← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

٣ - تَوكيلُ المَحجورِ عليه لِفَلَسٍ: قالَ العمرانيُّ الشَّافِعيُّ ﵀: وأمَّا المَحجورُ عليه لِلفَلَسِ: فلا يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ غيرَه في بَيعِ أعيانِ مالِه، ويَجوزُ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَشتَري له بثَمَنٍ في ذِمَّتِه؛ لأنَّه يَملِكُ ذلك بنَفْسِه، فملَك التَّوكيلَ فيه (١). وقالَ النَّوَويُّ ﵀: وأمَّا المَحجورُ عليه لِفَلَسٍ فيَجوزُ تَوكيلُه فيما يَستَقِلُّ به مِنْ التَّصرُّفاتِ، ولا يَجوزُ فيما لا يَستَقِلُّ به إلَّا بعدَ إذْنِ الغَريمِ (٢). ٤ - تَوكيلُ المَرأةِ غيرَها في النِّكاحِ: يُشترَطُ في المُوكِّلِ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ -كما تَقدَّم- أنْ يَملِكَ فِعلَ ما يُوكَّلُ فيه بنَفْسِهِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ تَفويضٌ فيما يَملِكُه في التَصرُّفِ إلى غيرِه، فما لا يَملِكُه بنَفْسِه لا يَصحُّ له أنْ يُوكِّلَ فيه غيرَه، وعليه فقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَزويجِ المَرأةِ نَفْسَها، فمَن قالَ: «يَجوزُ لها أنْ تُزوِّجَ نَفْسَها» -كالإمامِ أبي حَنيفةَ وزُفَرَ والحَسَنِ، وهو ظاهِرُ الرِّوايةِ عن أبي يُوسفَ- قالوا: يَجوزُ لها أنْ تُوكِّلَ غيرَها في تَزويجِها؛ لأنَّه يَجوزُ لِلمَرأةِ أنْ تُباشِرَ عَقدَ الزَّواجِ، سَواءٌ زوَّجتْ نَفْسَها، أو زوَّجتْ غيرَها، فلَها أنْ تُوكِّلَ مَنْ يُزوِّجُها؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ المُوكِّلِ أنْ يَكونَ ممَّن يَملِكُ فِعلَ ما وكَّل به بنَفْسِه وهي تَملِكُه (٣).

стр. 6057

قالَ المَوصِلِيُّ الحَنَفيُّ ﵀: وعِبارةُ النِّساءِ مُعتبَرةٌ في النِّكاحِ، حتى لو زوَّجتِ الحُرَّةُ العاقِلةُ البالِغةُ نَفْسَها جازَ، وكَذلك لو زوَّجتْ غيرَها بالوِلايةِ أو الوَكالةِ؛ وكذا إذا وكَّلتْ غيرَها في تَزويجِها، أو زوَّجها غيرُها فأجازَتْ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وزُفَرَ والحَسَنِ، وهو ظاهِرُ الرِّوايةِ عندَ أبي يُوسفَ. وقالَ مُحمَّدٌ: لا يَجوزُ إلَّا بإجازةِ الوَليِّ، فإنْ ماتَا قبلَها لا يَتوارَثانِ، ولا يَقَعُ طَلاقُه، ولا ظِهارُه، ووَطؤُه حَرامٌ، فإنِ امتَنَعَ الوَليُّ مِنْ الإجازةِ ذكَر الطَّحاويُّ عن مُحمَّدٍ: يُجَدِّدُ القاضي العَقدَ بينَهما. وذكَر هِشامٌ عن مُحمَّدٍ: فَإنْ لَم يُجِزْه الوَليُّ أُجيزُه أنا، وكانَ يَومَئِذٍ قاضيًا، فصارَ عنه رِوايَتانِ. ورُوِيَ عنه أنَّه رجَع إلى قَولِ أبي حَنيفةَ قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أيَّامٍ. وحَكَى الفَقيهُ أبو جَعفَرٍ الهِندُوانيُّ أنَّ امرَأةً جاءَتْ إلى مُحمَّدٍ قبلَ مَوتِه بثَلاثةِ أيَّامٍ، وقالَتْ: إنَّ لي وَليًّا وهو لا يُزوِّجُني إلَّا بعدَ أنْ يَأخُذَ مِنِّي مالًا كَثيرًا، فقالَ لها مُحمَّدٌ: اذهَبي فزوِّجي نَفْسَكِ، وهذا يُؤيِّدُ ما رُوِيَ مِنْ رُجوعِه. وعَن أبي يُوسفَ في غيرِ رِوايةِ الأُصولِ مِثلُ قَولِ مُحمَّدٍ الأوَل. وفي رِوايةٍ: إنْ زوَّجتْ نَفْسَها مِنْ كُفْءٍ لا يَتوقَّفُ، وإنْ كانَ مِنْ غيرِ كُفْءٍ يَتوقَّفُ على إجازةِ الوَليِّ (١). وَمَنْ قالَ: «لا يَجوزُ لِلمَرأةِ أنْ تُزوِّجَ نَفْسَها» -وهُم الجُمهورُ، المالِكيَّةُ على خِلافٍ عندَهم، والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ، وأبو يُوسفَ في

стр. 6058

رِوايةٍ ومُحمَّدٌ على اختِلافٍ في النَّقلِ عَنهم، كما سَيَأتي مُفَصَّلًا في النِّكاحِ- قالوا: لا يَجوزُ لها أنْ تُوكِّلَ غيرَها؛ لأنَّها لا تَملِكُ تَزويجَ نَفْسِها (١). قالَ المالِكيَّةُ: إذا وكَّلتِ الدَّنيئةُ كالمُعتَقةِ والمَسْلَمانيَّةِ والمِسكينةِ أجنَبيًّا في بَلَدٍ ليسَ فيه سُلطانٌ، أو فيه لكنْ يَعسُرُ وُصولُها إليه، ولا وَليَّ لها، جازَ. قالَ ابنُ يُونُسَ ﵀: قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: وإذا وكَّلتِ المَرأةُ الدَّنيَّةُ مثلَ المُعتَقةِ والمَسْلَمانيَّةِ والسَّوداءِ والمِسكينةِ أجنَبيًّا، فزوَّجها وهي ببَلَدٍ لا سُلطانَ فيه، أو فيه سُلطانٌ يَعسُرُ عليها تَناوُله، ولا وَليَّ لها، جازَ ذلك. وفي رِوايةِ أشهَبَ عن مالِكٍ ﵀: أنَّ الدَّنِيَّةَ وغيرَها سَواءٌ، ولا يُزوِّجُها إلَّا وَليٌّ أو سُلطانٌ. قالَ الشَّيخُ ﵀: فوَجهُ الأوَل: أنَّه لمَّا لَم يَكُنْ لها وَليٌّ، وكانَ مُتَناوَلُ السُّلطانِ بَعيدًا، صارَ ذلك ضَرورةً أباحَتْ تَزويجَ الأجنَبيِّ إيَّاها؛ لأنَّه وَليٌّ عامٌّ، لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وَوَجهُ الثَّانيةِ: أنَّ الوَليَّ العامَّ لا يُزوِّجُ مَع حُضورِ الخاصِّ، أصْلُه في غيرِ الدَّنِيَّةِ.

стр. 6059

وَمِنْ «المُدوَّنةُ»: قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: وكَذلك إنْ وَلَّتْ مَنْ أسلَمَتْ هي على يَدَيْه؛ فإنَّه يَجوزُ إنكاحُه إيَّاها، وأمَّا مَنْ أَسلَمَ على يَدَيْه أبَوها وتَقادَمَ ذلك حتى يَكونَ لها مِنْ القَدْرِ والغَناءِ والإباءِ في الإسلامِ ما يَجعَلُ النَّاسَ يَتنافَسُونَ فيها، فلا يُزوِّجُها، وهو كالأجنَبيِّ فيها. قيلَ لِمالِكٍ ﵀: فرِجالٌ مِنْ المَوالي يَأخُذونَ صِبيانًا مِنْ العَرَبِ تُصيبُهم السَّنَةُ فيَكفُلونَهم ويُرَبُّونَهم، حتى يَكبَروا، وتَكونَ فيهمُ الجَاريةُ، ويُريدَ أنْ يُزوِّجَها؟ فَقالَ: ذلك جائِزٌ، ومَن أنظَرُ لها مِنه. قالَ الشَّيخُ ﵀: يُريدُ إذا بلَغتْ وأذِنَتْ، وهذا إذا لَم يَكُنْ لها أبٌ، وأمَّا إنْ كانَ لها أبٌ فلا يَنكِحُها بغيرِ رِضَا أبيها إلَّا أنْ يَجعَلَ الأبُ ذلك بيَدِه، ونَحوُه في كِتابِ مُحمَّدٍ. وَمِنْ المُدوَّنةِ: قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: وأمَّا كلُّ امرَأةٍ لها بالٌ وغَنَاءٌ وقَدْرٌ؛ فإنَّ تلك لا يُزوِّجُها إلَّا وَليُّها، أوِ السُّلطانُ. قيلَ لِمالِكٍ ﵀: فلَو أنَّ امرَأةً لها قَدْرٌ تَزوَّجتْ بغيرِ أمْرٍ وَليٍّ، فوَّضتْ أمرَها إلى رَجُلٍ، فرَضيَ الوَليُّ بعدَ ذلك، أيَثْبتُ النِّكاحُ؟ فَوقَف فيه. وقالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: إذا أجازَه الوَليُّ بالقُربِ جازَ، وسَواءٌ دخَل الزَّوجُ أو لا، وإنْ أرادَ فَسْخَه بحِدثانِ الدُّخولِ، كانَ ذلك له، وفسَخه، فأمَّا

стр. 6060

إنْ طالَتْ إقامَتُها مَعه، ووَلَدَتِ الأولادَ، أمضَيتُه إنْ كانَ ذلك صَوابًا ولَم يُفسَخْ، وقالَه مالِكٌ وغيرُ واحِدٍ مِنْ الرُّواةِ. قالَ سَحنونٌ ﵀: وقالَ غيرُه: لا يَجوزُ، وإنْ أجازَه الوَليُّ؛ لأنَّه عقَده غيرُ الوَليِّ (١). قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: ولا يَجوزُ لِلمَرأةِ أنْ تُباشِرَ عَقدَ نِكاحِها بنَفْسِها دونَ وَليِّها، ولا أنْ تَعقِدَ نِكاحَ غيرِها، وممَّن قالَ هذا مالِكٌ، والشَّافِعيُّ، وسُفيانُ، والثَّوريُّ، وابنُ أبي لَيلَى، وابنُ شُبرُمةَ، وابنُ المُبارَكِ، وعُبَيدُ اللَّهِ بنُ الحَسَنِ، وأحمَدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَورٍ، وأبو عُبَيدٍ، والطَّبرَيُّ، ورُويَ ذلك عن عُمرَ، وعَلِيٍّ، وابنِ مَسعودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأبي هُرَيرةَ، وهو قَولُ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ، والحَسَنِ، وعُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ، وجابِرِ بنِ زَيدٍ أبي الشَّعثاءِ، وخالَفَ هَؤُلاءِ أهلُ الرَّأْيِ مِنْ الكُوفِيِّينَ، وطائِفةٌ مِنْ التابِعينَ (٢). ٥ - تَوكيلُ الفاسِقِ غيرَه في النِّكاحِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الفاسِقِ، هَلْ يَصحُّ مِنه أنْ يُوكِّلَ في تَزويجِ ابنَتِه أو لا؟ وبِناءً عليه هَلْ يَصحُّ مِنه أنْ يَكونَ وَليًّا لِابنَتِه أو لا؟ فَذهَب الشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ تَوكيلُ الفاسِقِ في تَزويجِ ابنَتِه أو أُختِه؛ لأنَّه لا يَملِكُ نِكاحَها بنَفْسِهِ؛ لأنَّه

