وَيَكونُ تَوكيلُ المَرأةِ في ثَلاثةِ أشياءَ: استِدعاءِ الخُلعِ، أو الطَّلاقِ، وتَقديرِ العِوَضِ وتَسليمِه.
وَتَوكيلُ الرَّجلِ في ثَلاثةِ أشياءَ: شَرطِ العِوَضِ، وقَبضِه، وإيقاعِ الطَّلاقِ، أو الخُلعِ، ويَجوزُ التَّوكيلُ مَع تَقديرِ العِوَضِ، ومِن غيرِ تَقديرٍ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فصَحَّ كَذلك، كالبَيعِ والنِّكاحِ، والمُستحَبُّ التَّقديرُ؛ لأنَّه أسلَمُ مِنْ الغَرَرِ، وأسهَلُ على الوَكيلِ؛ لِاستِغنائِه عن الِاجتِهادِ؛ فَإنْ وكَّل الزَّوجُ لَم يَخلُ مِنْ حالَتَيْنِ، إحداهما أنْ يُقدِّرَ له العِوَضَ، فخالَعَ به، أو بما زادَ، صَحَّ، ولَزِمَ المُسمَّى؛ لأنَّه فعَلَ ما أُمِرَ به، وإنْ خالَعَ بأقَلَّ مِنه ففيه وَجهانِ، أحَدُهما: لا يَصحُّ الخُلعُ، وهذا اختِيارُ ابنِ حامِدٍ، ومَذهبُ الشَّافِعيِّ؛ لأنَّه خالَفَ مُوكِّلَه، فلَمْ يَصحَّ تَصرُّفُه، كما لو وكَّله في خُلعِ امرَأةٍ، فخالَعَ أُخرَى، ولأنَّه لَم يَأذَنْ له في الخُلعِ بهذا العِوَضِ، فلَمْ يَصحَّ مِنه، كالأجنَبيِّ.
والآخَرُ: يَصحُّ ويَرجِعُ على الوَكيلِ بالنَّقصِ، وهذا قَولُ أبي بَكرٍ؛ لأنَّ المُخالَفةَ في قَدْرِ العِوَضِ لا تُبطِلُ الخُلعَ، كَحالةِ الإطلاقِ، والأوَّلُ أوْلَى (١).
стр. 6197
التَّوكيلُ في المَسائِلِ المُختَلَفِ فيها:
التَّوكيلُ في الخُصومةِ (الحُقوقِ):
اتَّفقَ الفُقهاءُ في الجُملةِ على صِحَّةِ التَّوكيلِ في الخُصومةِ في كلِّ حَقٍّ مِنْ الحُقوقِ، إذا كانَ المُوكِّلُ حاضِرًا وخَصمُه راضيًا؛ لأنَّ المُوكِّلَ يَملِكُ مُباشَرَةَ ذلك بنَفْسِه، فيَملِكُ تَفويضَه إلى غيرِه.
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا في حُكمِ التَّوكيلِ في الخُصومةِ، أي: في مُطالَبةِ الحُقوقِ وإثباتِها، والمُحاكَمةِ فيها، مَع غَيبةِ المُوكِّلِ وغيرِ رِضا الخَصمِ، هَلْ تَجوزُ أو لا؟
فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ بالخُصومةِ في الحُقوقِ، بشَرطِ رِضا الخَصمِ، إلَّا أنْ يَكونَ المُوكِّلُ مَريضًا مَرَضًا يَمنَعُه مِنْ الحُضورِ، أو غائِبًا مُدَّةَ السَّفَرِ، أو مُريدًا لِلسَّفَرِ، أو مُخَدِّرةً، سَواءٌ كانَ وَكيلُ المُدَّعِي أو المُدَّعَى عليه، فحينَئذٍ يَجوزُ بغيرِ رِضا الخَصمِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ حَوالةٌ، وهي لا تَجوزُ إلَّا برِضا المُحالِ عليه، فكذا التَّوكيلُ؛ وهذا لأنَّ الخُصومةَ تَختلِفُ، والجَوابَ مُستحَقٌّ عليه، فصارَ نَظيرَ الحَوالةِ، ألَا تَرَى أنَّه لا يُوكِّلُ إلَّا مَنْ هو ألَدُّ وأشَدُّ إنكارًا، ويَلحَقُه بذلك ضَرَرٌ عَظيمٌ، فلا يَلزَمُه بدُونِ التِزامِه، كالحَوالةِ، بخِلافِ ما إذا كانَ به عُذرٌ مِنْ الأعذارِ التي ذَكَرْناها؛ لأنَّ الجَوابَ غيرُ مُستحَقٍّ عليه في هذه الحالةِ، فلا يَكونُ فيه إسقاطُ حَقٍّ مُستحَقٍّ عليه، ولا يُقبَلُ قَولُه: إنِّي أُريدُ أنْ أُسافِرَ، لكنَّ القاضيَ يَنْظُرُ في حالِه وفي عُدَّتِه؛ فإنَّه لا تَخفَى هَيئةُ مَنْ يُسافِرُ.
стр. 6198
قالَ الزَّيلَعيُّ ﵀: والمُتَأخِّرونَ مِنْ أصحابِنا اختاروا لِلفَتوَى أنَّ القاضيَ إذا علِم مِنْ الخَصمِ التَّعَنُّتَ في الإباءِ مِنْ قَبولِ التَّوكيلِ، لا يُمَكِّنُه مِنْ ذلك، ويَقبَلُ التَّوكيلَ مِنْ المُوكِّلِ مِنْ غيرِ رِضاه، وإنْ علِم مِنْ المُوكِّلِ قَصدَ الإضرارِ بخَصمِه لا يُقبَلُ مِنه التَّوكيلَ إلَّا برِضاه، وهو اختيارُ شَمسِ الأئِمَّةِ السَّرخَسيِّ ﵀، ومِن الأعذارِ الحَيضُ مِنْ المُدَّعَى عليها، إذا كانَ الحُكمُ في المَسجِدِ، والحَبسُ، إذا كانَ مِنْ غيرِ القاضي الذي تَرافَعا إليه (١).
ولأنَّ حُضورَ الخَصمِ حَقٌّ مِنْ حُقوقِ المُدَّعِي بدَلالةِ ما يَستحقُّه مِنْ مُلازَمةٍ لِلخُصومةِ، ومَنعِه مِنْ اشتِغالِه، وفي امتِناعِه عن الحُضورِ بالتَّوكيلِ إسقاطٌ لِحَقِّ المُدَّعِي مِنْ الحُضورِ، ولأنَّ جَوابَ الدَّعوَى مُستحَقٌّ على المُدَّعَى عليه، وقَد يَكونُ الجَوابُ تارَةً إقرارًا، وتارَةً إنكارًا، والوَكيلُ يَقومُ مَقامَه في الإنكارِ دونَ الإقرارِ. فلَمْ يَجُزْ أنْ يَبطُلَ بالتَّوكيلِ حَقُّه في أحَدِ الجَوَابَيْنِ، وما قَدْ يَستحقُّه مِنْ اليَمينِ التي لا يَنوبُ الوَكيل عنه فيها، ولأنَّ الوَكيلَ فَرعٌ لِمُوكِّلِه، كالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، هي فَرعٌ على شُهودِ الأصلِ، فَلمَّا لَم يَجُزْ لِلحاكِمِ أنْ يَسمَع شُهودَ الفَرعِ إلَّا بعدَ العَجزِ عن شُهودِ الأصلِ، وجَب ألَّا يَقتَنِعَ بالوَكيلِ إلَّا بعدَ العَجزِ عن المُوكِّلِ، ولأنَّ الوَكيلَ نائِبٌ عن مُوكِّلِه، كالوَصِيِّ والوَليِّ على اليَتيمِ، فلمَّا ثَبَتَتِ الوِلايةُ لِعَجزِ المَولَى عليه، وجَب أنْ تَصِحَّ الوَكالةُ لِعَجزِ المُوكِّلِ (٢).
стр. 6199
وأمَّا المَرأةُ إنْ كانَتْ مُخَدِّرةً جازَ لها أنْ تُوكِّلَ بغيرِ رِضا الخَصمِ؛ لأنَّها لَم تَألَفْ خِطابَ الرِّجالِ؛ فإذا حضَرتْ مَجلِسَ الحُكمِ انقَبَضَتْ فلَمْ تَنطِقْ بحُجَّتِها؛ لِحَيائِها، ورُبَّما يَكونُ ذلك سَبَبًا لِفَواتِ حَقِّها، وهذا شَيءٌ استَحسَنَه المُتَأخِّرونَ، جَعَلوها كالمَريضِ.
وأمَّا إذا كانَتْ عادَتُها أنْ تَحضُرَ مَجالِسَ الرِّجالِ فهي كالرَّجلِ لا يَجوزُ لها التَّوكيلُ إلَّا برِضا الخَصمِ.
فالإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ لا يَرَى صِحَّةَ التَّوكيلِ في الخُصومةِ مِنْ غيرِ رِضا الخَصمِ إلَّا في ثَلاثِ مَسائِلَ:
إحداها: أنْ يَكونَ المُوكِّلُ غائِبًا مُدَّةَ السَّفَرِ مَسِيرَةَ ثَلاثةِ أيَّامٍ، أو مُريدًا لِلسَّفَرِ.
الثَّانيةُ: أنْ يَكونَ مَريضًا مَرَضًا يَمنَعُه مِنْ الحُضورِ.
الثَّالثةُ: أنْ تَكونَ امرَأةً مُخَدِّرةً.
ولا يَلزَمُ الخَصمَ إجابةُ الوَكيلِ إلَّا في هذه المَواضِعِ الثَّلاثةِ.
وهذا في الخُصومةِ، أمَّا التَّوكيلُ بقَبضِ الدَّيْنِ والتَّقاضي والقَضاءِ بغيرِ رِضا الخَصمِ فجائِزٌ إجماعًا (١).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وأبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ مِنْ الحَنفيَّةِ -في الجُملةِ عندَهم على شُروطٍ تَأتي مُفَصَّلةً- إلى أنَّه يَجوزُ التَّوكيلُ في الخُصومةِ، سَواءٌ كانَ المُوكِّلُ حاضِرًا أو غائِبًا، صَحيحًا أو
стр. 6200
مَريضًا، مَعذورًا أو غيرَ مَعذورٍ، سَواءٌ كانَ مالًا أو عُقوبةً لِآدَمِيٍّ، وسَواءٌ رَضيَ الخَصمُ أو لَم يَرضَ؛ لأنَّه حَقٌّ تَجوزُ النِّيابةُ فيه، فكانَ لِصاحِبِه الِاستِنابةُ بغيرِ رِضا خَصمِه، كَحالِ غَيبَتِه ومَرَضِه، وكَدَفعِ المالِ الذي عليه؛ لأنَّ كلَّ وَكالةٍ صَحَّتْ برِضا المُوكَّلِ عليه صَحَّتْ مَع عَدمِ رِضاه، كَوَكالةِ الغائِبِ والمَرأةِ، و «لأنَّ عليًّا ﵁ وكَّل عَقيلًا عندَ عُمرَ ﵁ لِيُخاصِمَ عنه، وقالَ: هذا عَقيلٌ أخي، ما قُضِيَ له فلي، وما قُضِيَ عليه فعَلَيَّ»، ووُكِّلَ عَبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ عندَ عُثمانَ، وقالَ: «إنَّ لِلخُصومةِ قُحَمًا، وإنَّ الشَّيطانَ لَيَحضُرُها، وإنِّي لَأكرَه أنْ أحضُرَها» (١)، قالَ أبو زِيادٍ: القُحَمُ: المَهالِكُ، وهذه قِصَصٌ انتَشَرَتْ لأنَّها في مَظِنَّةِ الشُّهرةِ، فلَم يُنقَلْ إنكارُها، فكانَ ذلك مِنهم إجماعًا على وَكالةِ الحاضِرِ.
