← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

وقالَ في «تَحريرِ المَقالةِ في شَرحِ الرِّسالةِ»: الوَكالةُ على الصَّرفِ جائِزةٌ، إذا وَكَّلتَ ثِقةً عالِمًا بما يَحِلُّ ويَحرُمُ في ذلك، فلَو عَقَلَ ذلك وأتَيتَه قبلَ القَبضِ؛ فإنَّه يَقبِضُ ويَدفَعُ لكَ حتى يَكونَ هو العاقِدَ القابِضَ؛ فَإنْ أذِنَ لكَ في القَبضِ بحَضرَتِه لَم يَفسُدِ الصَّرفُ، قالَه اللَّخميُّ وابنُ رُشدٍ. قالَ ابنُ بَشيرٍ: ويُكرَهُ. وَنقَل المازوريُّ عن ابنِ القاسِمِ: لا خَيرَ فيه. وعَن أشهَبَ: لا يُفسَخُ. وأمَّا إنْ غابَ قبلَ قَبضِكَ وقَبَضتَ ناجِزًا بعدَه، فقالَ المازوريُّ: لا خِلافَ مَنصوصًا في فَسخِه. وحمَل بعضُ أشياخِ المَذهبِ على الكَراهةِ؛ لِحُصولِ المُناجَزةِ. قالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: هو اللَّخميُّ، واستَدَلَّ بأنَّ الوَكالةَ على الدَّفعِ والقَبضِ مَع حُضورِه لا تُفسِدُه، فكذا بعدَ الِافتِراقِ؛ لأنَّ قوله: «هاءَ وهاءَ» إنْ حُمِلَ على المُناجَزةِ فقَد حصَلتْ، وإنْ حُمِلَ على كَونِ العاقِدِ الدَّافِعَ، لَزِمَ فَسادُه مَع حُصولِه. وقالَ في «المُوازيةِ»: لو صَرَفَ رَجُلانِ دَراهِمَ بدَنانيرَ بينَهما، فوكَّل أحَدُهما الآخَرَ على قَبضِه حينَئذٍ فلا بَأْسَ، والحُلِيُّ كَذلك. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: إنْ وكَّل أحَدُهما صاحِبَه على قَبضِ ما عَقَداه، وذهَب قبلَ قَبضِه، فسمِع عيسَى بنُ القاسِمِ جَوازَه. وفيها: لا يَجوزُ في الأجنَبيِّ.

стр. 6127

وَتَتَحَصَّلُ ثَلاثةُ أقوالٍ: جَوازُه في الشَّريكِ والأجنَبيِّ بالتَّخريجِ على جَوازِه في الشَّريكِ، ومَنْعُه فيهِما لِلتَّخريجِ على مَنْعِه في الأجنَبيِّ. والثَّالثُ: التَّفرُّقُ يَجوزُ في الشَّريكِ؛ لأنَّ يَدَه كَيدِ شَريكِه، ويُمنَعُ في الأجنَبيِّ. ثم قالَ: طُولُ المَجلِسِ بعدَ عَقدِ الصَّرفِ وقبلَ المُناجَزةِ مُبطِلٌ، وإنْ لَم يَفتَرِقَا حتى تَقابَضًا، نقَله ابنُ شاسٍ (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: ولو اصطَرَفَ رَجُلانِ فأرادَ أحَدُهما أنْ يُفارِقَ المَجلِسَ قبلَ القَبضِ، فوكَّل وَكيلًا في مُلازَمةِ المَجلِسِ، لَم يَصحَّ، ويَنفَسِخ العَقدُ بمُفارَقةِ المُوكِّلِ؛ لأنَّ التَّنفيذَ مَنوطٌ بمُلازَمةِ العاقِدِ. فَلَو ماتَ العاقِدُ فهَل يَقومُ وارِثُه مَقامَه في القَبضِ لِيَبقَى العَقدُ فيه وَجهانِ، حَكاهُما الإمامُ والغَزاليُّ في البَسيطِ بِناءً على بَقاءِ خِيارِ المَجلِسِ (٢). الوَكالةُ في السَّلَمِ: نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صِحَّةِ الوَكالةِ في السَّلَمِ: قالَ الحَنفيَّةُ: يَجوزُ التَّوكيلُ بعَقدِ السَّلَمِ؛ لأنَّه عَقدٌ يَملِكُه بنَفْسِه، فيَملِكُ التَّوكيلَ به، والمُرادُ التَّوكيلُ بالإسلامِ، وذلك مِنْ قِبَلِ رَبِّ السَّلَمِ بأنْ يَعقِدَ السَّلَمَ عن مُوكِّلِه، أمَّا التَّوكيلُ مِنْ قِبَلِ المُسلَّمِ إليه بأنْ وكَّله يَقبَلُ

стр. 6128

له السَّلَمَ، فإنَّه لا يَجوزُ؛ فإنَّ الوَكيلَ يَبيعُ طَعامًا في ذِمَّتِه على أنْ يَكونَ الثَّمَنُ لِغيرِه، وهذا لا يَصحُّ (١). وقالَ السَّرخَسيُّ ﵀: مَنْ وكَّل رَجُلًا لِيُسلِّمَ له دَراهِمَ في كُرِّ حِنطةٍ، فأسلَمَها الوَكيلُ بشُروطِ السَّلَمِ جازَ، والوَكيلُ هو الذي يُطالِبُ بتَسليمِ المُسلَّمِ فيه، عندَ مَحَلِّ الأجَلِ، وهو الذي يُسلِّمُ رَأْسَ المالِ، ثم إنْ كانَ الوَكيلُ نقَد دَراهِمَ المُوكِّلِ أخَذَ المُسلَّمَ فيه ودفَعه إلى المُوكِّلِ، وإنْ كانَ نقَد دَراهِمَ نَفْسِه ولَم يَدفَعْ إليه الذي وكَّله شَيئًا يَرجِعُ بما نقَد على المُوكِّلِ، ولِهذا الوَكيلِ أنْ يَقبِضَ السَّلَمَ؛ فإذا قبَض كانَ له أنْ يَحبِسَه عن الآمِرِ حتى يَستَوفيَ الدَّراهِمَ، فإنْ هَلكَ المَقبوضُ في يَدِه إنْ هَلكَ قبلَ أنْ يَحبِسَه مِنْ المُوكِّلِ يَهلِكُ أمانةً، وإنْ هَلكَ بعدَ الحَبسِ قالَ أبو يُوسفَ: يَهلِكُ هَلاكَ الرَّهنِ. وقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمَّدٌ: يَسقُطُ الدَّينُ، قَلَّتْ قِيمةُ الرَّهنِ أو كَثُرَتْ. فَإنْ كانَ دفَع رَأْسَ المالِ مِنْ مالِ المُوكِّلِ وأخَذَ بالسَّلَمِ كَفيلًا أو رَهنًا، جازَ؛ فإذا حَلَّ السَّلَمُ فأخَّرَ الوَكيلُ، أو أبرَأَ الذي عليه الطَّعامَ مِنه، أو وَهَبَه له، جازَ، ويَضمَنُ الوَكيلُ لِلمُوكِّلِ، وكذا إنْ أحالَ به على مَليءٍ أو غيرِ مَليءٍ، وأبرَأَ الأوَّلَ، جازَ عليه خاصَّةً، ويَضمَنُ الآمِرُ بطَعامِه، وإنِ اقتَضَى الطَّعامَ أدْوَنَ مِنْ شَرطِه جازَ، ولِلمُوكِّلِ أنْ يَضمَنَه مثلَ طَعامِه، وإنْ تارَكَ الوَكيلُ السَّلَمَ جازَ، ويَضمَنُ الطَّعامَ لِلمُوكِّلِ في قِياسِ قَولِ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ -رحمهما الله-.

стр. 6129

وإنْ أقالَ السَّلَمَ جازَ، ويَكونُ ضامِنًا لِلمُوكِّلِ، مثلَ السَّلَمِ في قَولِ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ -رحمهما الله-. وإذا عقَد الوَكيلُ عَقدَ السَّلَمِ ثم أمَرَ المُوكِّلَ بأداءِ رَأْسِ المالِ وذهَب الوَكيلُ فقَد بطَل السَّلَمُ، وكَذلك لو كانَ الذي عليه السَّلَمُ وكَّل رَجُلًا بقَبضِ رَأْسِ المالِ، وذهَب عن المَجلِسِ قبلَ أنْ يَقبِضَ وَكيلُه رَأْسَ المالِ، بطَل السَّلَمِ. وإذا خالَفَ الوَكيلُ بالسَّلَمِ فأسلَمَ في غيرِ ما أمَرَه المُوكِّلُ بالسَّلَمِ فيه، كانَ لِلمُوكِّلِ أنْ يَضمَنَ الوَكيلُ دَراهِمَه، وإنْ شاءَ ضَمِن المُسلَّمُ إليه؛ فَإنْ ضَمِن الوَكيلُ بَقيَ السَّلَمُ صَحيحًا على الوَكيلِ، وإنْ ضَمِن المُسلَّمُ إليه إنْ ضَمِنه وهُما في المَجلِسِ، يَعني الوَكيلَ والمُسلَّمَ إليه، ونقَد الوَكيلَ دَراهِمَ أُخَرَ، فالسَّلَمُ جائِزٌ، وإنْ ضَمِنه بعدَما تَفرَّقا عن المَجلِسِ؛ فإنَّ السَّلَمَ يَبطُلُ. قالَ: وإذا دُفِعَ إلى رَجُلٍ عَشَرةُ دَراهِمَ لِيُسلِّمَها في طَعامٍ، فناوَلَ الوَكيلُ رَجُلًا، فباعَه، فإنْ أضافَ العَقدَ إلى دَراهِمِ الآمِرِ كانَ العَقدُ لِلآمِرِ، وإنْ أضافَه إلى دَراهِمِ نَفْسِه كانَ عاقِدًا لِنَفْسِه، وإنْ عقَد العَقدَ بعَشَرةٍ مُطلَقةً ثم نَواها لِلآمِرِ فالعَقدُ له، وإنْ نَوَى لِنَفْسِه فالعَقدُ له؛ فَإنْ لَم تَحضُره نِيَّةٌ؛ فَإنْ دفَع دَراهِمَ نَفْسِه فالعَقدُ له، وإنْ دفَع دَراهِمَ الآمِرِ فهو لِلآمِرِ في قَولِ أبي يُوسفَ. وقالَ مُحمَّدٌ: هو عاقِدٌ لِنَفْسِه ما لَم يَنْوِ عندَ العَقدِ أنَّه لِلآمِرِ، وإنْ تَكاذَبَا في النِّيَّةِ فقالَ الآمِرُ نَوَيْتُه لي، وقالَ المَأْمُورُ: نَوَيْتُه لِنَفْسِي، فالطَّعامُ لِلَّذي نقَد دَراهِمَه بالاتِّفاقِ (١).

стр. 6130

وَجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرَى»: ما جاءَ في الوَكالةِ في السَّلَمِ وغيرِه: قُلتُ: أرَأيتَ إنْ قُلتُ لِرَجُلٍ: خُذْ لي دَراهِمَ سَلَمًا في طَعامٍ إلى أجَلٍ ففَعلَ الرَّجلُ، فأخَذَ لي دَراهِمَ في طَعامٍ إلى أجَلٍ، وإنَّما أخَذَ ذلك لي، أيَلزَمُني السَّلَمُ أم لا في قَولِ مالِكٍ؟ قالَ: ذلك لَازِمٌ لِلآمِرِ عندَ مالِكٍ. قالَ: وقالَ لي مالِكٌ: وإنِ اشترَطَ المُشتَرِي على المأْمورِ أنَّه إنْ لَم يَرضَ فُلانًا، وقَد سَمَّاه له، الذي أمَرَه، فأنتَ لِبَيْعي ضامِنٌ، حتى تُوفينيه إلى الأجَلِ، قالَ: ذلك جائِزٌ، ولا بَأْسَ به. قالَ مالِكٌ: وإنَّما مَثَلُ ذلك مَثَلُ رَجُلٍ يَقولُ لِرَجُلٍ: ابتَعْ لي غُلامًا أو دَابَّةً بالسُّوقِ، أو ثَوبًا، فيَأْتي المَأمورُ إلى مَنْ يَشترِي مِنه، فيَقولُ له: إنْ فُلانًا أرسَلَني أشتَرِي له ثَوبًا، فبِيعوه، فقَد عَرَفتُموه، فيَقولونَ: نحنُ نَبيعُهُ؛ فإنْ أقَرَّ لَنا بالثَّمَنِ فأنتَ بَرِيءٌ، وإلَّا فالثَّمَنُ عَلَيكَ، تُوفيناه نَقدًا أو إلى أجَلٍ؛ فهذا لا بَأْسَ به. قُلتُ: أرَأيتَ إنْ أمَرَتُ رَجُلًا يَشترِي لي جاريةً، أو أمَرَتُه أنْ يَشتَريَ لي ثَوبًا، ولَم أُسَمِّ له جِنسَ الثَّوبِ، ولَم أُسَمِّ له جِنسَ الجارِيةِ، فاشترَى لي ثَوبًا أو اشترَى لي جارِيةً، أيَلزَمُ ذلك الآمِرَ. قالَ: إنِ اشترَى له جاريةً يَعلَمُ أنَّ مثلَها مِنْ خَدَمِ الآمِرِ، أو ممَّا يَصلُحُ أنْ يَكونَ مِنْ جَواري الآمِرِ، جازَ ذلك على الآمِرِ، قالَ: وإنَّما يُنظَرُ في هذا إلى ناحيةِ الآمِرِ، فإنِ اشترَى له ثَوبًا ممَّا يَعلَمُ أنَّ ذلك ممَّا يَجوزُ على الآمِرِ لَزِمَ ذلك الآمِرَ، وإنِ اشترَى له جاريةً يَعلَمُ أنَّ مثلَها مِنْ خَدَمِ الآمِرِ، أو ممَّا يَصلُحُ أنْ يَكونَ مِنْ جَواري الآمِرِ، جازَ ذلك على الآمِرِ، وإنِ اشترَى له ما ليسَ يُشبِهُ أنْ يَكونَ مِنْ ثيابِ الآمِرِ،

