فصل في أركانِ الوَكالةِ
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ أركانَ الوَكالةِ أربَعةٌ:
- الصِّيغةُ.
- المُوكِّلُ.
- والوَكيلُ.
- والمُوَكَّل فيهِ: وهو مَحَلُّ العَقدِ.
وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ رُكنَ الوَكالةِ هو الإيجابُ والقَبولُ، كما في سائِرِ العُقودِ (١).
وَإلَيكَ بَيانَ أركانِ الوَكالةِ وشُروطِها:
стр. 6022
الرُّكنُ الأوَّلُ: الصِّيغةُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الصِّيغةَ رُكنٌ مِنْ أركانِ الوَكالةِ، وهي الإيجابُ والقَبولُ، فالإيجابُ مِنْ المُوكِّلِ أنْ يَقولَ: وَكَّلتُكَ بكذا، أوِ افعَل كذا، أو أذِنتُ لكَ أنْ تَفعَلَ كذا، ونحوَه.
والقَبولُ مِنْ الوَكيلِ أنْ يَقولَ: قَبِلتُ، وما يَجري مَجراه، فما لَم يُوجَدِ الإيجابُ والقَبولُ لا يَتمُّ العَقدُ؛ لأنَّه عَقدٌ يَتعلَّقُ به حَقُّ كلِّ واحِدٍ مِنهُما، فافتَقَرَ إلى الإيجابِ، كالبَيعِ والإجارةِ، ولأنَّ الشَّخصَ مَمنوعٌ مِنْ التَصرُّفِ في مِلْكِ غيرِه، حتى يَأذَنَ له.
قالَ الحَنفيَّةُ: ولِهذا لو وكَّل إنسانًا بقَبضِ دَيْنِه فأبَى أنْ يَقبَلَ، ثم ذهَب الوَكيلُ فقَبَضَه، لَم يَبرَأِ الغَريمُ؛ لأنَّ تَمامَ العَقدِ بالإيجابِ والقَبولِ، فكلُّ واحِدٍ مِنهُما يَرتَدُّ بالرَّدِّ قبلَ وُجودِ الآخَرِ، كما في البَيعِ ونحوِه (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ في الوَكالةِ القَبولُ، حتى لو رَدَّ فقالَ: لا أقبَلُ، أو لا أفعَلُ، بطَلتِ الوَكالةُ. فلَو رَدَّ ثم نَدِمَ، وأرادَ أنْ يَفعَلَ، لَم يَجُزْ؛ بَلْ لا بدَّ مِنْ إذْنٍ جَديدٍ؛ لأنَّ الوَكالةَ جائِزةٌ، تَرتَفِعُ في الدَّوامِ بالفَسخِ، فارتِدادُها بالرَّدِّ في الِابتِداءِ أَوْلَى (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: لو أبَى الوَكيلُ أنْ يَقبَلَ الوَكالةَ، فكَعَزْلِه نَفْسَه، فيُحَكَمُ عليه بالرَّدِّ (٣).
стр. 6023
إلَّا أنَّهم اختَلَفوا هَلْ يُشترَطُ لها لَفظٌ مُعيَّنٌ أو تَنعَقِدُ بكُلِّ ما يَدُلُّ عليها مِنْ قَولٍ أو فِعلٍ أو لا بدَّ مِنْ لَفظِ التَّفويضِ؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ في المَذهبِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكالةَ لا يُشترَطُ لها لَفْظٌ مُعيَّنٌ، وإنَّما تَنعقِدُ بكُلِّ لَفظٍ يَدُلُّ على الإذْنِ يَقتَضي رِضاه في الإيجابِ، نحوَ أنْ يَقولَ: وَكَّلتُكَ، أو يَأمُرَه بفِعلِ شَيءٍ، أو يَقولَ: أذِنتُ لكَ في فِعلِه، أو فَوَّضتُه إلَيكَ، أو أنتَ وَكيلي فيه، أو أقَمتُكَ مَقامي، أو أنَبْتُكَ، أو أحبَبتُ أنْ تَبيعَ عَبدي هذا، أو رَضيتُ أو شِئتُ أو أرَدتُ، فهو تَوكيلٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وكَّل عُروةَ بنَ الجَعدِ في شِراءِ شاةٍ، بلَفظِ الشِّراءِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى -مُخبِرًا عن أهلِ الكَهفِ-: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]، ولأنَّه لَفظٌ دَالٌّ على الإذْنِ، فجَرى مَجرَى قَوله: وَكَّلتُكَ.
وفي قَولٍ لِلحَنفيَّةِ: الوَكالةُ لا تَصحُّ إلَّا باللَّفظِ الذي ثَبَتَتْ به الوَكالةُ، مِنْ قَوله: وَكَّلتُكَ ببَيعِ عَبدي هذا، أو بشِراءِ كذا (١).
وأمَّا القَبولُ: فالحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ يَرَوْنَ أنَّه لا يُشترَطُ القَبولُ لَفظًا، بَلْ يَصحُّ بكُلِّ لَفظٍ دَلَّ عليه، أو كلِّ فِعلٍ؛ لأنَّ التَّوكيلَ إباحةٌ، ورَفْعُ حَجْرٍ، فأشبَهَ إباحةَ الطَّعامِ، فيَجوزُ بكُلِّ فِعلٍ دَلَّ على القَبولِ، نحوَ أنْ يَفعَلَ ويَتصرَّفَ ما أمَرَه بفِعلِه؛ لأنَّ الذين وكَّلهمُ النَّبيُّ ﷺ
стр. 6024
لَم يُنقَلْ عَنهم سِوَى امتِثالِ أمْرِه، ولأنَّه إذْنٌ في التَصرُّفِ، فجازَ القَبولُ فيه بالفِعلِ، كَأكلِ الطَّعامِ.
وفي قَولٍ لِلشَّافِعيَّةِ: يُشترَطُ القَبولُ لَفظًا.
وفي قَولٍ ثالِثٍ لِلشَّافِعيةِ: إنْ أتَى بصِيغةِ عَقدٍ، مثلَ: وَكَّلتُكَ، وفَوَّضتُ إلَيكَ، اشتُرِطَ.
وإنْ أتَى بصِيغةِ أمْرٍ، نحوَ: بِعْ، واشتَرِ، لَم يُشترَطْ.
وَتَكفي الكِتابةُ والرِّسالةُ في الوَكالةِ (١).
وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّ الوَكالةَ لا تَختَصُّ بالصِّيغةِ الدَّالَّةِ بقَولٍ أو فِعلٍ أو إرسالٍ، وإنَّما الحُكمُ في ذلك لِلعُرفِ والعادةِ، فالوَكالةُ مَشروطةٌ بأنْ يَقتَرِنَ بلَفظِ المُوكِّلِ ما يَدُلُّ على بَيانِ الشَّيءِ المُوكَّلِ فيه عُرفًا، أو ويَكونُ مَعلومًا بالنَّصِّ أو بالعادةِ، ومِن العادةِ تَصرُّفُ الزَّوجِ لِزَوجَتِه في مالِها، وهي عالِمةٌ ساكِتةٌ، أو تَصرُّفُ الأخِ لِإخوَتِه كَذلك؛ فإنَّه مَحمولٌ على التَّوكيلِ، فيَمضي فِعلُه، والقَولُ قَولُه حتى يَثبُتَ المَنعُ لِلمُتَصرِّفِ مِنْ
стр. 6025
رَبِّ المالِ. وكذا إذا كانَ رِيعٌ بينَ أخٍ وأُختٍ، وكانَ الأخُ يَتولَّى كِراءَه وقَبضَه سِنينَ مُتَطاوِلةً، فالقَولُ قَولُه بأنَّه دفَع لِأُختِه ما يَخُصُّها مِنْ الكِراءِ؛ لأنَّه وَكيلٌ بالعادةِ.
وَدخَل فيما يَدُلُّ عُرفًا الإشارةُ مِنْ الأخرَسِ، وتَصحُّ بالكِتابةِ؛ لِمَا رَواه البُخاريُّ مُعلَّقًا، في بابِ: وَكالةُ الشَّاهِدِ والغائِبِ جائِزةٌ: «وَكَتَبَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو إلى قَهرَمانِه وهو غائِبٌ عنه أنْ يُزكِّيَ عن أهلِه الصَّغيرِ والكَبيرِ» (١).
فَما لا يَدُلُّ على الصِّيغةِ عُرفًا ويَدُلُّ عليها لُغةً لا يَكونُ مِنْ صيغَتِها؛ فلا تَصحُّ بمُجَرَّدِ: وَكَّلتُكَ؛ لأنَّه لا يَدُلُّ عُرفًا على شَيءٍ، بَلْ حتى يُفَوِّضَ أو يُخَصِّصَ، فقَولُ المُوكِّلِ لِوَكيلِه: وَكَّلتُكَ، أو: فُلانٌ وَكيلي، لا يُفيدُه، وتَكونُ وَكالةً باطِلةً، بَلْ حتى يَقولَ: فَوَّضتُ إلَيكَ أُموري في كلِّ شَيءٍ، أو أقَمتُكَ مَقامي، أو نحوَ ذلك، أو يُقيِّدَ بأمْرٍ مَخصوصٍ، كَنِكاحٍ أو شِراءٍ.
وإذا كانَ لَفظُ المُوكِّلِ عامًّا؛ فإنَّه يَتخصَّصُ بالعُرفِ، كما إذا قالَ: وَكَّلتُكَ على بَيعِ دَوابِّي، وكانَ العُرفُ يَقتَضي تَخصيصَ ذلك ببعضِ أنواعِ الدَّوابِّ؛ فإنَّه يَتخصَّصُ، وكذا إذا قالَ: وَكَّلتُكَ على بَيعِ هذه السِّلعةِ؛ فإنَّ هذا اللَّفظَ عامٌّ في بَيعِها في كلِّ مَكانٍ وزَمانٍ؛ فإذا كانَ العُرفُ إنَّما تُباعُ هذه السِّلعةُ في سوقٍ مَخصوصٍ، أو في زَمانٍ مَخصوصٍ، فيُخصَّصُ هذا العُمومُ، وكذا إذا كانَ الشَّيءُ المُوكَّلُ عليه مُطلَقًا؛ فإنَّه يَتقيَّدُ بالعُرفِ، كما لو قالَ: اشتَرِ لي؛ فإنَّه يَتقيَّدُ بما يَليقُ به ولا يَتجاوَزُه الوَكيلُ إلى غيرِ ما وُكِّلَ عليه،
стр. 6026
سَواءٌ كانَ مُعيَّنًا بالنَّصِّ، أو مُخصَّصًا، أو مُقيَّدًا، وتُخصَّصُ وتُقيَّدُ بالعُرفِ.
ولا بدَّ مِنْ القَبولِ مِنْ الوَكيلِ على الفَورِ، فإنْ تَراخَى قَبولُه ففيه قَولانِ. وقيلَ: التَّحقيقُ في هذا يَرجِعُ إلى العادةِ، هَلِ المَقصودُ مِنْ اللَّفظِ جَوابُه على الفَورِ أو لا؟ (١).