стр. 6061

ليسَ بوَليٍّ لها، فلا يُوَكَّلُ، كما أنَّ المُحرِمَ لا يَجوزُ أنْ يَعقِدَ نِكاحَه، فلا يُوكِّلُ مَنْ يَعقِدُ نِكاحَه في حالةِ الإحرامِ (١). ٦ - تَوكيلُ المُرتَدِّ غيرَه: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَوكيلِ المُرتَدِّ غيرَه، هَلْ يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه أو لا يَجوزُ؟ فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ والشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ تَوكيلَ المُرتَدِّ مَوقوفٌ حتى عَودَتِه إلى الإسلامِ؛ فَإنْ عادَ إلى الإسلامِ نَفَذَ تَوكيلُه، وإنْ ماتَ أو قُتِلَ أو لَحِقَ بدارِ الحَربِ مُرتَدًّا بطَل تَوكيلُه، كما يَقولُ الحَنفيَّةُ. وذهَب الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ والشَّافِعيَّةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ تَوكيلَ المُرتَدِّ غيرَه نافِذٌ؛ لأنَّ تَصرُّفَه نافِذٌ؛ لِثُبوتِ أملاكِه. وأمَّا المُرتَدَّةُ فيَجوزُ تَوكيلُها باتِّفاقِ الحَنفيَّةِ، قالَ الكاسانيُّ: وأمَّا التَّوكيلُ مِنْ المُرتَدِّ فمَوقوفٌ، إنْ أسلَمَ يَنفُذُ، وإنْ قُتِلَ أو ماتَ على الرِّدَّةِ أو لَحِقَ بدارِ الحَربِ يَبطُلُ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ هو نافِذٌ، بِناءً على أنَّ

стр. 6062

تَصرُّفاتِ المُرتَدِّ مَوقوفةٌ عندَه؛ لِوُقوفِ أملاكِه، وعندَهُما نافِذةٌ؛ لِثُبوتِ أملاكِه، ويَجوزُ التَّوكيلُ مِنْ المُرتَدَّةِ بالإجماعِ؛ لأنَّ تَصرُّفاتِها نافِذةٌ، بلا خِلافٍ (١). وذهَب الشَّافِعيَّةُ في قَولٍ ثالِثٍ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ تَوكيلَ المُرتَدِّ غيرَه باطِلٌ؛ لِمَنعِه مِنْ التَصرُّفِ في مالِه ما دامَ مُرتَدًّا. ولو وكَّل ثم ارتَدَّ ففي انقِطاعِ التَّوكيلِ الأقوالُ الثَّلاثةُ السَّابِقةُ عندَ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: إنِ ارتَدَّ المُوكِّلُ لَم تَبطُلِ الوَكالةُ فيما له التَصرُّفُ فيه، فأمَّا الوَكيلُ في مالِه فيَنبَني على تَصرُّفِه نَفْسِه، فإنْ قُلنا: يَصحُّ تَصرُّفُه، لَم يَبطُلْ تَوكيلَه، وإنْ قُلنا: هو مَوقوفٌ، فوَكالَتُه مَوقوفةٌ وإنْ قُلْنا: يَبطُلُ تَصرُّفَه، بطَل تَوكيلُه، وإنْ وكَّل في حالِ رِدَّتِه ففيه الوُجوهُ الثَّلاثةُ (٣). ٧ - تَوكيلُ المُحْرِمِ حَلالًا في النِّكاحِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُحرِمِ هَلْ يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ حَلَالًا في أنْ يُزوِّجَه، أو يُزوِّجَ مُولِّيَتَه أو أنْ يُوكَّل هو عن غيرِه في عَقدِ النِّكاحِ أو لا يَجوزُ؟ فَذهَب الجُمهورُ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُحرِمِ أنْ يُوكِّلَ أو يُوكَّلَ في عَقدِ النِّكاحِ في أثناءِ إحرامِه.

стр. 6063

وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُحرِمِ أنْ يُوكِّلَ ويُوكَّلَ في عَقدِ النِّكاحِ (١). وَسَبَبُ الخِلافِ: هَلْ يَجوزُ لِلمُحرِمِ أنْ يُزوِّجَ أو يَتزوَّج أو لا يَجوزُ له؟ فَمَنْ قالَ: «يَجوزُ له أنْ يَتزوَّج حالَ الإحرامِ» قالَ: يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ ويُوكَّل في النِّكاحِ والإنكاحِ، كما هو مَذهبُ الحَنفيَّةِ، والدَّليلُ على أنَّه يَجوزُ له أنْ يَتزوَّج حالَ إحرامِه ما رَواه مُسلِمٌ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عن أبي الشَّعثاءِ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أخبَرَهُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ تَزوَّج مَيمونةَ وهو مُحرِمٌ» (٢). وَمَنْ قالَ: «إنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَتزوَّجَ أو يُزوِّجَ حالَ إحرامِه» كما هو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ قالوا: لا يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه في النِّكاحِ، أو يُوكَّل هو عن غيرِه في النِّكاحِ؛ لأنَّه لا تَصحُّ مُباشَرَتُه لِذلك. والدَّليلُ عليه ما رَواه مُسلِمٌ وغيرُه عن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ، ولا يُنكِحُ، ولا يَخطُبُ» (٣). قالَ الشَّافِعيَّةُ: وصُورةُ تَوكيلِ المُحرِمِ أنْ يُوكِّلَ لِيَعقِدَ له أو لِمُوَليَتِه حالَ الإحرامِ. فَإنْ وكَّله لِيَعقِدَ له بعدَ التَّحَلُّلِ أو أطلَقَ صَحَّ؛ لأنَّ الإحرامَ يَمنَعُ

стр. 6064

الِانعِقادَ دونَ الإذْنِ، فَيَصحُّ، كما لو وكَّله لِيَشتَريَ له هذه الخَمرَ بعدَ تَخَلُّلِها، أو وكَّل حَلَالٌ مُحرِمًا لِيُوكِّلَ حَلالًا في التَّزويجِ، صَحَّ؛ لأنَّه سَفيرٌ مَحضٌ. قالَ الماوَرديُّ ﵀: فلَو وكَّل المُحرِمُ حَلالًا في التَّزويجِ، فزوَّجه الوَكيلُ بعدَ إحلالِه، قالَ الشَّافِعيُّ نصًّا في «الأُمُّ»: صَحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّه تَوَلَّى عَقدَه وَكيلٌ حَلَالٌ لِمُوكِّلٍ حَلَالٍ. وإنَّما كانَ المُوكِّلُ مُحرِمًا حالَ الإذْنِ، والِاعتِبارُ بحالِ العَقدِ، لا بحالِ الإذْنِ، والفَرقُ بينَ إذْنِ المُحرِمِ في التَّزويجِ، فيُزوِّجُ بعدَ إحلالِه، فيَجوزُ، وبينَ إذْنِ الصَّبِيِّ في التَّزويجِ، فيُزوَّجُ بعدَ بُلوغِه، فلا يَجوزُ؛ لأنَّ الصَّبِيَّ ليسَ مِنْ أهلِ الإذْنِ، والمُحرِمُ مِنْ أهلِ الإذْنِ (١). وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ، أي: يَحرُمُ عليه، وكذا يَحرُمُ عليه أنْ يَحضُرَ نِكاحًا؛ فإنْ كانَ أحَدُ الزَّوجَيْنِ مُحرِمًا، أو الوَليُّ أو الوَكيلُ مُحرِمًا حالَ العَقدِ، فالفَسادُ، وأَوْلَى أكثَرُ مِنْ واحِدٍ، ولا يُراعَى وَقتُ التَّوكيلِ. وهذا كلُّه في الوَليِّ الخاصِّ، وأمَّا الحاكِمُ والقاضي فيَكونُ كُلٌّ مِنهُما مُحرِمًا ويُوكِّلُ حَلالًا، فيَصحُّ عَقدُ الوَكيلِ الحَلالِ (٢).

стр. 6065

وقالَ ابنُ قُدامةَ المَقدِسيُّ ﵀: المُحرِمُ إذا تَزوَّج لِنَفْسِه، أو عقَد النِّكاحَ لِغيرِه، كَكَونِه وَليًّا أو وَكيلًا؛ فإنَّه لا يَصحُّ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يَخطُبُ» رَواه مُسلِمٌ. وإنْ عقَد الحَلالُ نِكاحًا لِمُحرِمٍ، بأنْ يَكونَ وَكيلًا له، أو وَليًّا عليه، أو عقَده على مُحرِمةٍ، لَم يَصحَّ؛ لِدُخولِه في عُمومِ الحَديثِ؛ لأنَّه إذا تَزوَّج له وَكِيلُه، فقَد نَكَحَ، وحَكَى القاضي في كَونِ المُحرِمِ وَليًّا لِغيرِه رِوايتَيْنِ: إحداهُما: لا تَصحُّ، وهي اختيارُ الخِرَقيِّ. والأُخرى: تَصحُّ، وهي اختيارُ أبي بَكرٍ؛ لأنَّ النِّكاحَ حَرُمَ على المُحرِمِ؛ لأنَّه في دَواعي الوَطءِ المُفسِدِ لِلحَجِّ، ولا يَحصُلُ ذلك فيه بكَونِه وَليًّا لِغيرِه، والأوَّلُ أوْلَى؛ لِدُخولِه في عُمومِ الخَبَرِ، ولأنَّه عَقدٌ لا يَصحُّ لِلمُحرِمِ، فلا يَصحُّ مِنه، كَشِراءِ الصَّيدِ (١). ٨ - العِلمُ بالمُوكِّلِ: قالَ الحَنابِلةُ: يُشترَطُ لصحَّةِ الوَكالةِ مَعرِفةُ المُوكِّلِ، بأنْ يَعرِفَ الوَكيلُ مُوكِّلَه، وإذا لَم يَعرِفْه بأنْ قيلَ له: «وَكَّلكَ زَيدٌ» ولَم يَنسُبْ له ولَم يَذكُرْ له مِنْ وَصْفِه أو شُهرَتِه ما يُميِّزُه لَم يَصحَّ ذلك؛ لِلجَهالةِ (٢).

стр. 6066

الرُّكنُ الثَّالثُ: الوَكيلُ: الوَكيلُ هو المَعهودُ بتَنفيذِ الوَكالةِ، وقَدِ اشترَطَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ بعضَ الشُّروطِ، لِكَيْ تَصِحَّ وَكالَتُه: الشَّرطُ الأوَّلُ: أنْ يَكونَ جائِزَ التَّصرُّفِ فيما وكَّل فيه بنَفْسِه، بأنْ يَكونَ صَحيحَ العِبارةِ فيهِ؛ لأنَّه يَقومُ مَقامَ المُوكِّلِ في الإيجابِ والقَبولِ، فمَن جازَ له أنْ يَتصرَّفَ لِنَفْسِه في الشَّيءِ جازَ له أنْ يَنوبَ فيه عن غيرِه إذا كانَ قابِلًا لِلِاستِنابةِ، فعلى هذا اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَصحُّ تَوكيلُ المَجنونِ ولا المُغمَى عليه ولا الصَّبِيِّ الذي لا يَعقِلُ أصْلًا؛ لأنَّ العَقلَ مِنْ شَرائِطِ الأهليَّةِ؛ لأنَّهم لا يَملِكونَ التَصرُّفَ لِأنْفُسِهم، فلِغيرِهم أَوْلَى (١). ثم اختَلفَ الفُقهاءُ في تَوكيلِ الصَّبِيِّ المُميِّزِ، وفي الذُّكوريَّةِ والعَدالةِ والإسلامِ، هَلْ يُشترَطُ في الوَكيلِ أو لا؟ على هذا التَّفصيلِ الآتي: ١ - تَوكيلُ الصَّبيِّ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الصَّبِيِّ المُميِّزِ غيرِ البالِغِ، هَلْ يَصحُّ أنْ يَكونَ وَكيلًا؟ أو يُشترَطُ أنْ يَكونَ بالِغًا؟ أو يَصحُّ مِنه الوَكالةُ في بعضِ الحالاتِ دونَ بَعضٍ؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ: فَذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ تَوكيلُ الصَّبِيِّ