стр. 6131

ولا مِنْ خَدَمِ الآمِرِ، لَم يَجُزْ ذلك على الآمِرِ، إلَّا أنْ يَشاءَ، ويَلزَمُ ذلك المَأمورَ، وهذا قَولُ مالِكٍ فيما بلَغني. قالَ: ولَقَد قُلتُ لِمالِكٍ: الرَّجلُ يُبَضِّعُ مَع الرَّجلِ في الخادِمِ يَشتَريها له بأربَعينَ دِينارًا، فيَشتَريها بثَلاثينَ دِينارًا أو بأكثَرَ مِنْ ذلك، ويَصِفُ له صِفةَ الخادِمِ، قالَ: أمَّا إنِ اشتَراها بأدْنَى، وكانَتْ على الصِّفةِ، لَزِمَه ذلك، وإنِ اشتَراها بأكثَرَ ممَّا أمَرَه به، وكانَ ذلك زِيادةَ الدِّينارِ أو الدِّينارَيْنِ، أو ما يُشبِهُ أنْ يُزادَ على مِثلِ ذلك الثَّمَنُ لَزِمَ الآمِرَ أيضًا، وغَرِمَه، وكانَتِ السِّلعةُ لِلآمِرِ، إذا كانَتْ على الصِّفةِ، وإن كانَت زِيادةً كَثيرةً لا يُشبِهُ أنْ تَكونَ تلك الزِّيادةُ على مِثلِ ذلك الثَّمَنِ كانَ الآمِرُ بالخِيارِ، إنْ أحَبَّ أنْ يُعطِيَه ما زادَ فَعلَ، وأخَذَ السِّلعةَ، وإنْ أبَى لَزِمَتِ المأْمورَ، وغُرِّمَ لِلآمِرِ ما أبضَعَ مَعه. قالَ فأرَى إنْ كانَتِ الزِّيادةُ كَثيرةً لا تُشبِهُ الثَّمَنَ، ففاتَتِ السِّلعةُ أو تَلفِتْ قبلَ أنْ يَرضاها الآمِرُ، أنَّ مُصيبَتَها مِنْ المَأمورِ، ويَرجِعُ عليه الآمِرُ بمالِه، وإنْ كانَتِ الزِّيادةُ تُشبِهُ الثَّمَنَ فمُصيبَتُها مِنْ الآمِرِ، والزِّيادةُ له لَازِمةٌ يَرجِعُ عليه بها المأْمورُ؛ لأنَّ السِّلعةَ سِلعَتُه، لا خِيارَ له فيها. قُلتُ: أرَأيتَ إنْ دَفَعتُ إلى رَجُلٍ مالًا لِيُسلِّمَه لي في طَعامٍ، فأسلَمَ ذلك إلى نَفْسِه، أو إلى زَوجَتِه، أو إلى أبيه، أو إلى وَلَدِه، أو إلى وَلَدِ وَلَدِه، أو إلى أُمِّه، أو إلى جَدِّه، أو إلى جَدَّتِه، أو إلى مُكاتَبِه، أو إلى مُدَبِّرِه، أو إلى مُدَبِّرَتِه، أو إلى أُمِّ وَلَدِه، أو إلى عَبدِه المَأْذونِ له في التِّجارةِ، أو إلى عَبيدِ وَلَدِه الصِّغارِ الذين هُمْ في حِجرِه، أو إلى عَبيدِ زَوجَتِه، أو إلى عَبيدِ أحَدٍ مِنْ

стр. 6132

هَؤُلاءِ الذين سَألتُكَ عَنهم؟ قالَ: لَم أسمَعْ مِنْ مالِكٍ فيه شَيئًا، وأرَى ذلك جائِزًا كلُّه، ما خَلَا نَفْسَه، أو ابنَه الصَّغيرَ، أو أحَدًا ممَّن يَليه في حِجرِه مِنْ يَتيمٍ أو سَفِيهٍ أو ما أشبَهَ هَؤُلاءِ، ما سِوَى هَؤُلاءِ ممَّن سَألتَ عنه فأرَى السَّلَمَ جائِزًا إذا لَم تُعرَفْ في ذلك مُحاباةٌ مِنه، وعُرِفَ وَجهُ الشِّراءِ بالصِّحَّةِ مِنه. قُلتُ: فَإنْ أسلَمَ ذلك إلى شَريكٍ له مُفاوِضٍ؟ قالَ: أرَى أنَّ ذلك غيرُ جائِزٍ؛ لأنَّه إذا أسلَمَ إلى شَريكِه المُفاوِضِ فإنَّما أسلَمَ إلى نَفْسِه. قُلتُ: فَإنْ أسلَمَ ذلك إلى شَريكٍ له شَرِكةُ عَنانٍ، ليسَتْ شَرِكةَ مُفاوَضةٍ؟ قالَ: لا بَأْسَ بذلك. قُلتُ: أرَأيتَ إنْ وَكَّلتُ وَكيلًا يُسلِّمُ لي في طَعامٍ فأسلَمَ ذلك إلى نَصرانيٍّ أو يَهوديٍّ؟ قالَ: لا بَأْسَ بذلك (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يَجوزُ التَّوكيلُ في طَرَفَيِ البَيعِ بأنواعِه، كالسَّلَمِ والصَّرفِ والتَّوليةِ وغيرِها (٢). وصُورةُ التَّوكيلِ في السَّلَمِ: وكَّل فُلانٌ فُلانًا أنْ يَدفعَ إلى فُلانٍ بعَينِه أو أنْ يَدفعَ مِنْ مالِه إلى مَنْ أرادَ مَبلَغَ كذا وكذا سَلَمًا شَرعيًّا فيما يَراه الوَكيلُ المَذكورُ مِنْ المَكِيلاتِ والمَوزوناتِ والمَعدوداتِ والمَذْروعاتِ الجائِزِ عليها عَقدُ السَّلَمِ شَرعًا في دُفعةٍ واحِدةٍ، أو دُفعاتٍ، حَسْبَما يَراه الوَكيلُ المَذكورُ حالًّا ومُقَسَّطًا ومُؤجَّلًا، وَدفَع رَأْسَ مالِ السَّلَمِ في مَجلِسِ العَقدِ

стр. 6133

الواقِعِ بينَهما على ما يَتعاقَدانِه مِنْ ذلك، على أنَّ المُسلَّمَ إليه يَقومُ بما يُسلَّمُ إليه فيه مَحمولًا إلى البَلَدِ الفُلانيِّ تَوكيلًا شَرعيًّا قبلَ ذلك مِنه قَبولًا شَرعيًّا ويُكمِلُ (١). الوَكالةُ في المُساقاةِ والمُزارَعة: لا خِلافَ بَينِ الفُقهاءِ في أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ في المُساقاةِ والمُزارَعةِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ التَّوكيلُ في المُساقاةِ … ولا نَعلَمُ في ذلك اختِلافًا (٢). وقالَ النَّوَويُّ ﵀: ويَصحُّ التَّوكيلُ في طَرَفَيِ البَيعِ بأنواعِه، كالسَّلَمِ … والمُساقاةِ (٣). وقالَ الحَنفيَّةُ: الوَكالةُ في المُزارَعةِ إمَّا أنْ تَكونَ مِنْ صاحِبِ الأرضِ، وإمَّا أنْ تَكونَ مِنْ المُزارَعِ. إذا وكَّل صاحِبُ الأرضِ رَجُلًا بأنْ يَدفعَ أرضَه لِآخَرَ مُزارَعةً، جازَ ذلك، وكانَ لِلوَكيلِ أنْ يَدفعَها له، ويَشترِطَ أيَّ حِصَّةٍ مِنْ الخارِجِ لِرَبِّ الأرضِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ حِينَ لَم يَنُصَّ على حِصَّةٍ مُعيَّنةٍ يَكونُ قَدْ فوَّض الأمرَ إليه في تَحديدِ هذه الحِصَّةِ مَع المُزارَعِ، فبِأيِّ حِصَّةٍ دفَعها مُزارَعةً كانَ مُمتَثِلًا لِأمرِه، مُحَصِّلًا لِمَقصودِه.

стр. 6134

وَلَكِن لا يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَدفعَها بشَيءٍ يُعلَمُ أنَّه حابَى فيه بما لا يَتغابَنُ النَّاسُ في مِثلِه؛ لأنَّ مُطلَقَ التَّوكيلِ يَتقيَّدُ بالمُتَعارَفِ. فَإنْ دفَعها مَع هذه المُحاباةِ كانَ الزَّرعُ بينَ المُزارَعِ والوَكيلِ على شَرطِهِما، ولا شَيءَ مِنه لِرَبِّ الأرضِ، أي أنَّ الوَكالة تَكونُ باطِلةً في هذه الحالةِ؛ لأنَّ الوَكيلَ صارَ غاصِبًا لِلأرضِ بمُخالَفَتِه المُوكِّلَ، وغاصِبُها إذا دفَعها مُزارَعةً كانَ الزَّرعُ بينَه وبينَ المَدفوعِ إليه على الشَّرطِ. ولصاحِبِ الأرضِ تَضمينُ الوَكيلِ أو المُزارَعِ نُقصانَ الأرضِ في قَولِ أبي يُوسفَ الأوَل، وقَولِ مُحمَّدٍ؛ فَإنْ ضَمِن المُزارَعُ رجَع على الوَكيلِ بما ضَمِن؛ لأنَّه مُغَرَّرٌ مِنْ جِهَتِه. وفي قَولِ أبي يُوسفَ الآخَرَ: يَضمَنُ المُزارَعَ خاصَّةً؛ لأنَّه هو المُتلِفُ، فأمَّا الوَكيلُ فغاصِبٌ، والعَقارُ عندَه لا يُضمَنُ بالغَصبِ، ثم يَرجِعُ المَزارِعُ على الوَكيلِ لِلغَرَرِ؛ فإنْ كانَ حابَى فيه بما يَتغابَنُ النَّاسُ في مِثلِه فالخارِجُ بينَ المُزارِعِ ورَبِّ الأرضِ على الشَّرطِ، والوَكيلِ هو الذي قبَض نَصيبَ المُوكِّلِ؛ لأنَّه هو الذي أجَّرَ الأرضَ، وإنَّما وجَب نَصيبُ رَبِّ الأرضِ بعَقدِه؛ فهو الذي يَلي قَبضَه، وليسَ لِرَبِّ الأرضِ أنْ يَقبِضَه إلَّا بوَكالةٍ مِنْ الوَكيلِ؛ فإنْ كانَ رَبُّ الأرضِ أمَرَ الوَكيلَ أنْ يَدفعَها مُزارَعةً ولَم يُسَمِّ سَنةً ولا غيرَها جازَ لِلوَكيلِ أنْ يَدفعَها مُزارَعةً سَنَتَه الأُولَى؛ فَإنْ دفَعها أكثَرَ مِنْ ذلك أو بعدَ هذه السَّنةِ ولَم يَدفَعْ هذه السَّنةَ لَم يَجُزْ في الِاستِحسانِ، وفي القياسِ يَجوزُ؛ لأنَّ التَّوكيلَ مُطلَقٌ عن الوَقتِ، ففي أيِّ سَنةٍ دفَعها، وفي أيِّ مُدَّةٍ دفَعها، لَم يَكُنْ فِعلُه مُخالِفًا لِمَا أمَرَه

