قالَ صاحِبُ «الشامِل»: قدَّرَه بعضُ أَصحابِنا بلُمعةٍ، وهذه الأَقوالُ في دَمِ غيرِه من آدَميٍّ وحَيوانٍ آخَرَ، وأمَّا دَمُ نَفسِه فضَربانِ، أحدُهما: ما يَخرجُ من بَثرةٍ (١)، من دَمٍ وقَيحٍ وصَديدٍ فله حُكمُ دَمِ البَراغيثِ بالاتِّفاقِ، يُعفَى عن قَليلِه قَطعًا، وفي كَثيرِه الوَجهان أصَحُّهما العَفوُ، فلو عصَرَ بَثرةً فخرَجَ منها دَمٌ قَليلٌ عُفيَ عنه على أصَحِّ الوَجهَينِ، وهما كالوَجهَينِ السابِقَينِ في دَمِ القَملةِ ونَحوِها إذا عصَرَه في ثَوبٍ أو بَدنِه.
الضَّربُ الثاني: ما يَخرجُ منه لا مِنْ البَثراتِ بل من الدَّمامِلِ والقُروحِ ومَوضِعِ الفَصدِ والحِجامةِ وغيرِها، وفيه طَريقانِ:
أحدُهما: أنَّه كدَمِ البَراغيثِ والبَثراتِ فيُعفَى عن قَليلِه، وفي كَثيرِه الوَجهان، قالَ الرافِعيُّ: هذا مُقتَضى كَلامِ الأكثَرينِ.
والثاني: وهو الأصَحُّ واختارَه ابنُ كَجٍّ والشَّيخُ أبو مُحمدٍ وإمامُ الحَرمَين: وهو ظاهِرُ كَلامِ المُصنفِ وسائِرِ العِراقيِّين أنَّه كدَمِ الأجنَبيِّ.
قالَ أَصحابُنا: وقَيحُ الأجنَبيِّ وصَديدُه وسائِرِ الحَيوانِ كدَمِ ذلك الحَيوانِ، ثم الجُمهورُ أطلَقوا الكَلامَ في الدِّماءِ على ما سبَقَ، وقيَّدَ صاحِبُ البَيانِ الخِلافَ في العَفوِ بغيرِ دَمِ الكَلبِ والخِنزيرِ، وما توَلَّد من أحدِهما، وأشارَ إلى أنَّه لا يُعفَى عن شَيءٍ منه بلا خِلافٍ، قالَ البَغويُّ: وحُكمُ وَنيمِ الذُّبابِ وبَولِ الخُفاشِ حُكمُ الدَّمِ لتَعذُّرِ الاحتِرازِ.
стр. 632
فَرعٌ: قالَ صاحِبُ (التَّتمةِ) وغيرُه: لو كانَ في صَلاةٍ فأصابَه شَيءٌ جرَحَه وخرَجَ الدَّمُ يَدفُقُ ولم يُلوِّثِ البَشرةَ، أو كانَ التَّلويثُ قَليلًا بأنْ خرَجَ خُروجَ الفَصدِ لم تَبطُلْ صَلاتُه، واحتَجُّوا بحَديثِ جابِرٍ ﵁ في الرَّجلَين اللذَين حَرَسا للنَّبيِّ ﷺ فجُرحَ أحدُهما وهو يُصلِّي فاستمَرَّ في صَلاتِه ودِماؤُه تَسيلُ، وهو حَديثٌ سبَقَ بَيانُه في بابِ ما يَنقضُ الوُضوءَ، قالوا: ولأنَّ المُنفصلَ عن البَشرةِ لا يُضافُ إليه، وإنْ كانَ بعضُ الدَّمِ مُتصلًا ببَعضٍ، ولهذا لو صَبَّ الماءَ من إِبريقٍ على نَجاسةٍ واتَّصلَ طَرفُ الماءِ بالنَّجاسةِ لم يُحكَمْ بنَجاسةِ الماءِ الذي في الطَّريقِ، وإنْ كانَ بَعضُه مُتصلًا ببَعضٍ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا يُعفَى عن يَسيرِ نَجاسةٍ، ولو لم يُدرِكْها البَصرُ كالذي يَعلَقُ بأرجُلِ ذُبابٍ ونَحوِه؛ لعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، وقَولِ ابنِ عُمرَ: أُمِرنا أنْ نَغسلَ الأَنجاسَ سَبعًا، ولغيرِ ذلك من الأدِلةِ، إلا يَسيرَ دَمٍ وما توَلَّد منه من قَيحٍ وغيرِه كصَديدِ يَدٍ وماءِ قُروحٍ فيُعفَى عن ذلك في غيرِ مائِعٍ ومَطعومٍ، أي: يُعفَى عنه في الصَّلاةِ؛ لأنَّ الإِنسانَ غالِبًا لا يَسلمُ منه، وهو قَولُ جَماعةٍ من الصَّحابةِ والتابِعينَ ومَن بعدَهم، ولأنَّه يَشقُّ التَّحرُّزُ منه فعُفيَ عن يَسيرِه كأثَرِ الاستِجمارِ، وأمَّا المائِعُ والمَطعومُ فلا يُعفَى فيه عن شَيءٍ من ذلك، (وقَدرُه) أي قَدرُ اليَسيرِ المَعفوِّ عنه هو الذي لم يَنقضِ الوُضوءَ، أي: ما لم يَفحُشْ في النَّفسِ، والمَعفوُّ عنه من القَيحِ ونَحوِه أكثَرُ
стр. 633
ممَّا يُعفَى عن مِثلِه من الدَّمِ، وإنَّما يُعفَى عن ذلك إذا كانَ من حَيوانٍ طاهِرٍ من آدَميٍّ، سَواءٌ المُصلِّي وغَيرُه من غيرِ سَبيلٍ؛ فإنْ كانَ من سَبيلٍ لم يُعفَ عنه؛ لأنَّه في حُكمِ البَولِ أو الغائِطِ، وكذلك دَمُ حَيضٍ ونِفاسٍ واستِحاضةٍ لقَولِ عائِشةَ ﵂: ما كانَ لإحدانا إلا ثَوبٌ تَحيضُ فيه، فإذا أصابَه شَيءٌ من دَمٍ قالَت برِيقِها فقصَعَته بظُفرِها -أي: حرَّكَته وفرَكَته- قالَه في النِّهايةِ، أو من غيرِ دَمِ آدَميٍّ سَواءٌ كانَ من حَيوانٍ مَأكولِ اللَّحمِ كإبِلٍ وبَقرٍ أو لا كهِرٍّ، بخِلافِ الحَيوانِ النَّجسِ كالكَلبِ والخِنزيرِ، فلا يُعفَى عن شَيءٍ من دَمِه، وكذا دَمُ الحِمارِ والبَغلِ.
ويُضمُّ مُتفرِّقٌ في ثَوبٍ من دَمٍ ونَحوِه؛ فإنْ فحُشَ لم يُعفَ عنه وإلا عُفيَ عنه، ولا يُضمُّ مُتفرِّقٌ بأكثَرَ من ثَوبٍ، بل يُعتبَرُ ما في كلِّ ثَوبٍ على حِدتِه؛ لأنَّ أحدَهما لا يَتبعُ الآخَرَ، ولو كانَت النَّجاسةُ في شَيءٍ ضَعيفٍ قد نفَذَت فيه من الجانبَين فهي نَجاسةٌ واحِدةٌ، وإنْ لم تَتصِلْ بل كان بينَهما شَيءٌ لم يُصِبْه الدَّمُ فهما نَجاسَتانِ إذا بلَغا لو جُمِعا قَدرًا لا يُعفَى عنه لم يُعفَ عنها كجانبَيِ الثَّوبِ ودَمِ عِرقٍ مَأكولٍ بعدَ ما يَخرجُ بالذَّبحِ وما في خِلالِ اللَّحمِ طاهِرٌ، ولو ظهَرَت حُمرتُه نَصًّا؛ لأنَّه لا يُمكنُ التَّحرُّزُ منه كدَمِ سَمكٍ؛ لأنَّه لو كانَ نَجسًا لتَوقَّفت إِباحتُه على إِراقَتِه بالذَّبحِ كحَيوانِ البَرِّ (١).
стр. 634
باب في الحيض
تَعريفُ الحَيضِ:
الحَيضُ لُغةً: مَصدرُ حاضَ، يُقالُ: حاضَ السَّيلُ، إذا فاضَ، وحاضَت السَّمُرةُ (١) إذا سالَ صَمغُها، وحاضَت المَرأةُ: سالَ دَمُها (٢).
وللعُلماءِ في تَعريفِ الحَيضِ مَعانٍ مُتقارِبةٌ، فقد عرَّفَه صاحِبُ «كَنزِ الحَقائقِ» من الحَنفيةِ بقَولِه: هو دَمٌ يَنفُضُه رَحمُ امرأةٍ سَليمةٍ عن داءٍ وصِغرٍ (٣).
وعرَّفه ابنُ عَرفةَ من المالِكيةِ بقَولِه: الحَيضُ دَمٌ يُلقيه رَحمٌ مُعتادٌ حَملُها دونَ وِلادةٍ (٤).
وعرَّفَه الشافِعيةُ: بأنَّه دَمُ جِبلةٍ يَخرجُ من أقصى رَحمِ المَرأةِ بعدَ بُلوغِها على سَبيلِ الصِّحةِ من غيرِ سَببٍ في أَوقاتٍ مَعلومةٍ (٥).
стр. 635
وعرَّفَه الحَنابِلةُ: بأنَّه دَمُ طَبيعةٍ يَخرجُ مع الصِّحةِ من غيرِ سَببِ وِلادةٍ من قَعرِ رَحمٍ يَعتادُ أُنثى إذا بلَغَت في أَوقاتٍ مَعلومةٍ (١).
وللحَيضِ أَسماءٌ، منها الطَّمثُ، والعِراكُ والنِّفاسُ.
حُكمُ تَعليمِ المَرأةِ أَحكامَ الحَيضِ:
يَجبُ على المَرأةِ أنْ تَتعلَّمَ ما تَحتاجُ إليه من أَحكامِ الحَيضِ، وعلى زَوجِها أو وَليِّها أنْ يُعلِّمَها ما تَحتاجُ إليه منها إنْ علِمَ، وإلا أذِنَ لها بالخُروجِ لسُؤالِ العُلماءِ، ويَحرمُ عليه مَنعُها إلا أنْ يَسألَ هو ويُخبِرَها وتَستَغنيَ بذلك، ولها أنْ تَخرجَ بغيرِ إذنِه إنْ لم يُؤذَنْ لها.