стр. 6067

العاقِلِ، وإنْ لَم يَأذَنْ له وَليُّه عندَ الحَنفيَّةِ، ويُشترَطُ إذْنُ وَليِّه عندَ الحَنابِلةِ؛ لِمَا رُوِيَ عن عُمرَ بن أبي سَلَمةَ عن أبيه عن أُمِّ سَلَمةَ لمَّا انقَضَتْ عِدَّتُها بَعَثَ إليها أبو بَكرٍ ﵁ يَخطُبُها عليه، فلَمْ تُزوِّجْه، فبَعَثَ إليها رَسولُ اللَّهِ ﷺ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ يَخطُبُها عليه، فقالَتْ: أخبِرْ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أنِّي امرَأةٌ غيرَى، وأنِّي امرَأةٌ مُصْبِيةٌ، وليسَ أحَدٌ مِنْ أوليائي شاهِدًا، فأتَى رَسولَ اللَّهِ ﷺ فذكَر ذلك له، فقالَ: «ارجِعْ إليها، فقُلْ لها: أمَّا قَولُكِ: إنِّي امرَأةٌ غيرَى فسَأدْعو اللَّهَ لَكِ فيُذهِبُ غيرَتَكِ، وأمَّا قَولُكِ: إنِّي امرَأةٌ مُصْبِيةٌ، فسَتُكفَيْنَ صِبيانَكِ، وأمَّا قَولُكِ أنْ ليسَ أحَدٌ مِنْ أوليائِي شاهِدًا فليسَ أحَدٌ مِنْ أوليائِكِ -شاهِدٌ ولا غائِبٌ- يَكرَهُ ذلك. فقالَتْ لِابنِها: يا عُمَرُ، قُمْ فزوِّجْ رَسولَ اللَّهِ. فزوَّجهُ» (١). فهو لَم يُزوِّجْها بحُكمِ الوِلايةِ على أُمِّهِ؛ لأنَّ الصَّبِيَّ لا وِلايةَ له، فيَكونُ تَزويجُه بحُكمِ الوَكالةِ. قالَ الحَنفيَّةُ: ولأنَّ الصَّبِيَّ المُميِّزَ لمَّا كانَ له عَقلٌ، كانَ مِنْ أهلِ التَّصرُّفِ، وكانَتْ عِبارَتُه صَحيحةً، لكنْ لمَّا كانَ يَخشَى أنْ يَعمَلَ بما

стр. 6068

يُوجِبُ الضَّرَرَ لِنَفْسِه فقَد مُنِعَ مِنْ التَّصرُّفِ، ولِذلك قَدْ جازَتْ مُباشَرةُ الصَّبِيِّ التَّصرُّفَ لِلغيرِ برَأْيِهِ؛ لأنَّه لا يَلحَقُ الصَّغيرَ ضَرَرٌ ما بهذا التَصرُّفِ. وعليه تَصحُّ وَكالَةُ الصَّبِيِّ المُميِّزِ المَأْذونِ والصَّبِيِّ غيرِ المَأْذونِ، إلَّا أنَّ حُقوقَ العَقدِ مِنْ البَيعِ ونحوِه تَرجِعُ إلى الوَكيلِ إذا كانَ بالِغًا، وإذا كانَ صَبيًّا تَرجِعُ إلى المُوكِّلِ؛ فإذا كانَتْ تَرجِعُ إلى المُوكِّلِ، لا لِنَفْسِه، فلا معنَى لِاعتِبارِ حالِ التَّوكيلِ؛ لأنَّ اعتِبارَ حالِه في تَصرُّفِه إنَّما يَجِبُ فيما يَتصرَّفُ فيه لِنَفْسِه، ألَّا تَرَى أنَّه لو وكَّل صَبِيًّا بهَدمِ دارِه أو ذَبْحِ شاتِه، ففَعلَ، أنَّه لا شَيءَ عليه فيه، ولولَا أنَّ الوَكالةَ صَحيحةٌ لَضَمِن، كَذلك يَقومُ مَقامَه في العُقودِ، وليسَ ذلك كَإذْنِه في طَلاقِ امرَأةِ الصَّبِيِّ؛ لأنَّ الأبَ لا يَملِكُ ذلك، فلا يَصحُّ تَوكيلُه به، وهو يَملِكُ التَصرُّفَ على نَفْسِه في البَيعِ والشِّراءِ وسائِرِ العُقودِ، فيَصحُّ تَوكيلُ الصَّبِيِّ به، وكَذلك يَملِكُ التَصرُّفَ على الِابنِ في الشِّراءِ والبَيعِ، فيَجوزُ إذْنُه له فيهِ. والحُكمُ على هذا المِنوالِ أيضًا في المَحجورِ بالسَّفَهِ، يَعني أنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ هذا وَكيلًا، وتَعودَ حُقوقُ العَقدِ إلى مُوكِّلِه. وَحُقوقُ العَقدِ هي: تَسلُّمُ المَبيعِ وقَبضُ الثَّمَنِ، والمُطالَبةُ بثَمَنِ المالِ المُشترَى، ورَدُّ ثَمَنِ المَبيعِ وإعادتُه إذا ضُبِطَ المَبيعُ بالِاستِحقاقِ مِنْ يَدِ المُشتَرِي، وغيرُ ذلك مِنْ الأُمورِ. فَإذا وُكِّلَ الصَّبِيُّ المُميِّزُ غيرُ المَأْذونِ تَعودُ حُقوقُ العَقدِ إلى مُوكِّلِه، إلَّا أنَّه إذا قبَض الصَّبِيُّ المَذكورُ ثَمَنَ المالِ المُوكَّلِ ببَيعِه صَحَّ القَبضُ؛ لأنَّه لمَّا

стр. 6069

كانَ الصَّبِيُّ عاقِلًا، وكانَ أصيلًا في حُقوقِ العَقدِ، فعَدمُ لُزومِ حُقوقِ العَقدِ لا تَدُلُّ على انتِفاءِ الجَوازِ، لكنْ إذا كانَ الصَّبِيُّ المُميِّزُ مَأْذونًا ووَكيلًا بالبَيعِ، كانَ البَيعُ صَحيحًا، وكانَتْ حُقوقُ العَقدِ عائِدةً عليه، سَواءٌ أكانَ وَكيلًا بالبَيعِ بثَمَنٍ حالٍّ أو بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ. وفي صُورةِ كَونِه وَكيلًا بالشِّراءِ بثَمَنٍ حالٍّ يَكونُ شِراؤُه صَحيحًا أيضًا، وتَكونُ حُقوقُ العَقدِ عائِدةً إليه، استِحسانًا، وإذا كانَ وَكيلًا بالشِّراءِ بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ، واشترَى على هذا الوَجْهِ كانَتْ حُقوقُ العَقدِ عائِدةً إلى المُوكِّلِ، وليسَ إلى الوَكيلِ؛ لأنَّها في هذه الصُّورةِ تَكونُ بمعنَى الكَفالةِ. ولِلبائِعِ أنْ يَطلُبَ ثَمَنَ المَبيعِ مِنْ المُوكِّلِ، وليسَ مِنْ الوَكيلِ. وبِهذه الصُّورةِ إذا اختُلِفَ في كَونِ الصَّبِيِّ مَحجورًا أو مَأْذونًا، فالقَولُ لِمُدَّعِي الإذْنِ؛ لأنَّ الأصْلَ في العَقدِ النَّفاذُ، فإقدامُ الصَّبِيِّ على العَقدِ ومُباشَرَتُه إيَّاه دَليلٌ على النَّفاذِ، وعَن أبي يُوسفَ أنَّ المُشتَرِيَ إذا لَم يَعلَمْ بحالِ البائِعِ، ثم علِم أنَّه صَبِيٌّ مَحجورٌ، له خِيارُ الفَسخِ (١). وذهَب الشَّافِعيَّةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ تَوكيلُ الصَّبِيِّ، سَواءٌ كانَ مُميِّزًا أو غيرَ مُميِّزٍ، وسَواءٌ كانَ مَأْذونًا له أو غيرَ مَأْذونٍ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ الوَكيلِ صِحَّةَ مُباشَرَتِه التَّصرُّفَ المَأْذونَ فيه لِنَفْسِه، وإلَّا فلا يَصحُّ تَوكِيلُه؛ لأنَّ تَصرُّفَ الشَّخصِ لِنَفْسِه أقوَى مِنْ تَصرُّفِه لِغيرِه؛ فإنَّ تَصرُّفَه له بطَريقِ الأصالةِ،

стр. 6070

ولِغيرِه بطَريقِ النِّيابةِ؛ فإذا لَم يَقدِرْ على الأقوَى لا يَقدِرُ على الأضعَفِ بطَريقِ الأَوْلَى، فلا يَصحُّ تَوكيلُ الصَّبِيِّ؛ لِسَلْبِ عِبارَتِه. لكنَّ الصَّحيحَ اعتِمادُ قَولِ صَبِيٍّ مُميِّزٍ مَأْمونٍ في الإذنِ في دُخولِ دارٍ وإيصالِ هَديَّةٍ؛ لِتَسامُحِ السَّلَفِ في مِثلِ ذلك، وهو تَوكيلٌ مِنْ جِهةِ الآذِنِ والمُهدِي. وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: لا يَصحُّ اعتِمادُ قَوله، كَغيرِه، إذا لَم يَحتَفَّ بقَوله قَرينةٌ، فإنِ احتَفَّتْ به قَرائِنُ وأفادَتِ العِلمَ وصِدْقَه في ذلك جازَ الِاعتِمادُ على قَوله جَزمًا، وهو في الحَقيقةِ عَمَلٌ بالعِلمِ، لا بِقَوله. وإنْ لَم يَنضَمَّ، فإنْ كانَ غيرَ مَأْمونِ القَولِ لَم يُعتمَدْ، وإلَّا فطَريقانِ: أصَحُّهُما: القَطعُ بالِاعتِمادِ. والآخَرُ: على الوَجهَيْنِ في قَبولِ رِوايَتِه. وَيُعتَمَدُ قَولُه في إخبارِه بطَلَبِ صاحِبِ الوَليمةِ. والكافِرُ والفاسِقُ كالصَّبِيِّ لا يُعتَمَدُ على قَولهما، قالَ النَّوَويُّ: لا أعلَمُ في جَوازِ اعتِمادِهما خِلافًا. وَمَحَلُّ عَدمِ صِحَّةِ تَوكيلِ الصَّبِيِّ فيما لا تَصحُّ مِنه مُباشَرَتُه، فيَصحُّ تَوكيلُ الصَّبِيِّ المُميِّزِ في حَجِّ تَطوُّعٍ، وفي ذَبْحِ أُضحيَّةٍ، وتَفرِقةِ زَكاةٍ؛ لصحَّةِ مُباشَرَتِه لذلك (١).

