ أصلًا له لأنَّهم اشترَطوا في عاقِدِي الجُعلِ ما اشترَطوه في عاقِدي الإجارةِ.

стр. 5964

إلَّا أنْ تَقَعَ الجَعالةُ بجُعلٍ مُطلَقًا، تَمَّ العَملُ أو لَم يَتِمَّ، كَأنْ يَقولَ له: إنْ أتَيتَني بعَبدِي الآبِقِ فلكَ كذا، وإنْ لَم تَأتِ به فلكَ كذا، أو فلكَ نَفقَتُكَ؛ فله أُجرةُ مِثلِه وإنْ لَم يَأتِ به، لِخُروجِها حينَئذٍ عن حَقيقَتِها؛ لأنَّ سُنَّتَها أنَّه لا جُعلَ إلَّا بتَمامِ العَملِ، وهو قَدْ جعَل له في الوَجهَيْنِ، وليسَ بحَقيقةِ الجُعلِ (١).

стр. 5965

فصل في اختِلافِ الجاعِلِ المُلتزِمِ والعامِلِ ويَدِ العامِلِ ١ - اختِلافُ المالِكِ والعامِلِ في أصْلِ الجُعلِ: إذا اختَلفَ المالِكُ والعامِلُ في أصْلِ الجُعلِ، فقالَ العامِلُ: «شرَط لي جُعلًا» وأنكَرَ المالِكُ وقالَ: «لَم أشرُطْ لَكَ»، أو بالعَكسِ. فَقالَ الشَّافِعيَّةُ: القَولُ قَولُ المالِكِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُه وبَراءَتُه (١). وقالَ الحَنابِلَة: القَولُ قَولُ مَنْ يَنفِيهِ مِنهُما؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُه (٢). وأمَّا المالِكيَّةُ فإنَّ الأصْلَ عندَهم أنَّه لو اختَلفَ العامِلُ والمالِكُ أو عمِل العامِلُ دونَ أنْ يَجعَلَ المالِكُ جُعلًا، فإنَّ لِلعامِلِ أُجرةَ مِثلِ عَملِه إذا كانَ مِنْ عادَتِه طَلَبُ الضَّوالِّ والأُبَّاقِ فإنَّه يَستحقُّ جُعلَ مِثلِه، فإنْ لَم تَكُنْ عادَتُه طَلبَ ما ذُكِرَ فلا جُعلَ له، وله النَّفَقةُ فَقط، نَفَقةُ الآبِقِ، أي: ما أنفَقَه عليه مِنْ مَأْكَلٍ

стр. 5966

ومَركَبٍ ولِباسٍ، لا نَفقَتُه على نَفْسِه ودَابَّتِه مثلًا في زَمَنِ تَحصيلِه (١). قالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: مَنْ جاءَ بآبِقٍ أو شارِدٍ ابتِداءً ثم طَلبَ الأجْرَ: فإنْ كانَ ذلك شَأنَه وعادَتَه، ويُعلَمُ أنَّه يَتكسَّبُ به، فله أُجرةُ مِثلِه بقَدْرِ تَعَبِه وسَفَرِه، وتَكلُّفِ طَلَبِه -خِلافًا لِأبي حَنيفةَ والشَّافِعيِّ في قَولهما إنَّه مُتَطوِّعٌ لا شَيءَ له-؛ لأنَّ مَنافِعَه فيما لو أضاعَه رَبُّه لَعُدَّ سَفَهًا مِنه يُوجِبُ له الأجْرَ عليها، أصْلُه لو سقَط مِنْ مَوضِعٍ عالٍ، أو وقَع في بِئرٍ فأخرَجَه، فأثبَتَ ذلك فله أجْرُ مِثلِه؛ لأنَّه ليسَ هُناكَ مُسَمًّى، فإنْ أبَى صاحِبُ العَبدِ أنْ يَدفعَ إليه خَلَّى بينَه وبينَ العَبدِ؛ لأنَّ امتِناعَه مِنْ ذلك رِضًا بتَسليمِ العَبدِ، وإنْ عُلِمَ أنَّ ذلك ليسَ مِنْ شَأنِه، وإنَّما عادَتُه أنَّه يَترَفَّعُ عن مِثلِه، وإنَّما فَعلَه على وَجْهِ الحِسبةِ واكتِسابِ المَوَدَّةِ، فليسَ له أُجرةٌ إنْ طَلبَها؛ لأنَّ دَعواه لِذلك تُنافي ظاهِرَ حالِه، فكَأنَّه نَدِمَ فاستَدرَكَ نَدَمَه فلا يَستحقُّ شَيئًا (٢). وقالَ الصَّاوي ﵀: ولِمَن لَم يَسمَعْ قولَ الجاعِلِ: مَنْ أتاني بعَبدِي أو بَعِيري، أو نحوَ ذلك، فله كذا. وَهو صادِقٌ بصورَتَيْنِ: أنْ يَقَعَ مِنْ الجاعِلِ قَولٌ بذلك، ولَم يَسمَعْه هذا الذي أتَى به مِنْ القائِلِ، ولا بالواسِطةِ، وبِما إذا لَم يَقَعْ مِنه قَولٌ أصلًا.

стр. 5967

فَفي الصُّورَتَيْنِ جُعلُ مِثلِه إنِ اعتادَهُ: أي: كانَ عادَتُه الإتيانَ بالأُبَّاقِ أو غيرَ ذلك؛ فالمعنَى أنَّ مَنِ اعتادَ جَلبَ ما ضَلَّ إذا أتَى بشَيءٍ مِنه فله جُعلُ مِثلِه إذا لَم يَسمَعْ رَبُّها، فإنْ سمِعه فله ما سمَّى (١). ٢ - اختِلافُ الجاعِلِ والعامِلِ في قَدْرِ الجُعلِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا اختَلفَ المالِكُ والعامِلُ في قَدْرِ الجُعلِ بعدَ العَملِ والتَّسليمِ، بأنْ قالَ المالِكُ: خَمسةٌ، وقالَ العامِلُ: بَلْ عَشَرةٌ، مثلًا. فَقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: القَولُ قَولُ الجاعِلِ؛ لأنَّه مُنكِرٌ، والأصْلُ بَراءَتُه ممَّا لَم يَعترِفْ به. وقالَ الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ: يَتحالَفانِ، كما في البَيعِ، إذا اختَلفَ المُتَبايِعانِ في السِّلعةِ بعدَ هَلاكِها، ووجَب لِلعامِلِ أُجرةُ المِثلِ (٢). وقالَ المالِكيَّةُ: إذا تَخالَفا بعدَ تَمامِ العَملِ في قَدْرِ الجُعلِ، ولَم يُشبِها، فأنَّهما يَتحالَفانِ ويُرَدُّ العامِلُ إلى جُعلِ مِثلِه، ومَن أشبَهَ فالقَولُ قَولُه، وإنْ أشبَها معًا مثلَما إذا أشبَهَ العامِلُ، يَكونُ القَولُ قوله، ونُكولُهما كَحَلِفِهِما، ويُقضَى لِلحالِفِ على النَّاكِلِ.