القَبولُ على الفَورِ أو على التَّراخِي:
يَصحُّ القَبولُ على الفَورِ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ، إلَّا أنَّهم اختَلَفوا فيما لو تَراخَى القَبولُ عن المَجلِسِ:
فَذهَب الشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَصحُّ القَبولُ على التَّراخِي أيضًا، نحوَ أنْ يَبلُغَه أنَّ رَجُلًا وكَّله في بَيعِ شَيءٍ مُنذُ سَنةٍ، فيَبيعَه، أو يَقولَ: قَبِلتُ، أو يَأمُرَه بفِعلِ شَيءٍ، فيَفعَلَه بعدَ مُدَّةٍ طَويلةٍ؛ لأنَّ قَبولَ وُكَلاءِ النَّبيِّ ﷺ لِوَكالَتِه كانَ بفِعلِهم، وكانَ مُتَراخيًا عن تَوكيلِه إيَّاهم، ولأنَّه إذْنٌ في التَصرُّفِ، والإذْنُ قائِمٌ ما لَم يُرجَعْ عنه، فأشبَهَ الإباحةَ، ولأنَّ الوَكالةَ تَصحُّ بالمَعلومِ والمَجهولِ والمَعدومِ والمَوجودِ، وذلك أنَّه إذا وكَّله في إثباتِ حَقٍّ بعَينِه، أو خُصومةٍ، شُخِّصَ بعَيْنِه، جازَ، ولو وكَّله باستِيفاءِ جَميعِ حُقوقِه، وإثباتِها، وخُصوماتِه، وما وجَب له، وما
стр. 6027
يَستَجِدُّ فيما بعدَ، جازَ، وكُلُّ ما يَصحُّ في المَعلومِ والمَجهولِ كانَ القَبولُ فيه على التَّراخي، كالوَصيَّةِ.
وذهَب المالِكيَّةُ في قَولٍ والشَّافِعيَّةُ في وَجهٍ أنَّه لا يَصحُّ القَبولُ على التَّراخي؛ لأنَّه عَقدٌ في حالِ الحَياةِ يَفتَقِرُ إلى القَبولِ، فاشتُرِطَ أنْ يَكونَ القَبولُ فيه على الفَورِ، كالبَيعِ (١).
عِلمُ الوَكيلِ بالوَكالةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ، هَلْ يُشترَطُ عِلمُه لصحَّةِ الوَكالةِ أو لا يُشترَطُ؟ وهل يَصحُّ تَصرُّفُه إذا وُكِّلَ ولَم يَعلَمْ بالوَكالةِ؟
فَذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّه يُشترَطُ لصحَّةِ الوَكالةِ عِلمُ الوَكيلِ بها، فلَو وكَّل رَجُلًا بطَلاقِ امرَأتِه والوَكيلُ غائِبٌ لا يَعلَمُ، فطَلَّقها، فالطَّلاقُ باطِلٌ، أو وكَّله بشِراءِ شَيءٍ فاشتَراه وهو لا يَعلَمُ بتَوكيلِه فالشِّراءُ باطِلٌ، وكَذلك سائِرُ العُقودِ؛ لأنَّ الوَكالةَ لا تَثبُتُ قبلَ عِلمِ الوَكيلِ بها، كما في العَزلِ، لا يَثبُتُ قبلَ عِلمِه؛ وهذا لأنَّ حُكمَ الخِطَابِ في حَقِّ المُخاطَبِ لا يَثبُتُ ما لَم يَعلَمْ به؛
стр. 6028
وهذا لأنَّ الوَكيلَ نائِبٌ عن المُوكِّلِ، مُعَبِّرٌ عن مَنافِعِه في التَصرُّفِ له، ولا يَتحقَّقُ ذلك إلَّا بعِلمِه، بخِلافِ الوَصِيِّ إذا تصرَّفَ بعدَ مَوتِ المُوصِي قبلَ عِلمِه بالوَصِيَّةِ، يُنَفَّذُ تَصرُّفُه استِحسانًا.
فإنَّ مَنْ أوصَى إلى رَجُلٍ غائِبٍ، أي: جعَله وَصِيًّا بعدَ مَوتِه، ثم ماتَ المُوصِي، ثم باعَ الوَصِيُّ شَيئًا مِنْ تَرِكةِ الميِّتِ قبلَ عِلمِه بالوِصايةِ والمَوتِ؛ بَيعُه جائِزٌ استِحسانًا، ويَكونُ ذلك قَبولًا مِنه لِلوِصايةِ حتى لا يَملِكَ إخراجَ نَفْسِه مِنها، والقِياسُ أنَّه لا يَجوزُ، والفَرقُ أنَّ الوَصِيَّ خَلَفٌ عن المُوصِي، قائِمٌ مَقامَه، كالوارِثِ، يَقومُ مَقامَ المُورِّثِ؛ لأنَّ الوِصايةَ خِلافةٌ، وهو النَّائِبُ فيها، ولأنَّ أوانَها بعدَ انقِطاعِ وِلايةِ المُوصِي، وقَد تحقَّقَ ذلك بمَوتِه، وإنَّما جُوِّزَ ذلك لِلحاجةِ؛ فالحاجةُ بعدَ مَوتِ المُوصِي تُصرَفُ إلى مَنْ يَتصرَّفُ قياسًا، فأمَّا هُنا فالوَكالةُ إنابةٌ، والمُوكِّلُ قادِرٌ على التَصرُّفِ بنَفْسِه، فلا حاجةَ إلى إثباتِ حُكمِ الوَكالةِ قبلَ عِلمِ الوَكيلِ بها.
ولو باعَ الوارِثُ تَرِكةَ المَيِّتِ بعدَ مَوتِه وهو لا يَعلَمُ مَوتَه، جازَ بَيعُه، فكذا الوَصِيُّ، بخِلافِ التَّوكيلِ؛ لأنَّه أمْرٌ مِنْ المُوكِّلِ، وحُكمُ الأمْرِ لا يَلزَمُ إلَّا بعدَ العِلمِ، أو سَبَبِه، على ما مَرَّ.
فَإذا ثَبَتَ أنَّ العِلمَ بالتَّوكيلِ شَرطٌ، فإنْ كانَ التَّوكيلُ بحَضرةِ المُوكِّلِ أو كَتَبَ المُوكِّلُ بذلك كِتابًا إليه، فبلَغه، وعلِم ما فيه، أو أرسَلَ إليه رَسولًا فبلَغ الرِّسالةَ، أو أخبَرَه بالتَّوكيلِ رَجُلانِ، أو رَجُلٌ واحِدٌ عَدْلٌ، صارَ وَكيلًا بالإجماعِ، وإنْ أخبَرَه بذلك رَجُلٌ واحِدٌ غيرُ عَدلٍ، فَإنْ صدَّقه صارَ وَكيلًا
стр. 6029
أيضًا، وإنْ لَم يُصَدِّقْه قالَ الكاسانيُّ: يَنبَغي أنْ يَكونَ على الِاختِلافِ في العَدلِ عندَ أبي حَنيفةَ، لا يَكونُ وَكيلًا، وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ يَكونُ وَكيلًا، كما في العَزلِ (١).
وذهَب الشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترَطُ عِلمُ الوَكيلِ بالوَكالةِ، فلَو تصرَّفَ الوَكيلُ قبلَ العِلمِ بالوَكالةِ، ثم بانَ وَكيلًا، صَحَّ تَصرُّفُه (٢).
قالَ الحَنابِلةُ: لا يُشترَطُ لصحَّةِ الوَكالةِ عِلمُ الوَكيلِ بالوَكالةِ؛ فإذا وكَّله في بَيعِ دارِه مثلًا، ولَم يَعلَمِ الوَكيلُ، فباعَها على أنَّه فُضوليٌّ، وبانَ أنَّه كانَ وكَّله في بَيعِه، نَفَذَ بَيعُه؛ لأنَّ الِاعتِبارَ في العُقودِ بما في الأمْرِ نَفْسِه، لا بما في ظَنِّ المُكَلَّفِ (٣).
تَعليقُ الوَكالةِ على شَرطٍ وإضافَتُها إلى وَقتٍ:
فرَّق العُلماءُ بينَ أمرَيْنِ:
الأوَّلُ: تَنجيزُ الوَكالةِ في الحالِ، إلَّا أنَّه علَّق تَصرُّفَ الوَكيلِ على شَرطٍ، مثلَ أنْ يَقولَ: وَكَّلتُكَ في بَيعِ بَيْتِي، ولكنْ لا تَبِعْه حتى يَجيءَ رَأْسُ الشَّهرِ؛ فهذه وَكالةٌ صَحيحةٌ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ؛ لأنَّه عَجَّلَ عَقدَ الوَكالةِ، ولَم يُعَلِّقِ
стр. 6030
العَقدَ على شَرطٍ، وإنَّما علَّق التَصرُّفَ على شَرطٍ، فلَمْ يَمنَعْ صِحَّةَ العَقدِ، وإنَّما جعَل رَأْسَ الشَّهرِ مَحَلًّا لِوَقتِ البَيعِ، ولكنْ لا يَبيعُه إلَّا إذا حصَل الشَّرطُ، ويَكونُ وَكيلًا إذا حَلَّ الأجَلُ، فما بعدَه، ولا يَكونُ وَكيلًا قبلَه.
والآخَرُ: تَعليقُ الوَكالةِ على شَرطٍ، بأنْ يَقولَ: إذا قدِم زَيدٌ أو جاءَ رَأْسُ الشَّهرِ أو قدِم الحاجُّ فقَد وَكَّلتُكَ في بَيعِ بَيْتِي، أو أنتَ وَكيلي، أو إذا طَلبَ مِنْكَ أهلي شَيءٌ فادْفَعْه إليهم.
فاختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَعليقِ هذه الوَكالةِ هَلْ تَصحُّ أو لا؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ تَعليقُ الوَكالةِ على شَرطٍ صَحيحٍ، كَأنْ يَقولَ: إنْ قدِم زَيدٌ فأنتَ وَكيلي في بَيعِ بَيْتِي، وإذا جاءَ الشِّتاءُ فاشتَرِ لَنا فَحمًا، وإذا جاءَ الأضحَى فاشتَرِ لَنا أُضحيةً، وإذا طَلبَ مِنْكَ أهلي شَيئًا فادفَعْه إليهم، وإذا دخَل رَمَضانُ فقَد وَكَّلتُكَ في هذا، أو: فأنتَ وَكيلي؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنْ قُتِلَ زَيدٌ فجَعفَرٌ، وإنْ قُتِلَ جَعفَرٌ فعَبدُ اللَّهِ بنُ رَواحةَ» (١)، وهذا في مَعناه، ولأنَّه عَقدٌ اعتُبِرَ في حَقِّ الوَكيلِ حُكمُه، وهو إباحةُ التَصرُّفِ وصِحَّتُه، فكانَ صَحيحًا، كما لو قالَ: أنتَ وَكيلي في بَيعِ عَبدِي، إذا قدِم الحاجُّ، ولأنَّه لو قالَ: وَكَّلتُكَ في شِراءِ كذا في وَقتِ كذا، صَحَّ بلا خِلافٍ، ومَحَلُّ النِّزاعِ في مَعناه، ولأنَّه إذْنٌ في التَصرُّفِ أشبَهَ الوَصيَّةَ والتَّأْميرَ، ولأنَّه عَقدٌ يَصحُّ بغيرِ جُعْلٍ، ولا يَختَصُّ فاعِلُه بكَونِه مِنْ أهلِ القُربةِ.
стр. 6031
قالَ الحَنفيَّةُ: يَكونُ رُكنُ التَّوكيلِ مَرَّةً مُطلَقًا، يَعني لا يَكونُ مُعلَّقًا بشَرطٍ، أو مُضافًا إلى وَقتٍ، أو مُقيَّدًا بقَيدٍ، ومَرَّةً يَكونُ مُعلَّقًا بشَرطٍ.