وعِلمُ الحَيضِ من عِلمِ الحالِ المُتَّفقِ على فَرضيةِ تَعلُّمِه.
قالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: ومَعرفةُ مَسائلِ الحَيضِ من أعظَمِ المُهماتِ لمَا يَترتَّبُ عليها ممَّا لا يُحصَى من الأَحكامِ، كالطَّهارةِ والصَّلاةِ وقِراءةِ القُرآنِ والصَّومِ والاعتِكافِ والحَجِّ والبُلوغِ والوَطءِ والطَّلاقِ والعِدةِ والاستِبراءِ وغيرِ ذلك من الأَحكامِ.
стр. 636
وكانَ من أَعظمِ الواجِباتِ؛ لأنَّ عِظمَ مَنزلةِ العِلمِ بالشَّيءِ بحَسبِ مَنزلةِ ضَررِ الجَهلِ به وضَررِ الجَهلِ بمَسائلِ الحَيضِ أشَدُّ من ضَررِ الجَهلِ بغيرِها فيَجبُ الاعتِناءُ بمَعرفتِها، وإنْ كانَ الكَلامُ فيها طَويلًا؛ فإنَّ المُحصِّلَ يَتشوَّفُ إلى ذلك، ولا التِفاتَ إلى كَراهةِ أهلِ البَطالةِ (١).
قالَ الجُوينيُّ ﵀: الحَيضُ حالةٌ يُبتَلى بها بَناتُ آدَمَ من حيثُ الفِطرةُ والجِبلَّةُ ابتِلاءً مُعتادًا على تَكرُّرِ الأَدوارِ، وما كانَ كذلك فالدَّواعي تَتوافرُ على نَقلِ الأُصولِ التي تَمسُّ الحاجةُ فيه إليها، هذا حُكمُ اطِّرادِ الاعتِيادِ فلا يَجوزُ أنْ يَخلوَ الزَّمانُ عن العِلمِ بأقَلِّ الحَيضِ على الجُملةِ وأكثَرِه ما دامَ الناسُ مُهتمِّينَ بإِقامةِ الصَّلواتِ (٢).
أَلوانُ دَمِ الحَيضِ والصُّفرةُ والكُدرةُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ الصُّفرةَ والكُدرةَ في أَيامِ الحَيضِ حَيضٌ؛ لأنَّه الأصلُ فيما تَراه المَرأةُ في زَمنِ الإِمكانِ، ولأنَّ عائِشةَ ﵂ كانَ النِّساءُ يَبعثْنَ إليها بالدُّرجةِ (٣) فيها الكُرسُفُ (٤)، فيه الصُّفرةُ والكُدرةُ، فتَقولُ لهُنَّ: «لا تَعجَلنَ حتى تَرَينَ القَصَّةَ البَيضاءَ» تُريدُ بذلك التَّطهُّرَ من الحَيضِ (٥).
стр. 637
والصُّفرةُ والكُدرةُ: شَيءٌ كالصَّديدِ، قالَ الرَّمليُّ: وهما ليسا من أَلوانِ الدَّمِ، وإنَّما هُما كالصَّديدِ، وقد صرَّحَ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ بأنَّهما ماءانِ لا دَمانِ.
وفي وَجهٍ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ أنَّ الصُّفرةَ والكُدرةَ ليسَتا بحَيضٍ؛ لأنَّهما ليسَتا على لَونِه، ولقَولِ أُمِّ عَطيةَ ﵂: «كُنا لا نَعدُّ الصُّفرةَ والكُدرةَ شَيئًا» (١).
وقالَ ابنُ الماجشونِ من المالِكيةِ: إنْ كُنَّ في أيامِ الحَيضِ فحَيضٌ، وإلا فلا.
قالَ الدُّسوقيُّ: وجعَلَه المازوريُّ والباجيُّ هو المَذهبَ، وقيلَ: إنَّهما ليسا بحَيضٍ مُطلقًا، حَكاه في التَّوضيحِ.
واختَلفَ الفُقهاءُ في الصُّفرةِ والكُدرةِ في غيرِ أيامِ الحَيضِ:
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ -وهو قَولٌ عندَ المالِكيةِ- والشافِعيةُ إلى أنَّهما ليَسا بحَيضٍ في غيرِ أيامِ الحَيضِ لقَولِ أُمِّ عَطيةَ ﵂: «كُنا لا نَعدُّ الصُّفرةَ والكُدرةَ بعدَ الطُّهرِ شَيئًا» (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَشهورِ عنهما إلى أنَّهما حَيضٌ إذا رأتْهما المُعتادةُ بعدَ عادَتِها؛ فإنَّها تَجلسُ أيامَها عندَ الشافِعيةِ.
стр. 638
قالَ النَّوويُّ ﵀: الصَّحيحُ المَشهورُ أنَّ الصُّفرةَ والكُدرةَ في زَمنِ الإمكانِ، وهو خَمسةَ عَشرَ يَكونان حَيضًا، سَواءٌ كانَت مُبتدأةً أو مُعتادةً، خالَفَ عادَتَها أو وافَقَها، كما لو كانَ أسوَدَ أو أحمَرَ وانقطَعَ لخَمسةَ عَشرَ (١).
وتَستظهِرُ بثَلاثةِ أيامٍ عندَ المالِكيةِ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفَ قَولُ مالِكٍ في الصُّفرةِ والكُدرةِ ففي «المُدوَّنة» لابنِ القاسِمِ عنه أنَّه قالَ في المَرأةِ تَرى الصُّفرةَ والكُدرةَ في أيامِ حَيضِها، وفي غيرِ أيامِ حَيضِها، قالَ مالِكٌ: ذلك حَيضٌ، وإنْ لم تَرَ مع ذلك دَمًا.
وذكَرَ ابنُ عَبدوسٍ في المَجموعةِ لعلِيِّ بنِ زِيادٍ عن مالِكٍ قالَ: ما رأتِ المَرأةُ من الصُّفرةِ والكُدرةِ في أَيامِ الحَيضِ أو في أَيامِ الاستِطهارِ فهو كالدَّمِ، وما رأتْه بعدَ ذلك فهو استِحاضةٌ، وهذا قَولٌ صَحيحٌ إلا أنَّ الأولَ أشهَرُ عنه (٢).
стр. 639
السِّنُّ التي تَحيضُ فيها المَرأةُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ من الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إلى أنَّ أقَلَّ سِنٍّ تَحيضُ فيها المَرأةُ تِسعُ سِنينَ قَمريةٍ؛ لأنَّه لم يَثبُتْ في الوُجودِ والعادةِ لأُنثَى حَيضٌ قبلَها، ولأنَّها لم تَرِدْ في الشَّرعِ، ولا ضابِطَ لها شَرعيًّا ولا لُغويًّا يُتَّبعُ فيها الوُجودُ، ولأنَّ الصَّغيرةَ لا تَحيضُ، بدَليلِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، ولأنَّ المَرجعَ فيها إلى الوُجودِ، ولم يُوجدْ من النِّساءِ مَنْ يَحِضنَ عادةً فيما دونَ هذه السِّنِّ، ولأنَّ دَمَ الحَيضِ إنَّما خلَقَه اللهُ لحِكمةِ تَربيةِ الحَملِ به، فمَن لا تَصلحُ للحَملِ لا تُوجدُ فيها حِكمتُه، فيَنتَفي لانتِفاءِ حِكمتِه كالمَنيِّ؛ فإنَّهما مُتقارِبانِ في المَعنى؛ فإنَّ أحدَهما يُخلقُ منه الوَلدُ والآخَرُ يُربِّيه ويُغذِّيه، وكلُّ واحِدٍ منهما لا يُوجدُ من صَغيرٍ، ووجُودُه عَلمٌ على البُلوغِ، وأقَلُّ سِنٍّ تَبلغُ لها الجارِيةُ تِسعُ سِنينَ، فكانَ ذلك أقَلَّ سِنٍّ تَحيضُ له، وقد رُويَ عن عائِشةَ أنَّها قالَت: «إذا بلَغَت الجارِيةُ تِسعَ سِنينَ فهي امرأةٌ» ورُويَ ذلك مَرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ والمُرادُ به: حُكمُها حُكمُ المَرأةِ.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: أعجَلُ مَنْ سمِعتُ من النِّساءِ تَحيضُ نِساءُ تِهامةَ -يَحِضنَ لتِسعِ سِنينَ- ورأيتُ جَدةً لها إحدَى وعِشرين سَنةً.
وهذا يَدلُّ على أنَّها حمَلَت لدُونِ عَشرِ سِنينَ، وحمَلَت ابنتُها لمِثلِ ذلك، ولا فَرقَ في ذلك بينَ البِلادِ الحارةِ والبِلادِ البارِدةِ على الصَّحيحِ.
стр. 640
فعلى هذا إذا رأتْ بِنتُ تِسعِ سِنينَ دَمًا ترَكَت الصَّلاةَ؛ لأنَّها رأتْه في زَمنٍ يَصلُحُ للحَيضِ.
وإنْ رأتِ الدَّمَ لدونِ تِسعِ سِنينَ فهو دَمُ فَسادٍ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَكونَ حَيضًا.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقد رَوى المَيمونِيُّ عن أحمدَ في بِنتِ عَشرٍ رأتِ الدَّمَ قالَ: ليسَ بحَيضٍ، فعَلى هذا ليسَ التِّسعُ ولا العَشرُ زَمنًا للحَيضِ، قالَ القاضِي: فيَجبُ على هذا أنْ يُقالَ: أوَّلُ زَمنٍ يَصحُّ فيه وُجودُ الحَيضِ اثنَتا عَشرةَ سَنةً؛ لأنَّه الزَّمانُ الذي يَصحُّ فيه بُلوغُ الغُلامِ والأولُ أصَحُّ (١).
أكثَرُ أمَدٍ تَحيضُ فيه المَرأةُ:
اختَلفَ العُلماءُ في أكثَرِ أمَدٍ تَحيضُ فيه المَرأةُ.
فقالَ أبو حَنيفةَ فيما رَواه عنه الحَسنُ بنُ زيادٍ: من خَمسٍ وخَمسينَ سَنةً إلى السِّتِّينَ.
وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: في الرُّومياتِ خَمسٌ وخَمسونَ سَنةً، وفي المُولِّداتِ: سِتُّونَ سَنةً، ولكنَّ المُفتَى به عندَهم أو المُختارُ في سِنِّ اليأسِ خَمسٌ وخَمسونَ سَنةً.
стр. 641
وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: ليسَ له حَدٌّ، وإنَّما الرُّجوعُ فيه إلى العاداتِ في البُلدانِ؛ فإنَّه مُختلِفٌ باختِلافِها، فيُسرعُ اليأسُ من الحَيضِ في البِلادِ الحارةِ ويَتأخَّرُ في البِلادِ البارِدةِ.
