← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

١٠ - تَوكيلُ المَرأةِ في الرَّجعةِ: قالَ الشَّافِعيَّةُ: لا يَصحُّ تَوكيلُ المَرأةِ في رَجعةِ نَفْسِها، ولا رَجعةِ غيرِها؛ لأنَّ الفَرْجَ لا يُستَباحُ بقَولِ النِّساءِ (١). ١١ - تَوكيلُ الوَليِّ غيرَه في النِّكاحِ: لا خِلافَ بَينِ فُقهاءِ المَذاهبِ في أنَّه يَجوزُ لِوَليِّ المَرأةِ أنْ يُوكِّلَ غيرَه في عَقدِ نِكاحِ مُولِّيَتِه إذا تَوافرَتْ في الوَكيلِ الشُّروطُ المُعتبَرةُ. قالَ المالِكيَّةُ: لا يَصحُّ تَوكيلُ وَليِّ امرَأةٍ لمَن يَتوَلَّى عَقدَ نِكاحِها نِيابةً عنه، إلَّا مثلَه في استِيفاءِ الشُّروطِ. هَكذا قالَ الصَّاوي في «الشَّرحِ الصَّغيرِ» (٢). لكنْ قالَ الإمامُ القَرافيُّ ﵀ في «الذَّخيرةِ»: البَحثُ السَّادِسُ في تَوكيلِ الوَليِّ والزَّوجِ، وفي الجَواهِرِ لِلوَليِّ أنْ يُوكِّلَ في العَقدِ على وَليَّتِه بعدَ تَعيينِ الزَّوجِ، ولِلزَّوجِ التَّوكيلُ في العَقدِ عنه، ولا يُشترَطُ في الوَكيلِ ما يُشترَطُ في الأولياءِ، بَلْ يَصحُّ بالصَّبِيِّ والعَبدِ والنَّصرانيِّ؛ لأنَّ الوَكيلَ كالخادِمِ لِلمُوكِّلِ، فلا يُنافي مَنصِبُه الصِّفاتِ الدَّنيَّةَ، ولأنَّه إنَّما يُوكِّلُه بعدَ الخِبرةِ بحالِه وسَدادِ تَصرُّفِه بخِلافِ ما لو جُعِلَ وَليًّا أصْلِيًّا. وقيلَ: يُشترَطُ فيه ما يُشترَطُ في الأولياءِ؛ صَوْنًا لِلعَقدِ عن غيرِ أهلِه، ويَقولُ الوَكيلُ: زَوَّجتُ مِنْ فُلانٍ، ولا يَقولُ: مِنه، ويَقولُ الوَكيلُ:

стр. 6092

قَبِلتُ لِفُلانٍ، ولو قالَ: قَبِلتُ، كَفَى، إذا نَوَى مُوكِّلَه (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: التَّوكيلُ بالتَّزويجِ جائِزٌ؛ فإنْ كانَ الوَليُّ مُجبَرًا فله التَّوكيلُ بغيرِ إذْنِها، على الصَّحيحِ، وقيلَ: يُشترَطُ إذْنُها، حَكَاه الحَنَّاطيُّ والقاضي أبو حامِدٍ، فعلى هذا إنْ كانَتْ صَغيرةً امتَنَعَ التَّوكيلُ، وعلى الصَّحيحِ إذا وكَّل لا يُشترَطُ تَعيينُ الزَّوجِ على الأظهَرِ. ولو أذِنَتِ الثَّيِّبُ في النِّكاحِ، أوِ البِكرُ لِغيرِ الأبِ والجَدِّ، ففي اشتِراطِ التَّعيينِ القَولانِ، وقيلَ: لا يُشترَطُ قَطعًا؛ لأنَّ الوَليَّ يُعنَى بدَفْعِ العارِ عن النَّسَبِ، بخِلافِ الوَكيلِ. وإذا كانَ الوَليُّ غيرَ مُجبَرٍ لِكَونِه غيرَ الأبِ والجَدِّ، أو كانَتْ ثَيِّبًا، ففي التَّوكيلِ صُوَرٌ: إحداها: إذا قالَتْ له: زوِّجْنِي، ووكَّل، فله كلُّ واحِدٍ مِنهما، التَّزويجُ والتَّوكيلُ. والثَّانيةُ: نَهَتْه عن التَّوكيلِ، فلا يُوكِّلُ. الثَّالثةُ: قالَتْ: وكِّلْ بتَزويجِي، واقتَصَرَتْ عليه، فله التَّوكيلُ، وهَل له أنْ يُزوِّجَ بنَفْسِهِ؟ وَجهانِ، قالَ النَّوَويُّ أصَحُّهما: نَعم. الرَّابِعةُ: قالَتْ: أذِنتُ لكَ في تَزويجي، فله التَّوكيلُ على الأصَحِّ؛ لأنَّه مُتَصرِّفٌ بالوِلايةِ. ولو وكَّل مِنْ غيرِ مُراجَعَتِها واستِئذانِها بالكلِّيَّةِ لَم يَصحَّ،

стр. 6093

على الصَّحيحِ؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَّزويجَ بنَفْسِه حينَئذٍ، والثَّاني: يَصحُّ. فَعلَى هذا يَستأذِنُ الوَليُّ أوِ الوَكيلُ لِلوَليِّ، ثم يُزوِّجُ، ولا يَجوزُ أنْ يَستأذِنَ لِنَفْسِه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: وَكيلُ كلِّ وَليٍّ مِنْ الأولياءِ يَقومُ مَقامَه، سَواءٌ أكانَ الوَليُّ حاضِرًا أم غائِبًا، مُجبَرًا أو غيرَ مُجبَرٍ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فجازَ التَّوكيلُ فيه، كالبَيعِ، وقياسًا على تَوكيلِ الزَّوجِ؛ لأنَّه رُوِيَ «أنَّه ﷺ وكَّل أبا رافِعٍ في تَزويجِه مَيمونةَ»، و «وكَّل عَمْرَو بنَ أُميَّةَ الضَّمْريَّ في تَزويجِه أُمَّ حَبيبةَ». والوَليُّ ليسَ بوَكيلٍ لِلمَرأةِ؛ لأنَّه لَم تَثبُتْ وِلايَتُه مِنْ جِهَتِها، ولو كانَ الوَليُّ وَكيلًا عَنها لَتَمكَّنَتْ مِنْ عَزلِه، كَسائِرِ الوُكَلاءِ، وإنَّما إذْنُها حيثُ اعتُبِرَ شَرطًا لصحَّةِ تَصرُّفِه، فأشبَهَ وِلايةَ الحاكِمِ عليها. وَحيثُ تَقرَّر أنَّه ليسَ وَكيلًا عَنها فله تَوكيلُ مَنْ يُوجِبُ نِكاحَها بغيرِ إذْنِها، وقبلَ إذْنِها لِوَليِّها في تَزويجِها، وإنْ لَم تَكُنْ مُجبَرةً، ولا يَفتَقِرُ تَوكيلُه إلى حُضورِ شاهِدَيْنِ؛ لأنَّه إذْنٌ مِنْ الوَليِّ في التَّزويجِ، فلا يَفتَقِرُ إلى إذْنِ المَرأةِ، ولا الإشهادِ عليه، كَإذْنِ الحاكِمِ. وَيَثبُتُ لِلوَكيلِ ما يَثبُتُ لِمُوكِّلٍ، حتى في الإجبارِ؛ لأنَّه نائِبُه، وكذا الحُكمُ في السُّلطانِ والحاكِمِ، يَأذَنُ لِغيرِه في التَّزويجِ.

стр. 6094

لكنْ لا بدَّ مِنْ إذْنِ امرَأةٍ غيرِ مُجبَرةٍ لِوَكيلِ وَليِّها بعدَ تَوكيلِه أنْ يُزوِّجَها، فلا يَكفي إذْنُها لِوَليِّها بالتَّزويجِ مِنْ غيرِ مُراجَعةِ وَكيلٍ لها، وإذْنِها له بعدَ تَوكيلِها؛ لأنَّه نائِبٌ عن غيرِ مُجبَرٍ، فيَثبُتُ له ما يَثبُتُ لمَن يَنوبُ عَنه، ولا أثَرَ لِإذْنِها له قبلَ أنْ يُوكِّلَه الوَليُّ؛ لأنَّه قبلَ أنْ يُوكِّلَه الوَليُّ أجنَبيٌّ، وبعدَ تَوكيلِه وَليٌّ. قالَ البُهوتيُّ ﵀: قُلتُ: فيُؤخَذُ مِنه: لو أذِنَتْ لِلأبعَدِ أنْ يُزوِّجَها مَع أهلِيَّةِ الأقرَبِ، ثم انتَقَلَتِ الوِلايةُ لِلأبعَدِ، فلا بدَّ مِنْ مُراجَعَتِه لها بعدَ انتِقالِ الوِلايةِ إليه. ولو وُكِّلَ وَليُّ غيرِ مُجبَرٍ في نِكاحِ مُوَليَتِه ثم أذِنَتِ المَرأةُ لِلوَكيلِ أنْ يُزوِّجَها، صَحَّ ذلك، ولو لَم تَأذَنْ لِلوَليِّ أنْ يُزوِّجَها، أو أنْ يُوكِّلَ؛ لأنَّه ليسَ وَكيلًا عَنها. وَيُشترَطُ في وَكيلِ الوَليِّ ما يُشترَطُ في الوَليِّ مِنْ العَدالةِ وغيرِها، كالرُّشدِ والذُّكورةِ والبُلوغِ والعَقلِ واتِّحادِ الدِّينِ؛ لأنَّها وِلايةٌ، فلا يَصحُّ أنْ يُباشِرَها غيرُ أهلِها، ولأنَّه لمَّا لَم يَملِكْ تَزويجَ مُناسَبَتِه فألَّا يَملِكَ تَزويجَ مُوَليَةِ غيرِه بالتَّوكيلِ أَوْلَى. ولا يُشترَطُ في وَكيلِ الزَّوجِ عَدالَتُه، فيَصحُّ تَوكيلُ فاسِقٍ في قَبولِه؛ لأنَّ الفاسِقَ يَصحُّ قَبولُه النِّكاحَ لِنَفْسِه، فصَحَّ قَبولُه لِغيرِه. وكذا لو وكَّل مُسلِمٌ نَصرانيًّا في قَبولِ نِكاحِ نَصرانيَّةٍ، لصحَّةِ قَبولِ ذلك لِنَفْسِه.

стр. 6095

وَيَصحُّ تَوكيلُ الوَليِّ في إيجابِ النِّكاحِ تَوكيلًا مُطلَقًا، وإذْنُها لِوَليِّها في العَقدِ مُطلَقًا كَقَولِ المَرأةِ لِوَليِّها: زوِّجْ مَنْ شِئتَ، أو مَنْ تَرضاه، وقَولُ الوَليِّ لِوَكيلِه: زوِّجْ مَنْ شِئتَ، أو مَنْ تَرضاه، رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنْ العَرَبِ ترَك ابنَتَه عندَ عُمرَ، وقالَ: إذا وَجَدْتَ كُفُؤًا فزوِّجْه، ولو بِشِراكِ نَعْلِه، فزوَّجها عُثمانَ بنَ عَفَّانَ، فهي أُمُّ عَمرِو بنِ عُثمانَ»، واشتُهِرَ ذلك، فلَمْ يُنكَرْ، وكالتَّوكيلِ في البَيعِ ونحوِه، ويَتقيَّدُ الوَليُّ إذا أذِنَتْ له أنْ يُزوِّجَها، وأطلَقَتْ بالكُفْءِ، ويَتقيَّدَ وَكيلُه المُطلَقُ بالكُفْءِ، ظاهِرُهُ: وإنْ لَم يَشترِطْ. وقالَ في «التَّرغيبِ»: إنِ اشترَطَ واقتَصَرَ عليه في المُبدِعِ وغيرِه، ولَعَلَّ ما ذكَره المُصنِّفُ أَوْلَى؛ لأنَّ الإطلاقَ يُحمَلُ على ما لا نَقيصةَ فيه. وليسَ لِلوَكيلِ أنْ يَتزوَّجَها لِنَفْسِه، كالوَكيلِ في البَيعِ يَبيعُ لِنَفْسِه، ولا لِلوَليِّ إذا أذِنَتْ له المَرأةُ أنْ يُزوِّجَها، وأطلَقَتْ، أنْ يَتزوَّجَها لِنَفْسِه، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ إطلاقَ الإذْنِ يَقتَضي تَزويجَها غيرَه، قطَع به في الشَّرحِ والمُبدِعِ في آخِرِ تَوَلي طَرَفَيِ العَقدِ. وقالَ في «الإنصافِ»: وأمَّا مَنْ وِلايَتُه بالشَّرعِ، كالوَليِّ والحاكِمِ وأمينِه، فله أنْ يُزوِّجَ نَفْسَه، ولو قُلْنا: ليسَ لهم أنْ يَشتَرُوا مِنْ المالِ، ذَكَرهُ القاضي في خِلافِه وألحَقَ الوَصِيَّ بذلك. قالَ في «القَواعِدِ الفِقهيَّةِ والأُصوليَّةِ»: وفيه نَظَرٌ؛ فإنَّ الوَصِيَّ يُشبِهُ الوَكيلَ؛ لِتَصرُّفِه بالإذْنِ، قالَ: وسَواءٌ في ذلك اليَتيمةُ وغيرُها، صرَّح به القاضي في ذلك، وذلك حيثُ يَكونُ لها إذْنٌ مُعتبَرٌ.

