وقالَ المازوريُّ ﵀: وقَد تَقرَّر الإجماعُ على جَوازِ الوَكالةِ في الجُملةِ (١). وغيرُهم كَثيرونَ.
وأمَّا مِنْ المَعقولِ: فلأنَّ الوَكالةَ مَعونةٌ، إمَّا لمَن أحَبَّ صِيانةَ نَفْسِه عن البَذلةِ فيها، وإمَّا لمَن عَجزَ عن القِيامِ بها، وكِلَا الأمرَيْنِ مُباحٌ، وحاجةُ النَّاسِ إليه ماسَّةٌ أشَدَّ المَسِّ؛ فإنَّه لا يُمكِنُ كلَّ واحِدٍ فِعلُ ما يَحتاجُ إليه، فقَد يَعجِزُ الإنسانُ عن مُباشَرةِ بعضِ الأفعالِ بنَفْسِه، إمَّا لِقِلَّةِ مَعرِفَتِه بذلك، وإمَّا لِكَثرَتِه، أو تَنَزُّهًا عن ذلك، فيَحتاجُ إلى أنْ يُوكِّلَ غيرَه، فيَكونُ بسَبيلٍ مِنه دَفعًا لِلحاجةِ والحَرَجِ، فلَو لَم يَجُزِ التَّوكيلُ لَزِمَ الحَرَجُ، وهو مُنتَفٍ بالنَّصِّ، كما قالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، بَلْ قالَ كَثيرٌ مِنْ العُلماءِ: إنَّ قَبولها مَندوبٌ إليه؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «واللَّهِ ٥ في عَوْنِ العَبدِ ما كانَ العَبدُ في عَوْنِ أخيهِ» (٢)، وقَد تَحرُمُ إنْ كانَ فيها إعانةٌ على مُحرَّمٍ، وقَد تُكرَهُ إنْ كانَ فيها إعانةٌ على مَكروهٍ، وقَد تَجِبُ إنْ تَوقَف عليها دَفْعُ ضَرَرِ المُوكِّلِ، كَتَوكيلِ المُضطَرِّ في شِراءِ طَعامٍ قَدْ عَجزَ عَنه، وقَد تُتصوَّرُ فيها الإباحةُ، كما إذا لَم يَكُنْ لِلمُوكِّلِ حاجةٌ في الوَكالةِ، وسَألَه الوَكيلُ إيَّاها مِنْ غيرِ غَرَضٍ (٣).
стр. 5987
فصل في أنواعِ الوَكالةِ
الوَكالةُ إمَّا أنْ تَكونَ عامَّةً وإمَّا أنْ تَكونَ خاصَّةً، وقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الوَكالةِ العامَّةِ، فأمَّا الوَكالةُ الخاصَّةُ فمُتفَقٌ على جَوازِها في الجُملةِ على ما سَيَأتي بَيانُه.
أوَّلاً: الوَكالةُ العامَّةُ:
الوَكالةُ العامَّةُ قَدْ تَكونُ عامَّةً في كلِّ شَيءٍ، كَأنْ يَقولَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: أنتَ وَكيلي في كلِّ شَيءٍ، أو يَقولَ له: أنتَ وَكيلي في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ.
قالَ السُّيوطيُّ ﵀: وصُورة الوَكالةِ المُطلَقةِ: وكَّل فُلانٌ فُلانًا في المُطالَبةِ بحُقوقِه كلِّها، ودُيونِه بأسرِها، وواجِباتِه بأجمَعِها، ممَّن هي عليه، وعندَه، وفي ذِمَّتِه، وفي جِهَتِه، وتَحتَ يَدِه، كائِنًا مَنْ كانَ، وحيثُ كانَ مِنْ سائِرِ النَّواحي والأماكِنِ والبُلدانِ مِنْ غَريمٍ وخَصمٍ وأميرٍ ومُتكلِّمٍ ومَأذونٍ ووَكيلٍ وشَريكٍ ومُودِعٍ ومُعامِلٍ ومُضارِبٍ ووَصِيٍّ ووارِثٍ، وغيرِ ذلك،
стр. 5988
وفي المُرافَعةِ والدَّعوَى على غُرَمائِه وخُصومِه في مَجالِسِ السَّادةِ القُضاةِ والحُكَّامِ وخُلَفائِهم، ووُلاةِ أُمورِ الإسلامِ ونُوَّابِهم، وفي الحَبسِ والتَّرسيمِ والإفراجِ والإعادةِ والمُلازَمةِ والإطلاقِ، وأخْذِ الضُّمَناءِ والكُفَلاءِ وقَبولِ الحَوالاتِ على الأملياءِ والمُعاوَضةِ والمُصارَفةِ وقَبضِ مالِ العِوَضِ والصَّرفِ والمُحاسَبةِ والمُحاقَقَةِ والمُحاكَمةِ والمُخاصَمةِ وسَماعِ الدَّعوَى عليه، ورَدِّ الأجوِبةِ بما يَسوغُ شَرعًا، وإقامةِ بيِّناتِه، وإثباتِ حُجَجِه ومَساطِيرِه، واستِيفاءِ الأيمانِ ورَدِّها، والعَفوِ عَنها، وقَبولِ ما يُفتَدَى به.
وفي المُعامَلةِ والمُفاسَخةِ والتَّوليةِ والإشراكِ والمُرابَحةِ والرَّدِّ بالعَيبِ، ومُقاسَمةِ كلِّ ما كانَ بينَه وبَين شَريكٍ له في شَيءٍ مِنْ الأشياءِ ممَّا يَجوزُ قِسمَتُه، وأخْذِ ما تُقَرِّرُه له القِسمةُ الجاريةُ بينَهما في ذلك بكُلِّ نَوعٍ مِنْ أنواعِ القِسمةِ الشَّرعيةِ، وأخْذِ فَضلةِ قِيمَتِه إنْ وجَب له في ذلك شَيءٌ مِنْ ذلك، وإعطاءِ قِيمةِ ذلك عندَ وُجوبِها، وإبراءِ مَنْ يَرَى إبراءَه مِنْ كلِّ حَقٍّ يَجِبُ له، ومِن كلِّ جُزءٍ مِنه، وأخْذِ كلِّ ما يَجوزُ له أخْذُه بالشُّفعةِ، وطَلَبِها، والقيامِ بها، وإعطاءِ ثَمَنِ ذلك مِنْ مالِ مُوكِّلِه المَذكورِ لِمُستَحقِّه عندَ وُجوبِه بطَريقِه الشَّرعيِّ، وفي بَيعِ ما يَرَى بَيعَه، وإيجارِ ما يَرَى إيجارَه مِنْ أملاكِه الجاريةِ في يَدِه، واستِحقاقِه الشَّائِعِ مِنها، والمَقسومِ ممَّن يَرغَبُ في ابتياعِها، أو شَيءٍ مِنها، أو استِئجارِها أو شَيءٍ مِنها بثَمَنِ المِثلِ وأُجرةِ المِثلِ، فما فَوقَ ذلك، على حُكمِ الحُلولِ أو التَّأجيلِ على ما يَراه، وتَسليمِ المَبيعِ والمَأجورِ لِمُبتاعِه ومُستأجِرِه، وقَبضِ الثَّمَنِ والأُجرةِ عن ذلك.
стр. 5989
وفي عِمارةِ كلِّ ما يَرَى عِمارَتَه مِنْ ذلك، وإصلاحِ ما يَرَى إصلاحَه مِنه، وتَرميمِه وإزالةِ شَعَثِه، وقَطعِ عُيوبِه، والإنفاقِ على ذلك مِنْ مُوكِّلِه، وتَوَلي القيامِ به بنَفْسِه وبِمَن يَستَعينُ به على ما يَرَى له فيه الحَظَّ والمَصلَحةَ، وفي مُصالَحةِ مَنْ رَأى مُصالَحَتَه ممَّن لِموكِّلِه عليه حَقٌّ على ما يَصحُّ ويَجوزُ، وقَبضِ مالِ الصُّلحِ، وفي ابتِياعِ ما يَرَى ابتياعَه له مِنْ الأصنافِ والعَقاراتِ على اختِلافِها، ودَفْعِ الثَّمَنِ مِنْ مالِه، وفي المُناقَلةِ عنه بأملاكِه إلى ما يَرَى مِنْ العَقارِ.
وفي التَسلُّمِ والتَّسليمِ والمُكاتَبةِ والإشهادِ على الرَّسمِ المُعتادِ، وإبداءِ الدَّافِعِ ونَفْيِه، وطَلَبِ الحُكمِ مِنْ الحُكَّامِ بإلزامِ الخُصومِ بما يَلزَمُهم له، وطَلَبِ الثُّبوتِ والحُكمِ بما يَثبُتُ لَدَيهم شَرعًا، وفي المُقابَلةِ في العَقارِ وغيرِه، وفَسخِ ما يَرَى فَسْخَه مِنْ البُيوعِ بطَريقِه، إذا رَأى ذلك مَصلَحةً.
وفي طَلَبِ ما جَرَّ إليه الإرْثُ الشَّرعيُّ مِنْ فُلانٍ المُتوَفَّى ببَلَدِ كذا ممَّن هو في يَدِه وتَحتَ نَظَرِه وحَوْطَتِه، وقَبْضِ جَميعِ ما يَتعيَّنُ له قَبضُه واستِخلاصُه واستيفاؤُه بكُلِّ طَريقٍ مُمكِنٍ شَرعيٍّ.
وفي تَسليم مَغلاتِ أملاكِه ومُستأجَراتِه وإقطاعاتِه بالمَكانِ الفُلانيِّ، وضَبطِها وتَحريرِها وبَيعِ ما يَرَى بَيعَه مِنها، وخَزْنِ ما يَرَى خَزْنَه مِنْ مَجموعِها، وتَقويةِ فَلَّاحيه، وصَرفِ ما يَرَى صَرفَه في ذلك مِنْ ثَمَنِ أدَواتٍ وآلاتٍ وعُدَدٍ وفِلَاحةٍ والتَّقاوي وغيرِها، ممَّا تَدعو الحاجةُ إلى صَرفِه في تعَلُّقاتِه وجِهاتِ أملاكِه ومُستأجَراتِه مِنْ المَصاريفِ الشَّرعيةِ والعُرفيَّةِ
стр. 5990
والعاديَّةِ الشَّاهِدِ بها ضَرائِبُ إقطاعاتِه الدِّيوانيَّةِ، وفي وَفاءِ ما عَساه يَكونُ على المُوكِّلِ المَذكورِ مِنْ دُيونٍ شَرعيَّةٍ وجامكيَّةٍ وغيرِ ذلك.
وَفِعلِ ما تَقتَضيه المَصلَحةُ له مِنْ حَملِ ما يَتحَصَّلُ تَحتَ يَدِه مِنْ الأموالِ إلى المَكانِ الفُلانيِّ، وفي السَّفَرِ به صُحبةَ الرُّفقةِ الثِّقاتِ في الطُّرُقِ المَأمونةِ المَسلوكةِ وتَجهيزِه له صُحبةً مَوثوقًا بها إنْ شاءَ، وإبقائِه تَحتَ يَدِه إذا شاءَ تَوكيلًا صَحيحًا شرعيًّا عامًّا مُطلَقًا مُفوَّضًا مُوَسَّعًا مَرضِيًّا يَندَرِجُ تَحتَ عُمومِه البَيعُ والشِّراءُ والأخْذُ والعَطاءُ والقَبضُ والإقباضُ وسائِرُ التَّصرُّفاتِ الشَّرعيةِ في جَميعِ التَعلُّقاتِ الماليَّةِ ممَّا يَصحُّ به التَّوكيلُ شَرعًا، لَم يُستَثْنَ عليه فَصلٌ مِنْ فُصولِ التَّوكيلِ الجائِزِ شَرعًا، ولا نَوعٌ مِنْ أنواعِه، سِوَى حَلِّ العِصَمِ وعَقدِها، وإشغالِ الذِّمةِ بالدَّيْنِ، وإتلافِ التَّملُّكاتِ بغيرِ عِوَضٍ يُساويها مِثْلًا، أو قِيمةً، وما عَدَا ذلك فقَد فوَّضه إليه، وأطلَقَ تَصرُّفَه فيه، وأقامَه في ذلك كلِّه ما عَدا المُستَثنَى أعلاه مَقامَ نَفْسِه، ورَضيَ بقَوله وفِعلِه، وجعَل له أنْ يُوكِّلَ في ذلك وفيما شاءَ مِنه مَنْ شاءَ مِنْ الوُكَلاءِ، ويَعزِلَه متى شاءَ، ويُعيدَه إذا شاءَ، وأنْ يَستَبدِلَ وَكيلًا بعدَ وَكيلٍ، قبلَ ذلك مِنه قَبولًا شَرعيًّا ورَضيَ كُلٌّ مِنهُما به الرِّضَا الشَّرعيَّ ويَكمُلُ (١).
وَقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ هذه الوَكالةِ، هَلْ هي جائِزةٌ أو لا؟
فَذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ وهو رِوايةٌ لِلحَنابِلةِ -في الجُملةِ- إلى صِحَّةِ الوَكالةِ العامَّةِ على تَفصيلٍ بينَهم في هذا.
стр. 5991
قالَ الحَنفيَّةُ: إذا قالَ: أنتَ وَكيلي في كلِّ شَيءٍ، أو قالَ: أنتَ وَكيلي بكُلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ، يَكونُ وَكِيلًا بحِفظِ ذلك الشَّيءِ، لا غيرُ، على الصَّحيحِ.
ولو قالَ: أنتَ وَكيلي، وفي كلِّ شَيءٍ أمرُكَ جائِزٌ، يَصيرُ وَكيلًا في جَميعِ التَصرُّفاتِ الماليةِ؛ كالبَيعِ والشِّراءِ وسائِرِ المُعاوَضاتِ.
قالَ في «الفَتاوَى الصُّغرَى»: لو زادَ: جائِزٌ أمرُكَ، فهو وَكيلٌ في الحِفظِ والبَيعِ والشِّراءِ وتَقاضي دُيونِه وحُقوقِه والهِبةِ والصَّدَقةِ، وغيرِ ذلك؛ لأنَّه فوَّض إليه التَصرُّفَ عامًّا، فصارَ كما لو قالَ: ما صَنَعتَ مِنْ شَيءٍ فهو جائِزٌ، ويَملِكُ جَميعَ أنواعِ التَصرُّفاتِ، حتى لو أنفَقَ على نَفْسِه جازَ؛ لأنَّه أجازَ صَنيعَه، وهذا مِنْ صَنيعِه، ثم قالَ: وهذا التَّعليلُ يَقتَضي أنَّه إذا طَلَّق امرَأتَه جازَ، فيُفتَى بهذا حتى يَتبيَّنَ خِلافُه. اه.
واختَلَفوا في الطَّلاقِ والعَتاقِ والوَقفِ والهِبةِ والصَّدَقةِ. فقيلَ: يَملِكُ ذلك لِإطلاقِ تَعميمِ اللَّفظِ.
وقيلَ: لا يَملِكُ ذلك إلَّا إذا دَلَّ دَليلُ سابِقةِ الكَلامِ، ونَحوُه، وهو قَولُ الإمامِ أبي حَنيفةَ، وعليه الفَتوَى، وكذا لو قالَ: طَلَّقتُ امرَأتَكَ ووَهَبتُ ووَقَفتُ أرضَكَ، في الأصَحِّ لا يَجوزُ.
والحاصِلُ أنَّ الوَكيلَ وَكالةً عامَّةً يَملِكُ كلَّ شَيءٍ إلَّا الطَّلاقَ والعَتاقَ والوَقفَ والهِبةَ والصَّدَقةَ على المُفتَى به، ويَنبَغي ألَّا يَملِكَ الإبراءَ والحَطَّ على المَديونِ؛ لأنَّهما مِنْ قَبيلِ التَبرُّعِ.
وَهَل له الإقراضُ والهِبةُ بشَرطِ العِوَضِ؛ فَأنَّهما بالنَّظرِ إلى الابتداءِ
стр. 5992
تَبرُّعٌ؛ فإنَّ القَرضَ عاريةٌ ابتِداءً، مُعاوَضةٌ انتِهاءً، والهِبةُ بشَرطِ العِوَضِ هِبةٌ ابتِداءً، مُعاوَضةٌ انتِهاءً، قالَ ابنُ نُجَيْمٍ: ويَنبَغي ألَّا يَملِكَهُما الوَكيلُ بالتَّوكيلِ العامِّ؛ لأنَّه لا يَملِكُهُما إلَّا مَنْ يَملِكُ التَبرُّعاتِ، ولِذا لا يَجوزُ إقراضُ الوَصِيِّ مالَ اليَتيمِ، ولا هِبَتُه بشَرطِ العِوَضِ، وإنْ كانَتْ مُعاوَضةً في الِانتِهاءِ، وظاهِرُ العُمومِ أنَّه يَملِكُ قَبضَ الدَّيْنِ واقتِضاءَه وإيفاءَه، والدَّعوَى بحُقوقِ المُوكِّلِ، ويَمْلِكُ سَماعَ الدَّعوَى بحُقوقٍ على المُوكِّلِ، ويَمْلِكُ الإقراراتِ على المُوكِّلِ بالدُّيونِ، ولا يَختَصُّ بمَجلِسِ القاضي؛ لأنَّ ذلك في الوَكيلِ بالخُصومةِ، لا في العامِّ.
فَإنْ قُلتَ: لو وكَّله بصِيغةِ: وَكَّلتُكَ وَكالةً مُطلَقةً عامَّةً، فهَل يَتناوَلُ الطَّلاقَ والعَتاقَ والتَبرُّعاتِ؟ قُلتُ: لَم أَرَهُ صَريحًا، والظَّاهِرُ أنَّه لا يَملِكُها، على المُفتَى بهِ؛ لأنَّ مِنْ الألفاظِ ما صرَّح قاضيخانُ وغيرُه بأنَّه تَوكيلٌ عامٌّ، ومَع ذلك قالوا بعَدمِه. اه.
وفي فتاوَى الفَقيهِ أبي جَعفَرٍ ﵀: رَجُلٌ قالَ لِغيرِهِ: وَكَّلتُكَ في جَميعِ أُموري، وأقَمتُكَ مَقامَ نَفْسِي، لا تَكونُ الوَكالةُ عامَّةً، ولو قالَ: وَكَّلتُكَ في جَميعِ أُموري التي يَجوزُ بها التَّوكيلُ، كانَتِ الوَكالةُ عامَّةً، تَتَناوَلُ البِياعاتِ والأنكِحةَ، وفي الوَجهِ الأوَل إذا لَم تَكُنْ عامَّةً يُنظَرُ إنْ كانَ الرَّجلُ يَختلِفُ ليسَ له صِناعةٌ مَعروفةٌ، فالوَكالةُ باطِلةٌ، وإنْ كانَ الرَّجلُ تاجِرًا تِجارةً مَعروفةً تَنصَرِفُ إليها. اه (١).
стр. 5993
وقالَ الكمالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: عن المَحبوبيِّ: أنتَ وَكيلي في كلِّ شَيءٍ، يَكونُ بالحِفظِ، قالوا: فلَو زادَ فقالَ: أنتَ وَكيلي، في كلِّ شَيءٍ صُنعُكَ جائِزٌ، أو أمرُكَ، فعندَ مُحمَّدٍ يَصيرُ وَكيلًا في البِياعاتِ والإجاراتِ والهِباتِ والطَّلاقِ والعَتاقِ، حتى ملَك أنْ يُنفِقَ على نَفْسِه مِنْ مالِه، وعندَ أبي حَنيفةَ في المُعاوَضاتِ فَقط، ولا يَلي العِتقَ والتَبرُّعَ، وفي فَتاوَى بعضِ المُتَأخِّرينَ عليه الفَتوَى، وكذا لو قالَ: طَلَّقتُ امرَأتَكَ ووَقَفتُ أرضَكَ، الأصَحُّ أنَّه لا يَجوزُ، ومِثلُه إذا قالَ: وَكَّلتُكَ في جَميعِ أُموري، ولو قالَ: فَوَّضتُ أمْرَ مالي إلَيكَ، يَصيرُ وَكيلًا بالحِفظِ فَقط، وكذا فَوَّضتُ أمْري إلَيكَ، الصَّحيحُ أنَّه مِثلُه.
وفي «المَبسوطِ»: إذا وكَّله بكُلِّ قَليلٍ أو كَثيرٍ فهو وَكيلٌ بالحِفظِ، لا بتَقاضي بَيعٍ ولا شِراءٍ، وفَوَّضتُ لكَ أمرَ مُستغَلَّاتي، وكانَ أجْرُها لَكَ، ملَك تَقاضِيَ الأُجرةَ وقَبْضَها، وكذا فَوَّضتُ لكَ أمْرَ دُيوني، ملَك التَّقاضِيَ، وأمْرَ دَوابِّي، ملَك الحِفظَ والرَّعْيَ والتَّعليفَ، وأمْرَ ممالِيكِي، ملَك الحِفظَ والنَّفَقةَ، وفَوَّضتُ إلَيكَ أمْرَ امرَأتِي، ملَك طَلاقَها، واقتَصَرَ على المَجلِسِ، بخِلافِ ما لو قالَ: وَكَّلتُكَ، والوِصايةُ حالةَ الحَياةِ وَكالةٌ، كالوَكالةِ بعدَ مَوتِه، وِصايةٌ؛ لأنَّ المَنظورَ إليه المَعاني، وَكَّلتُكَ في كلِّ أُموري، وأقَمتُكَ مَقامَ نَفْسِي ليسَ تَوكيلًا عامًّا؛ فإنْ كانَ له صِناعةٌ مَعلومةٌ، كالتِّجارةِ مثلًا، يَنصَرِفُ إلى ذلك، وإنْ لَم يَكُنْ له صِناعةٌ مَعلومةٌ، وكانَتْ مُعامَلاتُه مُختَلِفةً، فالوَكالةُ باطِلةً.
стр. 5994
ولو قالَ: وَكَّلتُكَ في جَميعِ الأُمورِ التي يَجوزُ التَّوكيلُ فيها، فتَوكيلٌ عامٌّ، يَتناوَلُ البِياعاتِ والأنكِحةَ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: لا تَنعَقِدُ الوَكالةُ، وتَكونُ باطِلةً؛ إذا قالَ المُوكِّلُ لِوَكيلِه: وَكَّلتُكَ، أو فُلانٌ وَكيلي، بَلْ حتى يَقولَ: فَوَّضتُ إلَيكَ أُموري في كلِّ شَيءٍ، أو أقَمتُكَ مَقامي، أو نحوَ ذلك.
إذا وقَعتِ الوَكالةُ مُطلَقةً مُفَوَّضةً؛ فإنَّه يَمضي مِنْ فِعلِ الوَكيلِ ما كانَ على وَجْهِ السَّدادِ والنَّظرِ، وهو ما فيه تَنميةُ المالِ؛ إذِ الوَكيلُ إنَّما يَتصرَّفُ بما فيه الحَظُّ والمَصلَحةُ، وأمَّا الذي لا مَصلَحةَ في فِعلِه؛ فإنَّ الوَكيلَ مَعزولٌ عنه شَرعًا، فلا يَمضي فِعلُه فيه، ولا يَحِلُّ له الإقدامُ عليه ابتِداءً، إلَّا أنْ يَقولَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: أمضَيتُ ما كانَ نَظَرًا، أي: صَوابًا، وما كانَ غيرَ نَظَرٍ؛ فإنَّ ذلك يَمضي، وليسَ لِلمُوكِّلِ رَدُّه وتَضمينُ الوَكيلِ.
والمُرادُ بغيرِ النَّظرِ: ما ليسَ بمَعصيةٍ؛ لأنَّ الوَكالةَ على المَعصيةِ باطِلةُ، وما ليس بتَبذيرٍ، كَأنْ يَبيعَ ما يُساوي مِئةً بخَمسينَ.
لكنْ يُستَثنَى أربَعةُ أشياءَ، فلا يَصحُّ له التَصرُّفُ فيها إلَّا أنْ يَنُصَّ له عليها، وهي طَلاقُ زَوجَتِه، وإنكاحُ بِكْرِه، وبَيعُ دارِ سُكناه، وعَبدِه، فهذا مُستَثْنًى؛ فإنَّ فِعلَه لا يَمضي فيها، ولو قالَ له: وَكَّلتُكَ وَكالَةً مُفَوَّضةً، وأمضَيتُ فِعلكَ النَّظرَ، وغيرَ النَّظرِ، فلا يَمضي شَيءٌ مِنْ هذه الأربَعةِ إلَّا إذا نَصَّ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ عليها بخُصوصِها (٢).
стр. 5995
وذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ العامُّ.
قالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ أنْ يَكونَ المُوكَّلُ فيه مَعلومًا مِنْ بعضِ الوُجوهِ، حيثُ يَقِلُّ مَعه الغَرَرُ، سَواءٌ أكانَتِ الوَكالةُ عامَّةً أم خاصَّةً، ولا يُشترَطُ عِلمُه مِنْ كلِّ وَجهٍ؛ لأنَّ تَجويزَ الوَكالةِ لِلحاجةِ يَقتَضي المُسامَحةَ فيه، فيَكفي أنْ يَكونَ مَعلومًا مِنْ وَجهٍ يَقِلُّ مَعه الغَرَرُ لِلوَكيلِ، بخِلافِ ما إذا كَثُرَ.