مثلًا لو قالَ: وَكَّلتُكَ على أنْ تَبيعَ فَرَسي هذا إذا أتَى فُلانٌ التَّاجِرُ إلى هُنا، وقبلَ الوَكيلُ ذلك، تَنعَقِدُ الوَكالةُ مُعلَّقةً بمَجيءِ التَّاجِرِ وعليه، فإذا جاءَ التَّاجِرُ إلى هُناكَ فلِلوَكيلِ بَيعُ ذلك المالِ؛ لأنَّه يَلزَمُ ثُبوتُ الشَّيءِ المُعلَّقِ عندَ ثُبوتِ الشَّرطِ، وإذا لَم يَأْتِ التَّاجِرُ إلى هُناكَ فليسَ لِلوَكيلِ بَيْعُ ذلك المالِ؛ لأنَّ التَّعليقَ يَمنَعُ المُعلَّقَ أنْ يَكونَ سَبَبًا لِلحُكمِ، فلَو فَرَضْنا أنَّ المُوكِّلَ قالَ: قَدْ وَكَّلتُكَ ببَيعِ فَرَسي هذا، فمَع أنَّ هذا الكَلامَ سَبَبٌ لِتَحقيقِ الوَكالةِ في الحالِ، وصَلاحيةِ الوَكيلِ ببَيعِ الفَرَسِ فَورًا، فلَو قالَ: قَدْ وَكَّلتُكَ ببَيعِ حِصاني هذا إذا جاءَ التَّاجِرُ الفُلانيُّ إلى هُنا؛ فإنَّ التَّعليقَ مانِعٌ مِنْ أنْ تَكونَ الوَكالةُ سَبَبًا في الحالِ، ويَتوقَّفُ ثُبوتُ الوَكالةِ على وُجودِ الشَّرطِ، يَعني أنَّه يَتأخَّرُ إلى مَجيءِ التَّاجِرِ، ومتى وُجِدَ الشَّرطُ فالكَلامُ المَذكورُ يَكونُ سَبَبًا لِلوَكالةِ.
وَمَرَّةً يَكونُ مُضافًا إلى وَقتٍ، مثلًا لو قالَ: وَكَّلتُكَ على أنْ تَبيعَ دَوابِّي في شَهرِ كذا، وقبلَ الوَكيلُ ذلك، يَكونُ بحُلولِه وَكيلًا، وله أنْ يَبيعَ الدَّوابَّ في ذلك الشَّهرِ أو بعدَه، وأمَّا قبلَ حُلولِه فليسَ له أنْ يَبيعَ.
وَمَرَّةً يَكونُ مُقيَّدًا بقَيدٍ. مثلًا لو قالَ: وَكَّلتُكَ على أنْ تَبيعَ ساعَتِي هذه بألْفِ دِرهَمٍ، تَكونُ وَكالةُ الوَكيلِ مُقيَّدةً بعَدمِ البَيعِ بأقَلَّ مِنْ ألْفِ دِرهَمٍ (١).
стр. 6032
وذهَب الشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ إلى أنَّه لا يَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ؛ لأنَّه عَقدٌ تُؤَثِّرُ الجَهالةُ في إبطالِه، فلَمْ يَصحَّ تَعليقُه على شَرطٍ، كالبَيعِ والإجارةِ.
وَيُخالِفُ الوَصيَّةَ؛ فإنَّها لا يُؤثِّرُ فيها غَرَرُ الجَهالةِ، فلا يُؤثِّرُ فيها غَرَرُ الشَّرطِ، أمَّا الوَكالةُ فتُؤثِّرُ الجَهالةُ في إبطالِها، فيُؤثِّرُ غَرَرُ الشَّرطِ.
إلَّا أنَّه إنْ علَّقها على شَرطٍ مُستَقبَلٍ، ووُجِدَ الشَّرطُ وتَصرَّفَ الوَكيلُ، صَحَّ التَصرُّفُ، على الأصَحِّ في المَذهبِ؛ لأنَّ الإذْنَ قائِمٌ مَع فَسادِ العَقدِ، ويَكونُ تَصرُّفُه بإذْنٍ، فصَحَّ، كما لو شرَط في الوَكالةِ عِوَضًا مَجهولًا، فقالَ: بِعْ كذا على أنَّ لكَ العُشْرَ مِنْ ثَمَنِه، تَفسُدُ الوَكالةُ، لكنْ لو باعَ صَحَّ؛ فإنْ كانَ قَدْ سمَّى له جُعلًا سقَط المُسمَّى، ووجَب له أُجرةُ المِثلِ؛ لأنَّه عمِل في عَقدٍ فاسِدٍ لَم يَرضَ فيه بغيرِ بَدَلٍ، فوجَب أُجرةُ المِثلِ، كالعَملِ في الإجارةِ الفاسِدةِ، كما أنَّ الشَّرطَ الفاسِدَ في النِّكاحِ الفاسِدِ يُفسِدُ الصَّداقَ، ويُوجِبُ مَهرَ المِثلِ، ولا يُؤثِّرُ في صِحَّةِ النِّكاحِ.
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: لا يَصحُّ التَّصرُّفُ؛ لِفَسادِ العَقدِ، ولا اعتِبارَ لِلإذْنِ الذي يَتضَمَّنُه العَقدُ الفاسِدُ، ألَا تَرَى أنَّه لو باعَ بَيعًا فاسِدًا وسلَّمَ المَبيعَ لا يَجوزُ لِلمُشتَرِي التَصرُّفُ فيه، وإنْ تَضمَّن البَيعُ والتَّسليمُ الإذْنَ في التَّصرُّفِ والتَّسليطَ عليه (١).
стр. 6033
صِفةُ عَقدِ الوَكالةِ:
لا تَخلو الوَكالةُ مِنْ ثَلاثِ صُوَرٍ:
الصُّورةُ الأُولى: أنْ تَكونَ تَبرُّعًا.
الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ تَكونَ بأُجرةٍ.
الصُّورةُ الثَّالثةُ: أنْ تَكونَ بجُعلٍ.
وَيَختلِفُ حُكمُ كلِّ واحِدةٍ مِنها عن الأُخرَيَيْنِ، وبَيانُها على التَّفصيلِ الآتي:
الصُّورةُ الأُولَى: أنْ تَكونَ تَبرُّعًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في صِفةِ عَقدِ الوَكالةِ إذا كانَتْ تَبرُّعًا، هَلْ هي مِنْ العُقودِ الجائِزةِ التي يَجوزُ لَكُلٍّ مِنْ الوَكيلِ والمُوكِّلِ فَسخُها متى أرادَا؟ أو هي مِنْ العُقودِ اللَّازِمةِ التي لا يَحِقُّ لِأحَدٍ فَسخُها إلَّا برِضا الآخَرِ؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكالةَ مِنْ العُقودِ الجائِزةِ مِنْ الجانِبَيْنِ، فلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَسخُها متى شاءَ؛ لأنَّها مِنْ جِهةِ المُوكِّلِ إذْنٌ، ومِن جِهةِ الوَكيلِ بَذْلُ نَفْعٍ، وكِلاهُما جائِزٌ، فجازَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما إبطالُهُ؛ كالإذْنِ في أكلِ طَعامِه.
стр. 6034
ولأنَّ المُوكِّلَ قَدْ يَرَى المَصلَحةَ في تَركِ ما وكَّل فيه، أو في تَوكيلِ آخَرَ، ومِن جانِبِ الوَكيلِ فإنَّه قَدْ لا يَتفرَّغُ؛ فيَكونُ اللُّزومُ مُضِرًّا بهِما.
إذا ثَبَتَ هذا: فالفَسخُ أنْ يَقولَ أحَدُهما: فَسَختُ الوَكالةَ، أو أبطَلتُها، أو نَقَضتُها: أو يَقولَ المُوكِّلُ: عَزَلتُكَ، أو صَرَفتُكَ عَنها، أو أزَلتُكَ عَنها، أو يَقولَ الوَكيلُ: عَزَلتُ نَفْسِي، أو صَرَفتُها عَنِّي، أو أزَلتُها، فيَنعزِلُ بكُلِّ هذا؛ لِدِلالةِ كُلٍّ مِنْ هذه الألفاظِ عليه، ولأنَّها إمَّا عَقدٌ جائِزٌ فيَنفَسِخُ بالفَسخِ، وإمَّا إذْنٌ فيَبطُلُ برُجوعِ مَنْ مِنه الإذْنُ (١).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عَقدٌ جائِزٌ باتِّفاقِ العُلماءِ، فله أنْ يَفسَخَ عَقدَ الوَكالةِ (٢).
وذهَب بعضُ مُتَأخِّري المالِكيَّةِ إلى أنَّ الوَكالةَ لَازِمةٌ مِنْ جانِبِ الوَكيلِ، بِناءً على لُزومِ الهِبةِ، وإنْ لَم تُقبَضْ، وجائِزةٌ في حَقِّ المُوكِّلِ (٣).
стр. 6035
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ الذين قالوا: «إنَّها جائِزةٌ» استَثنَوْا حالاتٍ تَكونُ فيها الوَكالةُ لَازِمةً ولو كانَتْ مِنْ غيرِ جُعلٍ:
الحالةُ الأُولَى: ألَّا يَتعلَّق بها حَقٌّ لِلآخرينَ:
نَصَّ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ على أنَّ الوَكالةَ تَكونُ لَازِمةً، وليسَ لِأحَدِهِما فَسخُها إذا تَعلَّق بها حَقُّ الآخرينَ، فلا يَصحُّ العَزلُ بغيرِ رِضا صاحِبِ الحَقِّ؛ لأنَّ في العَزلِ إبطالَ حَقِّه مِنْ غيرِ رِضاه، ولا سَبيلَ إليه، وهو كَمَنْ رَهَنَ مالَه عندَ رَجُلٍ بَدَيْنٍ له عليه، أو وَضَعَه على يَدَيْ عَدْلٍ، وجعَل المُرتهَنَ أوِ العَدْلَ مُسلَّطًا على بَيعِه وقَبْضِ ثَمَنِه عندَ حُلولِ الأجَلِ، فعزَل الرَّاهِنُ المُسلَّطَ على البَيعِ، لا يَصحُّ به عَزلُه.
قالَ الحَنفيَّةُ: إذا وكَّل الرَّاهِنُ المُرتهَنَ، أو العَدلَ، أو غيرَهما ببَيعِ الرَّهنِ عندَ حُلولِ الأجَلِ، فالوَكالةُ جائِزةٌ؛ لأنَّه تَوكيلُ بَيعِ مالِه؛ فَإنْ شرَط الوَكالةَ في عَقدِ الرَّهنِ فليسَ لِلرَّاهِنِ عَزْلُه عَنها؛ فَإنْ عزَله لَم يَنعزِلْ؛ لأنَّ الوَكالةَ لمَّا شُرِطَتْ في عَقدِ الرَّهنِ صارَتْ وَصفًا مِنْ أوصافِه، وحَقًّا مِنْ حُقوقِه، ألَا تَرَى أنَّها لِزيادةِ الوَثيقةِ، فتَلزَمُ بلُزومِ أصلِه، ولأنَّه تَعلَّق به حَقُّ المُرتهَنِ، وفي العَزلِ إبطالُ حَقِّه، وصارَ كالوَكالةِ بالخُصومةِ بطَلَبِ المُدَّعِي، ولو وكَّله بالبَيعِ مُطلَقًا حتى ملَك البَيعَ بالنَّقدِ والنَّسيئةِ ثم نَهاه عن البَيعِ بالنَّسيئةِ، لَم يُعمَلْ بنَهيِه؛ لأنَّه لَازِمٌ بأصْلِه، فكذا بوَصفِه، وكذا لا يَنعزِلُ
стр. 6036
بالعَزلِ الحُكميِّ، كَمَوتِ المُوكِّلِ وارتِدادِه ولُحوقِه بدارِ الحَربِ؛ لأنَّ الرَّهنَ لا يَبطُلُ بمَوتِه، ولو بطَل فإنَّما كانَ يَبطُلُ لِحَقِّ الوَرثةِ، وحَقُّ المُرتهَنِ مُقدَّمٌ عليه، كما يَتقدَّمُ على حَقِّ الرَّاهِنِ، بخِلافِ الوَكالةِ المُفرَدةِ، حيثُ تَبطُلُ بالمَوتِ، ويَنعزِلُ بعَزلِ المُوكِّلِ، وهذه الوَكالةُ تُخالِفُ المُفرَدةَ مِنْ وُجوهٍ: مِنها ما ذَكَرْنا.