стр. 6096

وَيَجوزُ لِلوَكيلِ المُطلَقِ، ولِلوَليِّ إذا أذِنَتْ له أنْ يُزوِّجَها، وأطلَقَتْ، أنْ يُزوِّجَها لِوَلَدِه ووالِدِه وأخيه، ونحوِهم، إذا كانَ كُفُؤًا؛ لِتَناوُلِ اللَّفظِ لهم، وهذا بخِلافِ الوَكيلِ في البَيعِ ونحوِه؛ فإنَّه لا يَبيعُ لمَن تُرَدُّ شَهادَتُه له؛ لأنَّه مُتَّهمٌ؛ لأنَّ الثَّمَنَ رُكنٌ في البَيعِ، بخِلافِ الصَّداقِ. وَيَصحُّ تَوكيلُه مُقيَّدًا، كَزوِّجْ فُلانًا بعَينِه، فلا يُزوِّجُ غيرَه؛ لِقُصورِ وِلايَتِه. وَيُشترَطُ لصحَّةِ النِّكاحِ قَولُ وَليٍّ لِوَكيلِ زَوجٍ، أو قَولُ وَكيلِ الوَليِّ لِوَكيلِ زَوجٍ: زَوَّجتُ فُلانةَ بِنتَ فُلانٍ، ويَنسُبُها، فُلانَ بنَ فُلانٍ، ويَنسُبُه، ولَم يَنسُبْه على ذلك هُنا لِلعِلْمِ به، ممَّا سبَق مِنْ اشتِراطِ تَعيينِ الزَّوجَيْنِ. أو قَولُه: زَوَّجتُ مُوكِّلكَ فُلانَ بنَ فُلانٍ فُلانةَ بِنتَ فُلانٍ، ولا يَقولُ الوَليُّ، ولا وَكيلُه لِوَكيلِ الزَّوجِ: زوَّجتُها إيَّاكَ، ولا أنكَحتُكَها. ويُشترَطُ أنْ يَقولَ وَكيلُ زَوجٍ: قَبِلتُها لِفُلانِ بنِ فُلانٍ، ويَنسُبُه، أو قَبِلتُها لِمُوكِّلي فُلانِ بنِ فُلانٍ؛ فَإنْ لَم يَقُلْ كَذلك لَم يَصحَّ، بخِلافِ البَيعِ ونحوِه (١). ١٢ - تَوكيلُ الذمِّيِّ في دَفعِ الزَّكاةِ: قالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَصحُّ التَّوكيلُ في دَفْعِ الزَّكاةِ، لكنْ يُشترَطُ في الوَكيلِ أنْ يَكونَ ثِقةً، وأنْ يَكونَ مُسلِمًا، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ.

стр. 6097

وفي وَجهٍ يَجوزُ تَوكيلُ الذمِّيِّ في إخراجِها؛ لأنَّه مُناوِلُ إذْنٍ، كما لو استَنابَ ذِميًّا في ذَبْحِ أُضحيَّةٍ جازَ على اختِلافِ الرِّوايَتَيْنِ، وقالَ في «الرِّعايةِ»: ويَجوزُ تَوكيلُ الذمِّيِّ في إخراجِ الزَّكاةِ إذا نَوَى المُوكِّلُ، وكَفَتْ نِيَّتُه، وإلَّا فلا، انتَهَى، قالَ المِرداويُّ: قُلتُ: وهو قَويٌّ (١). ١٣ - تَوكيلُ الرَّجلِ في نِكاحِ أُختِ زَوجَتِه مثلًا، أو نِكاحِ خامِسةٍ وتَحتَه أربَعٌ: قالَ الشَّافِعيَّةُ: لا يَصحُّ تَوكيلُ رَجُلٍ في نِكاحِ أُختِ زَوجَتِه مثلًا، أو خامِسةٍ وتَحتَه أربَعٌ، وفي نِكاحِ مَحارِمِه، كأُختِه (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: يَجوزُ لِلرَّجلِ أنْ يَقبَلَ نِكاحَ أُختِه مِنْ أبيه لِأجنَبيِّ، ونحوَ ذلك (٣). الشَّرطُ الثَّاني: العِلمُ بالوَكيلِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في الوَكيلِ أنْ يَكونَ مَعلومًا مُعيَّنًا. كَأنْ يَقولَ: وَكَّلتُ فُلانًا في كذا، فلا يَصحُّ أنْ يَقولَ: وَكَّلتُ أحَدَ هَذَيْنِ؛ لِلجَهالةِ.

стр. 6098

قالَ الحَنفيَّةُ: لا بدَّ أنْ يَكونَ الوَكيلُ مَعلومًا؛ فلا يَصحُّ تَوكيلُ المَجهولِ، فقَولُ الدَّائِنِ لِمَدينِه: مَنْ جاءَكَ بعَلامةِ كذا، أو مَنْ أخَذَ أُصبُعُكَ، أو قالَ لَكَ: كذا، فادفَعْ إليه ما لي عَلَيكَ، لَم يَصحَّ؛ لأنَّه تَوكيلٌ مَجهولٌ، فلا يَبرَأُ بالدَّفعِ إليه (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ في الوَكيلِ مُطلَقًا أنْ يَكونَ مُعيَّنًا، فلَو قالَ: أذِنتُ لِكُلِّ مَنْ أرادَ بَيعَ داري أنْ يَبيعَها، أو قالَ لِرَجُلَيْنِ: وَكَّلتُ أحَدَكُما ببَيعِ داري، لَم يَصحَّ، ولَم يَجُزْ لِأحَدِهِما أنْ يَبيعَها، ولو قالَ: وَكَّلتُ زَيدًا -وهو لا يَدْري مَنْ زَيدٌ- لَم يَصحَّ. نَعم، لو قالَ: وَكَّلتُكَ في بَيعِ كذا مثلًا، وكلَّ مُسلِمٍ، صَحَّ، فيما يَظهَرُ، وعليه العَملُ. قالَ الرَّمليُّ ﵀: ونقَله النَّوَويُّ في فَتاوِيه عن الأصحابِ قالَ: ولا يَنفُذُ تَصرُّفُ أحَدٍ فيها، اعتِمادًا على هذا إذا كانَ التَّوكيلُ في شَيءٍ يَتعلَّقُ بعَينِ الوَكيلِ فيه غَرَضٌ، كالتَّوكيلِ في البَيعِ ونحوِه؛ فإنَّه يَتعلَّقُ بتَعيينِه غَرَضٌ مِنْ العُهدةِ والرُّجوعِ ونحوِهِما، فلَو كانَ في شَيءٍ لا يَتعلَّقُ به غَرَضٌ، كالعِتقِ ونحوِه، قالَ السُّبكيُّ: فيَنبَغي أنْ يَصحَّ؛ فإذا قالَ: وَكَّلتُ كلَّ مَنْ أرادَ في عِتقِ عَبدِي هذا، أو في تَزويجِ أَمَتِي هذه، فلا مَنعَ مِنْ الصِّحَّةِ، ويَشهَدُ لِهذا أنَّ تَعميمَ المُوكَّلِ فيه لا يَصحُّ، إلَّا في مُخاصَمةِ الخُصَماءِ؛ لِعدمِ الغَرَرِ، فكذا هذا، قالَ: ومِن المَسائِلِ الواقِعةِ في هذا الزَّمانِ أنْ تَأذَنَ مَنْ لا وَليَّ لها لِكُلِّ عاقِدٍ في البَلَدِ في تَزويجِها، وقَد أنتَجَ هذا البَحثُ الذي ذَكَرتُه صِحَّةَ هذا الإذْنِ؛ إذْ لا غَرَضَ لها في أعيانِ العُقَّادِ، قالَ الأذرَعيُّ: وما ذكَره يَنبَغي إنْ صَحَّ أنْ يَكونَ مَحَلُّه فيما إذا عيَّنتِ الزَّوجَ ولَم تُفَوِّضْ إلَّا صِيغَةَ العَقدِ فَقط، والظَّاهِرُ أنَّه مُرادٌ، وأفتَى ابنُ الصَّلاحِ فيما إذا أذِنَتْ في أنْ يُزوِّجَها العاقِدُ في البَلَدِ بزَوجٍ مُعيَّنٍ بكذا، بأنَّه إنِ اقتَرَنَ بإذْنِها قَرينةٌ تَقتَضي التَّعيينَ، بأنْ سبَق ذِكْرُ مُعيَّنٍ، أو كانَتْ تَعتَقِدُ أنْ ليسَ فيه غيرُ واحِدٍ، لَم يَجُزْ لِكُلِّ عاقِدٍ تَزويجُها،

стр. 6099

وإلَّا جازَ (١). وقالَ العِمرانيُّ ﵀: وإنْ قالَ لِرَجُلَيْنِ: أيُّكُما باعَ عَبدِي، فجائِزٌ، لَم يَجُزْ لِأحَدِهِما أنْ يَبيعَه. وقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: (إذا باعَه أحَدُهما صَحَّ). دَليلُنا: أنَّ التَّوكيلَ يَبطُلُ بإبهامِ الوَكيلِ، فلَمْ يَصحَّ، كما لو قالَ: وَكَّلتُ أحَدَ أولادِ فُلانٍ. وإنْ قالَ لِرَجُلٍ: بِعْ هذا الرَّجلَ، أو هذا العَبدَ، لَم يَجُزْ له أنْ يَبيعَ أحَدَهما، خِلافًا لِأبي حَنيفةَ. دَليلُنا: أنَّه شَكَّ في المَبيعِ، فلَمْ يَصحَّ، كما لو قالَ: بِعتُكَ هذا، أو هذا. وإنْ قالَ: وَكَّلتُكَ أنْ تَشتَريَ لي أَمَةً تُركيَّةً بمِئةٍ أطَؤُها، فاشترَى له مَنْ يَحرُمُ عليه وَطْؤُها، كَذَواتِ مَحارِمِه، أو أُختِ امرَأتِه، لَم يَلزَمِ المُوكِّلَ؛ لأنَّه اشترَى له غيرَ مَأْذونٍ له فيه، وإنِ اشترَى له أُختَ أَمَةٍ، ليسَ له وَطؤُها، قالَ

стр. 6100

أبو المَحاسِنِ: فلا يَلزَمُ المُوكِّلَ، وقالَ أبو حَنيفةَ: (يَلزَمُه). دَليلُنا: أنَّه لا يَحِلُّ له وَطْؤُها، فلَم تَلزَمْه، كَأُختِ امرَأتِه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: يُشترَطُ لصحَّةِ الوَكالةِ تَعيينُ الوَكيلِ، فلَو قالَ: وَكَّلتُ أحَدَ هَذَيْنِ، لَم تَصِحَّ؛ لِلجَهالةِ، لِوُقوعِ الِاشتِراكِ في العِلمِ، فلا بدَّ مِنْ مَعرِفةِ المَقصودِ، إمَّا بنِسبةٍ، أو إشارةٍ إليه، أو نحوِ ذلك ممَّا يُعيِّنُه. ولا يُشترَطُ لصحَّةِ التَصرُّفِ عِلمُه -أي: الوَكيلِ- بها، -أي: الوَكالةِ- فلَو باعَ عَبدَ زَيدٍ على أنَّه فُضوليٌّ، وبانَ أنَّ زَيدًا كانَ وكَّله في بَيعِه قبلَ البَيعِ، صَحَّ، اعتِبارًا بما في الأمرِ نَفْسِهِ، لا بما في ظَنِّ المُكَلَّفِ (٢). وأمَّا المالِكيَّةُ؛ فقالَ منهم الحَطَّابُ ﵀: هُنا مَسألةٌ واقِعةٌ عَمَّتْ بها البَلْوَى، وهي أنَّ الخَصمَيْنِ إذا فَرَغا مِنْ الخُصومةِ واتَّفَقا على أمْرٍ، وأرادا أنْ يُثْبِتاه عندَ الحاكِمِ، فمِن النَّاسِ مَنْ يَمتَنِعُ مِنْ الرَّواحِ إلى مَجلِسِ الحاكِمِ تَكبُّرًا، ومِنهم مَنْ يَمتَنِعُ لِعُذرٍ، فيَشهَدُ كلُّ واحِدٍ مِنْ الخَصمَيْنِ أنَّه وكَّل كلَّ أحَدٍ مِنْ المُسلِمينَ في الدَّعوَى والإعذارِ والثُّبوتِ، وطَلَبِ الحُكمِ، فيَأتي الشُّهودُ على الوَكالةِ إلى رَجُلٍ مِنْ النَّاسِ، ويَشهَدونَ عندَ الحاكِمِ أنَّه وَكيلُ فُلانٍ، وأنَّ شَخْصًا آخَرَ وَكيلُ فُلانٍ الآخَرَ، ويُكمِلونَ أمرَهم، فهَل هذا التَّوكيلُ صَحيحٌ أو لا؟ فاعلَمْ أنَّه لا يَخلو إمَّا أنْ يُريدَ المُوكِّلُ بقَوله: «وَكَّلتُ كلَّ أحَدٍ مِنْ