стр. 6071

والمالِكيَّةُ كالشَّافِعيَّةِ في أنَّه لا يَصحُّ تَوكيلُ الصَّبِيِّ، قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وشَرطُ الوَكيلِ ألَّا يَكونَ مَمنوعًا بالشَّرعِ مِنْ تَصرُّفِه في الشَّيءِ الذي وُكِّلَ فيه، فلا يَصحُّ تَوكيلُ الصَّبِيِّ (١). إلَّا أنَّه لا يُوجَدُ نَصٌّ لِلإمامِ مالِكٍ في هذا، كما قالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: تَوكيلُ المُراهِقِ لا أعرِفُ نَصًّا فيه، وعِندي أنَّه لا يَصحُّ، خِلافًا لِأبي حَنيفةَ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ لَم يَصحَّ أنْ يُوكِّلَ، لَم يَصحَّ أنْ يُوكَّل، كالمَجنونِ، ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، كالصَّغيرِ والمَجنونِ (٢). وقالَ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: اختَلَفوا في تَوكيلِ الصَّبِيِّ المُراهِقِ المُميِّزِ الذي يَقصِدُ العَقدَ ويَعقِلُه. فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمَدُ: يَصحُّ. وقالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: لا أعرِفُ فيه نَصًّا عن مالِكٍ، وعِندي أنَّه لا يَصحُّ. وقالَ الشَّافِعيُّ: لا يَصحُّ (٣). ٢ - تَوكيلُ المُرتَدِّ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ

стр. 6072

تَوكيلُ المُرتَدِّ، فرِدَّةُ الوَكيلِ لا تَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، فتَجوزُ وَكالةُ المُرتَدِّ بأنْ وكَّل مُسلِمٌ مُرتَدًّا؛ لأنَّ وُقوفَ تَصرُّفاتِ المُرتَدِّ لِوُقوفِ مِلْكِه، والوَكيلُ يَتصرَّفُ في مِلْكِ المُوكِّلِ، وهو نافِذُ التَصرُّفاتِ، وكذا لو كانَ مُسلِمًا وَقتَ التَّوكيلِ، ثم ارتَدَّ، فهو على وَكالَتِه، لِمَا قُلْنا، قالَ الحَنفيَّةُ: إلَّا أنْ يَلحَقَ بدَارِ الحَربِ، فتَبطُلَ وَكالَتُه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: يَصحُّ تَوكيلُ المُسلِمِ كافِرًا، فيما يَصحُّ تَصرُّفُه فيه، سَواءٌ كانَ ذِميًّا أو مُستأمَنًا أو حَربيًّا أو مُرتَدًّا؛ لأنَّ العَدالةَ لا تُشترَطُ في صِحَّةِ الوَكالةِ، فكَذلك الدِّينُ، كالبَيعِ، فإنْ وكَّل مُسلِمًا فارتَدَّ لَم تَبطُلْ وَكالَتُه في أحَدِ الوَجهَيْنِ، سَواءٌ لَحِقَ بدارِ الحَربِ أو أقامَ؛ لأنَّه يَصحُّ تَصرُّفُه لِنَفْسِه، فلَم تَبطُلْ وَكالَتُه، كما لو لَم يَلحَقْ بدارِ الحَربِ، ولأنَّ الرِّدةَ لا تَمنَعُ ابتِداءَ الوَكالةِ، فلا تَمنَعُ استَدامَتَها، كَسائِرِ الكُفرِ؛ لأنَّ رِدَّتَه لا تُؤَثِّرُ في تَصرُّفِه، وإنَّما تُؤَثِّرُ في مالِه، إلَّا فيما يُنافيها، أي: إلَّا إذا وُكِّلَ في تَصرُّفٍ يُنافي الرِّدةَ، كَإيجابِ نِكاحِ مُسلِمةٍ، أو قَبولِه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ: أنَّها تَبطُلُ بالرِّدَّةِ، إذا قُلْنا: إنَّ المُرتَدَّ تَزولُ أملاكُه وتَبطُلُ تَصرُّفاتُه، والوَكالةُ تَصرُّفٌ (٢).

стр. 6073

٣ - تَوكيلُ المُسلِمِ الكافِرَ في البَيعِ والشِّراءِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُسلِمِ، هَلْ يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ الكافِرَ في بَيعِ خَمرٍ أو خِنزيرٍ أو غيرِهِما، أو في شِرائِهما، أو لا يَجوزُ؟ فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُوكِّلَ كافِرًا، ذِميًّا كانَ أو غيرَه في بَيعِ خَمرٍ ولا في شِرائِها؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ الوَكالةِ أنْ يَكونَ المُوكِّلُ ممَّن يَملِكُ التَصرُّفَ؛ لأنَّ الوَكيلَ يَستَفيدُ وِلايةَ التَصرُّفِ مِنه، ويَقدِرُ عليه مِنْ قِبَلِه، ومَن لا يَقدِرُ على شَيءٍ فكَيفَ يَقدِرُ عليه غيرُه، ويَصحُّ تَوكيلُ الكافِرِ في غيرِ الخَمرِ والخِنزيرِ عندَهم، خِلافًا لِلمالِكيةِ الذين مَنَعوا تَوكيلَه في البَيعِ والشِّراءِ مُطلَقًا. قالَ المالِكيَّةُ: يَمتَنِعُ على المُسلِمِ أنْ يُوكِّلَ كافِرًا، ذِميًّا كانَ أو غيرَه، في بَيعٍ لِمُسلِمٍ، أو شِراءٍ له؛ لأنَّه لا يَتحَرَّى في مُعامَلاتِه الحَلالَ ولا يَعرِفُ شَرطَ المَعقودِ عليه مِنْ ثَمَنٍ ومُثمَّنٍ. كَذلك يَمتَنِعُ على المُسلِمِ أنْ يُوكِّلَ الكافِرَ في تَقاضي دُيونِه، ولو على كافِرٍ، لِعَملِهم بالرِّبا، واستِحلالِهم له، ولو رَضِيَ مَنْ يَتقاضَى مِنه الحَقَّ؛ لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، ولأنَّه رُبَّما أغلَظَ على المُسلِمِ الذي يَتقاضَى مِنه الدَّينَ واستَعلَى عليه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، ومِن ذلك جَعْلُه مُباشِرًا وكاتِبًا لِلأُمَراءِ ونحوِهم؛ فإنَّه مِنْ الضَّلالِ المُبينِ.

стр. 6074

قالوا: إذا وقَع البَيعُ أو الشِّراءُ أو التَّقاضي المَمنوعُ على وَجْهِ الصِّحَّةِ يَنبَغي أنْ يَكونَ ماضيًا. وأمَّا تَوكيلُ الكُفَّارِ لِكافِرٍ فإنْ كانَ على استِخلاصِ دَيْنٍ له مِنْ مُسلِمٍ مُنِعَ؛ لأنَّه رُبَّما أغلَظَ عليه، وشَقَّ عليه، وإنْ كانَ على التَّوكيلِ فيه تَسلُّطُ كافِرينَ، بخِلافِ عَدمِه؛ فإنَّه لا تَسلُّطَ فيه إلَّا لِصاحِبِ الحَقِّ. وأمَّا غيرُ الأُمورِ الثَّلاثةِ التي هي البَيعُ والشِّراءُ، والتَّقاضي، فيَجوزُ تَوكيلُه فيها، كَقَبولِ نِكاحٍ ودَفْعِ هِبةٍ وإبراءٍ ووَقْفٍ. قالَ في «المُدوَّنةِ»: قالَ مالِكٌ ﵀: لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يَستأجِرَ نَصرانيًّا إلَّا لِخِدمةٍ، فأمَّا لِبَيعٍ أو شِراءٍ أو تَقاضٍ، أو لِيُبَضِّعَ مَعه، فلا يَجوزُ؛ لِعَملِهم بالرِّبا واستِحلالِهم له. قالَ مالِكٌ ﵀: وكذا عَبدُه النَّصرانيُّ، لا يَجوزُ أنْ يَأمُرَه ببَيعِ شَيءٍ ولا شِرائِه ولا اقتِضائِه، ولا يَمنَعُ المُسلِمُ عَبدَه النَّصرانيَّ أنْ يَأتيَ الكَنيسةَ، ولا مِنْ شُربِ الخَمرِ، أو أكْلِ الخِنزيرِ. قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: ولا يُشارِكُ المُسلِمُ ذِميًّا إلَّا ألَّا يَغيبَ على بَيعٍ أو شِراءٍ إلَّا بحَضرةِ المُسلِمِ. قالَ: ولا بَأْسَ أنْ يُساقِيَه إذا كانَ الذِّميُّ لا يَعصِرُ حِصَّتَه خَمرًا. قالَ: ولا أُحِبُّ لِمُسلِمٍ أنْ يَدفعَ لِذِميٍّ قِراضًا؛ لِعَملِه بالرِّبا، ولا أنْ يَأخُذَ مِنه قِراضًا؛ لِئَلَّا يُذِلَّ نَفْسَه، وإنْ وقَع لَم يُفسَخْ (١).

стр. 6075

وقالَ العمرانيُّ الشَّافِعيُّ ﵀: وإنْ وكَّل المُسلِمُ ذِميًّا في شِراءِ خَمرٍ لَم يَصحَّ، وإذا اشترَى له الذِّميُّ لَم يَصحَّ الشِّراءُ لِلمُسلِمِ. وقالَ أبو حَنيفةَ: يَصحُّ ذلك لِلمُسلِمِ. دَليلُنا أنَّ كلَّ ما لا يَجوزُ أنْ يَعقِدَ عليه المُسلِمُ لِنَفْسِه لا يَجوزُ أنْ يُوكِّلَ فيه الذمِّيَّ، كالعَقدِ على المَجوسِيَّةِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: يَصحُّ تَوكيلُ المُسلِمِ كافِرًا فيما يَصحُّ تَصرُّفُه فيه، سَواءٌ كانَ ذِميًّا أو مُستأمَنًا أو حَربيًّا أو مُرتَدًّا؛ لأنَّ العَدالةَ لا تُشترَطُ في صِحَّةِ الوَكالةِ، فكَذلك الدِّينُ، كالبَيعِ (٢). وذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُوكِّلَ الذِّميَّ في بَيعِ الخَمرِ والخِنزيرِ؛ لأنَّ الشَّرطَ أنْ يَكونَ التَّوكيلُ حاصِلًا بما يَملِكُه الوَكيلُ، فأمَّا كَونُ المُوكِّلِ مالِكًا له فليسَ بشَرطٍ، فيَجوزُ عندَه تَوكيلُ المُسلِمِ الذِّميَّ في بَيعِ الخَمرِ أو شِرائِها. قالَ البابَرتيُّ ﵀ في «العِنايةِ»: قالَ: وإذا أمَرَ المُسلِمُِ نَصرانيًّا ببَيعِ خَمرٍ أو شِرائِها، ففَعلَ، جازَ عندَ أبي حَنيفةَ، خِلافًا لهما، وحُكمُ التَّوكيلِ

стр. 6076

في الخِنزيرِ وتَوكيلِ المُحرِمِ حَلالًا ببَيعِ صَيدِه على هذا الخِلافِ قالا: المُوكِّلُ لا يَلي هذا التَصرُّفَ، فلا يُوَلي غيرَه، كَتَوكيلِ المُسلِمِ مَجوسيًّا بتَزويجِ مَجوسِيَّةٍ. ولأنَّ ما يَثبُتُ لِلوَكيلِ يَنتقِلُ إلى المُوكِّلِ، فصارَ كَأنَّه باشَرَه بنَفْسِه، ولو باشَرَه بنَفْسِه لَم يَجُزْ، فكذا التَّوكيلُ به. وقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: المُعتبَرُ في هذا البابِ أهلِيَّتانِ: أهلِيَّةُ الوَكيلِ، وأهلِيَّةُ المُوكِّلِ، فالأَوْلَى أهلِيَّةُ العاقِدِ، وهي أهلِيَّةُ التَصرُّفِ في المأْمورِ به، ولِلنَّصرانيِّ ذلك، والأُخرى أهلِيَّةُ ثُبوتِ الحُكمِ له، ولِلمُوكِّلِ ذلك، حُكمًا لِلعَقدِ؛ لِئَلَّا يَلزَمَ انفِكاكُ المَلزومِ عن اللَّازِمِ، ألَا تَرَى إلى صِحَّةِ ثُبوتِ مِلْكِ الخَمرِ لِلمُسلِمِ إرْثًا، إذا أسلَمَ مُورِّثُه النَّصرانيُّ، وماتَ عن خَمرٍ وخِنزيرٍ. لا يُقالُ: الوِراثةُ أمْرٌ جَبرِيٌّ، والتَّوكيلُ اختِياريٌّ، فأنَّى يَتشابَهانِ؟ لأنَّ ثُبوتَ الحُكمِ -أعني المِلْكَ لِلمُوكِّلِ- بعدَ تَحَقُّقِ العِلَّةِ -أعني مُباشَرةَ الوَكيلِ- جَبريٌّ، كَذلك تَثبُتُ بدُونِ اختيارِه، كما في المَوتِ، ألَا تَرَى أنَّ المَأْذونَ له النَّصرانيَّ إذا اشترَى خَمرًا يَثبُتُ المِلكُ فيها لِمَولاه المُسلِمِ بالِاتِّفاقِ، وإذا ثَبَتَتِ الأهلِيَّتانِ لَم يَمتَنِعِ العَقدُ بسَبَبِ الإسلامِ؛ لأنَّه جالِبٌ، لا سالِبٌ، ثم المُوكَّلُ به إنْ كانَ خَمرًا خَلَّلَها، وإنْ كانَ خِنزيرًا سَيَّبَه، لكنْ قالوا: هذه الوَكالةُ مَكروهةٌ أشَدَّ كَراهةٍ، وقَولُهما: المُوكِّلُ لا يَليه، فلا يُوَليه غيرَه، مَنقوضٌ بالوَكيلِ بشِراءِ عَبدٍ بعَيْنِه إذا وكَّل آخَرَ بشِرائِه لِنَفْسِه؛ فإنَّه يَثبُتُ المِلْكُ لِلوَكيلِ الأوَل، وهو بنَفْسِه لا يَلي الشِّراءَ لِنَفْسِه، وبِالقاضي إذا

