وإذا وكَّل الواهِبُ بالتَّسليمِ والمَوهوبُ بالقَبضِ، وقامَا جَميعًا فامتَنَعَ وَكِيلُ الواهِبِ مِنْ التَّسليمِ فخاصَمَه وَكيلُ المَوهوبِ له، وأقامَ البيِّنةَ، أنَّ صاحِبَ العَينِ وكَّله بدَفْعِها إليه، قُبِلَتِ البيِّنةُ، وأُجبِرَ الوَكيلُ على دَفْعِهِ؛ لأنَّ الثَّابِتَ بالبيِّنةِ كالثَّابِتِ بإقرارِ الخَصْمِ، فمُرادُه مِنْ هذا الإخبارِ أنَّه لا يُمكِنُه أنْ يَمنَعَ العَينَ، لا أنْ يُجبِرَه على مُباشَرةِ فِعلٍ؛ فإنَّ وَكيلَ المَوهوبِ له أنْ يَقبِضَه بأمْرِ الواهِبِ إذا لَم يَمنَعْه أحَدٌ مِنْ ذلك، فهو بهذه البيِّنةِ يُثْبِتُ عليه أنَّه ليسَ له حَقُّ المَنعِ؛ فإذا ثَبَتَ ذلك قَبَضَه وَكيلُ المَوهوبِ له بنَفْسِه.
وإذا ادَّعى مُدَّعٍ في ذلك دَعوَى لَم يَكُنْ واحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الوَكيلَيْنِ خَصمًا في خُصومَتِه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما أمِينٌ في هذه العَينِ، والأمينُ لا يَكونُ خَصمًا لِمُدَّعي الأمانةِ ما لَم يَحضُرْ صاحِبُها، وليسَ لِوَكيلِ الواهِبِ أنْ يَرجِعَ في الهِبةِ، سَواءٌ كانَ وَكيلًا بالتَّسليمِ أو بعَقدِ الهِبةِ؛ لأنَّه سَفيرٌ ومَعبِّرٌ؛ فإنَّه لا يُستَغنَى عن إضافةِ العَقدِ إلى المُوكِّلِ، وتَكونُ هذه الهِبةُ تبَرُّعًا مِنْ جِهةِ المُوكِّلِ دونَ الوَكيلِ، فكما باشَرَ عَقدَ الهِبةِ وسُلِّمَتِ انتَهَتِ الوَكالةُ، والتَحَقَ بأجنَبيٍّ آخَرَ، فلا يَملِكُ الرُّجوعَ؛ لأنَّ ثُبوتَ حَقِّ الرُّجوعِ في الهِبةِ لِفَواتِ ما هو المَقصودُ، وهو العِوَضُ، وهذا هو المَقصودُ لِلمُوكِّلِ دونَ الوَكيلِ.
ولو أرادَ الواهِبُ أنْ يَرجِعَ في الهِبةِ وهي في يَدِ وَكيلِ المَوهوبِ له، لَم يَكُنْ له أنْ يَرجِعَ، ولَم يَكُنِ الوَكيلُ خَصمًا له فيهِ؛ لأنَّ يَدَ الوَكيلِ كَيَدِ المُوكِّلِ، ولأنَّ العِوَضَ مَقصودٌ مِنْ جانِبِ المُوكِّلِ دونَ الوَكيلِ، فالقَبضُ
стр. 6162
ثابِتٌ مَحضٌ، فانتَهَتِ الوَكالةُ بقَبضِه، ألَا تَرَى أنَّه لا يُستَغنَى عن الإضافة إلى المُوكِّلِ، فيَقولُ: سلِّمْ إليَّ ما وَهَبَتَ لِفُلانٍ، ولا يَقولُ: ما وَهَبَتَه لي، وكَذلك الوَكيلُ بقَبولِ الهِبةِ لا يَستَغنِي عن إضافةِ العَقدِ إلى المُوكِّلِ بأنْ يَقولَ: هَبْ لِفُلانٍ كذا، حتى لو قالَ: هَبْ لي، كانَ العَقدُ لِلوَكيلِ دونَ المُوكِّلِ، بخِلافِ الوَكيلِ بالشِّراءِ إذا قالَ: بِعْ مِنِّي؛ لأنَّ الِانتِقالَ إلى المُوكِّلِ هُناكَ يُوجِبُ ضَمانَ اليَمينِ على المُوكِّلِ لِلوَكيلِ، وليسَ في عَقدِ الهِبةِ ضَمانُ الثَّمَنِ؛ فلِهذا جُعِلَ مُلتَمِسًا العَقدَ لِنَفْسِه إذا لَم يُضِفْه إلى الآمِرِ.
ولو وَهَبَ رَجُلانِ لِرَجُلٍ شَيئًا ثم وكَّلا رَجُلًا بأنْ يَدفعَه إليه جازَ، وكَذلك لو وكَّلا رَجُلَيْنِ، أو وكَّل كلُّ واحِدٍ مِنهُما رَجُلًا على حِدَةٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ الوَكيلَيْنِ نائِبٌ عن مُوكِّلِه، ويَجوزُ نِيابةُ الواحِدِ عن الواحِدِ، وعَن الِاثنَينِ، فإنْ دفَعه أحَدُهما إليه أو قَبَضَه مِنْ غيرِ دَفْعٍ جازَ، لأنَّهما حين وكَّلا هَذَيْنِ بدَفْعِها سلَّطَا المَوهوبَ له على قَبضِها.
ولو وكَّل المَوهوبُ له رَجُلَيْنِ بقَبْضِ الهِبةِ، فقَبَضَها أحَدُهما، لَم يَجُزْ؛ لأنَّه رَضيَ بأمانَتِهما، فلا يَكونُ راضيًا بأمانةِ أحَدِهِما؛ لأنَّ المَوهوبَ له يَملِكُ القَبضَ بنَفْسِه مِنْ غيرِ دَفعِها، وكَذلك عندَ دَفْعِ أحَدِهِما، وعلى هذا لو وكَّل الوَكيلُ غيرَه بدَفْعِها جازَ، ولو وكَّل وَكيلُ المَوهوبِ له غيرَه يَقبِضُها لَم يَجُزْ إلَّا أنْ يَكونَ المُوكِّلُ قالَ له: ما صَنَعتَ مِنْ شَيءٍ فهو جائِزٌ، فحينَئذٍ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه بذلك؛ لأنَّه أجازَ صِفةً على العُمومِ، والتَّوكيلُ مِنْ صِفَتِه.
وإذا وكَّل رَجُلٌ رَجُلًا أنْ يَهَبَ الثَّوبَ لِفُلانٍ على عِوَضٍ يَقبِضُه مِنه
стр. 6163
ففَعلَ ذلك، غيرَ أنَّ العِوَضَ أقَلُّ مِنْ قِيمةِ الهِبةِ، فهو جائِزٌ في قَولِ أبي حَنيفةَ ﵀ بِناءً على أصْلِه في اعتِبارِ إطلاقِ اللَّفظِ؛ فإنَّ اسمَ العِوَضِ يَتناوَلُ القَليلَ والكَثيرَ، ولا يَجوزُ في قَولهما إلَّا أنْ يَكونَ العِوَضُ مثلَ المَوهوبِ أو دونَه بما يَتغابَنُ النَّاسُ في مِثلِه بِناءً على أصلِهما في تَقييدِ مُطلَقِ اللَّفظِ باعتِبارِ العادةِ.
وإذا وكَّل المَوهوبُ له وَكيلًا بأنْ يُعَوِّضَ ولَم يُسَمِّه فدفَع عِوَضَه مِنْ عُروضِ المَوهوبِ له لَم يَجُزْ؛ لأنَّ ما أمَرَه بدَفْعِه مَجهولٌ جَهالةً مُستَدرَكةً لا يَقدِرُ الوَكيلُ على تَحصيلِ مَقصودِ المُوكِّلِ، فكانَ التَّوكيلُ باطِلًا بمَنزِلةِ قَوله: بِعْ شَيئًا مِنْ مالي، واستَبدِلْ شَيئًا، إلَّا أنْ يَكونَ قالَ له: عَوِّضْ له مِنْ مالي ما شِئتَ، فحينَئذٍ يَكونُ له أنْ يُعَوِّضَ ما شاءَ؛ لأنَّه فوَّض الأمْرَ إلى رَأْيِه على العُمومِ.
وإنْ قالَ له: عَوِّضْ عَنِّي مِنْ مالِكَ على أنِّي ضامِنٌ له، فعوَّضه عِوَضًا، جازَ، ورجَع بمِثلِه على الآمِرِ، إنْ كانَ له مِثلٌ، وبِقيمَتِه إنْ لَم يَكُنْ له مِثلٌ؛ لأنَّه باشتِراطِ الضَّمانِ على نَفْسِه يَصيرُ مُستَقرِضًا مِنه بعِوَضٍ له مِنْ مِلْكِ نَفْسِه، والمُستَقرَضُ مَضمونٌ بالمِثلِ إنْ كانَ مِنْ ذَواتِ الأمثالِ، أو بالقِيمةِ إنْ لَم يَكُنْ مِنْ ذَواتِ الأمثالِ.
ولو أمَرَه أنْ يُعَوِّضَه مِنْ مِلْكِ نَفْسِه، ولَم يَشترِطِ الضَّمانَ على نَفْسِه فعوَّضه، لَم يَرجِعْ على الآمِرِ بشَيءٍ.
وَللواهِبِ أنْ يُوكِّلَ وَكيلًا في الرُّجوعِ بالهِبةِ؛ لأنَّه يَملِكُ المُطالَبةَ به
стр. 6164
بنَفْسِه، ويَحكُمُ به الحاكِمُ عندَ طَلَبِه، فكَذلك عندَ طَلَبِ وَكيلِه له.
ولو وكَّل المُوكِّلُ رَجُلَيْنِ بذلك لَم يَكُنْ لِأحَدِهِما أنْ يَنفَرِدَ به دونَ صاحِبِه؛ لأنَّهما وَكيلانِ بالقَبضِ؛ فإنَّ الرُّجوعَ في الهِبةِ لا يَتمُّ إلَّا بإثباتِ اليَدِ على المَوهوبِ، وقَد بينَا أنَّ الوَكيلَيْنِ بالقَبضِ، لا يَنفَرِدُ أحَدُهما به دونَ صاحِبِه.
ولو وكَّل المُوكِّلُ رَجُلًا أنْ يَقبِضَ له دَيْنًا مِنْ فُلانٍ فيَدفعَه إلى فُلانٍ هِبةً مِنه له فهو جائِزٌ؛ لأنَّه وكَّله بشَيئَيْنِ: بقَبضِ الدَّيْنِ، ثم بعَقدِ الهِبةِ في المَقبوضِ، ويَجوزُ التَّوكيلُ بكُلِّ واحِدٍ مِنهُما على الِانفِرادِ، فكَذلك يَجوزُ التَّوكيلُ بهِما، وتَوكيلُه بهِبةِ دَيْنٍ يَقبِضُه مِنْ مَدِينِه، كَتَوكيلِه بهِبةِ عَينٍ يَدفَعُها إليه، فيَصحُّ كلُّ واحِدٍ مِنهُما؛ لأنَّه يُضيفُه إلى مِلْكِ نَفْسِه.
وكَذلك لو أمَرَ المَدِينَ أنْ يَدفعَ إليه فدفَعه فهو جائِزٌ؛ لأنَّ أمْرَه إيَّاه بالدَّفعِ يَكونُ تَسليطًا لِلآخَرِ على القَبضِ، فإنْ قالَ الغَريمُ: قَدْ دَفَعتُ إليه، فصدَّقه المَوهوبُ له، فهو جائِزٌ، وإنْ كذَّبه لَم يُصدَّقِ الغَريمُ؛ لأنَّ دَعواه الدَّفعَ إلى المَوهوبِ بمَنزِلةِ دَعواه الدَّفعَ إلى الواهِبِ؛ فَإنْ صدَّقه ثَبَتَ الدَّفعُ، وإنْ كذَّبه لَم يَثبُتْ؛ لأنَّ الدَّيْنَ مَضمونٌ في الذِّمةِ لا يَستَفيدُ البَراءةَ عنه بمُجَرَّدِ قَوله.