стр. 6101

المُسلِمينَ في إثباتِ كذا … إلى آخِرِهِ» أنَّه يُوكِّلُ كلَّ واحِدٍ مِنْ المُسلِمينَ، لا بعَيْنِه، وهذا هو المُتَبادَرُ، فلا مِريةَ في عَدمِ صِحَّةِ هذا الوَجْهِ؛ لِلجَهلِ بعَينِ الوَكيلِ (١). الشَّرطُ الثَّالثُ: عِلمُ الوَكيلِ بالوَكالةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ، هَلْ يُشترَطُ عِلمُه لصحَّةِ الوَكالةِ؟ أو لا يُشترَطُ ويَصحُّ تَصرُّفُه إذا وُكِّلَ ولَم يَعلَمْ بالوَكالةِ؟ فَذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّه يُشترَطُ لصحَّةِ الوَكالةِ عِلمُ الوَكيلِ بها، فلَو وكَّل رَجُلًا بطَلاقِ امرَأتِه والوَكيلُ غائِبٌ لا يَعلَمُ، فطَلَّقها، فالطَّلاقُ باطِلٌ، أو وكَّله بشِراءِ شَيءٍ فاشتَراه وهو لا يَعلَمُ بتَوكيلِه فالشِّراءُ باطِلٌ، وكَذلك سائِرُ العُقودِ؛ لأنَّ الوَكالةَ لا تَثبُتُ قبلَ عِلمِ الوَكيلِ بها، كما في العَزلِ، لا يَثبُتُ قبلَ عِلمِه (٢). وذهَب الشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترَطُ عِلمُ الوَكيلِ بالوَكالةِ، فلَو تصرَّفَ الوَكيلُ قبلَ العِلمِ بالوَكالةِ ثم بانَ وَكيلًا صَحَّ تَصرُّفُه. وفي مُقابِلِ الأصَحِّ عندَ الشَّافِعيَّةِ: يُشترَطُ عِلمُ الوَكيلِ بها (٣). وَقَدْ تَقدَّمتِ المَسألةُ في الرُّكنِ الأوَل -الصِّيغةِ- بشَيءٍ مِنْ التَّفصيلِ.

стр. 6102

الرُّكنُ الرَّابِعُ: المُوكَّلُ فيهِ وهو مَحَلُّ الوَكالةِ: مَحَلُّ الوَكالةِ هو التَصرُّفُ المَأذونُ فيه مِنْ المُوكِّلِ لِلوَكيلِ بمِلْكٍ أو وِلايةٍ، فلا يَصحُّ التَّوكيلُ ولا التَّوكُّلُ إلَّا ممَّن يَصحُّ تَصرُّفُه فيه، سَواءٌ كانَتِ الوَكالةُ عامَّةً أو خاصَّةً، وقَد ذكَر الفُقهاءُ شُروطًا لِمَحَلِّ الوَكالةِ، وما تَصحُّ فيه الوَكالةُ وما لا تَصحُّ، مِنها ما هو مُتفَقٌ عليه، ومِنها ما هو مُختلَفٌ فيه، وبَيانُه على هذا التَّفصيلِ الآتي: بَيانُ كلِّ شَرطٍ وما يَدخُلُ تَحتَه مِنْ المَسائِلِ: الشَّرطُ الأوَّلُ: أنْ يَكونَ المَوكولُ فيه مَملوكًا لِلمُوكِّلِ: اشترَطَ الفُقهاءُ لصحَّةِ الوَكالةِ أنْ يَكونَ المُوكَّلُ فيه مَملوكًا لِلمُوكِّلِ حالَ التَّوكيلِ؛ لأنَّ ما لا يَملِكُه لا يُتَصوَّرُ تَفويضُ التَصرُّفِ به لِغيرِهِ؛ لأنَّه لا تَصحُّ الوَكالةُ إلَّا فيما يَصحُّ تَصرُّفُه فيه (١). وبِناءً عليه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في طَلاقِ مَنْ سَيَتَزوَّجُها، أو بَيعِ ما سَيَملِكُه، أو تَزويجِ مَنْ سَتَنقَضي عِدَّتُها: فقَد نَصَّ الشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ على أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في طَلاقِ مَنْ سَيَنكِحُها، وتَزويجِ مَنْ سَتَنقَضي عِدَّتُها، وتَزويجِ ابنَتِه إذا انقَضَتْ عِدَّتُها أو طَلَّقها زَوجُها، أو بَيعِ ما سَيَملِكُه، أو إعتاقِ مَنْ سَيَملِكُه، أو قَضاءِ دَيْنٍ سَيلزَمُه؛ لأنَّه لا يَتمَكَّنُ مِنْ مُباشَرةِ ما وُكِّلَ فيه حالَ التَّوكيلِ.

стр. 6103

وذَهبَ الشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَصحُّ ويَكفي حُصولُ المِلْكِ عندَ التَصرُّفِ، والخِلافُ عائِدٌ إلى أنَّ الِاعتِبارَ بحالِ التَّوكيلِ، أو بحالِ التَصرُّفِ. نَعم، لو جعَل ما لا يَملِكُه تَبَعًا لِمَا يَملِكُه، كَتَوكيلِه ببَيعِ عَبدِه، وما سَيَملِكُه، ففيه احتِمالانِ لِلرَّافِعيِّ، والمَنقولُ عن الشَّيخِ أبي حامِدٍ وغيرِه الصِّحَّةُ، كما لو وقَف على وَلَدِه المَوجودِ، ومَن سَيَحدُثُ له مِنْ الأولادِ. ولو وكَّله ببَيعِ عَينٍ يَملِكُها، وأن يَشتَريَ له بثَمَنِها كذا، فأشهَرُ القولَيْنِ صِحَّةُ التَّوكيلِ بالشِّراءِ. ولو قالَ: وَكَّلتُكَ في مُخاصَمةِ كلِّ خَصْمٍ يَتجدَّدُ لي، فوَجهانِ: فذهَب البَصريُّونَ إلى بُطلانِها، والبَغداديُّونَ إلى صِحَّتِها، ونقَل ابنُ الصَّلاحِ الصِّحَّةَ فيما إذا وُكِّلَ ببَيعِ ثَمَرةٍ قبلَ ظُهورِها؛ لأنَّه مالِكٌ لِأصْلِها (١). قالَ الحَنابِلةُ: لا تَصحُّ الوَكالةُ في بَيعِ ما سَيَملِكُه، أو في طَلاقِ مَنْ سيَتَزوَّجُها؛ لأنَّ المُوكِّلَ لا يَملِكُه حينَ التَّوكيلِ، وإنْ قالَ: إنْ تَزوَّجتُ فُلانةَ فقَد وَكَّلتُكَ في طَلاقِها، لَم يَصحَّ، بخِلافِ: إنِ اشترَيتُ فُلانًا فقَد وَكَّلتُكَ في عِتقِهِ؛ لأنَّه يَصحُّ تَعليقُه على مِلْكِه، بخِلافِ إنْ تَزوَّجتُ فُلانةَ فقَد وَكَّلتُكَ في طَلاقِها.

стр. 6104

ولا تَصحُّ الوَكالةُ في بَيعِ ما سَيَملِكُه عَقِبَ الوَكالةِ تَبَعًا لِلمَبيعِ المَملوكِ له وَقتَ التَّوكيلِ؛ كَقَولِ المُوكِّلِ لِوَكيلِه: بِعْ هذا الحَيَوانَ وما يَحدُثُ مِنْ نِتاجِه، أو بِعْه واشتَرِ بثَمَنِه كذا، أي: شِقصًا مَعلومًا، فأمَّا قَولُ المُوكِّلِ لِوَكيلِه: بِعْ ما يَحصُلُ مِنْ نحوِ لَبَنِ البَهيمةِ، كَنِتاجِها وصُوفِها وشَعرِها، فلا يَصحُّ؛ لأنَّه غيرُ مَوجودٍ (١). الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكونَ المُوكَّلُ فيه مَعلومًا مِنْ بعضِ الوُجوهِ: اشترَطَ الفُقهاءُ في المُوكَّلِ فيه أنْ يَكونَ مَعلومًا، ولو مِنْ بعضِ الوُجوهِ، ولا يُشترَطُ العِلمُ فيه مِنْ كلِّ وَجهٍ، وإذا لَم تَكُنْ كَذلك بطَلتْ. قالَ العمرانيُّ ﵀: ولا تَصحُّ الوَكالةُ إلَّا في تَصرُّفٍ مَعلومٍ، فإنْ قالَ: وَكَّلتُكَ في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ لَم يَصحَّ، وبِه قالَ عامَّةُ العُلماءِ (٢). وَقَدْ سبَقتِ المَسألةُ بالتَّفصيلِ في أنواعِ الوَكالةِ في «الوَكالةِ العامَّةِ والوَكالةِ الخاصةِ»، وسبَق ذِكْرُ أقوالِ العُلماءِ في اشتِراطِ العِلمِ بالمُوكَّلِ فيه بالتَّفصيلِ، وأنا أذكُرُها هُنا مُختصَرةً. قالَ الحَنفيَّةُ: الأصْلُ أنَّ الجَهالةَ إذا كانَتْ تَمنَعُ الِامتِثالَ، ولا يُمكِنُ دَرْكُها، تَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، وإلَّا فلا، والجَهالةُ ثَلاثةُ أنواعٍ: جَهالةٌ فاحِشةٌ: وهي الجَهالةُ في الجِنسِ، فتَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، سَواءٌ

стр. 6105

بينَ الثَّمَنَ، أو لَم يُبيِّنْ، كما لو وكَّله بشِراءِ ثَوبٍ أو دَابَّةٍ أو نحوِ ذلك. والثَّانيةُ: جَهالةٌ يَسيرةٌ: وهي ما كانَتْ في النَّوعِ المَحضِ، كما لو وكَّله بشِراءِ فَرَسٍ أو حِمارٍ أو ثَوبٍ هَرَويٍّ أو مَرويٍّ أو نحوِ ذلك؛ فإنَّه تَجوزُ الوَكالةُ به، وإنْ لَم يُبيِّنِ الثَّمَنَ، وقالَه بِشرٌ، لا تَجوزُ، والحُجَّةُ عليه ما رُوِيَ أنَّه ﵊ «وكَّل حَكيمَ بنَ حِزامٍ بشِراءِ شاةٍ لِلأُضحيَّةِ»، ولأنَّ جَهالةَ النَّوعِ لا تُخِلُّ بالمَقصودِ، ويُمكِنُ دَفْعُها بصَرفِ التَّوكيلِ إلى ما يَليقُ بحالِ المُوكِّلِ حتى لو أنَّ عاميًّا وكَّل رَجُلًا بشِراءِ فَرَسٍ فاشترَى فَرَسًا يَصلُحُ لِلمُلوكِ لا يَلزَمُه. والثَّالثةُ: جَهالةٌ بينَ النَّوعِ والجِنسِ: كما لو وكَّله بشِراءِ عَبدٍ أو جاريةٍ، إنْ بينَ الثَّمنَ أوِ النَّوعَ، بأنْ قالَ: عَبدًا تُركيًّا أو حَبَشيًّا، أو نحوَ ذلك، جازَتِ الوَكالةُ، وإنْ لَم يُبيِّنْ واحِدًا مِنهُما لَم تَجُزْ؛ لأنَّه ببَيانِ الثَّمَنِ يُعلَمُ مِنْ أيِّ نَوعٍ يُريدُ، وبِبَيانِ النَّوعِ يُعلَمُ ثَمَنُه، فتَبقَى الجَهالةُ بعدَ ذلك يَسيرةً، وهي لا تَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، بخِلافِ ما إذا كانَتِ الجَهالةُ في الجِنسِ، حيثُ تَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، وإنْ بينَ الثَّمَنَ؛ لأنَّه بذلك القَدْرِ مِنْ الثَّمَنِ يُوجَدُ مِنْ كلِّ نَوعٍ، فلا يُفيدُ المَعرِفةَ (١). وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في المُوكَّلِ فيه أنْ يَكونَ مَعلومًا بالنَّصِّ، أو القَرينةِ، أو العادةِ، فلَو قالَ: وَكَّلتُكَ، لَم يُفِدْ حتى يُقيِّدَه بالتَّفويضِ، أو بأمْرٍ مَخصوصٍ.