стр. 6077

أمَرَ ذِميًّا ببَيعِ خَمرٍ أو خِنزيرٍ خَلَفَه ذِميٌّ آخَرُ، وهو لا يَلي التَصرُّفَ بنَفْسِه، وبِالذمِّيِّ إذا أوْصَى لِمُسلِمٍ وقَد ترَكهُما؛ فإنَّ الوَصِيَّ يُوكِّلُ ذِميًّا بالبَيعِ والقِسمةِ، وهو لا يَلي ذلك بنَفْسِه. والقِياسُ على تَزويجِ المَجوسيِّ مَدفوعٌ؛ فإنَّ حُقوقَ العَقدِ في النِّكاحِ تَرجِعُ إلى المُوكِّلِ، والوَكيلُ سَفيرٌ لا غيرُ (١). ٤ - تَوكيلُ المُسلِمِ الكافِرَ في النِّكاحِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُسلِمِ هَلْ يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ الكافِرَ في إيجابِ النِّكاحِ له أو لا يَجوزُ؟ فَذهَب المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُوكِّلَ الذمِّيَّ في قَبولِ النِّكاحِ له (٢). وذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ تَوكيلُ كافِرٍ في إيجابِ نِكاحِ مُسلِمةٍ أو قَبولِه؛ لأنَّه لا يَملِكُ قَبولَ نِكاحِها لِنَفْسِه، فلَمْ يَصحَّ أنْ يُوكَّل فيه لِغيرِه، وكذا لا يَصحُّ عندَ الشَّافِعيَّةِ تَوكيلُ كافِرٍ مُسلِمًا في تَزويجِ ابنَتِه، ولا تَوكيلُ مُسلِمٍ مَجوسيًّا في تَزويجِ مُوَليَتِه. وهو أيضًا اتِّجاهٌ عندَ الحَنابِلةِ، قالوا: ويُتَّجَهُ فلا يَصحُّ أنْ يُوكَّل مُسلِمٌ عن كافِرٍ في نِكاحِ ابنَتِه؛ لأنَّه

стр. 6078

مِنْ شُروطِ الوِلايةِ اتِّفاقُ الدِّينَيْنِ، إلَّا في سَيِّدٍ زوَّج أَمَتَه الكافِرةَ لِكافِرٍ؛ فيَصحُّ مُطلَقًا: أي: سَواءٌ أكانَ المُوكِّلُ الكافِرُ كِتابيًّا أم غيرَ كِتابيٍّ، كَعَكسِهِ: أي: كما لا يَصحُّ أنْ يُوكَّل كافِرٌ عن مُسلِمٍ في تَزويجِ ابنَتِه (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: وإنْ وكَّل المُسلِمُ ذِميًّا لِيَقبَلَ له النِّكاحَ على ذِميَّةٍ صَحَّ؛ لأنَّ الذمِّيَّ يَملِكُ قَبولَ نِكاحِها لِنَفْسِه، فصَحَّ تَوكيلُه فيها. قالَ الماوَرديُّ ﵀: فأمَّا الكافِرُ فلا يَجوزُ أنْ يُوكَّل فيما فيه وِلايةٌ على مُسلِمٍ، ولا في نِكاحِ مُسلِمٍ، لا مِنْ جِهةِ الزَّوجِ، ولا مِنْ جِهةِ الزَّوجةِ؛ لأنَّ نِكاحَ المُسلِمِ لا يَنعَقِدُ بكافِرٍ بحالٍ، ولكنْ يَجوزُ أنْ يَكونَ وَكيلًا في نِكاحِ كافِرٍ (٢). وَقَدْ سُئِلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عن رَجُلٍ وكَّل ذِميًّا في قَبولِ نِكاحِ امرَأةٍ مُسلِمةٍ، هَلْ يَصحُّ النِّكاحُ؟ الجَوابُ: الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ، هذه المَسألةُ فيها نِزاعٌ؛ فإنَّ الوَكيلَ في قَبولِ النِّكاحِ لا بدَّ أنْ يَكونَ ممَّن يَصحُّ مِنه قَبولُه النِّكاحَ لِنَفْسِه في الجُملةِ، فلَو وكَّل امرَأةً، أو مَجنونًا، أو صَبِيًّا غيرَ مُميِّزٍ لَم يَجُزْ، ولكنْ إذا كانَ الوَكيلُ ممَّن يَصحُّ مِنه قَبولُ النِّكاحِ بإذْنِ وَليِّه، ولا يَصحُّ مِنه القَبولُ

стр. 6079

بدُونِ إذْنِ وَليِّه، فوكَّل في ذلك، مثلَ أنْ يُوكِّلَ عَبدًا في قَبولِ النِّكاحِ بلا إذْنِ سَيِّدِه، أو يُوكِّلَ سَفيهًا مَحجورًا عليه بدُونِ إذْنِ وَليِّه، أو يُوكِّلَ صَبِيًّا مُميِّزًا بدُونِ إذْنِ وَليِّه، فهذا فيه قَولانِ لِلعُلماءِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، وإنْ كانَ يَصحُّ مِنه قَبولُ النِّكاحِ بغيرِ إذْنٍ، لكنْ في الصُّورةِ المُعيَّنةِ لا يَجوزُ لِمانِعٍ فيه، مثلَ أنْ يُوكِّلَ في نِكاحِ الأَمَةِ مَنْ لا يَجوزُ له تَزوُّجُها، صَحَّتِ الوَكالةُ. وأمَّا تَوكيلُ الذِّميِّ في قَبولِ النِّكاحِ له فهو يُشبِهُ تَزويجَ الذِّميِّ ابنَتَه الذِّميَّةِ بمُسلِمٍ، ولو زوَّجها بذِميٍّ جازَ، ولكنْ إذا زوَّجها بمُسلِمٍ ففيها قَولانِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، قيلَ: يَجوزُ، وقيلَ: لا يَجوزُ، بَلْ يُوكِّلُ مُسلِمًا، وقيلَ: لا يُزوِّجُها إلَّا الحاكِمُ بإذْنِه، وكَونُه وَليًّا في تَزويجِ المُسلِمِ، مِثلُ كَونِه وَكيلًا في تَزويجِ المُسلِمةِ. وَمَنْ قالَ: إنَّ ذلك كلَّه جائِزٌ، قالَ: إنَّ المِلْكَ في النِّكاحِ يَحصُلُ لِلزَّوجِ، لا لِلوَكيلِ، باتِّفاقِ العُلماءِ، بخِلافِ المِلْكِ في غيرِه؛ فإنَّ الفُقهاءَ تَنازَعوا في ذلك، فمَذهبُ الشَّافِعيِّ وأحمدَ وغيرِهِما أنَّ حُقوقَ العَقدِ تَتعلَّقُ بالمُوكِّلِ، والمِلْكُ يَحصُلُ له، فلَو وكَّل مُسلِمٌ ذِميًّا في شِراءِ خَمرٍ لَم يَجُزْ، وأبو حَنيفةَ يُخالِفُ في ذلك، وإذا كانَ المِلْكُ يَحصُلُ لِلزَّوجِ، وهو المُوكِّلُ لِلمُسلِمِ، فتَوكيلُ الذِّميِّ بمَنزِلةِ تَوكيلِه في تَزويجِ المَرأةِ بعضَ مَحارِمِها، كَخالِها؛ فإنَّه يَجوزُ تَوكيلُه في قَبولِ نِكاحِها لِلمُوكِّلِ، وإنْ كانَ لا يَجوزُ له تَزوُّجُها. كَذلك الذمِّيُّ إذا وُكِّلَ في نِكاحِ مُسلِمٍ، وإنْ كانَ لا يَجوزُ له تَزويجُ المُسلِمةِ، لكنَّ الأحوَطَ ألَّا يَفعَلَ ذلك؛ لِمَا فيه مِنْ النِّزاعِ، ولأنَّ النِّكاحَ فيه شَوْبُ

стр. 6080

العِباداتِ، ويُستحَبُّ عَقدُه في المَساجِدِ، وقَد جاءَ في الآثارِ الجَوابُ: «مَنْ شهِد إملاكَ مُسلِمٍ فكَأنَّما شهِد فَتحًا في سَبيلِ اللَّهِ»، ولِهذا وجَب في أحَدِ القولَيْنِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، أنْ يَعقِدَ بالعَربيَّةِ، كالأذكارِ المَشروعةِ، وإذا كانَ كَذلك لَم يُتَّبَعْ أنْ يَكونَ الكافِرُ مُتوَليًا لِنِكاحِ مُسلِمٍ، ولكنْ لا يَظهَرُ مَع ذلك أنَّ العَقدَ باطِلٌ؛ فإنَّه ليسَ على بُطلانِه دَليلٌ شَرعيٌّ، والكافِرُ يَصحُّ مِنه النِّكاحُ، وليسَ هو مِنْ أهلِ العِباداتِ، واللَّهُ أعلَمُ (١). ٥ - تَوكيلُ المُسلِمِ الكافِرَ في الطَّلاقِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَوكيلِ المُسلِمِ كافِرًا في طَلاقِ زَوجَتِه، هَلْ يَصحُّ أو لا؟ فَذهَب الشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ تَوكيلُ المُسلِمِ كافِرًا في طَلاقِ المُسلِمةِ؛ لأنَّه قَدْ يُتَصَوَّرُ وُقوعُ طَلاقِ كافِرٍ على مُسلِمةٍ، بأنْ تُسلِمَ أوَّلًا ويَتَخَلَّفَ ثم يُطلِقَها في العِدَّةِ ثم يُسلِمَ قبلَ انقِضائِها؛ فإنَّ طَلاقَه واقِعٌ عليها. وفي وَجْةٍ آخَرَ أنَّه لا يَملِكُ طَلاقَ مُسلِمةٍ، لكنْ يَملِكُ طَلاقًا في الجُملةِ (٢). وهو ما يُفهَمُ مِنْ كَلامِ المالِكيَّةِ الذين مَنَعوا تَوكيلَه في البَيعِ والشِّراءِ والتَّقاضِي، وأجازوه في قَبولِ النِّكاحِ لِمُسلِمٍ (٣).