ولو وكَّل المُوكِّلُ وَكيلًا بقَبضِه مِنه، ودفَعه إلى المَوهوبِ له، فقالَ الغَريمُ: قَدْ دفَعه إلى الوَكيلِ، وقالَ الوَكيلُ: قَدْ دَفَعتُه إلى المَوهوبِ له فالغَريمُ والوَكيلُ بَريئانِ، فتَصديقُ الوَكيلِ لِاختِيارِه بأداءِ الأمانةِ، ولكنْ لا
стр. 6165
يُصدَّقُ الوَكيلُ على المَوهوبِ له؛ لأنَّ قولَ الأمينِ إنَّما يُقبَلُ في بَراءَتِه عن الضَّمانِ؛ لأنَّه ادَّعى ثُبوتَ وُصولِ شَيءٍ إلى غيرِه، فلا يَثبُتُ بقَوله وُصولُ الهِبةِ إلى المَوهوبِ له حتى لا يَرجِعَ الواهِبُ عليه (١).
وَقالوا أيضًا: إنَّ التَّوكيلَ في الهِبةِ يَتضَمَّنُ التَّوكيلَ بتَسليمِ المَوهوبِ؛ لأنَّ الهِبةَ لا تَتِمُّ بدُونِ القَبضِ، ولِذلك لِلوَكيلِ بالهِبةِ بعدَ إيجابِه الهِبةَ أنْ يُسلِّمَ المَوهوبَ بعدَ الإيجابِ والقَبولِ، وليسَ لِلموكِّلِ أنْ يَقولَ: إنِّي وَكَّلتُه بالهِبةِ فَقط، ولَم أُوكِّلْه بتَسليمِ المَوهوبِ.
تَقسيمُ القَبضِ: قَدْ ذكَر في الشَّرحِ أنَّه يَجِبُ أنْ يَكونَ القَبضُ كامِلًا، والقَبضُ على قِسمَيْنِ:
القِسمُ الأوَّلُ: القَبضُ الكامِلُ، ويَكونُ بقَبضِ كلِّ مَوهوبٍ بالصُّورةِ المُناسِبةِ لِقَبْضِهِ؛ فإذا كانَ المَوهوبُ دارًا فقَبْضُ مِفتاحَها هو قَبْضٌ لِلدَّارِ.
القِسمُ الآخَرُ: القَبضُ النَّاقِصُ، كَقَبْضِ حِصَّةٍ شائِعةٍ في مالٍ وُهِبَ بعضُه، وكانَ ذلك المالُ قابِلًا لِلقِسمةِ، ولا يَكفِي القَبْضُ النَّاقِصُ في تَمامِ الهِبةِ، فعليه إذا وَهَبَ بعضَ مالٍ قابِلٍ لِلقِسمةِ يَجِبُ إفرازُ الحِصَّةِ المَوهوبةِ وتَقسيمُها وتَسليمُها وقَبضُها مِنْ المَوهوبِ له، أمَّا إذا سُلِّمَتِ الحِصَّةُ المَوهوبةُ مَع الحِصَّةِ غيرِ المَوهوبةِ بدُونِ إفرازٍ، وقَبَضَها المَوهوبُ، لا تَتِمُّ الهِبةُ.
стр. 6166
أمَّا إذا وُهِبَ المالُ غيرُ القابِلِ لِلقِسمةِ، تَتِمُّ الهِبةُ بالقَبضِ الواقِعِ بالتَّبَعِ، أي: بالقَبضِ الذي يَحصُلُ ضِمنًا بقَبضِ كلِّ المالِ.
تَقسيمُ القَبضِ الكامِلِ: القَبضُ الكامِلُ على نَوعَيْنِ، كما يلي: النَّوعُ الأوَّلُ: القَبضُ الحَقيقيُّ، وهو كَأخْذِ المَوهوبِ له المالَ المَوهوبَ بيَدِه، أو كحَمْلِ المَوهوبِ له المالَ المَوهوبَ وذَهابِه به.
النَّوعُ الآخَرُ: القَبضُ الحُكميُّ، كالقَبضِ بطَريقِ التَّخليةِ، ومِثَالُه إذا وَهَبَ شَخصٌ لِآخَرَ مالًا مَوجودًا مُحضَرًا في مَجلِسِ الهِبةِ، وصالِحًا لِلقَبضِ في ذلك المَكانِ، وقالَ المَوهوبُ له لِلواهِبِ: قَبَضتُه، أي: أنْ يَقولَ ذلك مَع كَونِه لَم يَقبِضِ المالَ المَوهوبَ. ويُشترَطُ في القَبضِ بطَريقِ التَّخليةِ وُجودُ المالِ المَوهوبِ في مَجلِسِ الهِبةِ على الوَجْهِ المَشروحِ، فعليه إذا وَهَبَ شَخصٌ لِآخَرَ مالًا وسلَّطَه على قَبْضِه حينَما يَجِدُه، فالهِبةُ فاسِدةٌ على رَأْيِ الإمامِ أبي يُوسفَ ﵀، أمَّا عندَ الإمامِ زُفَرَ فالهِبةُ صَحيحةٌ. وتَصحُّ الهِبةُ بالقَبضِ بالنَّوعِ الثَّاني على رَأْيِ الإمامِ مُحمَّدٍ، وهو الرَّأْيُ المُختارُ، أمَّا عندَ الإمامِ أبي يُوسفَ فلا تَتِمُّ الهِبةُ.
إلَّا أنَّ هذا الِاختِلافَ واقِعٌ في الهِبةِ الصَّحيحةِ، أمَّا في الهِبةِ الفاسِدةِ فقَدِ اتَّفَقُوا على أنَّ التَّخليةَ ليسَتْ بقَبْضٍ (١).
стр. 6167
الوَكالةُ في الصُّلْحِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في صِحَّةِ الوَكالةِ في الصُّلحِ؛ لأنَّه في معنَى البَيعِ في الحاجةِ إلى التَّوكيلِ فيه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ التَّوكيلُ في الصُّلحِ … ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا (١).
وقالَ ابنُ رَزينٍ ﵀: يَصحُّ إجماعًا (٢)؛ لأنَّ الوَكيلَ سَفيرٌ مَحضٌ، ولأنَّ السَّفيرَ حاكٍ قولَ غيرِه، ومَن حَكَى قولَ غيرِه لا يَلزَمُه حُكمُ ذلك القَولِ (٣).
قالَ الحَنفيَّةُ: والوَكيلُ بالصُّلْحِ ليسَ بوَكيلٍ في الخُصومةِ؛ لأنَّ الصُّلحَ عَقدٌ يَنبَني على المُوافَقةِ والمُسالَمةِ، وهو ضِدُّ الخُصومةِ.
ألَا تَرَى أنَّ الوَكيلَ بالخُصومةِ لا يَملِكُ الصُّلحَ، ولو أقَرَّ بأنَّ ذلك باطِلٌ لَم يَجُزْ إقرارُه على صاحِبِهِ؛ لأنَّ صِحَّةَ إقرارِ الوَكيلِ بالخُصومةِ باعتِبارِ أنَّه وَكيلٌ بجَوابِ الخَصْمِ، ولأنَّ الوَكيلُ بالصُّلحِ ليسَ بوَكيلٍ بالجَوابِ، وإنَّما هو وَكيلٌ بعَقدٍ يُباشِرُه، والإقرارُ ليسَ مِنْ ذلك العَقدِ في شَيءٍ (٤).
стр. 6168
الوَكالةُ في الإبراءِ:
لا خِلافَ بَينِ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ في صِحَّةِ التَّوكيلِ في الإبراءِ، كما قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ التَّوكيلُ في الإبراءِ؛ لأنَّه في معنَى البَيعِ في الحاجةِ إلى التَّوكيلِ فيه، ويَثبُتُ فيه حُكمُه، ولا نَعلَمُ في شَيءٍ مِنْ ذلك اختِلافًا (١).
قالَ الشَّافِعيَّةُ: ويَجوزُ أنْ يُوكِّلَ في الإبراءِ مِنْ الدُّيونِ؛ لأنَّه إذا جازَ التَّوكيلُ في إثباتِها واستِيفائِها جازَ التَّوكيلُ في الإبراءِ عنها (٢).
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا في المُبْرَأِ مِنه، هَلْ يُشترَطُ أنْ يَكونَ مَعلومًا أو لا يُشترَطُ؟ بِناءً على ما يلي: هَلِ الإبراءُ إسقاطٌ أو تَمليكٌ، أو الأغلَبُ فيه أحَدُهما؟ وهَل يَصحُّ الإبراءُ مِنْ المَجهولِ أو لا؟ فمَن نظَر في هذه المَسألةِ إلى معنَى التَّمليكِ اشترَطَ العِلمَ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ تَمليكُ المَجهولِ، ومَن نظَر إلى معنَى الإسقاطِ ذهَب إلى الصِّحَّةِ؛ لأنَّه تَصحُّ هِبةُ المَجهولِ.
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ البَراءةُ مِنْ المَجهولِ.
стр. 6169
قالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ مَنْ يُبرِئُ مَنْ له عليه حَقٌّ مِنْ مالٍ أو غيرِه مِنه، سَواءٌ علِم المُوكِّلُ والوَكيلُ ومَن عليه الحَقُّ بالمُبْرأِ مِنه أو جَهِلوا؛ فالتَّوكيلُ بالإبراءِ لا يَستَدعي عِلمَ المُوكِّلِ بمَبلَغِ الدَّينِ المُبْرَأِ مِنه، ولا عِلمَ الوَكيلِ، ولا عِلمَ مَنْ عليه الحَقُّ؛ لأنَّها هِبةٌ مَجهولةٌ، وهي جائِزةٌ عندَنا، ولأنَّه مَحضُ تَرْكٍ، ولأنَّه التَّرْكُ لا مانِعِيَّةَ لِلغَرَرِ فيه، كَقَولِ المُدوَّنةِ: إنْ كانَ لكَ عليه دَراهِمُ نَسيتَ مَبلَغَها جازَ أنْ تَصطَلِحا على ما شِئتُما (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ الوَكالةُ بالإبراءِ، ولو كانَ الدَّيْنُ المُبْرَأُ مِنه مَجهولًا لِرَبِّ الدَّيْنِ والمَدِينِ، أو كانَ مَجهولًا لِأحَدِهِما، وسَواءٌ جَهِلَا قَدْرَه أو جَهِلَا وَصْفَه أو جَهِلَاهُمَا، أي: القَدْرَ والوَصْفَ، ويَصحُّ الإبراءُ مِنْ المَجهولِ ولو لَم يَتعَذَّرْ عِلمُه، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّه إسقاطُ حَقٍّ فيَنفُذُ مَع العِلمِ والجَهلِ، كالعِتقِ والطَّلاقِ. فيَصحُّ الإبراءُ مِنْ المَجهولِ في جَميعِ الحُقوقِ المَجهولةِ، لكنْ لو جَهِلَه رَبُّ الدَّيْنِ وعلِمه مَنْ عليه الحَقُّ وكَتَمَه المَدِينُ عن رَبِّ الدَّيْنِ؛ خَوْفًا مِنْ أنَّه -أي: رَبَّ الدَّيْنِ- لو علِمه -أي: الدَّيْنَ- لَم يُبْرِئْه رَبُّ الدَّيْنِ مِنه لَم تَصِحَّ البَراءةُ؛ لأنَّ فيه تَغريرًا لِلمُبِرِئِ، وقَد أمكَنَ التَّحَرُّزُ مِنه. وظاهِرُ كَلامِ أبي الخَطَّابِ الصِّحَّةُ مُطلَقًا، قالَ: وهذا أقرَبُ.
стр. 6170
وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ أنَّه يَصحُّ مَع جَهلِ المُبْرَأِ دونَ عِلمِه، وعَنه: لا يَصحُّ ولو جَهِلاه، إلَّا إذا تَعَذَّرَ عِلمُه.
وقالَ في «المُحرَّرِ»: ويَتخرَّج أنْ يَصحَّ بكُلِّ حالٍ إلَّا إذا عَرَفَه المُبْرَأُ وظَنَّ المُبْرِئُ جَهْلَه به، فلا يَصحُّ، انتَهَى.
وعنه: لا تَصحُّ البَراءةُ مِنْ المَجهولِ، كالبَراءةِ مِنْ العَيبِ، ذكَرها أبو الخَطَّابِ وأبو الوَفاءَ، كما لو كَتَمَه المُبْرَأُ خَوفًا مِنْ أنَّه لو علِمه المُبْرِئُ لَم يُبْرِئْه.
وَمِنْ صُوَرَ البَراءةِ مِنْ المَجهولِ: لو كانَ له على إنسانٍ دَيْنانِ وأبرَأَه مِنْ أحَدِهِما، لا بعَيْنِه، أو كانَ له دَيْنانِ على شَخصَيْنِ، وأبرَأ أحَدَهُما لا بعَينِه، ويُؤخَذُ، أي: يُرجَعُ إلى المُبرِئِ، بالبَيانِ، كَطَلاقِه إحداهُما وعِتقِه أحَدَهما، ثم يُقرَعُ، على المَذهبِ.