فَلَو قالَ: وَكَّلتُكَ في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ لي، أو مِنْ أُموري، أو في كلِّ أُموري، أو فَوَّضتُ إلَيكَ كلَّ شَيءٍ، أو أنتَ وَكيلي؛ فتَصَرَفْ كَيفَ شِئتَ، أو نحوَ ذلك، لَم يَصحَّ التَّوكيلُ؛ لأنَّه يَدخُلُ فيه ما يُطيقُ وما لا يُطيقُ، فيَعظُمُ الضَّرَرُ، ويَكثُرُ فيه الغَرَرُ.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: تَنبيهٌ: قَضيةُ كَلامِهم عَدمُ الصِّحَّةِ في ذلك، وإنْ كانَ تابِعًا لِمُعيَّنٍ، وهو كَذلك، وإنْ خالَفَ في ذلك بعضُ المُتَأخِّرينَ؛ إذ يَدخُلُ في هذا أُمورٌ لو عُرِضَ تَفصيلُها على المُوكِّلِ كَطَلاقِ زَوجاتِه وعِتقِ أرِقَّائِه والتَّصَدُّقِ بجَميعِ مالِه، لَاستَنكَرَه، وقَد مَنعَ الشَّارِعُ بَيعَ الغَرَرِ، وهو أخَفُّ خَطَرًا مِنْ هذا، وقَد عُلِمَ بذلك الفَرقُ بينَ هذا وبينَ ما مَرَّ، فيما يَصحُّ تَبَعًا.
وإنْ قالَ: وَكَّلتُكَ في بَيعِ أموالي وقَبضِ دُيوني واستِيفائِها وعِتقِ أرِقَّائي
стр. 5996
وَرَدِّ وَدائِعي ومُخاصَمةِ خُصَمائِي، ونحوَ ذلك، صَحَّ، وإنْ جَهِلَ الأموالَ والدُّيونَ، ومَن هي عليه، والأرِقَّاءَ والوَدائِعَ، ومَن هي عندَه، والخُصومَ، وما فيه الخُصومةُ؛ لأنَّ الغَرَرَ فيه قَليلٌ؛ لأنَّه يَعرِفُ مالَه ودَيْنَه، بخِلافِ ما لو قالَ: بِعْ بعضَ مالي، أو طائِفةً، أو سَهمًا مِنه، أو بِعْ هذا أو هذا؛ فإنَّه لا يَصحُّ؛ لِكَثرةِ الغَرَرِ.
ولو قالَ: بِعْ أو هَبْ مِنْ مالي، أوِ اقْضِ مِنْ دُيوني ما شِئتَ، أو أعتِقْ أو بِعْ مِنْ عَبيدي مَنْ شِئتَ، صَحَّ في بَعضٍ، لا في الجَميعِ، فلا يَأتي الوَكيلُ بالجَميعِ؛ لأنَّ (مِنْ) لِلتَّبعيضِ.
فَإنْ قيلَ: لو قالَ لِلوَكيلِ: طَلِّقْ مِنْ نِسائي مَنْ شاءَتْ، فله أنْ يُطَلِّقَ كلَّ مَنْ شاءَتِ الطَّلاقَ، فهَلَّا كانَ هُنا كَذلك؟ أُجيبَ بأنَّ المَشيئةَ في هذه مُستَنِدةٌ إلى كُلٍّ مِنهُنَّ، فلا تَصدُقُ مَشيئةُ واحِدةٍ بمَشيئةِ غيرِها، فكانَ ذلك في معنَى: أيُّ امرَأةٍ شاءَتْ مِنهُنَّ الطَّلاقَ فطَلِّقْها، بخِلافِها فيما مَرَّ؛ فإنَّها مُستَنِدةٌ إلى الوَكيلِ، فصَدقَتْ مَشيئَتُه فيما لا يَستَوعِبُ الجَميعَ، فلا يَتمكَّنُ مِنْ مَشيئَتِه فيما يَستَوعِبُه احتياطًا.
ولو قالَ: تَزوَّجْ لي مَنْ شِئتَ، صَحَّ، كما لو قالَ: بِعْ مِنْ مالي ما شِئتَ، ولو قالَ: أَبْرِئْ فُلانًا عَمَّا شِئتَ مِنْ مالي، صَحَّ، ولْيُبقِ مِنه شَيئًا، أو عن الجَميعِ، فأبرَأه عنه، أو عن بعضِه، صَحَّ، أو قالَ: أَبْرِئْه عن شَيءٍ مِنه، أبرَأَه عن أقَلِّ ما يُطلَقُ عليه الِاسمُ، كما قالَه المُتَوَلي.
стр. 5997
وَيَكفي في صِحَّةِ الوَكالةِ بالإبراءِ عِلمُ المُوكِّلِ بقَدْرِ الدَّيْنِ، وإنْ جَهِلَه الوَكيلُ والمَدِينُ.
وإنْ وكَّله في شِراءِ عَبدٍ وجَب بَيانُ نَوعِه، كَتُركيٍّ أو هِنديٍّ، ولا يَكفي ذِكرُ الجِنسِ، كَعَبدٍ؛ لِاختِلافِ الأغراضِ بذلك، وإنْ تَبايَنَتْ أوصافُ نَوعٍ، وجَب بَيانُ الصِّنفِ، كَخَطَابِيٍّ وقَفْجَاقيٍّ.
ولا يُشترَطُ استِيفاءُ أوصافِ السَّلَمِ، ولا ما يَقرُبُ مِنها اتِّفاقًا.
وإنْ وكَّله في شِراءِ رَقيقٍ وجَب -مَع بَيانِ النَّوعِ- ذِكْرُ الذُّكورةِ والأُنوثةِ، تَقليلًا لِلغَرَرِ؛ فإنَّ الأغراضَ تَختلِفُ بذلك، ولو قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا كما تَشاءُ، لَم تَصِحَّ؛ لِكَثرةِ الغَرَرِ.
وإنْ وكَّله في شِراءِ دارٍ، وجَب بَيانُ المَحلَّةِ -أي: الحارةِ- وبَيانُ السِّكةِ -أي: الزُّقاقِ- والعِلمُ بالبَلَدِ وبنحوِ ذلك مِنْ ضَرورةِ ذلك.
وفي شِراءِ الحانوتِ يُبيِّنُ السُّوقَ؛ لِيَقِلَّ الغَرَرُ، وقِسْ على ذلك.
ولو وكَّله أنْ يُزوِّجَه امرَأةً ولَم يُعيِّنْها، لَم يَصحَّ التَّوكيلُ، بخِلافِ ما لو قالَ: زوِّجْني مَنْ شِئتَ؛ فإنَّه يَصحُّ، كما في الوَكالةِ، بشِراءِ عَبدٍ لَم يَصِفْه، بخِلافِ الأوَل؛ فإنَّه مُطلَقٌ، ودَلالةُ العامِّ على إفرادِه ظاهِرةٌ، بخِلافِ المُطلَقِ، لا دِلالةَ له على فَردٍ.
ولا يَجِبُ بَيانُ قَدْرِ الثَّمَنِ في الأصَحِّ فيما ذُكِرَ؛ لأنَّ غَرَضَه قَدْ يَتعلَّقُ بواحِدٍ مِنْ ذلك النَّوعِ، نَفِيسًا كانَ أو خَسيسًا.
стр. 5998
ويَجِبُ بَيانُ قَدْرِه، كَمِئةٍ، أو بَيانُ غايَتِه، كَأنْ يَقولَ: مِنْ مِئةٍ إلى ألْفٍ؛ لِظُهورِ التَّفاوُتِ.
هذا كلُّه إذا قصَد القِنيةَ، أمَّا إذا كانَ لِلتِّجارةِ فلا يَجِبُ فيه ذِكرُ نَوعٍ ولا غيرِه، بَلْ يَكفي: اشتَرِ ما شِئتَ مِنْ العُروضِ، أو ما فيه حَظٌّ ومَصلَحةٌ.
ولو قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا تُركيًّا صِفَتُه كذا، بما شِئتَ، يَنبَغي تَقييدُه بثَمَنِ المِثلِ؛ لأنَّ تَجويزَ الزِّيادةِ على ذلك غَرَرٌ، كالوَكالةِ العامَّةِ، وكذا لو قالَ: بما شِئتَ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ، وأكثَرَ، لا يُسمَعُ مِنه.
وَيَنبَغي التَّنَبُّهُ لِذلك؛ فإنَّه يَقَعُ كَثيرًا في الوَكالةِ، ويُثْبِتُها القُضاةُ، ولا يَنتَبِهونَ لِذلك، أمَّا لو قالَ: بِعْ هذا العَبدَ بما شِئتَ مِنْ الأثمانِ، قَليلِها وكَثيرِها؛ فإنَّه يَصحُّ، وكَأنَّه وَطَّنَ نَفْسَه على أقَلِّ شَيءٍ؛ فلا غَرَرَ فيه، أمَّا فَسادُ الوَكالةِ بالكلِّيَّةِ، فلا يَظهَرُ (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: وأمَّا الشَّرطُ الثَّاني -وهو ذِكرُ ما وُكِّلَ فيه- فيَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ، هي:
قِسمٌ يَكونُ عامًّا في الأحوالِ كلِّها، وقِسمٌ يَكونُ خاصًّا في حالٍ بعَينِها، وقِسمٌ يَكونُ عامًّا في وَجهٍ، وخاصًّا في وَجهٍ.
стр. 5999
فأمَّا القِسمُ الأوَّلُ: وهو العامُّ في الأحوالِ كلِّها، فصُورَتُه أنْ يَقولَ: قَدْ وَكَّلتُكَ في كلِّ شَيءٍ، أو قَدْ وَكَّلتُكَ بكُلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ، أو قَدْ وَكَّلتُكَ في فِعلِ ما رَأيتَه صَلاحًا في مالي. فهذه وَكالةٌ باطِلةٌ؛ لِلجَهلِ بها، ولِمُضادَّةِ الِاحتِمالِ فيها؛ لأنَّه قَدْ يَحتَمِلُ التَّوكيلَ في حِفظِ القَليلِ والكَثيرِ، ويُحتمَلُ بَيعُ القَليلِ والكَثيرِ، وهُما ضِدَّانِ مُتَبايِنانِ، فبطَلتِ الوَكالةُ مِنْ أجْلِه.
وأمَّا القِسمُ الثَّاني: وهو الخاصُّ في حالٍ بعَينِها، فصُورَتُه أنْ يَقولَ: قَدْ وَكَّلتُكَ في بَيعِ هذا العَبدِ، أو في شِراءِ هذه الدَّارِ، أو في اقتِضاءِ هذا الدَّيْنِ، أو في تَثبيتِ هذه الوَصيَّةِ، أو في مُخاصَمةِ هذا المُدَّعِي، فتَصحُّ الوَكالةُ خُصوصًا في المَأْذونِ فيه دونَ غيرِه، وهذا ما وَافَقَ عليه أبو حَنيفةَ، وإنْ خالَفَ في الوَصيَّةِ؛ فإنَّ أبا حَنيفةَ يَجعَلُ الوَصِيَّ في شَيءٍ وَصيًّا في كلِّ شَيءٍ، ولا يَجعَلُ الوَكيلَ في شَيءٍ وَكيلًا في كلِّ شَيءٍ، وعندَ الشَّافِعيِّ أنَّهما سَواءٌ، في أنَّ عَملَهما مَقصورٌ على المَأْذونِ فيه، دونَ غيرِه.
وأمَّا القِسمُ الثَّالثُ: وهو العامُّ مِنْ وَجهٍ الخاصُّ مِنْ وَجهٍ، فعلى ضَربَيْنِ:
أحَدُهما: أنْ يَكونَ خُصوصُه بجَعلِ العُمومِ مَعلومًا؛ فتَصحُّ فيه الوَكالةُ، كقولِه: قَدْ وَكَّلتُكَ في بَيعِ كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ مِنْ مالي؛ لأنَّ تَخصيصَ البَيعِ قَدْ جعَل المُرادَ بعُمومِ مالِه مَعلومًا.
والضَّربُ الآخَرُ: ألَّا يَصيرَ العُمومُ بما ذكَره مِنْ التَّخصيصِ مَعلومًا، فالوَكالةُ فيه باطِلةٌ، كقولِه: قَدْ وَكَّلتُكَ في شِرَاءِ ما رَأيتَ بكُلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ مِنْ
стр. 6000
مالي؛ لأنَّ جِنسَ ما يَشتَريه بمالِه لا يَصيرُ مَعلومًا، فبطَلتِ الوَكالةُ فيه.
وهَكذا لو قالَ: اشتَرِ لي بهذا الألْفِ ما رَأيتَ مِنْ العُروضِ، أو ما عَلِمْتَ فيه حَظًّا مِنْ الإبراءِ، كانَتِ الوَكالةُ فيه باطِلةً، إلَّا أنْ يَكونَ مَقصودُه طَلبَ الرِّبحِ دونَ التَّمليكِ. فيَجوزُ، كالمُضارِباتِ، فإنْ قيلَ: أليسَ لو دفَع في المُضارَبةِ مالًا يَشتَري به العامِلُ ما رَأى فيه صَلاحًا جازَ؟ فهَلَّا جازَ مِثلُه في الوَكالةِ؟ قيلَ: الفَرقُ بينَهما أنَّ المَقصودَ في المُضارَبةِ طَلَبُ الرِّبحِ، فلا يُؤثِّرُ فيه اختِلافُ الأجناسِ، فكانَ المَقصودُ مَعلومًا، فصَحَّ.