стр. 6106

وإذا كانَ لَفظُ المُوكِّلِ عامًّا؛ فإنَّه يَتخصَّصُ بالعُرفِ، كما إذا قالَ: وَكَّلتُكَ على بَيعِ دَوابِّي، وكانَ العُرفُ يَقتَضي تَخصيصَ ذلك ببعضِ أنواعِ الدَّوابِّ؛ فإنَّه يَتخصَّصُ، وكذا إذا قالَ: وَكَّلتُكَ على بَيعِ هذه السِّلعةِ؛ فإنَّ هذا اللَّفظَ عامٌّ في بَيعِها في كلِّ مَكانٍ وزَمانٍ؛ فإذا كانَ العُرفُ: تُباعُ هذه السِّلعةُ في سوقٍ مَخصوصٍ، أو في زَمانٍ مَخصوصٍ، يُخصَّصُ هذا العُمومُ، وكذا إذا كانَ الشَّيءُ المُوكَّلُ عليه مُطلَقًا، أو كانَ لَفظَ المُوكِّلِ؛ فإنَّه يَتقيَّدُ بالعُرفِ، كما لو قالَ: اشتَرِ لي؛ فإنَّه يَتقيَّدُ بما يَليقُ به، ولا يَتجاوَزُه الوَكيلُ إلى غيرِ ما وكَّل عليه، سَواءٌ كانَ مُعيَّنًا بالنَّصِّ، أو مُخصَّصًا، أو مُقيَّدًا، وتُخصَّصُ وتُقيَّدُ بالعُرفِ (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ أنْ يَكونَ المُوكَّلُ فيه مَعلومًا مِنْ بعضِ الوُجوهِ، حيثُ يَقِلُّ مَعه الغَرَرُ، سَواءٌ كانَتِ الوَكالةُ عامَّةً، أو خاصَّةً، ولا يُشترَطُ عِلمُه مِنْ كلِّ وَجهٍ؛ لأنَّ تَجويزَ الوَكالةِ لِلحاجةِ يَقتَضي المُسامَحةَ فيه، فيَكفي أنْ يَكونَ مَعلومًا مِنْ وَجهٍ يَقِلُّ مَعه الغَرَرُ لِلوَكيلِ، بخِلافِ ما إذا كَثُرَ. فَلَو قالَ: وَكَّلتُكَ في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ لي، أو مِنْ أُموري، أو في كلِّ أُموري، أو فَوَّضتُ إلَيكَ كلَّ شَيءٍ، أو أنتَ وَكيلي، فتصرَّفْ كَيفَ شِئتَ، أو نحوَ ذلك، لَم يَصحَّ التَّوكيلُ؛ لأنَّه يَدخُلُ فيه ما يُطيقُ وما لا يُطيقُ، ويَعظُمُ الضَّرَرُ، ويَكثُرُ الغَرَرُ فيه.

стр. 6107

وإنْ قالَ: وَكَّلتُكَ في بَيعِ أموالي وقَبضِ دُيوني واستِيفائِها وعِتقِ أرِقَّائي ورَدِّ وَدائِعي ومُخاصَمةِ خُصَمائِي، ونحوَ ذلك، صَحَّ، وإنْ جَهِلَ الأموالَ والدُّيونَ ومَن هي عليه، والأرِقَّاءَ والوَدائِعَ ومَن هي عندَه، والخُصومَ وما فيه الخُصومةُ؛ لأنَّ الغَرَرَ فيه قَليلٌ؛ لأنَّه يَعرِفُ مالَه ودَيْنَه، بخِلافِ ما لو قالَ: بِعْ بعضَ مالي، أو طائِفةً، أو سَهمًا مِنه، أو بِعْ هذا أو هذا؛ فإنَّه لا يَصحُّ؛ لِكَثرةِ الغَرَرِ. ولو قالَ: بِعْ، أو هَبْ مِنْ مالي، أوِ اقضِ مِنْ دُيوني ما شِئتَ، أو أعتِقْ أو بِعْ مِنْ عَبيدي مَنْ شِئتَ، صَحَّ في بَعضٍ، لا في الجَميعِ، فلا يَأتي الوَكيلُ بالجَميعِ؛ لأنَّ (مِنْ) لِلتَّبعيضِ. ولو قالَ: تَزوَّجْ لي مَنْ شِئتَ، صَحَّ، كما لو قالَ: بِعْ مِنْ مالي ما شِئتَ، ولو قالَ: أبرِئْ فُلانًا عَمَّا شِئتَ مِنْ مالي، صَحَّ، ولْيُبْقِ مِنه شَيئًا، أو عن الجَميعِ، فأبرَأه عنه، أو عن بعضِه، صَحَّ، أو قالَ: أبْرِئُه عن شَيءٍ مِنه، أبرَأَه عن أقَلَّ ما يُطلَقُ عليه الِاسمُ، كما قالَه المُتَوَلي. وَيَكفي في صِحَّةِ الوَكالةِ بالإبراءِ عِلمُ المُوكِّلِ بقَدْرِ الدَّيْنِ، وإنْ جَهِلَه الوَكيلُ والمَديونُ. وإنْ وكَّله في شِراءِ عَبدٍ، وجَب بَيانُ نَوعِه، كَتُركيٍّ أو هِنديٍّ، ولا يَكفي ذِكرُ الجِنسِ، كَعَبدٍ، لِاختِلافِ الأغراضِ بذلك، وإنْ تَبايَنَتْ أوصافُ نَوعٍ وجَب بَيانُ الصِّنفِ، كَخَطابيٍّ وقَفجاقيٍّ. ولا يُشترَطُ استِيفاءُ أوصافِ السَّلَمِ، ولا ما يَقرُبُ مِنها اتِّفاقًا.

стр. 6108

وإنْ وكَّله في شِراءِ رَقيقٍ، وجَب مَع بَيانِ النَّوعِ ذِكْرُ الذُّكورةِ والأُنوثةِ، تَقليلًا لِلغَرَرِ؛ فإنَّ الأغراضَ تَختلِفُ بذلك، ولو قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا كما تَشاءُ، لَم تَصِحَّ؛ لِكَثرةِ الغَرَرِ. وإنْ وكَّله في شِراءِ دارٍ وجَب بَيانُ المَحَلَّةِ -أي: الحارةِ-، والسِّكةِ -أي: الزُّقاقِ-، ووجَب العِلمُ بالبَلَدِ ونحوِها مِنْ ضَرورةِ ذلك. وفي شِراءِ الحانوتِ يُبيِّنُ السُّوقَ؛ لِيَقِلَّ الغَرَرُ، وقِسْ على ذلك. ولو وكَّله أنْ يُزوِّجَه امرَأةً ولَم يُعيِّنْها، لَم يَصحَّ التَّوكيلُ، بخِلافِ ما لو قالَ: زوِّجْنِي مَنْ شِئتَ؛ فإنَّه يَصحُّ، كما في الوَكالةِ، بشِراءِ عَبدٍ لَم يَصِفْه، بخِلافِ الأوَل؛ فإنَّه مُطلَقٌ، ودِلالةُ العامِّ على إفرادِه ظاهِرةٌ، بخِلافِ المُطلَقِ، لا دِلالةَ له على فَردٍ. ولا يَجِبُ بَيانُ قَدْرِ الثَّمَنِ في الأصَحِّ، فيما ذُكِرَ؛ لأنَّ غَرَضَه قَدْ يَتعلَّقُ بواحِدٍ مِنْ ذلك النَّوعِ، نَفيسًا كانَ أو خَسيسًا. والثَّاني: يَجِبُ بَيانُ قَدْرِه، كَمِئةٍ، أو غايَتِه، كَأنْ يَقولَ: مِنْ مِئةٍ إلى ألْفٍ؛ لِظُهورِ التَّفاوُتِ. هذا كلُّه إذا قصَد القِنيةَ، أمَّا إذا كانَ لِلتِّجارةِ فلا يَجِبُ فيه ذِكْرُ نَوعٍ ولا غيرِه، بَلْ يَكفِي: اشتَرِ ما شِئتَ مِنْ العُروضِ، أو ما فيه حَظٌّ ومَصلَحةٌ. ولو قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا تُركيًّا صِفَتُه كذا، بما شِئتَ، فيَنبَغي تَقييدُه بثَمَنِ المِثلِ؛ لأنَّ تَجويزَ الزِّيادةِ على ذلك غَرَرٌ، كالوَكالةِ العامَّةِ، وكذا لو قالَ: بما شِئتَ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ، وأكثَرَ، لا يُسمَعُ مِنه.

стр. 6109

وَيَنبَغي التَّنبُّهُ لِذلك؛ فإنَّه يَقَعُ كَثيرًا في الوَكالةِ، ويُثبِتُها القُضاةُ، ولا يَنتَبِهونَ لِذلك، أمَّا لو قالَ: بِعْ هذا العَبدَ بما شِئتَ مِنْ الأثمانِ، قَليلِها وكَثيرِها؛ فإنَّه يَصحُّ، وكَأنَّه وَطَّنَ نَفْسَه على أقَلِّ شَيءٍ، فلا غَرَرَ فيه، أمَّا فَسادُ الوَكالةِ بالكلِّيَّةِ فلا يَظهَرُ (١). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: وأمَّا الشَّرطُ الثَّاني -وهو ذِكرُ ما وُكِّلَ فيه- فيَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ، كما يلي: قِسمٌ يَكونُ عامًّا في الأحوالِ كلِّها، وقِسمٌ يَكونُ خاصًّا في حالٍ بعَينِها، وقِسمٌ يَكونُ عامًّا في وَجهٍ، وخاصًّا في وَجهٍ. فأمَّا القِسمُ الأوَّلُ: وهو العامُ في الأحوالِ كلِّها، فصُورَتُه أنْ يَقولَ: قَدْ وَكَّلتُكَ في كلِّ شَيءٍ، أو قَدْ وَكَّلتُكَ بكُلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ، أو قَدْ وَكَّلتُكَ في فِعلِ ما رَأيتَه صَلاحًا في مالي، فهذه وكالةٌ باطِلةٌ؛ لِلجَهلِ بها، ولِمُضادَّةِ الِاحتِمالِ فيها؛ لأنَّه قَدْ يُحتمَلُ التَّوكيلُ في حِفظِ القَليلِ والكَثيرِ، ويُحتمَلُ بَيعُ القَليلِ والكَثيرِ، وهُما ضِدَّانِ مُتَبايِنانِ، فبطَلتِ الوَكالةُ مِنْ أجْلِه. وأمَّا القِسمُ الثَّاني: وهو الخاصُّ في حالٍ بعَينِها، فصُورَتُه أنْ يَقولَ: قَدْ وَكَّلتُكَ في بَيعِ هذا العَبدِ، أو في شِراءِ هذه الدَّارِ، أو في اقتِضاءِ هذا الدَّيْنِ، أو

стр. 6110

في تَثبيتِ هذه الوَصِيَّةِ، أو في مُخاصَمةِ هذا المُدَّعِي، فتَصحُّ الوَكالةُ خُصوصًا في المَأْذونِ فيه دونَ غيرِه، وهذا ما وافَقَ عليه أبو حَنيفةَ، وإنْ خالَفَ في الوَصِيَّةِ؛ فإنَّ أبا حَنيفةَ يَجعَلُ الوَصِيَّ في شَيءٍ وَصيًّا في كلِّ شَيءٍ، ولا يَجعَلُ الوَكيلَ في شَيءٍ وَكيلًا في كلِّ شَيءٍ، وعندَ الشَّافِعيِّ أنَّهما سَواءٌ في أنَّ عَملَهُما مَقصورٌ على المَأْذونِ فيه دونَ غيرِه. وأمَّا القِسمُ الثَّالثُ: وهو العامُّ مِنْ وَجهٍ، الخاصُّ مِنْ وَجهٍ، فعلى ضَربَيْنِ: أحَدُهما: أنْ يَكونَ خُصوصُه بجَعلِ العُمومِ مَعلومًا، فتَصحُّ فيه الوَكالةُ، كقولِه: قَدْ وَكَّلتُكَ في بَيعِ كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ مِنْ مالي؛ لأنَّ تَخصيصَ البَيعِ قَدْ جعَل المُرادَ بعُمومِ مالِه مَعلومًا. والضَّربُ الآخَرُ: ألَّا يَصيرَ العُمومُ بما ذكَره مِنْ التَّخصيصِ مَعلومًا، فالوَكالةُ فيه باطِلةٌ، كقولِه: قَدْ وَكَّلتُكَ في شَرْيِ ما رَأيتَ بكُلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ مِنْ مالي؛ لأنَّ جِنسَ ما يَشتَريه بمالِه لا يَصيرُ مَعلومًا، فبطَلتِ الوَكالةُ فيه. وهَكذا لو قالَ: اشتَرِ لي بهذا الألْفِ ما رَأيتَ مِنْ العُروضِ، أو ما عَلِمْتَ فيه حَظًّا مِنْ الإبراءِ، كانَتِ الوَكالةُ فيه باطِلةً إلَّا أنْ يَكونَ مَقصودُه طَلبَ الرِّبحِ دونَ التَّمليكِ، فيَجوزَ، كالمُضارَباتِ، فإنْ قيلَ: أليسَ لو دفَع في المُضارَبةِ مالًا يَشتَري به العامِلُ ما رَأَى فيه صَلاحًا جازَ؟ فهَلَّا جازَ مِثلُه في الوَكالةِ؟ قيلَ: الفَرقُ بينَهما أنَّ المَقصودَ في المُضارَبةِ طَلَبُ الرِّبحِ، فلا يُؤثِّرُ فيه اختِلافُ الأجناسِ، فكانَ المَقصودُ مَعلومًا، فصَحَّ. والمَقصودُ في الوَكالةِ