وَلمَا رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ «أنَّه سمِع دَعْوَى حُوَيِّصةَ ومُحَيِّصةَ على يَهودِ خَيبَرَ أنَّهم قَتَلوا عَبدَ اللَّهِ بنَ سَهلٍ نِيابةً عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَهلٍ ووَليُّه كانَ حاضِرًا»، فما أنكَرَ دَعواهم له، مَع حُضورِه، فلَو كانَتْ وَكالَةُ الحاضِرِ غيرَ جائِزةٍ لَأنكَرَها حتى يَبتَدِئَ الوَليُّ بها، ألَا تَراه أنكَرَ على مُحَيِّصةَ حينَ ابتَدَأَ بالكَلامِ قبلَ حُوَيِّصةَ، وقالَ له: «كَبِّرْ كَبِّرْ»، وليسَ تَقديمُ الأكبَرِ بواجِبٍ، وإنَّما هو أدَبٌ، فكَيفَ يَكُفُّ عن إنكارِ ما هو واجِبٌ؟
ولأنَّ كلَّ مَنْ صَحَّ تَوكيلُه إذا كانَ غائِبًا أو مَريضًا صَحَّ تَوكيلُه، وإنْ كانَ
стр. 6201
حاضِرًا صَحيحًا، كالتَّوكيلِ في العُقودِ، واستِخراجِ الدُّيونِ، ولأنَّ كلَّ مَنْ صَحَّ تَوكيلُه في العُقودِ مَع الغَيبةِ صَحَّ تَوكيلُه مَع الحُضورِ، كالمَريضِ والمُسافِرِ، ولأنَّه شَرطٌ في صِحَّتِه لا يَختلِفُ بمَرَضِ العاقِدِ وصِحَّتِه وحُضورِه وغَيبَتِه، كَسائِرِ العُقودِ.
ولأنَّه يَملِكُ مُباشَرَتَها بنَفْسِه مِنْ غيرِ رِضا خَصمِه، فكذا يَملِكُ التَّوكيلَ بها مِنْ غيرِ رِضا الخَصمِ، كَسائِرِ حُقوقِه.
ولأنَّ مَقصودَ الوَكالةِ إنَّما هو مَعونةُ مَنْ كانَ ضَعيفًا، أو صيانةُ مَنْ كانَ مَهيبًا، وهذا المعنَى مَوجودٌ في غيرِ المَعذورِ، كَوُجودِه في المَعذورِ؛ لأنَّه قَدْ يَكونُ له حَقٌّ أو يُدَّعَى عليه ولا يُحسِنُ الخُصومةَ، أو لا يُحِبُّ أنْ يَتوَلَّاها بنَفْسِه، ولأنَّ المُوكِّلَ قَدْ يَعجِزُ عن الحِجَاجِ مَع الحاضِرِ، ورُبَّما كانَ ممَّن تَشينُه الخُصوماتُ؛ لِعُلُوِّ مَنصِبِه، وقَد قالَ عَلِيٌّ ﵁: «مَنْ بالَغَ في الخُصومةِ أثِمَ، ومَن قَصَّرَ فيها خُصِمَ» (١).
واستَدَلَّ الجُمهورُ أيضًا بما رَواه البُخاريُّ وعَنْوَنَ عليه: بابُ وَكالةِ
стр. 6202
الشَّاهِدِ والغائِبِ جائِزةٌ، وكَتَبَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو إلى قَهرَمانِه وهو غائِبٌ عنه أنْ يُزَكِّي عن أهلِه الصَّغيرِ والكَبيرِ.
حدَّثنا أبو نُعَيمٍ حدَّثنا سُفيانُ عن سَلَمةَ بن كُهَيلٍ عن أبي سَلَمةَ عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: كانَ لِرَجُلٍ على النَّبيِّ ﷺ سِنٌّ مِنْ الإبِلِ، فجاءَه يَتقاضاه، فقالَ: أعطُوه. فطَلَبوا سِنَه فلَمْ يَجِدوا له إلَّا سَنًّا فَوقَها، فقالَ: أعطُوه. فقالَ: أوفَيْتَني أوْفَى اللَّهُ بِكَ. قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ خيارَكم أحسَنُكُم قَضاءً» (١).
قالَ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: هذا الحَديثُ حُجَّةٌ على أبي حَنيفةَ في قَوله: لا يَجوزُ تَوكيلُ الحاضِرِ بالبَلَدِ، الصَّحيحِ البَدَنِ، إلَّا برِضًا مِنْ خَصْمِه، أو عُذْرِ مَرَضٍ أو سَفَرِ ثَلاثةِ أيَّامٍ، وهذا الحَديثُ خِلافُ قَوله؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ أصحابَه أنْ يَقْضُوا عنه السِّنَّ التي كانَتْ عليه، وذلك تَوكيلٌ مِنه لهم على ذلك. ولَم يَكُنْ ﷺ غائِبًا ولا مَريضًا ولا مُسافِرًا، وعامَّةُ الفُقهاءِ يُجيزونَ تَوكيلَ الحاضِرِ الصَّحيحِ البَدَنِ، وإنْ لَم يَرْضَ خَصْمُه بذلك، على ما دَلَّ عليه هذا الحَديثُ، وهذا قَولُ ابنِ أبي لَيلَى ومالِكٍ وأبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ والشَّافِعيِّ، إلَّا أنَّ مالِكًا قالَ: يَجوزُ ذلك، وإنْ لَم يَرضَ خَصْمُه إذا لَم يَكُنِ الوَكيلُ عَدُوًّا لِلخَصمِ. وقالَ سائِرُهم: يَجوزُ ذلك، وإنْ كانَ الوَكيلُ عَدُوًّا لِلخَصمِ.
وقالَ الطَّحاويُّ ﵀: اتَّفقَ الصَّحابةُ على جَوازِ ذلك، فرُوِيَ أنَّ علِيَّ
стр. 6203
بنَ أبي طالِبٍ وكَّل عَقيلًا عندَ أبي بَكرٍ، فلمَّا أُسِرَ عَقيلٌ وكَّل عَبدَ اللَّهِ بنَ جَعفَرٍ، فخاصَمَ عَبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ طَلحةَ في صَغيرةٍ أحدَثَها علِيٌّ عندَ عُثمانَ، وأقَرَّ عُثمانُ بذلك، فصارَ ذلك إجماعًا، وقالَ النَّبيُّ ﷺ لِعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَهلٍ الأنصاريِّ لمَّا خاصَمَ إليه في دَمِ أخيه عَبدِ اللَّهِ بنِ سَهلٍ، الذي وُجِدَ مَقتولًا بخَيبَرَ بمَحضَرٍ مِنْ عَمَّيْه حُوَيِّصةَ ومُحَيِّصةَ: كَبِّرْ كَبِّرْ -يُريدُ وَل الكَلامَ في ذلك الكَبيرَ-، فتَكَلَّمَ حُوَيِّصةُ ثم مَحَيِّصةُ، وكانَ الوارِثُ عَبدَ اللَّهِ بنَ سَهلٍ دونَهما، فكانا وَكيلَيْنِ، وأمَّا إذا وكَّل وَكيلًا غائِبًا على طَلَبِ حَقِّه؛ فإنَّ ذلك يَفتَقِرُ إلى قَبولِ الوَكيلِ لِلوَكالةِ عندَ الفُقهاءِ، وإذا كانَتِ الوَكالةُ مُفتَقِرةً إلى قَبولِ الوَكيلِ، فحُكمُ الغائِبِ والحاضِرِ فيها سَواءٌ، فإنْ قيلَ: فأينَ القَبولُ في حَديثِ أبي هُرَيرةَ؟ قيلَ: عَملُهم بأمْرِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ تَوفِيةِ صاحِبِ الحَقِّ حَقَّه، قَبولٌ مِنهم لِأمْرِه ﷺ (١).
وقالَ الكاسانيُّ ﵀: لا خِلافَ في أنَّه يَجوزُ التَّوكيلُ بالخُصومةِ في إثباتِ الدَّيْنِ والعَينِ وسائِرِ الحُقوقِ برِضا الخَصمِ، حتى يَلزَمَ الخَصمَ جَوابُ التَّوكيلِ.
والأصلُ فيه ما رُوِيَ عن عَبدِ اللَّهِ بنِ جَعفَرٍ ﵁ «أنَّ سَيِّدَنا عَلِيًّا ﵁ كانَ لا يَحضُرُ الخُصومةَ، وكانَ يَقولُ: إنَّ لها لُحَمًا يَحضُرُها الشَّياطينُ، فجعَل الخُصومةَ إلى عَقيلٍ ﵁، فلمَّا كَبِرَ ورَقَّ حَولها إلَيَّ، وكانَ عَلِيٌّ يَقولُ: ما قُضِي لِوَكيلي فلي، وما قُضِيَ على وَكيلي فعَلَيَّ».
стр. 6204
وَمَعلومٌ أنَّ سَيِّدَنا عِلِيًّا ﵁ لَم يَكُنْ ممَّن يَرفُضُ أحَدٌ تَوكيلَه، فكانَ تَوكيلُه برِضَا الخَصمِ، فدَلَّ على الجَوازِ برِضَا الخَصمِ، واختُلِفَ في جَوازِه بغيرِ رِضَا الخَصمِ.
قالَ أبو حَنيفةَ: لا يَجوزُ مِنْ غيرِ عُذرِ المَرَضِ والسَّفَرِ، وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: يَجوزُ في الأحوالِ كلِّها، وهو قَولُ الشَّافِعيِّ ﵀.
وذكَر الجَصَّاصُ أنَّه لا فَصلَ في ظاهِرِ الرِّوايةِ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ والبِكرِ والثَّيِّبِ، لكنَّ المُتَأخِّرينَ مِنْ أصحابِنا استَحسَنوا في المَرأةِ إذا كانَتْ مُخَدِّرةً غيرَ بَريزةٍ أنها يَجُوزُ تَوكيلُها، وهذا استِحسانٌ في مَوضِعِه.
وقالَ ابنُ أبي لَيلَى: لا يَجوزُ إلَّا تَوكيلُ البِكرِ، وهذا غيرُ سَديدٍ؛ لِمَا ذُكِرَ.
وَجهُ قَولهم: إنَّ التَّوكيلَ بالخُصومةِ صادَفَ حَقَّ المُوكِّلِ، فلا يَقِفُ على رِضا الخَصمِ، كالتَّوكيلِ باستِيفاءِ الدَّيْنِ، ودِلالةُ ذلك أنَّ الدَّعوَى حَقُّ المُدَّعِي، والإنكارَ حَقُّ المُدَّعَى عليه، فقَد صادَفَ التَّوكيلُ مِنْ المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه حَقَّ نَفْسِه، فلا يَقِفُ على رِضا خَصمِه، كما لو كانَ خاصَمَه بنَفْسِه.
وَلأبي حَنيفةَ ﵀ أنَّ الحَقَّ هو الدَّعوَى الصَّادِقةُ والإنكارُ الصَّادِقُ، ودَعوَى المُدَّعِي خَبَرٌ يَحتَمِلُ الصِّدقَ والكَذِبَ والسَّهوَ والغَلَطَ، وكذا إنكارُ المُدَّعَى عليه، فلا يَزدادُ الِاحتِمالُ في خَبَرِه بمُعارَضةِ خَبَرِ المُدَّعِي، فلَم يَكُنْ كلُّ ذلك حَقًّا، فكانَ الأصلُ ألَّا يَلزَمَ به جَوابٌ، إلَّا أنَّ الشَّرعَ ألزَمَ الجَوابَ
стр. 6205
لِضَرورةِ فَصلِ الخُصوماتِ وقَطعِ المُنازَعاتِ المُؤَدِّيةِ إلى الفَسادِ وإحياءِ الحُقوقِ المَيْتةِ، وحَقُّ الضَّرورةِ يَصيرُ مَقضيًّا بجَوابِ المُوكِّلِ، فلا تَلزَمُ الخُصومةُ عن جَوابِ الوَكيلِ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ، مَع ما أنَّ النَّاسَ -في الخُصوماتِ على التَّفاوُتِ- بعضُهم أشَدُّ خُصومةً مِنْ بَعضٍ، فرُبَّما يَكونُ الوَكيلُ ألْحَنَ بحُجَّتِه، فيَعجِزُ مَنْ يُخاصِمُه عن إحياءِ حَقِّه، فيَتَضَرَّرُ به، فيَشرُطُ رِضا الخَصمِ، لِيَكونَ لُزومُ الضَّرَرِ مُضافًا إلى التِزامِه.
وإذا كانَ المُوكِّلُ مَريضًا أو مُسافِرًا فهو عاجِزٌ عن الدَّعوَى، وعَنِ الجَوابِ بنَفْسِه، فلَو لَم يَملِكِ النَّقلَ إلى غيرِه بالتَّوكيلِ لَضاعَتِ الحُقوقُ، وهَلَكَتْ، وهذا لا يَجوزُ.