والمَقصودُ في الوَكالةِ تَملُّكُكَ العَينَ المُشتَراةَ، وإطلاقُ ذلك مَع اختِلافِ الأجناسِ لا يَجعَلُ المَقصودَ مِنها مَعلومًا، فبطَل، فعلى هذه الأُصولِ يَكونُ جَوابُ ما تَضمَّنه المُوكِّلُ، فاعتبَرَه بها، يَتقَرَّرُ لِكُلِّ الحُكمِ فيه، فعلى هذا لو قالَ له: قَدْ وَكَّلتُكَ في شِراءِ عَبدٍ، لَم يَصحَّ حتى يَصِفَه بما يَتميَّزُ لِلوَكيلِ مُرادُه في العَبدِ مِنْ ذِكرِ جِنسِه ونَوعِه، ولا يَحتاجُ إلى ذِكْرِ صِفَتِه المُستَحقَّةِ في السَّلَمِ؛ لأنَّه يُضيِّقُ على النَّاسِ، فلَو قالَ له: قَدْ وَكَّلتُكَ في شِراءِ مَنْ رَأيتَ مِنْ العَبيدِ، أو في شِراءِ ما رَأيتَ مِنْ الخَيلِ، لَم يَجُزْ، لِاختِلافِ العَبيدِ والخَيلِ، وجَهلِ الوَكيلِ بالمَقصودِ مِنها، وهَكذا لو قالَ: بِعْ مَنْ رَأيتَ مِنْ عَبيدي، أو بِعْ ما رَأيتَ مِنْ خَيْلي، لَم يَجُزْ، سَواءٌ أذكَر العَدَدَ أم لَم يَذكُرْ، حتى يَتميَّزَ المَبيعُ والمُشترَى مِنْ غيرِهما، بصِفةٍ أو إشارةٍ، وقالَ بعضُ أصحابِنا: يَجوزُ أنْ يُوكِّلَه في شِراءِ عَبدٍ أو ثَوبٍ، وإنْ لَم يُشِرْ إلى صِفاتِه، اعتِمادًا على رَأْيِ وَكيلِه المُوكَّلِ، ولا يَجوزُ على المَذهبِ الأوَل
стр. 6001
عَقدُ الوَكالةِ، وبَيانُ الوَكيلِ حتى يَقتَرِنَ به على الفَوْرِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: ولا تَصحُّ الوَكالةُ إلَّا في تَصرُّفٍ مَعلومٍ؛ فإنْ قالَ: وَكَّلتُكَ في كلِّ شَيءٍ، أو في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ، أو في كلِّ تَصرُّفٍ يَجوزُ لي، أو في كلِّ ما ليَ التَصرُّفُ فيه، لَم يَصحَّ؛ لأنَّه يَدخُلُ فيه كلُّ شَيءٍ مِنْ هِبةِ مالِه، وطَلاقِ نِسائِه، وإعتاقِ أرِقَّائِه، وتَزوُّجِ نِساءٍ كَثيراتٍ، ويَلزَمُه المُهورُ الكَثيرةُ، ويَعظُمُ الغَرَرُ والضَّرَرُ، ولأنَّ التَّوكيلَ لا بدَّ أنْ يَكونَ في تَصرُّفٍ مَعلومٍ.
قالوا: تَصحُّ الوَكالةُ في بَيعِ مالِ المُوكِّلِ كلِّه؛ لأنَّه يَعرِفُ مالَه، فلا غَرَرَ، أو في بَيعِ ما شاءَ الوَكيلُ مِنْ مالِ المُوكِّلِ؛ لأنَّه إذا جازَ التَّوكيلُ في الجَميعِ، ففي بعضِه أَوْلَى، وله بَيعُ مالِه كلِّه في ظاهِرِ كَلامِهم.
وكذا تَصحُّ الوَكالةُ في طَلاقِ جَميعِ نِسائِه، أو ما شاءَ مِنهُنَّ، أو عِتْقِ جَميعِ عَبيدِه، أو مَنْ شاءَ مِنهم.
وَتَصحُّ الوَكالةُ في المُطالَبةِ بحُقوقِ المُوكِّلِ كلِّها، أو ما شاءَ مِنها، وفي الإبراءِ مِنها كلِّها، أو ما شاءَ مِنها.
ولا يَصحُّ التَّوكيلُ في عَقدٍ فاسِدٍ، كَشِراءِ شَيءٍ بلا رُؤيةٍ، ولَم يَأذَنْ فيه الشَّرعُ، بَلْ حَرَّمَه؛ فلَمْ يَصحَّ، ولا يَملِكُ العَقدَ الصَّحيحَ ممَّا وكَّله بهِ؛ كَإجرائِه عَقدَ التَّزويجِ بوَليٍّ، وشِرائِه الشَّيءَ بعدَ الرُّؤيةِ، فلَمْ يَصحَّ، لِمُخالَفَتِه اشتِراطَ المُوكِّلِ. فإذا وكَّله في بَيعٍ فاسِدٍ، فباعَ بَيعًا صَحيحًا، لَم
стр. 6002
يَصحَّ؛ لأنَّ مُوكِّلَه لَم يَأذَنْ فيه، ولا بَيعًا فاسِدًا؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالى لَم يَأذَنْ فيه، ولأنَّ المُوكِّلَ لا يَملِكُه، فالوَكيلُ أَوْلَى.
ولا يَصحُّ التَّوكيلُ إنْ قالَ المُوكِّلُ لِوَكيلِه: اشتَرِ ما شِئتَ، أو اشتَرِ عَبدًا بما شِئتَ؛ لأنَّ ما يُمكِنُ شِراؤُه والشِّراءُ به يَكثُرُ، فيَكثُرُ فيه الغَرَرُ حتى يُبيِّنَ لِلوَكيلِ نَوعًا وقَدْرَ ثَمَنٍ يُشترَى بهِ؛ لأنَّ الغَرَرَ لا يَنتَفي إلَّا بذِكرِ الشَّيئَيْنِ. ما لَم يَكُنْ مِقدارُ ثَمَنِه مَعلومًا بينَ النَّاسِ، كَمَكِيلٍ ومَوزونٍ؛ لأنَّه لا غَرَرَ فيه ولا ضَرَرَ.
وإنْ قالَ لِوَكيلِه: اشتَرِ كذا وكذا، لا يَصحُّ التَّوكيلُ؛ لِلجَهالةِ.
ومِثلُ قَوله: وَكَّلتُكَ في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ، لو قالَ لِوَكيلِه: اشتَرِ لي ما شِئتَ، كما مِنْ المَتاعِ الفُلانيِّ، لَم يَصحَّ؛ لأنَّه قَدْ يَشتَري ما لا يَقدِرُ على ثَمَنِه.
وقيلَ: تَصحُّ الوَكالةُ في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ مِنْ بَيعِ مالِه، وقَبْضِ دُيونِه وإبراءِ غُرَمائِه، ويُؤيِّدُه قَولُ أبي بَكرٍ أحمدَ بنِ مُحمَّدِ بنِ الحَجَّاجِ بنِ عَبدِ العَزيزِ المَرُّوذِيِّ: بَعَثَني أبو عَبدِ اللَّهِ في حاجةٍ، وقالَ: كلُّ شَيءٍ تَقُولُه على لِساني فأنا قُلتُهُ؛ لِمَا علِم الإمامُ مِنْ أمانةِ المَرُّوذِيِّ وعَدالَتِه ووَرَعِه وفَضلِه وزُهدِه؛ فإنَّه كانَ يَأنَسُ به ويَنبَسِطُ إليه، وهو الذي تَوَلَّى إغماضَه لمَّا ماتَ، وغَسَّلَه، فلِذلك أقامَه مَقامَ نَفْسِه. قالَ الخَلَّالُ: خرَج أبو بَكرِ المَرُّوذِيُّ إلى الغَزوِ، فشيَّعَه النَّاسُ إلى سامُرَّاءَ، فجعَل يَرُدُّهم، فلا يَرجِعونَ، حَزَروا، فإذا هُمْ بسامُرَّاءَ -سِوَى مَنْ رجَع- خَمسونَ ألْفَ إنسانٍ، فقيلَ له يا أبا بَكرٍ: أحمَدُ
стр. 6003
اللَّهَ؛ فهذا عِلْمٌ نُشِرَ لَكَ. فبَكَى، ثم قالَ: ليسَ هذا العِلمُ إلَيَّ، إنَّما هذا عِلمُ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ. قالَ الرُّحَيبانيُّ: أقولُ: مَنْ كانَ على هذا المِنوالِ فلا مانِعَ مِنْ تَفويضِ المُوكِّلِ إليه سائِرَ الأعمالِ، ومَن لَم يَكُنْ كَذلك فليسَ له التَصرُّفُ بما هُنالِكَ، بَلْ يَقِفُ عندَ بَيانِ النَّوعِ والتَّقديرِ، كما لا يَخفَى ذلك على النَّاقِدِ البَصيرِ (١).
ثانيًا: الوَكالةُ الخاصَّةُ:
الوَكالةُ الخاصَّةُ هي: ما كانَ إيجابُ المُوكِّلِ فيها خاصًّا بتَصرُّفٍ مُعيَّنٍ، كَأنْ يُوكِّلَ إنسانٌ إنسانًا آخَرَ على أنْ يَبيعَ له أو يَشتَريَ له سِلعةً بعَينِها، ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على صِحَّةِ الوَكالةِ الخاصَّةِ، وعلى أنَّ الوَكيلَ لا يَتعَدَّى ما وُكِّلَ فيهِ؛ فإذا وُكِّلَ على الشِّراءِ خاصَّةً لا يَتعَدَّاه إلى البَيعِ؛ لأنَّ الوَكالةَ الخاصَّةَ لا يَتعَدَّى الوَكيلُ فيها لِغيرِ ما أُذِنَ له فيه، وهذا مَحَلُّ اتِّفاقٍ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربعةِ (٢). إلَّا أنْ بعضَهمُ اشترَطَ بعضَ الشُّروطِ، وهي بَيانُ جِنْسِه وصِفَتِه، أو جِنْسِه ومَبلَغِ ثَمَنِه، فهُم في الجُملةِ اشترَطوا في المُوكَّلِ فيه أنْ يَكونَ مَعلومًا، إمَّا بالوَصفِ أو بالنَّوعِ أو بالعُرفِ، وألَّا تَكونَ الجَهالةُ كَبيرةً، والجَهالةُ اليَسيرةُ يُغتَفَرُ فيها، وهذا على تَفصيلٍ بينَ المَذاهبِ على النحوِ الآتي.
стр. 6004
قالَ الحَنفيَّةُ: إنَّ التَّوكيلَ بالشِّراءِ نَوعانِ، وَكالةٌ عامَّةٌ، ووَكالةٌ خاصَّةٌ:
فالوَكالةُ العامَّةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ لي ما شِئتَ، أو ما رَأيتَ، أو أيَّ ثَوبٍ شِئتَ، أو أيَّ دارٍ شِئتَ، أو ما تَيسَّرَ لكَ مِنْ الثِّيابِ، ومِن الدَّوابِّ، ويَصحُّ مَع الجَهالةِ الفاحِشةِ مِنْ غيرِ بَيانِ النَّوعِ والصِّفةِ والثَّمَنِ؛ لأنَّه فوَّض الرَّأْيَ إليه، فيَصحُّ مَع الجَهالةِ الفاحِشةِ، كالبِضاعةِ والمُضارَبةِ.
والوَكالةُ الخاصَّةُ: أنْ يَقولَ: اشتَرِ لي ثَوبًا أو حَيَوانًا أو دَابَّةً أو جَوهَرًا أو عَبدًا أو جاريةً أو فرَسًا أو بَغلًا أو حِمارًا أو شاةً.
والأصلُ فيه أنَّ الجَهالةَ إنْ كانَتْ كَثيرةً تَمنَعُ صِحَّةَ التَّوكيلِ، وإنْ كانَتْ قَليلةً لا تَمنَعُ، وهذا استِحسانٌ، والقِياسُ أنْ يَمنَعَ قَليلُها وكَثيرُها، ولا يَجوزُ إلَّا بعدَ بَيانِ النَّوعِ والصِّفةِ ومِقدارِ الثَّمَنِ؛ لأنَّ البَيعَ والشِّراءَ لا يَصحَّانِ مَع الجَهالةِ اليَسيرةِ، فلا يَصحُّ التَّوكيلُ بهِما أيضًا.