لَو أبرَأه مِنْ مِئة، وهو يَعتَقِدُ أنْ لا شَيءَ عليه، فكانَ له عليه مِئةٌ، ففي صِحَّةِ الإبراءِ وَجهانِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ: تَصحُّ البَراءةُ مِنْ المَجهولِ إذا لَم يَكُنْ لهما سَبيلٌ إلى مَعرِفَتِه.
وقالَ أبو حَنيفةَ: تَصحُّ مُطلَقًا.
стр. 6171
وقالَ الشَّافِعيُّ: لا تَصحُّ، إلَّا أنَّه إذا أرادَ ذلك قالَ: أبرَأتُكَ مِنْ دِرهَمٍ إلى ألْفٍ؛ لأنَّ الجَهالةَ إنَّما مُنِعَتْ لِأجْلِ الغَرَرِ؛ فإذا رَضيَ بالجُملةِ فقَد زالَ الغَرَرُ وصَحَّتِ البَراءةُ.
ولَنا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لِرَجُلَينِ اختَصَما إليه في مَوارِيثَ دَرَسَتْ: «فاقتَسِمَا وتَوَخَّيَا الحَقَّ، ثم استَهِمَا، ثم تَحَالَّا» رَواه أبو داودَ (١)، ولأنَّه إسقاطٌ، فصَحَّ في المَجهولِ والطَّلاقِ، وكما لو قالَ: مِنْ دِرهَمٍ إلى ألْفٍ، ولأنَّ الحاجةَ دَاعيةٌ إلى تَبرِئةِ الذِّمةِ، ولا سَبيلَ إلى العِلمِ بما فيها، فلَو وُفِّقَتْ صِحَّةُ البَراءةِ على العِلمِ لَكانَ سَدًّا لِبَابِ عَفْوِ الإنسانِ عن أخيه المُسلِمِ، وتَبرِئةِ ذِمَّتِه، فلَمْ يَجُزْ ذلك، كالمَنعِ مِنْ العِتقِ.
وأمَّا إنْ كانَ مَنْ عليه الحَقُّ يَعلَمُه ويَكتُمُه المُستَحقُّ خَوفًا مِنْ أنَّه إذا علِمه لَم يَسمَحْ بإبرائِه مِنه، فيَنبَغي ألَّا تَصِحَّ البَراءةُ فيهِ؛ لأنَّ فيه تَغريرًا بالمُشتَرِي، وقَد أمكَنَ التَّحَرُّزُ مِنه، وقالَ أصحابُنا: لو أبرَأَه مِنْ مِئةٍ وهو يَعتَقِدُ أنَّه لا شَيءَ له عليه، وكانَ له عليه مِئةٌ، ففي صِحَّةِ البَراءةِ وَجْهانِ، أحَدُهما صِحَّتُها؛ لأنَّها صادَفَتْ مِلْكَه، فأسقَطَتْه، كما لو علِمها، والآخَرُ: لا تَصحُّ؛ لأنَّه أبرَأَه ممَّا لا يَعتَقِدُ أنَّه عليه، فلَمْ يَكُنْ ذلك إبراءً في الحَقيقةِ، وأصْلُ الوَجهَيْنِ ما لو باعَ مالًا كانَ لِمُوَرِّثِه، يَعتَقِدُ أنَّه باقٍ لِمُوَرِّثِه، وكانَ مُوَرِّثُه قَدْ ماتَ وانتَقَلَ مِلْكُه إليه، فهَل يَصحُّ؟
стр. 6172
فيه وَجهانِ، ولِلشَّافِعيِّ قَولانِ في البَيعِ، وفي صِحَّةِ الإبراءِ وَجهانِ (١).
وأمَّا الشَّافِعيَّةُ؛ فقالَ الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: التَّوكيلُ في الإبراءِ يُشترَطُ فيه عِلمُ المُوكِّلِ إذا قُلْنا بالأظهَرِ إنَّه لا يَصحُّ الإبراءُ عن المَجهولِ، كما سبَق في كِتابِ الضَّمانِ.
ولا يُشترَطُ عِلمُ الوَكيلِ على الأصَحِّ، وبِه قطَع القاضي والغَزاليُّ، وفي المُهذَّبِ والتَّهذيبِ اشتِراطُ عِلْمِه بجِنْسِه وقَدْرِه، كما لو قالَ: (بِعْ) بما باعَ به فُلانٌ فَرَسَه؛ فإنَّه يُشترَطُ لصحَّةِ البَيعِ عِلمُ الوَكيلِ دونَ المُوكِّلِ.
ولا يُشترَطُ في الإبراءِ عِلمُ مَنْ عليه الحَقُّ على الصَّحيحِ، والخِلافُ فيه مَبنيٌّ على ما سبَق أنْ الإبراءَ إسقاطٌ أو تَمليكٌ، فإنْ قُلْنا: تَمليكٌ اشتُرِطَ عِلمُه، كالمُتَّهبِ، وإلَّا فلا.
ثم إنْ كانَتْ صِيغَتُه: أُبْرِئُ فُلانًا عن دَيْني، أبرَأَه عن جَميعِه، وإنْ قالَ: عن شَيءٍ مِنه، أبرَأَه عن قَليلٍ مِنه، وإنْ قالَ: عَمَّا شِئتُ، أبرَأَه عَمَّا شاءَ، وأبْقَى شَيئًا.
قُلتُ: قولُه: أبْرَأَه عن قَليلٍ مِنه، يَعني أقَلَّ ما يَنْطَلِقُ عليه اسمُ الشَّيءِ، كذا صرَّح به في التَّتِمَّةِ، وهو واضِحٌ.
ولو قالَ: أُبْرِئُه عن جَميعِه، فأبرَأَ عن بعضِه جازَ، بخِلافِ ما لو باعَ بعضَ ما أمَرَه ببَيْعِه، واللَّهُ أعلَمُ (٢).
стр. 6173
الوَكالةُ في الوَقفِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ في الوَقفِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ التَّوكيلُ في الوَقفِ، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا (١). وقالَ ابنُ رَزينٍ: إجماعًا (٢).
واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه البُخاريُّ وعَنْوَنَ عليه: بابُ الوَكالةِ في الوَقفِ ونَفقَتِه وأنْ يُطعِمَ صَديقًا له ويَأكُلَ بالمَعروفِ.
حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سَعيدٍ حدَّثنا سُفيانُ عن عَمرٍو قالَ في صَدَقةِ عُمرَ: «ليسَ على الوَليِّ جُناحٌ أنْ يَأكُلَ ويُؤكِلَ صَديقًا غيرَ مُتَأثِّلٍ مالًا، فكانَ ابنُ عُمرَ هو يَلِي صَدَقةَ عُمرَ يُهدِي لِناسٍ مِنْ أهلِ مَكَّةَ كانَ يَنْزِلُ عليهم» (٣).
قالَ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: وهذا سُنَّةُ الوَقفِ: أنْ يَأْكُلَ مِنه الوَليُّ له ويُؤْكِلَ (٤).
الوَكالةُ في دَفعِ الزَّكاةِ والصَّدَقةِ:
لا خِلافَ بَينِ فُقهاءِ المَذاهبِ على أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ في الصَّدَقةِ وإخراجِ الزَّكاةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ التَّوكيلُ في الصَّدَقةِ ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٥).
стр. 6174
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: تَجوزُ الوَكالةُ في العِباداتِ الماليَّةِ، كالصَّدَقةِ والزَّكاةِ (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: وأمَّا الزَّكاةُ والكَفَّاراتُ كلُّها فتَجوزُ الوَكالةُ في أدائِها مِنْ مالِ الآمِرِ والمأْمورِ (٢).
واستَدَلَّ الفُقهاءُ على جَوازِ التَّوكيلِ في الصَّدَقةِ وإخراجِ الزَّكاةِ بما رَواه أبو داوُدَ وغيرُه عن أبي رافِعٍ قالَ: استَسلَفَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بَكرًا، فجاءَتْه إبِلٌ مِنْ الصَّدَقةِ، فأمَرَني أنْ أقضيَ الرَّجلَ بَكْرَه، فقُلتُ: لَم أَجِدْ في الإبِلِ إلَّا جَمَلًا خِيارًا رُباعيًّا، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «أعطِه إيَّاه؛ فإنَّ خِيارَ النَّاسِ أحسَنُهم قَضاءً» (٣).
وعن أبي نُعَيمٍ وَهبِ بنِ كَيسانَ، قالَ: سَمِعتُ جابِرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يَقولُ: أرَدتُ الخُروجَ إلى خَيبَرَ، فقالَ لي رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إذا أتَيتَ وَكيلي بخَيبَرَ فخُذْ مِنه خَمسةَ عَشَرَ وَسقًا، فإنِ ابتَغَى مِنْكَ آيةً فضَعْ يَدَكَ على تَرقُوَتِه» (٤)، وهي العَظمُ الذي بينَ ثُغرةِ النَّحرِ والعاتِقِ، وهُما تَرقُوَتانِ مِنْ الجانِبَيْنِ.
стр. 6175
فَفي هذا الحَديثِ دَليلٌ على صِحَّةِ الوَكالةِ، وأنَّ الإمامَ له أنْ يُوكِّلَ ويُقيمَ عامِلًا على الصَّدَقةِ في قَبضِها، وفي دَفعِها إلى مُستَحقِّها، وإلى مَنْ يُرسِلُه إليه بأمارةٍ (١).
وَما في الصَّحيحَيْنِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَبعَثُ السُّعاةَ لِأخْذِ الزَّكاةِ، فعَن أبي حُمَيدٍ السَّاعِديِّ ﵁ قالَ: «استَعمَلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ الأسْدِ على صَدَقاتٍ بَنِي سُلَيمٍ يُدعَى ابنَ اللُّتْبِيَّةِ، فلمَّا جاءَ حاسَبَهُ» (٢).
ورَوى مُسلِمٌ عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «بَعَثَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عُمرَ على الصَّدَقةِ … » (٣).
قالَ الشَّافِعيَّةُ: يَصحُّ التَّوكيلُ في قَبضِ الزَّكاةِ وإقباضِها، فلِلأصنافِ أنْ يُوكِّلوا في قَبضِها لهم، ولِلمالِكِ أنْ يُوكِّلَ في دَفْعِها لهم (٤).
وصُورةُ التَّوكيلِ في تَفريقِ زَكَواتِ الأموالِ الباطِنةِ والظَّاهِرةِ: وكَّل فُلانٌ فُلانًا في صَرْفِ زَكاةِ مالِه الباطِنِ مِنْ الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ فإنْ كانَ شافعيًّا ذكَر له أصنافَ المُستَحقِّينَ لها على مَذهبِ الشَّافِعيِّ، وإنْ كانَ غيرَ ذلك فرَّقها على الأصنافِ الثَّمانيةِ، أو على المَوجودِ مِنها، على ما ذكَره غيرُ الشَّافِعيَّةِ.
стр. 6176
وكَذلك تَفرِقةُ زَكاةِ الفِطرِ وزَكاةِ الأموالِ الظَّاهِرةِ، وهي المَواشي والحُبوبُ، فيُعيِّنُ له الأسنانَ مِنْ المَواشي، والوَسقَ مِنْ الحُبوبِ والثِّمارِ، تَوكيلًا شَرعيًّا، أقامَه في ذلك مَقامَ نَفْسِه، ورَضيَ بقَوله وفِعلِه، وسلَّمَ إليه القَدْرَ الواجِبَ في مالِه، وهو كذا وكذا، فقَبَضَه مِنه قَبضًا شَرعيًّا، وصارَ في يَدِه لِيَصرِفَه عنه فيما وكَّله فيه عامِلًا في ذلك كلِّه بتَقْوَى اللَّهِ وطاعَتِه وخَشيَتِه ومُراقَبَتِه في سِرِّه وعَلانِيَتِه، قُبِلَ ذلك مِنه قَبولًا شَرعيًّا ويُكمِلُ.
والقَولُ قَولُ الوَكيلِ في تَفرِقةِ هذه الزَّكَواتِ على مُستَحقِّيها (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَصحُّ التَّوكيلُ في دَفعِ الزَّكاةِ، لكنْ يُشترَطُ في الوَكيلِ أنْ يَكونَ ثِقةً، وأن يَكونَ مُسلِمًا على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ.