وكَذلك إذا كانَتِ المَرأةُ مُخَدِّرةً مَستورةً لأنَّها تَستَحْيِي عن الحُضورِ لِمَحافِلِ الرِّجالِ، وعَنِ الجَوابِ بعدَ الخُصومةِ، بِكرًا كانَتْ أو ثَيِّبًا، ويَضيعُ حَقُّها، وأمَّا في مَسألَتِنا فلا ضَرورةَ (١).
شُروطُ التَّوكيلِ في الخُصومةِ عندَ المالِكيَّةِ:
١ - أنْ يَكونَ الوَكيلُ بالخُصومةِ واحِدًا، فلا يَجوزُ تَوكيلُ اثنَيْنِ فأكثَرَ في خُصومةٍ بلا خِلافٍ؛ لِمَا فيهِ مِنْ كَثرةِ النِّزاعِ، إلَّا برِضَا الخَصمِ، فيَجوزُ الأكثَرُ، كما يَجوزُ الواحِدُ مُطلَقًا.
٢ - ألَّا يَكونَ الوَكيلُ عَدُوًّا لِلخَصمِ، بألَّا تَكونَ بينَ الوَكيلِ والخَصمِ عَداوةٌ، جاءَ في المُدوَّنةِ: قُلتُ: أرَأيتَ الوِكالاتِ في الخُصوماتِ كلِّها،
стр. 6206
والمُوكِّلُ حاضِرٌ، أيَجوزُ ولَم يَرْضَ خَصمُه بالوَكالةِ في قَولِ مالِكٍ؟ قالَ: نَعم، الوَكالةُ جائِزةٌ، وإنْ كَرِهَ خَصمُه، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يُوكِّلَ، وإنْ كانَ حاضِرًا، إلَّا أنْ يَكونَ ذلك رَجُلًا قَدْ عُرِفَ أذاه، وإنَّما أرادَ بذلك أذاه، فلا يَكونُ ذلك له، كَذلك قالَ مالِكٌ (١).
٣ - أنْ يَكونَ الوَكيلُ واحِدًا مُعيَّنًا، فلا يَصحُّ تَوكيلُ غيرِ مُعيَّنٍ، فإنْ كانَ الحَقُّ لِاثنَيْنِ فقالَا: مَنْ حضَر مِنا خاصَمَ، فليسَ لهما ذلك؛ لأنَّه كَتَوكيلِ أكثَرَ مِنْ واحِدٍ.
٤ - ألَّا يُباشِرَ المُوكِّلُ نَفْسُه الخُصومةَ أمامَ الحاكِمِ؛ فإذا باشَرَها بنَفْسِه وحضَر ثَلاثَ جَلَساتٍ ولو في يَومٍ واحِدٍ، فليسَ له أنْ يُوكِّلَ مَنْ يُخاصِمُ عنه خَصمَه؛ لأنَّ شَأنَ الجَلَساتِ الثَّلاثِ انعِقادُ المَقالاتِ بينَهما، وظُهورُ الحَقِّ، فالتَّوكيلُ حينَئذٍ يُوجِبُ تَجديدَ المُنازَعةِ وكَثرةَ الشَّرِّ، إلَّا أنْ يَحصُلَ لِلمُوكِّلِ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أو سَفَرٍ ونحوِهِما، فله حينَئذٍ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يُخاصِمُ عنه، وإذا ادَّعى إرادةَ سَفَرٍ حلَف أنَّه ما قصَد السَّفَرَ لِيُوكِّلَه، ومِثلُه دَعوَى أنَّ بباطِنِه مَرَضًا، ومِثلُه دَعوَى أنَّه كانَ نَذَرَ اعتِكافًا ودخَل وَقتُه؛ فإنَّه يَحلِفُ على جَميعِ ذلك، فإنِ امتَنَعَ عن الحَلِفِ لا يَصحُّ له أنْ يُوكِّلَ إلَّا برِضَا خَصمِه. ومِن العُذرِ أنْ يَتشاتَما أو يَضيقَ الخَصْمُ عن احتِمالِ خَصمِه، فيَحلِفَ باللَّهِ على ألَّا يَقِفَ إلى جانِبِه في الخُصومةِ، أمَّا إذا حلَف لِغيرِ سَبٍّ؛ فإنَّه لا يَنْفَعُ حَلِفُه، بَلْ يَتعيَّنُ أنْ يُخاصِمَ بنَفْسِه، ويَحنَثَ في يَمينِه، إلَّا أنْ يَرضَى خَصمُه بتَوكيلِه.
стр. 6207
وليسَ لِوَكيلِ الخُصومةِ عَزْلُ نَفْسِه بعدَ أنْ يَحضُرَ ثَلاثَ جَلَساتٍ إلَّا لِعُذرٍ، بعدَ أنْ يَحلِفَ اليَمينَ أنَّه ما عزَل نَفْسَه إلَّا لِهذا العُذرِ، وكَذلك ليسَ لِلمُوكِّلِ عَزلُ الوَكيلِ، أمَّا قَبلُ حُضورِه ثَلاثَ جَلَساتٍ؛ فإنَّ له عَزلَ نَفْسِه، ولِلمُوكِّلِ عَزلَ مُوكِّلِه قبلَ ذلك، ولِخَصْمِه أنْ يُوكِّلَه إلَّا إذا أصبَحَ عَدُوًّا لِلمُوكِّلِ الأوَل؛ فإنَّه لا يَصحُّ.
وإذا خاصَمَ الوَكيلُ في قَضيةٍ ثم انتَهَتْ وأرادَ الدُّخولَ في قَضيةٍ أُخرَى؛ فإنَّه يَصحُّ، بشَرطِ أنْ تَكونَ الوَكالةُ غيرَ مُعيَّنةٍ ولَم تَطُلْ مُدَّةُ انقِطاعِ الخُصومةِ بينَ القَضيتَيْنِ؛ فإذا طالَتْ إلى سِتَّةِ أشهُرٍ؛ فإنَّه لا يَصحُّ.
أمَّا إذا كانَتْ مُتَّصِلةً ولَم تَنقَطِعْ، فلِلوَكيلِ أنْ يَتكَلَّمَ عن مُوكِّلِه، وإن طالَ كَثيرًا (١).
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ حَرَّموا ومَنَعوا الإنسانَ أنْ يُوكَّل عن آخَرَ إذا كانَ مُوكِّلُه يَدَّعِي الباطِلَ ويَعلَمُ أنَّه ظالِمٌ، واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه الإمامُ أبو داوُدَ في سُنَنِه، في بابِ: مَنْ يُعينُ على خُصومةٍ مِنْ غيرِ أنْ يَعلَمَ أمرَها.
حدَّثنا أحمَدُ بنُ يُونُسَ ثَنَا زُهَيرٌ ثَنَا عُمارةُ بنُ غَزيَّةَ عن يَحيَى بنِ راشِدٍ قالَ: جَلَسْنا لِعَبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ، فخرَج إلَينا، فجَلَسَ فقالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ
стр. 6208
ﷺ يَقولُ: «مَنْ حالَتْ شَفاعَتُه دونَ حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللَّهِ فقَد ضادَّ اللَّهَ، ومَن خاصَمَ في باطِلٍ وهو يَعلَمُه لَم يَزَلْ في سَخَطِ اللَّهِ حتى يَنزِعَ عنه، ومَن قالَ في مُؤمِنٍ ما ليسَ فيه أسكَنَه اللَّهُ رَدْغةَ الخَبالِ حتى يَخرُجَ ممَّا قالَ» (١).
وعن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ عن النَّبيِّ ﷺ بمَعناه قالَ: «وَمَنْ أعانَ على خُصومةٍ بظُلمٍ فقَد باءَ بغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ٥» (٢).
قالَ ابنُ فَرحونٍ ﵀ في «تَبصِرَتِه»: ولا تَجوزُ الوَكالةُ على المُتَّهمِ يَدَّعِي الباطِلَ، ولا تَجوزُ المُجادِلةُ عَنه.
وقالَ ابنُ العَربيِّ ﵀ في «أحكامِ القُرآنِ» في قَوله تَعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]: إنَّ النِّيابةَ عن المُبطِلِ المُتَّهمِ في الخُصومةِ لا تَجوزُ، بدَليلِ قَوله تَعالى لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾ [النساء: ١٠٦]، انتَهَى (٣).
وقالَ الحَطَّابُ ﵀: وفي «المُتَيْطِيَّةِ»: ويَنبَغي لِلوَكيلِ على الخُصومةِ أنْ يَتحفَّظَ بدِينِه، وألَّا يَتوكَّل إلَّا في مَطلَبٍ يَقبَلُ فيه يَقينُه أنَّ مُوكِّلَه فيه على حَقٍّ، فقَد جاءَ في جامِعِ السُّنَنِ عن عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ أنَّه ﷺ قالَ: «مَنْ حالَتْ شَفاعَتُه دونَ حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللَّهِ فقَدَ ضادَّ اللَّهَ في أمْرِه، ومَن تَوكَّل
стр. 6209
في خُصومةٍ لا عِلمَ له بها لَم يَزَلْ في مَعصيةِ اللَّهِ حتى يَنزِعَ»، وعَن عَلِيٍّ ﵁ أنَّه وكَّل عَبدَ اللَّهِ بنَ جَعفَرٍ على الخُصومةِ، وقالَ: إنَّ لِلخُصومةِ قُحَمًا. يَعني اقتِحامَ المَهالِكِ في الِاحتِجاجِ بما لا يَصلُحُ عندَ شِدَّةِ الخِصامِ، انتَهَى (١).
وقالَ البَعليُّ الحَنبَليُّ ﵀: قالَ ابنُ عَقيلٍ في فُنونِه: لا يَصحُّ التَّوكيلُ ممَّن علِم ظُلمَ مُوكِّلِه في الخُصومةِ، وقالَ القاضي: قَولُه تَعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، يَدُلُّ على أنَّه لا يَجوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عن غيرِه في إثباتِ حَقٍّ، أو نَفْيِه، وهو غيرُ عالِمٍ بحَقيقةِ أمْرِه، وكذا في المُغني في الصُّلحِ عن المُنكَرِ، يُشترَطُ أنْ يَعلَمَ صِدقَ المُدَّعِي، فلا يَحِلُّ دَعوَى ما لا يَعلَمُ ثُبوتَه (٢).
وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: ومِن المَعلومِ أنَّ الوَكيلَ يَقومُ مَقامَ المُوكِّلِ؛ لأنَّه نائِبُه وفَرعُه، فلا يَجوزُ له دَعوَى لا تَجوزُ لِأصلِه، فلا يَدَّعِي إلَّا ما يَعلَمُه أو يَظُنُّه حَقًّا، كما سبَق، وكذا قالَ القاضِي في قَوله تَعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، يَدُلُّ على أنَّه لا يَجوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ لِغيرِه في إثباتِ حَقٍّ أو نَفْيِه وهو عالِمٌ بحَقيقةِ أمْرِه، وذكَر ابنُ الجَوزيِّ هذا، ولَم يُخالِفْه، فدَلَّ على مُوافَقَتِه.
وقالَ ابنُ عَقيلٍ ﵀ في «الفُنونِ»: لا تَصحُّ وَكالةُ مَنْ عَلِمِ ظُلمَ مُوكِّلِه
стр. 6210
في الخُصومةِ، فظاهِرُه يَصحُّ إذا لَم يَعلَمْ، والظَّاهِرُ أنَّ مُرادَه بالعِلمِ أيضًا الظَّنُّ، وإلَّا فبَعيدٌ جِدًّا القَولُ به، مَع ظَنِّ ظُلمِه.