стр. 6135

المُوكِّلُ به، فجازَ، كالوَكيلِ بإجارةِ الدُّورِ والرَّقيقِ، ولكنَّه استَحسَنَ وقالَ: دَفْعُ الأرضَ مُزارَعةً يَكونُ في وَقتٍ مَخصوصٍ مِنْ السَّنةِ عادةً، والتَّقييدُ الثَّابِتُ بالعُرفِ في الوَكالةِ، كالثَّابِتِ بالنَّصِّ؛ فإذا دخَله التَّقييدِ مِنْ هذا الوَجْهِ يُحمَلُ على أخَصِّ الخُصوصِ، وهو وَقتُ الزِّراعةِ مِنْ السَّنَةِ الأُولَى، كالوَكيلِ يَشترِي الأُضحيَّةَ يَتقيَّدُ بأيَّامِ الأُضحيَّةِ مِنْ السَّنةِ الأُولَى. وأمَّا إذا كانَ التَّوكيلُ مِنْ المُزارَعِ بأنْ وكَّل رَجُلًا آخَرَ بأنْ يَأخُذَ له هذه الأرضَ مُزارَعةً هذه السَّنةَ على أنْ يَكونَ البَذْرُ مِنْ المُوكِّلِ، كانَتِ الوَكالةُ جائِزةً. وَتَسرِي أحكامُ الوَكالةِ المُطلَقةِ التي ذُكِرَتْ في الحالةِ الأُولَى هُنا أيضًا، أي أنَّ الوَكيلَ يَكونُ مُقيَّدًا بالمُتَعارَفِ عليه بينَ النَّاسِ في التَّعامُلِ، كما يَكونُ مُقيَّدًا بالشَّرعِ، فلا يَتصرَّفُ تَصرُّفًا يَضُرُّ بالمُوكِّلِ. هذا إذا كانَ التَّوكيلُ مُطلَقًا عن القُيودِ، أمَّا إذا قَيَّدَ المُوكِّلُ -سَواءٌ أكانَ صاحِبَ الأرضِ أو المُزارَعِ- وَكيلَه بقَيدٍ مُعيَّنٍ؛ فإنَّه يَجِبُ على الوَكيلِ الِالتِزامُ بهِ؛ فإذا خالَفَه بطَلتِ الوَكالةُ، إلَّا إذا كانَتِ المُخالَفةُ لِمَصلَحةِ المُوكِّلِ؛ فإنَّها تَكونُ نافِذةً في حَقِّهِ؛ لأنَّها تُعتبَرُ مُوافَقةً ضِمنِيَّةً، فالعِبرةُ في العُقودِ بالمَعاني، لا بالألفاظِ والمَباني. فلَو وكَّل صاحِبُ الأرضِ رَجُلًا لِيَدفعَ له أرضَه لِآخَرَ مُزارَعةً بالثُّلُثِ مثلًا، فدفَعها الوَكيلُ له بالنِّصفِ؛ فإنَّ الوَكيلَ هُنا يَكونُ قَدْ خالَفَ مُوكِّلَه، ولكنَّ العَقدَ يَكونُ صَحيحًا؛ لأنَّ المُخالَفةَ لِخَيرِ المُوكِّلِ ومَصلَحَتِه، فقَد عقَد له بالنِّصفِ بَدَلًا مِنْ الثُّلُثِ. لِذلك لا تَبطُلُ الوَكالةُ إذا أجازَ

стр. 6136

المُوكِّلُ تَصرُّفَ وَكيلِه المُخالِفِ؛ لأنَّ الإجازةَ اللَّاحِقةَ كالوَكالةِ السَّابِقةِ (١). الوَكالةُ في الرَّهْنِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على صِحَّةِ التَّوكيلِ في الرَّهنِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: يَجوزُ التَّوكيلُ في الرَّهنِ … لا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا (٢)؛ لأنَّ الوَكيلَ هُنا سَفيرٌ مَحضٌ، والسَّفيرُ حاكٍ قولَ غيرِه، ومَن حَكَى قولَ غيرِه لا يَلزَمُه حُكمُ ذلك القَولِ، كَمَنْ حَكَى قَذْفَ غيرِه؛ فإنَّه لا يَكونُ قاذِفًا، ومَن حَكَى كُفرَ غيرِه لا يَكونُ كافِرًا (٣). وَصُورةُ تَوكيلِ الوَكيلِ على أنْ يَرهَنَ له رَهنًا على دَيْنٍ في ذِمَّتِه، أو على ما يَترَتَّبُ في ذِمَّتِه مِنْ الدَّينِ، أو أنْ يَرتَهِنَ له رَهنًا مِنْ شَخصٍ في ذِمَّتِه دَيْنٌ لِلمُوكِّلِ: وكَّل فُلانٌ فُلانًا أنْ يَرهَنَ ما هو جارٍ في يَدِه ومِلْكِه وتَصرُّفِه، وهو كذا وكذا على ما هو مُستَقِرٌّ في ذِمَّتِه مِنْ الدَّيْنِ الشَّرعيِّ لِفُلانٍ، بمُقتَضَى مَسطورٍ شَرعيٍّ مَبلَغُه كذا، مُؤَرَّخٍ بكذا، وعلى ما سَيَستَقِرُّ في ذِمَّتِه لِفُلانٍ مِنْ الدَّيْنِ الشَّرعيِّ رَهنًا شَرعيًّا، ويُسلِّمُه لِلمُرتهَنِ المَذكورِ على ذلك تَسليمًا شَرعيًّا. وإنْ يَرتَهِنَ له مِنْ فُلانٍ كذا وكذا، على ما له في ذِمَّتِه مِنْ الدَّيْنِ الشَّرعيِّ ارتِهانًا شَرعيًّا بشُروطِه الشَّرعيةِ، ويَتَسلَّمُه لِمُوكِّلِه المَذكورِ تَسلُّمًا شَرعيًّا على الوَجْه الشَّرعيِّ تَوكيلًا شَرعيًّا قبلَه مِنه قَبولًا شَرعيًّا ويُكمِلُ.

стр. 6137

وَصورةُ تَوكيلِ الرَّاهِنِ في بَيعِ الرَّهنِ عندَ حُلولِ الدَّيْنِ ودَفْعِه لِلمُرتهَنِ، وأحسَنُ ما يُكتَبُ في ذَيلِ مَسطورِ الدَّينِ بعدَ استِيفاءِ ذِكْرِ الرَّهنِ أنْ يَقولَ -وبعدَ تَمامِ ذلك، ولُزومِه شَرعًا-: وكَّل فُلانٌ الرَّاهِنُ المُسمَّى أعلاه فُلانًا في بَيع الرَّهنِ المَذكورِ عندَ حُلولِه، وبعدَه، بثَمَنِ المِثلِ، وما قارَبَه ممَّن يَرغَبُ في ابتِياعِه، وفي قَبضِ الثَّمَنِ وتَسليمِ المَبيعِ أو في مُقاصَصَةِ المُشتَرِي إنْ كانَ هو المُرتهَنَ بالثَّمَنِ الواقِعِ عليه عندَ عَقدِ البَيعِ إلى نَظيرِه مِنْ الدَّيْنِ المُعيَّنِ أعلاه، وفي المُكاتَبةِ والإشهادِ على الرَّسمِ المُعتادِ تَوكيلًا شَرعيًّا قبلَ ذلك مِنه قَبولًا شَرعيًّا ويُكمِلُ (١). وقالَ السَّرخَسيُّ: قالَ ﵀: وإذا دفَع الرَّجلُ إلى رَجُلٍ مَتاعًا، فقالَ: بِعْه أوِ ارهَنْ به لي، ففَعلَ، فهو جائِزٌ في قَولِ أبي حَنيفةَ ﵀، سَواءٌ كانَ الرَّهنُ مثلَ الثَّمَنِ أو أقَلَّ، بما لا يَتغابَنُ النَّاسُ فيه؛ لأنَّ الأمرَ بالِارتِهانِ مُطلَقٌ، فيَجري على إطلاقِه ما لَم يَقُمْ دَليلُ التَّقييدِ. وَعندَهُما لا يَجوزُ إلَّا أنْ يَرتَهِنَ رَهنًا مثلَ الثَّمَنِ، أو أقَلَّ، بما يَتغابَنُ النَّاسُ فيه بِناءً على أصلِهما أنَّ التَّقييدَ يَحصُلُ بدِلالةِ العُرفِ. ولو باعَه ولَم يَرتَهِنْ به رَهنًا لَم يَجُزِ البَيعُ؛ لأنَّ الآمِرَ قَيَّدَ التَّوكيلَ بما فيه مَنفعةٌ له، وهو الِارتِهانُ بالثَّمَنِ؛ لِيَكونَ حَقُّه مَضمونًا، ولِيَندَفِعَ عنه ضَرَرُ الثَّواءِ عندَ مَوتِ المُشتَرِي مُفلِسًا؛ فإذا باعَه ولَم يَرتَهِنْ به لَم يَحصُلْ مَقصودُه الذي صرَّح به، فلا يَنفُذُ تَصرُّفُه فيه، كما لو قالَ: بِعْه واشتَرِطِ الخِيارَ ثَلاثةَ أيَّامٍ.

стр. 6138

ولو قالَ: بِعْه برَهْنِ ثِقةٍ، فارتَهَنَ رَهنًا أقَلَّ مِنه، بما يَتغابَنُ النَّاسُ فيه جازَ، وإنْ كانَ أقَلَّ مِنه بما لا يَتغابَنُ النَّاسُ فيه لَم يَجُزْ؛ لأنَّه قَيَّدَ الِارتِهانَ هُنا بأنْ يَكونَ ثِقةً، وهو عِبارةٌ عَمَّا يَكونُ في مالِيَّتِه وَفاءً بالدَّينِ، فيَتقيَّدُ به، إلَّا أنَّ قَدْرَ ما يَتغابَنُ النَّاسُ فيه لا يُمكِنُ التَّحَرُّزُ عنه، فكانَ عَفْوًا. قالَ: وإنِ ارتَهَنَ رَهْنًا ثِقةً وقَبَضَه ثم رَدَّه على صاحِبِه جازَ رَدُّه في حَقِّ نَفْسِه؛ لأنَّه بمَنزِلةِ العاقِدِ لِنَفْسِه، والِارتِهانُ لِاستِيفاءِ الثَّمَنِ، وحَقُّ القَبضِ إلى الوَكيلِ، حتى لو أبرَأَ المُشتَريَ مِنه كانَ صَحيحًا؛ فإذا رَدَّه عليه الرَّاهِنُ بسَبَبٍ، كانَ صَحيحًا أيضًا، ولكنَّه يَصيرُ ضامِنًا له، ولَم يَذكُرْ خِلافَ أبي يُوسفَ ﵀ هُنا، قيلَ: على قَوله لا يَصحُّ رَدُّ الرَّهنِ بِناءً على الأصلِ الذي ذَكَرْنا، وقيلَ: لا يَصحُّ هُنا؛ لأنَّه ليسَ فيه إبطالُ شَيءٍ مِنْ الثَّمَنِ، وهو مِنْ صُنعِ التُّجَّارِ، فيَملِكُه. قالَ: وإنْ وَضَعَه على يَدَيْ عَدْلٍ فهو جائِزٌ؛ لأنَّ كَونَ الرَّهنِ على يَدَيْ عَدْلٍ، أو على يَدَيِ الوَكيلِ، سَواءٌ في حَقِّ المُوكِّلِ، وهو اختِصاصُه الرَّهنُ عندَ تَعذُّرِ استِيفاءِ دْينِه مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ، ولَم يُقيِّدِ الأمْرَ بيَدِ الوَكيلِ، فلا يَتقيَّدُ به، وليسَ لِلمُوكِّلِ قَبضُ الرَّهنِ؛ لأنَّ المُشتَريَ ما رَضيَ بقَبضِه، إنَّما رَضيَ بقَبضِ العَدلِ، أو قَبضِ الوَكيلِ، ورِضاه مُعتبَرٌ في مِلْكِه، وكَذلك الجَوابُ في القَرضِ برَهْنٍ في جَميعِ ما ذَكَرْنا. قالَ: وإذا دفَع إلى رَجُلٍ مِئةَ دِرهَمٍ فقالَ له: ائْتِ بها فُلانًا، وقُلْ له: إنَّ فُلانًا أقرَضَكَ هذه على أنْ تُعطِيَه بها رَهنًا، وأمَرَني أنْ أقبِضَ الرَّهنَ مِنكَ، فَأْتِه

стр. 6139

به، ففَعلَ وقبَض الرَّهنَ فهو جائِزٌ، والرَّهنُ مَقبوضٌ، ولِلآمِرِ أنْ يَقبِضَه مِنْ الوكيل؛ لأنَّه جعَله رَسولًا حينَ أمَرَه أنْ يُضيفَ ما يَقولُ له إلى الآمِرِ، وقَد بلَغ الرِّسالةَ، وليسَ على الرَّسولِ إلَّا تَبليغُ الرِّسالةِ، فأمَّا شَيءٌ مِنْ الحُقوقِ لا يَتعلَّقُ بالرَّسولِ فكانَ لِلآمِرِ أنْ يَقبِضَ الرَّهنَ مِنْ الوَكيلِ، وأنْ يُطالِبَ المُستَقرِضَ بدَيْنِه، إلَّا أنَّ الرَّهنَ يَتمُّ بقَبضِ الرَّسولِ؛ لأنَّه نائِبٌ عن المُرسِلِ في قَبضِه لِنائِبِه، فتَمَّ الرَّهنُ بقَبضِه، وإذا هَلكَ في يَدِه هَلكَ مِنْ مالِ الآمِرِ، وإنْ قالَ: أقرِضْ أنتَ وخُذْ بها رَهنًا، لَم يَكُنْ لِلآمِرِ أنْ يَأخُذَ الرَّهنَ مِنْ الوَكيلِ؛ لأنَّه بمُباشَرةِ العَقدِ كانَ وَكيلًا لا رَسولًا، فقَد أضافَ العَقدَ إلى نَفْسِه، فتَتعلَّقُ حُقوقُه به، وإنَّما رَضيَ المُستَقرِضُ بكَونِ الرَّهنِ في يَدِه دونَ غيرِه، فلِهذا لا يَكونُ لِلآمِرِ أنْ يَأخُذَه، بخِلافِ ما سبَق، وإنْ هَلكَ في يَدِ الوَكيلِ هَلكَ مِنْ مالِ الآمِرِ نَفْسِه أيضًا؛ لأنَّه عامِلٌ له فيما صَنَعَ، فقَبضُه كَقَبضِ الآمِرِ. قالَ: وإنْ دفَع إليه ثَوبًا يُساوي عَشَرةَ دَراهِمَ ووكَّله أنْ يَرهَنَه بعَشَرةٍ، ففَعلَ وقبَض العَشَرةَ، فإنْ كانَ قالَ لِلَّذي أعطاه المال: إنَّ فُلانًا أرسَلَني إلَيكَ بهذا الرَّهنِ لِتُقرِضَه عَشَرةَ دَراهِمَ وتَرتَهِنَ هذا الثَّوبَ مِنه بدَراهِمَ، فالدَّراهِمُ لِلآمِرِ، والوَكيلُ فيها أمينٌ؛ لأنَّه أخرَجَ الكَلامُ مَخرَجَ الرِّسالةِ حينَ أضافَه إلى الآمِرِ، فانعقَد العَقدُ لِلمُرتهَنِ مَع الآمِرِ حتى لا يَكونَ لِلرَّسولِ أنْ يَستَرِدَّ هذا الثَّوبَ، فلا يَكونُ هذا مُطالَبًا بالعَشَرةِ، وإنْ كانَ قالَ لِلمُقرِضِ: أقرِضْني عَشَرةَ دَراهِمَ، وارتَهِنْ هذا الثَّوبَ مِنِّي، فالعَشَرةُ لِلوَكيلِ؛ لأنَّه أضافَ العَقدَ إلى نَفْسِه، فلَم يَكُنْ رَسولًا، ولا يُمكِنُ أنْ يُجعَلَ وَكيلًا؛ لأنَّ