ومِنها: أنَّ الوَكيلَ هُنا إذا امتَنَعَ مِنْ البَيعِ يُجبَرُ عليه، بخِلافِ الوَكالةِ المُفرَدةِ.
ومِنها: أنَّ هذا يَبيعُ الوَلَدَ والأرشَ، بخِلافِ المُفرَدةِ.
ومِنها: أنَّه إذا باعَ بخِلافِ جِنسِ الدَّيْنِ كانَ له أنْ يَصرِفَه إلى جِنسِ الدَّيْنِ، بخِلافِ المُفرَدةِ.
ومِنها: أنَّ الرَّهنَ إذا كانَ عَبدًا وقَتَلَه عَبدٌ خَطَأً، فدُفِعَ القاتِلُ بالجِنايةِ، كانَ لِهذا الوَكيلِ أنْ يَبيعَه، بخِلافِ المُفرَدةِ.
ولا يَنعزِلُ العَدْلُ بعَزلِ المُرتهَنِ؛ لأنَّه لَم يُوكِّلْه، فكانَ أجنَبيًّا عنه بالنِّسبةِ إلى الوَكالةِ، وهو إذا عزَله المُوكِّلُ لا يَنعزِلُ، فبِعَزلِ غيرِه أَوْلَى ألَّا يَنعزِلَ (١).
وَسُئِلَ ابنُ عابِدينَ ﵀ فيما إذا وكَّل الرَّاهِنُ المُرتهَنَ ببَيعِ الرَّهنِ
стр. 6037
عندَ حُلولِ الأجَلِ، هَلْ تَكونُ الوَكالةُ المَكتوبةُ لَازِمةً ولا يَنعزِلُ بالعَزلِ؟
الجَوابُ: نَعم، تَكونُ الوَكالةُ لَازِمةً، ولا تَبطُلُ بالعَزلِ حَقيقيًّا كان أو حُكميًّا، والمَسألةُ في التَّنويرِ مِنْ بابِ عَزلِ الوَكيلِ (١).
وقالَ الكاسانيُّ ﵀: واختَلفَ المَشايِخُ فيمَن وكَّل رَجُلًا بطَلاقِ امرَأتِه إنْ غابَ، ثم عزَله الزَّوجُ مِنْ غيرِ حَضرةِ المَرأةِ ثم غابَ.
قالَ بعضُهم: لا يَصحُّ عَزلُه؛ لأنَّه تَعلَّق بهذه الوَكالةِ حَقُّ المَرأةِ، فأشبَه الوَكيلَ بالخُصومةِ.
وقالَ بعضُهم: يَصحُّ عَزلُهُ؛ لأنَّه غيرُ مَجبورٍ على الطَّلاقِ، ولا على التَّوكيلِ به، وإنَّما فِعلُه باختيارِه، فيَملِكُ عَزلَه، كما في سائِرِ الوَكالاتِ (٢).
وأمَّا المالِكيَّةُ فقالوا في «أسهَلِ المَدارِكِ»: إذا وكَّل الرَّاهِنُ المُرتهَنَ في بَيعِ الرَّهنِ، فهي وَكالةٌ صَحيحةٌ، وليسَ لِلرَّاهِنِ عَزلُ وَكيلِه الذي هو المُرتهَنُ؛ لِتَعلُّقِ الحَقِّ في هذه الوَكالةِ. قالَ العَلَّامةُ العَدَويُّ في حاشِيَتِه على الخَرشِيِّ: ثم إنَّ المُرتهَنَ إذا وُكِّلَ على البَيعِ فليسَ لِلرَّاهِنِ عَزلُه، كالأمِينِ اه. ونقَل المَوَّاقُ عن ابنِ رُشدٍ أنَّه قالَ: لو أطاعَ الرَّاهِنُ المُرتهَنَ بعدَ البَيعِ وقبلَ حُلولِ الأجَلِ بالبَيعِ دونَ مُؤامَرةِ سُلطانٍ، جازَ اتِّفاقًا؛ لأنَّه مَعروفٌ مِنه، ولو شرَط المُرتهَنُ على الرَّاهِنِ في عَقدِ البَيعِ أنَّه مُوَكَّلٌ على بَيعِه دونَ مُؤامَرةِ سُلطانٍ، فقيلَ: إنَّ ذلك جائِزٌ لَازِمٌ، وقالَه القاضي إسماعيلُ
стр. 6038
وابنُ القَصَّارِ وعَبدُ الوَهَّابِ وأشهَبُ، وكَرِهَ ذلك في المُدوَّنةِ. اه. انظُرِ الحَطَّابَ (١).
وذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ لِلرَّاهِنِ عَزْلَ العَدلِ الوَكيلِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا كانَ الرَّهنُ على يَدِ عَدلٍ، وشرَطا له أنْ يَبيعَه عندَ حُلولِ الحَقِّ، صَحَّ، ويَصحُّ بَيعُه، وبِه قالَ أبو حَنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعيُّ.
فَإنْ عزَل الرَّاهِنُ العَدلَ عن البَيعِ صَحَّ عَزلُه، ولَم يَملِكِ البَيعَ، وبِهذا قالَ الشَّافِعيُّ.
وقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: لا يَنعزِلُ؛ لأنَّ وَكالَتَه صارَتْ مِنْ حُقوقِ الرَّهنِ، فلَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ إسقاطُه، كَسائِرِ حُقوقِه.
وقالَ ابنُ أبي موسَى ﵀: ويُتوَجَّه لَنا مِثلُ ذلك؛ فإنَّ أحمدَ قَدْ مَنعَ الحِيلةَ في غيرِ مَوضِعٍ مِنْ كُتُبِه، وهذا يَفتَحُ بابَ الحِيلةِ لِلرَّاهِنِ؛ فإنَّه يَشترِطُ ذلك لِلمُرتهَنِ لِيُجيبَه إليه ثم يَعزِلَه.
والأوَّلُ هو المَنصوصُ عَنهُ؛ لأنَّ الوَكالةَ عَقدٌ جائِزٌ، فلَمْ يَلزَمِ المُقامُ عليها كَسائِرِ الوَكالاتِ، وكَونُه مِنْ حُقوقِ الرَّاهِنِ لا يَمنَعُ مِنْ جَوازِه، كما لو شرَطا الرَّهنَ في البَيعِ؛ فإنَّه لا يَصيرُ لَازِمًا، وكَذلك لو ماتَ الرَّاهِنُ بعدَ الإذْنِ انفسَختِ الوَكالةُ.
стр. 6039
وَقياسُ المَذهبِ أنَّه متى عزَله عن البَيعِ فلِلمُرتهَنِ فَسخُ البَيعِ الذي حصَل الرَّهنُ بثَمَنِه، كما لو امتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ تَسليمِ الرَّهنِ المَشروطِ في البَيعِ، فأمَّا إنْ عزَله المُرتهَنُ فلا يَنعزِلُ؛ لأنَّ العَدلَ وَكيلُ الرَّاهِنِ؛ إذِ الرَّهنُ مِلْكُه، ولو انفَردَ بتَوكيلِه صَحَّ، فلَمْ يَنعزِلْ بعَزلِ غيرِه، لكنْ لا يَجوزُ بَيعُه بغيرِ إذْنِه، وهَكذا لو لَم يَعزِلاه، فحَلَّ الحَقُّ، لَم يَبِعْه حتى يَستأذِنَ المُرتهَنَ؛ لأنَّ البَيعَ لِحَقِّه، فلَمْ يَجُزْ حتى يَأذَنَ فيه، ولا يَحتاجُ إلى تَجديدِ إذْنٍ مِنْ الرَّاهِنِ في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّ الإذْنَ قَدْ وُجِدَ مَرَّةً، فيَكفي، كما في الوَكالةِ في سائِرِ الحُقوقِ، وذكَر القاضي وَجهًا آخَرَ، أنَّه يَحتاجُ إلى تَجديدِ إذْنٍ؛ لأنَّه يَكونُ له غَرَضٌ في قَضاءِ الحَقِّ مِنْ غيرِه، والأوَّلُ أَوْلَى؛ فإنَّ الإذْنَ كافٍ، ما لَم يُغيِّرْ، وإنَّ الغَرَضَ لا اعتِبارَ به مَع صَريحِ الإذْنِ بخِلافِه، بدَليلِ ما لو جَدَّدَ الإذْنَ له بخِلافِ المُرتهَنِ؛ فإنَّ المَبيعَ يَفتَقِرُ إلى مُطالَبَتِه بالحَقِّ، ومَذهبُ الشَّافِعيِّ نَحوٌ مِنْ هذا (١).
الحالةُ الثَّانيةُ: إذا كانَ وَكيلًا في الخُصومةِ:
قالَ الحَنفيَّةُ: وكَذلك إذا وكَّل المُدَّعَى عليه وَكيلًا بالخُصومةِ مَع المُدَّعِي بالتِماسِ المُدَّعِي فعزَله المُدَّعَى عليه بغيرِ حَضرةِ المُدَّعِي، لا يَنعزِلُ؛ لِمَا ذَكَرْنا (٢).
стр. 6040
وقالَ المالِكيَّةُ: وليسَ لِوَكيلِ الخُصومةِ عَزْلُ نَفْسِه بعدَ أنْ يَحضُرَ ثَلاثَ جَلَساتٍ، إلَّا لِعُذرٍ، بعدَ أنْ يَحلِفَ اليَمينَ أنَّه ما عزَل نَفْسَه إلَّا لِهذا العُذْرِ، وكَذلك ليسَ لِلمُوكِّلِ عَزلُ الوَكيلِ، أمَّا قبلَ حُضورِه ثَلاثَ جَلَساتٍ؛ فله عَزْلُ نَفْسِه، ولِلمُوكِّلِ عَزلُ مُوكِّلِه قبلَ ذلك، ولِخَصمِه أنْ يُوكِّلَه، إلَّا إذا أصبَحَ عَدُوًّا لِلمُوكِّلِ الأوَل؛ فإنَّه لا يَصحُّ.
وإذا خاصَمَ الوَكيلُ في قَضيةٍ ثم انتَهَتْ، وأرادَ الدُّخولَ في قَضيةٍ أُخرَى؛ فإنَّه يَصحُّ بشَرطِ أنْ تَكونَ الوَكالةُ غيرَ مُعيَّنةٍ، ولَم تَطُلْ مُدَّةُ انقِطاعِ الخُصومةِ بينَ القَضيتَيْنِ؛ فإذا طالَتْ إلى سِتَّةِ أشهُرٍ؛ فإنَّه لا يَصحُّ.
أمَّا إذا كانَتْ مُتَّصِلةً ولَم تَنقَطِعْ، فلِلوَكيلِ أنْ يَتكَلَّمَ عن مُوكِّلِه، وإنْ طالَ كَثيرًا (١).