وقالَ الإمامُ أحمدُ في إحدَى الرِّواياتِ: غايَتُه خَمسونَ سَنةً في العَربياتِ وغيرِهِنَّ، والثانيةُ: سِتُّون سنةً، والثالِثةُ: إنْ كُنَّ عَربياتٍ فالغايةُ سِتُّونَ سنةً، وإنْ كُنَّ نَبطياتٍ أو أعجَمياتٍ فخَمسونَ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا رأتِ الدَّمَ ولها خَمسونَ سَنةً لا تَدعُ الصَّومَ ولا الصَّلاةَ وتَقضي الصَّومَ احتِياطًا؛ فإنْ رأتْه بعدَ السِّتينِ فقد زالَ الإِشكالُ وتُيقِّنَ أنَّه ليسَ بحَيضٍ فتَصومُ وتُصلِّي ولا تَقضي.
اختَلفَت الرِّوايةُ عن أحمدَ ﵀ في هذه المَسألةِ، فالذي نقَلَ الخِرقيُّ ههنا أنَّها لا تَيأسُ من الحَيضِ يَقينًا إلى سِتِّينَ سَنةً، وما تَراه فيما بينَ الخَمسينَ والسِّتينَ مَشكوكٌ فيه لا تَتركُ له الصَّلاةَ ولا الصَّومَ؛ لأنَّ وُجوبَهما مُتيقَّنٌ فلا يَسقطُ بالشَّكِّ وتَقضي الصَّومَ المَفروضَ احتِياطًا؛ لأنَّ وُجودَه كانَ مُتيقَّنًا وما صامَتْه في زَمنِ الدَّمِ مَشكوكٌ في صِحتِه فلا يَسقطُ به ما تُيقِّنَ وُجوبُه.
ورُويَ عنه ما يَدلُّ على أنَّها بعدَ الخَمسينَ لا تَحيضُ، وكذلك قالَ إِسحاقُ بنُ راهَوَيهِ، ولا يَكونُ حَيضًا بعدَ الخَمسينَ، ويَكونُ حُكمُها فيما
стр. 642
تَراه من الدَّمِ حُكمَ المُستحاضةِ لمَا رُويَ عن عائِشةَ ﵂ أنَّها قالَت: «إذا بلَغَت خَمسينَ سَنةً خرَجَت من حَدِّ الحَيضِ».
ورُويَ عنها أنَّها قالَت: «لن تَرى المَرأةُ في بَطنِها وَلدًا بعدَ الخَمسينَ».
ورُويَ عنه أنَّ نِساءَ الأعاجِمِ يَئِسنَ من المَحيضِ في الخَمسينَ، ونِساءَ بَني هاشِمٍ ونِساءَ غيرِهم من العَربِ إلى السِّتينَ سَنةً وهو قَولُ أهلِ المَدينةِ لمَا رَوى الزُّبَيرُ بنُ بَكارٍ في كِتابِ النَّسبِ عن بَعضِهم أنَّه قالَ: لا تَلدُ لخَمسينَ سَنةً إلا العَربيةُ، ولا تَلدُ لسِتينَ إلا قُرشيةٌ.
وقال: إنَّ هِندَ بِنتَ أبي عُبيدةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ زَمعةَ ولَدَت موسى بنَ عبدِ اللهِ بن حَسنِ بنِ حَسنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ ولها سِتونَ سَنةً، وقالَ أحمدُ في امرأةٍ من العَربِ رأتِ الدَّمَ بعدَ الخَمسينَ: إنْ عاوَدَها مرَّتينِ أو ثَلاثًا فهو حَيضٌ، وذلك لأنَّ المَرجعَ في هذا إلى الوُجودِ.
وقد وُجدَ حَيضٌ من نِساءٍ ثِقاتٍ أخبَرنَ به عن أنفُسِهن بعدَ الخَمسينَ، فوجَبَ اعتِقادُ كَونِه حَيضًا كما قبلَ الخَمسينَ، ولأنَّ الكَلامَ فيما إذا وُجدَ من المَرأةِ دَمٌ في زَمنِ عادَتِها على وَجهٍ كانَت تَراه قبلَ ذلك، فالوُجودُ ههنا دَليلُ الحَيضِ، كما كانَ قبلَ الخَمسينَ دَليلًا، فوجَب جَعلُه حَيضًا، وأمَّا إِيجابُ الصَّلاةِ والصَّومِ فيه فللاحتِياطِ لوُقوعِ الخِلافِ فيه.
والصَّحيحُ أنَّه لا فَرقَ بينَ نِساءِ العَربِ وغيرِهِنَّ؛ لأنَّهنَّ لا يَختلِفنَ في سائِرِ أَحكامِ الحَيضِ، فكذلك في هذا وما ذُكرَ عن عائِشةَ لا حُجةَ فيه؛ لأنَّ وُجودَ الحَيضِ أمرٌ حَقيقيٌّ، المَرجعُ فيه إلى الوُجودِ، والوُجودُ
стр. 643
لا عِلمَ لها به، ثم قد وُجدَ خِلافُ ما قالَته؛ فإنَّ موسى بنَ عبدِ اللهِ بنِ حَسنٍ قد ولَدَته أُمُّه بعدَ الخَمسينَ، ووُجدَ الحَيضُ فيما بعدَ الخَمسينَ على وَجهِه فلا يُمكنُ إنكارُه.
فإنْ قيلَ: هذا الدَّمُ ليسَ بحَيضٍ مع كَونِه على صِفتِه، وفي وَقتِه وعادَتِه بغيرِ نَصٍّ، فهذا تَحكُّمٌ لا يُقبلُ، فأمَّا بعدَ السِّتينِ فقد زالَ الإِشكالُ وتُيقِّنَ أنَّه ليسَ بحَيضٍ؛ لأنَّه لم يُوجدْ، وقد عُلمَ أنَّ للمرأةِ حالًا تَنتَهي فيه إلى الإِياسِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤].
قالَ أحمدُ في المَرأةِ الكَبيرةِ تَرى الدَّمَ: لا يَكونُ حَيضًا، هو بمَنزلةِ الجُرحِ، وإنِ اغتسَلَت فحَسنٌ، وقالَ عَطاءٌ هي بمَنزلةِ المُستحاضةِ، ومَعنى القَولَينِ واحِدٌ، وذلك لأنَّ هذا الدَّمَ إذا لم يَكنْ حَيضًا فهو دَمُ فَسادٍ، وحُكمُها حُكمُ المُستحاضةِ، ومَن به سَلسُ البَولِ على ما مَرَّ حُكمُهما (١).
فَترةُ الحَيضِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في أقَلِّ فَترةِ الحَيضِ وأكثَرِها.
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ أقَلَّ الحَيضِ ثَلاثةُ أيامٍ بلَياليها، وقدَّروها باثنَتَين وسَبعينَ ساعةً، وأكثَرُه عَشرةُ أيامٍ بلَياليها.
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: وقد رُويَ ذلك عن سِتةٍ من الصَّحابةِ بطُرقٍ مُتعدِّدةٍ فيها مَقالٌ يَرتفعُ فيها الضَّعيفُ إلى الحَسنِ (٢).
стр. 644
وقالَ ابنُ الهُمامِ: والمُقدَّراتُ الشَّرعيةُ مما لا تُدركُ بالرَّأيِ فالمَوقوفُ فيها حُكمُه الرَّفعُ، بل تَسكنُ النَّفسُ بكَثرةِ ما رُويَ فيه عن الصَّحابةِ والتابِعينَ إلى أنَّ المَرفوعَ مما أجادَ فيه ذلك الراوي الضَّعيفُ.
وبالجُملةِ له أصلٌ في الشَّرعِ (١).
واحتَجُّوا على ذلك بحَديثَينِ:
الأولُ: حَديثُ واثِلةَ بنِ الأسقَعِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أقَلُّ الحَيضِ ثَلاثةُ أيامٍ وأكثَرُه عَشرةُ أيامٍ» (٢).
ورَواه أيضًا أبو أُمامةَ مَرفوعًا: «أقَلُّ الحَيضِ ثَلاثةٌ، وأكثَرُه عَشرةٌ» (٣).
وحَديثُ أنسٍ ﵁ قالَ: «الحَيضُ ثَلاثٌ، وأربَعٌ، وخَمسٌ، وسِتٌّ، وسَبعٌ، وثَمانٍ، وتِسعٌ، وعَشرٌ» (٤)، قالوا: وأنَسٌ لا يَقولُ هذا إلا تَوقيفًا.
стр. 645
فعلى هذا ما نقَصَ عن ثَلاثةِ أيامٍ عندَها فهو استِحاضةٌ، وما زادَ على عَشرةِ أيامٍ فهو استِحاضةٌ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه لا حَدَّ لأقَلِّه بالزَّمانِ، ولذلك بَيَّنوا أقَلَّه في المِقدارِ، وهو دَفعةٌ، فلو رأتِ دَفعةً كانَ حَيضًا، قالوا: وهذا بالنِّسبةِ إلى العِبادةِ، وأمَّا في العِدةِ والاستِبراءِ فلا بدَّ من يَومٍ أو بَعضِه.
وأمَّا أكثَرُ الحَيضِ عندَهم فإنَّه يَختلفُ باختِلافِ أنواعِ النِّساءِ، والنِّساءُ بالنِّسبةِ للحَيضِ ثَلاثةٌ: إما: ١ - مُبتدأةٌ ٢ - وإمَّا مُعتادةٌ ٣ - وإمَّا حامِلٌ.
أولًا: المُبتدَأةُ: وهي التي لم يَسبقْ لها حَيضٌ، وجَرى عليها الدَّمُ لأولِ مَرةٍ، فأكثَرُ أَيامِ الحَيضِ للمُبتدَأةِ -إنِ استمَرَّ بها الدَّمُ- خَمسةَ عَشرَ يَومًا، وما زادَ فهو عِلةٌ وفَسادٌ، فتَصومُ وتُصلِّي وتُوطَأُ إلى غيرِ ذلك من الأَحكامِ، وإنِ انقطَعَ دَمُها لما دونَ خَمسةَ عَشرَ يَومًا؛ فإنَّها تَطهُرُ بذلك؛ فإنْ تَمادَى الدَّمُ أكثَرَ من خَمسةَ عَشرَ يَومًا لا تَزيدُ على خَمسةَ عَشرَ يَومًا.