فَإنْ قيلَ: ظَنُّ التَّحريمِ لا يَمنَعُ صِحَّةَ العَقدِ، بخِلافِ العِلمِ به، ولا يَلزَمُ مِنْ هذا أنْ يُخاصِمَ في باطِلٍ، فلا مُعارَضةَ بينَه وبينَ ما سبَق، قيلَ: ليسَ المُرادُ مِنْ التَّوكيلِ وصِحَّتِه إلَّا المُخاصَمةَ فيما وكَّله فيه ممَّا يَعلَمُه أو يَظُنُّه باطِلًا، وإلَّا كانَ يُمكِنُ تَصحيحُ العَقدِ مَع العِلمِ، ولا يُخاصَمُ في باطِلٍ، فلا مَفسَدةَ في ذلك، وقَد دَلَّ كَلامُه على أنَّه لو شَكَّ في ظُلمِه صَحَّتْ وخاصَمَ فيه، وعلى هذا عَملُ كَثيرٍ مِنْ النَّاسِ أو أكثَرِهم، يُوَكَّلونَ ويَدَّعونَ مَع الشَّكِّ في صِحَّةِ الدَّعوَى وعَدمِها؛ لأنَّه ليسَ بمُخبِرٍ عن نَفْسِه، وإنَّما يُخبِرُ عن المُوكِّلِ ويُبَلِّغُ كَلامَه لِكَونِه لا يَلحَنُ بحُجَّتِه، ولأنَّ الحاجةَ قَدْ تَكونُ ماسَّةً إلى ذلك؛ لِكَثرةِ مَشقَّتِه، وهذا بخِلافِ المُدَّعِي لِنَفْسِه، لِخِبرَتِه بأحوالِه وقَضاياه، واللَّهُ أعلَمُ (١).
التَّوكيلُ في الإقرارِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التَّوكيلِ في الإقرارِ، هَلْ يَجوزُ أو لا؟
فَذهَب الشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في قَولٍ والطَّحاويُّ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ التَّوكيلُ في الإقرارِ، بأنْ يَقولَ لِغيرِه: وَكَّلتُكَ لِتُقِرَّ عَنِّي لِفُلانٍ بكذا، فيَقولَ الوَكيلُ: أقرَرتُ عنه بكذا، أو جَعَلتُه مُقِرًّا بكذا؛ لأنَّه إخبارٌ عن حَقٍّ، فلا يَقبَلُ التَّوكيلَ، كالشَّهادةِ.
стр. 6211
قالَ الشَّافِعيَّةُ: لكنَّ التَّوكيلَ فيه إقرارٌ مِنْ المُوكِّلِ، لِإشعارِه بثُبوتِ الحَقِّ عليه، على الصَّحيحِ.
وقيلَ: ليسَ بإقرارٍ، كما أنَّ التَّوكيلَ بالإبراءِ ليسَ إبراءً.
وَمَحَلُّ الخِلافِ إذا قالَ: وَكَّلتُكَ لِتُقِرَّ عَنِّي لِفُلانٍ بكذا.
فَلَو قالَ: أَقِرَّ عَنِّي لِفُلانٍ بألْفٍ له عَلَيَّ، كانَ إقرارًا قَطعًا.
ولو قالَ: أَقِرَّ له عليَّ بألْفٍ، لَم يَكُنْ إقرارًا قَطعًا (١).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ (٢) والمالِكيَّةُ (٣) والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشَّافِعيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ التَّوكيلُ في الإقرارِ؛ لأنَّه إثباتُ حَقٍّ في الذِّمةِ بالقَولِ، فجازَ التَّوكيلُ فيه، كالبَيعِ، وفارَقَ الشَّهادةَ؛ فإنَّها لا تُثْبِتُ الحَقَّ، وإنَّما هو إخبارٌ بثُبوتِه على غيرِه.
قالَ الحَنابِلةُ: وَصِفةُ التَّوكيلِ في الإقرارِ أنْ يَقولَ له: وَكَّلتُكَ في الإقرارِ، فلَو قالَ له: أَقِرَّ عَنِّي، لَم يَكُنْ ذلك وَكالةً. ولا بدَّ مِنْ تَعيينِ المُوكِّلِ ما يُقِرُّ
стр. 6212
به وَكيلُه عنه، وإلَّا بأنْ قالَ: وَكَّلتُكَ في الإقرارِ لِزَيدٍ بمالٍ أو شَيءٍ، فأقَرَّ كَذلك، رجَع في تَفسيرِه إلى المُوكِّلِ؛ لأنَّه أعلَمُ بما عليه (١).
قالَ النَّوَويُّ ﵀: وإذا صَحَّحْنا التَّوكيلَ لَم يَلزَمْه شَيءٌ قبلَ إقرارِ التَّوكيلِ، على الصَّحيحِ الذي قطَع به الجُمهورُ، وفي الحاوي والمُستَظهِريِّ وَجْهٌ، أنَّه يَلزَمُه بالتَّوكيلِ نَفْسِه، واللَّهُ أعلَمُ.
وإذا صَحَّحْنا التَّوكيلَ يَنبَغي أنْ يُبيِّنَ الوَكيلُ جِنسَ المُقَرِّ به وقَدْرَه.
فَلَو قالَ: أَقِرَّ عَنِّي لِفُلانٍ بشَيءٍ، فأقَرَّ، أخَذَ الوَكيلُ بتَفسيرِه، ولو اقتصَرَ على قَوله: أَقِرَّ عَنِّي لِفُلانٍ، فوَجهانِ:
أحَدُهما: هو كقولِه أَقِرَّ عَنِّي بشَيءٍ.
وَأصَحُّهُما: لا يَلزَمُه شَيءٌ بحالٍ؛ لِاحتِمالِ أنَّه يُريدُ الإقرارَ بعِلْمٍ أو شَجاعةٍ، لا بمالٍ.
قُلتُ: ولو قالَ: أَقِرَّ عَنِّي لِفُلانٍ بألْفٍ له عَلَيَّ، فهو إقرارٌ، بلا خِلافٍ، صرَّح به الجُرجانيُّ وغيرِه، واللَّهُ أعلَمُ (٢).
وأمَّا بالنِّسبةِ لِإقرارِ الوَكيلِ بالخُصومةِ؛ فإنَّه لا يُقبَلُ إقرارُه بقَبضِ الدَّيْنِ إلَّا إذا كانَ قَدْ فُوِّضَ في ذلك عندَ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ الإقرارَ مَعنًى يَقطَعُ الخُصومةَ ويُنافيها، فلا يَملِكُه الوَكيلُ، ولأنَّ الإذْنَ في الخُصومةِ
стр. 6213
لا يَقتَضي الإقرارَ، فإنْ أقَرَّ بشَيءٍ لَم يَلزَمِ المُوكِّلَ ما أقَرَّ به، ويَكونُ الوَكيلُ كَشاهِدٍ.
قالَ المالِكيَّةُ: ليسَ لِلوَكيلِ أنْ يُقِرَّ على مُوكِّلِه بدَيْنٍ، ولو وكَّله على الخِصامِ فإنْ أقَرَّ بشَيءٍ لَم يَلزَمِ المُوكِّلَ ما أقَرَّ به، ويَكونُ الوَكيلُ كَشاهِدٍ، إلَّا أنْ يَكونَ وكَّله وَكالةً مُفَوَّضةً، أو يَجعَلَ له عندَ عَقدِ الوَكالةِ الخاصَّةِ أنْ يُقِرَّ عنه، فلِلوَكيلِ حينَئذٍ أنْ يُقِرَّ على مُوكِّلِه بما يُشبِهُه، ويَلزَمُه ما أقَرَّ به عنه إنْ أقَرَّ بما يُشبِهُ، ولَم يُقِرَّ لمَن يُتَّهَمُ عليه، وكانَ الإقرارُ مِنْ نَوعِ تلك الخُصومةِ، كَأنْ يُوكِّلَه في دَيْنٍ فيُقِرَّ بتَأخيرِه أو بإتلافِه وَديعةً له.
وَلخَصمِ المُوكِّلِ، وهو مَنْ عليه الدَّيْنُ أنْ يُلجِئَ المُوكِّلَ إلى جَعْلِ الإقرارِ إلى الوَكيلِ، بأنْ يَقولَ أحَدُ الخَصمَينِ لِصاحِبِه الذي وَكَلَ له وَكِيلًا: لا أتَعاطَى المُخاصَمةَ مَع وَكيلِكَ حتى تَجعَلَ له الإقرارَ.
وهذا ظاهِرٌ إذا امتَنَعَ مِنْ الحُضورِ مَع وَكيلِه أيضًا، أمَّا إذا قالَ: لا أُفَوِّضُ، ولا أجعَلُ له الإقرارَ؛ لِئَلَّا يَرشُوَه الخَصمُ، ولكنْ أحضُرَ مَع الوَكيلِ في المَجلِسِ، أو قَريبًا مِنه؛ لِأُقِرَّ بما يَدَّعيه خَصمي، أو أُنكِرَه؛ فإنَّه يُجابُ إلى ذلك.
وإذا قالَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: أَقِرَّ عَنِّي بألْفٍ لِزَيدٍ، أوِ اعتَرِفْ بها له؛ فإنَّه يَكونُ إقرارُه مِنْ المُوكِّلِ لِزَيدٍ، ولا يَحتاجُ لِإنشاءِ الوَكيلِ الإقرارَ بذلك، ولا يَنْفَعُ المُوكِّلَ الرُّجوعُ عن ذلك وعَزلُ الوَكيلِ عنه، ويَكونُ الوَكيلُ شاهِدًا
стр. 6214
عليه، ومِثلُ ذلك: أُبْرِئُ فُلانًا مِنْ الحَقِّ الذي لي عليه؛ فإنَّه إبراءٌ مِنْ المُوكِّلِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا وكَّل رَجُلًا في الخُصومةِ لَم يُقبَلْ إقرارُه على مُوكِّلِه بقَبضِ الحَقِّ ولا غيرِه، وبِه قالَ مالِكٌ والشَّافِعيُّ وابنُ أبي لَيلَى.
وقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمَّدٌ: يُقبَلُ إقرارُه في مَجلِسِ الحُكمِ فيما عَدا الحُدودَ والقِصَاصَ.
وقالَ أبو يُوسفَ: يُقبَلُ إقرارُه في مَجلِسِ الحُكمِ وغيرِه؛ لأنَّ الإقرارَ أحَدُ جَوابَيِ الدَّعْوَى، فصَحَّ مِنْ الوَكيلِ، كالإنكارِ.
ولَنا: أنَّ الإقرارَ مَعنًى يَقطَعُ الخُصومةَ ويُنافيها، فلا يَملِكُه الوَكيلُ فيها، كالإبراءِ، وفارَقَ الإنكارَ؛ فإنَّه لا يَقطَعُ الخُصومةَ ويَملِكُه في الحُدودِ والقِصَاصِ، وفي غيرِ مَجلِسِ الحاكِمِ، ولأنَّ الوَكيلَ لا يَملِكُ الإنكارَ على وَجهٍ يَمنَعُ المُوكِّلَ مِنْ الإقرارِ، فلَو ملَك الإقرارَ لامتَنَعَ على المُوكِّلِ الإنكارُ، فافتَرَقا.
ولا يَملِكُ المُصالَحةَ عن الحَقِّ، ولا الإبراءَ مِنه، بغيرِ خِلافٍ نَعلَمهُ؛ لأنَّ الإذْنَ في الخُصومةِ لا يَقتَضي شَيئًا مِنْ ذلك.
وإنْ أذِنَ له في تَثبيتِ حَقٍّ لَم يَملِكْ قَبضَه، وبِه قالَ الشَّافِعيُّ.
стр. 6215
وقالَ أبو حَنيفةَ: يَملِكُ قَبضَهُ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنْ الثَّتبيتِ قَبضُه وتَحصيلُه.
ولَنا: أنَّ القَبضَ لا يَتناوَلُه الإذْنُ نُطقًا ولا عُرفًا؛ إذْ ليسَ كلُّ مَنْ يَرضاه لِتَثبيتِ الحَقِّ يَرضاه لِقَبضِه.
وإنْ وكَّله في قَبضِ حَقٍّ فجَحَدَ مَنْ عليه الحَقُّ كانَ وَكيلًا في تَثبيتِه عليه في أحَدِ الوَجهَيْنِ، وبِه قالَ أبو حَنيفةَ.
والآخَرُ ليسَ له ذلك، وهو أحَدُ الوَجهَيْنِ لِأصحابِ الشَّافِعيِّ، لأنَّهما مَعنَيانِ مُختَلِفانِ، فالوَكيلُ في أحَدِهما لا يَكونُ وَكيلًا في الآخَرِ، كما لا يَكونُ وَكيلًا في القَبضِ بالتَّوكيلِ في الخُصومةِ.
وَوَجهُ الأوَل: أنَّه لا يُتَوَصَّلُ إلى القَبضِ إلَّا بالتَّثبيتِ، فكانَ إذْنًا فيه عُرفًا، ولأنَّ القَبضَ لا يَتمُّ إلَّا به، فملَكه، كما لو وُكِّلَ في شِراءِ شَيءِ ملَك وَزْنَ ثَمَنِه، أو في بَيعِ شَيءِ ملَك تَسليمَه.