وَجهُ الِاستِحسانِ: ما رُوِيَ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ دفَع دِينارًا إلى حَكيمِ بنِ حِزامٍ لِيَشتَريَ له به أُضحيَّةً» ولَم يُبيِّنْ صِفَتَها، ولو كانَتِ الجَهالةُ القَليلةُ مانِعةً مِنْ صِحَّةِ التَّوكيلِ بالشِّراءِ لَمَا فَعلَه رَسولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لأنَّ جَهالةَ الصِّفةِ لا تَرتَفِعُ بذِكرِ الأُضحيَّةِ وبِقَدْرِ الثَّمَنِ، ولأنَّ الجَهالةَ القَليلةَ في بابِ الوَكالةِ لا تُفْضي إلى المُنازَعةِ؛ لأنَّ مَبنَى التَّوكيلِ على الفُسحةِ والمُسامَحةِ، فالظَّاهِرُ أنَّه لا تَجوزُ المُنازَعةُ فيه عندَ قِلَّةِ الجَهالةِ، بخِلافِ البَيعِ؛ لأنَّ مَبناه على المُضايَقةِ والمُماكَسةِ، لِكَونِه مُعاوَضةَ المالِ بالمالِ، فالجَهالةُ فيه، وإنْ قَلَّتْ، تُفضي إلى المُنازَعةِ، وتُوجِبُ فَسادَ العَقدِ، فهو الفَرقُ.
стр. 6005
وإذا ثَبَتَ أنَّ الجَهالةَ القَليلةَ غيرُ مانِعةٍ، ففي كلِّ مَوضِعٍ قَلَّتِ الجَهالةُ صَحَّ التَّوكيلُ بالشِّراءِ، وإلَّا فلا. فيُنظَرُ إنْ كانَ اسمُ ما وقَع التَّوكيلُ بشِرائِه ممَّا يَقَعُ على أنواعٍ مُختَلِفةٍ لا يَجوزُ التَّوكيلُ به، إلَّا بعدَ بَيانِ النَّوعِ، وذلك نحوَ أنْ يَقولَ: اشتَرِ لي ثَوبًا؛ لأنَّ اسمَ الثَّوبِ يَقَعُ على أنواعٍ مُختَلِفةٍ مِنْ ثَوبِ الْإِبْرَيْسَمِ والقُطنِ والكَتَّانِ، وغيرِها، فكانَتِ الجَهالةُ كَثيرةً، فمَنعَتْ صِحَّةَ التَّوكيلِ، فلا يَصحُّ، وإنْ سمَّى الثَّمَنَ؛ لأنَّ الجَهالةَ بعدَ بَيانِ الثَّمَنِ مُتَفاحِشةٌ، فلا تَقِلُّ إلَّا بذِكرِ النَّوعِ، بأنْ يَقولَ: اشتَرِ لي ثَوبًا هَرَوِيًّا؛ فَإنْ سَكَتَ عنه كَثُرَتِ الجَهالةُ، فلَمْ يَصحَّ التَّوكيلُ.
وكذا إذا قالَ: اشتَرِ لي حَيَوانًا، أو قالَ: اشتَرِ لي دَابَّةً أو أرضًا أو مَملوكًا أو جَوهَرًا أو حُبوبًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنها اسمُ جِنسٍ، يَدخُلُ تَحتَه أنواعٌ مُختَلِفةٌ، فلا بدَّ مِنْ ذِكرِ النَّوعِ، بأنْ يَقولَ: ثَوبًا هَرَويًّا؛ فإذا سَكَتَ عنه كَثُرَتِ الجَهالةُ، فلَمْ يَصحَّ التَّوكيلُ.
وكذا إذا قالَ: اشتَرِ لي دارًا، لا يَصحُّ؛ لأنَّ بينَ الدَّارِ والدَّارِ تَفاوُتًا فاحِشًا؛ فَإنْ عيَّن الدَّارَ يَجوزُ، وإنْ لَم يُعيِّنْ، ولكنَّه بينَ الثَّمَنَ، جازَ أيضًا، ويَقَعُ على دُورِ المِصرِ الذي وقَع فيه الوَكيلُ؛ لأنَّ الجَهالةَ تَقِلُّ بعدَ بَيانِ الثَّمَنِ.
وَرُوِيَ عن أبي يُوسفَ أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ بعدَ بَيانِ الثَّمَنِ حتى يُعيِّنَ مِصرًا مِنْ الأمصارِ، ولو قالَ: اشتَرِ لي دارًا في مَوضِعِ كذا، أو حَبَّةَ لُؤلُؤٍ أو اشتَرِ لي ياقوتًا أحمَرَ، ولَم يُسَمِّ الثَّمَنَ، لا يَجوزُ؛ لأنَّ التَّفاوُتَ مُتَفاحِشٌ،
стр. 6006
والصِّفةَ لا تَصيرُ مَعلومةً بحالِ المُوكِّلِ، فلا بدَّ مِنْ بَيانِ الثَّمَنِ.
وإنْ كانَ اسمُ ما وقَع التَّوكيلُ بشِرائِه لا يَقَعُ إلَّا على نَوعٍ واحِدٍ يُكتَفَى فيه بذِكرِ أحَدِ أمرَيْنِ، إمَّا الصِّفةِ، بأنْ قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا تُركيًّا، وإمَّا مِقدارِ الثَّمَنِ، بأنْ قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا بألْفِ دِرهَمٍ؛ لأنَّ الجَهالةَ تَقِلُّ بذِكْرِ أحَدِهِما، وبِحالِ المُوكِّلِ؛ لأنَّ الصِّفةَ تَصيرُ مَعلومةً بذِكرِ الثَّمَنِ، وإنْ لَم يَذكُرْها، وإذا ذكَر الصِّفةَ يَصيرُ الثَّمَنُ مَعلومًا بحالِ الآمِرِ فيما يَشتَريه أمثالُه عادةً، حتى إنَّه لو خرَج المُشتَرِي عن عادةِ أمثالِه لا يَلزَمُ المُوكِّلَ، كذا رُوِيَ عن أبي يُوسفَ فيمَن قالَ: اشتَرِ لي خادِمًا مِنْ جِنسِ كذا، أنَّ ذلك يَقَعُ على ما يَتعامَلُه النَّاسُ مِنْ ذلك الجِنسِ؛ فإنْ كانَ الثَّمَنُ كَثيرًا لا يَتعامَلُ النَّاسُ به، لَم يَجُزْ على الآمِرِ.
وكذا البَدَويُّ إذا قالَ: اشتَرِ لي خادِمًا حَبَشيًّا، فهو على ما يَعتادُه أهلُ الباديةِ، وهذا كلُّه اعتِبارُ حالِ المُوكِّلِ.
فَإنْ لَم يُذكَرْ أحَدُهما أصْلًا فالوَكالةُ باطِلةٌ؛ لأنَّ الجَهالةَ فَحُشَتْ بتَركِ ذِكرِهِما جَميعًا، فمَنعَتْ صِحَّةَ الوَكالةِ.
ولو قالَ: اشتَرِ لي حِمارًا أو بَغلًا أو فرَسًا أو بَعيرًا، ولَم يَذْكُرْ له صِفةً، ولا ثَمَنًا، قالوا: إنَّه يَجوزُ؛ لأنَّ النَّوعَ صارَ مَعلومًا بذِكْرِ الحِمارِ والبَغلِ والفَرَسِ والبَعيرِ، والصِّفةُ تَصيرُ مَعلومةً بحالِ المُوكِّلِ، وكذا الثَّمَنُ، فيُنظَرُ إنِ اشترَى حِمارًا بمِثلِ قِيمَتِه أو بأقَلَّ أو بأكثَرَ، قَدْرَ ما يَتغابَنُ النَّاسُ في مِثلِه، جازَ على المُوكِّلِ، إذا كانَ الحِمارُ ممَّا يَشترِي مثلَه المُوكِّلُ، وإنْ كانَ ممَّا لا
стр. 6007
يَشترِي مثلَه المُوكِّلُ لا يَجوزُ على المُوكِّلِ، ويَلزَمُ الوَكيلَ، وإنِ اشتَراه بمِثلِ قِيمَتِه، نحوَ أنْ يَكونَ المُوكِّلُ مُكاريًا، فاشترَى الوَكيلُ حِمارًا مِصريًّا يَصلُحُ لِلرُّكوبِ؛ لأنَّ مثلَه يَشترِي الحِمارَ لِلعَملِ، والحَملِ، لا لِلرُّكوبِ.
ولو قالَ: اشتَرِ لي شاةً أو بَقَرةً، ولَم يَذكُرْ صِفةً ولا ثَمَنًا، لا يَجوزُ؛ لأنَّ الشَّاةَ والبَقَرةَ لا تَصيرُ مَعلومةَ الصِّفةِ بحالِ المُوكِّلِ، ولا بدَّ أنْ يَكونَ أحَدُهما مَعلومًا، لِمَا بينَا.
ولو قالَ: اشتَرِ لي حِنطةً، لا يَصحُّ التَّوكيلُ، ما لَم يَذكُرْ أحَدَ شَيئَيْنِ، إمَّا قَدْرَ الثَّمَنِ، وإمَّا قَدْرَ المُثمَّنِ، وهو المَكِيلُ؛ لأنَّ الجَهالةَ لا تَقِلُّ إلَّا بذِكْرِ أحَدِهِما، وعلى هذا جَميعُ المُقدَّراتِ، مِنْ المَكِيلاتِ والمَوزوناتِ.
ولو وكَّله لِيَشتَريَ له طَيلَسانًا، لا يَصحُّ إلَّا بعدَ بَيانِ الثَّمَنِ والنَّوعِ؛ لأنَّ الجَهالةَ لا تَقِلُّ إلَّا بعدَ بَيانِ أحَدِهما (١).
وقالَ الزَّيلَعِيُّ ﵀: الأصْلُ أنَّ الجَهالةَ إذا كانَتْ تَمنَعُ الِامتِثالَ، ولا يُمكِنُ دَرْكُها، تَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، وإلَّا فلا، والجَهالةُ ثَلاثةُ أنواعٍ:
جَهالةٌ فاحِشةٌ: وهي الجَهالةُ في الجِنسِ، فتَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، سَواءٌ بينَ الثَّمَنَ أو لَم يُبيِّنْ، كما لو وكَّله بشِراءِ ثَوبٍ أو دَابَّةٍ، أو نحوِ ذلك.
جَهالةٌ يَسيرةٌ: وهي ما كانَتْ في النَّوعِ المَحضِ، كما لو وكَّله بشِراءِ
стр. 6008
فَرَسٍ أو حِمارٍ، أو ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ أو مَرويٍّ أو نحوِ ذلك؛ فإنَّه تَجوزُ الوَكالةُ به، وإنْ لَم يُبيِّنِ الثَّمَنَ، وقالَ بِشْرٌ: لا تَجوزُ، والحُجَّةُ عليه ما رُوِيَ أنَّه ﵊ «وكَّل حَكيمَ بنَ حِزامٍ بشِراءِ شاةٍ لِلأُضحيَّةِ»، ولأنَّ جَهالةَ النَّوعِ لا تُخِلُّ بالمَقصودِ، ويُمكِنُ دَفعُها بصَرفِ التَّوكيلِ إلى ما يَليقُ بحالِ المُوكِّلِ، حتى لو أنَّ عامِّيًّا وكَّل رَجُلًا بشِراءِ فَرَسٍ، فاشترَى فَرَسًا يَصلُحُ لِلمُلوكِ لَا يَلزَمُه.
جَهالةٌ بينَ النَّوعِ والجِنسِ: كما لو وكَّله بشِراءِ عَبدٍ أو جاريةٍ، إنْ بينَ الثَّمَنَ أوِ النَّوعَ، بأنْ قالَ: عَبدًا تُركِيًّا أو حَبَشيًّا، أو نحوَ ذلك، جازَتِ الوَكالةُ، وإنْ لَم يُبيِّنْ واحِدًا مِنهُما لَم تَجُزْ؛ لأنَّه ببَيانِ الثَّمَنِ يُعلَمُ مِنْ أيِّ نَوعٍ يُريدُ، وبِبَيانِ النَّوعِ يُعلَمُ ثَمَنُه، فتَبقَى الجَهالةُ بعدَ ذلك يَسيرةً، وهي لا تَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، بخِلافِ ما إذا كانَتِ الجَهالةُ في الجِنسِ، حيثُ تَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، وإنْ بينَ الثَّمَنَ؛ لأنَّه بذلك القَدْرِ مِنْ الثَّمَنِ يُوجَدُ مِنْ كلِّ نَوعٍ، فلا يُفيدُ المَعرِفةَ (١).
ذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في المُوكَّلِ فيه أنْ يَكونَ مَعلومًا بالنَّصِّ أو القَرينةِ أو العادةِ، فلَو قالَ: وَكَّلتُكَ، لَم يُفِدْ حتى يُقيِّدَه بالتَّفويضِ، أو بأمْرٍ مَخصوصٍ.