وفي وَجهٍ يَجوزُ تَوكيلُ الذمِّيِّ في إخراجِها؛ لأنَّه مُناوِلٌ، إذَنْ كما لو استَنابَ ذِميًّا في ذَبحِ أُضحيَّةٍ جازَ، على اختِلافِ الرِّوايَتَيْنِ، وقالَ في الرِّعايةِ، ويَجوزُ تَوكيلُ الذمِّيِّ في إخراجِ الزَّكاةِ إذا نَوَى المُوكِّلُ، وكَفَتْ نِيَّتُه، وإلَّا فلَا، انتَهَى، قالَ المِرداويُّ: قُلتُ: وهو قَوِيٌّ (٢).
ونَصَّ الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على جَوازِ أنْ يَقولَ لِلوَكيلِ: «أخرِجْ زَكاةَ مالي -وبيَّنَها له- مِنْ مالِكَ»؛ لأنَّه اقتِراضٌ مِنْ مالِ الوَكيلِ، وتَوكيلٌ في إخراجِه (٣).
стр. 6177
وَسُئِلَ ابنُ حَجَرِ الهَيتَميُّ ﵀: هَلْ يَجوزُ التَّوكيلُ في إخراجِ الزَّكاةِ مِنْ مالِ الوَكيلِ أو مِنْ دَيْنٍ عليه لِلمُوكِّلِ؟
فَأجابَ بقَوله: صرَّح الشَّيخانِ بجَوازِ التَّوكيلِ في إخراجِ زَكاتِه مِنْ مالِ الوَكيلِ، ويَرجِعُ بما أدَّاه على ما ذُكِرَ في التَّوكيلِ بقَضاءِ الدَّيْنِ، ولو باعَه قَدْرَ الزَّكاةِ أو النِّصابِ كلِّه لَم يَصحَّ في الأُولى، ولا في قَدْرِ الزَّكاةِ في الثَّانيةِ.
فَلَو تَلِفَ المَبيعُ فأذِنَ البائِعُ لِلمُشتَرِي في إخراجِ قَدْرِ الزَّكاةِ صَحَّ، وجَرى التَّقَاصُّ، فلَو قالَ له: ادعُني مِنْ دَيْني الذي عَلَيكَ، لَم يَقَعْ عن الآذِنِ فيما يَظهَرُ؛ لأنَّه لا يَصحُّ كَوْنُه قابِضًا لِمَا في ذِمَّتِه مِنْ نَفْسِه، ومُقبِضًا له عن المالِكِ لِلمُستَحقِّينَ (١).
هَلْ يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَأخُذَ مَنْ مالِ الزَّكاةِ إنْ كانَ فَقيرًا؟
قالَ الحَنابِلةُ: لو أذِنَ له أنْ يَتصدَّق بمالٍ مِنْ دَراهِمَ أو غيرِها لَم يَجُزْ لِلوَكيلِ أنْ يَأخُذَ مِنه لِنَفْسِه صَدَقةً إذا كانَ مِنْ أهلِ الصَّدَقةِ، ولا شَيئًا لِأجْلِ العَملِ، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ إطلاقَ لَفظِ المُوكِّلِ يَنصَرِفُ إلى دَفْعِه إلى غيرِه.
وَيُحتمَلُ الجَوازُ إنْ دَلَّتْ قَرينةٌ على إرادةِ أخْذِه مِنه.
وَهَل يَجوزُ له أنْ يَدفعَ مِنه لِوالِدِه ووَلَدِه وزَوجَتِه؟ فيه وَجهانِ: أوَّلُهُما: جَوازُه؛ لِدُخولِهم في عُمومِ لَفظِه، وكذا لو وَصَّى إليه بتَفريقِ ثُلُثِه
стр. 6178
على قَومٍ، وهو مِنهم، أو دفَع إليه مالًا، وأمَرَه بتَفريقِه على مَنْ يُريدُ، أو بدَفْعِه إلى مَنْ شاءَ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ وكَّله في إخراجِ صَدَقةٍ على المَساكينِ وهو مِسكينٌ، أو أوصَى إليه بتَفريقِ ثُلُثِه على قَومٍ وهو مِنهم، أو دفَع إليه مالًا وأمَرَه بتَفريقِه على مَنْ يُريدُ، أو بدَفْعِه إلى مَنْ شاءَ، فالمَنصوصُ عن أحمدَ أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَأخُذَ مِنه شَيئًا؛ فإنَّ أحمدَ قالَ: إذا كانَ في يَدِه مالٌ لِلمَساكينِ وأبوابِ البِرِّ وهو مُحتاجٌ، فلا يَأكُلْ مِنه شَيئًا، وإنَّما آمُرُه بتَنفيذِه؛ وذلك لأنَّ إطلاقَ لَفظِ المُوكِّلِ يَنصَرِفُ إلى دَفْعِه إلى غيرِه.
وَيُحتمَلُ أنْ يَجوزَ له الأخْذُ إذا تَناوله عُمومُ اللَّفظِ، كالمَسائِلِ التي تَقدَّمتْ، ولأنَّ المعنَى الذي حصَل به الِاستِحقاقُ مُتحقَّقٌ فيه، واللَّفظُ مُتَناوِلٌ له، فجازَ له الأخْذُ كَغيرِه.
وَيُحتمَلُ الرُّجوعُ في ذلك إلى قَرائِنِ الأحوالِ، فما غَلَبَ على الظَّنِّ فيه أنَّه أرادَ العُمومَ فيه، وفي غيرِه، فله الأخْذُ مِنه، وما غَلَبَ أنَّه لَم يُرِدْه فليسَ له الأخْذُ، وما تَساوَى فيه الأمرانِ احتمَلَ وَجهَيْنِ:
وَهَل له أنْ يُعطِيَه لِوَلَدِه أو والِدِه أو امرَأتِه؟ فيه وَجهانِ، أوَّلُهُما: جَوازُه؛ لِدُخولِهم في عُمومِ لَفْظِه، ووُجودِ المعنَى المُقتَضِي لِجَوازِ الدَّفْعِ إليهم، فأمَّا مَنْ تَلزَمُه مُؤْنَتُه غيرُ هَؤُلاءِ فيَجوزُ الدَّفعُ إليهم، كما يَجوزُ دَفْعُ صَدَقةِ التَّطوُّعِ إليهم (٢).
стр. 6179
وقالَ العِمرانيُّ الشَّافِعيُّ ﵀: وإنْ وكَّله في تَفرِقةِ ثُلُثِه على الفُقَراءِ والمَساكينِ لَم يَكُنْ له أنْ يَصرِفَ على نَفْسِه مِنْ ذلك شَيئًا، وإنْ كانَ فَقيرًا؛ لأنَّه مُخاطَبٌ في أنْ يُخاطِبَ غيرَه، فلا يَدخُلُ في خِطابِ غيرِه، كما قُلْنا فيه إذا وكَّله في البَيعِ وأطلَقَ، فليسَ له أنْ يَبيعَ مِنْ نَفْسِه (١).
الوَكالةُ في النِّكاحِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ على أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ في عَقدِ النِّكاحِ، لِمَا رَوى الحاكِمُ في المُستَدرَكِ عن جَعفَرِ بنِ مُحمَّدِ بنِ عَلِيٍّ عن أبيه قالَ: بَعَثَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بنَ أُميَّةَ الضَّمِريَّ إلى النَّجاشيِّ يَخطُبُ عليه أُمَّ حَبيبةَ بِنتَ أبي سُفيانَ، وكانَتْ تَحتَ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ جَحشٍ، فزوَّجها إيَّاه وأَصدَقَها النَّجاشيُّ مِنْ عِندِه عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ أربَعَمِئةِ دِينارٍ» (٢).
وَلمَا رَواه مالِكٌ عن رَبيعةَ بنِ أبي عَبدِ الرَّحمَنِ عن سُلَيمانَ بنِ يَسارٍ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أبا رافِعٍ، ورَجُلًا مِنْ الأنصارِ،، فزَوَّجاه مَيمونةَ بِنتَ الحارِثِ، ورَسولُ اللَّهِ ﷺ بالمَدينةِ قبلَ أنْ يَخرُجَ» (٣)، هذا، وإنْ كانَ ظاهِرُه الإرسالَ، إلَّا أنَّ الإمامَ أحمدَ وغيرَه رَوَوْه مُتَّصِلًا
стр. 6180
عن سُلَيمانَ بنِ يَسارٍ عن أبي رافِعٍ مَولَى رَسولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ تَزوَّج مَيمونةَ حَلالًا، وبَنَى بها حَلالًا، وكُنتُ الرَّسولَ بينَهما» (١).
قالَ أبو عُمرَ ﵀: في رِوايةِ مالِكٍ لِهذا الحَديثِ دَليلٌ على جَوازِ الوَكالةِ في النِّكاحِ، وهو أمْرٌ لا أعلَمُ فيه خِلافًا (٢).
وقالَ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ الوَكالةَ مِنْ العُقودِ الجائِزةِ في الجُملةِ، وأنَّ كلَّ ما جازَتْ به النِّيابةُ مِنْ الحُقوقِ جازَتِ الوَكالةُ فيه، كالبَيعِ … والتَّزويجِ والطَّلاقِ، وغيرِ ذلك (٣).
ولأنَّ الحاجةَ تَدْعو إليه؛ فإنَّه رُبَّما احتاجَ إلى التَّزَوُّجِ مِنْ مَكانٍ بَعيدٍ لا يُمكِنُه السَّفَرُ إليه؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ تَزوَّج مَيمونةَ وهي يَومَئِذٍ بأرضِ الحَبَشةِ، ولأنَّ النِّكاحَ عَقدٌ يُقصَدُ فيه المُعاوَضةُ صَحَّتْ فيه الوَكالةُ، كالبُيوعِ (٤).
стр. 6181
وقالَ الكاسانيُّ ﵀: النِّكاحُ كما يَنعَقِدُ بهذه الألفاظِ بطَريقِ الأصالةِ يَنعَقِدُ بها بطَريقِ النِّيابةِ بالوَكالةِ والرِّسالةِ؛ لأنَّ تَصرُّفَ الوَكيلِ كَتَصرُّفِ المُوكِّلِ، ولأنَّ كَلامَ الرَّسولِ كَلامُ المُرسِلِ، ولأنَّ الأصلَ في جَوازِ الوَكالةِ في بابِ النِّكاحِ ما رُوِيَ أنَّ النَّجاشيَّ زوَّج رَسولَ اللَّهِ ﷺ أُمَّ حَبيبةَ ﵂، فلا يَخْلُو ذلك إمَّا أنَّه فَعلَه بأمْرِ النَّبيِّ ﷺ ، وإمَّا ليس بأمْرِه؛ فَإنْ فَعلَه بأمْرِه فهو وَكيلُه، وإنْ فَعلَه بغيرِ أمْرِه فقَد أجازَ النَّبيُّ ﷺ عَقدَه، والإجازةُ اللَّاحِقةُ كالوَكالةِ السَّابِقةِ (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يَجوزُ التَّوكيلُ في طَرَفَيِ النِّكاحِ (٢).
وَصُورةُ تَوكيلِ رَجُلٍ في قَبولِ نِكاحِ امرَأةٍ مِنْ وَليِّها الشَّرعيِّ: وكَّل فُلانٌ فُلانًا في قَبولِ عَقدِ فُلانةَ البِكرِ البالِغةِ، أو المَرأةِ أو البِكرِ المُعضَلةِ مِنْ وَليِّها فُلانٍ والِدِها، أو جَدِّها أبي أبيها، أو غيرِهِما على تَرتيبِ الأولياءِ في النِّكاحِ على صَداقٍ مَبلَغُه كذا، حالًّا أو مُنَجَّمًا، تَوكيلًا صَحيحًا شَرعيًّا قُبِلَ ذلك مِنه قَبولًا شَرعيًّا، ويُؤرَّخُ (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: وله أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَقبَلُ له النِّكاحَ، لكنْ يُشترَطُ لصحَّةِ
стр. 6182
عَقدِه، أي: الوَكيلِ، تَسميةُ المُوكِّلِ في صُلبِ العَقدِ، فيَقولُ الوَليُّ: زَوَّجتُ مُوكِّلكَ فُلانًا، أو زَوَّجتُ فُلانًا، ويَنسُبُه، فُلانةَ، ويَقولُ الوَكيلُ: قَبِلتُ هذا النِّكاحَ لِفُلانِ بنِ فُلانٍ، أو: لِمُوكِّلِي فُلانٍ؛ فَإنْ قالَ الوَكيلُ: قَبِلتُ هذا النِّكاحَ، ونَوَى أنَّه قبلَه لِمُوكِّلِه، ولَم يَذْكُرْه في العَقدِ، لَم يَصحَّ النِّكاحُ (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: فإذا تَقرَّر جَوازُ الوَكالةِ في النِّكاحِ جازَ أنْ يُوكِّلَ الوَليَّ والزَّوجَ، ولَم يَجُزْ أنْ يُوكِّلَ الزَّوجةَ؛ لأنَّه لا حَقَّ لِلزَّوجةِ في مُباشَرةِ العَقدِ؛ فلَمْ يَصحَّ مِنها التَّوكيلُ فيه، وإذا كانَ كَذلك فحُكمُ الوَكالةِ فيه يَتعلَّقُ بفَصلَيْنِ:
أحَدُهما: في تَوكيلِ الوَليِّ. والآخَرُ: في تَوكيلِ الزَّوجِ.