وَيُحتمَلُ أنَّه إنْ كانَ المُوكِّلُ عالِمًا بجَحدِ مَنْ عليه الحَقُّ أو مَطلِه كانَ تَوكيلًا في تَثبيتِه، والخُصومةِ فيه، لِعِلمِه بوُقوفِ القَبضِ عليه، وإنْ لَم يَعلَمْ ذلك لَم يَكُنْ تَوكيلًا فيه؛ لِعدمِ عِلمِه بتَوَقُّفِ القَبضِ عليه.
ولا فَرقَ بينَ كَونِ الحَقِّ عَيْنًا أو دَيْنًا.
وقالَ بعضُ أصحابِ أبي حَنيفةَ: إنْ وكَّله في قَبضِ عَينٍ لَم يَملِكْ تَثبيتَها؛ لأنَّه وَكيلٌ في نَقلِها، أشبَهَ الوَكيلَ في نَقلِ الزَّوجةِ.
стр. 6216
ولَنا: أنَّه وَكيلٌ في قَبضِ حَقٍّ، فأشبَهَ الوَكيلَ في قَبضِ الدَّيْنِ، وما ذَكَروه يَبطُلُ بالتَّوكيلِ في قَبضِ الدَّيْنِ؛ فإنَّه وَكيلٌ في قَبضِه ونَقلِه إليه (١).
وقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمَّدُ بنُ الحسَنِ -رحمهما الله-: يُقبَلُ إقرارُه في مَجلِسِ الحُكمِ فيما عَدا الحُدودَ والقِصَاصَ، وقالَ أبو يُوسفَ ﵀: يُقبَلُ إقرارُه في مَجلِسِ الحُكمِ وغيرِه؛ لأنَّ الإقرارَ أحَدُ جَوابَيِ الدَّعوَى، فصَحَّ مِنْ الوَكيلِ بالخُصومةِ، كما يَصحُّ مِنه الإنكارُ.
وَقالوا: إنَّ المُوكِّلَ إذا نَصَّ في عَقدِ الوَكالةِ على أنَّ الوَكيلَ ليسَ له الإقرارُ، لَم يَكُنْ له حَقُّ الإقرارِ في ظاهِرِ الرِّوايةِ، فلَو أقَرَّ عندَ القاضي لا يَصحُّ، وخرَج به عن الوَكالةِ، كما نَصُّوا على أنَّ التَّوكيلَ بالإقرارِ يَصحُّ، ولا يَصيرُ المُوكِّلُ بمُجَرَّدِ التَّوكيلِ مُقِرًّا، ونقَل ابنُ عابِدينَ عن الطَّواوِيسيِّ: مَعناه أنْ يُوكِّلَ بالخُصومةِ، ويَقولَ: خاصِمْ؛ فإذا رَأيتَ لُحوقَ مُؤنةٍ أو خَوفَ عارٍ عليَّ فأقِرَّ بالمُدَّعَى، يَصحُّ إقرارُه على المُوكِّلِ (٢).
التَّوكيلُ في المُباحاتِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التَّوكيلِ في المُباحاتِ، كَإحياءِ المَواتِ وإسقاءِ الماءِ والِاصطيادِ والِاحتِطابِ والِاحتِشاشِ، هَلْ يَصحُّ أو لا؟
فَذهَب الشَّافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ في المُباحاتِ، كَإحياءِ المَواتِ والِاصطيادِ والِاحتِطابِ والِاحتِشاشِ
стр. 6217
كالِاستِئجارِ عليه؛ لأنَّها تَمَلُّكُ مالٍ بسَبَبٍ لا يَتعيَّنُ عليه، ولأنَّها أحَدُ أسبابِ المِلْكِ؛ فجازَ التَّوكيلُ فيه، كالشِّراءِ والِاتِّهابِ، فيَحصُلُ المِلْكُ لِلمُوكِّلِ إذا قصَده الوَكيلُ له؛ فَإنْ لَم يَنْوِه له وقصَده لِنَفْسِه ملَكه، وانفسَختِ الوَكالةُ.
وهذا بخِلافِ الِالتِقاطِ، فلا يَصحُّ التَّوكيلُ فيهِ؛ لأنَّ المُغَلَّبَ فيه الِائتِمانُ، وكذا الِاغتِنامُ؛ لأنَّه يُستحَقُّ بالحُضورِ، فلا طَلبَ لِلغائِبِ به عندَ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، فإنِ التَقَطَ أو غَنِمَ كانَ له دونَ المُوكِّلِ.
وذهَب الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في المُباحاتِ؛ لأنَّ وَضعَ اليَدِ وُجِدَ مِنه، وهو سَبَبُ المِلْكِ، فلا يَنصَرِفُ بالنِّيَّةِ إلى غيرِه؛ لأنَّ المُوكِّلَ لا يَملِكُه عندَ الوَكالةِ، فمَنِ استَولَى عليه ملَكه (١).
قالَ الحَنفيَّةُ: التَّوكيلُ في أخْذِ المُباحِ باطِلٌ؛ لأنَّه يَقتَضي صِحَّةَ أمْرِ المُوكِّلِ بما وُكِّلَ به، وهو أخْذُ المُباحِ، وأمْرُ المُوكَّلِ بأخْذِه غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّه صادَفَ غيرَ مَحَلِّ وِلايَتِه؛ لأنَّ الوَكيلَ يَملِكُه بدُونِ أمْرِ المُوكِّلِ، ومَن تَملَك شَيئًا بدُونِ أمْرِ المُوكِّلِ لا يَصلُحُ أنْ يَكونَ نائِبًا عَنهُ؛ لأنَّ التَّوكيلَ
стр. 6218
إثباتُ وِلايةِ التَصرُّفِ فيما هو ثابِتٌ لِلمُوكِّلِ، وليسَ بثابِتٍ لِلوَكيلِ، وهذا المعنَى لا يَتحقَّقُ فيمَن يَملِكُ بدُونِ أمْرِه؛ لِئَلَّا يَلزَمَ إثباتُ الثَّابِتَ؛ لأنَّ المُوكِّلَ لَم يَملِكْه، فلا يَملِكُ إقامةَ غيرِه مَقامَه، ولأنَّ المُباحَ لمَن أخَذَه فلا يُمكِنُ إيقاعُ الحُكمِ فيه لِغيرِه (١).
التَّوكيلُ في الحَجِّ والعُمرةِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ التَّوكيلُ في الحَجِّ مِنْ الإنسانِ القادِرِ على الحَجِّ بنَفْسِه، واختَلَفوا في العاجِزِ عن الأداءِ بنَفْسِه هَلْ له أنْ يُوكِّلَ أو يَستَنيبَ مَنْ يَحُجُّ عنه أو لا؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ لِلإنسانِ العاجِزِ عن الحَجِّ بنَفْسِه أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَحُجُّ عنه، واستَدَلُّوا على ذلك بما يَلي:
حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ أنَّه قالَ: «جاءَتِ امرَأةٌ مِنْ خَثعَمٍ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ قالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ فَريضةَ اللَّهِ على عِبادِه في الحَجِّ أدرَكَتْ أبي شَيخًا كَبيرًا لا يَستَطيعُ أنْ يَستَويَ على الرَّاحِلةِ، فهَل يَقضي عنه أنْ أحُجَّ عَنهُ؟ قالَ: نَعم، وذلك في حَجَّةِ الوَداعِ» (٢).
وفي لَفظٍ لِمُسلِمٍ: قالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ، عليه فَريضةُ
стр. 6219
اللَّهِ في الحَجِّ، وهو لا يَستَطيعُ أنْ يَستَويَ على ظَهرِ بَعيرِه، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «فحُجِّي عَنهُ» (١).
وعن ابنِ عَبَّاسٍ أيضًا أنَّ امرَأةً مِنْ جُهَينةَ جاءَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَت: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ، فلَمْ تَحُجَّ حتى ماتَتْ، أفَأحُجُّ عَنها؟ قالَ: «نَعم، حُجِّي عَنها، أرَأيتِ لو كانَ على أُمِّكِ دَيْنٌ، أكُنتِ قاضيتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فاللَّهُ أحَقُّ بالوَفاءِ» (٢).
وَلحَديثِ أبي رَزينٍ العُقَيليِّ ﵁ أنَّه أتَى النَّبي ﷺ ، فقالَ: إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ لا يَستَطيعُ الحَجَّ ولا العُمرةَ ولا الظَّعنَ، قالَ ﷺ : «احجُجْ عن أبيكَ واعتَمِرْ» (٣).
وعن عَلِيٍّ: أنَّ جاريةً شابَّةً مِنْ خَثعَمٍ استَفتَتْ رَسولَ اللَّهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ، فقالَتْ: إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ قَدْ أفنَدَ، وقَد أدرَكَتْه فَريضةُ اللَّهِ في الحَجِّ، فهَل يُجزِئُ عنه أنْ أُؤَدِّيَ عَنهُ؟ قالَ: «نَعم، فأدِّي عن أبيكِ» (٤).
وعن عَبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ ﵁، قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثعَمٍ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقالَ: إنَّ أبي أدرَكَه الإسلامُ وهو شَيخٌ كَبيرٌ، لا يَستَطيعُ رُكوبَ الرَّحْلِ، والحَجُّ مَكتوبٌ عليه، أفَأحُجُّ عَنهُ؟ قالَ: «أنتَ أكبَرُ
стр. 6220
وَلَدِهِ؟»، قالَ: نَعم، قالَ: «أرَأيتَ لو كانَ على أبيكَ دَيْنٌ فقَضَيتَه عَنه، أكانَ ذلك يُجزِئُ عَنهُ؟»، قالَ: نَعم، قالَ: «فاحجُجْ عَنهُ» (١).
قالَ الحَنفيَّةُ: العِباداتُ أنواعٌ مالِيَّةٌ مَحضةٌ، كالزَّكاةِ، وبَدنيَّةٌ مَحضةٌ، كالصَّلاةِ والصَّومِ، ومُرَكَّبةٌ مِنهُما، كالحَجِّ، والنِّيابةُ تُجزِئُ في العِبادةِ المالِيَّةِ عندَ العَجزِ والقُدرةِ؛ لأنَّ المَقصودَ فيها سَدُّ حاجةِ المُحتاجِ، وذلك يَحصُلُ بفِعلِ النَّائِبِ، كما يَحصُلُ بفِعلِه، ويَحصُلُ به تَحَمُّلُ المَشقَّةِ بإخراجِ المالِ، كما يَحصُلُ بفِعلِ نَفْسِه، فيَتحقَّقُ معنَى الِابتِلاءِ، فيَستَوي فيه الحالَتانِ.
ولا تُجْزِئُ النِّيابةُ في العِبادةِ البَدنيَّةِ بحالٍ مِنْ الأحوالِ؛ لأنَّ المَقصودَ فيها إتْعابُ النَّفْسِ الأمَّارةِ بالسُّوءِ طَلَبًا لِمَرضاتِه تَعالى، وذلك لا يَحصُلُ بفِعلِ النَّائِبِ أصلًا، فلا تُجزيُ فيها النِّيابةُ؛ لِعدمِ الفائِدةِ.
وفي المُرَكَّبِ مِنْ المالِ والبَدَنِ، كالحَجِّ، تُجزِئُ النِّيابةُ عندَ العَجزِ؛ لِحُصولِ المَشقَّةِ بدَفعِ المالِ، ولا تُجزِئُ عندَ القُدرةِ؛ لِعدمِ إتعابِ النَّفْسِ؛ عَملًا بالشَّبَهَيْنِ بالقَدْرِ المُمكِنِ.
وَإنَّما شَرطُ عَجزِ المَنوبِ يَكونُ لِلحَجِّ الفَرضِ، لا لِلنَّفلِ؛ لأنَّه في الحَجِّ النَّفلِ تَجوزُ الإنابةُ مَع القُدرةِ؛ لأنَّ بابَ النَّفلِ أوسَعُ، ألَا تَرَى أنَّه يَجوزُ التَّنَفُّلُ في الصَّلاةِ قاعِدًا وراكِبًا مَع القُدرةِ على القيامِ والنُّزولِ.