وإذا كانَ لَفظُ المُوكِّلِ عامًّا؛ فإنَّه يَتخصَّصُ بالعُرفِ، كما إذا قالَ: وَكَّلتُكَ على بَيعِ دَوابِّي، وكانَ العُرفُ يَقتَضي تَخصيصَ ذلك ببعضِ أنواعِ
стр. 6009
الدَّوابِّ؛ فإنَّه يَتخصَّصُ، وكذا إذا قالَ: وَكَّلتُكَ على بَيعِ هذه السِّلعةِ؛ فإنَّ هذا اللَّفظَ عامٌّ في بَيعِها في كلِّ مَكانٍ وزَمانٍ؛ فإذا كانَ العُرفُ إنَّما تُباعُ هذه السِّلعةُ في سُوقٍ مَخصوصٍ، أو في زَمانٍ مَخصوصٍ، يُخصَّصُ هذا العُمومُ، وكذا إذا كانَ الشَّيءُ المُوكَّلُ عليه مُطلَقًا، فإنَّه يَتقيَّدُ بالعُرفِ، كما لو قالَ: اشتَرِ لي؛ فإنَّه يَتقيَّدُ بما يَليقُ به، ولا يَتجاوَزُه الوَكيلُ إلى غيرِ ما وُكِّلَ عليه، سَواءٌ كانَ مُعيَّنًا بالنَّصِّ أو مُخصَّصًا أو مُقيَّدًا، وتُخصَّصُ وتُقيَّدُ بالعُرفِ (١).
وَهذه بعضُ صُوَرِ الوَكالةِ الخاصَّةِ عندَ الشَّافِعيَّةِ:
قالَ النَّوَويُّ ﵀: وأمَّا الوَكالةُ الخاصَّةُ ففيها صُوَرٌ:
إحداها: لو وكَّله في بَيعِ جَميعِ أموالِه، أو قَضاءِ دُيونِه واستِيفائِها، صَحَّ قَطعًا، ولا يُشترَطُ كَونُ أموالِه مَعلومةً، على الصَّحيحِ، وكَلامُ البَغَويِّ يَقتَضي اشتِراطَه.
وفي «فَتاوَى القَفَّالِ»: لو قالَ: وَكَّلتُكَ في استِيفاءِ دُيوني على النَّاسِ جازَ، وإن كانَ لا يُعرَفُ مَنْ عليه الدَّيْنُ، وأنَّه واحِدٌ، أو جَماعةٌ كَثيرةٌ، وأيُّ جِنسٍ ذلك الدَّينُ.
أمَّا إذا قالَ: بِعْ بعضَ مالي أو طائِفةً مِنه، أو سَهمًا، فلا يَصحُّ؛ لِجَهالَتِه مِنْ الجُملةِ.
стр. 6010
وَكَأنَّ الشَّرطَ أنْ يَكونَ المُوكَّلُ فيه مَعلومًا، أو كانَ يَسهُلُ عِلمُه.
ولو قالَ: بِعْ ما شِئتَ مِنْ مالي أوِ اقبِضْ ما شِئتَ مِنْ دُيوني، جازَ، ذَكَراه في المُهذَّبِ والتَّهذيبِ.
وفي الحِليةِ ما يُخالِفُهُ؛ فإنَّه قالَ: لو قالَ: بِعْ مَنْ رَأيتَ مِنْ عَبيدي، لَم يَصحَّ، حتى يُميِّزَ.
قُلتُ: هذا المَذكورُ عن المُهذَّبِ هو الصَّحيحُ المَعروفُ.
قالَ في «التَّهذيبُ»: ولا يَجوزُ أنْ يَبيعَ الكلَّ، إلَّا أنْ يَقبِضَ الكلَّ.
وأمَّا قَولُ صاحِبِ الحِليةِ ففي البَيانِ أيضًا عن ابنِ الصَّبَّاغِ نَحوُه؛ فإنَّه قالَ: لو قالَ: بِعْ ما تَراه مِنْ مالي، لَم يَجُزْ، ولو قالَ: ما تَراه مِنْ عَبيدي، جازَ، وكِلَاهُما شاذٌّ ضَعيفٌ.
وهذا النَّقلُ عن الحِليةِ إنْ كانَ المُرادُ به الحِليةَ لِلرُّويانيِّ، فغَلَطٌ؛ فإنَّ الذي في حِليةِ الرُّويانيِّ: لو قالَ: بِعْ مِنْ عَبيدي هَؤُلاءِ الثَّلاثةِ مَنْ رَأيتَ، جازَ ولا يَبيعُ الجَميعَ؛ لأنَّ (مِنْ) لِلتَّبعيضِ، ولو وكَّله أنْ يُزوِّجَه مَنْ شاءَ جازَ، ذكَره القاضي أبو حامِدٍ، وهذا لَفظُ الرُّويانيِّ في الحِليةِ بحُروفِه.
وَقَدْ صرَّح إمامُ الحَرمَيْنِ والغَزاليُّ في «البَسيطِ» بأنَّه إذا قالَ: بِعْ مَنْ شِئتَ مِنْ عَبيدِي، لا يَبيعُ جَميعَهم؛ لأنَّ (مِنْ) لِلتَّبعيضِ.
فَلَو باعَهم إلَّا واحِدًا جازَ، قالَ أصحابُنا: لو قالَ: بِعْ هذا العَبدَ أو هذا، لَم يَصحَّ. ولو وكَّله لِيَهَبَ مِنْ مالِه ما يَرَى قالَ في «الحاوي»: لا يَصحُّ، وقِياسُ ما سبَق أنَّه يَصحُّ، واللَّهُ أعلَمُ.
стр. 6011
الصُّورةُ الثَّانيةُ: التَّوكيلُ في الشِّراءِ:
ولا يَكفي فيه أنْ يَقولَ: اشتَرِ لي شَيئًا أو حَيَوانًا أو رَقيقًا، بَلْ يُشترَطُ أنْ يُبيِّنَ أنَّه عَبدٌ أو أَمَةٌ، والنَّوعَ كالتُّركيِّ والهِنديِّ وغيرِهِما، ولا يُشترَطُ استِقصاءُ أوصافِ السَّلَمِ، ولا ما يَقرُبُ مِنها بلا خِلافٍ.
فَإنِ اختَلفَتْ أصنافُ نَوعٍ اختِلافًا ظاهِرًا، قالَ الشَّيخُ أبو مُحمَّدٍ: لا بدَّ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلصِّنفِ، وأمَّا الثَّمَنُ فلا يُشترَطُ بَيانُ قَدْرِه على الأصَحِّ.
وَعلى الثَّاني يُشترَطُ بَيانُ قَدْرِه، أو غايَتِه، بأنْ يَقولَ: مِنْ مِئةٍ إلى ألْفٍ.
وَحَكَى صاحِبُ «التَّقريبِ» وَجهًا، أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ بشِراءِ عَبدٍ مُطلَقًا، وهذا الوَجهُ ضَعيفٌ جِدًّا. وإذا كان قولُه: اشتَرِ شَيئًا، كانَ أبعَدَ.
قُلتُ: ذكَر في «البَسيطِ» تَرَدُّدًا في قَوله: اشتَرِ شَيئًا، تَفريعًا على هذا الوَجْهِ، واللَّهُ أعلَمُ.
ولو قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا كما تَشاءُ، فقيلَ: يَصحُّ، كما لو قالَ في القِراضِ: اشتَرِ مَنْ شِئتَ مِنْ العَبيدِ، والصَّحيحُ الذي عليه الأكثَرونَ: لا يَصحُّ، والفَرقُ أنَّ المَقصودَ هُناكَ الرِّبحُ، والعامِلُ أَعرَفُ به.
ولو وكَّله في شِراءِ دارٍ يُشترَطُ ذِكْرُ المَحَلَّةِ والسِّكَّةِ، وفي الحانوتِ يُذكَرُ السُّوقُ، وعلى هذا القياسُ.
قُلتُ: وفي ذِكرِ الثَّمَنِ الوَجهانِ، واللَّهُ أعلَمُ.
الصُّورةُ الثَّالثةُ: التَّوكيلُ في الإبراءِ: يُشترَطُ فيه عِلمُ المُوكِّلِ إذا قُلْنا بالأظهَرِ: إنَّه لا يَصحُّ الإبراءُ عن المَجهولِ، كما سبَق في كِتابِ الضَّمانِ. ولا
стр. 6012
يُشترَطُ عِلمُ الوَكيلِ على الأصَحِّ، وبِه قطَع القاضي والغَزاليُّ.
وفي المُهذَّبِ، والتَّهذيبِ اشتِراطُ عِلمِه بجِنسِه وقَدْرِه، كما لو قالَ: (بِعْ) بما باعَ به فُلانٌ فَرَسَه؛ فإنَّه يُشترَطُ لصحَّةِ البَيعِ عِلمُ الوَكيلِ دونَ المُوكِّلِ.
ولا يُشترَطُ في الإبراءِ عِلمُ مَنْ عليه الحَقُّ على الصَّحيحِ، والخِلافُ فيه مَبنيٌّ على ما سبَق أنْ الإبراءَ إسقاطٌ أو تَمليكٌ.
فَإنْ قُلْنا: تَمليكٌ: اشتُرِطَ عِلمُه، كالمُتَّهِبِ، وإلَّا فلا.
ثم إنْ كانَتْ صِيغَتُه: أَبْرِئْ فُلانًا عن دَيْنِي، أبرَأه عن جَميعِه، وإنْ قالَ: عن شَيءٍ مِنه، أبرَأَه عن قَليلٍ مِنه، وإنْ قالَ: عَمَّا شِئتَ، أبرَأَه عَمَّا شاءَ، وأبقَى شَيئًا.
قُلتُ: قَولُه: أبْرِئْهُ عن قَليلٍ مِنه، يَعني أقَلَّ ما يُطلَقُ عليه اسمُ الشَّيءِ، كذا صرَّح به في التَّتِمَّةِ، وهو واضِحٌ.
ولو قالَ: أَبْرِئْهُ عن جَميعِه، فأبرَأَ عن بعضِه، جازَ، بخِلافِ ما لو باعَ بعضَ ما أمَرَه ببَيعِه، واللَّهُ أعلَمُ.
الصُّورةُ الرَّابِعةُ: قالَ: وَكَّلتُكَ في مُخاصَمةِ خَصْمَيَّ، وأطلَقَ، صَحَّ على الأصَحِّ، وصارَ وَكيلًا في جَميعِ الخُصوماتِ.
وقيلَ: يُشترَطُ تَعيينُ مَنْ يُخاصِمُه، لِاختِلافِ الغَرَضِ به (١).
стр. 6013
وقالَ الحَنابِلةُ: يُشترَطُ في المُوكَّلِ فيه أنْ يَكونَ مَعلومًا، فلا يَصحُّ التَّوكيلُ إنْ قالَ المُوكِّلُ لِوَكيلِه: اشتَرِ ما شِئتَ، أوِ اشتَرِ عَبدًا بما شِئتَ؛ لأنَّ ما يُمكِنُ شِراؤُه والشِّراءُ به يَكثُرُ، فيَكثُرُ فيه الغَرَرُ، حتى يُبيِّنَ لِلوَكيلِ نَوعًا وقَدْرَ ثَمَنٍ يُشترَى بهِ؛ لأنَّ الغَرَرَ لا يَنتَفِي إلَّا بذِكْرِ الشَّيئَيْنِ، ما لَم يَكُنْ مِقدارُ ثَمَنِه مَعلومًا بينَ النَّاسِ، كَمَكِيلٍ ومَوزونٍ؛ لأنَّه لا غَرَرَ فيه ولا ضَرَرَ.
وإنْ قالَ لِوَكيلِه: اشتَرِ كذا وكذا، لا يَصحُّ التَّوكيلُ؛ لِلجَهالةِ.
ولو قالَ لِوَكيلِه: اشتَرِ لي ما شِئتَ مِنْ المَتاعِ الفُلانيِّ، لَم يَصحَّ؛ لأنَّه قَدْ يَشتَري ما لا يَقدِرُ على ثَمَنِه (١).
الوَكالةُ بجُعلٍ وبِغيرِ جُعلٍ:
لا خِلافَ بَينِ الفُقهاءِ في أنَّ الوَكالةَ تَجوزُ بجُعلٍ مَعلومٍ، كَدَراهِمَ أو دَنانيرَ أو دِرهَمٍ صِفَتُه كذا أيَّامًا مَعلومةً، بأنْ يُوكِّلَه عَشَرةَ أيَّامٍ، كلُّ يَومٍ بدِرهَمٍ، أو يُعطيَه مِنْ الألْفِ مثلًا شَيئًا مَعلومًا، كَعَشَرةٍ؛ لأنَّه ﵊ كانَ يَبعَثُ عُمَّالَه لِقَبضِ الصَّدَقاتِ، ويَجعَلُ لهم على ذلك جُعلًا، ولِهذا قالَ له أبناءُ عَمِّهِ: لو بَعَثْتَنَا على هذه الصَّدَقاتِ فنُؤَدِّيَ إلَيكَ ما يُؤدِّي النَّاسُ، ونُصيبَ ما يُصيبُه النَّاسُ. يَعنيانِ العَمالةَ.