فأمَّا تَوكيلُ الوَليِّ فلا يَجوزُ أنْ يُوكَّل فيه إلَّا مَنْ يَصحُّ أنْ يَكونَ وَليًّا فيه، وهو أنْ يَكونَ ذَكَرًا بالِغًا حُرًّا مُسلِمًا رَشيًدا؛ فإذا اجتَمَعتْ هذه الأوصافُ السِّتَّةُ صَحَّ تَوكيلُه، كما تَصحُّ وِلايَتُه، وإنْ أخَلَّ بأحَدِ هذه الأوصافِ فوكَّل امرَأةً، أو صَغيرًا، أو مَجنونًا، أو عَبدًا، أو كافِرًا، أو سَفيهًا، لَم يَجُزْ، وكانَتِ الوَكالةُ باطِلةً؛ فَإنْ عقَد بها كانَ العَقدُ فاسِدًا؛ فإذا تَكامَلَتْ في الوَكيلِ هذه الشُّروطُ السِّتَّةُ لَم يَحِلَّ مَحَلَّ الوَليِّ المُوكَّلِ له مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ:
إمَّا أنْ يَكونَ ممَّن يُجبَرُ على النِّكاحِ، كالأبِ والجَدِّ، مَع البِكرِ، أو ممَّن لا يُجبَرُ عليه، كَسائِرِ الأولياءِ، مَع الثَّيِّبِ، أو كَغيرِ الأبِ والجَدِّ مَع البِكرِ والثَّيِّبِ.
стр. 6183
فَإنْ كانَ الوَليُّ ممَّن يُجبَرُ على النِّكاحِ، كالأبِ والجَدِّ مَع البِكرِ؛ فإنَّ له أنْ يُوكِّلَ بإذْنِها وبغيرِ إذْنِها، كما يَجوزُ له تَزويجُها بإذْنِها وبغيرِ إذْنِها، لكنْ هَلْ يَلزَمُه أنْ يُعيِّنَ لِوَكيلِه على الزَّوجِ، أو يَرُدَّه إلى اختِيارِه؟ فيه قَولانِ: أحَدُهما: يَجوزُ أنْ يَرُدَّه إلى اختيارِهِ؛ لأنَّه قَدْ أقامَه بالتَّوكيلِ مَقامَ نَفْسِه، فلَمْ يَلزَمْه التَّعيينُ، كالتَّوكيلِ في الأموالِ، فعلى هذا يَلزَمُه أنْ يَختارَ لها كُفُؤًا، والأوْلَى به إذا أرادَ تَزويجَها بمَن قَدِ اختارَه لها أنْ يَستأذِنَها فيه، وإذْنُها مَعه الصَّمتُ، كَإذْنِها مَع الأبِ؛ فَإنْ زوَّجها به مِنْ غيرِ استِئذانِه صَحَّ النِّكاحُ، كالأبِ إذا زوَّج بغيرِ إذْنٍ، فلَو أنَّ الوَليَّ على هذا القَولِ عيَّن لِوَكيلِه على الزَّوجِ سقَط اختِيارُ الوَكيلِ، ولَم يَكُنْ له تَزويجُها بغيرِ مَنْ عيَّن له عليه، كالوَكيلِ في الشِّراءِ إذا عُيِّنَ على ما يَشتَريه.
والقَولُ الآخَرُ: أنَّ على الوَليِّ أنْ يُعيِّنَ لِوَكيلِه في عَقدِ الوَكالةِ على الزَّوجِ الذي زوَّجها به، ولا يَرُدَّ ذلك إلى خِيارِهِ؛ لأنَّ معنَى الوَليِّ في لُحوقِ عارِها مَعقودٌ في وَكيلِه، فلَمْ يَقُمِ اختِيارُ الوَكيلِ مَقامَ اختِيارِه، وفارَقَ التَّوكيلَ في الأموالِ التي لا يُراعَى في اختِيارِها لُحُوقُ العارِ. فعلى هذا متى زوَّجها الوَكيلُ بكُفءٍ وغيرِ كُفءٍ كانَ النِّكاحُ باطِلًا؛ لِفَسادِ الوَكالةِ، فلَو عُيِّنَ له أنْ يُزوِّجَها بأحَدِ رَجُلَيْنِ نُظر، فإنْ كانَ الوَليُّ قَدِ اختارَهُما ورَدَّ العَقدَ على أحَدِهِما إلى خِيارِ وَكِيلِه جازَ، وإنْ لَم يَكُنْ مِنْ الوَليِّ اختيارٌ، بَلْ رَدَّ ذلك إلى اختِيارِ وَكِيلِه وخِيارِه، ثم الِاعتِبارُ بألَّا يَكونَ لِلوَليِّ خِيارٌ.
وإذا كانَ الوَليُّ ممَّن لا يُجبَرُ على النِّكاحِ فهَل يَلزَمُ استِئذانُها في عَقدِ
стр. 6184
النِّكاحِ أو لا؟ اختَلفَ أصحابُنا فيه على وَجهَيْنِ، ومِنهم مَنْ خرَجه على قولَيْنِ: أحَدُهما: وهو اختيارُ أبي عَلِيِّ بنِ أبي هُرَيرةَ أنَّه لا يَصحُّ تَوكيلُه إلَّا بإذْنِها؛ لأنَّه نائِبٌ عَنها، وأشبَه الوَكيلَ الذي لا يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ فيما هو وُكِّلَ فيه إلَّا عن إذْنِ مُوكِّلِه، فعلى هذا إنْ لَم يَستأذِنْها الوَليُّ في تَوكيلِه فزوَّجها الوَكيلُ بإذْنِها أو بغيرِ إذْنِها كانَ النِّكاحُ باطِلًا؛ لِفَسادِ الوَكالةِ، ولو استأذَنَها الوَليُّ فيه بعدَ عَقدِ الوَكالةِ لَم تَصِحَّ الوَكالةُ حتى يَستأذِنَها الوَليُّ بعدَ إذْنِها في تَوكيلِه؛ فإذا وكَّله بعدَ إذْنِها وكانَ وَكيلًا لهما جَميعًا فإنْ رجَعتْ في تَوكيلِه بطَلتِ الوَكالةُ، ولَم يَكُنْ له أنْ يُزوِّجَ. والوَجه الآخَرُ، وهو اختيارُ أبي إسحاقَ المَروَزيِّ: الوَكالةُ جائِزةٌ، وإنْ لَم يَستأذِنْها الوَليُّ في عَقدِها؛ لأنَّه مُوَكَّلٌ في حَقِّ نَفْسِه الذي ثَبَتَ به بالشَّرعِ، لا بالِاستِنابةِ، فأشبَهَ الأبَ، وخالَفَ الوَكيلَ المُستَنابَ، فعلى هذا تَصحُّ الوَكالةُ، وإنْ لَم يَستأذِنِ المَرأةَ في عَقدِها، ويَكونُ هو وَكيلًا لِلوَليِّ وَحدَه، ولا يُؤثِّرُ فيه مَنْعُها، لكنْ ليسَ لِلوَكيلِ أنْ يُزوِّجَها إلَّا بإذْنِها، كما لَم يَكُنْ ذلك لِوَليِّها المُوكَّلِ؛ فَإنْ زوَّجها بغيرِ إذْنِها كانَ النِّكاحُ باطِلًا، سَواءٌ زوَّجها بكُفءٍ أو بغيرِ كُفْءٍ، ولو زوَّجها الوَكيلُ بإذْنِها مِنْ غيرِ كُفْءٍ كانَ النِّكاحُ باطِلًا، سَواءٌ أجازَه الوَليُّ أو لَم يُجِزْه.
وأمَّا تَوكيلُ الزَّوجِ؛ فإنْ كانَ في تَزويجِ امرَأةٍ بعَيْنِها جازَ أنْ يُوكِّلَ كلَّ مَنْ صَحَّ مِنه قَبولُ النِّكاحِ في نَفْسِه، وهو مَنِ اجتَمَعتْ فيه ثَلاثةُ شُروطٍ. أنْ يَكونَ ذَكَرًا بالِغًا عاقِلًا، وسَواءٌ كانَ حُرًّا أو عَبدًا رَشيدًا أو سَفيهًا؛ لأنَّ العَبدَ
стр. 6185
السَّفيهَ يَجوزُ أنْ يَقبَلَ عَقدَ النِّكاحِ لِنَفْسِه، فصَحَّ أنْ يَقبَلَه لِغيرِهِ، فأمَّا تَوكيلُ المَرأةِ، والصَّبِيِّ، والمَجنونِ فلا يَصحُّ؛ لأنَّه لمَّا لَم يَصحَّ مِنهم قَبولُه لِأنْفُسِهم لَم يَصحَّ مِنهم قَبولُهم لِغيرِهم.
فأمَّا إنْ كانَ تَوكيلُ الزَّوجِ في تَزويجِ امرَأةٍ غيرِ مُعيَّنةٍ لِيَختارَ الوَكيلُ، فهَلْ يَلزَمُ أنْ يَنضَمَّ إلى الشُّروطِ الثَّلاثةِ في الوَكيلِ أنْ يَكونَ رَشيدًا غيرَ مُوَلًّى عليه بسَفَهٍ أو لا؟ على ثَلاثةِ أوْجُهٍ (١).
٢ - الفُسوخُ:
يَصحُّ التَّوكيلُ في الفُسوخِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ.
الوَكالةُ في الفَسخِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ على صِحَّةِ الوَكالةِ في الفَسخِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ التَّوكيلُ في الفَسخِ … ولا نَعلَمُ فيه اختِلافًا (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وشَرطُ مَحَلِّ التَّوكيلِ أنْ يَكونَ قابِلًا لِلنِّيابةِ مثلَ البَيعِ والحَوالةِ والضَّمانِ وسائِرِ العُقودِ والفُسوخِ (٣).
قالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِلإنسانِ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَفسَخُ عنه ما يَجوزُ له فَسْخَه مِنْ العُقودِ المُخيَّرِ في فَسخِها، أو المُحَتَّمِ فَسخُها، كَمُزارَعةٍ قبلَ بَذْرٍ، وإقالةٍ وبَيعٍ فاسِدٍ، كالصَّادِرِ مِنْ عَبدٍ أو مِنْ صَبِيٍّ مُميِّزٍ، أو مِنْ سَفيهٍ، فلِلوَليِّ أنْ
стр. 6186
يُوكِّلَ مَنْ يَفسَخُه، وكنِكاحٍ وخُلعٍ وطَلاقٍ، بِناءً على أنَّ المُرادَ بالفَسخِ مُطلَقُ الحَلِّ. فيَجوزُ لِلإنسانِ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يُطَلِّقُ عنه زَوجَتَه، وإنْ بحَيْضٍ؛ لأنَّ النَّهيَ عنه لِعارِضٍ (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يَصحُّ التَّوكيلُ في الفُسوخِ؛ لأنَّه إذا جازَ في العُقودِ ففي حَلِّها أوْلَى، وذلك كالفُسوخِ المُتَراخِيةِ، كالإيداعِ والوَقفِ والوَصِيَّةِ والجَعالةِ والضَّمانِ والشَّرِكةِ والفَسخِ بخِيارِ المَجلِسِ والشَّرطِ.
أمَّا الفَسخُ الذي على الفَورِ فيُنظَرُ فيه، إنْ حصَل عُذرٌ لا يُعَدُّ به مُقَصِّرًا بالتَّوكيلِ فكَذلك، وإلَّا فلا يَصحُّ التَّوكيلُ فيه؛ لِلتَّقصيرِ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ الوَكالةُ في كلِّ حَقٍّ لِآدَميٍّ مِنْ عَقدٍ وفَسخٍ لِنحوِ بَيعٍ وطَلاقٍ؛ لأنَّ ما جازَ التَّوكيلُ في عَقدِه، جازَ في حَلِّه بطَريقٍ أوْلَى (٣).