стр. 5968

ولا يَظهَرُ لِاختِلافِهِما قبلَ العَملِ فائِدةٌ؛ لأنَّ لِلكُلِّ تَرْكَه (١). ٣ - إذا اختَلَفا في قَدْرِ المَسافةِ: قالَ الحَنابِلةُ: إذا اختَلفَ الجاعِلُ والعامِلُ في قَدْرِ المَسافةِ، بأنْ قالَ الجاعِلُ: جَعَلتُه لمَن رَدَّه مِنْ بَرِيدَيْنِ، وقالَ العامِلُ: بَلْ مِنْ بَريدٍ، مثلًا، فالقَولُ قَولُ الجاعِلِ؛ لأنَّه مُنكِرٌ، والأصلُ بَراءَتُه ممَّا لَم يَعترِفْ به (٢). ٤ - إذا اختَلَفا في عَيْنِ المُجاعَلِ عليه: إذا اختَلفَ الجاعِلُ والعامِلُ في عَينِ المُجاعَلِ عليه، بأنْ قالَ العامِلُ: شَرَطتَ ليَ العِوَضَ في رَدِّ هذا العَبدِ، فقالَ الجاعِلُ: بَلْ شَرَطتُ لكَ في رَدِّ غيرِه، ولا بيِّنةَ، فالقَولُ قَولُ الجاعِلِ المالِكِ عندَ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه (٣). ٥ - إذا أنكَرَ المالِكُ السَّعيَ في رَدِّهِ: إذا اختَلفَ المالِكُ والعامِلُ، كَأنْ قالَ المالِكُ لِلعامِلِ: لَم تَرُدَّه، وإنَّما رجَع العَبدُ بنَفْسِه، أو: رَدَّه غيرُكَ، فالقَولُ قَولُ المالِكِ عندَ الشَّافِعيَّةِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الشَّرطِ والرَّدِّ (٤).

стр. 5969

٦ - إذا اختَلَفا في سَماع الإذْنِ بالعَملِ أو العِلمِ بهِ: قالَ الشَّافِعيَّةُ: إنِ اختَلفَ المالِكُ والعامِلُ في بُلوغِه النِّداءَ، بأنْ قالَ العامِلُ: إنَّه بلَغه النِّداءُ بالإذْنِ في رَدِّ الضَّالَّةِ، وقالَ المالِكُ: لَم يَبلُغْكَ، أوِ اختَلفَا في سَماعِ النِّداءِ، بأنْ قالَ العامِلُ: سَمِعتُكَ تَقولُ: مَنْ رَدَّ ضالَّتي فله كذا، وقالَ المالِكُ: بَلْ أتَيتَ بها دونَ أنْ تَسمَع، فالقَولُ قَولُ العامِلِ بيَمينِه (١). وقالَ المالِكيَّةُ: إذا قالَ المالِكُ: مَنْ أتَى بعَبدي الآبِقِ أو ببَعيري الشَّارِدِ فله كذا، فجاءَ به شَخصٌ لَم يَسمَعْ كَلامَه، لكنَّ عادَتَه طَلَبُ الضَّوالِّ والأُبَّاقِ فإنَّه يَستحقُّ جُعلَ مِثلِه، سَواءٌ أكانَ جُعلُ مِثلِه مثلَ المُسمَّى أم أقَلَّ مِنه أم أكَثَرَ. وَلمَن لَم يَسمَعْ قولَ المالِكِ: مَنْ جاءَني بعَبدي الآبِقِ فله كذا، فجاءَ به شَخصٌ ليسَ مِنْ عادَتِه طَلَبُ الضَّوالِّ والأُبَّاقِ فإنَّه لا جُعْلَ له، وليسَ له إلَّا النَّفَقةُ فَقط، نَفَقةُ الآبِقِ، أي: ما أنفَقَه عليه مِنْ مَأكَلٍ ومَركَبٍ ولِباسٍ، لا نَفقَتُه على نَفْسِه ودَابَّتِه، مثلًا، في زَمَنِ تَحصيلِه؛ فهذه على الآتي به (٢).

стр. 5970

يَدُ العامِلِ هَلْ هي يَدُ أمانةٍ أو يَدُ ضَمانٍ؟ قالَ الشَّافِعيَّةُ: يَدُ العامِلِ على ما يَقَعُ في يَدِه إلى أنْ يَرُدَّه يَدُ أمانةٍ، فإنْ خَلَّاه بتَفريطٍ، كَأنْ خَلَّاه بمُضيِّعةٍ ضَمِن؛ لِتَقصيرِه، وإنْ خَلَّاه بلا تَفريطٍ، كَأنْ خَلَّاه عندَ الحاكِمِ لَم يَضمَنْ، وإنْ أنفَقَ عليه مُدَّةَ الرَّدِّ فمُتبرِّعٌ، إلَّا أنْ يَأذَنَ له الحاكِمُ أو يُشهِدَ عندَ فَقدِه لِيَرجِعَ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: ومَن أخَذَ الآبِقَ أو أخَذَ غيرَه مِنْ المالِ الضَّائِعِ لِيَردَّه لِرَبِّه فهو أمانةٌ في يَدِه، إنْ تَلِفَ قبلَ التَّمكُّنِ مِنْ رَدِّه، مِنْ غيرِ تَفريطٍ ولا تَعَدٍّ، فلا ضَمانَ عليه فيهِ؛ لأنَّه مُحسِنٌ بأخْذِه (٢). حَبْسُ العَينِ لِقَبضِ الجُعلِ: نَصَّ الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه لا يَجوزُ لِلعامِلِ أنْ يَحبِسَ العَبدَ الآبِقَ أوِ الضَّالَّةَ على المالِكِ لِقَبضِ الجُعلِ؛ لأنَّ الِاستِحقاقَ بالتَّسليمِ، ولا حَبسَ قبلَ الِاستِحقاقِ، وكذا لا يَحبِسُه لِاستِيفاءِ ما أنفَقَه عليه بإذْنِ المالِكِ، فإنْ حَبَسَه عليه وتَلِفَ ضَمِنه (٣).

стр. 5971

فصل في أحكامِ الجَعالةِ وما تَنفسِخُ بهِ حُكمُ عَقدِ الجَعالةِ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الجَعالةَ عَقدٌ جائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما -أي: مِنْ الجاعِلِ والمَجعولِ له المُعيَّنِ- فَسخُها متى شاءَ، كَسائِرِ العُقودِ الجائِزةِ، قالَ في «الشَّرحُ الكَبيرُ»: لا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا (١). وفي قَولٍ لِلمالِكيَّةِ: تَلزَمهُما بالعَقدِ، كالإجارةِ، وقيلَ: تَلزَمُ الجاعِلَ بالعَقدِ، دونَ المَجعولِ له. أمَّا بعدَ الشُّروعِ في العَملِ، وقبلَ إتمامِه، فلا يَخْلُو الفَسخُ إمَّا أنْ يَكونَ مِنْ جِهةِ العامِلِ، وإمَّا أنْ يَكونَ مِنْ جِهةِ الجاعِلِ: واتَّفَقوا جَميعًا إنْ كانَ مِنْ قِبَلِ العامِلِ على أنَّه يَجوزُ لِلعامِلِ أنْ يَفسَخَها بعدَ شُروعِه في العَملِ، وقبلَ إتمامِه لِلعَملِ؛ لأنَّه يَكثُرُ الغَرَرُ في العَملِ، ويَتفاوَتُ، فلَو لَزِمَه رَدُّ الآبِقِ على كلِّ حالٍ، ورَدُّ البَعيرِ الشَّارِدِ لَتَعَذَّرَ عليه