وَتَجوزُ بغيرِ جُعْلٍ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ وكَّل أُنيسًا في إقامةِ الحَدِّ، وعُروةَ في شِراءِ شاةٍ، وعَمْرًا وأبا رافِعٍ في قَبولِ النِّكاحِ بغيرِ جُعلٍ.
стр. 6014
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ كانَتْ بجُعلٍ استَحقَّ الوَكيلُ الجُعلَ بتَسليمِ ما وُكِّلَ فيه إلى المُوكِّلِ، إنْ كانَ ممَّا يُمكِنُ تَسليمُه، كَثَوبٍ يَنسِجُه، أو يُقَصِّرُه، أو يَخيطُه، فمتى سلَّمَه إلى المُوكِّلِ مَعمولًا فله الأجْرُ.
وإنْ كانَ الخَيَّاطُ في دارِ المُوكِّلِ فكلَّما عمِل شَيئًا وقَع مَقبوضًا، فيَستحقُّ الوَكيلُ الجُعلَ إذا فرَغ الخَيَّاطُ مِنْ الخِياطةِ.
وإنْ وُكِّلَ في بَيعٍ أو شِراءٍ أو حَجٍّ استَحقَّ الأجْرَ إذا عمِله، وإنْ لَم يَقبِضِ الثَّمَنَ في البَيعِ.
وإنْ قالَ: إذا بِعتَ الثَّوبَ وقَبَضتَ ثَمَنَه وسلَّمتَه إلَيَّ، فلكَ الأجْرُ، لَم يَستحقَّ مِنها شَيئًا حتى يُسلِّمَه إليه، فإنْ فاتَه التَّسليمُ لَم يَستحقَّ شَيئًا؛ لِفَواتِ الشَّرطِ (١).
إذا قالَ المُوكِّلُ: بِعْ هذا بكذا، فما زادَ فهو لَكَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ أو لِلدَّلَّالِ: بِعْ هذا بعَشَرةٍ مثلًا، فما زادَ فهو لَكَ، هَلْ يَصحُّ أو لا؟
فَذهَب الحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ، ولا يُوجَدُ في ذلك بَأْسٌ، واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه عَبدُ الرَّزَّاقِ في بابِ الرَّجلِ يَقولُ: بِعْ هذا بكذا فما زادَ فلَكَ، وكَيفَ إنْ باعَه بدَيْنٍ:
стр. 6015
أخبَرَنا عَبدُ الرَّزَّاقِ قالَ: أخبَرَنا مَعمَرٌ عن الزُّهريِّ وقَتادةَ وأيُّوبَ وابنِ سِيرِينَ كانوا لا يَرَوْنَ ببَيعِ القِيمةِ بَأْسًا، أنْ يَقولَ: بِعْ هذا بكذا، وكذا، فما زادَ فلَكَ.
أخبَرَنا عَبدُ الرَّزَّاقِ قالَ: أخبَرَنا الثَّوريُّ عن جابِرٍ عن الشَّعبيِّ في الرَّجلِ يَقولُ: بِعْ هذا الثَّوبَ بكذا وكذا، فما زادَ فلَكَ، قالَ: لا بَأْسَ به.
أخبَرَنا عَبدُ الرَّزَّاقِ قالَ: أخبَرَنا هُشَيْمٌ قالَ: سَمِعتُ عَمْرَو بنَ دِينارٍ يُحَدِّثُ عن عَطاءٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّه لَم يَرَ به بَأْسًا، قالَ: وذكَره يُونُسُ عن الحَسَنِ، وبَيعُ القِيمةِ أنْ يَقولَ: بِعْ هذا بكذا، وكذا، فما زادَ فلكَ (١).
قالَ المُوَفَّقُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولو قالَ: بِعْ ثَوْبي بعَشَرةٍ، فما زادَ فلَكَ، صَحَّ، نَصَّ عليه، ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، وهو قَولُ ابنِ سِيرِينَ وإسِحاقَ.
وَكَرِهَه النَّخَعَيُّ وحَمَّادٌ وأبو حَنيفةَ والثَّوريُّ والشَّافِعيُّ وابنُ المُنذِرِ؛ لأنَّه أجْرٌ مَجهولٌ يَحتَمِلُ الوُجودَ.
ولَنا: أنَّ عَطاءً رَوى عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّه كانَ لا يَرَى بَأْسًا أنْ يُعطيَ الرَّجلُ الرَّجلَ الثَّوبَ أو غيرَه، فيَقولَ: بِعْهُ بكذا، فما ازدَدتَ فهو لَكَ، ولا يُعرَفُ له في عَصرِه مُخالِفٌ، فكانَ إجماعًا؛ لأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَملِ عليها، أشبَهَ دَفْعَ مالِه مُضارَبةً.
стр. 6016
إذا ثَبَتَ ذلك؛ فإذا باعَه بزِيادةٍ فهي له؛ لأنَّه جعَلها له، وإنْ باعَه بما عيَّنه فلا شَيءَ له؛ لأنَّه جعَل له الزِّيادةَ، ولا زِيادةَ، فهو كالمُضارِبِ إذا لَم يَربَحْ.
وإنْ باعَه بنَقصٍ فعَنه لا يَصحُّ؛ لِمُخالَفَتِه؛ فَإنْ تَعَذَّرَ ضَمِن النَّقصَ، وعَنه يَصحُّ، ويَضمَنُ النَّقصَ، وقَد ذَكَرْنا ذلك، وإنْ باعَه نَسيئةً لَم يَصحَّ، ولا يَستحقُّ الوَكيلُ، وإنْ باعَه بزِيادةٍ، نَصَّ عليه أحمَدُ في رِوايةِ الأثرَمِ (١).
وقالَ المِرداوِيُّ ﵀: قولُه: فلَو قالَ: بِعْ ثَوبي بعَشَرةٍ فما زادَ فلَكَ، صَحَّ، نَصَّ عليه.
قالَ الإمامُ أحمَدُ ﵀: هَلْ هذا إلَّا كالمُضارَبةِ، واحتَجَّ له بقَولِ ابنِ عَبَّاسٍ، يَعنِي أنَّه أجازَ ذلك، وهو مِنْ مُفرَداتِ المَذهبِ.
لكنْ لو باعَه نَسيئةً بزِيادةٍ، فإنْ قُلْنا: لا يَصحُّ البَيعُ، فلا كَلامَ، وإنْ قُلْنا: يَصحُّ، استَحقَّ الزِّيادةَ، جَزَمَ به في الفُروعِ وغيرِه (٢).
قالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: حَكَى هِشامٌ عن مُحمَّدٍ في رَجُلٍ قالَ لِرَجُلٍ: بِعْ هذا الثَّوبَ بعَشَرةٍ فما زادَ فهو بَيني وبينَكَ، فباعَه بعَشَرةٍ فله أجْرُ مِثلِه لا يُجاوِزُ به دِرهَمًا في قَولِ أبي يُوسفَ، وإنْ لَم يَبِعْه فلا أجْرَ له.
стр. 6017
وقالَ مُحمَّدُ ﵀: له أجْرُ مِثلِه، بالِغًا ما بلَغ، باعَ أو لَم يَبِعْ (١).
وَسُئِلَ الإمامُ ابنُ عابِدينَ ﵀ في رَجُلٍ سافَرَ ببِضاعةٍ، فتَوافَقَ مَع زَيدٍ وعَمْرٍو على أنْ يُعِيناه في بَيعِها، ومَهما حصَل مِنْ رِبحِها يَكونُ لهما ثُلُثاه، نَظيرَ أُجرَتِهما، والثُّلُثُ له، وباعوها مِنْ جَماعةٍ، فهَل لهما أجْرُ مِثلِ عَملِهما؟
الجَوابُ: نَعم، لِجَهالةِ المُسمَّى، قالَ في «البَزَّازيةِ»: مِنْ الخامِسِ: دفَع إلى رَجُلٍ ثَوبًا، وقالَ: بِعْهُ بعَشَرةٍ، فما زادَ فهو بَيني وبينَكَ، قالَ الإمامُ الثَّاني: إنْ باعَه بعَشَرةٍ فلا أجْرَ له، وإنْ تعِب، وإنْ باعَه بأزْيَدَ فله أجْرُ مِثلِه إذا تعِب في ذلك؛ لأنَّه عمِل في إجارةٍ فاسِدةٍ، وعليه الفَتوَى، والأجْرُ مُقابَلٌ بالبَيعِ دونَ مُقدِّماتِه، كالسَّعْيِ. اه.
أقولُ: مُقتَضَى هذا أنَّه في صُورةِ السُّؤالِ، لو لَم يَحصُلْ رِبحٌ، لا يَستحقَّانِ أُجرةً، لكنْ يُخالِفُه ما صَرَّحوا به في المُضارَبةِ من أنَّها إذا فَسَدَتْ تَصيرُ إجارةً فاسِدةً، ويَكونُ لِلمُضارِبِ أجْرُ مِثلِه، وإنْ لَم يَربَحْ، فتَأَمَّلْ (٢).
وَجاءَ في «الفَتاوَى الهِنديةِ» وفي «الواقِعاتِ» لِلنَّاطِفيِّ ﵀: إذا قالَ لِرَجُلٍ: بِعْ هذا المَتاعَ ولكَ دِرهَمٌ، أو قالَ: اشتَرِ لي هذا المَتاعَ ولكَ دِرهَمٌ، ففَعلَ، فله أجْرُ مِثلِه، لا يُجاوِزُ به الدِّرهَمَ، وفي الدَّلَّالِ والسِّمسارِ يَجِبُ أجْرُ
стр. 6018
المِثلِ، وما تَواضَعوا عليه أنَّ مِنْ كلِّ عَشَرةِ دَنانيرَ كذا، فذلك حَرامٌ عليهم، كذا في الذَّخيرةِ، دفَع ثَوبًا إليه وقالَ: بِعْهُ بعَشَرةٍ، فما زادَ فهو بَيني وبينَكَ، قالَ أبو يُوسفَ ﵀: إنْ باعَه بعَشَرةٍ أو لَم يَبِعْه، فلا أجرَ له، وإنْ تعِب له في ذلك، ولو باعَه باثنَيْ عَشَرَ أو أكثَرَ، فله أجْرُ مِثلِ عَملِه، وعليه الفَتْوى (١).
وَجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرَى»: في الجُعلِ في البَيعِ:
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ قُلتُ لِرَجُلٍ: بِعْ لي هذا الثَّوبَ ولكَ دِرهَمٌ؟ قالَ: لا بَأْسَ به عندَ مالِكٍ.
قُلتُ: فإنْ قالَ له: بِعْ لي هذا الثَّوبَ اليَومَ ولكَ دِرهَمٌ؟ قالَ: لا خَيرَ فيه، إلَّا أنْ يَشترِطَ أنَّه متى ما شاءَ أنْ يَترُكَه ترَكه.
قُلتُ: لِمَ قالَ؟ لأنَّه إنْ لَم يَبِعْه اليَومَ ذهَب عَناؤُه باطِلًا، ولو باعَه في بعضِ اليَومِ سقَط عنه عَملُ بَقيَّةِ ذلك اليَومِ ولا يَجوزُ الجُعلُ إلَّا أنْ يَكونَ متى شاءَ رَدَّه، ولا يَلزَمُه ذلك في ثَوبٍ يَبيعُه بعَينِه، ولا يُوَقِّتُ في الجُعلِ يَومًا أو يَومَيْنِ إلَّا أنْ يَكونَ متى شاءَ أنْ يَرُدَّه رَدَّه، وقَد قالَ ابنُ القاسِمِ في مِثلِ هذا: إنَّه جائِزٌ، وهذا جُلُّ قَوله الذي يُعتَمَدُ عليه.
قُلتُ: وكُلُّ ما يَجوزُ فيه الجُعلُ عندَكَ تَجوزُ فيه الإجارةُ؟ قالَ: نَعم، إذا ضَرَبَ لِلإجارةِ أجَلًا.
стр. 6019
قُلتُ: والكَثيرُ مِنْ السِّلَعِ لا يَصلُحُ فيه الجُعلُ عندَ مالِكٍ؟ قالَ: نَعم، لا يَصلُحُ فيه الجُعلُ، وتَصلُحُ فيه الإجارةُ عندَ مالِكٍ.
قُلتُ: والقَليلُ مِنْ السِّلَعِ تَصلُحُ فيها الإجارةُ والجُعلُ جَميعًا في قَولِ مالِكٍ؟ قالَ: نَعم.
قُلتُ: لِمَ كَرِهَ مالِكٌ في السِّلَعِ الكَثيرةِ أنْ يَبيعَها الرَّجلُ بالجُعلِ؟ قالَ: لأنَّ السِّلَعَ الكَثيرةَ تَشغَلُ بائِعَها عن أنْ يَشتَريَ أو يَبيعَ أو يَعمَلَ في غيرِها؛ فإذا كَثُرَتِ السِّلَعُ هَكذا حتى تَشغَلَ الرَّجلَ، لَم يَصلُحْ إلَّا بإجارةٍ مَعلومةٍ.