التَّوكيلُ في الطَّلاقِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صِحَّةِ التَّوكيلِ في الطَّلاقِ (٤) بأنْ
стр. 6187
يَقولَ الزَّوجُ وَكَّلتُكَ في أنْ تُطَلِّقَ زَوجَتي؛ لأنَّ الحاجةَ تَدعو إليه، كَدُعائِها إلى التَّوكيلِ في البَيعِ والنِّكاحِ، ولأنَّه لمَّا جازَتِ الوَكالةُ في النِّكاحِ مَع تَغليظِ حُكمِه كانَ جَوازُها في الطَّلاقِ أوْلَى.
قالَ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ الوَكالةَ مِنْ العُقودِ الجائِزةِ في الجُملةِ، وأنَّ كلَّ ما جازَتْ به النِّيابةُ مِنْ الحُقوقِ جازَتِ الوَكالةُ فيه، كالبَيعِ والشِّراءِ والإجارةِ وقَضاءِ الدَّيْنِ والخُصومةِ في المُطالَبةِ بالحُقوقِ والتَّزويجِ والطَّلاقِ، وغيرِ ذلك (١).
стр. 6188
وَصُورةُ التَّوكيلِ في طَلاقِ الزَّوجةِ على بَدَلٍ مِنها -إمَّا الصَّداقِ، أو على مَبلَغٍ في ذِمَّتِها-: وكَّل فُلانٌ فُلانًا في سُؤالِ زَوجَتِه فُلانةَ أنْ يُطَلِّقَها طَلقةً واحِدةً أُولَى، أو طَلقةً ثانيةً مَسبوقةً بأُولَى بعدَ الدُّخولِ بزَوجَتِه المَذكورةِ واعتِرافِ المُوكِّلِ المَذكورِ حالةَ التَّوكيلِ بذلك، على نَظيرِ مَبلَغِ صَداقِها عليه، وهو كذا وكذا، أو على مَبلَغِ كذا وكذا في ذِمَّتِها، تَوكيلًا شَرعيًّا، قُبِلَ ذلك مِنه قَبولًا شَرعيًّا ويُكمِلُ (١).
واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه مُسلِمٌ عن أبي سَلَمةَ عن فاطِمةَ بِنتِ قَيسٍ «أنَّ أبا عَمْرِو بنَ حَفصٍ طَلَّقها ألبَتَّةَ وهو غائِبٌ، فأرسَلَ إليها وَكيلَه بشَعيرٍ، فسَخِطَتْه، فقالَ: واللَّهِ ما لَكِ عَلَينا مِنْ شَيءٍ، فجاءَتْ رَسولَ اللَّه ﷺ فذكَرتْ ذلك له، فقالَ: ليسَ لَكِ عليه نَفَقةٌ» (٢).
قالَ الماوَرديُّ ﵀: الوَكالةُ في الطَّلاقِ جائِزةٌ؛ لأنَّ فاطِمةَ بِنتَ قَيسٍ
стр. 6189
طَلَّقها وَكيلُ زَوجِها، بمَشهَدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأمْضاه، ولأنَّه لمَّا جازَتِ الوَكالةُ في النِّكاحِ مَع تَغليظِ حُكمِه، كانَ جَوازُها في الطَّلاقِ أوْلَى.
فَإذا وكَّل رَجُلًا عاقِلًا جازَ، سَواءٌ كانَ حُرًّا أو عَبدًا، مُسلِمًا أو كافِرًا، ولا يَجوزُ أنْ يُوكِّلَ مَجنونًا ولا صَغيرًا؛ لأنَّه لا حُكمَ لِقَولهما، وفي جَوازِ تَوكيلِه لِامرَأةٍ وَجهانِ مَضَيَا في الخُلعِ، ثم الوَكالةُ على ضَربَيْنِ:
أحَدُهما: أنْ تَكونَ مُطلَقةً، وهو أنْ يَقولَ: قَدْ وَكَّلتُكَ في طَلاقِ زَوجَتِي فُلانةَ، فله أنْ يُطَلِّقَها على الفَورِ، وعلى التَّراخي، بخِلافِ ما لو ملَكها الطَّلاقَ لِنَفْسِها؛ لأنَّ هذه نِيابةٌ، وذاكَ تَمليكٌ؛ فَإنْ ذكَر له مِنْ الطَّلاقِ عَدَدًا لَم يَتجاوَزْه، فلَو قالَ له: طَلِّقْها ثَلاثًا، فقالَ لها: أنتِ طالِقٌ ثَلاثًا، طُلِّقَتْ ثَلاثًا، ولو قالَ لها: أنتِ طالِقٌ ونَوَى أنْ يَكونَ ثَلاثًا، ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: تُطَلَّقُ ثَلاثًا؛ لأنَّ نِيَّةَ الثَّلاثِ تَقومُ مَقامَ التَّلَفُّظِ بالثَّلاثِ. والوَجهُ الآخَرُ: لا تُطَلَّقُ ثَلاثًا، ولا تَقومُ نِيَّتُه مَقامَ نِيَّةِ الزَّوجِ؛ لأنَّ الزَّوجَ مَدِينٌ في الطَّلاقِ، مَعمولٌ على نِيَّتِه فيه، والوَكيلُ غيرُ مَدِينٍ في الطَّلاقِ، فلَمْ يَعمَلْ على نِيَّتِه فيه، وهَكذا لو طَلَّقها الوَكيلُ بالكِنايةِ مَع النِّيَّةِ، كانَ على هَذَيْنِ الوَجهَيْنِ، فلَو وكَّله أنْ يُطَلِّقَها ثَلاثًا فطَلَّقها واحِدةً، ففي وُقوعِها وَجهانِ: أحَدُهما: يَقَعُ؛ لأنَّه بعضُ ما وُكِّلَ فيه. والوَجهُ الآخَرُ: لا يَقَعُ؛ لأنَّه وُكِّلَ في طَلاقٍ بائِنٍ، وهذا الطَّلاقُ غيرُ بائِنٍ، فصارَ غيرَ ما وُكِّلَ فيه، فلَو وكَّله أنْ يُطَلِّقَها واحِدةً، لَم تَقَعِ الثَّلاثُ، وفي وُقوعِ الواحِدةِ وَجْهانِ: لو وكَّله في طَلاقِ واحِدةٍ مِنْ نِسائِه ولَم يُعيِّنْها له ففيه وَجْهانِ: أحَدُهما: أنَّ أيَّتهُنَّ طَلَّقها صَحَّ؛
стр. 6190
لأنَّ وُقوعَ الطَّلاقِ المُبهَمِ جائِزٌ، فكانَ التَّوكيلُ فيه جائِزًا. والوَجهُ الآخَرُ: أنَّه يَجوزُ أنْ يُطَلِّقَ واحِدةً قبلَ أنْ يُعيِّنَها الزَّوجُ؛ فَإنْ طَلَّق واحِدةً مِنهُنَّ قبلَ تَعْيِينِها لَم تُطَلَّقْ؛ لأنَّ إبهامَ الطَّلاقِ مِنْ جِهةِ الزَّوجِ يَجوزُ؛ لأنَّه مَوقوفٌ على خِيارِه في التَّعيينِ، ومِن جِهةِ الوَكيلِ لا يَجوزُ؛ لأنَّه غيرُ مَوقوفٍ على خِيارِه في التَّعيينِ.
والضَّربُ الآخَرُ: أنْ تَكونَ الوَكالةُ مُقيَّدةً، وهو أنْ يُوكِّلَه في طَلاقِها على صِفةٍ، وهو أنْ يَأمُرَه أنْ يُطَلِّقَها في يَومِ الخَميسِ، فلا يَجوزُ أنْ يُطَلِّقَها إلَّا فيه، فإنْ طَلَّقها في غيرِه لَم تُطَلَّقْ، أو أنْ يَأمُرَه أنْ يُطَلِّقَها لِلسُّنَّةِ، فإنْ طَلَّقها لِلبِدعةِ لَم تُطَلَّقْ، أو أنْ يَأمُرَه أنْ يُطَلِّقَها لِلبِدعةِ، فإنْ طَلَّقها لِلسُّنَّةِ لَم تُطَلَّقْ، فلَو قالَ له: طَلِّقْها إنْ شِئتَ، لَم يَقَعْ طَلاقُه حتى يَقولَ: قَدْ شِئتُ، ولا يَكونُ إيقاعُه لِلطَّلاقِ مَشيئةً مِنهُ؛ لأنَّه قَدْ يُوقَعُ الطَّلاقُ بمَشيئَةٍ وبغيرِ مَشيئةٍ، والمَشيئةُ لا تُعلَمُ إلَّا بالقَولِ. وليسَ مِنْ شَرطِ مَشيئَتِه الفَورُ، بخِلافِ ما لو علَّق الطَّلاقَ بمَشيئَتِها؛ لأنَّ تَعليقَه لِلطَّلاقِ بمَشيئَتِها تَمليكٌ، فَرُوعِيَ فيه الفَورُ، وتَعليقُه لِلطَّلاقِ بمَشيئَتِه صِفةٌ، فلَمْ يُراعَ فيها الفَورُ، ولأنَّه جعَل إليه طَلاقَها إذا شاءَ، فلمَّا جازَ أنْ يُطَلِّقَها على الفَورِ وعلى التَّراخي، جازَ أنْ تَكونَ مَشيئَتُه مَع الطَّلاقِ المُتَراخي، لكنْ مِنْ صِحَّةِ مَشيئَتِه أنْ يُخبِرَ بها الزَّوجَ قبلَ طَلاقِه، فإنْ أخبَرَ بها غيرَه ثم طَلَّق، لَم يَقَعْ؛ لأنَّه إذا كانَ إخبارُه بها شَرطًا، كانَ إخبارُ الزَّوجِ بها أحَقَّ، وأوْلَى أنْ يَكونَ شَرطًا، فلَو قالَ له: طَلِّقْها إنْ شاءَتْ، رُوعِيَتْ مَشيئَتُها عندَ عَرضِ الوَكيلِ الطَّلاقَ عليها؛ فإنَّه لا يَجوزُ أنْ يُطَلِّقَها
стр. 6191
إلَّا بعدَ عَرضِ الطَّلاقِ عليها وسُؤالِها عن مَشيئَتِها، وتَصيرُ حينَئذٍ مَشيئَتُها مُعتبَرةً على الفَورِ؛ فَإنْ عَجَّلَها وقَع الطَّلاقُ، وإذا أوقَعَه الوَكيلُ بعدَها، سَواءٌ أوقَعَه على الفَورِ أو على التَّراخي، فإنْ تَراخَتْ مَشيئَتُها، لَم يَقَعِ الطَّلاقُ بعدَها، لِفَسادِ المَشيئةِ.
وليسَ لِلوَكيلِ في الطَّلاقِ أنْ يُوكِّلَ غيرَه فيه؛ فَإنْ وكَّل المُوكِّلُ وَكيلَيْنِ في طَلاقِ زَوجةٍ واحِدةٍ، وجعَل إلى كلِّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يُطَلِّقَها، فأيُّهما سبَق بطَلاقِها ثَلاثًا، بطَلتْ وَكالةُ الآخَرِ، ولو جُعِلَ إلى كلِّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يُطَلِّقَها واحِدةً؛ فإذا سبَق أحَدُهما فطَلَّقها واحِدةً لَم تَبطُلْ وَكالةُ الآخَرِ، وجازَ له أنْ يُطَلِّقَها تَطليقةً أُخرَى، والفَرقُ بينَهما ما صَحَّ. وهَكذا لو وكَّل واحِدًا في طَلاقِها ثَلاثًا، ثم بادَرَ الزَّوجُ فطَلَّقها ثَلاثًا، بطَلتِ الوَكالةُ. ولو طَلَّقها الزَّوجُ واحِدةً، كانَتِ الوَكالةُ بحالِها في الطَّلقَتَيْنِ الباقيتَيْنِ، وإنْ طَلَّقها الوَكيلُ ثَلاثًا وَقَع مِنهُما طَلقَتانِ؛ لأنَّهما الباقيتانِ مِنْ طَلاقِ الزَّوجِ، بعدَ الواحِدةِ التي أوقَعَها، ولو وكَّله في طَلاقِها تَطليقةً واحِدةً ثم طَلَّقها الزَّوجُ تَطليقةً واحِدةً، لَم تَبطُلِ الوَكالةُ ما لَم تَنقَضِ العِدَّةُ، فإنْ طَلَّقها الوَكيلُ تَطليقةً واحِدةً في العِدَّةِ، طُلِّقَتْ، سَواءٌ راجَعَها الزَّوجُ مِنْ طَلقَتِه، أو لَم يُراجِعْ، فلَوِ انقَضَتْ عِدَّتُها مِنْ طَلقةِ الزَّوجِ ثم استأنَفَ نِكاحَها ففي بَقاءِ الوَكالةِ وجَوازِ طَلاقِ الوَكيلِ لها وَجهانِ: أحَدُهما: الوَكالةُ باقيةٌ، وطَلاقُ الوَكيلِ لها واقِعٌ. والوَجهُ الآخَرُ: أنَّ الوَكالةَ قَدْ بطَلتْ، وطَلاقَه غيرُ واقِعٍ، وهذانِ الوَجْهانِ مِنْ اختِلافِ قولَيْه في عَقدِ الطَّلاقِ في نِكاحٍ، هَلْ يَجوزُ أنْ يَقَعَ في غيرِه أو لا.