стр. 6111

تَملُّكُكَ العَينَ المُشتَراةَ، وإطلاقُ ذلك مَع اختِلافِ الأجناسِ لا يَجعَلُ المَقصودَ مِنها مَعلومًا، فبطَل، فعلى هذه الأُصولِ يَكونُ جَوابُ ما تَضمَّنه المُوكِّلُ، فاعتبَرَه بها، يَتقَرَّرُ لِكُلِّ الحُكمِ فيه، فعلى هذا لو قالَ له: قَدْ وَكَّلتُكَ في شِراءِ عَبدٍ، لَم يَصحَّ حتى يَصِفَه بما يَتميَّزُ به لِلوَكيلِ مُرادُه في العَبدِ مِنْ ذِكْرِ جِنسِه ونَوعِه، ولا يَحتاجُ إلى ذِكْرِ صِفَتِه المُستَحقَّةِ في السَّلَمِ؛ لأنَّه يُضيِّقُ على النَّاسِ، فلَو قالَ له: قَدْ وَكَّلتُكَ في شِراءِ مَنْ رَأيتَ مِنْ العَبيدِ، أو في شِراءِ ما رَأيتَ مِنْ الخَيلِ، لَم يَجُزْ؛ لِاختِلافِ العَبيدِ والخَيلِ، وجَهلِ الوَكيلِ بالمَقصودِ مِنها، وهَكذا لو قالَ: بِعْ مَنْ رَأيتَ مِنْ عَبيدي، أو بِعْ ما رَأيتَ مِنْ خَيْلي، لَم يَجُزْ، سَواءٌ ذكَر العَدَدَ أو لَم يَذْكُرْ، حتى يَتميَّزَ المَبيعُ والمُشترَى مِنْ غيرِه بصِفةٍ أو إشارةٍ، وقالَ بعضُ أصحابِنا: يَجوزُ أنْ يُوكِّلَه في شِراءِ عَبدٍ أو ثَوبٍ، وإنْ لَم يُشِرْ إلى صِفاتِه، اعتِمادًا على رَأْيِ وَكيلِه المُوكَّلِ، ولا يَجوزُ على المَذهبِ الأوَل عَقدُ الوَكالةِ وبَيانُ الوَكيلِ حتى يَقتَرِنَ به على الفَورِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: ولا تَصحُّ الوَكالةُ إلَّا في تَصرُّفٍ مَعلومٍ، فإنْ قالَ: وَكَّلتُكَ في كلِّ شَيءٍ، أو في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ، أو في كلِّ تَصرُّفٍ يَجوزُ لي، أو في كلِّ ما ليَ التَصرُّفُ فيه، لَم يَصحَّ؛ لأنَّه يَدخُلُ فيه كلُّ شَيءٍ مِنْ هِبةِ مالِه، وطَلاقِ نِسائِه، وإعتاقِ أرِقَّائِه، وتَزويجِ نِساءٍ كَثيراتٍ، ويَلزَمُه مُهورٌ كَثيرةٌ، فيَعظُمُ الغَرَرُ والضَّرَرُ، ولأنَّ التَّوكيلَ لا بدَّ أنْ يَكونَ في تَصرُّفٍ مَعلومٍ.

стр. 6112

ولا يَصحُّ التَّوكيلُ إنْ قالَ المُوكِّلُ لِوَكيلِه: اشتَرِ ما شِئتَ، أوِ اشتَرِ عَبدًا بما شِئتَ؛ لأنَّ ما يُمكِنُ شِراؤُه والشِّراءُ به يَكثُرُ، فيَكثُرُ فيه الغَرَرُ حتى يُبيِّنَ لِلوَكيلِ نَوْعًا وقَدْرَ ثَمَنٍ يُشترَى بهِ؛ لأنَّ الغَرَرَ لا يَنتَفِي إلَّا بذِكرِ الشَّيئَيْنِ، ما لَم يَكُنْ مِقدارُ ثَمَنِه مَعلومًا بينَ النَّاسِ، كَمَكِيلٍ ومَوزونٍ؛ لأنَّه لا غَرَرَ فيه ولا ضَرَرَ. وإنْ قالَ لِوَكيلِه: اشتَرِ كذا وكذا، لا يَصحُّ التَّوكيلُ؛ لِلجَهالةِ. وَمِثلُ قَوله: وَكَّلتُكَ في كلِّ قَليلٍ وكَثيرٍ، لو قالَ لِوَكيلِه: اشتَرِ لي ما شِئتَ مِنْ المَتاعِ الفُلانيِّ، لَم يَصحَّ؛ لأنَّه قَدْ يَشترِي ما لا يَقدِرُ على ثَمَنِه (١). وَقَدْ تَقدَّمتِ المَسألةُ بنَوعٍ مِنْ التَّفصيلِ في بَيانِ أنواعِ الوَكالةِ. الشَّرطُ الثَّالثُ: أنْ يَكونَ المُوكَّلُ فيه قابِلًا لِلنِّيابةِ: اشترَطَ الفُقهاءُ في مَحَلِّ الوَكالةِ أنْ يَكونَ قابِلًا لِلنِّيابةِ، بمعنَى أنَّ ما يَجوزُ فيه النِّيابةُ تَصحُّ فيه الوَكالةُ، وما لا تَجوزُ فيه النِّيابةُ لا تَصحُّ فيه الوَكالةُ. وَقَدْ وَضَعَ الفُقهاءُ أيضًا ضابِطًا لِبَيانِ مَحَلِّ الوَكالةِ، وهو كلُّ عَقدٍ جازَ أنْ يَعقِدَه الإنسانُ بنَفْسِه جازَ أنْ يُوكِّلَ به غيرَه؛ لأنَّ الإنسانَ قَدْ يَعجِزُ عن المُباشَرةِ بنَفْسِه على اعتِبارِ بعضِ الأحوالِ، فيَحتاجُ إلى أنْ يُوكِّلَ غيرَه، فيَكونَ بسَبيلٍ مِنه دَفعًا لِلحاجةِ، وأنْ يَكونَ قابِلًا لِلنِّيابةِ، فما يَقبَلُ النِّيابةَ يَصحُّ أنْ يُوكَّل فيه، وما لا يَقبَلُ النِّيابةَ لا يَصحُّ أنْ يُوكَّل فيه (٢).

стр. 6113

وَهُناكَ أُمورٌ اتَّفقَ الفُقهاءُ على صِحَّةِ الوَكالةِ فيها، وأُمورٌ اتَّفَقوا على بُطلانِ الوَكالةِ فيها، وأُمورٌ اختَلَفوا فيها، هَلْ تَصحُّ فيها الوَكالةُ أو لا؟ وبَيانُه على التَّفصيلِ الآتي: أوَّلاً: الأُمورُ التي تَجوزُ الوَكالةُ فيها باتِّفاقِ الفُقهاءِ: ١ - العُقودُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الوَكالةَ تَصحُّ في العُقودِ التي تَقبَلُ النِّيابةَ، وهي على التَّفصيلِ الآتي: التَّوكيلُ في البَيعِ والشِّراءِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ على أنَّه تَصحُّ الوَكالةُ في البَيعِ والشِّراءِ؛ لأنَّهما ممَّا يَملِكُ المُوكِّلُ مُباشَرَتُه بنَفْسِه، فيَملِكُ التَّفويضَ إلى غيرِه، ولِمَا رَواه البُخاريُّ عن عُروةَ البارِقيِّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطاه دِينارًا يَشترِي له به شاةً، فاشترَى له به شاتَيْنِ، فباعَ إحداهُما بدِينارٍ، وجاءَه بدِينارٍ وشاةٍ، فدَعا له بالبَرَكةِ في بَيعِه، وكانَ لو اشترَى التُّرابَ لَرَبِحَ فيهِ» (١). ولأنَّ الحاجةَ دَاعيةٌ إلى التَّوكيلِ فيهِ؛ لأنَّه قَدْ يَكونُ ممَّن لا يُحسِنُ البَيعَ والشِّراءَ، أو لا يُمكِنُه الخُروجُ إلى السُّوقِ، وقَد يَكونُ له مالٌ ولا يُحسِنُ التِّجارةَ فيه، وقَد يُحسِنُ ولا يَتفَرَّغُ، وقَد لا تَليقُ به التِّجارةُ؛ لِكَونِه امرَأةً، أو ممَّن يَتعيَّرُ بها ويَحُطُّ ذلك مِنْ مَنزِلتِه، فأباحَها الشَّرعُ؛ دَفعًا لِلحاجةِ،

стр. 6114

وتَحصيلًا لِمَصلَحةِ الآدَمِيِّ المَخلوقِ لِعِبادةِ اللَّهِ سُبحانَه (١). التَّوكيلُ في الإجارةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صِحَّةِ الوَكالةِ في الإجارةِ. قالَ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ الوَكالةَ مِنْ العُقودِ الجائِزةِ في الجُملةِ، وأنَّ كلَّ ما جازَتْ به النِّيابةُ مِنْ الحُقوقِ جازَتِ الوَكالةُ فيه، كالبَيعِ والشِّراءِ والإجارةِ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ التَّوكيلُ في الإجارةِ … لأنَّها في معنَى

стр. 6115

البَيعِ في الحاجةِ إلى التَّوكيلِ فيها، فيَثبُتُ فيها حُكمُه، ولا نَعلَمُ فيه اختِلافًا (١). التَّوكيلُ في الحَوالةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صِحَّةِ الوَكالةِ في الحَوالةِ، وصُورةُ التَّوكيلِ في الحَوالةِ أنْ يَقولَ الوَكيلُ: أحَلتُكَ بما لكَ على مُوكِّلي مِنْ دَيْنٍ بنَظيرِه، ممَّا له على فُلانٍ (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ التَّوكيلُ في الحَوالةِ … ولا نَعلَمُ فيه اختِلافًا (٣). قالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ شَخصًا يُحيلُ غَريمَه على مَدِينٍ له (٤). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يَجوزُ التَّوكيلُ في طَرَفَيِ البَيعِ بأنواعِه، كالسَّلَمِ، والحَوالةِ (٥). وقالَ الشِّيرازيُّ ﵀: وإنْ جاءَ رَجُلٌ فقالَ: أحالَني عَلَيكَ صاحِبُ الحَقِّ، فصدَّقه، ففيه وَجهانِ:

стр. 6116

أحَدُهما: يَلزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه أقَرَّ له بأنَّه انتَقَلَ الحَقُّ إليه، فصارَ كالوارِثِ. والآخَرُ: أنَّه لا يَلزَمهُ؛ لأنَّ الدَّفعَ غيرُ مُبْرِئٍ؛ لأنَّه رُبَّما يَجيءُ صاحِبُ الحَقِّ فيُنكِرُ الحَوالةَ، فيُضَمِّنُه، وإنْ كذَّبه لَم يَلزَمْه الدَّفْعُ إليه في المَسائِلِ كلِّها. وَهَل يَحلِفُ؟ إنْ قُلْنا إنَّه إنْ صدَّقه لَزِمَه الدَّفْعُ إليه، حلَف؛ لأنَّه قَدْ يَخافُ اليَمينَ فيُصَدِّقُه، فيَلزَمُه الدَّفعُ إليه. وإنْ قُلْنا: لا يَلزَمُه الدَّفعُ إليه إذا صدَّقه لَم يَحلِفْ؛ لأنَّ اليَمينَ يُعرَضُ لِيَخافَ فيُصَدِّقَ، ولو صدَّق لَم يَلزَمْه الدَّفعُ، فلا معنَى لِعَرضِ اليَمينِ (١). الوَكالةُ في الضَّمانِ والكَفالةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صِحَّةِ الوَكالةِ في الضَّمانِ والكَفالةِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ التَّوكيلُ في الضَّمانِ والكَفالةِ، ولا نَعلَمُ في شَيءٍ مِنْ ذلك اختِلافًا (٢). وَصِيغةُ الضَّمانِ بالوَكالةِ أنْ يَقولَ: جَعَلتُ مُوكِّلي ضامِنًا لكَ كذا (٣).