стр. 6140

التَّوكيلَ بالِاستِقراضِ لا يَجوزُ؛ فإنَّ المُستَقرِضَ يَلتزِمُ بَدَلَ القَرضِ في ذِمَّتِه، ولو قالَ: بِعْ شَيئًا مِنْ مالِكَ على أنْ يَكونَ ثَمَنُه لي، لا يَصلُحُ، فكَذلك إذا قالَ: التَزِمِ العَشَرةَ في ذِمَّتِكَ على أنْ يَكونَ عِوَضُه لي، وكانَ التَّوكيلُ بالِاستِقراضِ قِياسَ التَّوكيلِ، فكانَ باطِلًا، والعَشَرةُ لِلوَكيلِ، وله أنْ يَمنَعَها مِنْ الآمِرِ، وإنْ هَلَكَتْ مِنْ مالِه، وليسَ هذا الخِلافُ مِنه لِلآمِرِ. وإنْ كانَ قالَ: استَقرِضْ لي، ما بينَا أنَّ التَّوكيلَ لَم يَصلُحْ، فاستِقراضُه لِنَفْسِه ولِغيرِه في الحُكمِ سَواءٌ، وهذا تَقييدٌ غيرُ مُفيدٍ؛ فلا يَكونُ مُعتبَرًا. قالَ: وإنْ كانَ قالَ له صاحِبُ الثَّوبِ: قُلْ لِفُلانٍ يُقرِضُني وأعطِه هذا الثَّوبَ برِسالَتي رَهنًا عَنّيِ، فأضافَ الوَكيلُ العَقدَ إلى نَفْسِه، كانَ مُخالِفًا ضامِنًا لِلثَّوبِ، ولا يَجوزُ رَهْنُه؛ لأنَّ صاحِبَ الثَّوبِ جعَله رَسولًا وَكيلًا هُنا، فيَكونُ ذلك إذْنًا مِنه له في إضافةِ العَقدِ إلى نَفْسِه (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: تَجوزُ الوَكالةُ في عَقدِ الرَّهنِ وقَبضِه وإقباضِه (٢). وقالَ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واختَلَفوا فيما إذا وكَّل وَكيلًا في بَيعِ الرَّهنِ، ثم عزَله. فقالَ الشَّافِعيُّ وأحمَدُ: له ذلك. وقالَ أبو حَنيفةَ: ليسَ ذلك إليه، إذا كانَ التَّوكيلُ في الرَّهنِ نَفْسِه، فأمَّا إذا وكَّله في البَيعِ بعدَ تَمامِ الرَّهنِ فله عَزلُه. وقالَ مالِكٌ: له عَزلُه على الإطلاقِ (٣).

стр. 6141

الوَكالةُ في الوَديعةِ: تَجوزُ الوَكالةُ في الوَديعةِ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: يَجوزُ التَّوكيلُ في الوَديعةِ، ولا نَعلَمُ في ذلك اختِلافًا (١)؛ لأنَّ الوَكيلَ هُنا سَفيرٌ مَحضٌ، والسَّفيرُ حاكٍ قولَ غيرِه، ومَن حَكَى قولَ غيرِه لا يَلزَمُه حُكمُ ذلك القَولِ، كَمَنْ حَكَى قَذْفَ غيرِه؛ فإنَّه لا يَكونُ قاذِفًا، ومَن حَكَى كُفْرَ غيرِه لا يَكونُ كافِرًا (٢). إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو وكَّله بقَبضِ وَديعةٍ أو إيداعِ مالِه، ولَم يُشهِدْ، على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ. قالَ الحَنفيَّةُ: لو قالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: وكَّلني فُلانَ بقَبضِ مالِه عَلَيكَ مِنْ الدَّينِ، لا يَخلو: إمَّا أنْ يُصَدِّقَه المَدِينُ، أو يُكَذِّبَه، أو يَسكُتَ. فإنَّ صِدقَه يُجبِرُ على أنْ يَدفعَه إليه، وليسَ له أنْ يَستَرِدَّ بعدَ ذلك، وإنْ كذَّبه أو سَكَتَ، لا يُجبَرُ على دَفْعِه إليه. لكنْ لو دفَعه مَع ذلك، ثم أرادَ أنْ يَستَرِدَّ، فليسَ له ذلك. ثم بعدَ ذلك إنْ جاءَ المُوكِّلُ وأقَرَّ بالوَكالةِ، مَضَى الأمْرُ.

стр. 6142

وإنْ أنكَرَ الوَكالةَ يَأخُذُ دَيْنَه مِنْ الغَريمِ، والغَريمُ يَرجِعُ على الوَكيلِ، إنْ كانَ قائِمًا، وإنِ استَهلَكَه، يَضمَنُ مثلَه، وإنْ هَلكَ في يَدِهِ: إنْ صدَّقه، لا يَرجِعُ، وإنْ صدَّقه وشرَط عليه الضَّمانَ، أو كذَّبه أو سَكَتَ؛ فإنَّه يَرجِعُ، ثم إذا رجَع المُوكِّلُ على الغَريمِ، ليسَ له أنْ يَرجِعَ على الوَكيلِ ثانيةً، ولو أرادَ الغَريمُ أنْ يُحَلِّفَه باللَّهِ ما وَكَّلتُه، كانَ له ذلك، وإنْ دفَع عن سُكوتٍ، ليسَ له أنْ يُحَلِّفَ الطَّالِبَ، إلَّا إذا عادَ إلى التَّصديقِ. وإنْ دفَع عن جُحودٍ، ليسَ له أنْ يُحَلِّفَ الطَّالِبَ، سَواءٌ عادَ إلى التَّصديقِ، أو لَم يَعُدْ، لكنْ يَرجِعُ على الوَكيلِ، ولِلوَكيلِ أنْ يُحَلِّفَ الغَريمَ في الجُحودِ والسُّكوتِ، بأنَّه لا يَعلَمُ أنَّه وكَّله؛ فَإنْ حلَف مَضَى الأمْرُ، وإنْ نَكَلَ فلا ضَمانَ على الوَكيلِ، وإنْ شاءَ لَم يُحَلِّفِ الغَريمَ، لكنْ يُحَلِّفُ الطَّالِبَ باللَّهِ ما وكَّله؛ فَإنْ حلَف استَقَرَّ الضَّمانُ على الوَكيلِ، وإنْ نَكَلَ يَرجِعُ الوَكيلُ على الطَّالِبِ. هذا كلُّه إذا ادَّعى أنَّه وَكِيلٌ، وهذا كلُّه في الدَّيْنِ، فأمَّا في الوَديعةِ: فإذا قالَ لِفُلانٍ: عندَكَ وَديعةٌ كَلَّفَني بقَبضِها، فصدَّقه المُودَعُ، ثم امتَنَعَ عن دَفْعِها إليه، فله ذلك؛ لأنَّ إقرارَه لا في مِلْكِ غيرِه، وهو الوَديعةُ، وفي الدَّيْنِ مِلْكُ نَفْسِه، فإنْ قالَ: لَم يُوكِّلْني، ولَكِنِ ادفَعِ الدَّينَ إلَيَّ؛ فإنَّه سَيُجيزُ قَبْضي، وعَلَيَّ ضَمانُه، فليسَ له أنْ يَدفعَ الدَّيْنَ، ولا الوَديعةَ؛ فَإنْ دفَع صارَ ضامِنًا، ولا يَرجِعُ على المَدفوعِ إليه، وإنْ شرَط عليه الضَّمانَ. وإذا علِم المَدِينُ أنَّه ليسَ بوَكيلٍ بالقَبضِ، ومَع هذا دفَع، فالمالُ عندَه بمَنزِلةِ الوَديعةِ، فالدَّافِعُ إنْ

стр. 6143

أرادَ قَبْضَه قبلَ أنْ يَقْدَمَ الغائِبُ، فله ذلك، وإنْ ضاعَ في أيْدِي المَدفوعِ إليه بعدَ الإجازةِ، كانَ مِنْ الطَّالِبِ، وصارَ كَأنَّه وَكيلٌ يَومَ قَبضِ المالِ (١). وأمَّا المالِكيَّةُ فقالَ منهم القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: إذا وكَّله في قَبْضِ دَيْنٍ له على رَجُلٍ، أو وَديعةٍ عندَه، فصدَّق الغَريمُ الوَكيلَ، وليسَ لِلوَكيلِ بيِّنةٌ، لا يُجبَرُ الغَريمُ على دَفْعِ الشَّيءِ إلى الوَكيلِ، خِلافًا لِأبي حَنيفةَ في قَوله: إنَّه يُجبَرُ إذا كانَ الحَقُّ في الذِّمةِ، ولا يُجبَرُ إذا كانَ في غيرِ ذِمَّتِه، ولأنَّه لا يَلزَمُ الغَريمَ أنْ يَدفعَ إلَّا ما يَبرَأُ به، بدَليلِ أنَّه لو كانَ عليه حَقٌّ فطالَبَه صاحِبُه به كانَ له أنْ يَمنَعَه حتى يُحضِرَ الوَثيقةَ، وحينَئذٍ تَسقُطُ شَهادةُ الشُّهودِ، والدَّفعُ بالإقرارِ لا يَبرَأُ به بدَليلِ أنَّ صاحِبَ الدَّينِ لو جَحَدَ الوَكالةَ لَزِمَه دَفعُها إليه ثانيةً، وإذا كانَ كَذلك لَم يَلزَمْه الدَّفْعُ، وتَحريرُه أنْ يُقالَ: كلُّ مَنْ لَم يَبرَأْ بالدَّفعِ إليه لَم يُجبَرْ على دَفْعِه إليه، كالأجنَبيِّ، ولأنَّه أقَرَّ على غيرِه بالتَّوكيلِ، فلَم يَلزَمْ بحُكمِ ذلك الإقرارِ تَسليمُ ما في يَدِه إلى الوَكيلِ، اعتِبارًا بما في يَدِه مِنْ العَينِ. إذا ثَبَتَ أنَّه لا يُجبَرُ على الدَّفعِ إلى مَنْ يَعترِفُ بأنَّه وَكيلٌ بغيرِ بيِّنةٍ على الوَكالةِ، فلَوِ اعتَرَفَ له صاحِبُ الحَقِّ فقَد أُبْرِئَ، وإنْ أنكَرَ الوَكالةَ وأقَرَّ قَبضَ الحَقِّ أُبْرِئَ الغَريمُ أيضًا؛ لأنَّ ثُبوتَ الوَكالةِ ليسَ بشَرطٍ في الإبراءِ، كما لو بَعَثَ به الغَريمُ على يَدِ رَسولٍ ابتِداءً، واعتَرَفَ صاحِبُ الحَقِّ بقَبضِه، لَأُبْرِئَ الغَريمُ، فإنْ أقَرَّ صاحِبُ الحَقِّ بالوَكالةِ وأنكَرَ أنْ يَكونَ الغَريمُ دفَع