стр. 6192
فَإذا رجَع الزَّوجُ عن الوَكالةِ أو جُنَّ أو ماتَ، لَم يَكُنْ له أنْ يُطَلِّقَ؛ فَإنْ طَلَّق لَم يَقَعْ، فلَو لَم يَعلَمِ الوَكيلُ بجُنونِ مُوكِّلِه أو مَوْتِه فطَلَّق، لَم يَقَعْ طَلاقُه؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا يَصحُّ أنْ يَقَعَ عن زَوجٍ مَيِّتٍ، أو مَجنونٍ، ولو لَم يَعلَمِ الوَكيلُ برُجوعِ الزَّوجِ حتى طَلَّق، كانَ في وُقوعِ طَلاقِه قَولانِ مِنْ اختِلافِ قولَيْه في المُوكِّلِ في القِصَاصِ، إذا اقتَصَّ قبلَ العِلمِ بالعَفْو (١).
وقالَ الحَنفيَّةُ: إذا وكَّل الزَّوجُ رَجُلًا بأنْ يُطَلِّقَ امرَأتَه لِلسُّنَّةِ وهي ممَّن تَحيضُ، وكانَ التَّوكيلُ في حالةِ الحَيضِ، أو في طُهرٍ جامَعها فيه، وطَلَّقها الوَكيلُ في حالةِ الحَيضِ، أو في ذلك الطُّهرِ، لا يَقَعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّه ليسَ بتَوكيلٍ لِلحالِ، بَلْ وَكالَتُه مُضافةٌ إلى الطُّهرِ في الصُّورةِ الأُولَى، وإلى الحَيضِ والطُّهرِ في الصُّورةِ الأُخرى.
وكَذلك لو قالَ لها في هذه الحالةِ: أنتِ طالِقٌ لِلسُّنَّةِ، أنتِ طالِقٌ إذا طَهُرتِ، أنتِ طالِقٌ إذا حِضْتِ وطَهُرتِ، لا يَقَعُ الطَّلاقُ، وإذا طَهُرَتْ في الصُّورةِ الأُولَى أو حاضَتْ وطَهُرَتْ في الصُّورةِ الأُخرى وطَلَّقها الوَكيلُ بعدَ ذلك، يَقَعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّه صارَ وَكيلًا الآنَ، فالإيقاعُ حصَل بحُكمِ التَّوكيلِ، فيَصحُّ.
وإذا وكَّل غيرَه بأن يُطَلِّقَ امرَأتَه، ثم طَلَّقها الزَّوجُ بنَفْسِه قبلَ طَلاقِ الوَكيلِ، فهذا لا يَكونُ عَزلًا لِلوَكيلِ، ويَقَعُ طَلاقُ الوَكيلِ عليها ما دامَتْ في العِدَّةِ، وبعدَما انقَضَتِ العِدَّةُ لا يَقَعُ طَلاقُ الوَكيلِ عليها، تَزوَّجها الزَّوجُ أو لَم يَتزَوَّجْ.
стр. 6193
وكَّل الرَّجلُ رَجُلًا بطَلاقِ امرَأتِه والوَكيلُ غائِبٌ لا يَعلَمُ، فطَلَّق الوَكيلُ قبلَ العِلمِ، لا يَقَعُ طَلاقُهُ؛ لأنَّه لا يَصيرُ وَكيلًا قبلَ العِلمِ. وفي «المُنتَقَى»: عن أبي يُوسفَ ﵀: أنَّه يَصيرُ وَكيلًا قبلَ العِلمِ، قالَ أبو يُوسفَ ﵀: ولا أحفَظُه عن أبي حَنيفةَ ﵀، وإذا قالَ لِغيرِهِ: طَلِّقِ امرَأتي ثَلاثًا، فقالَ: فَعَلتُ، صَحَّ، وإذا قالَ لِرَجُلَيْنِ: طَلِّقَا امرَأتي ثَلاثًا، وطَلَّقها أحَدُهما واحِدةً والآخَرُ اثنَتَيْنِ، طُلِّقَتْ ثَلاثًا.
وإذا قالَ لِغيرِهِ: طَلِّقِ امرَأتي إنْ شاءَتْ، لا يُعتبَرُ وَكيلًا ما لَم تَشَأْ، ولها المَشيئةُ في مَجلِسِ عِلمِها، وإذا شاءَتْ في مَجلِسِ عِلمِها حتى صارَ وَكيلًا لو طَلَّقها الوَكيلُ في ذلك المَجلِسِ يَقَعُ، ولو قامَ عن مَجلِسِه بطَل التَّوكيلُ، ولا يَقَعُ طَلاقُه بعدَ ذلك، قالَ شَمسُ الأئِمَّةِ الحَلَواني ﵀: ويَنبَغي أنْ يُحفَظَ هذا، وأنَّ البَلوَى فيه تَعُمُّ، وأنَّ عامَّةَ كُتُبِ الطَّلاقِ التي يَكتُبُها الزَّوجُ مِنْ القَريةِ يَكونُ فيها: أيُّها الذي كَتَبتُ إليه هذا الكِتابَ سَلِ امرَأتي هَلْ تَشاءُ الطَّلاقَ، فإنْ شاءَتْ فطَلِّقْها، ثم إنَّ الوُكَلاءَ كَثيرًا ما يُؤَخِّرونَ الإيقاعَ عن مَجلِسِ مَشيئَتِها، فلا يَدُرونَ أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ.
وإذا قالَ لِغيرِهِ: أنتَ وَكيلي في طَلاقِها على أنِّي بالخِيارِ، أو على أنَّها بالخِيارِ، أو على أنَّ فُلانًا بالخِيارِ، فالوَكالةُ جائِزةٌ، والخِيارُ باطِلٌ.
قالَ لِغيرِهِ: طَلِّقْ إحدَى نِسائي، فطَلَّق واحِدةً مِنهُنَّ بعَينِها، صَحَّ، وليسَ لِلزَّوجِ أنْ يَصرِفَ الطَّلاقَ إلى غيرِها، وكَذلك إذا طَلَّق واحِدةً مِنهُنَّ لا بعَينِها صَحَّ، ويَكونُ الخِيارُ لِلزَّوجِ، وهذا؛ لأنَّ «إحدَى» كما تُطلَقُ على
стр. 6194
واحِدةٍ نَكِرةٍ تُطلَقُ على واحِدةٍ بعَينِها، ألَا تَرَى أنَّه يَستَقيمُ أنْ يُقالَ: هذه مِنْ إحدَى نِسائي، وقَد حصَل التَّوكيلُ مُطلَقًا مِنْ غيرِ تَقييدِ الإحدَى بالعَينيَّةِ، ولا بالجَهالةِ، فيَجوزُ على إطلاقِه، ويَصيرُ تَقديرُ المَسألةِ كَأنَّه قالَ: طَلِّقْ واحِدةً مِنْ نِسائي إنْ شِئتَ بعَينِها، وإنْ شِئتَ لا بعَينِها، ولو نَصَّ على هذا كانَ الجَوابُ كما قُلْنا: فههُنا كذلك (١).
وَسُئِلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عن رَجُلٍ جَرى بينَه وبينَ زَوجَتِه كَلامٌ، وكانَ على عَزمِ السَّفَرِ، فقالَ لِوَكيلِه: إنْ كانَتْ تَرضَى بهذه النَّفَقةِ العادةِ فسلِّمْ إليها النَّفَقةَ، وإنْ لَم تَرضَ بالنَّفَقةِ فسلِّمْ إليها كِتابَها، والوَكيلُ بعدَما سافَرَ المُوكِّلُ سلَّمَ إليها كِتابَها وطَلَّق عليها طَلقةً رَجعيَّةً، وسَيَّرَ عِلْمَ المُوكِّلِ أنَّه قَدْ طَلَّقها طَلقةً رَجعيَّةً، فلمَّا علِم المُوكِّلُ ما هانَ عليه، فأشهَدَ على نَفْسِه أنَّه راجَعَها، وسَيَّرَ طَلبَها، فلمَّا سمِع الوَكيلُ أنَّه راجَعَ زَوجَتَه ذكَر أنَّه طَلَّق عليه ثَلاثًا، فهَل يَجوزُ لِلرَّجلِ المُراجَعةُ لِزَوجَتِه بعدَ قَولِ الوَكيلِ ذلك؟
فَأجابَ: الحَمدُ لِلَّهِ، قَوله: يُسلِّمُ إليها كِتابَها، كِنايةٌ عن الطَّلاقِ؛ فإذا قالَ المُوكِّلُ بأنَّه أرادَ به الطَّلاقَ، أو عُلِمَ ذلك بدِلالةِ الحالِ، ملَك أنْ يُطلِّقَ واحِدةً، ولَم يَملِكِ الوَكيلُ أنْ يُطَلِّقَ ثَلاثًا إلَّا بإذْنِ المُوكِّلِ، وإذا قالَ لِلوَكيلِ: لَم أُرِدْ بذلك أنَّه يُطَلِّقُها ثَلاثًا قُبِلَ قَولُه، ولَم يُمكِنِ الوَكيلَ أنْ يُطَلِّقَها ثَلاثًا،
стр. 6195
وإذا طَلَّقها الوَكيلُ واحِدةً ثم راجَعَها الزَّوجُ صَحَّتِ الرَّجعَةُ (١).
التَّوكيلُ في الخُلعِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَجوزُ التَّوكيلُ في الخُلعِ؛ لقولِ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]. فلِلحَكَمَيْنِ أنْ يُخالِعا، فدَلَّ ذلك على جَوازِ التَّوكيلِ في الخُلعِ، ولأنَّ عَقدَ الخُلعِ جامِعٌ بينَ الطَّلاقِ والبَيعِ، ولأنَّ التَّوكيلَ جائِزٌ في كلِّ واحِدٍ مِنهُما، جازَ فيما جَمَعهُما، ولأنَّ عَقدَ النِّكاحِ أغلَظُ مِنْ رَفعِه بالخُلعِ، ولأنَّ التَّوكيلَ في النِّكاحِ جائِزٌ، فأوْلَى أنْ يَجوزَ في الخُلعِ، وإذا كانَ ذلك جائِزًا جازَ أنْ تُوكِّلَ الزَّوجةُ دونَ الزَّوجِ، وأنْ يُوكِّلَ الزَّوجُ دونَ الزَّوجةِ؛ لأنَّ الزَّوجةَ في الخُلعِ بمَنزِلةِ المُشتَرِي في البَيعِ، ولأنَّ الزَّوجَ بمَنزِلةِ البائِعِ، ويَجوزُ في البَيعِ أنْ يُوكِّلَ المُشتَرِي دونَ البائِعِ، ويُوكِّلَ البائِعُ دونَ المُشتَرِي (٢).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَصحُّ التَّوكيلُ في الخُلعِ مِنْ كلِّ واحِدٍ مِنْ الزَّوجَيْنِ، ومِن أحَدِهِما مُنفَرِدًا، وكُلُّ مَنْ صَحَّ أنْ يَتصرَّفَ بالخُلعِ لِنَفْسِه جازَ تَوكيلُه ووَكالَتُه حُرًّا كانَ أو عَبدًا، ذَكَرًا أو أُنثَى، مُسلِمًا أو كافِرًا، مَحجورًا عليه أو رَشيدًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهم يَجوزُ أنْ يُوجِبَ الخُلعَ، فصَحَّ أنْ يَكونَ مُوَكَّلًا فيه، كالحُرِّ الرَّشيدِ، وهذا مَذهبُ الشَّافِعيِّ وأصحابِ الرَّأْيِ، ولا أعلَمَ فيه خِلافًا.
стр. 6196
وَيَكونُ تَوكيلُ المَرأةِ في ثَلاثةِ أشياءَ: استِدعاءِ الخُلعِ، أو الطَّلاقِ، وتَقديرِ العِوَضِ وتَسليمِه.