ثم الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ فيمَن حَجَّ عن غيرِه أنَّ أصْلَ الحَجِّ يَقَعُ عن
стр. 6221
المَحجوجِ عنه؛ لِلأحاديثِ السَّابِقةِ؛ فإنَّها تَدُلُّ على أنَّ الحَجَّ نَفسَه يَقَعُ عنه، وعَن مُحمَّدٍ أنَّ الحَجَّ يَقَعُ عن الحاجِّ، ولِلآمِرِ ثَوابُ النَّفَقةِ؛ لأنَّ الحَجَّ عِبادةٌ بَدنيَّةٌ، ولأنَّ المالَ شَرطٌ لِلوُجوبِ؛ لِكَونِه عاجِزًا بدُونِه، فلا تَجري فيها النِّيابةُ كالصَّلاةِ والصَّومِ، بَلْ يُقامُ الإنفاقُ مَقامَ فِعلِه الحَجَّ بنَفْسِه، كالفِديةِ في حَقِّ الشَّيخِ الفاني، أُقيمَ مَقامَ الصَّومِ، والصَّحيحُ الأوَّلُ، ولِهذا لا يَسقُطُ به الفَرضُ عن المأْمورِ، وهو الحاجُّ (١).
قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: المَقصودُ الأصلِيُّ مِنْ التَّكاليفِ الِابتِلاءُ؛ لِيَظهَرَ مِنْ المُكَلَّفِ ما سبَق العِلمُ الأزَليُّ بوُقوعِه مِنه مِنْ الِامتِثالِ بالصَّبرِ على ما أُمِرَ به، تارِكًا هَوَى نَفْسِه لِإقامةِ أمْرِ رَبِّه ، فيُثابَ، أو مِنْ المُخالَفةِ فيُعفَى عنه، أو يُعاقَبَ، فتحقَّقَ بذلك آثارُ صِفاتِه تَعالى؛ فإنَّه تَعالى اقتَضَتْ حِكمَتُه الباهِرةُ وكمالُ فَضلِه وإحسانِه ألَّا يُعَذِّبَ بما علِم أنَّه سَيَقَعُ مِنْ المُخالَفةِ قبلَ ظُهورِه عن اختِيارِ المُكَلَّفِ.
ثم مِنْ التَّكاليفِ العِباداتُ، وهي بَدنيَّةٌ وماليَّةٌ ومُركَّبةٌ مِنهُما، والمَشقَّةُ في البَدنيَّةِ تُقيِّدُ الجَوارِحَ والنَّفْسَ بالأفعالِ المَخصوصةِ في مَقامِ الخِدمةِ، وفي المالِيَّةِ في تَنقيصِ المالِ المَحبوبِ لِلنَّفسِ، وفيها مَقصودٌ آخَرُ، وهو سَدُّ حاجةِ المُحتاجِ، والمَشقَّةُ فيها ليسَتْ به، بَلِ التَّنقيصُ، فكلُّ ما تَضمَّن المَشقَّةَ لا يَخرُجُ عن عُهدَتِه إلَّا بفِعلِه بنَفْسِه؛ إذْ بذلك يَتحقَّقُ مَقصودُ
стр. 6222
الِابتِلاءِ والِاختِبارِ؛ فلِذا لَم تَجُزِ النِّيابةُ في البَدنيَّةِ؛ لأنَّ فِعلَ غيرِه لا يَتحقَّقُ به الِاشتِقاقُ على نَفْسِه بمُخالَفةِ هَواها بالصَّبرِ عليه، وأمَّا الماليَّةُ فما فيه المَشقَّةُ هو تَنقيصُ المالِ بإخراجِه، لَم تَجُزْ فيه النِّيابةُ، ولا يَقومُ به غيرُه؛ إذْ لا بدَّ مِنْ إذْنِه، والواقِعُ مِنْ النَّائِبِ ليسَ إلَّا المُناوَلةَ لِلفَقيرِ، وبِه يَحصُلُ المَقصودُ الآخَرُ الذي هو مِنْ حيثُ هو لا مَشقَّةَ به على المالِكِ.
وَعلى هذا كانَ مُقتَضَى القياسِ ألَّا تَجريَ النِّيابةُ في الحَجِّ؛ لِتَضَمُّنِه المَشقَّتَيْنِ البَدنيَّةِ والمالِيَّةِ، والأُولَى لَم تَقُمْ بالآمِرِ، لكنَّه تَعالى رَخَّصَ في إسقاطِه، بتَحَمُّلِ المَشقَّةِ الأُخرَى، أعني إخراجَ المالِ عندَ العَجزِ المُستَمِرِّ إلى المَوتِ، رَحمةً وفَضلًا، وذلك بأنْ يَدفعَ نَفَقةَ الحَجِّ إلى مَنْ يَحُجُّ عنه، بخِلافِ حالِ القُدرةِ؛ فإنَّه لَم يَعذُرْهُ؛ لأنَّ تَرْكَه فيها ليسَ إلَّا لِمُجَرَّدِ إيثارِ راحةِ نَفْسِه على أمْرِ رَبِّه، وهو بهذا يَستحقُّ العِقابَ، لا التَّخفيفَ في طَريقِ الإسقاطِ، وإنَّما شَرطُ دَوامِه إلى المَوتِ؛ لأنَّ الحَجَّ فَرضُ العُمرِ، فحيثُ تَعلَّق به خِطابُه، لِقيامِ الشُّروطِ، وجَب عليه أنْ يَقومَ هو بنَفْسِه في أوَل أعوامِ الإمكانِ؛ فإذا لَم يَفعَلْ أثِمَ، وتَقرَّر القيامُ بها بنَفْسِه في ذِمَّتِه في مُدَّةِ عُمُرِه، وإنْ كانَ غيرَ مُتَّصِفٍ بالشُّروطِ؛ فإذا عَجزَ عن ذلك بعَينِه، وهو أنْ يَعجِزَ عنه في مُدَّةِ عُمُرِه، رُخِّصَ له في الِاستِنابةِ؛ رَحمةً وفَضلًا مِنه، فحيثُ قَدَرَ عليه وَقتًا ما مِنْ عُمُرِه بعدَما استَنابَ فيه لِعَجزٍ لَحِقَه، ظهَر انتِفاءُ شَرطِ الرُّخصةِ؛ فلِذا لو حَجَّ عنه غيرُه لِمَرَضٍ يُرجَى زَوالُه أوْ لَا، أو كانَ مَحبوسًا، كانَ أمْرُه مُراعًى إنِ استَمَرَّ بذلك المانِعِ حتى ماتَ، ظهَر أنَّه وقَع مُجزئًا، وإنْ عُوفِيَ
стр. 6223
أو خُلِّصَ مِنْ السِّجنِ، ظهَر أنَّه لَم يَقَعْ مُجزئًا، وظهَر وُجوبُ المُباشَرةِ بنَفْسِه، ولو أحَجَّ صَحيحٌ غيرَه ثم عَجزَ لا يُجزئُه، كذا في فَتاوي قاضيخانَ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه أذِنَ قبلَ وُجوبِ سَبَبِ الرُّخصةِ، ولا يُتَخايَلُ خِلافُ هذا (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ في المُوكَّلِ فيه أنْ يَكونَ قابِلًا لِلنِّيابةِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ إنابةٌ، فما لا يَقبَلُها لا يَقبَلُ التَّوكيلَ، فلا يَصحُّ التَّوكيلُ في عِبادةٍ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنها ابتِلاءُ الشَّخصِ وامتِحانُه، إلَّا الحَجَّ عندَ العَجْزِ، والعُمرةَ؛ لِلأحاديثِ السَّابِقةِ، ويَندَرِجُ فيهِما تَوابِعُهما، كَرَكعَتَيِ الطَّوافِ، وإنْ كانَتِ الصَّلاةُ ممَّا لا تَصحُّ فيه النِّيابةُ، وتَفرِقةُ الزَّكاةِ، والكَفَّاراتُ، وصَدَقةُ التَّطوُّعِ، وذَبْحُ الهَدايا، والعَقيقةُ، وشاةُ الوَليمةِ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ الوَكالةُ في كلِّ حَقٍّ لِلَّهِ تَعالى تَدخُلُه النِّيابةُ مِنْ العِباداتِ، كالحَجِّ والعُمرةِ، فيَستَنيبُ مَنْ يَفعَلُهُما عنه مُطلَقًا في النَّفلِ، ومَع العَجزِ في الفَرضِ مِنْ نحوِ مَعضوبٍ، ورَكَعَتا الطَّوافِ تَدخُلانِ تَبَعًا لهما، وإنْ كانَتِ الصَّلاةُ لا تَدخُلُها النِّيابةُ.
فَمَنْ وُجِدَتْ فيه شَرائِطُ وُجوبِ الحَجِّ وكانَ عاجِزًا عنه لِمانِعٍ مَيْؤُوسٍ
стр. 6224
مِنْ زَوالِه، كَزَمانةٍ أو مَرَضٍ لا يُرجَى زَوالُه، أو كانَ نِضْوَ الخَلْقِ لا يَقدِرُ على الثُّبوتِ على الرَّاحِلةِ، إلَّا بمَشقَّةٍ غيرِ مُحتمَلةٍ، وكَذلك الشَّيخُ الفاني، ومَن كانَ مثلَه، متى وجَد مَنْ يَنوبُ عنه في الحَجِّ ومالًا يَستَنيبُه به لَزِمَه ذلك؛ لِلأحاديثِ السَّابِقةِ، ولأنَّ هذه عِبادةٌ تَجِبُ بإفسادِها الكَفَّارةُ، فجازَ أنْ يَقومَ فِعلُ غيرِه فيها مَقامَ فِعلِه، كالصَّومِ، إذا عَجزَ عنه افتَدَى، بخِلافِ الصَّلاةِ، وإنْ لَم يَجِدْ مالًا يَستَنيبُ به فلا حَجَّ عليه، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الصَّحيحَ لو لَم يَجِدْ ما يَحُجُّ به لَم يَجِبْ عليه، فالمَريضُ أَوْلَى (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فاختَلَفوا في حُكمِ جَوازِ التَّوكيلِ والِاستِنابةِ في الحَجِّ والعُمرةِ، هَلْ يَجوزُ مَع الكَراهةِ أو لا يَجوزُ.
فَفي قَولٍ يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَستَنيبُ عنه في الحَجِّ في غيرِ الفَريضةِ، مَع الكَراهةِ، أو يُوكِّلَ مَنْ يَحُجُّ عنه، وهذا ما مَشَى عليه خَليلٌ وشُرَّاحُه.
قالَ الدَّرديرُ ﵀: وَحَجٍّ، بأنْ يُوكِّلَ مَنْ يَستَنيبُ عنه في الحَجِّ، أو وكَّل مَنْ يَحُجُّ عنه (٢).
وقالَ في «الشَّرحِ الصَّغيرِ»: وَحَجٍّ، بأنْ يُوكِّلَ مَنْ يَحُجُّ عنه غيرَ الفَريضةِ، أو مَنْ يَستَنيبُ له مَنْ يَحُجُّ عنه (٣).
стр. 6225
وقالَ الخَرشيُّ ﵀: يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَستَنيبُ عنه في الحَجِّ، أو يُوكِّلَ مَنْ يَحُجُّ عَنهُ؛ لأنَّ كَلامَ المُؤَلِّفِ في بَيانِ ما تَصحُّ فيه الوَكالةُ، لا في بَيانِ ما تَجوزُ فيه، وهذا في الحَقيقةِ استِنابةٌ، لا نِيابةٌ (١).
وَقَدْ ذكَر الحَطَّابُ ﵀ الخِلافَ وبيَّنَه فقالَ: قالَ في الطِّرازِ: أربابُ المَذاهبِ مُتَّفِقونَ على أنْ الصَّحيحَ القادِرَ على الحَجِّ ليسَ له أنْ يَستَنيبَ في مَرَضِه، واختُلِفَ في تَطوُّعِه، فالمَذهبُ أنَّه يُكرَهُ، ولو وقَع صَحَّتِ الإجارةُ، انتَهَى.
وَنَقَلُه المُصنِّفُ وابنُ فَرحونٍ والتِّلمِسانيُّ والقَرافيُّ والتَّادِليُّ.
وغيرُهم يُخَصِّصُ الصِّحَّةَ بالوَجْهِ المَكروهِ.
وَكَلامُ ابنِ عَرفةَ كالصَّريحِ في ذلك، ونَصُّه لا يَصحُّ عن مَرْجُوٍّ صِحَّتُه.
وَلأشهَبَ إنْ آجَرَ صَحيحٌ مَنْ يَحُجُّ عنه، لَزِمَ بلا خِلافٍ.