стр. 6144

الدَّينَ إلى الوَكيلِ لَم يُلتَفَتْ إلى أقوالِ الوَكيلِ بالقَبضِ، وإنكارِه، ولَزِمَ الغَريمَ إقامةُ البيِّنةِ بالدَّفعِ إلى الوَكيلِ؛ فَإنْ لَم يُقِمْ بيِّنةً غَرِمَ في ذلك لِصاحِبِ الحَقِّ؛ لأنَّ الغَريمَ هو الذي أتلَفَ مالَهُ؛ حينَ دفَعه إلى مَنْ يَبرَأُ بالدَّفعِ إليه، وكَذلك لو كانَتِ الوَكالةُ ببيِّنةٍ، فدفَع الغَريمُ إلى الوَكيلِ بغيرِ بيِّنةٍ، وأنكَرَ صاحِبُ الحَقِّ؛ فإنَّ الغَريمَ يُغَرَّمُ المالَ؛ لأنَّ إقرارَ الوَكيلِ بالقَبضِ غيرُ مَقبولٍ على المُوكِّلِ؛ لأنَّ الوَكيلَ أمينٌ فيما بينَه وبينَ مُوكِّلِه، لا فيما بينَه وبينَ غيرِه، وإذا كانَ كَذلك فإنَّ الغَريمَ يُغَرَّمُ المالَ ثانيةً وله إحلافُ صاحِبِ الحَقِّ على أنَّه لَم يَقبِضْه، ولَم يَعلَمْ بدَفْعِ الحَقِّ إلى وَكيلِه، فإنِ ادَّعى الوَكيلُ أنَّه دفَع المالَ إليه ببيِّنةٍ وأقامَها؛ فإنَّ الغَريمَ يَبرَأُ بذلك، ولا يَحتاجُ إلى إقامةِ بيِّنةٍ على الدَّفعِ إلى الوَكيلِ؛ لأنَّ البيِّنةَ قَدْ شهِدتْ بقَبضِ صاحِبِ الحَقِّ بحَقِّه، فإنِ ادَّعى الدَّفعَ إلى صاحِبِ الحَقِّ بغيرِ بيِّنةٍ لا يَلزَمُ ذلك صاحِبَ الحَقِّ على ما بينَاه (١). وقالَ الشِّيرازيُّ ﵀: وإنْ وكَّله في الإيداعِ فادَّعى أنَّه أودَعَ، وأنكَرَ المُودَعُ، لَم يُقبَلْ قَولُ الوَكيلِ عليه؛ لأنَّه لَم يَأتَمِنْه المُودَعُ، فلا يُقبَلُ قَوله عليه، كالوَصِيِّ إذا ادَّعى دَفْعَ المالِ إلى اليَتيمِ. وَهَل يَضمَنُ الوَكيلُ؟ يُنظَرُ فيه، فإنْ أشهَدَ ثم ماتَ الشُّهودُ أو فَسَقَوا، لَم يَضمَنْ؛ لأنَّه لَم يُفَرِّطْ، وإنْ لَم يَشهَدْ فإنْ قُلْنا: إنَّه يَجِبُ الإشهادُ، ضَمِن؛ لأنَّه فرَّط، وإنْ قُلْنا: لا يَجِبُ، لَم يَضمَنْ؛ لأنَّه لَم يُفَرِّطْ.

стр. 6145

فصل في ادِّعاءِ الوَكالةِ عندَ مَنْ عليه الحَقُّ إنْ كانَ عليه حَقٌّ لِرَجُلٍ فجاءَ رَجُلٌ وادَّعى أنَّه وَكيلُ صاحِبِ الحَقِّ في قَبْضِه وصدَّقه، جازَ أنْ يَدفعَ إليه، ولا يَجِبَ الدَّفعُ إليه، وقالَ المُزَنيُّ: يَجِبُ الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه أَقَرَّ له بحَقِّ القَبضِ، وهذا لا يَصحُّ؛ لأنَّه دَفْعٌ غيرُ مُبْرِئٍ، فلَمْ يُجبَرْ عليه، كما لو كانَ عليه دَيْنٌ بشَهادةٍ، فطُولِبَ به مِنْ غيرِ إشهادٍ؛ فَإنْ دفَع إليه ثم حضَر المُوكِّلُ وأنكَرَ التَّوكيلَ، فالقَولُ قَولُه مَع يَمينِه على أنَّه ما وكَّل؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ التَّوكيلِ؛ فإذا حلَف نُظر: فإنْ كانَ الحَقُّ عَينًا أخَذَها، إنْ كانَتْ باقيةً، ورجَع ببَدَلِها إنْ كانَتْ تالِفةً، وله أنْ يُطالِبَ الدَّافِعَ والقابِضَ؛ لأنَّ الدَّافِعَ سلَّمَ إلى مَنْ لَم يَأذَنْ له المُوكِّلُ، والقابِضُ أخَذَ ما لَم يَكُنْ له أخْذُه؛ فَإنْ ضَمِن الدَّافِعُ لَم يَرجِعْ على القابِضِ، وإنْ ضَمِن القابِضُ لَم يَرجِعْ على الدَّافِعِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقولُ بأنَّ ما يَأخُذُه المالِكُ ظُلْمٌ، فلا يَرجِعُ به على غيرِه. وإنْ كانَ الحَقُّ دَيْنًا فله أنْ يُطالِبَ به الدَّافِعَ؛ لأنَّ حَقَّه في ذِمَّتِه لَم يَنتقِلْ. وَهَل له أنْ يُطالِبَ القابِضَ؟ فيه وَجهانِ:

стр. 6146

أحَدُهما: له أنْ يُطالِبَ، وهو قَولُ أبي إسحاقَ؛ لأنَّه يُقِرُّ بأنَّه قبَض حَقَّه، فرجَع عليه، كما لو كانَ الحَقُّ عَينًا. والآخَرُ: ليسَ له، وهو قَولُ أكثَرِ أصحابِنا؛ لأنَّ دَيْنَه في ذِمَّةِ الدَّافِعِ، لَم يَتعيَّنْ فيما صارَ في يَدِ القابِضِ، فلَمْ يَجُزْ أنْ يُطالِبَ به. وإنْ جاءَ رَجُلٌ إلى مَنْ عليه الحَقُّ وادَّعى أنَّه وارِثُ صاحِبِ الحَقِّ، فصدَّقه، وجَب الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه اعتَرَفَ بأنَّه لا مالِكَ له غيرُه، وأنَّ دَفعَه إليه دَفْعٌ مُبْرِئٌ، فلَزِمَه (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ وكَّله في إيداعِ مالِه، فأودَعَه ولَم يُشهِدْ، قالَ أصحابُنا: لا يَضمَنُ إذا أنكَرَ المودَعُ، وكَلامُ الخِرَقيِّ بعُمومِه يَقتَضي ألَّا يُقبَلَ قَولُه على الآمِرِ، وهو أحَدُ الوَجهَيْنِ لِأصحابِ الشَّافِعيِّ؛ لأنَّ الوَديعةَ لا تَثبُتُ إلَّا بالبيِّنةِ، فهي كالدَّيْنِ. وقالَ أصحابُنا: لا يَصحُّ القِياسُ على الدَّيْنِ؛ لأنَّ قولَ المُودِعِ يُقبَلُ في الرَّدِّ والهَلاكِ، فلا فائِدةَ في الِاستِيثاقِ، بخِلافِ الدَّيْنِ. فَإنْ قالَ الوَكيلُ: دَفَعتُ المالَ إلى المُودِعِ، فقالَ: لَم تَدفَعْه، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ؛ لأنَّهما اختَلَفا في تَصرُّفِه، وفيما وُكِّلَ فيه، فكانَ القَولُ قوله فيه. فَصلٌ: وإذا كانَ على رَجُلٍ دَيْنٌ وعندَه وَديعةٌ، فجاءَه إنسانٌ فادَّعى أنَّه وَكيلُ صاحِبِ الدَّيْنِ والوَدِيعةِ في قَبضِهِما، وأقامَ بذلك بيِّنةً، وجَب الدَّفعُ

стр. 6147

إليه، وإنْ لَم يُقِمْ بيِّنةً لَم يَلزَمْه دَفْعُها إليه، سَواءٌ صدَّقه في أنَّه وَكِيلُه، أو كذَّبه، وبِهذا قالَ الشَّافِعيُّ. وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ صدَّقه لَزِمَه وَفاءُ الدَّيْنِ، وفي دَفْعِ العَينِ إليه رِوايَتانِ، أشهَرُهما: لا يَجِبُ تَسليمُها، واحتَجَّ بأنَّه أقَرَّ له بحَقِّ الِاستِيفاءِ، فلَزِمَه إيفاؤُه، كما لو أقَرَّ له أنَّه وارِثُه. ولَنا: أنَّه تَسليمٌ لا يُبرِئُه، فلا يَجِبُ، كما لو كانَ الحَقُّ عَينًا، وكما لو أقَرَّ بأنَّ هذا وَصِيُّ الصَّغيرِ، وفارَقَ الإقرارَ بكَونِه وارِثَهُ؛ لأنَّه يَتضَمَّنُ بَراءَته؛ فإنَّه أقَرَّ بأنَّه لا حَقَّ لِسِواه. فأمَّا إنْ أنكَرَ وَكالَتَه لَم يُستَحلَفْ، وقالَ أبو حَنيفةَ: يُستَحلَفُ، ومَبنَى الخِلافِ على الخِلافِ في وُجوبِ الدَّفعِ مَع التَّصديقِ، فمَن أوجَبَ عليه الدَّفعَ مَع التَّصديقِ ألزَمَه اليَمينَ عندَ التَّكذيبِ، كَسائِرِ الحُقوقِ، ومَن لَم يُوجِبْ عليه الدَّفْعَ مَع التَّصديقِ قالَ: لا يَلزَمُه اليَمينُ عندَ التَّكذيبِ؛ لِعدمِ فائِدَتِها، فَإنْ دفَع إليه مَع التَّصديقِ، أو مَع عَدمِه، فحضَر المُوكِّلُ وصدَّق الوَكيلَ أُبْرِئَ الدَّافِعُ، وإنْ كذَّبه فالقَولُ قَولُه مَع يَمينهِ؛ فإذا حلَف وكانَ الحَقُّ عَينًا قائِمةً في الوَكيلِ، فله أخْذُها، وله مُطالَبةُ مَنْ شاءَ بِرَدِّها؛ لأنَّ الدَّافِعَ دفَعها إلى غيرِ مُستَحقِّها، والوَكيلَ عَينُ مالِه في يَدِه؛ فَإنْ طالَبَ الدَّافِعُ فلِلدَّافِعِ مُطالَبةُ الوَكيلِ بها، وأخْذُها مِنْ يَدِه لِيُسلِّمَها إلى صاحِبِها، وإنْ تَلِفَتِ العَينُ، أو تَعَذَّرَ رَدُّها فلِصاحِبِها الرُّجوعُ ببَدَلِها على مَنْ شاءَ مِنهُما؛

стр. 6148

لأنَّ الدَّافِعَ ضَمِنها بالدَّفعِ، والمَدفوعُ إليه قبَض ما لا يَستحقُّ قَبْضَه، وأيُّهما ضَمِن لَم يَرجِعْ على الآخَرِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما يَدَّعي أنَّ ما يَأخُذُه المالِكُ ظُلمٌ ويُقِرُّ بأنَّه لَم يُوجَدْ مِنْ صاحِبِه تَعَدٍّ، فلا يَرجِعُ على صاحِبِه بظُلمِ غيرِه، إلَّا أنْ يَكونَ الدَّافِعُ دفَعها إلى الوَكيلِ مِنْ غيرِ تَصديقِه فيما ادَّعاه مِنْ الوَكالةِ؛ فَإنْ ضَمِن رجَع على الوَكيلِ؛ لِكَونِه لَم يُقِرَّ بوَكالَتِه، ولا ثَبَتَتْ ببيِّنةٍ، وإنْ ضَمِن الوَكيلُ لَم يَرجِعْ عليه، وإنْ صدَّقه، لكنَّ الوَكيلَ تَعدَّى فيها، أو فرَّط، استَقَرَّ الضَّمانُ عليه؛ فَإنْ ضَمِن لَم يَرجِعْ على أحَدٍ، وإنْ ضَمِن الدَّافِعُ رجَع عليه؛ لأنَّه، وإنْ كانَ يُقِرُّ بأنَّه قَبَضَه قَبضًا صَحيحًا لكنْ لَزِمَه الضَّمانُ بتَفريطِه وتَعَدِّيه، فالدَّافِعُ يَقولُ: ظَلَمَني المالِكُ بالرُّجوعِ عَلَيَّ، وله على الوَكيلِ حَقٌّ يَعترِفُ به الوَكيلُ، فيَأخُذُه يَستَوفي حَقَّه مِنه، فأمَّا إنْ كانَ المَدفوعُ دَيْنًا لَم يَرجِعْ إلَّا على الدَّافِعِ وَحدَهُ؛ لأنَّ حَقَّه في ذِمَّةِ الدَّافِعِ، لَم يَبرَأْ مِنه بتَسليمِه إلى غيرِ وَكيلِ صاحِبِ الحَقِّ، والذي أخَذَه الوَكيلُ عَينُ مالِ الدَّافِعِ في زَعمِ صاحِبِ الحَقِّ، والوَكيلُ والدَّافِعُ يَزعُمانِ أنَّه صارَ مِلْكًا لِصاحِبِ الحَقِّ، وأنَّه ظالِمٌ لِلدَّافِعِ بالأخْذِ مِنه، فيَرجِعُ الدَّافِعُ فيما أخَذَ مِنه الوَكيلُ، ويَكونُ قِصاصًا ممَّا أخَذَه مِنه صاحِبُ الحَقِّ، وإنْ كانَ قَدْ تَلِفَ في يَدِ الوَكيلِ لَم يَرجِعْ عليه بشَيءٍ؛ لأنَّه مُقِرٌّ بأنَّه أمينٌ لا ضَمانَ عليه، إلَّا أنْ يُتلِفَ بتَعَدِّيه وتَفريطِه ويُرجَعَ عليه (١).