وَيَصحُّ العَزلُ عندَ الشَّافِعيَّةِ في الخُصومةِ (٢).
والحالةُ الثَّالثةُ: لو علِم الوَكيلُ أنَّه لو عزَل نَفْسَه في غَيبةِ مُوكِّلِه استَولَى على المالِ جائِرٌ حَرُمَ عليه العَزلُ إلى حُضورِ مُوكِّلِه، أو أمينِه على المالِ، قياسًا على الوَصِيِّ، وكذا لو تَرَتَّبَ على عَزلِه نَفْسَه في حُضورِ المُوكِّلِ الِاستيلاءُ المَذكورُ.
стр. 6041
وكَذلك لو علِم المُوكِّلُ مَفسَدةً تَترتَّبُ على عَزلِ الوَكيلِ، كما لو وُكِّلَ في مالِ المُوَلَّى عليه وعلِم أنَّه إذا عزَل الوَكيلَ استَولَى على مالِ المُوَلَّى عليه ظالِمٌ، أو وُكِّلَ في شِراءِ ماءٍ لِطُهرِه، أو ثَوبٍ لِلسَّترِ به بعدَ دُخولِ الوَقتِ، أو شِراءِ ثَوبٍ لِدَفعِ الحَرِّ أو البَردِ، اللَّذَيْنِ يَحصُلُ بسَبَبِهِما عندَ عَدمِ السَّترِ مَحظورٌ، تَيمَّمَ، وعُلِمَ أنَّه إذا عُزِلَ الوَكيلُ لا يَتيسَّرُ له ذلك، يَحرُمُ العَزلُ، ولا يَنفُذُ (١).
الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ تَكونَ بأُجرةٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وقَعتِ الوَكالةُ بأُجرةٍ مَعلومةٍ لِعَمَلٍ مَعلومٍ مُحَدَّدٍ، هَلْ تَكونُ لَازِمةً أو جائِزةً؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكالةَ إنْ وقَعتْ بأُجرةٍ مَعلومةٍ على عَمَلٍ مُعيَّنٍ؛ فإنَّها لَازِمةٌ، لا يَحِقُّ لِأحَدِهِما فَسخُها إلَّا برِضا الآخَرِ.
قالَ المالِكيَّةُ: إنْ وقَعتِ الوَكالةُ بأُجرةٍ، ولو بغيرِ لَفظِ الإجارةِ، صارَتْ لَازِمةً، كَتَولِيَتِه على تَقاضي دَيْنٍ قَدْرُه كذا، مِنْ فُلانٍ، بأُجرةٍ مَعلومةٍ، أو عَمَلٍ غيرِ مُعيَّنٍ، في زَمانٍ مُعيَّنٍ، كَتَوكيلِه على أنْ يَبيعَ له سِلعةً في خَمسةِ أيَّامٍ، وله مِنْ الأجْرِ كذا، بمُضِيِّ المُدَّةِ، باعَ أو لا، وأَمَّا تَعَيُّنُ العَملِ والزَّمانِ؛ فإنَّه يُفسِدُ الإجارةَ (٢).
стр. 6042
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: إنْ وقَعتِ الوَكالةُ بجُعلٍ مَعلومٍ، واستَجمَعتْ شَرائِطَ الإجارةِ، وعُقِدَتْ بلَفظِ الإجارةِ، صارَتْ لَازِمةً.
وإنْ عُقِدَتْ بلَفظِ الوَكالةِ، وشُرِطَ فيها جُعْلٌ مَعلومٌ، ففيه احتِمالانِ، بِناءٍ على أنَّ الِاعتِبارَ بصِيَغِ العُقودِ أو بمَعانيها (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ كانَتْ بجُعلٍ استَحقَّ الوَكيلُ الجُعلَ بتَسليمِ ما وُكِّلَ فيه إلى المُوكِّلِ إنْ كانَ ممَّا يُمكِنُ تَسليمُه، كَثَوبٍ يَنسِجُه، أو يُقَصِّرُه، أو يَخيطُه، فمتى سلَّمَه إلى المُوكِّلِ مَعمولًا فله الأجْرُ، وإنْ كانَ الخَيَّاطُ في دارِ المُوكِّلِ فكلَّما عمِل شَيئًا وقَع مَقبوضًا، فيَستحقُّ الوَكيلُ الجُعلَ إذا فرَغ الخَيَّاطُ مِنْ الخِياطةِ.
وإنْ وُكِّلَ في بَيعٍ أو شِراءٍ أو حَجٍّ، استَحقَّ الأجْرَ إذا عمِله، وإنْ لَم يَقبِضِ الثَّمَنَ في البَيعِ، وإنْ قالَ: إذا بِعتَ الثَّوبَ وقَبَضتَ ثَمَنَه وسلَّمتَه إلَيَّ، فلكَ الأجْرُ، لَم يَستحقَّ مِنها شَيئًا حتى يُسلِّمَه إليه، فإنْ فاتَه التَّسليمُ لَم يَستحقَّ شَيئًا؛ لِفَواتِ الشَّرطِ (٢).
стр. 6043
وأمَّا الحَنفيَّةُ فقالوا: إذا اشتُرِطَتِ الأُجرةُ في الوَكالةِ، وأوْفَى الوَكيلُ العَملَ فقَدِ استَحقَّ الأُجرةَ المُسَمَّاةَ إنْ وَقَّتَ وَقتًا، أو ذكَر عَملًا مُعيَّنًا يُمكِنُ أنْ يَأخُذَ في العَملِ فيه في الحالِ، وإنْ لَم تَشتَرِطْ، وكانَ الوَكيلُ ممَّن يَعمَلُ بأجرٍ، فله أجْرُ المِثلِ، وإلَّا فلا (١).
وَجاءَ في «دُرَرِ الحكَّامِ شَرحِ مَجلَّةِ الأحكامِ»: المادَّةِ (١٤٦٧):
إذا شُرِطَتِ الأُجرةُ في الوَكالةِ وأوفاها الوَكيلُ، استَحقَّ الأُجرةَ، وإنْ لَم تُشترَطْ ولَم يَكُنِ الوَكيلُ ممَّن يَخدُمُ بالأُجرةِ كانَ مُتبرِّعًا، فليسَ له أنْ يُطالِبَ بالأُجرةِ، يَستحِقُّ في الإجارةِ الصَّحيحةِ الأَجْرَ المُسمَّى، وفي الفاسِدةِ أجْرَ المِثلِ، انظُرِ المادَّةَ (٥٦٢).
يَتَفَرَّعُ على هذا المَسائِلُ الآتيةُ:
أوَّلًا: لو وكَّل أهلُ قَريةٍ مَعلومونَ وَكيلًا لِأجْلِ تَسويةِ أُمورِ قَريَتِهم ومَصالِحِها، في مُقابِلِ حِنطةٍ وشَعيرٍ مَعلومَيِ مِقدارِ الثَّمَنِ، وقامَ الوَكيلُ بتَسويةِ المَصالِحِ المَذكورةِ؛ أخَذَ الوَكيلُ الأَجْرَ المُسمَّى مِنْ الأهالي (التَّنقيحُ).
ثانيًا: لو وكَّل أحَدٌ وَكيلًا بقَبضِ وَديعَتِه التي عندَ فُلانٍ، وشرَط في مُقابِلِها أُجرةً جازَ، ويَستحقُّ الوَكيلُ الأُجرةَ إذا قبَض الوَديعةَ.
ثالِثًا: لو وكَّل شَخصٌ شَخصًا آخَرَ بالمُحاكَمةِ والمُخاصَمةِ مَع آخَرَ، وبينَ ووَقَّتَ مُدَّةً مُعيَّنةً لِلخُصومةِ والمُرافَعةِ، وقَاوله على أُجرةٍ، كانَتِ
стр. 6044
الإجارةُ صَحيحةً، ولَزِمَ الأجرُ المُسمَّى. أمَّا إذا بَقِيَتْ مُدَّةُ الخُصومةِ والمُرافَعةِ مَجهولةً فالإجارةُ فاسِدةٌ، انظُرِ المادَّةَ (٤٥٢).
رابِعًا: إذا وكَّل شَخصٌ شَخصًا آخَرَ بقَبضِ الدَّيْنِ، وشرَط له أُجرةً، وذكَر وَقتًا مُعيَّنًا أيضًا جازَ، واستَحقَّ الوَكيلُ الأجْرَ المُسمَّى، وإذا لَم يَذكُرْ وَقتًا مُعيَّنًا فلا تَجوزُ الإجارةُ -الوَلوالِجِيَّةُ وتَكمِلةُ رَدِّ المُحتارِ-، لكنْ إذا لَم يُشترَطْ في الوَكالةِ أُجرةٌ، ولَم يَكُنِ الوَكيلُ ممَّن يَخدُمُ بالأُجرةِ، كانَ مُتَبَرِّعًا، وليسَ له أنْ يَطلُبَ أُجرةً. أمَّا إذا كانَ ممَّن يَخدُمُ بالأُجرةِ يَأخُذُ أجْرَ المِثلِ، ولو لَم تُشترَطْ له أُجرةٌ (١).
وذهَب المالِكيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَكالةَ جائِزةٌ، سَواءٌ كانَتْ بأُجرةٍ أو بغيرِ أُجرةٍ (٢).
الصُّورةُ الثَّالثةُ: أنْ تَكونَ الوَكالةُ بجُعلٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَتِ الوَكالةُ بجُعلٍ، هَلْ تَلزَمُ أو لا؟
وَصُورةُ الجَعالةِ أنْ يَقولَ: «وَكَّلتُكَ على تَقاضي دَيْني» مِنْ غيرِ تَعيينِ قَدْرِه، أو أنْ يُعيِّنَ له قَدْرَه وألا يُعيِّنَ له مَنْ هو عليه، فالواجِبُ بَيانُ أحَدِ الأمرَيْنِ، إمَّا القَدْرِ، أو مَنْ هو عليه.
стр. 6045
فَذهَب المالِكيَّةُ في المَذهبِ إلى أنَّها غيرُ لَازِمةٍ قبلَ الشُّروعِ، وتَكونُ لَازِمةً لِلجاعِلِ بعدَ الشُّروعِ، وهو المُوكِّلُ في هذا المَقامِ، ولا تَلزَمُ المَجعولَ، وهو الوَكيلُ.
وفي قَولٍ عندَهم: لَازِمةٌ، سَواءٌ كانَتْ بجُعلٍ أو بغيرِ جُعلٍ.
وفي قَولٍ ثالِثٍ لِلمالِكيَّةِ وفي المَذهبِ عندَ الشَّافِعيَّةِ أنَّها لا تَلزَمُ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَتْ بجُعلٍ أو بغيرِ جُعلٍ (١).
الوَكالةُ الدَّوريةُ (كلَّما عَزَلتُكَ فقَدَ وَكَّلتُكَ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الوَكالةِ الدَّوريةِ، وهي أنْ يَقولَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: «كلَّما عَزَلتُكَ فقَد وَكَّلتُكَ»، هَلْ هذه وَكالةٌ صَحيحةٌ أو لا؟ وهَل يَنعزِلُ الوَكيلُ أو لا؟ وهي مِنْ قَبيلِ الوَكالةِ المُعلَّقةِ.