стр. 646
ثانيًا: المُعتادةُ: وهي التي سبَقَ لها الحَيضُ، وتَقرَّرت لها عادةٌ مُعيَّنةٌ، والعادةُ تَثبُتُ بمَرةٍ؛ فإنْ تَمادى نُزولُ الدَّمِ عليها وزادَ على أيامِه المُعتادةِ بالنِّسبةِ لها؛ فإنَّها تَتربَّصُ بنَفسِها ثَلاثةَ أيامٍ زيادةً على أكثَرِ عادَتِها ويُسمَّى هذا بالاستِظهارِ.
ويُشترطُ ألَّا يَزيدَ مَجموعُ الأيامِ التي تَحيضُ فيها مع أيامِ الاستِظهارِ على خَمسةَ عَشرَ يَومًا، فمَن اعتادَت أنْ تَحيضَ خَمسةَ أيامٍ مَثلًا ثم تَمادى مكَثَت ثَمانيةَ أيامٍ؛ فإنْ تَمادَى في المَرةِ الثالِثةِ مكَثَت أحدَ عَشرَ؛ فإنْ تَمادى في الرابِعةِ مكَثَت أربَعةَ عَشرَ؛ فإنْ تَمادَى في مَرةٍ أُخرى مكَثَت يَومًا ولا تَزيدُ على خَمسةَ عَشرَ، ثم هي بعدَ ذلك طاهِرةٌ تَصومُ وتُصلِّي وتُوطَأُ، ويُسمَّى الدَّمُ النازِلُ بعدَ ذلك دَمَ استِحاضةٍ، وتُسمَّى هي مُستحاضةً.
ثالِثًا: الحامِلُ: العادةُ الغالِبةُ في الحامِلِ عَدمُ نُزولِ الدَّمِ منها ومن غيرِ الغالِبِ قد يَعتَريها الدَّمُ، ويَختلفُ حُكمُ الدَّمِ بالنِّسبةِ لها باختِلافِ أشهُرِ حَملِها؛ فإنْ تَمادَى بها الدَّمُ وكانَ بعدَ شَهرَين فمُدتُه عِشرونَ يَومًا إلى سِتةِ أشهُرٍ.
ومِن سِتةِ أشهُرٍ إلى آخِرِ حَملِها فمُدتُه ثَلاثونَ يَومًا، وما زادَ على ذلك فهو دَمُ عِلةٍ وفَسادٍ.
وذلك لأنَّ أولَ الحَملِ ليسَ كآخِرِه ولذلك كثُرَت الدِّماءُ بكَثرةِ أشهُرِ الحَملِ؛ لأنَّه كلَّما عظُمَ الحَملُ كثُرَ الدَّمُ، والمَعنى أنَّ الحامِلَ في ثَلاثةِ أشهُرٍ أو أربَعةٍ أو خَمسةٍ أو سِتةٍ تَمكُثُ عِشرينَ يَومًا وفي سَبعةِ أشهُرٍ إلى غايةِ حَملِها تَمكثُ ثَلاثينَ يَومًا ثم هي مُستحاضةٌ.
стр. 647
وإذا حاضَت في الشهرِ الأولِ أو الشَّهرِ الثاني فهي كالمُعتادةِ غيرِ الحاملِ تَمكثُ عادَتَها، والاستِظهارُ -وهو قَولُ مالِكٍ- المَرجوعُ إليه، وهو الراجِحُ.
وقالَ ابنُ يُونسَ: الذي يَنبَغي على قَولِ مالِكٍ الذي رجَعَ إليه أنْ تَجلسَ في الشَّهرِ والشَّهرَينِ قَدرَ أيامِها وقَدرَ الاستِظهارِ؛ لأنَّ الحَملَ لا يَظهرُ في شَهرٍ ولا شَهرَين، فهي مَحمولةٌ على أنَّها حائِلٌ حتى يَظهرَ الحَملُ، ولا يَظهرُ إلا في ثَلاثةِ أشهُرٍ.
والقَولُ الثاني هو أنَّ حُكمَ الحَيضِ في الشَّهرِ الأولِ والشَّهرِ الثاني حُكمُ ما بعدَه، أي: الشَّهرِ الثالِثِ، وهو قَولُ مالِكٍ المَرجوعُ عنه (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ أقَلَّ الحَيضِ يَومٌ ولَيلةُ؛ لأنَّه ورَدَ في الشَّرعِ مُطلقًا من غيرِ تَحديدٍ، ولا حَدَّ له في اللُّغةِ ولا في الشَّريعةِ، فيَجبُ الرُّجوعُ فيه إلى العُرفِ والعادةِ، كما في القَبضِ والإِحرازِ والتَّفرُّقِ وأَشباهِها، وقد وُجدَ حَيضٌ مُعتادٌ يَومًا ولم يُوجَدْ أقَلُّ منه، قالَ عَطاءٌ: «رأيتُ من النِّساءِ مَنْ تَحيضُ يَومًا».
وقالَ الشافِعيُّ: «رأيتُ امرأةً أُثبِتَ لي عنها أنَّها لم تَزلْ تَحيضُ يَومًا ولا تَزيدُ عليه».
стр. 648
وقالَ أبو عبدِ اللهِ الزَّبيديُّ: «كانَ في نِسائِنا مَنْ تَحيضُ يَومًا» أي: بلَيلَتِه، وذكَرَ إِسحاقُ بنُ راهَوَيهِ عن بَكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزنِيِّ أنَّه قالَ: «تَحيضُ امرَأتي يَومَينِ».
وأكثَرُه خَمسةَ عَشرَ يَومًا بلَياليهِنَّ: قالَ عَطاءٌ: رأيتُ مَنْ تَحيضُ خَمسةَ عَشرَ يَومًا.
وفي قَولٍ عندَ الحَنابِلةِ: سَبعةَ عَشرَ، فعلى هذا ما كانَ أقَلَّ من يَومٍ ولَيلةٍ فهو استِحاضةٌ، وما زادَ على خَمسةَ عَشرَ يَومًا فهو استِحاضةٌ.
وقد نَصَّ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ (١) على أنَّ غالِبَ الحَيضِ سِتةٌ أو سَبعةٌ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ لحَمنةَ بِنتِ جَحشٍ لمَّا سألَته: «تَحيَّضي سِتةَ أَيامٍ أو سَبعةَ أَيامٍ في عِلمِ اللهِ ثم اغتَسلي حتى إذا رأيتِ أنَّكِ قد طَهُرتِ واستَنقأتِ فصَلِّي ثَلاثًا وعِشرينَ لَيلةً أو أربَعًا وعِشرينَ لَيلةً وأَيامَها وصُومي؛ فإنَّ ذلك يَجزيكِ، وكذلك فافعَلي في كلِّ شَهرٍ كما تَحيضُ النِّساءُ وكما يَطهُرنَ مِيقاتَ حَيضِهنَّ وطُهرِهنَّ» (٢).
стр. 649
أقَلُّ الطُّهرِ وأكثَرُه:
أجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّه لا حَدَّ لأكثَرِ الطُّهرِ؛ لأنَّ المَرأةِ قد لا تَحيضُ أصلًا وقد تَحيضُ في السَّنةِ مَرةً واحِدةً، وقد حَكى أبو الطَّيبِ من الشافِعيةِ قالَ: أخبَرَتني امرأةٌ عن أُختِها أنَّها تَحيضُ في كلِّ سَنةٍ يَومًا ولَيلةً وهي صَحيحةٌ تَحبلُ وتَلدُ ونِفاسُها أربَعونَ يَومًا (١).
ثم إنَّهم اختَلَفوا في أقَلِّ الطُّهرِ الحَيضَتينِ:
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ أقَلَّ طُهرٍ بينَ حَيضتَينِ خَمسةَ عَشرَ يَومًا بلَيالِيها؛ لأنَّ الشَّهرَ غالِبًا لا يَخلو من حَيضٍ وطُهرٍ، وإذا كانَ أكثَرُ الحَيضِ خَمسةَ عَشرَ لزِمَ أنْ يَكونَ أقَلُّ الطُّهرِ كذلك، واستدَلَّ الحَنفيةُ على ذلك بإِجماعِ الصَّحابةِ (٢).
وعن مالِكٍ رِواياتٌ أُخرى:
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أمَّا أقَلُّ الطُّهرِ فقد اضطَرَب فيه قَولُ مالِكٍ وأَصحابِه.
стр. 650
فرَوى ابنُ القاسِمِ عنه: هو عَشرةُ أَيامٍ، ورُويَ عنه أيضًا أقَلُّ الطُّهرِ ثَمانيةُ أَيامٍ، وهو قَولُ سُحنونٍ، وقالَ عبدُ المَلكِ بنُ الماجشونِ: أقَلُّ الطُّهرِ خَمسةُ أَيامٍ، ورَواه عن مالِكٍ، وإلى هذه الرِّوايةِ مالَ بعضُ البَغداديِّينَ من المالِكيِّينَ، وقالَ مُحمدُ بنُ مَسلمةَ: أقَلُّ الطُّهرِ خَمسةَ عَشرَ يَومًا، وهو اختيارُ أكثَرِ البَغداديِّينَ من المالِكيِّينَ، وهو قَولُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأَصحابِهما والثَّوريِّ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ اللهَ قد جعَلَ عِدةَ ذاتِ الأقراءِ ثَلاثةَ قُروءٍ وجعَلَ عِدةَ مَنْ لا تَحيضُ من كِبَرٍ أو صِغرٍ ثَلاثةَ أشهُرٍ فكانَ كلُّ قُرءٍ عِوضًا عن شَهرٍ، والشَّهرُ يَجمعُ الطُّهرَ والحَيضَ، فإذا قَلَّ الحَيضُ كثُرَ الطُّهرُ، وإذا كثُرَ الحَيضُ قَلَّ الطُّهرُ، فلَمَّا كانَ أكثَرُ الحَيضِ خَمسةَ عَشرَ يَومًا وجَبَ أنْ يَكونَ الطُّهرُ خَمسةَ عَشرَ يَومًا ليَكمُلَ في الشَّهرِ الواحِدِ حَيضٌ وطُهرٌ، وهو المُتعارفُ في الأغلَبِ من كَثرةِ النِّساءِ وجِبلَّتِهنِ مع دَلائلِ القُرآنِ والسُّنةِ على ذلك كما ذكَرْنا (١).
وتَظهرُ فائِدةُ التَّحديدِ عندَ المالِكيةِ في أقَلِّ الطُّهرِ فيما لو حاضَت مُبتدأَةً وانقطَعَ عنها دونَ خَمسةَ عَشرَ يَومًا ثم عاوَدَها قبلَ تَمامِ طُهرٍ، فتَضمُّ هذا الثانِيَ للأولِ بمَثابةِ ما إذا لم يَنقطعْ، ثم هو دَمُ عِلةٍ، وإنْ عاوَدَها بعدَ تَمامِ الطُّهرِ فهو حَيضٌ مُستأنَفٌ، أي تَحسُبُه من العِدةِ ويَجرى عليها سائِرُ أَحكامِه (٢).