стр. 6149

الوَكالة في العارِيةِ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ وغيرُهم إلى أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ في العاريةِ؛ لأنَّ الوَكيلَ هُنا سَفيرٌ مَحضٌ، والسَّفيرَ حاكٍ قولَ غيرِه، ومَن حَكَى قولَ غيرِه لا يَلزَمُه حُكمُ ذلك القَولِ، كَمَنْ حَكَى قَذْفَ غيرِه؛ فإنَّه لا يَكونُ قاذِفًا، ومَن حَكَى كُفرَ غيرِه لا يَكونُ كافرًا (١). وهو أيضًا مَفهومُ مَذهبِ المالِكيَّةِ والحَنابِلةِ؛ فقَد نَصُّوا على أنَّها جائِزةٌ في سائِرِ العُقودِ، وإنْ لَم يَنُصُّوا على العاريةِ. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: شَرْطُ مَحَلِّ التَّوكيلِ أنْ يَكونَ قابِلًا لِلنِّيابةِ، مثلَ البَيعِ والحَوالةِ والضَّمانِ وسائِر العُقودِ والفُسوخِ (٢). وقالَ ابنُ الحاجِبِ ﵀: الوَكالةُ نِيابةٌ فيما لا تَتعيَّنُ فيه المُباشَرةُ، فتَجوزُ في الكَفالةِ والوَكالةِ والحَوالةِ والجَعالةِ والنِّكاحِ والطَّلاقِ والخُلعِ والصُّلحِ. وكذلك أنواعُ البَيعِ والشَّرِكةِ والمُساقاةِ، وسائِرُ العُقودِ والفُسوخِ (٣). وقالَ الحَنابِلةُ: يَصحُّ التَّوكيلُ في كلِّ حَقٍّ آدَمِيٍّ مِنْ العُقودِ؛ لأنَّه

стр. 6150

وُكِّلَ في الشِّراءِ والنِّكاحِ وسائِرِ العُقودِ (١). الوَكالةُ في الجَعالةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ على صِحَّةِ الوَكالةِ في الجَعالةِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ التَّوكيلُ في الجَعالةِ … لا نَعلَمُ في ذلك اختِلافًا (٢). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: شَرْطُ مَحَلِّ التَّوكيلِ أنْ يَكونَ قابِلًا لِلنِّيابةِ، مثلَ البَيعِ … والمُجاعَلةِ (٣). وقالَ ابنُ الحاجِبِ ﵀: الوَكالةُ نِيابةٌ فيما لا تَتعيَّنُ فيه المُباشَرةُ، فتَجوزُ في الكَفالةِ والوَكالةِ والحَوالةِ والجَعالةِ (٤). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: تَصحُّ الوَكالةُ في الجَعالةِ (٥). الوَكالة في القَرضِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صِحَّةِ التَّوكيلِ في القَرضِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ التَّوكيلُ في القَرضِ … لا نَعلَمُ في ذلك اختِلافًا (٦). لأنَّ الوَكيلَ هُنا سَفيرٌ مَحضٌ، والسَّفيرَ حاكٍ قولَ غيرِه، ومَن حَكَى قولَ

стр. 6151

غيرِه لا يَلزَمُه حُكمُ ذلك القَولِ، كَمَنْ حَكَى قَذْفَ غيرِه؛ فإنَّه لا يَكونُ قاذِفًا، ومَن حَكَى كُفرَ غيرِه لا يَكونُ كافرًا (١). قالَ الحَنفيَّةُ: يَجوزُ التَّوكيلُ بالإقراضِ والِاستِقراضِ، إلَّا أنَّ التَّوكيلَ بالِاستِقراضِ لا يَصحُّ ولا يُثْبِتُ المِلْكَ فيما استُقرِضَ لِلآمِرِ؛ لأنَّ المُستَقرِضَ يَلتزِمُ بَدَلَ القَرضِ في ذِمَّتِه، فيَصيرُ نَظيرَ ما لو قالَ: بِعْ شَيئًا مِنْ مالِكَ على أنْ يَكونَ عِوَضُه لي، ويَصيرُ نَظيرَ التَّوكيلِ بالشَّحَّاذةِ، فكانَ باطِلًا؛ لأنَّ القَرضَ صِلةٌ وتَبرُّعٌ ابتِداءً، فيَقَعُ لِلمُستَقرِضِ، إذًا لا تَصحُّ النِّيابةُ في ذلك؛ فهو نَوعٌ مِنْ التَّكَدِّي، بمعنَى الشِّحاذَةِ، وما استَقرَضَه فهو لِنَفْسِه، وله أنْ يَمنَعَه مِنْ الأمْرِ، ولو هَلكَ هَلكَ مِنْ مالِه. إلَّا إذا بلَغ على سَبيلِ الرِّسالةِ، فيَقولُ: أرسَلَني إلَيكَ فُلانٌ يَستَقرِضُ مِنْكَ كذا، فحينَئذٍ يَثبُتُ المِلْكُ لِلمُستَقرِضِ: يَعني المُرسِلَ؛ لأنَّ الرِّسالةَ مَوضوعةٌ لِنَقْلِ عِبارةِ المُرسِلِ؛ لأنَّ الرَّسولَ مُعَبِّرٌ، ولأنَّ العِبارةَ مِلْكُ المُرسِلِ، فقَد أمَرَه بالتَصرُّفِ في مِلكِه، باعتِبارِ العِبارةِ فيَصحُّ، وأمَّا الوَكالةُ فغيرُ مَوضوعةٍ لِنَقلِ عِبارةِ المُوكِّلِ؛ فإنَّ العِبارةَ لِلوَكيلِ، ولِهذا حُقوقُ العَقدِ تَرجِعُ إليه، وعَن أبي يُوسفَ ﵀ أنَّ التَّوكيلَ بالِاستِقراضِ جائِزٌ (٢).

стр. 6152

التَّوكيلُ في قَضاءِ الدُّيونِ وإقباضِها: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ في قَضاءِ الدُّيونِ التي لِلمُوكِّلِ على النَّاسِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ قَدْ لا يَقدِرُ على الِاستِيفاءِ بنَفْسِه، فيَحتاجُ إلى التَّفويضِ إلى غيرِه، كالوَكيلِ بالبَيعِ والشِّراءِ وسائِر التَصرُّفاتِ، إلَّا أنَّ التَّوكيلَ بقَبضِ رَأْسِ مالِ السَّلَمِ وبَدَلِ الصَّرفِ إنَّما يَجوزُ في المَجلِسِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ إنَّما يَملِكُ القَبضَ فيه لا في غيرِه. وإذا قبَض الدَّينَ مِنْ الغَريمِ بَرِئَ الغَريمُ؛ لأنَّ القَبضَ الصَّحيحَ يُوجِبُ البَراءةَ، وتَجوزُ الوَكالةُ بقَضاءِ الدَّيْنِ؛ لأنَّه يَملِكُ القَضاءَ بنَفْسِه، وقَد لا يَتهيَّأ له القَضاءُ بنَفْسِه، فيَحتاجُ إلى التَّفويضِ إلى غيرِه (١). وقالَ السُّغْديُّ الحَنَفيُّ ﵀: والوَكالةُ في قَضاءِ الدُّيونِ وقَبْضِها جائِزةٌ، وهي على ثَلاثةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَقولَ لِلوَكيلِ: وَكَّلتُكَ أنْ تَتَقاضَي دَيْني على فُلانٍ؛ فإنَّه وَكَيلٌ، ويَتَقاضَى دِينارًا واحِدًا؛ فإذا قَبَضَه فليسَ له أنْ يَتقاضَى له دِينارًا آخَرَ. والآخَرُ: أنْ يَقولَ: وَكَّلتُكَ بتَقاضي دُيوني على فُلانٍ، فهو وَكيلٌ في جَميعِ دُيونِه عليه في الحالِ، وفيما يَحدُثُ له بعدَ الحالِ أنْ يَتقاضاها ويَقبِضَها دونَ غيرِه.

стр. 6153

والثَّالثُ: أنْ يَقولَ: وَكَّلتُكَ أنْ تَتَقاضَى دُيونِي على النَّاسِ؛ فإنَّه وَكَيلٌ على تَقاضي دُيونِه جَميعًا، وفي قَبضِها. ولو قالَ لِلمَدِينِ: ادْفَعْ دَيْني إلى فُلانٍ؛ فإنَّه وَكيلي، جازَ ذلك، وسَواءٌ أمَرَ الوَكيلُ بالقَبضِ، أو المَدِينُ بالدَّفْعِ (١). واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه البُخاريُّ في صَحيحِه، في بابِ الوَكالةِ في قَضاءِ الدُّيونِ: حدَّثنا سُلَيمانُ بن حَرْبٍ حدَّثنا شُعبةُ عن سَلَمةَ بنِ كُهيلٍ سَمِعتُ أبا سَلَمةَ بنَ عَبدِ الرَّحمَنِ عن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَجُلًا أتَى النَّبيَّ ﷺ يَتقاضاه، فأغلَظَ، فَهَمَّ به أصحابُه، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعُوه؛ فإنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مَقالًا»، ثم قالَ: «أعْطُوه سِنًّا مثلَ سِنهِ»، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، لا نَجِدُ إلَّا أمثَلَ مِنْ سِنهِ، فقالَ: «أعْطُوه؛ فإنَّ مِنْ خَيرِكم أحسَنَكم قَضاءً» (٢). قالَ ابنُ المُنيرِ ﵀: فِقْهُ هذه التَّرجَمةِ أنَّه رُبَّما تَوهَّمَ مُتوَهِّمٌ أنَّ قَضاءَ الدَّيْنِ لمَّا كانَ واجِبًا على الفَورِ امتَنَعَتِ الوَكالةُ فيه؛ لأنَّها تَأخيرٌ مِنْ المُوكِّلِ إلى الوَكيلِ، فبينَ أنَّ ذلك جائِزٌ، ولا يُعَدُّ ذلك مَطْلًا (٣). وَلمَا رَواه الإمامُ مُسلِمٌ عن جابِرٍ ﵁ قالَ: «أقبَلْنا مِنْ مَكَّةَ إلى

стр. 6154

المَدينةِ مَع رَسولِ اللَّه ﷺ فاعتَلَّ جَمَلِي … وساقَ الحَديثَ بقِصَّتِه، وفيهِ: ثم قالَ لي: «بِعْني جَملَك هذا». قالَ: قُلتُ: لا، بَلْ هو لَكَ. قالَ: «لا بَلْ بِعْنِيه». قالَ: قُلتُ: لا، بَلْ هو لكَ يا رَسولَ اللَّهِ. قالَ: «لا بَلْ بِعْنِيه». قالَ: قُلتُ: فإنَّ لِرَجُلٍ عليَّ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ، فهو لكَ بها، قالَ: «قَدْ أخَذتُه»، فتَبَلَّغْ عليه إلى المَدينةِ، قالَ: فلمَّا قَدِمتُ المَدينةَ قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلالٍ ﵁: «أعطِه أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وزِدْه». قالَ: فأعطاني أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وزادَني قِيراطًا، قالَ: فقُلتُ: لا تُفارِقُني زِيادةُ رَسولِ اللَّهِ. قالَ: فكانَ في كِيسٍ لي، فأخَذَه أهلُ الشَّامِ يَومَ الحَرَّةِ» (١). قالَ الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: فيه جَوازُ الوَكالةِ في قَضاءِ الدُّيونِ وأداءِ الحُقوقِ، وفيه استِحبابُ الزِّيادةِ في أداءِ الدَّيْنِ وإرجاحِ الوَزْنِ (٢). وكذا يَصحُّ التَّوكيلُ بإقباضِ الدُّيونِ التي على المُوكِّلِ لِلنَّاسِ بأنْ يُوكِّلَ في قَضاءِ دَيْنٍ عليه؛ لِعُمومِ الحاجةِ إلى ذلك، واستَدَلَّ عليه بما رَواه أبو داوُدَ وغيرُه عن أبي نُعَيمٍ وَهْبِ بنِ كَيسانَ قالَ: سَمِعتُ جابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ ﵁ يَقولُ: أرَدتُ الخُروجَ إلى خَيبَرَ، فقالَ لي رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إذا أتَيتَ وَكيلي بخَيبَرَ فخُذْ مِنه خَمسةَ عَشَرَ وَسقًا، فإنِ ابتَغَى مِنْكَ آيةً فضَعْ يَدَكَ على تَرقُوَتِه» (٣)، وهي العَظمُ الذي بينَ ثُغرةِ النَّحرِ والعاتِقِ، وهُما تَرقُوَتانِ مِنْ الجانِبَيْنِ.