وعن ابنِ بَشيرٍ: لا تَصحُّ مِنْ قادِرٍ اتِّفاقًا، ووَرَدَ نَحوُه لِلَّخمِيِّ، انتَهَى.
فانظُرْ كَيفَ قالَ: لا تَصحُّ، ونقَله عن ابنِ بَشيرٍ، وجعَل القولَ باللُّزومِ لِأشهَبَ، ويُحتمَلُ أنْ يَكونَ كَلامُ أشهَبَ في النَّافِلةِ عن الصَّحيحِ، ولكنَّ سياقَه لا يُشبِهُ أنْ يَدُلَّ على أنَّه فَهِمَ كَلامَ أشهَبَ في الفَرضِ، واللَّهُ أعلَمُ.
وفي كَلامِ ابنِ عَرفةَ فائِدةٌ أُخرَى، وهي أنَّ مَرجُوَّ الصِّحَّةِ كالصَّحيحِ.
وَيَدخُلُ في قَولِ المُصنِّفِ: وإلَّا كُرِهَ، بحَسَبِ الظَّاهِرِ، ثَلاثُ صُوَرٍ:
стр. 6226
استِنابةُ الصَّحيحِ في النَّفلِ، واستِنابةُ العاجِزِ في الفَرضِ وفي النَّفلِ، لكنْ في التَّحقيقِ ليسَ هُنا إلَّا صُورَتانِ؛ لأنَّ العاجِزَ لا فَريضةَ عليه.
واعلَمْ أنَّ ابنَ الحاجِبِ حَكَى في جَوازِ استِنابَتِه ثَلاثةَ أقوالٍ:
قالَ في «التَّوضيحِ»: المَشهورُ عَدمُ الجَوازِ الذي يُكرَهُ، صرَّح بذلك الجَلَّابُ، وكَلامُ المُصنِّفِ -يَعني ابنَ الحاجِبِ- لا يُؤخَذُ مِنْ الكَراهةِ، بَلِ من المَنعِ، وهو ظاهِرُ ما حَكاه اللَّخمِيُّ. انتَهَى.
وَما قالَ: إنَّه ظاهِرُ كَلامِ اللَّخمِيِّ، هو الذي مَشَى عليه ابنُ عَبدِ السَّلامِ، وابنُ عَرفةَ، ونقَل الكَراهةَ عن الجَلَّابِ، واعتَرضَ ابنُ فَرحونٍ على المُصنِّفِ في حَمْلِه عَدَمَ الجَوازِ في كَلامِ ابنِ الحاجِبِ على الكَراهةِ، قالَ: ويَنبَغي حَملُ الكَراهةِ على المَنعِ، فقَد نَصَّ ابنُ حَبيبٍ عن مالِكٍ في الواضِحةِ: لا يَجوزُ، ولَفظُ «لا يَجوزُ» يَنفِي أنْ تَكونَ الكَراهةُ على بابِها. انتَهَى.
فَرْعٌ: قالَ سَنَدٌ: والكَلامُ في العُمرةِ كالكَلامِ في حَجِّ التَّطوُّعِ، ونَصُّه في بابِ النِّيابةِ في الحَجِّ، وسُئِلَ: هَلْ كانَ مالِكٌ يُوَسِّعُ أنْ يَعتَمِرَ أحَدٌ عن أحَدٍ إذا كانَ لا يُوَسِّعُ في الحَجِّ؟ قالَ: نَعم، ولَم أسمَعْه مِنه، وهو رَأْيٌ، إذًا أوصَى بذلك ظاهِرُ كَلامِه أنَّه يُكرَهُ ذلك ابتِداءً؛ لِقَوله: إذا أوصَى بذلك، وهو قَولُ مالِكٍ في المُوازيةِ، قالَ: لا يَحُجَّ أحَدٌ عن أحَدٍ، ولا يَعتَمِرْ عنه، ولا عن مَيِّتٍ، ولا عن حَيٍّ، إلَّا أنْ يُوصِيَ بذلك، فيُنَفَّذَ ذلك.
والكَلامُ في العُمرةِ كالكَلامِ في حَجِّ التَّطوُّعِ؛ لأنَّها عِبادةٌ بَدنيَّةٌ، وشَأنُهما واحِدٌ، فما جازَ مِنْ ذلك في الحَجِّ جازَ في العُمرةِ، وما مُنِعَ مُنِعَ. انتَهَى.
стр. 6227
قُلتُ: فلا يَكونُ في الِاستِنابةِ في العُمرةِ إلَّا الكَراهةُ، سَواءٌ كانَ المُستَنيبُ صَحيحًا أو عاجِزًا، اعتَمَرَ أو لَم يَعتَمِرْ، واللَّهُ أعلَمُ.
فَرْعٌ: قالَ في «شَرحِ العُمدةِ»: النِّيابةُ في الحَجِّ إنْ كانَتْ بغيرِ أُجرةٍ فحَسَنةٌ؛ لأنَّه فِعلٌ مَعروفٌ، وإنْ كانَتْ بأُجرةٍ اختَلفَ المَذهبُ فيها، والمَنصوصُ عن مالِكٍ الكَراهةُ، رَأَى أنَّه مِنْ بابِ أكْلِ الدُّنيا بعَملِ الآخِرةِ.
فائِدةٌ: قالَ الشَّيخُ ابنُ عَبدِ السَّلامِ ﵀ في «شَرحِ ابنِ الحاجِبِ»: قالَ الشَّيخُ أبو بَكرٍ الطُّرطُوشيُّ في تَعليقَةِ الخِلافِ: الفَرقُ بينَ النِّيابةِ والِاستِنابةِ أنَّ النِّيابةَ وُقوعُ الحَجِّ مِنْ المَحجوجِ عنه، وسُقوطُ الفَرضِ عنه، ومعنَى الِاستِنابةِ جَوازُ الفِعلِ مِنْ الآخَرِ فَقط، يُريدُ بالآخَرِ المُستَنيبَ. انتَهَى (١).
وقالَ الإمامُ القُرطُبيُّ ﵀: قالَ مالِكٌ: إذا كانَ مَعضوبًا سقَط عنه فَرضُ الحَجِّ أصلًا، سَواءٌ كانَ قادِرًا على مَنْ يَحُجُّ عنه بالمالِ، أو بغيرِ المالِ، لا يَلزَمُه فَرضُ الحَجِّ، ولو وجَب عليه الحَجُّ ثم عُضِبَ وزَمِن سقَط عنه فَرضُ الحَجِّ، ولا يَجوزُ أنْ يَحُجَّ عنه في حالِ حَياتِه بحالٍ، بَلْ إنْ أوصَى بأنْ يَحُجَّ عنه بعدَ مَوتِه حَجَّ عنه مِنْ الثُّلُثِ، وكانَ تَطوُّعًا، واحتَجَّ بقَوله تَعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، فأخبَرَ أنَّه ليسَ له إلَّا ما سَعَى، فمَن قالَ: إنَّه له سَعْيُ غيرِه فقَد خالَفَ ظاهِرَ الآيةِ، وبِقَوله تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهذا غيرُ
стр. 6228
مُستَطيعٍ؛ لأنَّ الحَجَّ هو قَصدُ المُكَلَّفِ البَيتَ الحَرامَ بنَفْسِه، ولأنَّها عِبادةٌ لا تَدخُلُها النِّيابةُ مَع العَجزِ عَنها، كالصَّلاةِ.
وقالَ عُلماؤُنا: حَديثُ الخَثْعَمِيَّةِ ليسَ مَقصودُه الإيجابَ، وإنَّما مَقصودُه الحَثُّ على بِرِّ الوالِدَيْنِ، والنَّظرُ في مَصالِحِهِما دُنيا ودِينًا، وجَلبُ المَنفعةِ إليهما جِبِلَّةً وشَرعًا، فلمَّا رَأَى مِنْ المَرأةِ انفِعالًا وطَواعيةً ظاهِرةً ورَغبةً صادِقةً في بِرِّها بأبيها، وحِرصًا على إيصالِ الخَيرِ والثَّوابِ إليه، وتَأسَّفَتْ أنْ تَفوتَه بَرَكةُ الحَجِّ، أجابَها إلى ذلك، كما قالَ لِلأُخرَى التي قالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ، فلَمْ تَحُجَّ حتى ماتَتْ، أفَأحُجُّ عَنها؟ قالَ: «نَعم، حُجِّي عَنها، أرَأيتِ لو كانَ على أُمِّكِ دَينٌ، أكُنتِ قاضيَتَهُ؟»، قالَتْ: نَعم (١). ففي هذا ما يَدُلُّ على أنَّه مِنْ بابِ التَّطوُّعاتِ، وإيصالِ البِرِّ والخَيْراتِ لِلأمواتِ، ألَا تَرَى أنَّه قَدْ شَبَّهَ فِعلَ الحَجِّ بالدَّيْنِ، وبِالإجماعِ لو ماتَ مَيِّتٌ وعليه دَيْنٌ لَم يَجِبْ على وَليِّه قَضاؤُه مِنْ مالِه؛ فَإنْ تَطَوَّعَ بذلك تَأدَّى الدَّيْنُ عَنه.
وَمِنْ الدَّليلِ على أنَّ الحَجَّ في هذا الحَديثِ ليسَ بفَرضٍ على أبيها ما صرَّحتْ به هذه المَرأةُ بقَولها: لا يَستَطيعُ، ومَن لا يَستَطيعُ لا يَجِبُ عليه، وهذا تَصريحٌ بنَفْيِ الوُجوبِ ومَنْعِ الفَريضةِ، فلا يَجوزُ ما انتَفَى في أوَل الحَديثِ قَطعًا أنْ يَثبُتَ في آخِرِه ظَنًّا يُحَقِّقُه قولُه: «فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقضَى»؛ فإنَّه ليسَ على ظاهِرِه إجماعًا؛ فإنَّ دَيْنَ العَبدِ أَوْلَى بالقَضاءِ، وبِه يُبدَأُ إجماعًا؛ لِفَقرِ الآدَمِيِّ واستِغناءِ اللَّهِ تَعالى، قالَه ابنُ العَرَبيِّ.
стр. 6229
وذكَر أبو عُمرَ بنُ عَبدِ البَرِّ أنَّ حَديثَ الخَثْعَمِيَّةِ عندَ مالِكٍ وأصحابِه مَخصوصٌ بها (١).
التَّوكيلُ في الظِّهارِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التَّوكيلِ في الظِّهارِ، هَلْ يَصحُّ أو لا؟ كَأنْ يَقولَ: أنتِ على مُوكِّلي كَظَهْرِ أُمِّه، أو جعَلتُه مُظاهِرًا مِنكِ.
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في الظِّهارِ؛ لأنَّه مُنكَرٌ مِنْ القَولِ وزُورٌ، ومَعصيةٌ، فلا يَصحُّ التَّوكيلُ فيهِ؛ لأنَّ في التَّوكيلِ فيه إعانةَ عليه.
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ عندَ الشَّافِعيَّةِ -وهو قَولُ ابنِ عَبدِ السَّلامِ مِنْ المالِكيَّةِ- أنَّه يَجوزُ التَّوكيلُ في الظِّهارِ، تَغليبًا لِشائِبةِ الطَّلاقِ، فعلى هذا يَقولُ: مُوكِّلي يَقولُ: أنتِ عليه كَظَهرِ أُمِّه.
وقالَ الخَرشيُّ المالِكيُّ ﵀: ولا يَصحُّ التَّوكيلُ على المَعاصي، كالظِّهارِ؛ لأنَّه مُنكَرٌ مِنْ القَولِ وزُورٌ، ومِثلُه الغَصبُ، والقَتلُ، والعُدوانُ، وما أشبَهَ ذلك مِنْ المَعاصي.
فَإنْ قيلَ: التَّوكيلُ على الطَّلاقِ صَحيحٌ، وعلى الظِّهارِ غيرُ صَحيحٍ، فما الفَرقُ؟
قُلتُ: قالَ البِساطِيُّ ﵀: يُمكِنُ أنْ يُقالَ: الفَرقُ أنَّ التَّوكيلَ في
стр. 6230
الطَّلاقِ في الصِّيغةِ، أي: وكَّله في أنْ يَقولَ لها: أنتِ طالِقٌ، أي: وليسَ فيها مَعصيةٌ، وأمَّا في الظِّهارِ فلا صِيغةَ، بَلْ في المعنَى، فإنْ قالَ لها: أنتِ على مُوكِّلي كَظَهرِ أُمِّه، لَم يَقَعِ التَّوكيلُ في هذه الصِّيغةِ، انتَهَى.