стр. 5972

العَملُ، وعَظُمَتْ فيه المَشقَّةُ، ممَّا لَم يَظهَرْ له قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، فكانَ له أنْ يَترُكَ متى شاءَ. لكنْ إنْ فسَخها العامِلُ بعدَ شُروعِه في العَملِ قبلَ تَمامِ العَملِ لَم يَستحقَّ لِمَا عمِله شَيئًا؛ لأنَّه فَوَّتَ على نَفْسِه، حيثُ لَم يَأتِ بما شُرِطَ عليه، ويَصيرُ كَعامِلِ المُضارَبةِ إذا فسَخ قبلَ ظُهورِ الرِّبحِ. وأمَّا إنْ كانَ الفَسخُ مِنْ جِهةِ الجاعِلِ فلا يَخلو مِنْ حالاتٍ ثَلاثٍ: الحالةُ الأُولَى: أنْ يَفسَخَها الجاعِلُ قبلَ شُروعِ العامِلِ؛ فلا يَلزَمَه شَيءٌ، عندَ الجُمهورِ، كما تَقدَّم؛ لأنَّ العامِلَ لَم يَعمَلْ شَيئًا. الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَفسَخَها الجاعِلُ بعدَ تَمامِ العَملِ، فلا يَسقُطَ عنه ما بذَله مِنْ الجُعلِ؛ لأنَّه قَدِ استَقَرَّ بالعَملِ باتِّفاقٍ. الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يَفسَخَها الجاعِلُ بعدَ شُروعِ العامِلِ في العَملِ وقبلَ تَمامِ العَملِ، فاختَلفَ الفُقهاءُ فيه: فَذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الجَعالةَ جائِزةٌ بعدَ الشُّروعِ في العَملِ، كما هي جائِزةٌ قبلَ الشُّروعِ، فلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَسخُها. لكنْ إنْ فسَخها الجاعِلُ بعدَ شُروعِ العامِلِ فيه، وقبلَ تَمامِه، فعليه لِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِ عَملِه عندَ الحَنابِلةِ والشَّافِعيَّةِ في الأصَحِّ؛ لأنَّه عمِل بعِوَضٍ، ولَم يُسلَّمْ له، فكانَ له أُجرةُ عَملِه، ولأنَّ جَوازَ العَقدِ يَقتَضي التَّسليطَ على رَفعِه، وإذا ارتَفَعَ لَم يَجِبِ المُسمَّى، كَسائِرِ الفُسوخِ، لكنَّ

стр. 5973

عَملَ العامِلِ وقَع مُحتَرَمًا، فلا يَفُوتُ عليه، فرُجِعَ إلى بَدَلِه، وهو أُجرةُ المِثلِ، كالإجارةِ إذا فُسِخَتْ بعَيبٍ. وَما عمِله العامِلُ بعدَ الفَسخِ لا أُجرةَ له عليه؛ لأنَّه غيرُ مَأذونٍ فيه. وفي مُقابِلِ الأصَحِّ عندَ الشَّافِعيَّةِ لا شَيءَ عليه لِلعامِلِ، كما لو فسَخ العامِلُ بنَفْسِه. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وعلى الأوَل لا فَرقَ بينَ أنْ يَكونَ ما صَدَرَ مِنْ العامِلِ لا يَحصُلُ به مَقصودٌ أصلًا، كَرَدِّ العَبدِ إلى بعضِ الطَّريقِ، أو يَحصُلُ به بعضُه، كما لو قالَ: إنْ عَلَّمتَ ابنِي القُرآنَ فلكَ كذا، فعَلَّمَه بعضَه، ثم مَنعَه مِنْ تَعليمِه (١). وقالَ المالِكيَّةُ في المَشهورِ: الجَعالةُ عَقدٌ لَازِمٌ مِنْ قِبَلِ الجاعِلِ المُلتزِمِ لِلجُعلِ، إذا شَرَعَ العامِلُ في العَملِ، ويَسقُطُ خِيارُه في الحَلِّ عن نَفْسِه والبَقاءِ، وظاهِرُه لو كانَ ما حصَل به الشُّروعُ لا بالَ له، والمُرادُ بالجاعِلِ هُنا مُلتزِمُ الجُعلِ، لا مَنْ تَعاطَى عقَد الجُعلِ، كالوَكيلِ الذي لَم يَلتزِمْ جُعلًا (٢).

стр. 5974

ما تَنفسِخُ به الجَعالةُ: تَنفسِخُ الجَعالةُ بعِدَّةِ أُمورٍ، هي: ١ - الفَسخُ: كما تَقدَّم. ٢ - المَوتُ: قالَ الشَّافِعيَّةُ: تَنفسِخُ الجَعالةُ بمَوتِ أحَدِ المُتَعاقِدَيْنِ؛ فإنْ ماتَ المالِكُ بعدَ شُروعِ العامِلِ في العَملِ فأتَمَّه وسلَّمَه إلى وَرثةِ الجاعِلِ، وجَب له قِسطُه، أي: قِسَطُ ما عمِله في حَياةِ الجاعِلِ مِنْ المُسمَّى، ولا شَيءَ لِلعامِلِ لِمَا عمِله بعدَ مَوتِ المالِكِ، لِعدمِ التِزامِ الوَرثةِ له بشَيءٍ، وسَواءٌ أعلِم العامِلُ بمَوتِ الجاعِلِ أم لَم يَعلَمْ به. وإنْ ماتَ العامِلُ في أثناءِ العَملِ فأتَمَّ العَملَ وارِثُه ورَدَّه لِلمالِكِ، استَحقَّ الوارِثُ نِسبةَ ما عمِله مُورِّثُه قبلَ مَوتِه مِنْ الجُعلِ المَشروطِ في العَقدِ، وهذا إذا كانَ العامِلُ مُعيَّنًا، أي: استَحقَّ القِسطَ، وإلَّا بأنْ كانَ العامِلُ غيرَ مُعيَّنٍ، فأتَمَّ وارِثُه أو غيرُه العَملَ؛ فإنَّه يَستحقُّ جَميعَ الجُعلِ المَشروطِ (١). وأمَّا المالِكيَّةُ فقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: إذا ماتَ الجاعِلُ قبلَ أنْ يَشرَعَ المَجعولُ له في العَملِ، فعلى قَولِ ابنِ حَبيبٍ، وظاهِرِ رِوايةِ عيسَى عن ابنِ