стр. 6155

وقالَ الجَصَّاصُ ﵀: ويَدُلُّ على جَوازِ الوَكالةِ في قَضاءِ الدَّيْنِ واقتِضائِه حَديثُ حُذَيفةَ عن النَّبيِ ﷺ : «أنَّ رَجُلًا لَم يَعمَلْ مِنْ الخَيرِ شَيئًا إلَّا أنَّه قالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتياني أنْ يُنظِروا المُعسِرَ، ويَتَجاوَزوا عن المُوسِرِ، فقالَ اللَّهُ تَعالى: تَجاوَزوا عَنهُ» (١). إذا أمَرَ المُوكِّلُ الوَكيلَ بقَضاءِ الدَّيْنِ فلَمْ يُشهِدْ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ وكَّل غيرَه في قَضاءِ دَيْنٍ على المُوكِّلِ وقالَ: «اقضِه ولا تُشهِدْ عليه» فإنَّه لا ضَمانَ على الوَكيلِ إذا أنكَرَه رَبُّ الدَّيْنِ، سَواءٌ حضَر المُوكِّلُ أو غابَ؛ لأنَّه لَم يُفَرِّطْ. كما اتَّفَقوا على أنَّ مَنْ وكَّل غيرَه في قَضاءِ دَيْنٍ على المُوكِّلِ، وأمَرَ الوَكيلَ بالإشهادِ، فقَضاه ولَم يُشهِدْ، وأنكَرَ الغَريمُ؛ فإنَّه يَضمَنُ. واختَلَفوا في ضَمانِ الوَكيلِ إذا أمَرَه المُوكِّلُ بقَضاءِ دَيْنٍ عليه ولَم يَأمُرْه بالإشهادِ، فقَضاه ولَم يُشهِدْ، وأنكَرَ رَبُّ الدَّيْنِ القَضاءَ: فَذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَكيلَ يَضمَنُ في هذه الحالةِ، ولا يُقبَلُ قَولُه على رَبِّ الدَّيْنِ إلَّا

стр. 6156

ببيِّنةٍ؛ لأنَّه ليسَ بأمينِه، فلَمْ يُقبَلْ عليه في الدَّفعِ إليه، كما لو ادَّعى المُوكِّلُ ذلك، وضَمِن الوَكيلُ لِمُوكِّلِه ما أنكَرَ رَبُّ الدَّيْنِ قَضاءَهُ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ في تَرْكِ الإشهادِ (١). قالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ إذا قبَض الدَّيْنَ الذي على مُوكِّلِه ولَم يُشهِدْ على القابِضِ -أو لَم يَقُمْ له شُهودٌ بالإقباضِ، يَشمَلُ ما إذا شهِدتْ له بيِّنةٌ بالإقباضِ مِنْ غيرِ قَصْدٍ، بَلْ على سَبيلِ الِاتِّفاقِ- وأنكَرَ القابِضُ؛ فإنَّ الوَكيلَ يَضمَنُ ذلك لِتَفريطِه بعَدمِ الإشهادِ، ومِثلُ الدَّيْنِ في ذلك البَيعُ، كما لو وكَّل على بَيعِ شَيءٍ ولَم يُشهِدْ على المُشتَرِي أنَّه قَبْضٌ أو رَهْنٌ أو وَديعةٌ، وما أشبَهَ ذلك. وظاهِرُه: كانَ الوَكيلُ مُفَوَّضًا، أو غيرُه، كانَتِ العادةُ جاريةً بالإشهادِ أو بعَدمِه أو بهِما، أو لَم تَكُنْ هناك عادةٌ. وفي قَولٍ لِلمالِكيَّةِ: لا ضَمانَ على الوَكيلِ عندَ عَدمِ الإشهادِ إذا جَرَتِ العادةُ بعَدمِ الإشهادِ. وَقَدْ أشارَ بعضُهم إلى أنَّه لا يُختَلَفُ في سُقوطِ الضَّمانِ إذا كانَتِ العادةُ تَرْكَ الإشهادِ، وإنَّما يُختَلَفُ إذا كانَتِ العادةُ جاريةً بالإشهادِ وعَدمِه، أو لَم تَكُنْ هناك عادةٌ (٢).

стр. 6157

وَهُناكَ أحوالٌ لا يَضمَنُ فيها الوَكيلُ بتَرْكِ الإشهادِ على قَضاءِ الدَّيْنِ، مِنها: أ- أنْ يَقضيَ الوَكيلُ الدَّيْنَ بحَضْرةِ المُوكِّلِ، ولَم يُشهِدْ، لَم يَضمَنْ؛ لأنَّ تَرْكَه الإشهادَ رِضًا مِنْ المُوكِّلِ بمَا فَعلَ وَكِيلُه، وإلى هذا ذهَب المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشَّافِعيَّةُ في أصَحِّ الوَجهَيْنِ. وَيَرَى الشَّافِعيَّةُ في الوَجْهِ الآخَرِ والحَنابِلةُ في قَولٍ أنَّ الوَكيلَ يَضمَنُ في هذه الحالةِ، اعتِمادًا على أنَّ السَّاكِتَ لا يُنسَبُ إليه قَولٌ، وعلَّل الشَّافِعيَّةُ هذا الحُكمَ بأنَّ تَركَ الإشهادِ يُثْبِتُ الضَّمانَ، ولا يَسقُطُ حُكمُه بحُضورِ المُوكِّلِ، كما لو أُتلِفَ مالُه وهو حاضِرٌ (١). ب- أنْ يُشهِدَ على القَضاءِ عُدولًا، فماتوا أو غابوا أو فَسَقَوا، وأنكَرَ المُوكِّلُ القَضاءَ في هذه الحالةِ؛ فإنَّ الوَكيلَ لا يَضمَنُ عندَ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ، حيثُ أطلَقوا القولَ بعَدمِ الضَّمانِ؛ لأنَّه لَم يُفَرِّطْ، وعندَ الحَنابِلةِ عَدمُ ضَمانِ الوَكيلِ مُقيَّدٌ بما إذا لَم يَحلِفِ المُوكِّلُ، أمَّا إذا حلَف المُوكِّلُ قُضِيَ له بالضَّمانِ؛ لأنَّ الأصلَ مَعه. وإنْ قالَ الوَكيلُ: أشَهَدْتُ، فماتوا، أي: الشُّهودُ، أو غابوا، أو قالَ الوَكيلُ لِلمُوكِّلِ: أذِنتَ في القَضاءِ، بلا بيِّنةٍ، أو قالَ الوَكيلُ لِلمُوكِّلِ: قَضَيتُ

стр. 6158

بحَضرَتِكَ، فأنكَرَ المُوكِّلُ ذلك، فقَولُ المُوكِّلِ بيَمينهِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ ذلك (١). وَعَدمُ تَضمينِ الوَكيلِ عندَ الحَنفيَّةِ مُقيَّدٌ بما إذا حلَف الوَكيلُ على الإشهادِ، فيَكونُ بَريئًا حينَئذٍ؛ لأنَّه أخبَرَ بأداءِ الأمانةِ، فالقَولُ قَولُه مَع يَمينِه (٢). وعن الإمامِ أحمدَ ﵀: لا يَضمَنُ الوَكيلُ، سَواءٌ أمكَنَه الإشهادُ أو لا. وقيلَ: يَضمَنُ إنْ أمكَنَه الإشهادُ ولَم يَشهَدْ، وإلَّا فلا. قالَ المِرداوِيُّ ﵀: وقالَ في «الفُروعِ»: ويُتوَجَّه احتِمالٌ يَضمَنُه إنْ كذَّبه المُوكِّلُ، وإلَّا فلا (٣). الوَكالةُ في الهِبةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صِحَّةِ التَّوكيلِ في الهِبةِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ التَّوكيلُ في الهِبةِ … ولا نَعلَمُ فيه اختِلافًا (٤). لأنَّ الوَكيلَ هُنا سَفيرٌ مَحضٌ، والسَّفيرَ حاكٍ قولَ غيرِه، ومَن حَكَى قولَ غيرِه لا يَلزَمُه حُكمُ ذلك القَولِ، كَمَنْ حَكَى قَذْفَ غيرِه؛ فإنَّه لا يَكونُ قاذِفًا، ومَن حَكَى كُفرَ غيرِه لا يَكونُ كافرًا (٥).

стр. 6159

قالَ المالِكيَّةُ: تَصحُّ الوَكالةُ في هِبةٍ (١). قالَ الشَّافِعيَّةُ: يَصحُّ التَّوكيلُ في طَرَفَيِ البَيعِ بأنواعِه كالسَّلَمِ … والهِبةِ، أي: يَصحُّ التَّوكيلُ فيما له طَرَفانِ فيهِما مَعها، أو في أحَدِهِما، وفيما له طَرَفٌ واحِدٌ في ذلك الطَّرَفِ (٢). واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه البُخاريُّ في بابِ إذا وكَّل رَجُلٌ أنْ يُعطِيَ شَيئًا ولَم يُبيِّنْ كَمْ يُعطِي، فأعطَى على ما يَتعارَفُه النَّاسُ: حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ حدَّثنا ابنُ جُرَيجٍ عن عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ وغيرِه، يَزيدُ بعضُهم على بَعضٍ، ولَم يُبَلِّغْه كلُّهم، رَجُلٌ واحِدٌ مِنهم، عن جابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ ﵁ قالَ: كُنْتُ مَع النَّبيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فكُنتُ على جَمَلٍ ثَفالٍ، إنَّما هو في آخِرِ القَومِ، فمَرَّ بيَ النَّبيُّ ﷺ فقالَ: «مَنْ هذا؟» قُلتُ: جابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ. قالَ: «ما لَكَ؟» قُلتُ: إنِّي على جَمَلٍ ثَفالٍ. قالَ: «أمَعكَ قَضيبٌ؟» قُلتُ: نَعم. قالَ: «أعطِنِيه»، فأعطَيتُه، فضَرَبَه فزَجَرَه، فكانَ مِنْ ذلك المَكانِ مِنْ أوَل القَومِ. قالَ: «بِعْنِيه»، فقُلتُ: بَلْ هو لكَ يا رَسولَ اللَّهِ. قالَ: «بِعْنِيه، قَدْ أخَذتُه بأربَعةِ دَنانيرَ، ولكَ ظَهرُه إلى

стр. 6160

المَدينةِ»، فلمَّا دَنَوْنا مِنْ المَدينةِ أخَذْتُ أرتَحِلُ. قالَ: «أينَ تُريدُ؟» قُلتُ: تَزوَّجتُ امرَأةً قَدْ خَلا مِنها. قالَ: «فهَلَّا جاريةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ؟» قُلتُ: إنَّ أبي تُوفِّيَ وترَك بَناتٍ، فأرَدتُ أنْ أنكِحَ امرَأةً قَدْ جَرَّبَتْ خَلا مِنها. قالَ: «فذلك». فلمَّا قَدِمْنا المَدينةَ قالَ: «يا بلالُ اقضِه وزِدْه»، فأعطاهُ أربَعةَ دَنانيرَ وزَادَه قِيراطًا، قالَ جابِرٌ: لا تُفارِقُني زِيادةُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فلَم يَكُنِ القِيراطُ يُفارِقُ جِرابَ جابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ. فَفي هذا الحَديثِ دَليلٌ على جَوازِ التَّوكيلِ في الهِبةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وكَّل بِلالًا أنْ يَزِيدَه، وهذه هِبةٌ (١). صُورةُ التَّوكيلِ في الهِبةِ: وكَّل فُلانٌ فُلانًا أنْ يَهَبَ فُلانًا ما هو جارٍ في مِلْكِ المُوكِّلِ المَذكورِ وحيازَتِه وتَحتَ يَدِه، وذلك جَميعُ كذا وكذا، وأنْ يُسلِّمَ إليه الهِبةَ المَذكورةَ تَوكيلًا شَرعيًّا قبلَ ذلك مِنه قَبولًا شَرعيًّا ويُكمِلُ (٢). قالَ الحَنفيَّةُ: يَجوزُ لِلواهِبِ أنْ يُوكِّلَ وَكيلًا بالتَّسليمِ؛ لأنَّه عَمَلٌ تُجزئُ فيه النِّيابةُ، وإذا وقَع فيه الغَلَطُ يُمكِنُ تَدارُكُه، فيَقومُ فِعلُ الوَكيلِ فيه مَقامَ فِعلِ المُوكِّلِ، وكَذلك يَجوزُ لِلمَوهوبِ له أنْ يُوكِّلَ بالقَبضِ، والصَّدَقةُ نَظيرُ الهِبةِ في ذلك؛ فإنَّ التَّسليمَ والقَبضَ في ذلك بمَنزِلةِ الإيجابِ والقَبولِ في البَيعِ والشِّراءِ، والتَّوكيلُ به يَصحُّ.