стр. 651
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ أقَلَّ الطُّهرِ بينَ الحَيضَتَين ثَلاثةَ عَشرَ يَومًا واحتَجُّوا على ذلك بما رُويَ عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁: «أنَّ امرأةً جاءَته قد طلَّقَها زَوجُها، فزعَمَت أنَّها حاضَت في شَهرٍ ثَلاثَ حِيَضٍ، وطَهُرت عندَ كلِّ قُرءٍ وصلَّت، فقالَ عليٌّ لشُرَيحٍ: «قُلْ فيها»، فقالَ شُريحٌ: إنْ جاءَت ببيِّنةٍ من بِطانةِ أهلِها ممَّن يُرضَى بدينِه وأمانَتِه، يَشهَدونَ أنَّها حاضَت في شَهرٍ ثَلاثَ حِيَضٍ، وطَهُرت عندَ كلِّ قُرءٍ، وصلَّت فهي صادِقةٌ، وإلَّا فهي كاذِبةٌ، فقالَ عليٌّ: «قالونَ، وعقَدَ ثَلاثينَ بيَدِه، يَعني بالرُّوميةِ، أي جيِّدٌ بالرُّوميةِ، أو أصَبتَ أو أحسَنتَ» (١).
قالوا: وهذا لا يَقولُه إلا تَوقيفًا، وهو قَولُ صَحابيٍّ اشتُهِرَ، ولم يُعلَمْ خِلافُه، ووُجودُ ثَلاثِ حِيَضٍ في شَهرٍ دَليلٌ على أنَّ الثَّلاثةَ عَشرَ طُهرٌ صَحيحٌ يَقينًا.
قالَ الإمامُ أحمدُ: لا يُختلَفُ أنَّ العِدةَ تَنقَضي في شَهرٍ إذا قامَت به البَيِّنةُ.
وغالِبُ الطُّهرِ باقي الشَّهرِ الهِلاليِّ بعدَ غالِبِ الحَيضِ، وهو عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ أربَعٌ وعِشرونَ أو ثَلاثٌ وعِشرونَ؛ لحَديثِ حَمنةَ بِنتِ جَحشٍ وعندَ الحَنفيةِ خَمسةٌ وعِشرونَ (٢).
стр. 652
حُكمُ الطُّهرِ المُتخلِّلِ بينَ أيامِ الحَيضِ - أو الدَّمَين:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الطُّهرَ المُتخلِّلَ بينَ الدَّمَينِ إذا كانَ خَمسةَ عَشرَ يَومًا فصاعِدًا فإنَّه يَكونُ فاصِلًا بينَ الدَّمَينِ، أمَّا إذا كانَ الطُّهرُ الفاصِلُ بينَ الدَّمَين أقَلَّ من هذه المُدةِ فقد اختَلَفوا في اعتِبارِه فاصِلًا.
فالحَنفيةُ اتَّفَقوا على أنَّ الطُّهرَ الفاصِلَ بينَ الدَّمَين إذا كانَ أقَلَّ من ثَلاثةِ أَيامٍ لا يُعتبَرُ فاصِلًا.
وأمَّا فيما عَدا ذلك فقد اختَلَفوا فيه على سِتةِ أَقوالٍ كلُّها رُويَت عن الإمامِ، أَشهرُها ثَلاثةٌ:
الأولُ: قَولُ أبي يُوسفَ: إنَّ الطُّهرَ المُتخلِّلَ بينَ الدَّمَينِ لا يُفصَلُ بل يَكونُ كالدَّمِ المُتوالي بشَرطِ إِحاطةِ الدَّمِ لطَرَفيِ الطُّهرِ المُتخلِّلِ، فيَجوزُ بَدءُ الحَيضِ بالطُّهرِ وخَتمُه به أيضًا، فلو رأتْ مُبتدأَةٌ دَمًا يَومًا، وطُهرًا أربَعةَ عَشرَ، ودَمًا يَومًا فالعَشرةُ الأُولى حَيضٌ، ولو رأتِ المُعتادةُ قبلَ عادَتِها دَمًا يَومًا وطُهرًا عَشرةً، ودَمًا يَومًا فالعَشرةُ التي لم تَرَ فيها حَيضًا، إنْ كانَت هذه عادَتَها وإلا رَدَّت إلى أَيامِ عادَتِها.
الثاني: أنَّ الشَّرطَ إِحاطةُ الدَّمِ لطَرفَيْ مُدةِ الحَيضِ، فلا يَجوزُ بَدءُ الحَيضِ بالطُّهرِ ولا خَتمُه به، فلو رأت مُبتدأَةٌ دَمًا يَومًا وطُهرًا ثَمانيةً ودَمًا يَومًا فالعَشرةُ حَيضٌ، ولو رَأت مُعتادةٌ قبلَ عادَتِها دَمًا يَومًا وطُهرًا تِسعةً ودَمًا يَومًا لا يَكونُ شَيءٌ منه حَيضًا، وكذا النِّفاسُ على هذا الاعتِبارِ.
стр. 653
الثالِثُ: قَولُ مُحمدٍ: إنَّ الشَّرطَ أنْ يَكونَ الطُّهرُ مِثلَ الدَّمَينِ أو أقَلَّ في مُدةِ الحَيضِ، فلو كانَ أكثَرَ فصَلَ، لكنْ يُنظرُ إنْ كانَ في كلٍّ من الجانبَينِ ما يُمكنُ أنْ يُجعلَ حَيضًا، فالسابِقُ حَيضٌ، ولو في أحدِهما فهو الحَيضُ، والآخَرُ استِحاضةٌ، وإذا لم يُمكِنْ جَعلُ أحدِهما حَيضًا فالكلُّ استِحاضةٌ، ولا يَجوزُ بَدءُ الحَيضِ بالطُّهرِ ولا خَتمُه به، فلو رأت مُبتدَأةٌ دمًا يَومًا وطُهرًا يَومَين ودَمًا يَومًا فالأربَعةُ حَيضٌ؛ لأنَّ الطُّهرَ المُتخلِّلَ دونَ ثَلاثٍ، وهو لا يَفصِلُ اتِّفاقًا، كما مَرَّ، ولو رأتْ دَمًا يَومًا وطُهرًا ثَلاثةً ودَمًا يَومَينِ فالسِّتةُ حَيضٌ للاستِواءِ، ولو رَأت دَمًا ثَلاثةً وطُهرًا خَمسةً ودَمًا يَومًا فالثَّلاثةُ حَيضٌ لغَلبةِ الطُّهرِ فصارَ فاصِلًا والمُتقدِّمُ أمكَنَ جَعلُه حَيضًا.
قالَ ابنُ عابِدينَ: هذا خُلاصةُ ما في شُروحِ الهِدايةِ وغيرِها.
وقد صحَّحَ قَولَ مُحمدٍ في «المَبسوط» و «المُحيط»، وعليه الفَتوَى.
وفي «الهِداية»: الأخذُ بقَولِ أبي يُوسفَ أيسَرُ.
وكَثيرٌ من المُتأخِّرينَ أفتَوْا به؛ لأنَّه أسهَلُ على المُفتِي والمُستَفتي.
«سراج»: وهو الأَولى.
«فَتح»: وهو قَولُ أبي حَنيفةَ الآخَرَ.
«نِهاية»: وأمَّا الرِّوايةُ الثانيةُ، ففي «البَحر» قد اختارَها أَصحابُ المُتونِ، لكنْ لم تُصحَّحْ في الشُّروحِ (١).
стр. 654
وقالَ المالِكيةُ: في مَسألةِ التَّقطُّعِ هذه: بأنَّه إنْ تَقطَّعَ طُهرٌ بأنْ تَخلَّله دَمٌ وتَساوَيا -أي: تَساوَت أَيامُ الطُّهرِ وأَيامُ الحَيضِ بأنْ أَتاها الدَّمُ يَومًا وانقطَعَ يَومًا، وهكذا- أو زادَت أَيامُ الدَّمِ بأنْ أتاها الدَّمُ يَومَين وانقطَعَ يَومًا وهكذا، أو نقَصَت أَيامُ الدَّمِ عن أَيامِ الطُّهرِ بأنْ أتاها الدَّمُ يَومًا وانقطَعَ يَومَينِ، وهكذا ولم يَبلُغْ الانقِطاعُ نِصفَ شَهرٍ؛ فإنَّها تُلفِّقُ -أي: تَجمعُ أو تَضمُّ أَيامَ الدَّمِ فقط دونَ أَيامِ انقِطاعِه، أي: أَيامَ الطُّهرِ- فتُلغيها متى نقَصَت عن نِصفِ شَهرٍ فلا بدَّ في الطُّهرِ من خَمسةَ عَشرَ يَومًا مُتواليةٍ خاليةٍ من الدَّمِ لَيلًا ونَهارًا اتِّفاقًا -على تَفصيلِها المُتقدِّمِ من مُبتدأَةٍ ومُعتادةٍ وحامِلٍ- فتُلفِّقُ المُبتدأَةُ نِصفَ شَهرٍ، والمُعتادةُ عادَتَها واستِظهارَها، والحامِلُ في ثَلاثةِ أشهُرٍ النِّصفَ ونَحوَه، وفي سِتةٍ فأكثَرَ عِشرينَ ونَحوَها، ثم هي بعدَ ذلك مُستَحاضةٌ.
وتَظهرُ فائِدةُ الخِلافِ في الدَّمِ النازِلِ بعدَ تَلفيقِ أكثَرِ حَيضِها، وهو عادَتُها، أو نِصفَ شَهرٍ -خَمسةَ عَشرَ يَومًا- فعلى المَشهورِ المُعتمدِ تَكونُ مُستحاضةً -أي: طاهِرةً- والدَّمُ النازِلُ دَمُ عِلةٍ وفَسادٍ، وعلى مُقابِلِه يَكونُ حَيضًا.
فتَغتسِلُ المُلفقةُ وُجوبًا كلَّما انقطَعَ الدَّمُ عنها في أيامِ التَّلفيقِ؛ لأنَّها لا تَدري هل يُعاودُها دَمٌ أو لا، إلا أنْ تَظنَّ أنَّه يُعاودُها قبلَ انقِضاءِ وَقتِ الصَّلاةِ التي هي فيه فلا تُؤمرُ بالغُسلِ، وتَصومُ إنْ كانَت قبلَ الفَجرِ طاهِرةً،
стр. 655
وتُصلِّي وتُوطَأُ بعدَ طُهرِها فيُمكنُ أنَّها تُصلِّي وتَصومُ في جَميعِ أَيامِ الحَيضِ بأنْ كانَ يَأتيها لَيلًا ويَنقطِعُ قبلَ الفَجرِ، حتى يَغيبَ الشَّفقُ، فلا يَفوتُها شَيءٌ من الصَّلاةِ والصَّومِ، وتَدخلُ المَسجدَ وتَطوفُ الإفاضةَ إلا أنَّه يَحرمُ طَلاقُها، ويُجبَرُ على مُراجَعتِها (١).