стр. 5975

القاسِمِ، أو بعدَ شُروعِه في العَملِ على رِوايةِ عَلِيِّ بنِ زِيادٍ وأشهَبَ عن مالِكٍ ﵀، يَلزَمُ ذلك وَرثَتَه، ولا يَكونُ لهم أنْ يَمنَعوا المَجعولَ له مِنْ العَملِ؛ فإنْ ماتَ المَجعولُ له بعدَ أنْ شَرَعَ في العَملِ، أو قبلَ أنْ يَشرَعَ فيه، على أحَدِ القولَيْنِ، نَزَلَ وَرثَتُه مَنزِلتَه؛ ولَم يَكُنْ لِلجاعِلِ أنْ يَمنَعَهم مِنْ العَملِ. وَقَدْ رَوى أصبَغُ عن ابنِ القاسِمِ خِلافَ هذا في المُجاعَلةِ في اقتِضاءِ الدُّيونِ، فجعَل مَوتَ المَجعولِ له كَمَوتِ المُقارِضِ، إنْ كانَ قَدْ شَرَعَ في العَملِ نَزَلَ وَرثَتُه مَنزِلتَه، إنْ كانوا أُمَناءَ، وإنْ كانَ لَم يَشرَعْ في العَملِ ولا اقتَضَى مِنه شَيئًا، فلا حَقَّ لِوَرثَتِه، وقالَ: إنَّ الجُعلَ يَنتقِضُ بمَوتِ الجاعِلِ، ماتَ قبلَ شُروعِ المَجعولِ له في العَملِ أو بعدَه، فلَمْ يَحمِلْه في هذا الطَّرَفِ مَحمَلَ القِراضِ، ولا مَحمَلَ الجُعلِ في حَقِّ الجاعِلِ له؛ لِلُزومِ المُجاعِلِ له بالعَقدِ، أو شُروعِ المَجعولِ له في العَملِ، على ما قَدَّمناه مِنْ الِاختِلافِ في ذلك؛ وأمَّا اشتِراطُه في مَوتِ المَجعولِ له لِلأمانةِ في الوَرثةِ، فصَحيحٌ، لا يَنبَغي أنْ يَختلِفَ في ذلك؛ لأنَّ هذا ممَّا يَنبَغي فيه الأمانةُ (١). وقالَ ﵀ في «البَيانِ والتَّحصيلِ»: قالَ أصبَغُ: وسَألتُ ابنَ القاسِمِ عن رَجُلٍ قالَ لِرَجُلٍ: اقتَضِ ما لي على فُلانٍ وهو كذا وكذا، فما اقتَضَيتَ مِنْ شَيءٍ فلكَ ثُلُثُه أو نِصفُه، فماتَ المَجعولُ له، وقَدِ اقتَضَى بعضَ المالِ، أو لَم يَقتَضِ شَيئًا، أو ماتَ الجاعِلُ، أو ماتَ الذي عليه الحَقُّ. فقالَ: إنْ

стр. 5976

ماتَ الذي جُعِلَ له، وقَد عمِل، فوَرثَتُه مَكانَه، يَقومونَ مَقامَ أبيهم، إنْ كانوا أُمَناءَ، ما دامَ صاحِبُ الحَقِّ حيًّا، وإنْ كانَ المَجعولُ له ماتَ قبلَ أنْ يَقتَضيَ شَيئًا، فلا حَقَّ لِوَرثَتِه، بمَنزِلةِ القِراضِ سَواءٌ، يُريدُ إذا لَم يَعمَلِ المَيِّتُ بالقِراضِ، ولَم يَشغَلْه، ولا شَيئًا مِنه، فلا شَيءَ لِوَرثَتِه، فهذا مِثلُه، وإنْ ماتَ رَبُّ المالِ الجاعِلُ، لَم يَكُنْ لِلَّذي جُعِلَ له استِتمامُ ما بَقيَ، ولا لِوَرثَتِه إنْ هو ماتَ؛ لأنَّه أمْرٌ إنَّما كانَ يَلزَمُ الجاعِلَ ما دامَ حَيًّا؛ فإذا ماتَ فقَد صارَ المالُ لِغيرِه، وانفسَخ عنه ما جُعِلَ له؛ لأنَّها لَم تَكُنْ إجارةً لَازِمةً، وقَد كانَ المَجعولُ له متى شاءَ أنْ يَخرُجَ خرَج. وَممَّا يُبيِّن ذلك، أنْ لو هَلكَ رَبُّ المالِ، وعليه دَيْنٌ يُحيطُ بمالِه، فأرادَ المَجعولُ له أنْ يَقومَ بالتَّقاضي كما هو، وأبَى ذلك الغُرَماءُ، وقالوا: قَدْ صارَ المالُ مالَنا، وليسَ لكَ أنْ تَنقُصَنا مِنْ أموالِنا لِمَا جُعِلَ لَكَ، فإنَّ ذلك لهم. وكَذلك لو أفلَسَ رَبُّ المالِ الجاعِلُ، لَسقَط جُعْلُ الأجيرِ، يُريدُ مِنْ ذي قَبلُ، فيما لَم يَقبِضْ، وكانَ لِغُرَمائِه يَقتَسِمونَه، وكَذلك الوَرثةُ بمَثابَتِهم؛ لأنَّ المالَ خرَج إلى وَرثةِ رَبِّ المالِ. قالَ: وإنْ ماتَ الذي عليه الحَقُّ، وقَدِ اقتَضَى المَجعولُ له بعضَ الحَقِّ قبلَ أنْ يَموتَ، وفاتَ أو ماتَ الذي عليه الجُعلُ، فهو على جُعلِه الذي جعَلهُ له صاحِبُ الحَقِّ، يَقومُ بتَقاضِيه إنْ أحَبَّ، سواءٌ أكانَ اقتَضَى قبلَ ذلك شَيئًا أم لَم يَقتَضِ، وهو بمَنزِلةِ ما لو أرادَ صاحِبُ الحَقِّ أو غيرُه مِنْ غُرَماءِ المَيِّتِ الذي عليه الحَقُّ أنْ يُفْلِسوه، كانَ المُجتَعِلُ على جُعلِه،

стр. 5977

فالمَوتُ في هذا، والفَلَسُ واحِدٌ، ووَرثةُ الأجيرِ ههُنا بمَنزِلتِه إذا كانوا أُمَناءَ، مثلَ القِراضِ. قالَه أصبَغُ كلَّه، على الِاتِّباعِ والِاستِحسانِ، وفي بعضِها بعضُ المَغمَزِ والِانكِسارِ على القِياسِ والكَلامِ. قالَ مُحمَّدُ بنُ رُشدٍ: تَفرِقَتُه في مَوتِ المَجعولِ له بينَ أنْ يَموتَ قبلَ أنْ يَقتَضيَ شَيئًا، يُريدُ قبلَ أنْ يَعمَلَ في الِاقتِضاءِ، وبينَ أنْ يَموتَ، وقَد عمِل في الِاقتِضاءِ، يُريدُ: وإنْ لَم يَقتَضِ شَيئًا بعدَ، وتَنظيرُه إيَّاه بالقِراضِ صَحيحٌ على القَولِ بأنَّ الجاعِلَ يَلزَمُه الجُعلُ بالعَقدِ، وإنْ لَم يَشرَعِ المَجعولُ له في العَملِ؛ فيَكونُ لِوَرثةِ المَجعولِ له إنْ كانوا أُمَناءَ، أو أتَوْا بأمينٍ؛ أنْ يَقوموا مَقامَ مُورِّثِهم. وأمَّا قولُه: إنَّه إنْ ماتَ رَبُّ المالِ الجاعِلُ، لَم يَكُنْ لِلَّذي جُعِلَ له استِتمامُ ما بَقيَ، ولا لِوَرثَتِه إنْ هو ماتَ، فالمعنَى في ذلك عِنْدِي إذا كانَ قَدِ اقتَضَى بَعضًا، وبَقيَ بَعضٌ؛ لأنَّ ما اقتَضَى قَدْ وجَب له فيه جُزؤُه، فلَمْ يَخسَرْ عَناءَه جُملةً. وهذا المَوضِعُ هو الذي قالَ فيه أصبَغُ: إنَّه استِحسانٌ، وإنَّ فيه مَغمَزًا وانكِسارًا على وَجْهِ القِياسِ. وهو كما قالَ؛ لأنَّه إذا اقتَضَى بَعضًا، فقَد لَزِمَ الجاعِلَ الجُعلُ، وإذا لَزِمَه لَم يَسقُطْ عنه بمَوتِه، ولَزِمَ وَرثَتَه مِنْ ذلك ما لَزِمَه في وَجْهِ النَّظرِ والقِياسِ على الأصْلِ. وأمَّا لو ماتَ الجاعِلُ بعدَ أنْ عمِل المَجعولُ له في الطَّلَبِ والشُّخوصِ والقِيامِ، وقبلَ أنْ يَقتَضيَ شَيئًا، لَمَا صَحَّ أنْ يَبطُلَ حَقُّه في ذلك بمَوتِ الجاعِلِ، فيَذهَبَ عَناؤُه باطِلًا، ولوجَب أنْ يَكونَ له ولِوَرثَتِه إنْ ماتَ القِيامُ