وَتَوكيلُ الرَّجلِ في ثَلاثةِ أشياءَ: شَرطِ العِوَضِ، وقَبضِه، وإيقاعِ الطَّلاقِ، أو الخُلعِ، ويَجوزُ التَّوكيلُ مَع تَقديرِ العِوَضِ، ومِن غيرِ تَقديرٍ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فصَحَّ كَذلك، كالبَيعِ والنِّكاحِ، والمُستحَبُّ التَّقديرُ؛ لأنَّه أسلَمُ مِنْ الغَرَرِ، وأسهَلُ على الوَكيلِ؛ لِاستِغنائِه عن الِاجتِهادِ؛ فَإنْ وكَّل الزَّوجُ لَم يَخلُ مِنْ حالَتَيْنِ، إحداهما أنْ يُقدِّرَ له العِوَضَ، فخالَعَ به، أو بما زادَ، صَحَّ، ولَزِمَ المُسمَّى؛ لأنَّه فعَلَ ما أُمِرَ به، وإنْ خالَعَ بأقَلَّ مِنه ففيه وَجهانِ، أحَدُهما: لا يَصحُّ الخُلعُ، وهذا اختِيارُ ابنِ حامِدٍ، ومَذهبُ الشَّافِعيِّ؛ لأنَّه خالَفَ مُوكِّلَه، فلَمْ يَصحَّ تَصرُّفُه، كما لو وكَّله في خُلعِ امرَأةٍ، فخالَعَ أُخرَى، ولأنَّه لَم يَأذَنْ له في الخُلعِ بهذا العِوَضِ، فلَمْ يَصحَّ مِنه، كالأجنَبيِّ.
والآخَرُ: يَصحُّ ويَرجِعُ على الوَكيلِ بالنَّقصِ، وهذا قَولُ أبي بَكرٍ؛ لأنَّ المُخالَفةَ في قَدْرِ العِوَضِ لا تُبطِلُ الخُلعَ، كَحالةِ الإطلاقِ، والأوَّلُ أوْلَى (١).
стр. 6197
التَّوكيلُ في المَسائِلِ المُختَلَفِ فيها:
التَّوكيلُ في الخُصومةِ (الحُقوقِ):
اتَّفقَ الفُقهاءُ في الجُملةِ على صِحَّةِ التَّوكيلِ في الخُصومةِ في كلِّ حَقٍّ مِنْ الحُقوقِ، إذا كانَ المُوكِّلُ حاضِرًا وخَصمُه راضيًا؛ لأنَّ المُوكِّلَ يَملِكُ مُباشَرَةَ ذلك بنَفْسِه، فيَملِكُ تَفويضَه إلى غيرِه.
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا في حُكمِ التَّوكيلِ في الخُصومةِ، أي: في مُطالَبةِ الحُقوقِ وإثباتِها، والمُحاكَمةِ فيها، مَع غَيبةِ المُوكِّلِ وغيرِ رِضا الخَصمِ، هَلْ تَجوزُ أو لا؟
فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ بالخُصومةِ في الحُقوقِ، بشَرطِ رِضا الخَصمِ، إلَّا أنْ يَكونَ المُوكِّلُ مَريضًا مَرَضًا يَمنَعُه مِنْ الحُضورِ، أو غائِبًا مُدَّةَ السَّفَرِ، أو مُريدًا لِلسَّفَرِ، أو مُخَدِّرةً، سَواءٌ كانَ وَكيلُ المُدَّعِي أو المُدَّعَى عليه، فحينَئذٍ يَجوزُ بغيرِ رِضا الخَصمِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ حَوالةٌ، وهي لا تَجوزُ إلَّا برِضا المُحالِ عليه، فكذا التَّوكيلُ؛ وهذا لأنَّ الخُصومةَ تَختلِفُ، والجَوابَ مُستحَقٌّ عليه، فصارَ نَظيرَ الحَوالةِ، ألَا تَرَى أنَّه لا يُوكِّلُ إلَّا مَنْ هو ألَدُّ وأشَدُّ إنكارًا، ويَلحَقُه بذلك ضَرَرٌ عَظيمٌ، فلا يَلزَمُه بدُونِ التِزامِه، كالحَوالةِ، بخِلافِ ما إذا كانَ به عُذرٌ مِنْ الأعذارِ التي ذَكَرْناها؛ لأنَّ الجَوابَ غيرُ مُستحَقٍّ عليه في هذه الحالةِ، فلا يَكونُ فيه إسقاطُ حَقٍّ مُستحَقٍّ عليه، ولا يُقبَلُ قَولُه: إنِّي أُريدُ أنْ أُسافِرَ، لكنَّ القاضيَ يَنْظُرُ في حالِه وفي عُدَّتِه؛ فإنَّه لا تَخفَى هَيئةُ مَنْ يُسافِرُ.
стр. 6198
قالَ الزَّيلَعيُّ ﵀: والمُتَأخِّرونَ مِنْ أصحابِنا اختاروا لِلفَتوَى أنَّ القاضيَ إذا علِم مِنْ الخَصمِ التَّعَنُّتَ في الإباءِ مِنْ قَبولِ التَّوكيلِ، لا يُمَكِّنُه مِنْ ذلك، ويَقبَلُ التَّوكيلَ مِنْ المُوكِّلِ مِنْ غيرِ رِضاه، وإنْ علِم مِنْ المُوكِّلِ قَصدَ الإضرارِ بخَصمِه لا يُقبَلُ مِنه التَّوكيلَ إلَّا برِضاه، وهو اختيارُ شَمسِ الأئِمَّةِ السَّرخَسيِّ ﵀، ومِن الأعذارِ الحَيضُ مِنْ المُدَّعَى عليها، إذا كانَ الحُكمُ في المَسجِدِ، والحَبسُ، إذا كانَ مِنْ غيرِ القاضي الذي تَرافَعا إليه (١).
ولأنَّ حُضورَ الخَصمِ حَقٌّ مِنْ حُقوقِ المُدَّعِي بدَلالةِ ما يَستحقُّه مِنْ مُلازَمةٍ لِلخُصومةِ، ومَنعِه مِنْ اشتِغالِه، وفي امتِناعِه عن الحُضورِ بالتَّوكيلِ إسقاطٌ لِحَقِّ المُدَّعِي مِنْ الحُضورِ، ولأنَّ جَوابَ الدَّعوَى مُستحَقٌّ على المُدَّعَى عليه، وقَد يَكونُ الجَوابُ تارَةً إقرارًا، وتارَةً إنكارًا، والوَكيلُ يَقومُ مَقامَه في الإنكارِ دونَ الإقرارِ. فلَمْ يَجُزْ أنْ يَبطُلَ بالتَّوكيلِ حَقُّه في أحَدِ الجَوَابَيْنِ، وما قَدْ يَستحقُّه مِنْ اليَمينِ التي لا يَنوبُ الوَكيل عنه فيها، ولأنَّ الوَكيلَ فَرعٌ لِمُوكِّلِه، كالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، هي فَرعٌ على شُهودِ الأصلِ، فَلمَّا لَم يَجُزْ لِلحاكِمِ أنْ يَسمَع شُهودَ الفَرعِ إلَّا بعدَ العَجزِ عن شُهودِ الأصلِ، وجَب ألَّا يَقتَنِعَ بالوَكيلِ إلَّا بعدَ العَجزِ عن المُوكِّلِ، ولأنَّ الوَكيلَ نائِبٌ عن مُوكِّلِه، كالوَصِيِّ والوَليِّ على اليَتيمِ، فلمَّا ثَبَتَتِ الوِلايةُ لِعَجزِ المَولَى عليه، وجَب أنْ تَصِحَّ الوَكالةُ لِعَجزِ المُوكِّلِ (٢).
стр. 6199
وأمَّا المَرأةُ إنْ كانَتْ مُخَدِّرةً جازَ لها أنْ تُوكِّلَ بغيرِ رِضا الخَصمِ؛ لأنَّها لَم تَألَفْ خِطابَ الرِّجالِ؛ فإذا حضَرتْ مَجلِسَ الحُكمِ انقَبَضَتْ فلَمْ تَنطِقْ بحُجَّتِها؛ لِحَيائِها، ورُبَّما يَكونُ ذلك سَبَبًا لِفَواتِ حَقِّها، وهذا شَيءٌ استَحسَنَه المُتَأخِّرونَ، جَعَلوها كالمَريضِ.
وأمَّا إذا كانَتْ عادَتُها أنْ تَحضُرَ مَجالِسَ الرِّجالِ فهي كالرَّجلِ لا يَجوزُ لها التَّوكيلُ إلَّا برِضا الخَصمِ.
فالإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ لا يَرَى صِحَّةَ التَّوكيلِ في الخُصومةِ مِنْ غيرِ رِضا الخَصمِ إلَّا في ثَلاثِ مَسائِلَ:
إحداها: أنْ يَكونَ المُوكِّلُ غائِبًا مُدَّةَ السَّفَرِ مَسِيرَةَ ثَلاثةِ أيَّامٍ، أو مُريدًا لِلسَّفَرِ.
الثَّانيةُ: أنْ يَكونَ مَريضًا مَرَضًا يَمنَعُه مِنْ الحُضورِ.
الثَّالثةُ: أنْ تَكونَ امرَأةً مُخَدِّرةً.
ولا يَلزَمُ الخَصمَ إجابةُ الوَكيلِ إلَّا في هذه المَواضِعِ الثَّلاثةِ.
وهذا في الخُصومةِ، أمَّا التَّوكيلُ بقَبضِ الدَّيْنِ والتَّقاضي والقَضاءِ بغيرِ رِضا الخَصمِ فجائِزٌ إجماعًا (١).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وأبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ مِنْ الحَنفيَّةِ -في الجُملةِ عندَهم على شُروطٍ تَأتي مُفَصَّلةً- إلى أنَّه يَجوزُ التَّوكيلُ في الخُصومةِ، سَواءٌ كانَ المُوكِّلُ حاضِرًا أو غائِبًا، صَحيحًا أو
стр. 6200
مَريضًا، مَعذورًا أو غيرَ مَعذورٍ، سَواءٌ كانَ مالًا أو عُقوبةً لِآدَمِيٍّ، وسَواءٌ رَضيَ الخَصمُ أو لَم يَرضَ؛ لأنَّه حَقٌّ تَجوزُ النِّيابةُ فيه، فكانَ لِصاحِبِه الِاستِنابةُ بغيرِ رِضا خَصمِه، كَحالِ غَيبَتِه ومَرَضِه، وكَدَفعِ المالِ الذي عليه؛ لأنَّ كلَّ وَكالةٍ صَحَّتْ برِضا المُوكَّلِ عليه صَحَّتْ مَع عَدمِ رِضاه، كَوَكالةِ الغائِبِ والمَرأةِ، و «لأنَّ عليًّا ﵁ وكَّل عَقيلًا عندَ عُمرَ ﵁ لِيُخاصِمَ عنه، وقالَ: هذا عَقيلٌ أخي، ما قُضِيَ له فلي، وما قُضِيَ عليه فعَلَيَّ»، ووُكِّلَ عَبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ عندَ عُثمانَ، وقالَ: «إنَّ لِلخُصومةِ قُحَمًا، وإنَّ الشَّيطانَ لَيَحضُرُها، وإنِّي لَأكرَه أنْ أحضُرَها» (١)، قالَ أبو زِيادٍ: القُحَمُ: المَهالِكُ، وهذه قِصَصٌ انتَشَرَتْ لأنَّها في مَظِنَّةِ الشُّهرةِ، فلَم يُنقَلْ إنكارُها، فكانَ ذلك مِنهم إجماعًا على وَكالةِ الحاضِرِ.
وَلمَا رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ «أنَّه سمِع دَعْوَى حُوَيِّصةَ ومُحَيِّصةَ على يَهودِ خَيبَرَ أنَّهم قَتَلوا عَبدَ اللَّهِ بنَ سَهلٍ نِيابةً عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَهلٍ ووَليُّه كانَ حاضِرًا»، فما أنكَرَ دَعواهم له، مَع حُضورِه، فلَو كانَتْ وَكالَةُ الحاضِرِ غيرَ جائِزةٍ لَأنكَرَها حتى يَبتَدِئَ الوَليُّ بها، ألَا تَراه أنكَرَ على مُحَيِّصةَ حينَ ابتَدَأَ بالكَلامِ قبلَ حُوَيِّصةَ، وقالَ له: «كَبِّرْ كَبِّرْ»، وليسَ تَقديمُ الأكبَرِ بواجِبٍ، وإنَّما هو أدَبٌ، فكَيفَ يَكُفُّ عن إنكارِ ما هو واجِبٌ؟
ولأنَّ كلَّ مَنْ صَحَّ تَوكيلُه إذا كانَ غائِبًا أو مَريضًا صَحَّ تَوكيلُه، وإنْ كانَ