فَذهَب الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكالةَ الدَّوريةَ -بأنْ يَقولَ المُوكِّلُ لِوَكيلِه: «كلَّما عَزَلتُكَ فقَد وَكَّلتُكَ، أو وَكَّلتُكَ ومتى عَزَلتُكَ فأنتَ وَكيلي» - وَكالةٌ صَحيحةٌ، وتُسمَّى الوَكالةَ الدَّوريةَ؛ لأنَّها تَدورُ مَع العَزلِ.
стр. 6046
إلَّا أنَّ كلَّ مَذهبٍ عندَه تَفصيلٌ في هذا، وبَيانُه على النحوِ التَّالي:
قالَ الحَنفيَّةُ: إذا قالَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: وَكَّلتُكَ بكذا، على أنِّي متى عَزَلتُكَ فأنتَ وَكيلي، صَحَّ، ويَقولُ في عَزلِه: عَزلتُكَ، ثم عَزَلتُكَ؛ لأنَّ الوَكالةَ يَجوزُ تَعليقُها بالشَّرطِ، فيَجوزُ تَعليقُها بالعَزلِ عن الوَكالةِ؛ فإذا عزَله انعزَل عن الوَكالةِ المُنجَزةِ، وتَنَجَّزَتِ المُعلَّقةُ، فصارَ وَكيلًا جَديدًا، ثم بالعَزلِ الثَّاني انعزَل عن الوَكالةِ الثَّانيةِ ولا يَصيرُ وَكيلًا بعدَ ذلك إلَّا بتَوكيلٍ جَديدٍ؛ لأنَّ مَنْ علَّق التَّوكيلَ بشَرطٍ، ثم عزَله عن الوَكالةِ قبلَ وُجودِ الشَّرطِ، يَنعزِلُ الوَكيلُ، ولا يَصيرُ وَكيلًا بعدَ ذلك بوُجودِ الشَّرطِ.
ولو قالَ: كلَّما عَزَلتُكَ فأنتَ وَكيلي وَكالةً مُستَقبَلةً فعزَله يَنعزِلُ، ولكنَّه يَصيرُ وَكيلًا ثانيًا وَكالةً مُستَقبَلةً، كما شرَط؛ لأنَّ تَعليقَ الوَكالةِ بالشَّرطِ جائِزٌ.
وقالَ بعضُهم في التَّوكيلِ المُعلَّقِ: لا يَملِكُ العَزلَ قبلَ وُجودِ الشَّرطِ، ويَكونُ الوَكيلُ على وَكالَتِه بعدَ العَزلِ وَكالةً مُستَقبَلةً؛ لأنَّه كلَّما عزَله تَجدَّدتْ وَكالَتُه؛ فإنَّ تَعليقَ الوَكالةِ بالشَّرطِ صَحيحٌ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه لمَّا ملَك العَزلَ في المُرسَلِ، ففي المُعلَّقِ أَوْلَى.
وَطَريقُ عَزلِه أنْ يَقولَ: عَزَلتُكَ عن جَميعِ الوَكالاتِ، فيَنصَرِفَ ذلك إلى المُعلَّقِ والمُنجَزِ؛ لأنَّا لو لَم نُجِزْ ذلك أدَّى إلى تَغييرِ حُكمِ الشَّرعِ بجَعلِ الوَكالةِ مِنْ اللَّوازِمِ، وذلك باطِلٌ.
стр. 6047
أو أنْ يَقولَ: رَجَعتُ عن الوَكالةِ المُعلَّقةِ، وعَزَلتُكَ عن الوَكالةِ المُنجَزةِ؛ لأنَّه لو عزَله عن المُنجَزةِ مِنْ غيرِ رُجوعٍ لَصارَ وَكيلًا مثلَما كانَ، ولو عزَله ألْفَ مَرَّةٍ؛ لأنَّ كَلِمةَ «كلَّما» تَقتَضي تَكرارَ الأفعالِ إلى ما لا نِهايةَ له، فلا يُفيدُ العَزلُ إلَّا بعدَ الرُّجوعِ، حتى لو عزَله ثم رجَع عن المُعلَّقةِ يَحتاجُ إلى عَزلٍ آخَرَ؛ لأنَّه كلَّما عزَله صارَ وَكيلًا، فلا يُفيدُ الرُّجوعُ بعدَ ذلك عن المُعلَّقةِ في حَقِّها؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى عَزلٍ آخَرَ بعدَ الرُّجوعِ.
وقيلَ: يَقولُ في عَزلِه: كلَّما وَكَّلتُكَ فأنتَ مَعزولٌ؛ لأنَّه كلَّما صارَ وَكيلًا انعزَل، ويَحصُلُ مَقصودُه بذلك، والأوَّلُ أوْجَهُ، وهذا لا يُفيدُ في الحَقيقةِ؛ لأنَّه انعزَل كلَّما تَوكَّل لِأجلِ اليَمينِ الثَّانيةِ بتَوكيلٍ أيضًا كلَّما انعزَل لِأجْلِ اليَمينِ الأُولَى، فيَبقَى دَائِمًا وَكيلًا مُنعَزِلًا، فلا يَنقَطِعُ إلَّا بالرُّجوعِ عن الوَكالةِ المُعلَّقةِ على ما بينَا (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: لو قالَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: وَكَّلتُكَ ومتى عَزَلتُكَ فأنتَ وَكيلي فيه، أو قَدْ وَكَّلتُكَ، صَحَّتِ الوَكالةُ في الحالِ في الأصَحِّ؛ لأنَّ الإذْنَ قَدْ وُجِدَ مُنجَزًا.
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: لا يَصحُّ؛ لِاشتِمالِها على شَرطِ التَّأبيدِ، وهو: إلزامُ العَقدِ الجائِزِ.
стр. 6048
وَعلى الأصَحِّ في عَودَتِه وَكيلًا بعدَ العَزلِ وَجهانِ بِناءً على تَعليقِ الوَكالةِ؛ لأنَّه علَّق الوَكالةَ الثَّانيةَ على العَزلِ.
أصَحُّهُما: عَدمُ العَودِ؛ لأنَّ الأصَحَّ فَسادُ التَّعليقِ، لكنْ يَنفُذُ تَصرُّفُه؛ لِلإذْنِ، وطَريقُه في أنَّه لا يَنفُذُ تَصرُّفُه أنْ يُكرِّرَ عَزلَه، فيَقولَ: عَزَلتُكَ عَزَلتُكَ، فإنْ كانَ التَّعليقُ ب «كلَّما» تَكرَّر العَودُ بتَكَرُّرِ العَزلِ، ويَنفُذُ تَصرُّفُه، وطَريقُ ألَّا يَنفُذَ تَصرُّفُه أنْ يُوكِّلَ غيرَه في عَزلِه؛ لأنَّ المُعلَّقَ عليه عَزْلُ نَفْسِه، إلَّا إنْ كانَ قَدْ قالَ: إنْ عَزَلتُكَ أو عَزَلكَ أحَدٌ عَنِّي فلا يَكفي التَّوكيلُ بالعَزلِ، بَلْ يَتعيَّنُ أنْ يَقولَ: كلَّما عُدتَ وَكيلي، فأنتَ مَعزولٌ، فيَمتَنِعُ تَصرُّفُه.
فَإنْ قيلَ: إذا كانَ تَصرُّفُه نافِذًا مَع فَسادِ الوَكالةِ، فما فائِدةُ صِحَّتِها؟
أُجيبَ بأنَّ الفائِدةَ في ذلك استِقرارُ الجُعلِ المُسمَّى، إنْ كانَ بخِلافِ الفاسِدةِ؛ فإنَّه يَسقُطُ ويَجِبُ أُجرةُ المِثلِ، كما أنَّ الشَّرطَ الفاسِدَ في النِّكاحِ يُفسِدُ الصَّداقَ المُسمَّى، ويُوجِبُ مَهرَ المِثلِ، وإنْ لَم يُؤثِّرْ في النِّكاحِ.
والآخَرُ -وهو مُقابِلُ الأصَحِّ-: تَعودُ الوَكالةُ مَرَّةً واحِدةً.
وَمَحَلُّ الخِلافِ: إذا عزَله وعلِم بعَزلِه، أو قُلنا: إنَّه يَنعزِلُ قبلَ أنْ يَعلَمَ، وإلَّا فهو باقٍ على وَكالَتِه الأُولَى.
وَيَجري الوَجهانِ في تَعليقِ الوَكالةِ في تَعليقِ العَزلِ، كقولِه: إذا طَلَعَتِ الشَّمسُ فأنتَ مَعزولٌ: أصحُّهُما: عَدمُ صِحَّتِه، فلا يَنعزِلُ بطُلوعِها، ومَع عَدمِ العَزلِ يُمنَعُ مِنْ التَّصرُّفِ. وقيلَ: لا يُمنَعُ مِنْ التَّصرُّفِ (١).
стр. 6049
قالَ الحَنابِلةُ: إذا قالَ المُوكِّلُ لِوَكيلِه: «كلَّما عَزَلتُكَ فقَد وَكَّلتُكَ» فهذه وَكالةٌ دَوريَّةٌ، سُمِّيتْ دَوريَّةً لِدَوَرانِها على العَزلِ، فكلَّما عزَله عادَ وَكيلًا، وهي صَحيحةٌ؛ لأنَّ تَعليقَ الوَكالةِ صَحيحٌ.
وَيَنعزِلُ الوَكيلُ في الوَكالةِ الدَّوريةِ بقَولِ المُوكِّلِ: عَزَلتُكَ، وكلَّما وَكَّلتُكَ فقَد عَزَلتُكَ فَقط دونَ عَزَلتُكَ، فلا يَنعزِلُ بها، وقَولُه: كلَّما وَكَّلتُكَ فقَد عَزَلتُكَ، فَسخٌ مُعلَّقٌ بشَرطٍ، وهو التَّوكيلُ، والفَسخُ المُعلَّقُ صَحيحٌ، وعلى هذا لا يَصيرُ وَكيلًا إذا وكَّله بعدَ العَزلِ الدَّوريِّ؛ لأنَّه متى صارَ وَكيلًا انعزَل، فلَو قالَ له بعدَ ذلك: وَكَّلتُكَ في كذا، لَم يَصحَّ تَصرُّفُه؛ لِوُجودِ العَزلِ المُعلَّقِ بوُجودِ الوَكالةِ (١).
وذهَب شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ إلى أنَّه لا تَصحُّ الوَكالةُ الدَّوريةُ؛ لأنَّها تُؤَدِّي إلى أنْ تَصيرَ العُقودُ الجائِزةُ لَازِمةً، وذلك تَغييرٌ لِقاعِدةِ الشَّرعِ، وليسَ مَقصودُ المُعَلِّقِ إيقاعَ الفَسخِ، وإنَّما قَصدُه الِامتِناعُ مِنْ التَّوكيلِ وحَلُّه قبلَ وُقوعِه، والعُقودُ لا تُفسَخُ قبلَ انعقادِها (٢).
стр. 6050
تَوقيتُ الوَكالةِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ تَوقيتُ الوَكالةِ، كَأنْ يَقولَ: «وَكَّلتُكَ إلى شَهرِ رَمَضانَ، أو أنتَ وَكيلي شَهرًا، أو سَنةً»، ولا يَتصرَّفُ قبلَ المُدَّةِ، ولا بعدَ المُدَّةِ التي ضَرَبَها له المُوكِّلُ عندَ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ والحَنفيَّةِ في قَولٍ (١).
وقالَ الحَنفيَّةُ: لو قالَ: بِعْ داري اليَومَ، أوِ اشتَرِ ليَ الدَّارَ اليَومَ، ففَعلَ ذلك غَدًا ففيه رِوايَتانِ: قالَ بعضُهمُ: الصَّحيحُ أنَّ الوَكالةَ لا تَبقَى بعدَ اليَومِ.