стр. 5978

مَكانَه في اقتِضاءِ ما كانَ قامَ عليه فيه، وأشرَفَ على اقتِضائِه مِنه، دونَ خِلافٍ، كما أنَّه لو كانَ الجُعلُ في غيرِ اقتِضاءِ الدُّيونِ، مثلَ أنْ يَجعَلَ له جُعلًا في طَلَبِ آبِقٍ، أو في حَفرِ بِئرٍ، فماتَ الجاعِلُ بعدَ أنْ حَفَرَ المَجعولُ له بعضَ البِئرِ، أو خرَج في طَلَبِ الآبِقِ؛ لَلَزِمَ ذلك وَرثَتَه، ولَم يَقَعْ في ذلك خِلافٌ. ولو كانَ الجُعلُ في مِثلِ الحَصادِ، واللَّقْطِ، بأنْ يَقولَ له: ما حَصَدتَ مِنْ زَرعي هذا، أو لَقَطتَ مِنْ زَيتُوني هذا، فلكَ نِصفُه، أو ثُلُثُه، فماتَ الجاعِلُ بعدَ أنْ حَصَدَ بعضَ الزَّرعِ، أو لَقَطَ بعضَ الزَّيتونِ، لَم يَكُنْ لِلمَجعولِ له التَّمادي على الحَصادِ، ولا على اللَّقْطِ دونَ رِضا وَرثةِ الجاعِلِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ ما حَصَدَ أو لَقَطَ قَدْ وجَب له حَقُّه فيه، وما لَم يَحصُدْ ولَم يَلقُطْ فليسَ له فيه عَمَلٌ يَذهبُ بخُروجِه، فقِفْ على افتِراقِ أحكامِ هذه المَسائِلِ الثَّلاثِ لِافتِراقِ مَعانيها، والجُعلُ على الِاقتِضاءِ يَكونُ لِوَرثةِ الجاعِلِ فيه أنْ يَمنَعوا المَجعولَ له مِنْ التَّمادي على الِاقتِضاءِ في الِاستِحسانِ، دونَ القِياسِ. والجُعلُ على الحَفرِ وطَلَبِ الآبِقِ وشِبْهِه ليسَ لهم فيه أنْ يَمنَعوه مِنْ التَّمادي على الحَفرِ والطَّلَبِ في استِحسانٍ، ولا قِياسَ. والجُعلُ على الحَصادِ واللَّقْطِ وشِبْهِهما لهم أنْ يَمنَعوه مِنْ التَّمادي على الحَصادِ واللَّقْطِ في الِاستِحسانِ والقِياسِ. وَقولُه -إنَّ الجُعلَ على الِاقتِضاءِ لا يَنفَسِخُ بمَوتِ الذي عليه الدَّيْنُ، ولا بتَفليسِه- صَحيحٌ، لا وَجْهَ لِلقَولِ فيه، واللَّهُ المُوَفِّقُ (١).

стр. 5979

وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ ماتَ الجاعِلُ قبلَ تَسلُّمِه العَبدَ الآبِقَ، فإنَّه يَكونُ لِلعامِلِ جُعلُه المُقدَّرُ شَرعًا، يَأخُذُه مِنْ تَرِكةِ سَيِّدِه، كَسائِرِ الحُقوقِ والدُّيونِ، وهذا إذا لَم يَكُنْ مَوتُ سَيِّدِ العَبدِ سَبَبًا في عِتقِه، فإنْ كانَ كما في المُدبِّرِ، وأُمِّ الوَلَدِ فلا شَيءَ لِلعامِلِ؛ لأنَّ العَملَ لَم يَتِمَّ، إذِ العَتيقُ لا يُسمَّى آبِقًا، وكَذلك لا شَيءَ له في غيرِ العَبدِ الآبِقِ مِنْ الأموالِ المَردودةِ إنْ ماتَ الجاعِلُ قبلَ تَسلُّمِها، وتَكونُ له النَّفَقةُ فَقط يَأخُذُها مِنْ تَرِكَتِه في الصُّورَتَيْنِ (١). ٣ - بالجُنونِ والإغماءِ: قالَ الشَّافِعيَّةُ: تَنفسِخُ الجَعالةُ بجُنونِ أحَدِهما أو إغمائِه، قالَ الشَّيخُ زَكَريَّا الأنصاريُّ: وتَنفسِخُ الجَعالةُ بالمَوتِ أو الجُنونِ أو الإغماءِ لِأحَدِ المُتَعامِلَيْنِ، فإنْ ماتَ المالِكُ بعدَ الشُّروعِ في العَملِ فَرَدَّه إلى وَرثَتِه، وفي نُسخةٍ: وارِثِه، وجَب قِسطُه، أي: قِسطُ ما عمِله في الحَياةِ مِنْ المُسمَّى، وإنْ ماتَ العامِلُ فرَدَّه وارِثُه استَحقَّ القِسطَ أيضًا، قالَه الماوَرديُّ (٢).

стр. 5980

كتاب الوَكالة تَعريفُ الوَكالةِ: الوَكالةُ لُغةً: بفَتحِ الواوِ، وكَسرِها: التَّفويضُ، يُقالُ: وكَّله بأمْرِ كذا تَوكيلًا، أي: فوَّض إليه، ووَكَلتُ أمْرِي إلى فُلانٍ، أي: فَوَّضتُه إليه، واكتَفَيتُ به، وتَقَعُ الوَكالةُ أيضًا على الحِفظِ، ومِنه قَول الله تَعالى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، أي: نِعْمَ الحافِظُ، وهو اسمُ مَصدَرٍ، بمعنَى التَّوكيلِ، والوَكيلُ هو الذي تكفَّلَ بما وُكِّلَ به، فكَفَى مُوكِّلَه القِيامَ بما أُسنِدَ إليه. والتَّوَكُّلُ: إظهارُ العَجزِ والِاعتِمادِ على غيرِكَ، والِاسمُ التُّكلانُ، واتَّكَلَ على فُلانٍ في أمْرِه، إذا اعتَمَدَه، ووَكَلَه إلى نَفْسِه، مِنْ بابِ وعَد، ووُكولًا أيضًا، وهذا الأمْرُ مَوكولٌ إلى رَأْيِكَ، وواكَلَه مُواكَلةً إذا اتَّكَلَ كلُّ واحِدٍ مِنهُما على صاحِبِه (١).