стр. 6161

وإذا وكَّل الواهِبُ بالتَّسليمِ والمَوهوبُ بالقَبضِ، وقامَا جَميعًا فامتَنَعَ وَكِيلُ الواهِبِ مِنْ التَّسليمِ فخاصَمَه وَكيلُ المَوهوبِ له، وأقامَ البيِّنةَ، أنَّ صاحِبَ العَينِ وكَّله بدَفْعِها إليه، قُبِلَتِ البيِّنةُ، وأُجبِرَ الوَكيلُ على دَفْعِهِ؛ لأنَّ الثَّابِتَ بالبيِّنةِ كالثَّابِتِ بإقرارِ الخَصْمِ، فمُرادُه مِنْ هذا الإخبارِ أنَّه لا يُمكِنُه أنْ يَمنَعَ العَينَ، لا أنْ يُجبِرَه على مُباشَرةِ فِعلٍ؛ فإنَّ وَكيلَ المَوهوبِ له أنْ يَقبِضَه بأمْرِ الواهِبِ إذا لَم يَمنَعْه أحَدٌ مِنْ ذلك، فهو بهذه البيِّنةِ يُثْبِتُ عليه أنَّه ليسَ له حَقُّ المَنعِ؛ فإذا ثَبَتَ ذلك قَبَضَه وَكيلُ المَوهوبِ له بنَفْسِه. وإذا ادَّعى مُدَّعٍ في ذلك دَعوَى لَم يَكُنْ واحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الوَكيلَيْنِ خَصمًا في خُصومَتِه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما أمِينٌ في هذه العَينِ، والأمينُ لا يَكونُ خَصمًا لِمُدَّعي الأمانةِ ما لَم يَحضُرْ صاحِبُها، وليسَ لِوَكيلِ الواهِبِ أنْ يَرجِعَ في الهِبةِ، سَواءٌ كانَ وَكيلًا بالتَّسليمِ أو بعَقدِ الهِبةِ؛ لأنَّه سَفيرٌ ومَعبِّرٌ؛ فإنَّه لا يُستَغنَى عن إضافةِ العَقدِ إلى المُوكِّلِ، وتَكونُ هذه الهِبةُ تبَرُّعًا مِنْ جِهةِ المُوكِّلِ دونَ الوَكيلِ، فكما باشَرَ عَقدَ الهِبةِ وسُلِّمَتِ انتَهَتِ الوَكالةُ، والتَحَقَ بأجنَبيٍّ آخَرَ، فلا يَملِكُ الرُّجوعَ؛ لأنَّ ثُبوتَ حَقِّ الرُّجوعِ في الهِبةِ لِفَواتِ ما هو المَقصودُ، وهو العِوَضُ، وهذا هو المَقصودُ لِلمُوكِّلِ دونَ الوَكيلِ. ولو أرادَ الواهِبُ أنْ يَرجِعَ في الهِبةِ وهي في يَدِ وَكيلِ المَوهوبِ له، لَم يَكُنْ له أنْ يَرجِعَ، ولَم يَكُنِ الوَكيلُ خَصمًا له فيهِ؛ لأنَّ يَدَ الوَكيلِ كَيَدِ المُوكِّلِ، ولأنَّ العِوَضَ مَقصودٌ مِنْ جانِبِ المُوكِّلِ دونَ الوَكيلِ، فالقَبضُ

стр. 6162

ثابِتٌ مَحضٌ، فانتَهَتِ الوَكالةُ بقَبضِه، ألَا تَرَى أنَّه لا يُستَغنَى عن الإضافة إلى المُوكِّلِ، فيَقولُ: سلِّمْ إليَّ ما وَهَبَتَ لِفُلانٍ، ولا يَقولُ: ما وَهَبَتَه لي، وكَذلك الوَكيلُ بقَبولِ الهِبةِ لا يَستَغنِي عن إضافةِ العَقدِ إلى المُوكِّلِ بأنْ يَقولَ: هَبْ لِفُلانٍ كذا، حتى لو قالَ: هَبْ لي، كانَ العَقدُ لِلوَكيلِ دونَ المُوكِّلِ، بخِلافِ الوَكيلِ بالشِّراءِ إذا قالَ: بِعْ مِنِّي؛ لأنَّ الِانتِقالَ إلى المُوكِّلِ هُناكَ يُوجِبُ ضَمانَ اليَمينِ على المُوكِّلِ لِلوَكيلِ، وليسَ في عَقدِ الهِبةِ ضَمانُ الثَّمَنِ؛ فلِهذا جُعِلَ مُلتَمِسًا العَقدَ لِنَفْسِه إذا لَم يُضِفْه إلى الآمِرِ. ولو وَهَبَ رَجُلانِ لِرَجُلٍ شَيئًا ثم وكَّلا رَجُلًا بأنْ يَدفعَه إليه جازَ، وكَذلك لو وكَّلا رَجُلَيْنِ، أو وكَّل كلُّ واحِدٍ مِنهُما رَجُلًا على حِدَةٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ الوَكيلَيْنِ نائِبٌ عن مُوكِّلِه، ويَجوزُ نِيابةُ الواحِدِ عن الواحِدِ، وعَن الِاثنَينِ، فإنْ دفَعه أحَدُهما إليه أو قَبَضَه مِنْ غيرِ دَفْعٍ جازَ، لأنَّهما حين وكَّلا هَذَيْنِ بدَفْعِها سلَّطَا المَوهوبَ له على قَبضِها. ولو وكَّل المَوهوبُ له رَجُلَيْنِ بقَبْضِ الهِبةِ، فقَبَضَها أحَدُهما، لَم يَجُزْ؛ لأنَّه رَضيَ بأمانَتِهما، فلا يَكونُ راضيًا بأمانةِ أحَدِهِما؛ لأنَّ المَوهوبَ له يَملِكُ القَبضَ بنَفْسِه مِنْ غيرِ دَفعِها، وكَذلك عندَ دَفْعِ أحَدِهِما، وعلى هذا لو وكَّل الوَكيلُ غيرَه بدَفْعِها جازَ، ولو وكَّل وَكيلُ المَوهوبِ له غيرَه يَقبِضُها لَم يَجُزْ إلَّا أنْ يَكونَ المُوكِّلُ قالَ له: ما صَنَعتَ مِنْ شَيءٍ فهو جائِزٌ، فحينَئذٍ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه بذلك؛ لأنَّه أجازَ صِفةً على العُمومِ، والتَّوكيلُ مِنْ صِفَتِه. وإذا وكَّل رَجُلٌ رَجُلًا أنْ يَهَبَ الثَّوبَ لِفُلانٍ على عِوَضٍ يَقبِضُه مِنه

стр. 6163

ففَعلَ ذلك، غيرَ أنَّ العِوَضَ أقَلُّ مِنْ قِيمةِ الهِبةِ، فهو جائِزٌ في قَولِ أبي حَنيفةَ ﵀ بِناءً على أصْلِه في اعتِبارِ إطلاقِ اللَّفظِ؛ فإنَّ اسمَ العِوَضِ يَتناوَلُ القَليلَ والكَثيرَ، ولا يَجوزُ في قَولهما إلَّا أنْ يَكونَ العِوَضُ مثلَ المَوهوبِ أو دونَه بما يَتغابَنُ النَّاسُ في مِثلِه بِناءً على أصلِهما في تَقييدِ مُطلَقِ اللَّفظِ باعتِبارِ العادةِ. وإذا وكَّل المَوهوبُ له وَكيلًا بأنْ يُعَوِّضَ ولَم يُسَمِّه فدفَع عِوَضَه مِنْ عُروضِ المَوهوبِ له لَم يَجُزْ؛ لأنَّ ما أمَرَه بدَفْعِه مَجهولٌ جَهالةً مُستَدرَكةً لا يَقدِرُ الوَكيلُ على تَحصيلِ مَقصودِ المُوكِّلِ، فكانَ التَّوكيلُ باطِلًا بمَنزِلةِ قَوله: بِعْ شَيئًا مِنْ مالي، واستَبدِلْ شَيئًا، إلَّا أنْ يَكونَ قالَ له: عَوِّضْ له مِنْ مالي ما شِئتَ، فحينَئذٍ يَكونُ له أنْ يُعَوِّضَ ما شاءَ؛ لأنَّه فوَّض الأمْرَ إلى رَأْيِه على العُمومِ. وإنْ قالَ له: عَوِّضْ عَنِّي مِنْ مالِكَ على أنِّي ضامِنٌ له، فعوَّضه عِوَضًا، جازَ، ورجَع بمِثلِه على الآمِرِ، إنْ كانَ له مِثلٌ، وبِقيمَتِه إنْ لَم يَكُنْ له مِثلٌ؛ لأنَّه باشتِراطِ الضَّمانِ على نَفْسِه يَصيرُ مُستَقرِضًا مِنه بعِوَضٍ له مِنْ مِلْكِ نَفْسِه، والمُستَقرَضُ مَضمونٌ بالمِثلِ إنْ كانَ مِنْ ذَواتِ الأمثالِ، أو بالقِيمةِ إنْ لَم يَكُنْ مِنْ ذَواتِ الأمثالِ. ولو أمَرَه أنْ يُعَوِّضَه مِنْ مِلْكِ نَفْسِه، ولَم يَشترِطِ الضَّمانَ على نَفْسِه فعوَّضه، لَم يَرجِعْ على الآمِرِ بشَيءٍ. وَللواهِبِ أنْ يُوكِّلَ وَكيلًا في الرُّجوعِ بالهِبةِ؛ لأنَّه يَملِكُ المُطالَبةَ به

стр. 6164

بنَفْسِه، ويَحكُمُ به الحاكِمُ عندَ طَلَبِه، فكَذلك عندَ طَلَبِ وَكيلِه له. ولو وكَّل المُوكِّلُ رَجُلَيْنِ بذلك لَم يَكُنْ لِأحَدِهِما أنْ يَنفَرِدَ به دونَ صاحِبِه؛ لأنَّهما وَكيلانِ بالقَبضِ؛ فإنَّ الرُّجوعَ في الهِبةِ لا يَتمُّ إلَّا بإثباتِ اليَدِ على المَوهوبِ، وقَد بينَا أنَّ الوَكيلَيْنِ بالقَبضِ، لا يَنفَرِدُ أحَدُهما به دونَ صاحِبِه. ولو وكَّل المُوكِّلُ رَجُلًا أنْ يَقبِضَ له دَيْنًا مِنْ فُلانٍ فيَدفعَه إلى فُلانٍ هِبةً مِنه له فهو جائِزٌ؛ لأنَّه وكَّله بشَيئَيْنِ: بقَبضِ الدَّيْنِ، ثم بعَقدِ الهِبةِ في المَقبوضِ، ويَجوزُ التَّوكيلُ بكُلِّ واحِدٍ مِنهُما على الِانفِرادِ، فكَذلك يَجوزُ التَّوكيلُ بهِما، وتَوكيلُه بهِبةِ دَيْنٍ يَقبِضُه مِنْ مَدِينِه، كَتَوكيلِه بهِبةِ عَينٍ يَدفَعُها إليه، فيَصحُّ كلُّ واحِدٍ مِنهُما؛ لأنَّه يُضيفُه إلى مِلْكِ نَفْسِه. وكَذلك لو أمَرَ المَدِينَ أنْ يَدفعَ إليه فدفَعه فهو جائِزٌ؛ لأنَّ أمْرَه إيَّاه بالدَّفعِ يَكونُ تَسليطًا لِلآخَرِ على القَبضِ، فإنْ قالَ الغَريمُ: قَدْ دَفَعتُ إليه، فصدَّقه المَوهوبُ له، فهو جائِزٌ، وإنْ كذَّبه لَم يُصدَّقِ الغَريمُ؛ لأنَّ دَعواه الدَّفعَ إلى المَوهوبِ بمَنزِلةِ دَعواه الدَّفعَ إلى الواهِبِ؛ فَإنْ صدَّقه ثَبَتَ الدَّفعُ، وإنْ كذَّبه لَم يَثبُتْ؛ لأنَّ الدَّيْنَ مَضمونٌ في الذِّمةِ لا يَستَفيدُ البَراءةَ عنه بمُجَرَّدِ قَوله. ولو وكَّل المُوكِّلُ وَكيلًا بقَبضِه مِنه، ودفَعه إلى المَوهوبِ له، فقالَ الغَريمُ: قَدْ دفَعه إلى الوَكيلِ، وقالَ الوَكيلُ: قَدْ دَفَعتُه إلى المَوهوبِ له فالغَريمُ والوَكيلُ بَريئانِ، فتَصديقُ الوَكيلِ لِاختِيارِه بأداءِ الأمانةِ، ولكنْ لا

стр. 6165

يُصدَّقُ الوَكيلُ على المَوهوبِ له؛ لأنَّ قولَ الأمينِ إنَّما يُقبَلُ في بَراءَتِه عن الضَّمانِ؛ لأنَّه ادَّعى ثُبوتَ وُصولِ شَيءٍ إلى غيرِه، فلا يَثبُتُ بقَوله وُصولُ الهِبةِ إلى المَوهوبِ له حتى لا يَرجِعَ الواهِبُ عليه (١). وَقالوا أيضًا: إنَّ التَّوكيلَ في الهِبةِ يَتضَمَّنُ التَّوكيلَ بتَسليمِ المَوهوبِ؛ لأنَّ الهِبةَ لا تَتِمُّ بدُونِ القَبضِ، ولِذلك لِلوَكيلِ بالهِبةِ بعدَ إيجابِه الهِبةَ أنْ يُسلِّمَ المَوهوبَ بعدَ الإيجابِ والقَبولِ، وليسَ لِلموكِّلِ أنْ يَقولَ: إنِّي وَكَّلتُه بالهِبةِ فَقط، ولَم أُوكِّلْه بتَسليمِ المَوهوبِ. تَقسيمُ القَبضِ: قَدْ ذكَر في الشَّرحِ أنَّه يَجِبُ أنْ يَكونَ القَبضُ كامِلًا، والقَبضُ على قِسمَيْنِ: القِسمُ الأوَّلُ: القَبضُ الكامِلُ، ويَكونُ بقَبضِ كلِّ مَوهوبٍ بالصُّورةِ المُناسِبةِ لِقَبْضِهِ؛ فإذا كانَ المَوهوبُ دارًا فقَبْضُ مِفتاحَها هو قَبْضٌ لِلدَّارِ. القِسمُ الآخَرُ: القَبضُ النَّاقِصُ، كَقَبْضِ حِصَّةٍ شائِعةٍ في مالٍ وُهِبَ بعضُه، وكانَ ذلك المالُ قابِلًا لِلقِسمةِ، ولا يَكفِي القَبْضُ النَّاقِصُ في تَمامِ الهِبةِ، فعليه إذا وَهَبَ بعضَ مالٍ قابِلٍ لِلقِسمةِ يَجِبُ إفرازُ الحِصَّةِ المَوهوبةِ وتَقسيمُها وتَسليمُها وقَبضُها مِنْ المَوهوبِ له، أمَّا إذا سُلِّمَتِ الحِصَّةُ المَوهوبةُ مَع الحِصَّةِ غيرِ المَوهوبةِ بدُونِ إفرازٍ، وقَبَضَها المَوهوبُ، لا تَتِمُّ الهِبةُ.
следующие страницы →