стр. 6081

وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَصحُّ تَوكيلُ المُسلِمِ كافِرًا في طَلاقِ زَوجَتِه، ولا في رَجعَتِها (١). والحَنفيَّةُ لا يَشترِطونَ إسلامَ الوَكيلِ، لكنْ لَم أجِدْ قَولًا صَريحًا لهم في هذا. ٦ - تَوكيلُ الكافِرِ مُطلَقًا هَلْ يَجوزُ أو لا؟ لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في جَوازِ تَوكيلِ الكافِرِ في الجُملةِ فيما يَجوزُ تَصرُّفُه فيه، وإنِ اختُلِفَ هَلْ يَملِكُ التَّوكيلَ في بعضِ الحالاتِ أو لا؟ وَقَدْ ذكَر الإمامُ البُخاريُّ ﵀ في صَحيحِه بابًا بعُنوانِ: إذا وكَّل المُسلِمُ حَربيًّا في دارِ الحَربِ أو في دارِ الإسلامِ جازَ: حدَّثنا عَبدُ العَزيزِ بنُ عَبدِ اللَّهِ قالَ: حدَّثني يُوسفُ بنُ الماجِشونِ عن صالِحِ بنِ إبراهيمَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ عن أبيه عن جَدِّه عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوْفٍ ﵁ قالَ: كاتَبْتُ أُميَّةَ بنَ خَلَفٍ كِتابًا بأنْ يَحفَظَني في صاغِيَتي بمَكَّةَ، وأحفَظَه في صاغِيَتِه بالمَدينةِ، فلمَّا ذَكَرتُ «الرَّحمَنِ» قالَ: لا أعرِفُ «الرَّحمَنِ»، كاتِبْني باسمِكَ الذي كانَ في الجاهِليَّةِ، فكاتَبتُه: عَبدُ عَمرٍو، فلمَّا كانَ في يَومِ بَدرٍ خَرَجتُ إلى جَبَلٍ لِأُحرِزَه حينَ نامَ النَّاسُ، فأبصَرَه بِلالٌ، فخرَج حتى وقَف على مَجلِسٍ مِنْ الأنصارِ، فقالَ [أي: قالَ بِلالٌ]:

стр. 6082

أُميَّةُ بنُ خَلَفٍ؟ لا نَجَوتُ إنْ نَجَا أُميَّةُ، فخرَج مَعه فَريقٌ مِنْ الأنصارِ في آثارِنا، فلمَّا خَشيتُ أنْ يَلحَقونا خَلَّفتُ لهمُ ابنَه؛ لِأشغَلَهم، فقَتَلوه، ثم أبَوْا حتى يَتبَعونا، وكانَ رَجُلًا ثَقيلًا، فلمَّا أدرَكونا قُلتُ له: ابرُكْ، فبَرَكَ، فألقَيتُ عليه نَفْسِي لِأمنَعَه، فتَخَلَّلوه بالسُّيوفِ مِنْ تَحتي، حتى قَتَلوه، وأصابَ أحَدُهم رِجْلِي بسَيفِه، وكانَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ يُرينا ذلك الأثَرَ في ظَهرِ قَدَمهِ» (١). قالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: ووَجهُ أخْذِ التَّرجَمةِ مِنْ هذا الحَديثِ أنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ وهو مُسلِمٌ في دارِ الإسلامِ، فوَّض إلى أُميَّةَ بنِ خَلَفٍ وهو كافِرٌ في دارِ الحَربِ، ما يَتعلَّقُ بأُمورِه، والظَّاهِرُ اطِّلاعُ النَّبيِّ ﷺ عليه، ولَم يُنكِرْه. قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: تَوكيلُ المُسلِمِ حَربيًّا مُستأمَنًا، وتَوكيلُ الحَربيِّ المُستأمَنِ مُسلِمًا، لا خِلافَ في جوازِه (٢). وقالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: بابٌ: إذا وكَّل المُسلِمُ حَربيًّا في دارِ الحَربِ، أو في دارِ الإسلامِ، جازَ. أي: هذا بابٌ يُذكَرُ فيه إذا وكَّل … إلى آخِرِه. قولُه: (وفي دارِ الإسلامِ)، أي: أو وكَّل حَربيًّا كائِنًا في دارِ الإسلامِ، يَعني: كانَ الحَربيُّ في دارِ الإسلامِ بأمانٍ، ووكَّله مُسلِمٌ. قولُه: (جازَ)، أي: التَّوكيلُ، يَدُلُّ عليه قولُه: (وكَّل)

стр. 6083

كما في قَوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، أي: العَدلُ أقرَبُ … ثم ساقَ الحَديثَ، ثم قالَ: مُطابَقَتُه لِلتَّرجَمةِ مِنْ حيثُ إنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ، وهو مُسلِمٌ في دارِ الإسلامِ، كاتَبَ أُميَّةَ بنَ خَلَفٍ، وهو كافِرٌ في دارِ الحَربِ، بتَفويضِه إليه؛ لِيَنظُرَ فيما يَتعلَّقُ به، وهو معنَى التَّوكيلِ؛ لأنَّ الوَكيلَ إنَّما هو مَرصَدٌ لِمَصالِحِ مُوكِّلِه، وقَضاءِ حَوائِجِه، ورَدَّ بهذا ما قالَه ابنُ التِّينِ: ليسَ في هذا الحَديثِ وَكالةٌ، إنَّما تَعاقُدٌ أنْ يُجيرَ كلُّ واحِدٍ مِنهُما صاغيَةَ صاحِبِه. فَإنْ قُلتَ: بمُجَرَّدِ هذا يَصحُّ تَوكيلُ مُسلِمٍ حَربيًّا في دارِ الحَربِ. قُلتُ: الظَّاهِرُ أنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ لَم يَفعَلْ هذا إلَّا باطِّلاعِ النَّبيِّ ﷺ ، فلَم يُنكِرْ عليه، فدَلَّ على صِحَّتِه. فَإن قُلتَ: التَّرجَمةُ في شَيئَيْنِ، والحَديثُ لا يَدُلُّ إلَّا على أحَدِهِما، وهو: تَوكيلُ المُسلِمِ حَربيًّا، وهو في دارِ الحَربِ، قُلتُ: إذا صَحَّ هذا فتَوكيلُه إيَّاه في دارِ الإسلامِ يَكونُ بطَريقِ الأَوْلَى أنْ يَصحَّ، وقالَ ابنُ المُنذِرِ: تَوكيلُ المُسلِمِ حَربيًّا مُستأمَنًا، وتَوكيلُ الحَربيِّ المُستأمَنِ مُسلِمًا لا خِلافَ في جَوازِ ذلك (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ المَقدِسيُّ ﵀: يَصحُّ تَوكيلُ المُسلِمِ كافِرًا فيما يَصحُّ تَصرُّفُه فيه، سَواءٌ كانَ ذِميًّا أو مُستأمَنًا أو حَربيًّا أو مُرتَدًّا؛ لأنَّ العَدالة لا تُشترَطُ في صِحَّةِ الوَكالةِ، فكَذلك الدِّينُ، كالبَيعِ (٢).

стр. 6084

لكنَّ قولَ ابنِ المُنذِرِ الذي نقَله ابنُ حَجَرٍ والعَينِيُّ عنه -مِنْ أنَّه لا خِلافَ في جَوازِ تَوكيلِ الكافِرِ مُطلَقًا- غيرُ مُسلَّمٍ؛ لِأمرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّه في «الإشرافِ» لَم يَقُلْ «بلا خِلافٍ»، بَلْ قالَ: ويُوكِّلُ المُسلِمُ الذمِّيَّ، ويُوكِّلُ الذمِّيُّ المُسلِمَ، في قَولِ الشَّافِعيِّ وأصحابِ الرَّأْيِ، وبِه نَقولُ. وإذا وكَّل المُسلِمُ الحَربيَّ المُستأمَنَ، أو وكَّل الحَربيُّ المُستأمَنُ المُسلِمَ، فهو جائِزٌ. قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: إذا وكَّل المُسلِمُ الحَربيَّ المُستأمَنَ، أو وكَّل الحَربيُّ المُستأمَنُ المُسلِمَ فهو جائِزٌ (١). وهو ما نقَله ابنُ بَطَّالٍ عنهُ (٢)، ولَم يَذكُرْ «بلا خِلافٍ». الأمْرُ الآخَرُ: أنَّ المالِكيَّةَ لا يَرَوْنَ جَوازَ تَوكيلِ المُسلِمِ الكافِرَ في البَيعِ، ولا في الشِّراءِ، ولا في اقتِضاءِ الدَّيْنِ. قالَ المالِكيَّةُ: يُمتَنَعُ على المُسلِمِ أنْ يُوكِّلَ كافِرًا، ذِميًّا كانَ أو غيرَه في بَيعٍ لِمُسلِمٍ، أو شِراءٍ له؛ لأنَّه لا يَتحَرَّى في مُعامَلاتِه الحَلالَ ولا يَعرِفُ شَرطَ المَعقودِ عليه مِنْ ثَمَنٍ ومُثمَّنٍ. كَذلك يَمتَنِعُ على المُسلِمِ أنْ يُوكِّلَ الكافِرَ على تَقاضِي دُيونِه، ولو على كافِرٍ، لِعَملِهم بالرِّبا، واستِحلالِهم له، ولو رَضيَ مَنْ يَتقاضَى مِنه الحَقَّ، لِحَقِّ

стр. 6085

اللَّهِ تَعالى، ولأنَّه رُبَّما أغلَظَ على المُسلِمِ الذي يَتقاضَى مِنه الدَّيْنَ واستَعلَى عليه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، ومِن ذلك جَعْلُه مُباشِرًا وكاتِبًا لِلأُمَراءِ ونحوِهِم؛ فإنَّه مِنْ الضَّلالِ المُبينِ. قالوا: إذا وقَع البَيعُ أوِ الشِّراءُ أوِ التَّقاضي المَمنوعُ على وَجْهِ الصِّحَّةِ يَنبَغي أنْ يَكونَ ماضيًا. وأمَّا تَوكيلُ الكُفَّارِ لِكافِرٍ؛ فإنْ كانَ على استِخلاصِ دَيْنٍ له مِنْ مُسلِمٍ مُنِعَ؛ لأنَّه رُبَّمَا أغلَظَ عليه، وشَقَّ عليه، وإنْ كانَ على التَّوكيلِ فيه تَسلُّطُ كافِرِينَ، بخِلافِ عَدمِه؛ فإنَّه لا تَسلُّطَ فيه إلَّا لِصاحِبِ الحَقِّ. وأمَّا غيرُ الأُمورِ الثَّلاثةِ التي هي البَيعُ والشِّراءُ، والتَّقاضي فيَجوزُ تَوكيلُه فيها، كَقَبولِ نِكاحٍ ودَفْعِ هِبةٍ وإبراءٍ ووَقْفٍ. قالَ في «المُدوَّنةِ»: قالَ مالِكٌ ﵀: لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يَستأجِرَ نَصرانيًّا إلَّا لِخِدمةٍ، فأمَّا لِبَيعٍ أو شِراءٍ أو تَقاضٍ أو لِيُبَضِّعَ مَعه فلا يَجوزُ، لِعَملِهم بالرِّبا واستِحلالِهم له. قالَ مالِكٌ ﵀: وكذا عَبدُه النَّصرانيُّ لا يَجوزُ أنْ يَأمُرَه ببَيعِ شَيءٍ، ولا شِرائِه ولا اقتِضائِه، ولا يَمنَعُ المُسلِمُ عَبدَه النَّصرانيَّ أنْ يَأتيَ الكَنيسةَ، ولا مِنْ شُربِ الخَمرِ، أو أكْلِ الخِنزيرِ. قالَ ابنُ القاسِمِ ﵀: ولا يُشارِكُ المُسلِمُ ذِميًّا إلَّا ألَّا يَغيبَ على بَيعٍ أو شِراءٍ، إلَّا بحَضرةِ المُسلِمِ. قالَ: ولا بَأْسَ أنْ يساقِيَه إذا كانَ الذمِّيُّ لا يَعصِرُ حِصَّتَه خَمرًا.