стр. 5981

والوَكالةُ اصطِلاحًا: اختَلفَتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الوَكالةِ، فجاءَتْ تَعريفاتُهم مُتعَدِّدةً: فعرَّفها الحَنفيَّةُ بأنَّها: إقامةُ الآخَرِ مَقامَ نَفْسِه -تَرَفُّهًا أو عَجزًا- في تَصرُّفٍ جائِزٍ مَعلومٍ (١). وأمَّا المالِكيَّةُ فقالَ منهم ابنُ عَرفةَ ﵀: الوَكالةُ: نِيابةُ ذي حَقٍّ -غيرِ ذي إمْرَةٍ ولا عِبادةٍ- لِغيرِه فيه، غيرُ مَشروطةٍ بمَوتِه، فتَخرُجُ نِيابةُ إمامِ الطَّاعةِ أميرًا أو قاضيًا أو صاحِبَ صَلاةٍ، والوَصيَّةُ. اه (٢). قولُه: «ذي حَقٍّ» أخرَجَ به مَنْ لا حَقَّ له؛ فإنَّه لا نيابةَ له. وَقولُه: «غيرِ ذي إمرَةٍ» أخرَجَ به الوِلايةَ العامَّةَ والخاصَّةَ، كَنِيابةِ إمامِ الطَّاعةِ أميرًا أو قاضيًا. وَقولُه: «ولا عِبادةٍ، لِغيرِه فيهِ»، أخرَجَ به إمامةَ الصَّلاةِ. وَقولُه: «لِغيرِهِ» مُتعلِّقٌ ب «نِيابةُ»، والضَّميرُ عائِدٌ على المُضافِ إليه الذي هو صاحِبُ الحَقِّ. وَقولُه: «غيرُ مَشروطةٍ بمَوتِه»، أخرَجَ به المُوصِيَ؛ لأنَّه لا يُقالُ فيه

стр. 5982

عُرفًا: وَكَيلٌ؛ ولِذا فَرَّقوا بينَ: فُلانٌ وَكيلي، وفُلانٌ وَصِيِّي (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: الوَكالةُ شَرعًا: تَفويضُ شَخصٍ ما له فِعلُه ممَّا يَقبَلُ النِّيابةَ إلى غيرِه؛ لِيَفعَلَه في حَياتِه (٢). وقيلَ: إقامةُ الوَكيلِ مَقامَ المُوكِّلِ في العَملِ المَأْذونِ فيه (٣). وقالَ الحَنابِلةُ: الوَكالةُ شَرعًا: استِنابةُ جائِزِ التَصرُّفِ مثلَه في الحَياةِ فيما تَدخُلُه النِّيابةُ مِنْ حُقوقِ اللَّهِ تَعالى، وحُقوقِ الآدَميِّينَ، كَعَقدِ بَيعٍ وهِبةٍ وإجارةٍ ونِكاحٍ (٤). حُكمُ الوَكالةِ: الوَكالةُ جائِزةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ والمَعقولِ. أمَّا بالكِتابِ: فقَولُ اللهِ : ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]. ففي هذه الآيةِ دِلالةٌ على جَوازِ الوَكالةِ بالشِّراءِ؛ لأنَّ الذي بَعَثوا به كانَ وَكيلًا لهم.

стр. 5983

وقَولُه تَعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٣٥]. وقَولُه تَعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ [يوسف: ٩٣]. وقَولُه تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]، فجُوِّزَ العَملُ عليها، وذلك بحُكمِ النِّيابةِ عن المُستحِقِّينَ. وأمَّا السُّنَّةُ: فما رَواه البُخاريُّ عن عُروةَ البارِقيِّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطاه دِينارًا يَشتَري له به شاةً، فاشترَى له به شاتَيْنِ، فباعَ إحداهُما بدِينارٍ، وجاءَه بدِينارٍ وشاةٍ، فدَعا له بالبَرَكةِ في بَيعِه، وكانَ لو اشترَى التُّرابَ لَرَبِحَ فيهِ» (١). وعن أبي نُعَيمٍ وَهبِ بنِ كَيسانَ قالَ: سَمِعتُ جابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يَقولُ: أرَدتُ الخُروجَ إلى خَيبَرَ، فقالَ لي رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إذا أتَيتَ وَكيلي بخَيبَرَ فخُذْ مِنه خَمسةَ عَشَرَ وَسقًا، فإنِ ابتَغَى مِنْكَ آيةً فضَعْ يَدَكَ على تَرقُوَتِه» (٢) وهي العَظمُ الذي بينَ ثُغرةِ النَّحرِ والعاتِقِ، وهُما تَرقُوتانِ مِنْ الجانِبَيْنِ. فَفي هذا الحَديثِ دَليلٌ على صِحَّةِ الوَكالةِ، وأنَّ الإمامَ له أنْ يُوكِّلَ ويُقيمَ عامِلًا على الصَّدَقةِ في قَبضِها، وفي دَفْعِها إلى مُستَحقِّها، وإلى مَنْ يُرسِلُه إليه بأمارةٍ.

стр. 5984

ومِنها: أخبارُ الصَّحيحَيْنِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَبعَثُ السُّعاةَ لِأخْذِ الزَّكاةِ، فعَن أبي حُمَيدٍ السَّاعِديِّ ﵁ قالَ: «استَعمَلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ الأسْدِ على صَدَقاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدعَى ابنَ اللُّتْبِيَّةِ، فلمَّا جاءَ حاسَبَهُ» (١). ورَوى مُسلِمٌ عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «بَعَثَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عُمرَ على الصَّدَقةِ … » (٢). ورَوى الحاكِمُ في «المُستَدرِكُ» عن جَعفَرِ بنِ مُحمَّدِ بنِ عَلِيٍّ عن أبيه قالَ: بَعَثَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بن أُميَّةَ الضَّمْريَّ إلى النَّجاشيِّ يَخطُبُ عليه أُمَّ حَبيبةَ بِنتَ أبي سُفيانَ، وكانَتْ تَحتَ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ جَحشٍ، فزوَّجها إيَّاه، وأَصدَقَها النَّجاشيُّ مِنْ عِندِه عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ أربَعَمِئةِ دِينارٍ» (٣). وقالَ النَّبيُّ ﷺ في حَديثِ العَسيفِ: «واغْدُ يا أُنَيسُ إلى امرَأةِ هذا، فإنِ اعتَرَفَتْ فارجُمْها» (٤).