ويَرى الشافِعيةُ أنَّه إذا انقطَعَ دَمُها فرأت يَومًا ولَيلةً دَمًا ويَومًا ولَيلةً نَقاءً، أو يَومَين ويَومَين فأكثَرَ، فلها حالَتانِ:
إحداهُما: يَنقطعُ دَمُها ولا يَتجاوزُ خَمسةَ عَشرَ.
والثانية: يُجاوزُها.
الحالةُ الأُولى: إذا لم يُجاوزْ خَمسةَ عَشرَ يَومًا ففيه قَولانِ مَشهوران:
أحدُهما: أنَّ أيامَ الدَّمِ حَيضٌ، وأيامَ النَّقاءِ طُهرٌ، ويُسمَّى هذا القَولُ (التَّلفيقَ) (٢)، أو (اللَّقطَ) فعلى هذا القَولِ: إنمَّا يُجعلُ النَّقاءُ طُهرًا في الصَّومِ والصَّلاةِ والطَّوافِ والقِراءةِ والغُسلِ والاعتِكافِ والوَطءِ ونَحوِها دونَ العِدةِ، والطَّلاقُ فيه بِدعيٌّ.
стр. 656
والثاني: وهو الأصَحُّ عندَهم أنَّ أيامَ الدَّمِ وأيامَ النَّقاءِ كلَّها حَيضٌ، ويُسمَّى هذا القَولُ (السَّحبَ) (١)، بشَرطِ أنْ يَكونَ النَّقاءُ مُحتَوشًا (مُحاطًا) بدَمَين في الخَمسةَ عَشرَ، وإلا فهو طُهرٌ بلا خِلافٍ.
وسَواءٌ كانَ التَّقطعُ يَومًا ولَيلةً دَمًا ويَومًا ولَيلةً نَقاءً، أو يَومَين ويَومَين أو خَمسةً وخَمسةً أو سِتةً وسِتةً أو سَبعةً وسَبعةً ويَومًا أو يَومًا وعَشرةً أو خَمسةً، أو يَومًا ولَيلةً دَمًا وثَلاثةَ عَشرَ نَقاءً ويَومًا ولَيلةً دَمًا أو غيرَ ذلك فالحُكمُ في الكلِّ سَواءٌ، وهو أنَّه إذا لم يُجاوِزْ خَمسةَ عَشرَ يَومًا فأَيامُ الدَّمِ حَيضٌ بلا خِلافٍ، وفي أَيامِ النَّقاءِ المُتخلِّلِ بينَ الدَّمِ القَولانِ.
قالَ النَّوويُّ: قالَ أَصحابُنا: وعلى القَولَينِ إذا رأتِ النَّقاءَ في اليَومِ الثاني عمِلَت عَملَ الطاهِراتِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّا لا نَعلمُ أنَّها ذاتُ تَلفيقٍ، لاحتِمالٍ دَوامِ الانقِطاعِ، قالوا: فيَجبُ عليها أنْ تَغتسلَ وتَصومَ وتُصليَ ولها قِراءةُ القُرآنِ ومَسُّ المُصحفِ والطَّوافُ والاعتِكافُ وللزَّوجِ وَطؤُها ولا خِلافَ في شَيءٍ من هذا، فإذا عاوَدَها الدَّمُ في اليَومِ الثالِثِ تَبيَّنَّا أنَّها مُلفقةٌ.
فإنْ قُلنا بالتَّلفيقِ تَبيَّنَّا صِحةَ الصَّومِ والصَّلاةِ والاعتِكافِ وإِباحةِ الوَطءِ وغيرِها، وإنْ قُلنا بالسَّحبِ تَبيَّنَّا بُطلانَ العِباداتِ التي فعَلَتها في اليَومِ الثاني، فيَجبُ عليها قَضاءُ الصَّومِ والاعتِكافُ والطَّوافُ المَفعولاتُ عن واجِبٍ،
стр. 657
وكذا لو كانَت صلَّت عن قَضاءٍ أو نَذرٍ، ولا يَجبُ قَضاءُ الصَّلاةِ المُؤدَّاةِ؛ لأنَّه زمَنُ حَيضٍ، ولا صَلاةَ فيه.
وإنْ كانَت صامَت نَفلًا قالَ صاحِبُ «البَيان» تَبيَّنَّا أنَّه لا ثَوابَ فيه، وفيما قالَه نَظرٌ، ويَنبَغي أنْ يُقالَ: لها ثَوابٌ على قَصدِ الطاعةِ، ولا ثَوابَ على نَفسِ الصَّومِ إذا لم يَصحَّ، ولعلَّ هذا مُرادُه.
قالَ أَصحابُنا: ونتبَيَّنُ أنَّ وَطءَ الزَّوجِ لم يَكنْ مُباحًا، لكنْ لا إثمَ للجَهلِ.
قالَ أَصحابُنا: وكلَّما عادَ النَّقاءُ في هذه الأَيامِ إلى الرابِعَ عَشرَ وجَبَ الاغتِسالُ والصَّلاةُ والصَّومُ، وحَلَّ الوَطءُ وغيرُه كما ذكَرنا في اليَومِ الثاني، فإذا لم يَعُدِ الدَّمُ فكلُّه ماضٍ على الصِّحةِ، وإنْ عادَ فحُكمُه ما ذكَرْناه في الثاني.
الحالةُ الثانيةُ: إذا جاوَزَ الدَّمُ خَمسةَ عَشرَ صارَت مُستحاضةً كغيرِها إذا جاوَزَها دَمُها تلك المُدةَ:
فإذا رَأت يَومًا ولَيلةً دَمًا ومِثلَه نَقاءً وهكذا حتى جاوَزَ خَمسةَ عَشرَ مُتقطعًا فلا خِلافَ أنَّه لا يُلتقطُ لها أَيامُ الحَيضِ من جَميعِ الشَّهرِ، وإنْ كانَ مَجموعُ المُلتقَطِ دونَ خَمسةَ عَشرَ، ولكنَّها مُستحاضةٌ اختلَطَ حَيضُها بالاستِحاضةِ، وهي ذاتُ تَقطُّعٍ، فإذا صارَت مُستحاضةً فالفَرقُ بينَ حَيضِها واستِحاضتِها بالرُّجوعِ إلى العادةِ أو التَّميُّزِ كغيرِ ذاتِ التَّلفيقِ (١).
стр. 658
ويَرى الحَنابِلةُ في مَسألةِ التَّقطُّعِ هذه -وهي الطُّهرُ بينَ الدَّمَينِ- أنَّ المَرأةَ مَتى رأتِ الطُّهرَ بينَ الدَّمَينِ فهي طاهِرةٌ، تَغتسلُ وتَلزمُها الصَّلاةُ والصَّومُ، ولم يُفرِّقوا بينَ قَليلِ الطُّهرِ وكَثيرِه؛ لقَولِ ابنِ عَباسٍ: «ما رأتِ الطُّهرَ ساعةً فلتَغتسِلْ» (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَتوجَّهُ أنَّ انقِطاعَ الدَّمِ متى نقَصَ عن اليَومِ، فليسَ بطُهرٍ، بِناءً على الرِّوايةِ التى حَكَيناها في النِّفاسِ، وهي أنَّ النُّفَساءَ إذا رأتِ النَّقاءَ دونَ يَومٍ لا تَثبُتُ لها أَحكامُ الطاهِراتِ فيَتخرَّجُ ههنا مِثلُه، وهو الصَّحيحُ إنْ شاءَ اللهُ؛ لأنَّ الدَّمَ يَجري مَرةً ويَنقطِعُ أُخرى، وفي إِيجابِ الغُسلِ على مَنْ تَطهُرُ ساعةً حَرجٌ يَنتَفي بقَولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ولأنَّنا لو جعَلنا انقِطاعَ الدَّمِ ساعةً طُهرًا ولا تَلتفِتُ إلى ما بعدَه من الدَّمِ أفضَى إلى ألَّا يَستقرَّ لها حَيضٌ، فعلى هذا لا يَكونُ انقِطاعُ الدَّمِ أقَلَّ من يَومٍ طُهرًا إلا أنْ تَرى ما يَدلُّ عليه مِثلَ أنْ يَكونَ انقِطاعُه في آخِرِ عادَتِها أو تَرى القَصةَ البَيضاءَ ثم انقطَعَ الدَّمُ لخَمسةَ عَشرَ فما دونَ، فجَميعُه حَيضٌ تَغتسِلُ عُقَيبَ كلِّ يَومٍ وتُصلِّي في الطُّهرِ.
стр. 659
وإنْ عبَرَ دَمُها -أي: جاوَزَ- خَمسةَ عَشرَ يَومًا فهي مُستحاضةٌ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما ذلك عِرقٌ وليسَ بحَيضةٍ»، ولأنَّ الدَّمَ كلَّه لا يَصلحُ أنْ يَكونَ حَيضًا.
وإنْ رَأت ثَلاثةَ أَيامٍ دَمًا ثم طهُرَت اثنَيْ عَشرَ يَومًا، ثم رأتْه ثَلاثةً دَمًا، فالأولُ حَيضٌ؛ لأنَّها رَأته في زَمانِ إمكانِه، والثاني استِحاضةٌ؛ لأنَّه لا يُمكنُ أنْ يَكونَ ابتِداءَ حَيضٍ لكَونِه لم يَتقدَّمْه أقَلُّ الطُّهرِ ولا من الحَيضِ الأولِ؛ لأنَّه يَخرجُ عن الخَمسةَ عَشرَ، والحَيضةُ الواحِدةُ لا يَكونُ بينَ طَرفَيها أكثَرُ من خَمسةَ عَشرَ يَومًا.
فإنْ كانَ بينَ الدَّمَين ثَلاثةَ عَشرَ يَومًا فأكثَرُ وتكرَّرَ، فهُما حَيضَتان؛ لأنَّه أمكَنَ جَعلُ كلِّ واحِدةٍ منهما حَيضةً مُنفردةً؛ لفَصلِ أقَلِّ الطُّهرِ بينَهما، وإنْ أمكَنَ جَعلُها حَيضةً واحِدةً بألَّا يَكونَ بينَ طَرفَيها أكثَرُ من خَمسةَ عَشرَ يَومًا مِثلَ أنْ تَرى يَومَين دَمًا وتَطهُرَ عَشرةً، وتَرى ثَلاثةً دَمًا وتكرَّرَ فهما حَيضةٌ واحِدةٌ؛ لأنَّه لم يَخرجْ زَمنُها عن مُدةِ أكثَرِ الحَيضِ (١).