стр. 6086

قالَ: ولا أُحِبُّ لِمُسلِمٍ أنْ يَدفعَ لِذِميٍّ قِراضًا، لِعَملِه بالرِّبا، ولا أنْ يَأخُذَ مِنه قِراضًا؛ لِئَلَّا يُذِلَّ نَفْسَه، يُريدُ: وإنْ وقَع لَم يُفسَخْ (١). إلَّا أنَّ الفُقهاءَ كَرِهوا تَوكيلَ الذمِّيِّ، لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤]، قالَ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ: وقَد كَرِهَ أصحابُنا تَوكيلَ الذمِّيِّ في الشَّرْيِ والبَيعِ ودَفْعِ المالِ إليه مُضارَبةً، وهذه الآيةُ دالَّةٌ على صحَّةِ هذا القَولِ (٢). وقالَ شَمسُ الدِّينِ السَّرخَسيُّ ﵀: ويُكرَهُ لِلمُسلِمِ تَوكيلُ الذمِّيِّ بالتَصرُّفِ له (٣). وقالَ: وأكرَهُ تَوكيلَ الذمِّيِّ يَعقِدُ له السَّلَمَ، وإنْ فَعلَه يَجوزُ؛ لأنَّ الذمِّيَّ لا يَتحَرَّزُ عن الرِّبا، وعَن مُباشَرةِ العَقدِ الفاسِدِ، إمَّا لِجَهلِه بذلك، وإمَّا لِاعتِقادِه أو قَصدِه أنْ يُؤْكِلَ المُسلِمَ الحَرامَ، فلِهذا يُكرَهُ له أنْ يَأتَمِنه على ذلك، ويَجوزَ له إنْ فَعلَه؛ لأنَّ عَقدَ السَّلَمِ مِنْ المُعامَلاتِ، وهُم في ذلك يَستَوونَ بالمُسلِمينَ (٤).

стр. 6087

وقالَ: وأكرَهُ لِلمُسلِمِ تَوكيلَ الذمِّيِّ أو الحَربيِّ بأنْ يَصرِفَ له دَراهِمَ أو دَنانيرَ، وأُجيزُه إنْ فَعلَ؛ لأنَّ مُباشَرةَ هذا العَقدِ مِنه تَصحُّ لِنَفْسِه، فكَذلك لِغيرِه، بأمْرِه، ولكنَّه لا يَتحَرَّزُ عن الحَرامِ، إمَّا لِاستِحلالِه ذلك، أو لِجَهلِه به، أو قَصدِه إلى تَوكيلِ المُسلِمِ حَرامًا، فلِهذا أكرَهُ له ذلك (١). ٧ - تَوكيلُ الفاسِقِ في النِّكاحِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَوكيلِ الفاسِقِ في قَبولِ النِّكاحِ وإيجابِه لِغيرِه، هَلْ يَصحُّ أو لا؟ أوَّلًا: تَوكيلُ الفاسِقِ في قَبولِ النِّكاحِ لِغيرِهِ: فَذهَب الشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ تَوكيلُ الفاسِقِ في قَبولِ النِّكاحِ؛ لأنَّ الفاسِقَ يَصحُّ قَبولُه النِّكاحَ لِنَفْسِه، فصَحَّ قَبولُه لِغيرِه. وكذا لو وكَّل مُسلِمٌ كِتابيًّا في قَبولِ نِكاحِ كِتابيَّةٍ؛ لصحَّةِ قَبولِ ذلك لِنَفسِه. وذهَب الشَّافِعيَّةُ في الوَجْهِ الثَّاني والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ تَوكيلُ الفاسِقِ في قَبولِ النِّكاحِ؛ لأنَّ مَنْ لا يَجوزُ أنْ يَكونَ وَكيلًا في إيجابِه لا يَكونُ وَكيلًا في قَبولِه، كالمَرأةِ.

стр. 6088

ثانيًا: تَوكيلُ الفاسِقِ في إيجابِ النِّكاحِ لِغيرِهِ: ذهَب الشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ تَوكيلُ الفاسِقِ في إيجابِ النِّكاحِ لِغيرِهِ؛ لأنَّه مُوجِبٌ لِلنِّكاحِ، فلَمْ يَصحَّ أنْ يَكونَ فاسِقًا، كالوَليِّ. والوَجهُ الثَّاني لِلشَّافِعيَّةِ ورِوايةٌ لِلحَنابِلةِ: يَصحُّ تَوكيلُه في إيجابِ النِّكاحِ؛ لأنَّه ليسَ بوَليٍّ، وإنَّما الوَليُّ المُوكِّلُ، وهو عَدلٌ (١). ٨ - تَوكيلُ المَرأةِ في النِّكاحِ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ تَوكيلُ المَرأةِ في عَقدِ النِّكاحِ إيجابًا وقَبولًا؛ لأنَّها لا تَملِكُ نِكاحَ نَفْسِها، فلا تَملِكُ نِكاحَ غيرِها، ولو أذِنَتْ لِوَليِّها بصِيغةِ التَّوكيلِ، كوَكَّلتُكَ في تَزويجي، صَحَّ، وهو إذْنٌ، لا وَكالةٌ (٢). وذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ وزُفَرُ والحَسَنُ وظاهِرُ الرِّوايةِ عن أبي يُوسفَ إلى أنَّه يَصحُّ تَوكيلُ المَرأةِ في نِكاحِ غيرِها؛ لأنَّه يَجوزُ لها أنْ تُزوِّجَ نَفْسَهَا.

стр. 6089

قالَ المَوصِليُّ الحَنَفيُّ ﵀: وعِبارةُ النِّساءِ مُعتبَرةٌ في النِّكاحِ، حتى لو زوَّجتِ الحُرَّةُ العاقِلةُ البالِغةُ نَفْسَها جازَ، وكَذلك لو زوَّجتْ غيرَها بالوِلايةِ أو الوَكالةِ؛ وكذا إذا وكَّلتْ غيرَها في تَزويجِها أو زوَّجها غيرُها فأجازَتْ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وزُفَرَ والحَسَنِ، وظاهِرُ الرِّوايةِ عن أبي يُوسفَ. وقالَ مُحمَّدٌ: لا يَجوزُ إلَّا بإجازةِ الوَليِّ، فإنْ ماتَا قبلَها لا يَتوارَثانِ، ولا يَقَعُ طَلاقُه، ولا ظِهارُه، ووَطْؤُه حَرامٌ، فإنِ امتَنَعَ الوَليُّ مِنْ الإجازةِ ذكَر الطَّحاويُّ عن مُحمَّدٍ: يُجَدِّدُ القاضي العَقدَ بينَهما. وذكَر هِشامٌ عن مُحمَّدٍ؛ فَإنْ لَم يُجِزْه الوَليُّ أُجيزُه أنا، وكانَ يَومَئِذٍ قاضيًا، فصارَ عنه رِوايَتانِ. ورُوِيَ عنه أنَّه رجَع إلى قَولِ أبي حَنيفةَ قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أيَّامٍ. وحَكَى الفَقيهُ أبو جَعفَرٍ الهِندُوانيُّ: أنَّ امرَأةً جاءَتْ إلى مُحمَّدٍ قبلَ مَوتِه بثَلاثةِ أيَّامٍ، وقالَتْ: إنَّ لي وَليًّا، وهو لا يُزوِّجُنِي إلَّا بعدَ أنْ يَأخُذَ مِنِّي مالًا كَثيرًا، فقالَ لها مُحمَّدٌ: اذهَبِي فزوِّجي نَفْسَكِ، وهذا يُؤيِّدُ ما رُوِيَ مِنْ رُجوعِه. وعَن أبي يُوسفَ في غيرِ رِوايةِ الأُصولِ مثلَ قَولِ مُحمَّدٍ الأوَل. وفي رِوايةٍ: إنْ زوَّجتْ نَفْسَها مِنْ كُفْءٍ لا يَتوقَّفُ، وإنْ كانَ مِنْ غيرِ كُفْءٍ يَتوقَّفُ على إجازةِ الوَليِّ (١). قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: ولا يَجوزُ لِلمَرأةِ أنْ تُباشِرَ عَقدَ نِكاحِها بنَفْسِها دونَ وَليِّها، ولا أنْ تَعقِدَ نِكاحَ غيرِها، وممَّن قالَ هذا مالِكٌ، والشَّافِعيُّ، وسُفيانُ، والثَّوريُّ، وابنُ أبي لَيلَى، وابنُ شُبرُمةَ، وابنُ المُبارَكِ،

стр. 6090

وعُبَيدُ اللَّهِ بنُ الحَسَنِ، وأحمَدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَورٍ، وأبو عُبَيْدٍ، والطَّبَريُّ، ورُوِي ذلك عن عُمرَ، وعَلِيٍّ، وابنِ مَسعودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأبي هُرَيرةَ، وهو قَولُ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ، والحَسَنِ، وعُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ، وجابِرِ بنِ زَيدٍ أبي الشَّعثاءِ، وخالَفَ هَؤُلاءِ أهلُ الرَّأيِ مِنْ الكُوفِيِّينَ، وطائِفةٌ مِنْ التابِعينَ (١). ٩ - تَوكيلُ المَرأةِ في الطَّلاقِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في تَوكيلِ المَرأةِ في طَلاقِ غيرِها، هَلْ يَصحُّ أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه يَصحُّ تَوكيلُها في طَلاقِ نَفْسِها. فَذهَب الشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمَرأةِ أنْ تَكونَ وَكيلًا في الطَّلاقِ؛ لأنَّه لو ملَكها الزَّوجُ طَلاقَ نَفْسِها ملَكتْ، فجازَ أنْ تَكونَ وَكيلًا في طَلاقِ غيرِها، فعلى هذا يَجوزُ أنْ يُوكِّلَ الزَّوجُ امرَأةً. وذهَب الشَّافِعيَّةُ في وَجهٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ تَوكيلُ المَرأةِ في الطَّلاقِ؛ لأنَّها لا تَملِكُ الطَّلاقَ، فلَمْ يَجُزْ أنْ تَكونَ وَكيلًا فيه، وإنَّما أُجيزَ تَوكيلُها في طَلاقِ نَفْسِها؛ لِلحاجةِ، ولا حاجةَ إلى تَوكيلِها في طَلاقِ غيرِها، فلَمْ يَجُزْ، فعلى هذا يُعتبَرُ في وَكيلِ الزَّوجِ أنْ يَكونَ رَجُلًا (٢).