وذهَب بعضُ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ الوَكالةَ تَبقَى بعدَ اليَومِ؛ لأنَّ ذِكرَ اليَومِ لِلتَّعجيلِ، لا لِتَوقيتِ الوَكالةِ باليَومِ، إلَّا إذا دَلَّ الدَّليلُ عليه.
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: وفي «البَزَّازيةِ»: أنَّ الوَكيلَ إلى عَشَرةِ أيَّامٍ لا تَنتَهي وَكالَتُه بمُضِيِّ العَشرةِ في الأصَحِّ (٢).
стр. 6051
الرُّكنُ الثَّاني: المُوكِّلُ:
المُوكِّلُ هو مَنْ يُقيمُ غيرَه مَقامَ نَفْسِه في تَصرُّفٍ جائِزٍ مَعلومٍ، واشترَطَ الفُقهاءُ في المُوكِّلِ أنْ يَكونَ ممَّن يَملِكُ فِعلَ ما وُكِّلَ به بنَفْسِهِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ تَفويضُ ما يَملِكُه مِنْ التَصرُّفِ إلى غيرِه، فما لا يَملِكُه بنَفْسِه كَيفَ يَحتَمِلُ التَّفويضَ إلى غيرِه، فعلى هذا اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ مِنْ المَجنونِ ولا المُغمَى عليه ولا الصَّبِيِّ الذي لا يَعقِلُ أصْلًا؛ لأنَّ العَقلَ مِنْ شَرائِطِ الأهليةِ؛ لأنَّهم لا يَملِكونَ التَّصرُّفَ بأنْفُسِهِم؛ فإذا لَم يَقدِرِ الأصْلُ على تَعاطي الشَّيءِ فنائِبُه أَوْلَى ألَّا يَقدِرَ.
ثم اختَلفَ الفُقهاءُ في الصَّبِيِّ المُميِّزِ، هَلْ يُشترَطُ الذُّكوريَّةُ والعَدالةُ والإسلامُ في بعضِ حالاتِ الوَكالةِ أو لا؟ على هذا التَّفصيلِ الآتي:
١ - الصَّبِيُّ المُميِّزُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الصَّبِيِّ المُميِّزِ غيرِ البالِغِ، هَلْ يَصحُّ تَوكيلُه أو لا؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الصَّبِيَّ المُميِّزَ غيرَ البالِغِ لا يَخلو تَوكيلُه مِنْ ثَلاثِ حالاتٍ:
الحالةُ الأُولَى: ما فيها نَفْعٌ له مَحضٌ، كَقَبولِ الهِبةِ والصَّدَقةِ، فيَصحُّ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ؛ لأنَّه ممَّا يَملِكُه بنَفْسِه بدُونِ إذْنِ وَليِّه، فيَملِكُ تَفويضَه إلى غيرِه بالتَّوكيلِ، وإنْ لَم يَأذَنِ الوَليُّ.
الحالةُ الثَّانيةُ: ما فيه ضَرَرٌ مَحضٌ، كالطَّلاقِ والعَتاقِ والهِبةِ والصَّدَقةِ ونحوِها مِنْ التَصرُّفاتِ الضَّارَّةِ، فهذا لا يَصحُّ التَّوكيلُ فيه باتِّفاقِهم جَميعًا؛
стр. 6052
لأنَّه لا يَملِكُه بنَفْسِه، ولا يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ فيه غيرَه.
مثلًا لو وكَّل الصَّبيُّ المُميِّزُ آخَرَ بهِبةِ مالٍ له مَعلومٍ له لِآخَرَ وتَسليمِه إيَّاه، لا يَصحُّ، سَواءٌ أكانَ ذلك الصَّبِيُّ مَأْذونًا أم لَم يَكُنْ مَأْذونًا؛ لأنَّ الصَّبِيَّ لا يَقتَدِرُ بالذَّاتِ على هِبَتِه، كما أنَّه لا تُعتبَرُ إجازةُ الوَليِّ لِتَصرُّفاتِ الصَّغيرِ التي هي مِنْ هذا القَبيلِ، كَذلك لا تُعتبَرُ إجازةُ وَليِّه لِلتَّوكيلِ الذي يَقَعُ مِنْ الصَّبِيِّ المُميِّزِ بإجراءِ هذه التَّصرُّفاتِ.
الحالةُ الثَّالثةُ: التَّوكيلُ في التَّصرُّفاتِ الدَّائِرةِ بينَ النَّفْعِ والضَّرَرِ، كالبَيعِ والإجارةِ وغيرِهما مِنْ سائِرِ المُعامَلاتِ التي تَربَحُ مَرَّةً وتَخسَرُ أُخرَى؛ فَإنْ لَم يَكُنْ مَأْذونًا له في التِّجارةِ ولَم يَأذَنْ فيه الوَليُّ فلا يَصحُّ له التَّوكيلُ فيها اتِّفاقًا، وإنْ كانَ مَأْذونًا له في التِّجارةِ فقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ فيه:
فَذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إنْ كانَ مَأْذونًا له في التِّجارةِ يَصحُّ مِنه التَّوكيلُ بها؛ لأنَّه يَملِكُه بنَفْسِه، وإنْ كانَ مَحجورًا يَنعَقِدُ مَوقوفًا على إجازةِ وَليِّه، وعلى إذْنِ وَليِّه بالتِّجارةِ أيضًا، كما إذا فَعلَ بنَفْسِهِ؛ لأنَّ في انعِقادِه فائِدةً لِوُجودِ المُجيزِ لِلحالِ، وهو الوَليُّ.
قالَ الكاسانيُّ ﵀: لا يَصحُّ التَّوكيلُ مِنْ الصَّبِيِّ العاقِلِ بما لا يَملِكُه بنَفْسِه، كالطَّلاقِ والعَتاقِ والهِبةِ والصَّدَقةِ ونحوِها مِنْ التَّصرُّفاتِ الضَّارَّةِ المَحضةِ، ويَصحُّ بالتَّصرُّفاتِ النَّافِذةِ، كَقَبولِ الهِبةِ والصَّدَقةِ مِنْ غيرِ إذْنِ المَولَى؛ لأنَّه ممَّا يَملِكُه بنَفْسِه بدُونِ إذْنِ وَليِّه، فيَملِكُ تَفويضَه إلى غيرِه بالتَّوكيلِ.
стр. 6053
وأمَّا التَّصرُّفاتُ الدَّائِرةُ بينَ الضَّرَرِ والنَّفْعِ، كالبَيعِ والإجارةِ؛ فإنْ كانَ مَأْذونًا له في التِّجارةِ يَصحُّ مِنه التَّوكيلُ بها؛ لأنَّه يَملِكُها بنَفْسِه، وإنْ كانَ مَحجورًا يَنعَقِدُ مَوقوفًا على إجازةِ وَليِّه، وعلى إذْنِ وَليِّه بالتِّجارةِ أيضًا، كما إذا فَعلَ بنَفْسِهِ؛ لأنَّ في انعِقادِه فائِدةً لِوُجودِ المُجيزِ لِلحالِ، وهو الوَليُّ (١).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ إلَّا ممَّن يَصحُّ تَصرُّفُه فيه؛ فكلُّ مَنْ جازَ له التَصرُّفُ لِنَفْسِه في شَيءٍ؛ فإنَّه يَجوزُ له أنْ يَستَنيبَ عنه فيما تَجوزُ فيه النِّيابةُ، فيُشترَطُ في المُوكِّلِ البُلوغُ؛ لأنَّ الصَّبِيَّ غيرَ البالِغِ مَحجورٌ عليه؛ فلا يَصحُّ مِنه أنْ يُوكِّلَ غيرَه (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: تَصحُّ وَكالةُ الصَّبيِّ المُميِّزِ بإذْنِ وَليِّه في كلِّ تَصرُّفٍ لا يُعتبَرُ له البُلوغُ؛ بِناءً على صِحَّةِ تَصرُّفِه بإذْنِه (٣).
стр. 6054
٢ - تَوكيلُ السَّفيهِ:
يُشترَطُ في المُوكِّلِ أنْ يَكونَ رَشيدًا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، واختَلَفوا في السَّفيهِ هَلْ يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ غيرَه أو لا؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ السَّفيهَ المَحجورَ عليه يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ فيما يَستَقِلُّ به مِنْ التَّصرُّفاتِ، ولا يَصحُّ فيما لا يَستَقِلُّ به.
قالَ الشَّافِعيَّةُ: يَصحُّ تَوكيلُ السَّفيهِ فيما يَستَقِلُّ به مِنْ التَّصرُّفاتِ، كَتَوكيلِه في قَبولِ النِّكاحِ، ولا يَصحُّ فيما لا يَستَقِلُّ به في نحوِ مالٍ إلَّا بعدَ إذْنِ الوَليِّ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: المَحجورُ عليه لِسَفَهٍ لا يُوكِّلُ إلَّا فيما له فِعلُه مِنْ الطَّلاقِ والخُلعِ وطَلَبِ القِصَاصِ ونحوِه.
ولا يَصحُّ تَوكيلٌ في شَيءٍ مِنْ بَيعٍ أو عِتقٍ إلَّا ممَّن يَصحُّ تَصرُّفُه في ذلك الشَّيءِ الذي وكَّل فيهِ؛ لأنَّ مَنْ لا يَصحُّ تَصرُّفُه لِنَفْسِه في شَيءٍ لا يَصحُّ أنْ يَستَنيبَ غيرَه فيه، فلا يَصحُّ تَوكيلُ سَفيهٍ في نحوِ عِتقِ عَبدِه (٢).
стр. 6055
وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَصحُّ التَّوكيلُ مِنْ السَّفيهِ، فيُشترَطُ في المُوكِّلِ أنْ يَكونَ بالِغًا رَشيدًا؛ لأنَّ السَّفيهَ مَحجورٌ عليه، فلا يَملِكُ التَّصرُّفَ لِنَفْسِه، وهو لا يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ غيرَه فيه، ويَصحُّ تَوكيلُه في الطَّلاقِ؛ لأنَّه يَملِكُه، ويَقَعُ طَلاقُه، فيَصحُّ تَوكيلُه فيه (١).
أمَّا الحَنفيَّةُ فمِن شُرُوطِ المُوكِّلِ عندَهم أنْ يَكونَ ممَّن يَملِكُ فِعلَ ما وكَّل به بنَفْسِه، فعلى هذا لا يَصحُّ أنْ يَكونَ المُوكِّلُ سَفيهًا عندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ؛ لأنَّهما قالا بالحَجرِ على السَّفيهِ، ولا يُنَفَّذُ تَصرُّفُه، فلا يَملِكُ التَّوكيلَ، وأمَّا عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ فتَصرُّفاتُ السَّفيهِ نافِذةٌ، فعلى هذا يَصحُّ أنْ يَكونَ المُوكِّلُ سَفيهًا عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّه لا يُحجَرُ عليه في تَصرُّفاتِه، وقَد تَقدَّمتِ المَسألةُ في كِتابِ الحَجرِ مِنْ كِتَابِنا هذا «الحَجرُ على السَّفيهِ البالِغِ» (٢).
стр. 6056
٣ - تَوكيلُ المَحجورِ عليه لِفَلَسٍ:
قالَ العمرانيُّ الشَّافِعيُّ ﵀: وأمَّا المَحجورُ عليه لِلفَلَسِ: فلا يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ غيرَه في بَيعِ أعيانِ مالِه، ويَجوزُ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَشتَري له بثَمَنٍ في ذِمَّتِه؛ لأنَّه يَملِكُ ذلك بنَفْسِه، فملَك التَّوكيلَ فيه (١).