وقالَ في «مَطالِب أُولي النُّهى»: إنَّ الطُّهرَ في أَثناءِ الحَيضةِ صَحيحٌ تَغتسِلُ فيه، وتُصلِّي، ونَحوَه، أي: تَصومُ وتَطوفُ وتَقرأُ القُرآنَ، ولا يُكرهُ فيه الوَطءُ؛ لأنَّه طُهرٌ حَقيقةً.
стр. 660
وقالَ في «الإنصاف»: حُكمُها حُكمُ الطاهِراتِ في جَميعِ أَحكامِها على الصَّحيحِ من المَذهبِ (١).
وجُملةُ هذه المَسألةِ أنَّ أبا حَنيفةَ والشافِعيَّ في المَشهورِ عنه يَقولان: إنَّ الطُّهرَ بينَ الدَّمَين حَيضٌ.
وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ والشافِعيُّ في قَولٍ والإمامُ أحمدُ إلى أنَّ النَّقاءَ المُتخلِّلَ بينَ الدَّمَين طُهرٌ فتَغتسِلُ وتُصلِّي وتَصومُ وتَطوفُ وتَقرأُ القُرآنَ إلى غيرِ ذلك على التَّفصيلِ المَذكورِ (٢).
هل الحامِلُ تَحيضُ أو لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في الدَّمِ الذي يَنزلُ من الحامِلِ: هل هو دَمُ حَيضٍ أو دَمُ عِلةٍ وفَسادٍ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الدَّمَ النازِلَ من الحامِلِ دَمُ عِلةٍ وفَسادٍ، وليسَ بحَيضٍ، واستدَلُّوا على ذلك بحَديثِ أبي سَعيدٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ في سَبيِ أَوطاسٍ: «لا تُوطأُ حامِلٌ حتى تَضعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَملٍ حتى تَحيضَ حَيضةً» (٣). فجعَلَ وُجودَ الحَيضِ عَلمًا على بَراءةِ الرَّحمِ، فدَلَّ ذلك على أنَّه لا يَجتمعُ معه.
стр. 661
وبحَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّه طلَّقَ امرأتَه وهي حائِضٌ فذكَرَ ذلك عُمرُ للنَّبيِّ ﷺ فقالَ: «مُرْه فليُراجِعْها ثم ليُطلِّقْها طاهِرًا أو حامِلًا» (١).
قالوا: فجعَلَ الحَملَ عَلمًا على عَدمِ الحَيضِ كما جعَلَ الطُّهرَ عَلمًا عليه.
قالوا: ولأنَّ الحَيضَ اسمٌ للدَّمِ الخارِجِ من الرَّحمِ، ودَمُ الحامِلِ لا يُخرجُ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أجرى العادةَ أنَّ المَرأةَ إذا حبَلَت يَنسدُّ فَمُ الرَّحمِ، فلا يَخرجُ منه شَيءٌ فلا يكَونُ حَيضًا، فعلى هذا لا تَتركُ الحامِلُ الصَّلاةَ لمَا تَراه من الدَّمِ؛ لأنَّه دَمُ فَسادٍ لا حَيضٍ، وكذا الصَّومُ والاعتِكافُ والطَّوافُ ونَحوُها، ولا يُمنعُ زَوجُها من وَطئِها؛ لأنَّها ليسَت حائِضًا.
وقالَ الحَنابِلةُ: إلا أنَّ ما تَراه الحامِلُ قبلَ الوِلادةِ بيَومٍ أو يَومَينِ أو ثَلاثةٍ هو دَمُ نِفاسٍ.
وقالوا أيضًا: ويُستحبُّ للحامِلِ أنْ تَغتسلَ عندَ انقِطاعِ الدَّمِ عنها احتياطًا، وخُروجًا من الخِلافِ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإِسلامِ إلى أنَّ دَمَ الحامِلِ حَيضٌ إذا توافَرَت شُروطُه.
стр. 662
قالَ الشِّيرازيُّ: لأنَّه دَمٌ لا يَمنعُه الرَّضاعُ فلا يَمنعُه الحَملُ كالنِّفاسِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: مَعناه أنَّ المُرضعَ لا تَحيضُ غالِبًا، وكذا الحامِلُ، فلو اتَّفقَ رُؤيةُ الدَّمِ في حالِ الرَّضاعِ كان حَيضًا بالاتِّفاقِ، فكذا في حالِ الحَملِ فهما سَواءٌ في النُّدورِ، فيَنبَغي أنْ يَكونا سَواءً في الحُكمِ بأنَّهما حَيضٌ.
وأمَّا قَولُه: كالنِّفاسِ فمُرادُه إذا ولَدَت وَلدَين بينَهما سِتةُ أشهُرٍ ورأتِ الدَّمَ بينَهما، وقُلنا: إنَّه نِفاسٌ، فهذه حامِلٌ ومُرضعٌ ودَمُها نِفاسٌ، ومَعناه أنَّ النِّفاسَ لا يَمنعُه الرَّضاعُ والحَملُ، والحَيضُ لا يَمنعُه الرَّضاعُ فيَنبَغي ألَّا يَمنعَه الحَملُ في النِّفاسِ (١).
واحتَجَّ المالِكيةُ على ذلك بما في «المُوطَّأ» عن مالِكٍ أنَّه بلَغَه أنَّ عائِشةَ زَوجَ النَّبيِّ ﷺ قالَت في المَرأةِ الحامِلِ تَرى الدَّمَ أنَّها تَدعُ الصَّلاةَ (٢).
قالَ القَرافيُّ: فكانَ إِجماعًا، وإِجماعُ أهلِ المَدينةِ عليه، وكما جازَ النِّفاسُ في الحَملِ إذا تَأخرَ أحدُ الوَلدَينِ فكذلك الحَيضُ، ولقَولِ عائِشةَ ﵂ لمَّا راقَها وَجهُ رَسولِ اللهِ ﷺ لو رآكَ الشاعِرُ (٣) ما قالَ شِعرَه إلا فيكَ.
стр. 663
وإذا نَظَرتَ إلى أسِرةِ وَجهِه برَقَت كبَرقِ العارِضِ المُتهلِّلِ
ومُبرإٍ من كل غُبَّرِ حَيضةٍ وفَسادِ مُرضِعةٍ وداءٍ مُغيَلِ
مَعناه أنَّها حمَلَت به وهي طاهِرةٌ ليسَت بها بَقيةُ حَيضٍ ووضَعَته ولا داءَ به استَصحَبَه من بَطنِها ولم تُرضِعْه أُمُّه غَيلًا، والشاهِدُ أنَّ الحَملَ به لم يَكنْ حالَ حَيضٍ، ولم يُنكِرْ عليها؛ لأنَّ الحَيضَ إذا جرَى على الوَلدِ في الرَّحمِ أكسَبَه بسَوادِه غَبرةً في جِلدِه فيَكونُ أقتَمَ عَديمَ الوَضاءةِ، فدَلَّ ذلك على أنَّه أمرٌ مُتعارَفٌ عندَهم.
وأمَّا دِلالتُه على البَراءةِ فهي على سَبيلِ الغالِبِ، وحَيضُ الحامِلِ هو القَليلُ والنادِرُ فلا يُناقِضُ دِلالةَ الغالِبِ (١).
طَهارةُ الحائِضِ والجُنبِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على طَهارةِ جَسدِ الحائِضِ، وعَرقِها وسُؤرِها، وجَوازِ أكلِ طَبخِها وعَجنِها، وما مَسَّته من المائِعاتِ، والأكلِ معها ومُساكَنتِها، من غيرِ كَراهةٍ لمَا رُويَ أنَّ اليَهودَ كانوا إذا حاضَتِ المَرأةُ فيهم لم يُؤاكِلوها، ولم يُجامِعوها في البَيتِ، فسألَ أَصحابُ النَّبيِّ ﷺ عن ذلك، فأنزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآيةَ فقالَ ﷺ : «اصنَعوا كلَّ شَيءٍ إلا النِّكاحَ»، فبلَغَ ذلك اليَهودَ، فقالوا: ما يُريدُ هذا الرَّجلُ أنْ
стр. 664
يَدعَ من أمرِنا شَيئًا إلا خالَفَنا فيه، فجاءَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ وعَبادُ بنُ بِشرٍ فقالا: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ اليَهودَ تَقولُ كذا وكذا، فلا نُجامِعهُنَّ، فتَغيَّرَ وَجهُ رَسولِ اللهِ (١).
ولمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لعائِشةَ: «ناوِليني الخُمرةَ من المَسجدِ، قالَت: فقُلتُ: إنِّي حائِضٌ، فقالَ: إنَّ حَيضَتَك ليسَت في يَدكِ» (٢).
وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «يَشربُ من سُؤرِ عائِشةَ ﵂ وهي حائِضٌ ويَضعُ فاهُ على مَوضعِ فيها» (٣)، وكانَت تَغسلُ رأسَ رَسولِ اللهِ ﷺ وهي حائِضٌ (٤).
وقد نقَلَ ابنُ المُنذرِ وابنُ جَريرٍ والنَّوويُّ وابنُ قُدامةَ والشَّوكانِيُّ وغيرُهم الإِجماعَ على ذلك (٥).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ عَرقَ الجُنبِ طاهِرٌ، وكذلك الحائِضُ (٦).
وقالَ أيضًا: أجمَعَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ على أنَّ عَرقَ الجُنبِ طاهِرٌ فممَّن ثبَتَ عنه من أَصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: عَرقُ الجُنبِ طاهِرٌ
стр. 665
ابنُ عُمرَ وابنُ عَباسٍ وعائِشةٌ، وبه قالَ عَطاءٌ وابنُ جُبيرٍ والشَّعبيُّ والحَسنُ.
وكانَت عائِشةُ والحَسنُ وغيرُهما يَقولونَ: عَرقُ الحائِضِ كذلك طاهِرٌ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ على أنَّ عرَقَ الجُنبِ طاهِرٌ، ثبَتَ ذلك عن ابنِ عُمرَ وابنِ عَباسٍ وعائِشةَ ﵃ وغيرِهم من الفُقهاءِ.
وقالَت عائِشةُ: عَرقُ الحائِضِ طاهِرٌ وكلُّ ذلك قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأَصحابِ الرأيِ.