قالَ: قالَ لي مالِكٌ ﵀: والثَّوبُ والثَّوبانِ وما أشبَهَهُما مِنْ الأشياءِ التي لا تَشغَلُ صاحِبَها عن أنْ يَعمَلَ في غيرِها فلا بَأْسَ بالجُعلِ فيها، وهو متى شاءَ أنْ يَترُكَ ترَك، والإجارةُ ليسَ له أنْ يَترُكَها متى شاءَ.
قُلتُ: أرَأيتَ بَيعَ الغُلامِ والدَّابَّةِ والجاريةِ، أهذا عندَكَ مِنْ العَملِ الذي يَجوزُ فيه الجُعلُ؟ قالَ: نَعم، وكَذلك قالَ مالِكٌ؛ فإذا كَثُرَتِ الدَّوابُّ والرَّقيقُ لا يَصلُحُ فيها الجُعلُ.
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ قُلتُ لِرَجُلٍ: بِعْ لي هذا الثَّوبَ بدِينارٍ، ولكَ دِرهَمٌ، أيَجوزُ هذا في قَولِ مالِكٍ وقَد وَقَّتُّ له في الثَّوبِ ثَمَنًا؟ قالَ: قالَ مالِكٌ ﵀: ذلك جائِزٌ، وَقَّتَ الثَّمَنَ أو لَم يُوَقِّتْ، فذلك سَواءٌ.
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ قُلتُ لِرَجُلٍ: بِعْ لي هذه الأثوابَ العَشَرةَ ولكَ دِرهَمٌ، أيَجوزُ هذا أم لا في قَولِ مالِكٍ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: إذا كَثُرَتِ الثِّيابُ لَم
стр. 6020
يُعجِبْني ذلك، ولا أرَى أنْ يُعامِلَه في بَيعِها على الجُعلِ، ولكنْ أرَى أنْ يُعامِلَه على الإجارةِ، وإنَّما جَوَّزَ مالِكٌ مِنْ ذلك الثَّوبَ والثَّوبَيْنِ والشَّيءَ اليَسيرَ أنْ يُباعَ بالجُعلِ؛ فإذا كَثُرَ ذلك فعلى الإجارةِ.
قالَ ابنُ وَهبٍ ﵀: وكَذلك قالَ رَبيعةُ: إذا لَم يَضرِبْ لِبَيعِها أمَدًا فلا خَيرَ فيه (١).
стр. 6021
فصل في أركانِ الوَكالةِ
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ أركانَ الوَكالةِ أربَعةٌ:
- الصِّيغةُ.
- المُوكِّلُ.
- والوَكيلُ.
- والمُوَكَّل فيهِ: وهو مَحَلُّ العَقدِ.
وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ رُكنَ الوَكالةِ هو الإيجابُ والقَبولُ، كما في سائِرِ العُقودِ (١).
وَإلَيكَ بَيانَ أركانِ الوَكالةِ وشُروطِها:
стр. 6022
الرُّكنُ الأوَّلُ: الصِّيغةُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الصِّيغةَ رُكنٌ مِنْ أركانِ الوَكالةِ، وهي الإيجابُ والقَبولُ، فالإيجابُ مِنْ المُوكِّلِ أنْ يَقولَ: وَكَّلتُكَ بكذا، أوِ افعَل كذا، أو أذِنتُ لكَ أنْ تَفعَلَ كذا، ونحوَه.
والقَبولُ مِنْ الوَكيلِ أنْ يَقولَ: قَبِلتُ، وما يَجري مَجراه، فما لَم يُوجَدِ الإيجابُ والقَبولُ لا يَتمُّ العَقدُ؛ لأنَّه عَقدٌ يَتعلَّقُ به حَقُّ كلِّ واحِدٍ مِنهُما، فافتَقَرَ إلى الإيجابِ، كالبَيعِ والإجارةِ، ولأنَّ الشَّخصَ مَمنوعٌ مِنْ التَصرُّفِ في مِلْكِ غيرِه، حتى يَأذَنَ له.
قالَ الحَنفيَّةُ: ولِهذا لو وكَّل إنسانًا بقَبضِ دَيْنِه فأبَى أنْ يَقبَلَ، ثم ذهَب الوَكيلُ فقَبَضَه، لَم يَبرَأِ الغَريمُ؛ لأنَّ تَمامَ العَقدِ بالإيجابِ والقَبولِ، فكلُّ واحِدٍ مِنهُما يَرتَدُّ بالرَّدِّ قبلَ وُجودِ الآخَرِ، كما في البَيعِ ونحوِه (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ في الوَكالةِ القَبولُ، حتى لو رَدَّ فقالَ: لا أقبَلُ، أو لا أفعَلُ، بطَلتِ الوَكالةُ. فلَو رَدَّ ثم نَدِمَ، وأرادَ أنْ يَفعَلَ، لَم يَجُزْ؛ بَلْ لا بدَّ مِنْ إذْنٍ جَديدٍ؛ لأنَّ الوَكالةَ جائِزةٌ، تَرتَفِعُ في الدَّوامِ بالفَسخِ، فارتِدادُها بالرَّدِّ في الِابتِداءِ أَوْلَى (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: لو أبَى الوَكيلُ أنْ يَقبَلَ الوَكالةَ، فكَعَزْلِه نَفْسَه، فيُحَكَمُ عليه بالرَّدِّ (٣).
стр. 6023
إلَّا أنَّهم اختَلَفوا هَلْ يُشترَطُ لها لَفظٌ مُعيَّنٌ أو تَنعَقِدُ بكُلِّ ما يَدُلُّ عليها مِنْ قَولٍ أو فِعلٍ أو لا بدَّ مِنْ لَفظِ التَّفويضِ؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ في المَذهبِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكالةَ لا يُشترَطُ لها لَفْظٌ مُعيَّنٌ، وإنَّما تَنعقِدُ بكُلِّ لَفظٍ يَدُلُّ على الإذْنِ يَقتَضي رِضاه في الإيجابِ، نحوَ أنْ يَقولَ: وَكَّلتُكَ، أو يَأمُرَه بفِعلِ شَيءٍ، أو يَقولَ: أذِنتُ لكَ في فِعلِه، أو فَوَّضتُه إلَيكَ، أو أنتَ وَكيلي فيه، أو أقَمتُكَ مَقامي، أو أنَبْتُكَ، أو أحبَبتُ أنْ تَبيعَ عَبدي هذا، أو رَضيتُ أو شِئتُ أو أرَدتُ، فهو تَوكيلٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وكَّل عُروةَ بنَ الجَعدِ في شِراءِ شاةٍ، بلَفظِ الشِّراءِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى -مُخبِرًا عن أهلِ الكَهفِ-: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]، ولأنَّه لَفظٌ دَالٌّ على الإذْنِ، فجَرى مَجرَى قَوله: وَكَّلتُكَ.
وفي قَولٍ لِلحَنفيَّةِ: الوَكالةُ لا تَصحُّ إلَّا باللَّفظِ الذي ثَبَتَتْ به الوَكالةُ، مِنْ قَوله: وَكَّلتُكَ ببَيعِ عَبدي هذا، أو بشِراءِ كذا (١).
وأمَّا القَبولُ: فالحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ يَرَوْنَ أنَّه لا يُشترَطُ القَبولُ لَفظًا، بَلْ يَصحُّ بكُلِّ لَفظٍ دَلَّ عليه، أو كلِّ فِعلٍ؛ لأنَّ التَّوكيلَ إباحةٌ، ورَفْعُ حَجْرٍ، فأشبَهَ إباحةَ الطَّعامِ، فيَجوزُ بكُلِّ فِعلٍ دَلَّ على القَبولِ، نحوَ أنْ يَفعَلَ ويَتصرَّفَ ما أمَرَه بفِعلِه؛ لأنَّ الذين وكَّلهمُ النَّبيُّ ﷺ
стр. 6024
لَم يُنقَلْ عَنهم سِوَى امتِثالِ أمْرِه، ولأنَّه إذْنٌ في التَصرُّفِ، فجازَ القَبولُ فيه بالفِعلِ، كَأكلِ الطَّعامِ.
وفي قَولٍ لِلشَّافِعيَّةِ: يُشترَطُ القَبولُ لَفظًا.
وفي قَولٍ ثالِثٍ لِلشَّافِعيةِ: إنْ أتَى بصِيغةِ عَقدٍ، مثلَ: وَكَّلتُكَ، وفَوَّضتُ إلَيكَ، اشتُرِطَ.
وإنْ أتَى بصِيغةِ أمْرٍ، نحوَ: بِعْ، واشتَرِ، لَم يُشترَطْ.
وَتَكفي الكِتابةُ والرِّسالةُ في الوَكالةِ (١).
وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّ الوَكالةَ لا تَختَصُّ بالصِّيغةِ الدَّالَّةِ بقَولٍ أو فِعلٍ أو إرسالٍ، وإنَّما الحُكمُ في ذلك لِلعُرفِ والعادةِ، فالوَكالةُ مَشروطةٌ بأنْ يَقتَرِنَ بلَفظِ المُوكِّلِ ما يَدُلُّ على بَيانِ الشَّيءِ المُوكَّلِ فيه عُرفًا، أو ويَكونُ مَعلومًا بالنَّصِّ أو بالعادةِ، ومِن العادةِ تَصرُّفُ الزَّوجِ لِزَوجَتِه في مالِها، وهي عالِمةٌ ساكِتةٌ، أو تَصرُّفُ الأخِ لِإخوَتِه كَذلك؛ فإنَّه مَحمولٌ على التَّوكيلِ، فيَمضي فِعلُه، والقَولُ قَولُه حتى يَثبُتَ المَنعُ لِلمُتَصرِّفِ مِنْ
стр. 6025
رَبِّ المالِ. وكذا إذا كانَ رِيعٌ بينَ أخٍ وأُختٍ، وكانَ الأخُ يَتولَّى كِراءَه وقَبضَه سِنينَ مُتَطاوِلةً، فالقَولُ قَولُه بأنَّه دفَع لِأُختِه ما يَخُصُّها مِنْ الكِراءِ؛ لأنَّه وَكيلٌ بالعادةِ.
وَدخَل فيما يَدُلُّ عُرفًا الإشارةُ مِنْ الأخرَسِ، وتَصحُّ بالكِتابةِ؛ لِمَا رَواه البُخاريُّ مُعلَّقًا، في بابِ: وَكالةُ الشَّاهِدِ والغائِبِ جائِزةٌ: «وَكَتَبَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو إلى قَهرَمانِه وهو غائِبٌ عنه أنْ يُزكِّيَ عن أهلِه الصَّغيرِ والكَبيرِ» (١).
فَما لا يَدُلُّ على الصِّيغةِ عُرفًا ويَدُلُّ عليها لُغةً لا يَكونُ مِنْ صيغَتِها؛ فلا تَصحُّ بمُجَرَّدِ: وَكَّلتُكَ؛ لأنَّه لا يَدُلُّ عُرفًا على شَيءٍ، بَلْ حتى يُفَوِّضَ أو يُخَصِّصَ، فقَولُ المُوكِّلِ لِوَكيلِه: وَكَّلتُكَ، أو: فُلانٌ وَكيلي، لا يُفيدُه، وتَكونُ وَكالةً باطِلةً، بَلْ حتى يَقولَ: فَوَّضتُ إلَيكَ أُموري في كلِّ شَيءٍ، أو أقَمتُكَ مَقامي، أو نحوَ ذلك، أو يُقيِّدَ بأمْرٍ مَخصوصٍ، كَنِكاحٍ أو شِراءٍ.
وإذا كانَ لَفظُ المُوكِّلِ عامًّا؛ فإنَّه يَتخصَّصُ بالعُرفِ، كما إذا قالَ: وَكَّلتُكَ على بَيعِ دَوابِّي، وكانَ العُرفُ يَقتَضي تَخصيصَ ذلك ببعضِ أنواعِ الدَّوابِّ؛ فإنَّه يَتخصَّصُ، وكذا إذا قالَ: وَكَّلتُكَ على بَيعِ هذه السِّلعةِ؛ فإنَّ هذا اللَّفظَ عامٌّ في بَيعِها في كلِّ مَكانٍ وزَمانٍ؛ فإذا كانَ العُرفُ إنَّما تُباعُ هذه السِّلعةُ في سوقٍ مَخصوصٍ، أو في زَمانٍ مَخصوصٍ، فيُخصَّصُ هذا العُمومُ، وكذا إذا كانَ الشَّيءُ المُوكَّلُ عليه مُطلَقًا؛ فإنَّه يَتقيَّدُ بالعُرفِ، كما لو قالَ: اشتَرِ لي؛ فإنَّه يَتقيَّدُ بما يَليقُ به ولا يَتجاوَزُه الوَكيلُ إلى غيرِ ما وُكِّلَ عليه،