وقالَ النَّوَويُّ ﵀: وأمَّا المَحجورُ عليه لِفَلَسٍ فيَجوزُ تَوكيلُه فيما يَستَقِلُّ به مِنْ التَّصرُّفاتِ، ولا يَجوزُ فيما لا يَستَقِلُّ به إلَّا بعدَ إذْنِ الغَريمِ (٢).
٤ - تَوكيلُ المَرأةِ غيرَها في النِّكاحِ:
يُشترَطُ في المُوكِّلِ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ -كما تَقدَّم- أنْ يَملِكَ فِعلَ ما يُوكَّلُ فيه بنَفْسِهِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ تَفويضٌ فيما يَملِكُه في التَصرُّفِ إلى غيرِه، فما لا يَملِكُه بنَفْسِه لا يَصحُّ له أنْ يُوكِّلَ فيه غيرَه، وعليه فقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَزويجِ المَرأةِ نَفْسَها، فمَن قالَ: «يَجوزُ لها أنْ تُزوِّجَ نَفْسَها» -كالإمامِ أبي حَنيفةَ وزُفَرَ والحَسَنِ، وهو ظاهِرُ الرِّوايةِ عن أبي يُوسفَ- قالوا: يَجوزُ لها أنْ تُوكِّلَ غيرَها في تَزويجِها؛ لأنَّه يَجوزُ لِلمَرأةِ أنْ تُباشِرَ عَقدَ الزَّواجِ، سَواءٌ زوَّجتْ نَفْسَها، أو زوَّجتْ غيرَها، فلَها أنْ تُوكِّلَ مَنْ يُزوِّجُها؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ المُوكِّلِ أنْ يَكونَ ممَّن يَملِكُ فِعلَ ما وكَّل به بنَفْسِه وهي تَملِكُه (٣).
стр. 6057
قالَ المَوصِلِيُّ الحَنَفيُّ ﵀: وعِبارةُ النِّساءِ مُعتبَرةٌ في النِّكاحِ، حتى لو زوَّجتِ الحُرَّةُ العاقِلةُ البالِغةُ نَفْسَها جازَ، وكَذلك لو زوَّجتْ غيرَها بالوِلايةِ أو الوَكالةِ؛ وكذا إذا وكَّلتْ غيرَها في تَزويجِها، أو زوَّجها غيرُها فأجازَتْ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وزُفَرَ والحَسَنِ، وهو ظاهِرُ الرِّوايةِ عندَ أبي يُوسفَ.
وقالَ مُحمَّدٌ: لا يَجوزُ إلَّا بإجازةِ الوَليِّ، فإنْ ماتَا قبلَها لا يَتوارَثانِ، ولا يَقَعُ طَلاقُه، ولا ظِهارُه، ووَطؤُه حَرامٌ، فإنِ امتَنَعَ الوَليُّ مِنْ الإجازةِ ذكَر الطَّحاويُّ عن مُحمَّدٍ: يُجَدِّدُ القاضي العَقدَ بينَهما. وذكَر هِشامٌ عن مُحمَّدٍ: فَإنْ لَم يُجِزْه الوَليُّ أُجيزُه أنا، وكانَ يَومَئِذٍ قاضيًا، فصارَ عنه رِوايَتانِ. ورُوِيَ عنه أنَّه رجَع إلى قَولِ أبي حَنيفةَ قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أيَّامٍ. وحَكَى الفَقيهُ أبو جَعفَرٍ الهِندُوانيُّ أنَّ امرَأةً جاءَتْ إلى مُحمَّدٍ قبلَ مَوتِه بثَلاثةِ أيَّامٍ، وقالَتْ: إنَّ لي وَليًّا وهو لا يُزوِّجُني إلَّا بعدَ أنْ يَأخُذَ مِنِّي مالًا كَثيرًا، فقالَ لها مُحمَّدٌ: اذهَبي فزوِّجي نَفْسَكِ، وهذا يُؤيِّدُ ما رُوِيَ مِنْ رُجوعِه. وعَن أبي يُوسفَ في غيرِ رِوايةِ الأُصولِ مِثلُ قَولِ مُحمَّدٍ الأوَل. وفي رِوايةٍ: إنْ زوَّجتْ نَفْسَها مِنْ كُفْءٍ لا يَتوقَّفُ، وإنْ كانَ مِنْ غيرِ كُفْءٍ يَتوقَّفُ على إجازةِ الوَليِّ (١).
وَمَنْ قالَ: «لا يَجوزُ لِلمَرأةِ أنْ تُزوِّجَ نَفْسَها» -وهُم الجُمهورُ، المالِكيَّةُ على خِلافٍ عندَهم، والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ، وأبو يُوسفَ في
стр. 6058
رِوايةٍ ومُحمَّدٌ على اختِلافٍ في النَّقلِ عَنهم، كما سَيَأتي مُفَصَّلًا في النِّكاحِ- قالوا: لا يَجوزُ لها أنْ تُوكِّلَ غيرَها؛ لأنَّها لا تَملِكُ تَزويجَ نَفْسِها (١).
قالَ المالِكيَّةُ: إذا وكَّلتِ الدَّنيئةُ كالمُعتَقةِ والمَسْلَمانيَّةِ والمِسكينةِ أجنَبيًّا في بَلَدٍ ليسَ فيه سُلطانٌ، أو فيه لكنْ يَعسُرُ وُصولُها إليه، ولا وَليَّ لها، جازَ.
قالَ ابنُ يُونُسَ ﵀: قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: وإذا وكَّلتِ المَرأةُ الدَّنيَّةُ مثلَ المُعتَقةِ والمَسْلَمانيَّةِ والسَّوداءِ والمِسكينةِ أجنَبيًّا، فزوَّجها وهي ببَلَدٍ لا سُلطانَ فيه، أو فيه سُلطانٌ يَعسُرُ عليها تَناوُله، ولا وَليَّ لها، جازَ ذلك.
وفي رِوايةِ أشهَبَ عن مالِكٍ ﵀: أنَّ الدَّنِيَّةَ وغيرَها سَواءٌ، ولا يُزوِّجُها إلَّا وَليٌّ أو سُلطانٌ.
قالَ الشَّيخُ ﵀: فوَجهُ الأوَل: أنَّه لمَّا لَم يَكُنْ لها وَليٌّ، وكانَ مُتَناوَلُ السُّلطانِ بَعيدًا، صارَ ذلك ضَرورةً أباحَتْ تَزويجَ الأجنَبيِّ إيَّاها؛ لأنَّه وَليٌّ عامٌّ، لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
وَوَجهُ الثَّانيةِ: أنَّ الوَليَّ العامَّ لا يُزوِّجُ مَع حُضورِ الخاصِّ، أصْلُه في غيرِ الدَّنِيَّةِ.
стр. 6059
وَمِنْ «المُدوَّنةُ»: قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: وكَذلك إنْ وَلَّتْ مَنْ أسلَمَتْ هي على يَدَيْه؛ فإنَّه يَجوزُ إنكاحُه إيَّاها، وأمَّا مَنْ أَسلَمَ على يَدَيْه أبَوها وتَقادَمَ ذلك حتى يَكونَ لها مِنْ القَدْرِ والغَناءِ والإباءِ في الإسلامِ ما يَجعَلُ النَّاسَ يَتنافَسُونَ فيها، فلا يُزوِّجُها، وهو كالأجنَبيِّ فيها.
قيلَ لِمالِكٍ ﵀: فرِجالٌ مِنْ المَوالي يَأخُذونَ صِبيانًا مِنْ العَرَبِ تُصيبُهم السَّنَةُ فيَكفُلونَهم ويُرَبُّونَهم، حتى يَكبَروا، وتَكونَ فيهمُ الجَاريةُ، ويُريدَ أنْ يُزوِّجَها؟
فَقالَ: ذلك جائِزٌ، ومَن أنظَرُ لها مِنه.
قالَ الشَّيخُ ﵀: يُريدُ إذا بلَغتْ وأذِنَتْ، وهذا إذا لَم يَكُنْ لها أبٌ، وأمَّا إنْ كانَ لها أبٌ فلا يَنكِحُها بغيرِ رِضَا أبيها إلَّا أنْ يَجعَلَ الأبُ ذلك بيَدِه، ونَحوُه في كِتابِ مُحمَّدٍ.
وَمِنْ المُدوَّنةِ: قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: وأمَّا كلُّ امرَأةٍ لها بالٌ وغَنَاءٌ وقَدْرٌ؛ فإنَّ تلك لا يُزوِّجُها إلَّا وَليُّها، أوِ السُّلطانُ.
قيلَ لِمالِكٍ ﵀: فلَو أنَّ امرَأةً لها قَدْرٌ تَزوَّجتْ بغيرِ أمْرٍ وَليٍّ، فوَّضتْ أمرَها إلى رَجُلٍ، فرَضيَ الوَليُّ بعدَ ذلك، أيَثْبتُ النِّكاحُ؟
فَوقَف فيه.
وقالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: إذا أجازَه الوَليُّ بالقُربِ جازَ، وسَواءٌ دخَل الزَّوجُ أو لا، وإنْ أرادَ فَسْخَه بحِدثانِ الدُّخولِ، كانَ ذلك له، وفسَخه، فأمَّا
стр. 6060
إنْ طالَتْ إقامَتُها مَعه، ووَلَدَتِ الأولادَ، أمضَيتُه إنْ كانَ ذلك صَوابًا ولَم يُفسَخْ، وقالَه مالِكٌ وغيرُ واحِدٍ مِنْ الرُّواةِ.
قالَ سَحنونٌ ﵀: وقالَ غيرُه: لا يَجوزُ، وإنْ أجازَه الوَليُّ؛ لأنَّه عقَده غيرُ الوَليِّ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: ولا يَجوزُ لِلمَرأةِ أنْ تُباشِرَ عَقدَ نِكاحِها بنَفْسِها دونَ وَليِّها، ولا أنْ تَعقِدَ نِكاحَ غيرِها، وممَّن قالَ هذا مالِكٌ، والشَّافِعيُّ، وسُفيانُ، والثَّوريُّ، وابنُ أبي لَيلَى، وابنُ شُبرُمةَ، وابنُ المُبارَكِ، وعُبَيدُ اللَّهِ بنُ الحَسَنِ، وأحمَدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَورٍ، وأبو عُبَيدٍ، والطَّبرَيُّ، ورُويَ ذلك عن عُمرَ، وعَلِيٍّ، وابنِ مَسعودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأبي هُرَيرةَ، وهو قَولُ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ، والحَسَنِ، وعُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ، وجابِرِ بنِ زَيدٍ أبي الشَّعثاءِ، وخالَفَ هَؤُلاءِ أهلُ الرَّأْيِ مِنْ الكُوفِيِّينَ، وطائِفةٌ مِنْ التابِعينَ (٢).
٥ - تَوكيلُ الفاسِقِ غيرَه في النِّكاحِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الفاسِقِ، هَلْ يَصحُّ مِنه أنْ يُوكِّلَ في تَزويجِ ابنَتِه أو لا؟ وبِناءً عليه هَلْ يَصحُّ مِنه أنْ يَكونَ وَليًّا لِابنَتِه أو لا؟
فَذهَب الشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ تَوكيلُ الفاسِقِ في تَزويجِ ابنَتِه أو أُختِه؛ لأنَّه لا يَملِكُ نِكاحَها بنَفْسِهِ؛ لأنَّه