فَإنْ قيلَ: التَّوكيلُ على الطَّلاقِ في الحَيضِ مَعصيةٌ، كالظِّهارِ، مَع صِحَّةِ ما ذُكِرَ، قُلتُ: قَدْ يُفرَّقُ بأنَّ مَعصيةَ الظِّهارِ أصليَّةٌ، بخِلافِ إيقاعِ الطَّلاقِ في الحَيضِ، إنَّما هو لِأمْرِ خارِجٍ، وإنْ كانَ الأصْلُ -وهو الطَّلاقُ- غيرَ مَعصيةٍ، تَأَمَّلْ (١).
التَّوكيلُ في الرَّجعةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التَّوكيلِ في الرَّجعةِ، هَلْ يَصحُّ لِلإنسانِ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يُراجِعُ له زَوجَتَه المُطَلَّقةَ أو لا؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ في الرَّجعةِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ حيثُ ملَك به إنشاءَ النِّكاحِ،
стр. 6231
ملَك به تَجديدَه بالرَّجعةِ مِنْ بابِ أَوْلَى؛ ولأنَّه يَملِكُ بالتَّوكيلِ الأقوَى، وهو إنشاءُ النِّكاحِ، فالأضعَفُ -وهو تَلافِيهِ بالرَّجعةِ- أَوْلَى.
وقالَ الحَنابِلةُ: يَصحُّ التَّوكيلُ في الرَّجعةِ؛ لكنْ لا يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ زَوجَتَه في رَجعةِ نَفْسِها، أو رَجعةِ غيرِها مِنْ مُطَلَّقاتِه؛ لأنَّها مَمنوعةٌ مِنْ مُباشَرةِ التَصرُّفِ في إيجابِ نِكاحِ نَفْسِها ابتِداءً، فمُنِعَتْ مِنْ التَّوكيلِ في الرَّجعةِ المُقتَضِيةِ لِاستِمرارِ النِّكاحِ دَوامًا؛ إذْ لا فَرقَ بينَهما، لَكِنِ استَظهَرَ الخَلوَتيُّ مُعلِّلًا لها بأنَّه لا يُتوَقَّفُ على صِيغةٍ مِنه.
ولا يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ مُسلِمٌ كافِرًا في رَجعةِ زَوجةٍ مُسلِمةٍ؛ لأنَّه لا يَصحُّ تَوكيلٌ في شَيءٍ إلَّا ممَّن يَصحُّ تَصرُّفُه فيه.
وذهَب الشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّه لا يَجوزُ التَّوكيلُ في الرَّجعةِ، كما لا يَجوزُ التَّوكيلُ في الإيلاءِ والظِّهارِ (١).
التَّوكيلُ على الإمامةِ في الصَّلَواتِ وفي خُطبةِ الجُمُعةِ:
قالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ تَوكيلُ غيرِه في الإمامةِ بمَحَلٍّ يَؤمُّ فيه النَّاسَ، أو يَخطُبُ عنه، فيَجُوزُ (٢).
стр. 6232
وقالَ الدُّسوقيُّ ﵀: وزادَ بعضُهمُ الوَظيفةَ، كَأذانٍ، وإمامةٍ وقِراءةٍ بمَكانٍ مَخصوصٍ، فتَجوزُ النِّيابةُ فيها، حيثُ لَم يَشترِطِ الواقِفُ عَدَمَ النِّيابةِ فيها.
واعلَمْ أنَّه إذا شَرَطُ الواقِفِ عَدَمَها لَم يَكُنِ المَعلومُ لِلأصلِيِّ؛ لِتَركِه، ولا لِلنَّائِبِ؛ لِعدمِ تَقرُّرِه في الوَظيفةِ أصالةً، وإنْ لَم يَشترِطِ الواقِفُ عَدمَ النِّيابةِ فالمَعلومُ يَكونُ لِصاحِبِ الوَظيفةِ المُقرَّرِ فيها، وهو مَع النَّائِبِ على ما تَراضَيَا عليه مِنْ قَليلٍ أو كَثيرٍ، كانتْ الِاستِنابةُ لِضَرورةٍ أو لا، كما قالَه المَنُوفيُّ، واختارَه ابنُ وَعِجٍ، وهو أسهَلُ الأقوالِ.
وقالَ القَرافيُّ ﵀: إنْ كانَتْ الِاستِنابةُ لِضَرورةٍ فكَذلك، وإلَّا فلا شَيءَ لِلنَّائِبِ ولا لِلمَنوبِ عنه مِنْ المَعلومِ (١).
وَسُئِلَ الرَّمْليُّ الشَّافِعيُّ ﵀: عَمَّا إذا وكَّل المُؤذِّنُ في الأذانِ وَكيلًا هَلْ هو جائِزٌ أو لا يَجوزُ إلَّا إذا نَصَّبَه القاضي أو الإمامُ في ذلك المَحَلِّ؟ وهَل تَجوزُ الوَكالةُ إذا نَصَّبَه الآحادُ؟ أوضِحوا لَنا إيضاحًا وافيًا يَزولُ به الرَّيبُ، ويُشفَى به العَليلُ، زادَكم اللَّهُ خَيرًا، وأمَدَّ أيَّامَكُم؟
فأجابَ بأنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في الأذانِ؛ لأنَّه قُربةٌ، أجْرُه لِفاعِلِه، فلا تُقبَلُ النِّيابةُ، واللَّهُ تَعالى أعلَمُ (٢).
стр. 6233
ثالِثًا: الأُمورُ التي لا يَصحُّ التَّوكيلُ فيها بالاتِّفاقِ:
التَّوكيلُ في الصَّلاةِ:
أَجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ ولا النِّيابةُ في الصَّلاةِ بحالٍ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنْ العِبادةِ البَدنيَّةِ إتْعابُ البَدَنِ وقَهْرُ النَّفسِ الأمَّارةِ بالسُّوءِ، وامتِحانُ المُكَلَّفِ، ولا يَحصُلُ بفِعلِ النَّائِبِ، ولأنَّ المَصلَحةَ التي اشتَمَلَتْ عليها هي الخُضوعُ والخُشوعُ وإجلالُ الرَّبِّ وإظهارُ العُبوديةِ له، ولا يَلزَمُ مِنْ خُضوعِ الوَكيلِ خُضوعُ المُوكِّلِ؛ فإذا فَعلَها غيرُه فاتَتِ المَصلَحةُ التي طَلبَها الشَّارِعُ مِنْ كلِّ مُكَلَّفٍ.
ولأنَّ الصَّلاةَ مِنْ الواجِبِ الذي تُعُبِّدَ به الإنسانُ في عَينهِ؛ لأنَّ ما تُعُبِّدَ به في عَينِه، كالوُضوءِ والصَّلاةِ، لا يَصحُّ أنْ يَنوبَ عنه في ذلك غيرُه (١).
قالَ ابنُ العَرَبيِّ ﵀: ولا تَجوزُ النِّيابةُ فيها بحالٍ -أي: الصَّلاةِ- بإجماعِ الأُمَّةِ، وإنَّما يُؤدِّيها المُكَلَّفُ ولو بأشفارِ عَيْنَيْه، إلَّا في رَكعَتَيِ الطَّوافِ (٢).
стр. 6234
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ وسائِرُ العُلماءِ إلى أنَّ النِّيابةَ في الصَّلاةِ لا تَصحُّ بحالٍ، مَع قُدرةٍ ولا عَجزٍ؛ لأنَّ الصَّلاةَ كالإيمانِ، لأنَّها قَولٌ وعَمَلٌ ونِيَّةٌ، ثم لَم تَجُزِ النِّيابةُ في الإيمانِ إجماعًا، فلَمْ تَجُزْ في الصَّلاةِ حِجَاجًا، فأمَّا رَكعَتا الطَّوافِ؛ فلأنَّها تَبَعٌ لِمَا تَصحُّ فيه النِّيابةُ، فخُصَّتْ بالجَوازِ؛ لِاختِصاصِها بالمَعنى (١).
قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: المَقصودُ الأصلِيُّ مِنْ التَّكاليفِ الِابتِلاءُ؛ لِيَظهَرَ مِنْ المُكَلَّفِ ما سبَق العِلمُ الأزَلِيُّ بوُقوعِه مِنه مِنْ الِامتِثالِ بالصَّبرِ على ما أُمِرَ به تارِكًا هَوَى نَفْسِه، لِإقامةِ أمْرِ رَبِّه فيُثابَ، أو من المُخالَفةِ فيُعفَى عنه، أو يُعاقَبَ، فتحقَّقَ بذلك آثارُ صِفاتِه تَعالى؛ فإنَّه تَعالى اقتَضَتْ حِكمَتُه الباهِرةُ وكمالُ فَضلِه وإحسانِه ألَّا يُعذِّبَ بما علِم أنَّه سَيَقَعُ مِنْ المُخالَفةِ قبلَ ظُهورِه عن اختِيارِ المُكَلَّفِ.
ثم مِنْ التَّكاليفِ العِباداتُ، وهي بَدنيَّةٌ وماليَّةٌ ومُرَكَّبةٌ مِنهُما، والمَشقَّةُ في البَدنيَّةِ تُقيِّدُ الجَوارِحَ والنَّفْسَ بالأفعالِ المَخصوصةِ في مَقامِ الخِدمةِ، وفي الماليَّةِ في تَنقيصِ المالِ المَحبوبِ لِلنَّفْسِ، وفيها مَقصودٌ آخَرُ، وهو سَدُّ حاجةِ المُحتاجِ، والمَشقَّةُ فيها ليسَتْ به، بَلِ التَّنقيصُ، فكلُّ ما تَضمَّن المَشقَّةَ لا يَخرُجُ عن عُهدَتِه، إلَّا بفِعلِه بنَفْسِه؛ إذْ بذلك يَتحقَّقُ مَقصودُ الِابتِلاءِ والِاختِبارِ؛ فلِذا لَم تَجُزِ النِّيابةُ في
стр. 6235
البَدنيَّةِ؛ لأنَّ فِعلَ غيرِه لا يَتحقَّقُ به الِاشتِقاقُ على نَفْسِه بمُخالَفةِ هَواها بالصَّبرِ عليه (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ في المُوكَّلِ فيه أنْ يَكونَ قابِلًا لِلنِّيابةِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ إنابةٌ، فما لا يَقبَلُها لا يَقبَلُ التَّوكيلَ، فلا يَصحُّ التَّوكيلُ في عِبادةٍ، كالصَّلاةِ والصَّومِ والِاعتِكافِ؛ وإنْ لَم تَحتَجْ إلى نِيَّةٍ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنها ابتِلاءُ الشَّخصِ وامتِحانُه، إلَّا الحَجَّ عندَ العَجزِ، والعُمرةَ؛ لِلأحاديثِ السَّابِقةِ، ويَندَرِجُ فيهِما تَوابِعُهما، كَرَكعَتَيِ الطَّوافِ، وإنْ كانَتِ الصَّلاةُ ممَّا لا تَصحُّ فيها النِّيابةُ، وتَفرِقةِ الزَّكاةِ، والكَفَّاراتِ، وصَدَقةِ التَّطوُّعِ، وذَبْحِ الهَدايا والعَقيقةِ وشاةِ الوَليمةِ.
قالَ الماوَرديُّ ﵀: وجُملةُ الأعمالِ أنَّها تَنقَسِمُ إلى أربَعةِ أقسامٍ: قِسمٍ يَجوزُ فيه التَّوكيلُ مَع العَجزِ والقُدرةِ، وقِسمٍ لا يَجوزُ التَّوكيلُ فيه، مَع العَجزِ والقُدرةِ، وقِسمٍ يَجوزُ التَّوكيلُ فيه مَع العَجزِ، ولا يَجوزُ مَع القُدرةِ، وقِسمٍ لا يَجوزُ التَّوكيلُ فيه مَع القُدرةِ، واختَلَفوا في جَوازِ التَّوكيلِ فيه مَع العَجزِ.
فأمَّا القِسمُ الأوَّلُ … ثم ذكَره.
وأمَّا القِسمُ الثَّاني وهو ما لا يَجوزُ التَّوكيلُ فيه مَع القُدرةِ والعَجزِ، فهو ما كانَ مِنْ العِباداتِ التي وُضِعَتْ إخلاصًا، كالصَّلاةِ، أو زَجرًا، كالأيمانِ واللِّعَانِ.