ولا يُحفظُ عن غيرِهم خِلافُهم، وقد رَوى أبو هُريرةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لقيَه في بعضِ طُرقِ المَدينةِ وهو جُنبٌ قالَ: فانخَنَست منه فاغتَسَلت ثم جِئتُ، فقالَ: «أينَ كُنْتَ يا أبا هُريرةَ؟»، قالَ: يا رَسولَ اللهِ كُنْتُ جُنبًا فكرِهتُ أنْ أُجالسَك وأنا على غيرِ طَهارةٍ، فقالَ: «سُبحانَ اللهِ، إنَّ المُؤمنَ لا يَنجُسُ» مُتَّفقٌ عليه.
ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدَّمَ إليه بعضُ نِسائِه قَصعةً ليَتوضَّأَ منها، فقالَت امرأةٌ: إنِّي غمَستُ يَدي فيها وأنا جُنبٌ، فقالَ: «الماءُ لا يُجنِبُ»، وقالَ لعائِشةَ: «ناوِليني الخَرمةَ من المَسجدِ، فقالَت: إنِّي حائِضٌ، قالَ: إنَّ حَيضَتَك ليسَت في يَدِك»، وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَشربُ من سُؤرِ عائِشةَ وهي حائِضٌ ويَضعُ فاهُ على مَوضعِ فيها وتَتعرَّقُ العَرقَ وهي حائِضٌ
стр. 666
فيَأخذُه النَّبيُّ ﷺ ويَضعُ فاهُ على مَوضعِ فيها، وكانَت تَغسلُ رأسَ رَسولِ اللهِ ﷺ وهي حائِضٌ (١).
صَلاةُ الحائِضِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على عَدمِ صِحةِ الصَّلاةِ من الحائِضِ، إذِ الحَيضُ مانِعٌ لصِحتِها، كما أنَّه يَمنعُ وُجوبَها.
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على إسقاطِ فَرضِ الصَّلاةِ عنها في أيامِ حَيضِها؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ لفاطِمةَ بِنتِ أبي حُبَيشٍ: «إذا أقبَلَت الحَيضةُ فدَعي الصَّلاةَ» (٢).
وقالَ أيضًا: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحائِضَ لا صَلاةَ عليها في أيامِ حَيضِها فيَجبُ عليها القَضاءُ بعدَ أنْ تَطهُرَ (٣).
وقالَ الإمامُ النَّوريُّ ﵀: هذا نَهيٌ لها عن الصَّلاةِ في زَمنِ الحَيضِ، وهو نَهيُ تَحريمٍ، ويَقتَضي فَسادَ الصَّلاةِ هنا بإِجماعِ المُسلِمينَ، وسَواءٌ في هذا الصَّلواتُ المَفروضةُ والنافِلةُ؛ لظاهِرِ الحَديثِ.
وكذلك يَحرمُ عليها الطَّوافُ وصَلاةُ الجِنازةِ وسُجودُ التِّلاوةِ وسُجودُ الشُّكرِ. وكلُّ هذا مُتَّفقٌ عليه.
стр. 667
وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّها ليسَت مُكلفةً بالصَّلاةِ، وعلى أنَّه لا قَضاءَ عليها، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ الحَنبليُّ ﵀: وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الحائِضَ لا يَجوزُ لها الصَّلاةُ في حالِ حَيضِها، فَرضًا ولا نَفلًا (٢).
وقد نقَلَ الإِجماعَ على ذلك أيضًا ابنُ عبدِ البَرِّ، وابنُ هُبيرةَ وغيرُهما (٣).
وقد صرَّحَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ بأنَّ سُجودَ التِّلاوةِ وسُجودَ الشُّكرِ في مَعنى الصَّلاةِ فيَحرُمانِ على الحائِضِ، بل لقد قالَ الإمامُ النَّوويُّ: وهذا مُتَّفقٌ عليه (٤).
كما اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ قَضاءَ ما فاتَ الحائِضَ في أيامِ حَيضِها ليسَ بواجِبٍ لما رَوَت مُعاذةُ: قالَت سألتُ عائِشةَ: «ما بالُ الحائِضِ تَقضي الصَّومَ ولا تَقضي الصَّلاةَ؟ فقالَت: أحَروريةٌ أنتِ؟ قُلتُ: لست بحَروريةٍ ولكني أسألُ، قالَت: كانَ يُصيبُنا ذلك فنُؤمَرُ بقَضاءِ الصَّومِ ولا نُؤمرُ بقَضاءِ الصَّلاةِ» (٥).
стр. 668
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّها ليسَت مُكلَّفةً بالصَّلاةِ وعلى أنَّه لا قَضاءَ عليها، واللهُ أعلَمُ (١).
إلا أنَّهم اختَلَفوا في حُكمِ قَضائِها للصَّلاةِ إذا أرادَت قَضاءَها.
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه خِلافُ الأَولى، قالَ ابنُ نَجيمٍ: وهل يُكرهُ لها قَضاءُ الصَّلاةِ؟ لم أرَه صَريحًا، ويَنبَغي أنْ يَكونَ خِلافَ الأَولى كما لا يَخفَى.
قالَ ابنُ عابِدينَ -نَقلًا عن «النَّهر» -: يَدلُّ عليه قَولُهم: لو غسَلَ رأسَه بَدلَ المَسحِ كُرهَ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّها لا يُندبُ لها أنْ تَقضيَها، بل يُكرهُ لها ذلك.
قالَ الدُّسوقيُّ: ولا تَقضي الصَّلاةَ لا وُجوبًا ولا نَدبًا؛ لأنَّها إنْ كانَت طاهِرةً فقد صلَّتْها، وإنْ كانَت حائِضًا لم تُخاطَبْ بها (٣).
أمَّا الشافِعيةُ فقد قالَ الجَملُ في حاشيَتِه: يُكرهُ قَضاؤُها وتَنعقدُ نَفلًا لا ثَوابَ فيه؛ لأنَّها مَنهيةٌ عن الصَّلاةِ لذاتِ الصَّلاةِ، والمَنهيُّ عنه لذاتِه لا ثَوابَ فيه … وقالَ البَيضاويُّ بحُرمتِها، وعلى كلٍّ لا تَنعقدُ لو فعَلَتها؛ لأنَّ العِبادةَ إذا لم تُطلَبْ لم تَنعقدْ، وبه قالَ شَيخُنا كالخَطيبِ وغيرِه وخالَفَ شَيخُنا الرَّمليُّ: فقالَ بصِحتِها وانعِقادِها على قَولِ الكَراهةِ المُعتمدِ (٤).
стр. 669
أمَّا الحَنابِلةُ فقيلَ للإمامِ أحمدَ في رِوايةِ الأثرمِ: فإنْ أحبَّتْ أنْ تَقضيَها؟ قالَ: لا، هذا خِلافُ السُّنةِ.
قالَ ابنُ مُفلحٍ في «الفُروعِ»: فظاهِرُ النَّهيِ التَّحريمُ، ويَتوجَّهُ احتِمالُ أنَّه يُكرهُ لكنَّه بِدعةٌ، ولعلَّ المُرادَ إلا رَكعتَيِ الطَّوافِ؛ لأنَّها نُسكٌ لا آخِرَ لوَقتِه (١).
إدراكُ وَقتِ الصَّلاةِ:
الحائِضُ إمَّا أنْ تُدركَ أولَ وَقتِ الصَّلاةِ بأنْ تَكونَ طاهِرًا ثم يَطرأُ الحَيضُ عليها أو تُدركَ آخرَ الوَقتِ بأنْ تَكونَ حائِضًا ثم تَطهُرَ.
أ- إِدراكُ أولِ الوَقتِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا أدرَكَت الحائِضُ أولَ الوَقتِ بأنْ كانَت طاهِرةً ثم حاضَت هل تَجبُ عليها تلك الصَّلاةُ أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إنْ طرَأَ الحَيضُ في أثناءِ الوَقتِ سقَطَت تلك الصَّلاةُ، ولو بعدَما افتتَحَت الفَرضَ؛ لأنَّ العِبرةَ عندَهم بآخِرِ الوَقتِ.
أمَّا لو طرَأَ الحَيضُ وهي في التَّطوُّعِ؛ فإنَّه يَلزمُها قَضاءُ تلك الصَّلاةِ.
قالَ ابنُ الهُمامِ: ومَتى طرَأَ الحَيضُ في أثناءِ الوَقتِ سقَطَت تلك الصَّلاةُ ولو بعدَما افتتَحَت الفَرضَ، بخِلافِ ما لو طرَأَ وهي في التَّطوعِ حيثُ يَلزمُها تلك الصَّلاةُ، هذا مَذهبُ عُلمائِنا (٢).
стр. 670
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه إنْ حدَثَ الحَيضُ في وَقتٍ مُشتركٍ بينَ الصَّلاتَين (١) سقَطَت الصَّلاتان، وإنْ حدَثَ في وَقتٍ مُختصٍّ بأحدِهما سقَطَت المُختصةُ بالوَقتِ، وقُضيَت الأُخرى.
فمَثلًا: إنَّ أولَ الزَّوالِ مُختصٌّ بالظُّهرِ إلى أربَعِ رَكعاتٍ في الحَضرِ ورَكعتَينِ في السَّفرِ، ثم تَشتركُ الصَّلاتانِ إلى أنْ تَختصَّ العَصرُ بأربَعٍ قبلَ الغُروبِ في الحَضرِ، ورَكعتَينِ في السَّفرِ.
فلو حاضَت المَرأةُ في وَقتِ الاشتِراكِ سقَطَت الظُّهرُ والعَصرُ ولو حاضَت في وَقتِ الاختِصاصِ بالعَصرِ وكانَت لم تُصلِّ الظُّهرَ ولا العَصرَ سقَطَ عنها قَضاءُ العَصرِ وَحدَها ويَجبُ عليها قَضاءُ الظُّهرِ.
ولو حاضَت في وَقتِ الاختِصاصِ بالظُّهرِ سقَطَت -أي: لم يَجبْ عليها قَضاؤُه- وإنْ تَمادى الحَيضُ إلى وَقتِ الاشتِراكِ سقَطَت العَصرُ؛ فإنِ ارتفَعَ قبلَه وجَبَت ومِثلُ ذلك في المَغربِ والعِشاءِ (٢).
ومَعنى ذلك أنَّ الإمامَ مالِكًا يَرى أنَّه إذا أدرَكَت الحائِضُ أولَ الوَقتِ وكانَت طاهِرةً ثم حاضَت أنَّ القَضاءَ ساقِطٌ عنها (٣)، كقَولِ أبي حَنيفةَ.