стр. 6117

وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: قالَ ابنُ الحاجِبِ وابن شاسٍ: وتَجوزُ في الكَفالةِ، كالحَوالةِ والبَيعِ. وقالَ ابنُ عَبدِ السَّلامِ ﵀: أي: يَجوزُ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَتكفَّلُ عنه في حَقٍّ وجَب عليه. قالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: فيه نَظَرٌ،؛ لأنَّ الوَكالةَ إنَّما تُطلَقُ حَقيقةً عُرفيَّةً فيما يَصحُّ لِلمُوَكَّلِ مُباشَرَتُه، وكَفالةُ الإنسانِ نَفْسَه مُمتنَعةٌ، فتَأمَّلْه. وقالَ ابنُ هارونَ ﵀: هو أنْ يُوكِّلَه على أنْ يَتكفَّلَ عنه لِفُلانٍ بما على فُلانٍ. وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: هذا أقرَبُ مِنْ الأوَل؛ لأنَّ المُوكِّلَ في هذا المِثالِ يَصحُّ مِنه الفِعلُ، ويَنبَغِي أنْ يُزادَ فيهِ: أنَّه كانَ التَزَمَ لِرَبِّ الدَّيْنِ الذي على فُلانٍ بأنْ يَأتيَه بكَفيلٍ به عَنه، بحيثُ صارَ الإتيانُ بالكَفيلِ حَقًّا على المُوكِّلِ المَذكورِ (١). وقالَ الخَرَشيُّ ﵀: يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ شَخصًا على أنْ يَتكفَّلَ عنه لِفُلانٍ بما على فُلانٍ، أو يَتحمَل عنه في حَقٍّ وجَب عليه (٢). لكنْ ذكَر الحَنفيَّةُ أنَّه لا يَصحُّ تَوكيلُ الكَفيلِ بالمالِ، ويَصحُّ تَوكيلُ الكَفيلِ بالنَّفْسِ، بخِلافِ صِحَّةِ التَّوكيلِ بالكَفالةِ والضَّمانِ. قالَ الحَنفيَّةُ: وبطَل تَوكيلُ الكَفيلِ بالمالِ، سَواءٌ تَقدَّمتِ الكَفالةُ على

стр. 6118

الوَكالةِ، أو تَقدَّمتِ الوَكالةُ على الكَفالةِ؛ لأنَّ الوَكيلَ مَنْ يَعمَلُ لِغيرِه، ولو صَحَّحناها صارَ عامِلًا لِنَفْسِه في إبراءِ ذِمَّتِه، فانعَدَمَ الرُّكنُ؛ لأنَّ قَبولَ قَوله مُلازِمٌ لِلوَكالةِ؛ لِكَونِه أمينًا، ولو صَحَّحناها لا تُقبَلُ؛ لِكَونِه مُبْرِئًا نَفْسَه، فيُعدَمُ بانعِدامِ لَازِمِه، وهو نَظيرُ عَبدٍ مَديونٍ أعتَقَه مَولاه، حتى ضَمِن قِيمَتَه لِلغُرَماءِ، ويُطالَبُ العَبدُ بجَميعِ الدَّيْنِ، فلَو وكَّله الطَّالِبُ بقَبضِ المالِ مِنْ العَبدِ كانَ باطِلًا؛ لِمَا بينَاه. وَعلى هذا لو أبرَأَه عن الكَفالةِ لَم تَنقَلِبْ صَحيحةً؛ لِوُقوعِها باطِلةً ابتِداءً، كما لو كَفَلَ عن غائِبٍ؛ فإنَّه يَقَعُ باطِلًا، ثم إذا أجازَه لَم يَجُزْ. وَقُيِّدَ بكَفالةِ المالِ؛ لصحَّةِ تَوكيلِ الكَفيلِ بالنَّفْسِ (١). الوَكالةُ في الشَّرِكةِ: لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على صِحَّةِ التَّوكيلِ في الشَّرِكةِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ التَّوكيلُ في الشَّرِكةِ … ؛ لأنَّها في معنَى البَيعِ في الحاجةِ إلى التَّوكيلِ فيها، فيَثبُتُ فيها حُكمُه، ولا نَعلَمُ في شَيءٍ مِنْ ذلك اختِلافًا (٢). الوَكالةُ في المُضارَبةِ: لا خِلافَ بَينِ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على صِحَّةِ التَّوكيلِ في المُضارَبةِ،

стр. 6119

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ التَّوكيلُ في المُضارَبةِ … ؛ لأنَّها في معنَى البَيعِ في الحاجةِ إلى التَّوكيلِ فيها، فيَثبُتُ فيها حُكمُه، ولا نَعلَمُ في شَيءٍ مِنْ ذلك اختِلافًا (١). الوَكالةُ في المُرابَحةِ والتَّولِيَةِ: نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ على صِحَّةِ التَّوكيلِ في المُرابَحةِ والتَّولِيَةِ؛ لأنَّها نَوعٌ مِنْ أنواعِ البَيعِ، قالَ ابنُ قُدامةَ: لا نَعلَمُ خِلافًا في جَوازِ التَّوكيلِ في البَيعِ والشِّراءِ؛ لأنَّ الحاجةَ دَاعِيةٌ إلى التَّوكيلِ فيهِ؛ لأنَّه قَدْ يَكونُ ممَّن لا يُحسِنُ البَيعَ والشِّراءَ، أو لا يُمكِنُه الخُروجُ إلى السُّوقِ، وقَد يَكونُ له مالٌ ولا يُحسِنُ التِّجارةَ فيه، وقَد يُحسِنُ ولا يَتفَرَّغُ، وقَد لا تَليقُ به التِّجارةُ لِكَونِه امرَأةً، أو ممَّن يَتعيَّرُ بها ويَحُطُّ ذلك مِنْ مَنزِلتِه، فأباحَها الشَّرعُ؛ دَفعًا لِلحاجةِ، وتَحصيلًا لِمَصلَحةِ الآدَمِيِّ المَخلوقِ لِعِبادةِ اللَّهِ (٢). فالمُرابَحةُ والتَّولِيَةُ مِنْ أنواعِ البَيعِ، ولا خِلافَ في جَوازِ التَّوكيلِ فيهِما، وقَد نَصَّ عليهما الفُقهاءُ، قالَ الشَّافِعيَّةُ: تَصحُّ الوَكالةُ في طَرَفَيِ البَيعِ بأنواعِه، كالسَّلَمِ والصَّرفِ والتَّولِيَةِ وغيرِها … ، أي: يَصحُّ التَّوكيلُ فيما له طَرَفانِ فيهِما معًا، أو في أحَدِهِما، وفيما له طَرَفٌ واحِدٌ في ذلك الطَّرَفِ (٣).

стр. 6120

الوَكالةُ في الصَّرْفِ: أجمَع أهلُ العِلمِ على صِحَّةِ التَّوكيلِ في الصَّرفِ، قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَع كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الوَكالةَ في الصَّرفِ جائِزةٌ. فَلَو وكَّل رَجُلٌ رَجُلًا يَصرِفُ له دَراهِمَ، ووكَّل آخَرُ رَجُلًا آخَرَ يَصرِفُ له دَنانيرَ، فالتَقَيَا وتَصارَفَا صَرفًا ناجِزًا: أنَّ ذلك جائِزٌ، وإنْ لَم يَحضُرِ المُوكِّلانِ، أو أحَدُهما. وإذا وكَّل الرَّجلُ الرَّجلَيْنِ بدَراهِمَ يَصرِفانِها، فليسَ لِأحَدِهِما أنْ يَصرِفَ ذلك دونَ صاحِبِه، فإنْ صَرَفاها جَميعًا فهو جائِزٌ، فإنْ قامَ أحَدُهما مِنْ المَجلِسِ الذي تَصارَفَا فيه، ومَضَى قبلَ أنْ يَتصارَفَا؛ فإنَّ الصَّرفَ يَنتقِضُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الفِضَّةُ بالذَّهَبِ رِبًا، إلَّا هاءَ وهاءَ». وقالَ أصحابُ الرَّأْيِ: إنْ قامَ أحَدٌ قبلَ أنْ يَقبِضًا فقَدِ انتَقَضَتْ حِصَّةُ الذي ذهَب، وهي النِّصفُ، وحِصَّةُ الباقي جائِزةٌ. قالَ أبو بَكرٍ: لَم يَجعَلِ المُوكِّلُ إلى أحَدٍ شَيئًا دونَ الآخَرِ، ولا يَجوزُ أمْرُ أحَدِهِما دونَ الآخَرِ، ولِهذا أصْلٌ مِنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، قالَ اللَّهُ : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، ولا يَجوزُ لِأحَدِ الحَكَمَيْنِ أمْرٌ إلَّا مَع صاحِبِه. قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «بُعِثتُ أنا ومُعاويةُ حَكَمَيْنِ، فقيلَ لَنا: إنْ رَأيتُما أنْ تُجَمِّعَا جَمَعْتُما، وإنْ رَأيتُما أنْ تُفَرِّقَا فَرَّقتُما».

стр. 6121

قالَ أبو بَكرٍ: وإنَّ الوَكيلَيْنِ وَكَلَّا رَبَّ المالِ بقَبضِ الدَّنانيرِ، فقبَض ذلك رَبُّ المالِ المُوكِّلِ، انتَقَضَ الصَّرفُ؛ لأنَّ الذي يَلي قَبضَ الشَّيءِ الوَكيلانِ، دونَ رَبِّ المالِ؛ لأنَّهما وَليَا عَقدَ الصَّرفِ. وهذا على مَذهبِ الشَّافِعيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ. وبِه نَقولُ (١). واستَدَلَّ أهلُ العِلمِ على ذلك بما رَواه البُخاريُّ، وعَنْوَنَ له ب: «بابُ الوَكالةِ في الصَّرفِ والمِيزانِ وقَد وكَّل عُمَرُ وابنُ عُمرَ في الصَّرفِ». حدَّثنا عَبدُ اللَّهِ بنُ يُوسفَ: أخبَرَنا مالِكٌ عن عَبدِ المَجيدِ بنِ سُهَيلِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ وأبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ استَعمَلَ رَجُلًا على خَيبَرَ، فجاءَهُم بتَمْرٍ جَنيبٍ فقالَ: «أكُلُّ تَمْرِ خَيبَرَ هَكذا؟ فقالَ: إنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذا بالصَّاعَيْنِ، والصَّاعَيْنِ بالثَّلاثةِ. فقالَ: لا تَفعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بالدَّراهِمِ، ثم ابتَعْ بالدَّراهِمِ جَنِيبًا، وقالَ في المِيزانِ مثلَ ذلك» (٢). قالَ بَدْرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀ في شَرحِه لِهذا الحَديثِ: أي: هذا بابٌ في بَيانِ حُكمِ الوَكالةِ في الصَّرفِ، يَعني في بَيعِ النَّقدِ بالنَّقدِ. قولُه: «والمِيزانِ» أي: الوَكالةِ في المِيزانِ، أي: في المَوزونِ. وَقَدْ وكَّل عُمَرُ وابنُ عُمرَ في الصَّرفِ، هذانَ تَعليقانِ. أمَّا تَعليقُ عُمرَ فوَصَلَه سَعيدُ بنُ مَنصورٍ مِنْ طَريقِ موسَى بنِ أنَسٍ عن أبيه «أنَّ عُمرَ أعطاه