стр. 5985

وأمَّا الإجماعُ: فقَد أجمَع أهلُ العِلمِ في كلِّ عَصرٍ ومِصرٍ على جَوازِ الوَكالةِ، وعليه عَملُ النَّاسِ مِنْ لَدُنِ الصَّدرِ الأوَل إلى يَومِنا هذا مِنْ غيرِ نَكيرٍ، وقَد نقَل الإجماعَ على هذا عَدَدٌ مِنْ العُلماءِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعتِ الأُمَّةُ على جَوازِ الوَكالةِ في الجُملةِ (١). وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: اتَّفَقوا على جَوازِ الوَكالةِ في البَيعِ والشِّراءِ وحِفظِ المَتاعِ وقَبضِ الحُقوقِ مِنْ الأموالِ ودَفْعِها والنَّظرِ في الأموالِ (٢). وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: ولا خِلافَ في جَوازِ الوَكالةِ عندَ العُلماءِ (٣). وقالَ الشَّيخُ خَليلٌ ﵀: وأجمَعتِ الأُمَّةُ على جَوازِ الوَكالةِ مِنْ حيثُ الجُملةُ (٤). وقالَ أبو المَعالي الجُوَينِيُّ ﵀: تَصحُّ الوَكالةُ بإجماعِ العُلماءِ (٥). وقالَ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ الوَكالةَ مِنْ العُقودِ الجائِزةِ في الجُملةِ (٦).

стр. 5986

وقالَ المازوريُّ ﵀: وقَد تَقرَّر الإجماعُ على جَوازِ الوَكالةِ في الجُملةِ (١). وغيرُهم كَثيرونَ. وأمَّا مِنْ المَعقولِ: فلأنَّ الوَكالةَ مَعونةٌ، إمَّا لمَن أحَبَّ صِيانةَ نَفْسِه عن البَذلةِ فيها، وإمَّا لمَن عَجزَ عن القِيامِ بها، وكِلَا الأمرَيْنِ مُباحٌ، وحاجةُ النَّاسِ إليه ماسَّةٌ أشَدَّ المَسِّ؛ فإنَّه لا يُمكِنُ كلَّ واحِدٍ فِعلُ ما يَحتاجُ إليه، فقَد يَعجِزُ الإنسانُ عن مُباشَرةِ بعضِ الأفعالِ بنَفْسِه، إمَّا لِقِلَّةِ مَعرِفَتِه بذلك، وإمَّا لِكَثرَتِه، أو تَنَزُّهًا عن ذلك، فيَحتاجُ إلى أنْ يُوكِّلَ غيرَه، فيَكونُ بسَبيلٍ مِنه دَفعًا لِلحاجةِ والحَرَجِ، فلَو لَم يَجُزِ التَّوكيلُ لَزِمَ الحَرَجُ، وهو مُنتَفٍ بالنَّصِّ، كما قالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، بَلْ قالَ كَثيرٌ مِنْ العُلماءِ: إنَّ قَبولها مَندوبٌ إليه؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «واللَّهِ ٥ في عَوْنِ العَبدِ ما كانَ العَبدُ في عَوْنِ أخيهِ» (٢)، وقَد تَحرُمُ إنْ كانَ فيها إعانةٌ على مُحرَّمٍ، وقَد تُكرَهُ إنْ كانَ فيها إعانةٌ على مَكروهٍ، وقَد تَجِبُ إنْ تَوقَف عليها دَفْعُ ضَرَرِ المُوكِّلِ، كَتَوكيلِ المُضطَرِّ في شِراءِ طَعامٍ قَدْ عَجزَ عَنه، وقَد تُتصوَّرُ فيها الإباحةُ، كما إذا لَم يَكُنْ لِلمُوكِّلِ حاجةٌ في الوَكالةِ، وسَألَه الوَكيلُ إيَّاها مِنْ غيرِ غَرَضٍ (٣).

стр. 5987

فصل في أنواعِ الوَكالةِ الوَكالةُ إمَّا أنْ تَكونَ عامَّةً وإمَّا أنْ تَكونَ خاصَّةً، وقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الوَكالةِ العامَّةِ، فأمَّا الوَكالةُ الخاصَّةُ فمُتفَقٌ على جَوازِها في الجُملةِ على ما سَيَأتي بَيانُه. أوَّلاً: الوَكالةُ العامَّةُ: الوَكالةُ العامَّةُ قَدْ تَكونُ عامَّةً في كلِّ شَيءٍ، كَأنْ يَقولَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: أنتَ وَكيلي في كلِّ شَيءٍ، أو يَقولَ له: أنتَ وَكيلي في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ. قالَ السُّيوطيُّ ﵀: وصُورة الوَكالةِ المُطلَقةِ: وكَّل فُلانٌ فُلانًا في المُطالَبةِ بحُقوقِه كلِّها، ودُيونِه بأسرِها، وواجِباتِه بأجمَعِها، ممَّن هي عليه، وعندَه، وفي ذِمَّتِه، وفي جِهَتِه، وتَحتَ يَدِه، كائِنًا مَنْ كانَ، وحيثُ كانَ مِنْ سائِرِ النَّواحي والأماكِنِ والبُلدانِ مِنْ غَريمٍ وخَصمٍ وأميرٍ ومُتكلِّمٍ ومَأذونٍ ووَكيلٍ وشَريكٍ ومُودِعٍ ومُعامِلٍ ومُضارِبٍ ووَصِيٍّ ووارِثٍ، وغيرِ ذلك،

стр. 5988

وفي المُرافَعةِ والدَّعوَى على غُرَمائِه وخُصومِه في مَجالِسِ السَّادةِ القُضاةِ والحُكَّامِ وخُلَفائِهم، ووُلاةِ أُمورِ الإسلامِ ونُوَّابِهم، وفي الحَبسِ والتَّرسيمِ والإفراجِ والإعادةِ والمُلازَمةِ والإطلاقِ، وأخْذِ الضُّمَناءِ والكُفَلاءِ وقَبولِ الحَوالاتِ على الأملياءِ والمُعاوَضةِ والمُصارَفةِ وقَبضِ مالِ العِوَضِ والصَّرفِ والمُحاسَبةِ والمُحاقَقَةِ والمُحاكَمةِ والمُخاصَمةِ وسَماعِ الدَّعوَى عليه، ورَدِّ الأجوِبةِ بما يَسوغُ شَرعًا، وإقامةِ بيِّناتِه، وإثباتِ حُجَجِه ومَساطِيرِه، واستِيفاءِ الأيمانِ ورَدِّها، والعَفوِ عَنها، وقَبولِ ما يُفتَدَى به. وفي المُعامَلةِ والمُفاسَخةِ والتَّوليةِ والإشراكِ والمُرابَحةِ والرَّدِّ بالعَيبِ، ومُقاسَمةِ كلِّ ما كانَ بينَه وبَين شَريكٍ له في شَيءٍ مِنْ الأشياءِ ممَّا يَجوزُ قِسمَتُه، وأخْذِ ما تُقَرِّرُه له القِسمةُ الجاريةُ بينَهما في ذلك بكُلِّ نَوعٍ مِنْ أنواعِ القِسمةِ الشَّرعيةِ، وأخْذِ فَضلةِ قِيمَتِه إنْ وجَب له في ذلك شَيءٌ مِنْ ذلك، وإعطاءِ قِيمةِ ذلك عندَ وُجوبِها، وإبراءِ مَنْ يَرَى إبراءَه مِنْ كلِّ حَقٍّ يَجِبُ له، ومِن كلِّ جُزءٍ مِنه، وأخْذِ كلِّ ما يَجوزُ له أخْذُه بالشُّفعةِ، وطَلَبِها، والقيامِ بها، وإعطاءِ ثَمَنِ ذلك مِنْ مالِ مُوكِّلِه المَذكورِ لِمُستَحقِّه عندَ وُجوبِه بطَريقِه الشَّرعيِّ، وفي بَيعِ ما يَرَى بَيعَه، وإيجارِ ما يَرَى إيجارَه مِنْ أملاكِه الجاريةِ في يَدِه، واستِحقاقِه الشَّائِعِ مِنها، والمَقسومِ ممَّن يَرغَبُ في ابتياعِها، أو شَيءٍ مِنها، أو استِئجارِها أو شَيءٍ مِنها بثَمَنِ المِثلِ وأُجرةِ المِثلِ، فما فَوقَ ذلك، على حُكمِ الحُلولِ أو التَّأجيلِ على ما يَراه، وتَسليمِ المَبيعِ والمَأجورِ لِمُبتاعِه ومُستأجِرِه، وقَبضِ الثَّمَنِ والأُجرةِ عن ذلك.