стр. 6091

١٠ - تَوكيلُ المَرأةِ في الرَّجعةِ: قالَ الشَّافِعيَّةُ: لا يَصحُّ تَوكيلُ المَرأةِ في رَجعةِ نَفْسِها، ولا رَجعةِ غيرِها؛ لأنَّ الفَرْجَ لا يُستَباحُ بقَولِ النِّساءِ (١). ١١ - تَوكيلُ الوَليِّ غيرَه في النِّكاحِ: لا خِلافَ بَينِ فُقهاءِ المَذاهبِ في أنَّه يَجوزُ لِوَليِّ المَرأةِ أنْ يُوكِّلَ غيرَه في عَقدِ نِكاحِ مُولِّيَتِه إذا تَوافرَتْ في الوَكيلِ الشُّروطُ المُعتبَرةُ. قالَ المالِكيَّةُ: لا يَصحُّ تَوكيلُ وَليِّ امرَأةٍ لمَن يَتوَلَّى عَقدَ نِكاحِها نِيابةً عنه، إلَّا مثلَه في استِيفاءِ الشُّروطِ. هَكذا قالَ الصَّاوي في «الشَّرحِ الصَّغيرِ» (٢). لكنْ قالَ الإمامُ القَرافيُّ ﵀ في «الذَّخيرةِ»: البَحثُ السَّادِسُ في تَوكيلِ الوَليِّ والزَّوجِ، وفي الجَواهِرِ لِلوَليِّ أنْ يُوكِّلَ في العَقدِ على وَليَّتِه بعدَ تَعيينِ الزَّوجِ، ولِلزَّوجِ التَّوكيلُ في العَقدِ عنه، ولا يُشترَطُ في الوَكيلِ ما يُشترَطُ في الأولياءِ، بَلْ يَصحُّ بالصَّبِيِّ والعَبدِ والنَّصرانيِّ؛ لأنَّ الوَكيلَ كالخادِمِ لِلمُوكِّلِ، فلا يُنافي مَنصِبُه الصِّفاتِ الدَّنيَّةَ، ولأنَّه إنَّما يُوكِّلُه بعدَ الخِبرةِ بحالِه وسَدادِ تَصرُّفِه بخِلافِ ما لو جُعِلَ وَليًّا أصْلِيًّا. وقيلَ: يُشترَطُ فيه ما يُشترَطُ في الأولياءِ؛ صَوْنًا لِلعَقدِ عن غيرِ أهلِه، ويَقولُ الوَكيلُ: زَوَّجتُ مِنْ فُلانٍ، ولا يَقولُ: مِنه، ويَقولُ الوَكيلُ:

стр. 6092

قَبِلتُ لِفُلانٍ، ولو قالَ: قَبِلتُ، كَفَى، إذا نَوَى مُوكِّلَه (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: التَّوكيلُ بالتَّزويجِ جائِزٌ؛ فإنْ كانَ الوَليُّ مُجبَرًا فله التَّوكيلُ بغيرِ إذْنِها، على الصَّحيحِ، وقيلَ: يُشترَطُ إذْنُها، حَكَاه الحَنَّاطيُّ والقاضي أبو حامِدٍ، فعلى هذا إنْ كانَتْ صَغيرةً امتَنَعَ التَّوكيلُ، وعلى الصَّحيحِ إذا وكَّل لا يُشترَطُ تَعيينُ الزَّوجِ على الأظهَرِ. ولو أذِنَتِ الثَّيِّبُ في النِّكاحِ، أوِ البِكرُ لِغيرِ الأبِ والجَدِّ، ففي اشتِراطِ التَّعيينِ القَولانِ، وقيلَ: لا يُشترَطُ قَطعًا؛ لأنَّ الوَليَّ يُعنَى بدَفْعِ العارِ عن النَّسَبِ، بخِلافِ الوَكيلِ. وإذا كانَ الوَليُّ غيرَ مُجبَرٍ لِكَونِه غيرَ الأبِ والجَدِّ، أو كانَتْ ثَيِّبًا، ففي التَّوكيلِ صُوَرٌ: إحداها: إذا قالَتْ له: زوِّجْنِي، ووكَّل، فله كلُّ واحِدٍ مِنهما، التَّزويجُ والتَّوكيلُ. والثَّانيةُ: نَهَتْه عن التَّوكيلِ، فلا يُوكِّلُ. الثَّالثةُ: قالَتْ: وكِّلْ بتَزويجِي، واقتَصَرَتْ عليه، فله التَّوكيلُ، وهَل له أنْ يُزوِّجَ بنَفْسِهِ؟ وَجهانِ، قالَ النَّوَويُّ أصَحُّهما: نَعم. الرَّابِعةُ: قالَتْ: أذِنتُ لكَ في تَزويجي، فله التَّوكيلُ على الأصَحِّ؛ لأنَّه مُتَصرِّفٌ بالوِلايةِ. ولو وكَّل مِنْ غيرِ مُراجَعَتِها واستِئذانِها بالكلِّيَّةِ لَم يَصحَّ،

стр. 6093

على الصَّحيحِ؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَّزويجَ بنَفْسِه حينَئذٍ، والثَّاني: يَصحُّ. فَعلَى هذا يَستأذِنُ الوَليُّ أوِ الوَكيلُ لِلوَليِّ، ثم يُزوِّجُ، ولا يَجوزُ أنْ يَستأذِنَ لِنَفْسِه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: وَكيلُ كلِّ وَليٍّ مِنْ الأولياءِ يَقومُ مَقامَه، سَواءٌ أكانَ الوَليُّ حاضِرًا أم غائِبًا، مُجبَرًا أو غيرَ مُجبَرٍ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فجازَ التَّوكيلُ فيه، كالبَيعِ، وقياسًا على تَوكيلِ الزَّوجِ؛ لأنَّه رُوِيَ «أنَّه ﷺ وكَّل أبا رافِعٍ في تَزويجِه مَيمونةَ»، و «وكَّل عَمْرَو بنَ أُميَّةَ الضَّمْريَّ في تَزويجِه أُمَّ حَبيبةَ». والوَليُّ ليسَ بوَكيلٍ لِلمَرأةِ؛ لأنَّه لَم تَثبُتْ وِلايَتُه مِنْ جِهَتِها، ولو كانَ الوَليُّ وَكيلًا عَنها لَتَمكَّنَتْ مِنْ عَزلِه، كَسائِرِ الوُكَلاءِ، وإنَّما إذْنُها حيثُ اعتُبِرَ شَرطًا لصحَّةِ تَصرُّفِه، فأشبَهَ وِلايةَ الحاكِمِ عليها. وَحيثُ تَقرَّر أنَّه ليسَ وَكيلًا عَنها فله تَوكيلُ مَنْ يُوجِبُ نِكاحَها بغيرِ إذْنِها، وقبلَ إذْنِها لِوَليِّها في تَزويجِها، وإنْ لَم تَكُنْ مُجبَرةً، ولا يَفتَقِرُ تَوكيلُه إلى حُضورِ شاهِدَيْنِ؛ لأنَّه إذْنٌ مِنْ الوَليِّ في التَّزويجِ، فلا يَفتَقِرُ إلى إذْنِ المَرأةِ، ولا الإشهادِ عليه، كَإذْنِ الحاكِمِ. وَيَثبُتُ لِلوَكيلِ ما يَثبُتُ لِمُوكِّلٍ، حتى في الإجبارِ؛ لأنَّه نائِبُه، وكذا الحُكمُ في السُّلطانِ والحاكِمِ، يَأذَنُ لِغيرِه في التَّزويجِ.

стр. 6094

لكنْ لا بدَّ مِنْ إذْنِ امرَأةٍ غيرِ مُجبَرةٍ لِوَكيلِ وَليِّها بعدَ تَوكيلِه أنْ يُزوِّجَها، فلا يَكفي إذْنُها لِوَليِّها بالتَّزويجِ مِنْ غيرِ مُراجَعةِ وَكيلٍ لها، وإذْنِها له بعدَ تَوكيلِها؛ لأنَّه نائِبٌ عن غيرِ مُجبَرٍ، فيَثبُتُ له ما يَثبُتُ لمَن يَنوبُ عَنه، ولا أثَرَ لِإذْنِها له قبلَ أنْ يُوكِّلَه الوَليُّ؛ لأنَّه قبلَ أنْ يُوكِّلَه الوَليُّ أجنَبيٌّ، وبعدَ تَوكيلِه وَليٌّ. قالَ البُهوتيُّ ﵀: قُلتُ: فيُؤخَذُ مِنه: لو أذِنَتْ لِلأبعَدِ أنْ يُزوِّجَها مَع أهلِيَّةِ الأقرَبِ، ثم انتَقَلَتِ الوِلايةُ لِلأبعَدِ، فلا بدَّ مِنْ مُراجَعَتِه لها بعدَ انتِقالِ الوِلايةِ إليه. ولو وُكِّلَ وَليُّ غيرِ مُجبَرٍ في نِكاحِ مُوَليَتِه ثم أذِنَتِ المَرأةُ لِلوَكيلِ أنْ يُزوِّجَها، صَحَّ ذلك، ولو لَم تَأذَنْ لِلوَليِّ أنْ يُزوِّجَها، أو أنْ يُوكِّلَ؛ لأنَّه ليسَ وَكيلًا عَنها. وَيُشترَطُ في وَكيلِ الوَليِّ ما يُشترَطُ في الوَليِّ مِنْ العَدالةِ وغيرِها، كالرُّشدِ والذُّكورةِ والبُلوغِ والعَقلِ واتِّحادِ الدِّينِ؛ لأنَّها وِلايةٌ، فلا يَصحُّ أنْ يُباشِرَها غيرُ أهلِها، ولأنَّه لمَّا لَم يَملِكْ تَزويجَ مُناسَبَتِه فألَّا يَملِكَ تَزويجَ مُوَليَةِ غيرِه بالتَّوكيلِ أَوْلَى. ولا يُشترَطُ في وَكيلِ الزَّوجِ عَدالَتُه، فيَصحُّ تَوكيلُ فاسِقٍ في قَبولِه؛ لأنَّ الفاسِقَ يَصحُّ قَبولُه النِّكاحَ لِنَفْسِه، فصَحَّ قَبولُه لِغيرِه. وكذا لو وكَّل مُسلِمٌ نَصرانيًّا في قَبولِ نِكاحِ نَصرانيَّةٍ، لصحَّةِ قَبولِ ذلك لِنَفْسِه.

стр. 6095

وَيَصحُّ تَوكيلُ الوَليِّ في إيجابِ النِّكاحِ تَوكيلًا مُطلَقًا، وإذْنُها لِوَليِّها في العَقدِ مُطلَقًا كَقَولِ المَرأةِ لِوَليِّها: زوِّجْ مَنْ شِئتَ، أو مَنْ تَرضاه، وقَولُ الوَليِّ لِوَكيلِه: زوِّجْ مَنْ شِئتَ، أو مَنْ تَرضاه، رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنْ العَرَبِ ترَك ابنَتَه عندَ عُمرَ، وقالَ: إذا وَجَدْتَ كُفُؤًا فزوِّجْه، ولو بِشِراكِ نَعْلِه، فزوَّجها عُثمانَ بنَ عَفَّانَ، فهي أُمُّ عَمرِو بنِ عُثمانَ»، واشتُهِرَ ذلك، فلَمْ يُنكَرْ، وكالتَّوكيلِ في البَيعِ ونحوِه، ويَتقيَّدُ الوَليُّ إذا أذِنَتْ له أنْ يُزوِّجَها، وأطلَقَتْ بالكُفْءِ، ويَتقيَّدَ وَكيلُه المُطلَقُ بالكُفْءِ، ظاهِرُهُ: وإنْ لَم يَشترِطْ. وقالَ في «التَّرغيبِ»: إنِ اشترَطَ واقتَصَرَ عليه في المُبدِعِ وغيرِه، ولَعَلَّ ما ذكَره المُصنِّفُ أَوْلَى؛ لأنَّ الإطلاقَ يُحمَلُ على ما لا نَقيصةَ فيه. وليسَ لِلوَكيلِ أنْ يَتزوَّجَها لِنَفْسِه، كالوَكيلِ في البَيعِ يَبيعُ لِنَفْسِه، ولا لِلوَليِّ إذا أذِنَتْ له المَرأةُ أنْ يُزوِّجَها، وأطلَقَتْ، أنْ يَتزوَّجَها لِنَفْسِه، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ إطلاقَ الإذْنِ يَقتَضي تَزويجَها غيرَه، قطَع به في الشَّرحِ والمُبدِعِ في آخِرِ تَوَلي طَرَفَيِ العَقدِ. وقالَ في «الإنصافِ»: وأمَّا مَنْ وِلايَتُه بالشَّرعِ، كالوَليِّ والحاكِمِ وأمينِه، فله أنْ يُزوِّجَ نَفْسَه، ولو قُلْنا: ليسَ لهم أنْ يَشتَرُوا مِنْ المالِ، ذَكَرهُ القاضي في خِلافِه وألحَقَ الوَصِيَّ بذلك. قالَ في «القَواعِدِ الفِقهيَّةِ والأُصوليَّةِ»: وفيه نَظَرٌ؛ فإنَّ الوَصِيَّ يُشبِهُ الوَكيلَ؛ لِتَصرُّفِه بالإذْنِ، قالَ: وسَواءٌ في ذلك اليَتيمةُ وغيرُها، صرَّح به القاضي في ذلك، وذلك حيثُ يَكونُ لها إذْنٌ مُعتبَرٌ.
следующие страницы →