стр. 6122

آنيةً مُمَوَّهةً بالذَّهَبِ، فقالَ له: اذهَبْ فبِعْها. فباعَها مِنْ يَهوديٍّ بضِعفِ وَزْنِها، فقالَ له عُمَرُ: ارْدُدْه. فقالَ له اليَهوديُّ: أزيدُكَ. فقالَ له عُمَرُ: لا، إلَّا بوَزْنهِ». وأمَّا تَعليقُ ابنِ عُمرَ فوَصَلَه سَعيدُ بنُ مَنصورٍ أيضًا مِنْ طَريقِ الحَسَنِ بنِ سَعدٍ، قالَ: «كانَتْ لي عندَ ابنِ عُمرَ دَراهِمُ، فأصَبتُ عندَه دَنانيرَ، فأرسَلَ مَعي رَسولًا إلى السُّوقِ، فقالَ: إذا قامَتْ على سِعرِها فاعرِضْها عليه؛ فَإنْ أخَذَها وإلَّا فاشتَرِ له حَقَّه، ثم: اقْضِه إيَّاهُ». مُطابَقَتُهُ -أي: الحَديثِ- لِلتَّرجَمةِ مِنْ حيثُ إنَّه ﷺ قالَ لِعامِلِ خَيبَرَ: «بِعِ الجَمْعَ بالدَّراهِمِ، ثم ابتَعْ». أي: اشتَرِ بالدَّراهِمِ جَنيبًا، وهذا تَوكيلٌ في البَيعِ والشِّراءِ، وبَيعُ الطَّعامِ بالطَّعامِ يَدًا بيَدٍ مِثلُ الصَّرفِ سَواءٌ، وهو شِبْهُهُ في المعنَى، ويَكونُ بَيعُ الدِّرهَمِ بالدِّرهَمِ، والدِّينارِ بالدِّينارِ كَذلك؛ إذْ لا قائِلَ بالفَصلِ (١). وقالَ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: التَّرجَمةُ صَحيحةٌ، وبَيعُ الطَّعامِ بالطَّعامِ يَدًا بيَدٍ مِثلُ الصَّرفِ سَواءٌ، وهو شَبيهُه في المعنَى، فلِذلك تَرجَمَ لِهذا الحَديثِ في بابِ الوَكالةِ في الصَّرفِ، وإنَّما صَحَّتِ الوَكالةُ في هذا الحَديثِ لِقَوله ﷺ لِعامِلِ خَيبَرَ: «بِعِ الجَمْعَ بالدَّراهِمِ»، بعدَ أنْ كانَ باعَ على غيرِ السُّنَّةِ، فلَو لَم يَجُزْ بَيعُ الوَكيلِ والنَّاظِرِ في المالِ لَعرَّفه ﷺ بذلك، ولَأعلَمَه أنَّ بَيعَه مَردودٌ، وإنْ وقَع على السُّنَّةِ، فلمَّا لَم يَنْهَ النَّبيُّ

стр. 6123

ﷺ إلَّا عن الرِّبا الذي واقَعَه في بَيعِه الصَّاعَ بالصَّاعَيْنِ، دَلَّ ذلك على أنَّه إذا باعَ على السُّنَّةِ فبَيعُه جائِزٌ (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: شَرطُ مَحَلِّ التَّوكيلِ أنْ يَكونَ قابِلًا لِلنِّيابةِ مثلَ البَيعِ … والمُصارَفةِ (٢). وقالَ الحَنفيَّةُ: إذا تَصارَفَ الوَكيلانِ لَم يَنبَغِ لهما أنْ يَفتَرِقا حتى يَتقابَضا، كما لو باشَرا العَقدَ لِنَفْسَيْهِما؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ تَتعلَّقُ بالعاقِدِ، ولا يَختلِفُ في ذلك مُباشَرَتُه لِغيرِه، ومُباشَرَتُه لِنَفْسِه، ألَا تَرَى أنَّه يَستَغنِي عن إضافةِ العَقدِ إلى غيرِه، ولا يَضُرُّهُما غَيبةُ المُوكِّلينَ؛ لأنَّهما مِنْ حُقوقِ العَقدِ كَسائِرِ الأجانِبِ، فإنْ فارَقَ الوَكيلُ صاحِبَه قبلَ القَبضِ بطَل العَقدُ؛ لِوُجودِ الِافتِراقِ مِنْ غيرِ قَبضٍ. ولا تُعتبَرُ مُفارَقةُ المُوكِّلِ؛ لأنَّه ليسَ بعاقِدٍ، والمُستحَقِّ بالعَقدِ قَبْضُ العاقِدِ، وهو الوَكيلُ، فيَصحُّ قَبضُه، وإنْ كانَ لا يَتعلَّقُ به الحُقوقُ، كالصَّبِيِّ والعَبدِ المَحجورِ عليه، بخِلافِ الرَّسولِ؛ لأنَّ الرِّسالةَ في العَقدِ، لا في القَبضِ، ويَنتقِلُ كَلامُه إلى المُرسِلِ، فصارَ قَبضُ الرَّسولِ قَبضَ غيرِ العاقِدِ، فلَمْ يَصحَّ، قالَ الحَدَّاديُّ: قالَ في «شَرحِهِ»: لا يَصحُّ التَصرُّفُ بالرِّسالةِ؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ لا تَتعلَّقُ بالرَّسولِ، وإنَّما تَتعلَّقُ بالمُرسِلِ، وهُما مُفتَرِقانِ في حالةِ العَقدِ؛ فلِهذا لَم يَجُزْ، قالَ في المُستَصفَى: قَولُه: ولا يُعتبَرُ مُفارَقةُ

стр. 6124

المُوكِّلِ، إنَّما لا يُعتبَرُ إذا جاءَ بعدَ البَيعِ قبلَ القَبضِ، أمَّا إذا جاءَ في مَجلِسِ عَقدِ الوَكيلِ؛ فإنَّه يَنتقِلُ العَقدُ إلى المُوكِّلِ، ويُعتبَرُ مُفارَقةُ المُوكِّلِ؛ لأنَّه إذا كانَ حاضِرًا في المَجلِسِ يَصيرُ كَأنَّه صارِفٌ بنَفْسِه، فلا يُعتبَرُ مُفارَقةُ الوَكيلِ بعدَ ذلك (١). وَقالوا: وإنْ وكَّل رَجُلٌ رَجُلَيْنِ بالصَّرفِ لَم يَكُنْ لِأحَدِهِما أنْ يَنفَرِدَ بهِ؛ لأنَّه فوَّض إليهما ما يَحتاجُ فيه إلى الرَّأْيِ، ورَأْيُ الواحِدِ لا يَكونُ كَرَأْيِ المَثْنَى؛ فَإنْ عقَدا جَميعًا ثم ذهَب أحَدَهُما قبلَ القَبضِ بطَلتْ حِصَّتُه وحِصَّةُ الباقي جائِزةٌ، كما لو باشَرَا العَقدَ لِنَفْسَيْهِما، وإنْ وكَّلا جَميعًا رَبَّ المالِ بالقَبضِ، أو الأداءِ، وذَهَبا بطَل الصَّرفُ؛ لِوُجودِ الِافتِراقِ مِنْ العاقِدَيْنِ قبلَ التَّقابُضِ، ورَبُّ المالِ في حُقوقِ العَقدِ كَأجنَبيٍّ آخَرَ. وإنْ وكَّله في أنْ يَصرِفَ له دَراهِمَ بدَنانيرَ فصَرَفَها وتَقابَضَا، وأقَرَّ الذي قبَض الدَّراهِمَ بالِاستِيفاءِ، ثم وجَد فيها دِرهَمًا زائِفًا فقبلَه الوَكيلُ وأقَرَّ أنَّه مِنْ دَراهِمِه، وجَحَدَه المُوكِّلُ، فهو لَازِمٌ لِلمُوكِّلِ؛ لأنَّه لا قولَ لِلقابِضِ فيما يَدَّعِي مِنْ الزِّيافةِ بعدَما أقَرَّ باستِيفاءِ حَقِّه، وإنَّما يَرُدُّه على الوَكيلِ بإقرارِه، وإقرارُه لا يَكونُ حُجَّةً على المُوكِّلِ، فلِهذا كانَ لَازِمًا لِلوَكيلِ. وإذا وكَّله بأنْ يَصرِفَ له هذه الدَّراهِمَ بدَنانيرَ، فصَرَفَها، فليسَ لِلوَكيلِ أنْ يَتصرَّفَ في الدَّنانيرِ؛ لأنَّ الوَكالةَ قَدِ انتَهَتْ، فالدَّنانيرُ المَقبوضةُ أمانةٌ في يَدِه لِلمُوكِّلِ، فلا يَتصرَّفُ فيها بغيرِ أمْرٍ.

стр. 6125

وإنْ وكَّله أنْ يَشتَريَ له إبريقَ فِضَّةٍ بعَينِه مِنْ رَجُلٍ، فاشتَراه بدَراهِمَ أو دَنانيرَ، جازَ على الآمِرِ، وجازَ إنْ نَواه لِنَفْسِهِ؛ لأنَّ مُطلَقَ التَّوكيلِ بالشِّراءِ يَنصَرِفُ إلى الشِّراءِ بالنَّقدِ، فهو بنِيَّتِه قصَد عَزلَ نَفْسِه في مُوافَقةِ أمْرِ الآمِرِ، وليسَ له أنْ يُخرِجَ نَفْسَه مِنْ الوَكالةِ إلَّا بمَحضَرٍ مِنْ الآمِرِ، وإنِ اشتَراه بشَيءٍ ممَّا يُكالُ أو يُوزَنُ بعَيْنِه أو بغيرِ عَيْنِه لَم يَجُزْ على الآمِرِ؛ لأنَّ مُطلَقَ التَّوكيلِ بالشِّراءِ يَتقيَّدُ بالشِّراءِ بالنَّقدِ؛ فإذا اشتَراه بشَيءٍ آخَرَ كانَ مُخالِفًا، وكانَ مُشتَرِيًا لِنَفْسِه؛ فَإنْ وكَّله بفِضَّةٍ له بَيعُها ولَم يُسَمِّ له الثَّمَنَ، فباعَها بفِضَّةٍ أكثَرَ مِنها، لَم يَجُزْ كما لو باعَها المُوكِّلُ بنَفْسِه، ولا يَضمَنُ الوَكيلُ؛ لأنَّه لَم يُخالِفْ، والوَكيلُ إنَّما يَضمَنُ بالخِلافِ، لا بفَسادِ العَقدِ، والمُوكِّلُ أحَقُّ بهذه الفِضَّةِ مِنْ الوَكيلِ، يَقبِضُ مِنها وَزنَ فِضَّتِه؛ لأنَّ فِضَّتَه صارَتْ دَيْنًا على القابِضِ، وقَد ظَفِرَ بجِنسِ حَقِّه مِنْ مالِ المَدِينِ، فكانَ له أنْ يَأخُذَ مِنْ ذلك مِقدارَ حَقِّه، والباقي في يَدِ الوَكيلِ حتى يَرُدَّه إلى صاحِبِه (١). وقالَ المالِكيَّةُ: فقالَ ابنُ شاسٍ ﵀: الوَكالةُ على الصَّرفِ جائِزةٌ إنْ تَوَلَّى الوَكيلُ العَقدَ والقَبضَ، وأمَّا إنْ تَولَّى أحَدُهما خاصَّةً، فأمَّا القَبضُ فَإنْ غابَ المُوكِّلُ حينَ القَبضِ فَسَدَ الصَّرفُ، وإنْ كانَ بحَضرةِ المُوكِّلِ صَحَّ. وقَد رُوِيَ المَنعُ مُطلَقًا. وحمَله القاضي أبو الوَليدِ على إطلاقِه، وجعَل المَذهبَ على قولَيْنِ في اشتِراطِ قَبضِ المُوكِّلِ بنَفْسِه في صِحَّةِ الصَّرفِ. وأمَّا العَقدُ فحُكمُ الوَكيلِ فيه حُكمُ المُوكِّلِ في المَسألةِ الأُولى (٢).

стр. 6126

وقالَ في «تَحريرِ المَقالةِ في شَرحِ الرِّسالةِ»: الوَكالةُ على الصَّرفِ جائِزةٌ، إذا وَكَّلتَ ثِقةً عالِمًا بما يَحِلُّ ويَحرُمُ في ذلك، فلَو عَقَلَ ذلك وأتَيتَه قبلَ القَبضِ؛ فإنَّه يَقبِضُ ويَدفَعُ لكَ حتى يَكونَ هو العاقِدَ القابِضَ؛ فَإنْ أذِنَ لكَ في القَبضِ بحَضرَتِه لَم يَفسُدِ الصَّرفُ، قالَه اللَّخميُّ وابنُ رُشدٍ. قالَ ابنُ بَشيرٍ: ويُكرَهُ. وَنقَل المازوريُّ عن ابنِ القاسِمِ: لا خَيرَ فيه. وعَن أشهَبَ: لا يُفسَخُ. وأمَّا إنْ غابَ قبلَ قَبضِكَ وقَبَضتَ ناجِزًا بعدَه، فقالَ المازوريُّ: لا خِلافَ مَنصوصًا في فَسخِه. وحمَل بعضُ أشياخِ المَذهبِ على الكَراهةِ؛ لِحُصولِ المُناجَزةِ. قالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: هو اللَّخميُّ، واستَدَلَّ بأنَّ الوَكالةَ على الدَّفعِ والقَبضِ مَع حُضورِه لا تُفسِدُه، فكذا بعدَ الِافتِراقِ؛ لأنَّ قوله: «هاءَ وهاءَ» إنْ حُمِلَ على المُناجَزةِ فقَد حصَلتْ، وإنْ حُمِلَ على كَونِ العاقِدِ الدَّافِعَ، لَزِمَ فَسادُه مَع حُصولِه. وقالَ في «المُوازيةِ»: لو صَرَفَ رَجُلانِ دَراهِمَ بدَنانيرَ بينَهما، فوكَّل أحَدُهما الآخَرَ على قَبضِه حينَئذٍ فلا بَأْسَ، والحُلِيُّ كَذلك. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: إنْ وكَّل أحَدُهما صاحِبَه على قَبضِ ما عَقَداه، وذهَب قبلَ قَبضِه، فسمِع عيسَى بنُ القاسِمِ جَوازَه. وفيها: لا يَجوزُ في الأجنَبيِّ.