стр. 5989

وفي عِمارةِ كلِّ ما يَرَى عِمارَتَه مِنْ ذلك، وإصلاحِ ما يَرَى إصلاحَه مِنه، وتَرميمِه وإزالةِ شَعَثِه، وقَطعِ عُيوبِه، والإنفاقِ على ذلك مِنْ مُوكِّلِه، وتَوَلي القيامِ به بنَفْسِه وبِمَن يَستَعينُ به على ما يَرَى له فيه الحَظَّ والمَصلَحةَ، وفي مُصالَحةِ مَنْ رَأى مُصالَحَتَه ممَّن لِموكِّلِه عليه حَقٌّ على ما يَصحُّ ويَجوزُ، وقَبضِ مالِ الصُّلحِ، وفي ابتِياعِ ما يَرَى ابتياعَه له مِنْ الأصنافِ والعَقاراتِ على اختِلافِها، ودَفْعِ الثَّمَنِ مِنْ مالِه، وفي المُناقَلةِ عنه بأملاكِه إلى ما يَرَى مِنْ العَقارِ. وفي التَسلُّمِ والتَّسليمِ والمُكاتَبةِ والإشهادِ على الرَّسمِ المُعتادِ، وإبداءِ الدَّافِعِ ونَفْيِه، وطَلَبِ الحُكمِ مِنْ الحُكَّامِ بإلزامِ الخُصومِ بما يَلزَمُهم له، وطَلَبِ الثُّبوتِ والحُكمِ بما يَثبُتُ لَدَيهم شَرعًا، وفي المُقابَلةِ في العَقارِ وغيرِه، وفَسخِ ما يَرَى فَسْخَه مِنْ البُيوعِ بطَريقِه، إذا رَأى ذلك مَصلَحةً. وفي طَلَبِ ما جَرَّ إليه الإرْثُ الشَّرعيُّ مِنْ فُلانٍ المُتوَفَّى ببَلَدِ كذا ممَّن هو في يَدِه وتَحتَ نَظَرِه وحَوْطَتِه، وقَبْضِ جَميعِ ما يَتعيَّنُ له قَبضُه واستِخلاصُه واستيفاؤُه بكُلِّ طَريقٍ مُمكِنٍ شَرعيٍّ. وفي تَسليم مَغلاتِ أملاكِه ومُستأجَراتِه وإقطاعاتِه بالمَكانِ الفُلانيِّ، وضَبطِها وتَحريرِها وبَيعِ ما يَرَى بَيعَه مِنها، وخَزْنِ ما يَرَى خَزْنَه مِنْ مَجموعِها، وتَقويةِ فَلَّاحيه، وصَرفِ ما يَرَى صَرفَه في ذلك مِنْ ثَمَنِ أدَواتٍ وآلاتٍ وعُدَدٍ وفِلَاحةٍ والتَّقاوي وغيرِها، ممَّا تَدعو الحاجةُ إلى صَرفِه في تعَلُّقاتِه وجِهاتِ أملاكِه ومُستأجَراتِه مِنْ المَصاريفِ الشَّرعيةِ والعُرفيَّةِ

стр. 5990

والعاديَّةِ الشَّاهِدِ بها ضَرائِبُ إقطاعاتِه الدِّيوانيَّةِ، وفي وَفاءِ ما عَساه يَكونُ على المُوكِّلِ المَذكورِ مِنْ دُيونٍ شَرعيَّةٍ وجامكيَّةٍ وغيرِ ذلك. وَفِعلِ ما تَقتَضيه المَصلَحةُ له مِنْ حَملِ ما يَتحَصَّلُ تَحتَ يَدِه مِنْ الأموالِ إلى المَكانِ الفُلانيِّ، وفي السَّفَرِ به صُحبةَ الرُّفقةِ الثِّقاتِ في الطُّرُقِ المَأمونةِ المَسلوكةِ وتَجهيزِه له صُحبةً مَوثوقًا بها إنْ شاءَ، وإبقائِه تَحتَ يَدِه إذا شاءَ تَوكيلًا صَحيحًا شرعيًّا عامًّا مُطلَقًا مُفوَّضًا مُوَسَّعًا مَرضِيًّا يَندَرِجُ تَحتَ عُمومِه البَيعُ والشِّراءُ والأخْذُ والعَطاءُ والقَبضُ والإقباضُ وسائِرُ التَّصرُّفاتِ الشَّرعيةِ في جَميعِ التَعلُّقاتِ الماليَّةِ ممَّا يَصحُّ به التَّوكيلُ شَرعًا، لَم يُستَثْنَ عليه فَصلٌ مِنْ فُصولِ التَّوكيلِ الجائِزِ شَرعًا، ولا نَوعٌ مِنْ أنواعِه، سِوَى حَلِّ العِصَمِ وعَقدِها، وإشغالِ الذِّمةِ بالدَّيْنِ، وإتلافِ التَّملُّكاتِ بغيرِ عِوَضٍ يُساويها مِثْلًا، أو قِيمةً، وما عَدَا ذلك فقَد فوَّضه إليه، وأطلَقَ تَصرُّفَه فيه، وأقامَه في ذلك كلِّه ما عَدا المُستَثنَى أعلاه مَقامَ نَفْسِه، ورَضيَ بقَوله وفِعلِه، وجعَل له أنْ يُوكِّلَ في ذلك وفيما شاءَ مِنه مَنْ شاءَ مِنْ الوُكَلاءِ، ويَعزِلَه متى شاءَ، ويُعيدَه إذا شاءَ، وأنْ يَستَبدِلَ وَكيلًا بعدَ وَكيلٍ، قبلَ ذلك مِنه قَبولًا شَرعيًّا ورَضيَ كُلٌّ مِنهُما به الرِّضَا الشَّرعيَّ ويَكمُلُ (١). وَقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ هذه الوَكالةِ، هَلْ هي جائِزةٌ أو لا؟ فَذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ وهو رِوايةٌ لِلحَنابِلةِ -في الجُملةِ- إلى صِحَّةِ الوَكالةِ العامَّةِ على تَفصيلٍ بينَهم في هذا.
следующие страницы →