стр. 6127

وَتَتَحَصَّلُ ثَلاثةُ أقوالٍ: جَوازُه في الشَّريكِ والأجنَبيِّ بالتَّخريجِ على جَوازِه في الشَّريكِ، ومَنْعُه فيهِما لِلتَّخريجِ على مَنْعِه في الأجنَبيِّ. والثَّالثُ: التَّفرُّقُ يَجوزُ في الشَّريكِ؛ لأنَّ يَدَه كَيدِ شَريكِه، ويُمنَعُ في الأجنَبيِّ. ثم قالَ: طُولُ المَجلِسِ بعدَ عَقدِ الصَّرفِ وقبلَ المُناجَزةِ مُبطِلٌ، وإنْ لَم يَفتَرِقَا حتى تَقابَضًا، نقَله ابنُ شاسٍ (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: ولو اصطَرَفَ رَجُلانِ فأرادَ أحَدُهما أنْ يُفارِقَ المَجلِسَ قبلَ القَبضِ، فوكَّل وَكيلًا في مُلازَمةِ المَجلِسِ، لَم يَصحَّ، ويَنفَسِخ العَقدُ بمُفارَقةِ المُوكِّلِ؛ لأنَّ التَّنفيذَ مَنوطٌ بمُلازَمةِ العاقِدِ. فَلَو ماتَ العاقِدُ فهَل يَقومُ وارِثُه مَقامَه في القَبضِ لِيَبقَى العَقدُ فيه وَجهانِ، حَكاهُما الإمامُ والغَزاليُّ في البَسيطِ بِناءً على بَقاءِ خِيارِ المَجلِسِ (٢). الوَكالةُ في السَّلَمِ: نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صِحَّةِ الوَكالةِ في السَّلَمِ: قالَ الحَنفيَّةُ: يَجوزُ التَّوكيلُ بعَقدِ السَّلَمِ؛ لأنَّه عَقدٌ يَملِكُه بنَفْسِه، فيَملِكُ التَّوكيلَ به، والمُرادُ التَّوكيلُ بالإسلامِ، وذلك مِنْ قِبَلِ رَبِّ السَّلَمِ بأنْ يَعقِدَ السَّلَمَ عن مُوكِّلِه، أمَّا التَّوكيلُ مِنْ قِبَلِ المُسلَّمِ إليه بأنْ وكَّله يَقبَلُ

стр. 6128

له السَّلَمَ، فإنَّه لا يَجوزُ؛ فإنَّ الوَكيلَ يَبيعُ طَعامًا في ذِمَّتِه على أنْ يَكونَ الثَّمَنُ لِغيرِه، وهذا لا يَصحُّ (١). وقالَ السَّرخَسيُّ ﵀: مَنْ وكَّل رَجُلًا لِيُسلِّمَ له دَراهِمَ في كُرِّ حِنطةٍ، فأسلَمَها الوَكيلُ بشُروطِ السَّلَمِ جازَ، والوَكيلُ هو الذي يُطالِبُ بتَسليمِ المُسلَّمِ فيه، عندَ مَحَلِّ الأجَلِ، وهو الذي يُسلِّمُ رَأْسَ المالِ، ثم إنْ كانَ الوَكيلُ نقَد دَراهِمَ المُوكِّلِ أخَذَ المُسلَّمَ فيه ودفَعه إلى المُوكِّلِ، وإنْ كانَ نقَد دَراهِمَ نَفْسِه ولَم يَدفَعْ إليه الذي وكَّله شَيئًا يَرجِعُ بما نقَد على المُوكِّلِ، ولِهذا الوَكيلِ أنْ يَقبِضَ السَّلَمَ؛ فإذا قبَض كانَ له أنْ يَحبِسَه عن الآمِرِ حتى يَستَوفيَ الدَّراهِمَ، فإنْ هَلكَ المَقبوضُ في يَدِه إنْ هَلكَ قبلَ أنْ يَحبِسَه مِنْ المُوكِّلِ يَهلِكُ أمانةً، وإنْ هَلكَ بعدَ الحَبسِ قالَ أبو يُوسفَ: يَهلِكُ هَلاكَ الرَّهنِ. وقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمَّدٌ: يَسقُطُ الدَّينُ، قَلَّتْ قِيمةُ الرَّهنِ أو كَثُرَتْ. فَإنْ كانَ دفَع رَأْسَ المالِ مِنْ مالِ المُوكِّلِ وأخَذَ بالسَّلَمِ كَفيلًا أو رَهنًا، جازَ؛ فإذا حَلَّ السَّلَمُ فأخَّرَ الوَكيلُ، أو أبرَأَ الذي عليه الطَّعامَ مِنه، أو وَهَبَه له، جازَ، ويَضمَنُ الوَكيلُ لِلمُوكِّلِ، وكذا إنْ أحالَ به على مَليءٍ أو غيرِ مَليءٍ، وأبرَأَ الأوَّلَ، جازَ عليه خاصَّةً، ويَضمَنُ الآمِرُ بطَعامِه، وإنِ اقتَضَى الطَّعامَ أدْوَنَ مِنْ شَرطِه جازَ، ولِلمُوكِّلِ أنْ يَضمَنَه مثلَ طَعامِه، وإنْ تارَكَ الوَكيلُ السَّلَمَ جازَ، ويَضمَنُ الطَّعامَ لِلمُوكِّلِ في قِياسِ قَولِ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ -رحمهما الله-.

стр. 6129

وإنْ أقالَ السَّلَمَ جازَ، ويَكونُ ضامِنًا لِلمُوكِّلِ، مثلَ السَّلَمِ في قَولِ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ -رحمهما الله-. وإذا عقَد الوَكيلُ عَقدَ السَّلَمِ ثم أمَرَ المُوكِّلَ بأداءِ رَأْسِ المالِ وذهَب الوَكيلُ فقَد بطَل السَّلَمُ، وكَذلك لو كانَ الذي عليه السَّلَمُ وكَّل رَجُلًا بقَبضِ رَأْسِ المالِ، وذهَب عن المَجلِسِ قبلَ أنْ يَقبِضَ وَكيلُه رَأْسَ المالِ، بطَل السَّلَمِ. وإذا خالَفَ الوَكيلُ بالسَّلَمِ فأسلَمَ في غيرِ ما أمَرَه المُوكِّلُ بالسَّلَمِ فيه، كانَ لِلمُوكِّلِ أنْ يَضمَنَ الوَكيلُ دَراهِمَه، وإنْ شاءَ ضَمِن المُسلَّمُ إليه؛ فَإنْ ضَمِن الوَكيلُ بَقيَ السَّلَمُ صَحيحًا على الوَكيلِ، وإنْ ضَمِن المُسلَّمُ إليه إنْ ضَمِنه وهُما في المَجلِسِ، يَعني الوَكيلَ والمُسلَّمَ إليه، ونقَد الوَكيلَ دَراهِمَ أُخَرَ، فالسَّلَمُ جائِزٌ، وإنْ ضَمِنه بعدَما تَفرَّقا عن المَجلِسِ؛ فإنَّ السَّلَمَ يَبطُلُ. قالَ: وإذا دُفِعَ إلى رَجُلٍ عَشَرةُ دَراهِمَ لِيُسلِّمَها في طَعامٍ، فناوَلَ الوَكيلُ رَجُلًا، فباعَه، فإنْ أضافَ العَقدَ إلى دَراهِمِ الآمِرِ كانَ العَقدُ لِلآمِرِ، وإنْ أضافَه إلى دَراهِمِ نَفْسِه كانَ عاقِدًا لِنَفْسِه، وإنْ عقَد العَقدَ بعَشَرةٍ مُطلَقةً ثم نَواها لِلآمِرِ فالعَقدُ له، وإنْ نَوَى لِنَفْسِه فالعَقدُ له؛ فَإنْ لَم تَحضُره نِيَّةٌ؛ فَإنْ دفَع دَراهِمَ نَفْسِه فالعَقدُ له، وإنْ دفَع دَراهِمَ الآمِرِ فهو لِلآمِرِ في قَولِ أبي يُوسفَ. وقالَ مُحمَّدٌ: هو عاقِدٌ لِنَفْسِه ما لَم يَنْوِ عندَ العَقدِ أنَّه لِلآمِرِ، وإنْ تَكاذَبَا في النِّيَّةِ فقالَ الآمِرُ نَوَيْتُه لي، وقالَ المَأْمُورُ: نَوَيْتُه لِنَفْسِي، فالطَّعامُ لِلَّذي نقَد دَراهِمَه بالاتِّفاقِ (١).

стр. 6130

وَجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرَى»: ما جاءَ في الوَكالةِ في السَّلَمِ وغيرِه: قُلتُ: أرَأيتَ إنْ قُلتُ لِرَجُلٍ: خُذْ لي دَراهِمَ سَلَمًا في طَعامٍ إلى أجَلٍ ففَعلَ الرَّجلُ، فأخَذَ لي دَراهِمَ في طَعامٍ إلى أجَلٍ، وإنَّما أخَذَ ذلك لي، أيَلزَمُني السَّلَمُ أم لا في قَولِ مالِكٍ؟ قالَ: ذلك لَازِمٌ لِلآمِرِ عندَ مالِكٍ. قالَ: وقالَ لي مالِكٌ: وإنِ اشترَطَ المُشتَرِي على المأْمورِ أنَّه إنْ لَم يَرضَ فُلانًا، وقَد سَمَّاه له، الذي أمَرَه، فأنتَ لِبَيْعي ضامِنٌ، حتى تُوفينيه إلى الأجَلِ، قالَ: ذلك جائِزٌ، ولا بَأْسَ به. قالَ مالِكٌ: وإنَّما مَثَلُ ذلك مَثَلُ رَجُلٍ يَقولُ لِرَجُلٍ: ابتَعْ لي غُلامًا أو دَابَّةً بالسُّوقِ، أو ثَوبًا، فيَأْتي المَأمورُ إلى مَنْ يَشترِي مِنه، فيَقولُ له: إنْ فُلانًا أرسَلَني أشتَرِي له ثَوبًا، فبِيعوه، فقَد عَرَفتُموه، فيَقولونَ: نحنُ نَبيعُهُ؛ فإنْ أقَرَّ لَنا بالثَّمَنِ فأنتَ بَرِيءٌ، وإلَّا فالثَّمَنُ عَلَيكَ، تُوفيناه نَقدًا أو إلى أجَلٍ؛ فهذا لا بَأْسَ به. قُلتُ: أرَأيتَ إنْ أمَرَتُ رَجُلًا يَشترِي لي جاريةً، أو أمَرَتُه أنْ يَشتَريَ لي ثَوبًا، ولَم أُسَمِّ له جِنسَ الثَّوبِ، ولَم أُسَمِّ له جِنسَ الجارِيةِ، فاشترَى لي ثَوبًا أو اشترَى لي جارِيةً، أيَلزَمُ ذلك الآمِرَ. قالَ: إنِ اشترَى له جاريةً يَعلَمُ أنَّ مثلَها مِنْ خَدَمِ الآمِرِ، أو ممَّا يَصلُحُ أنْ يَكونَ مِنْ جَواري الآمِرِ، جازَ ذلك على الآمِرِ، قالَ: وإنَّما يُنظَرُ في هذا إلى ناحيةِ الآمِرِ، فإنِ اشترَى له ثَوبًا ممَّا يَعلَمُ أنَّ ذلك ممَّا يَجوزُ على الآمِرِ لَزِمَ ذلك الآمِرَ، وإنِ اشترَى له جاريةً يَعلَمُ أنَّ مثلَها مِنْ خَدَمِ الآمِرِ، أو ممَّا يَصلُحُ أنْ يَكونَ مِنْ جَواري الآمِرِ، جازَ ذلك على الآمِرِ، وإنِ اشترَى له ما ليسَ يُشبِهُ أنْ يَكونَ مِنْ ثيابِ الآمِرِ،
следующие страницы →