ملَك به تَجديدَه بالرَّجعةِ مِنْ بابِ أَوْلَى؛ ولأنَّه يَملِكُ بالتَّوكيلِ الأقوَى، وهو إنشاءُ النِّكاحِ، فالأضعَفُ -وهو تَلافِيهِ بالرَّجعةِ- أَوْلَى.
وقالَ الحَنابِلةُ: يَصحُّ التَّوكيلُ في الرَّجعةِ؛ لكنْ لا يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ زَوجَتَه في رَجعةِ نَفْسِها، أو رَجعةِ غيرِها مِنْ مُطَلَّقاتِه؛ لأنَّها مَمنوعةٌ مِنْ مُباشَرةِ التَصرُّفِ في إيجابِ نِكاحِ نَفْسِها ابتِداءً، فمُنِعَتْ مِنْ التَّوكيلِ في الرَّجعةِ المُقتَضِيةِ لِاستِمرارِ النِّكاحِ دَوامًا؛ إذْ لا فَرقَ بينَهما، لَكِنِ استَظهَرَ الخَلوَتيُّ مُعلِّلًا لها بأنَّه لا يُتوَقَّفُ على صِيغةٍ مِنه.
ولا يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ مُسلِمٌ كافِرًا في رَجعةِ زَوجةٍ مُسلِمةٍ؛ لأنَّه لا يَصحُّ تَوكيلٌ في شَيءٍ إلَّا ممَّن يَصحُّ تَصرُّفُه فيه.
وذهَب الشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّه لا يَجوزُ التَّوكيلُ في الرَّجعةِ، كما لا يَجوزُ التَّوكيلُ في الإيلاءِ والظِّهارِ (١).
التَّوكيلُ على الإمامةِ في الصَّلَواتِ وفي خُطبةِ الجُمُعةِ:
قالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ تَوكيلُ غيرِه في الإمامةِ بمَحَلٍّ يَؤمُّ فيه النَّاسَ، أو يَخطُبُ عنه، فيَجُوزُ (٢).
стр. 6232
وقالَ الدُّسوقيُّ ﵀: وزادَ بعضُهمُ الوَظيفةَ، كَأذانٍ، وإمامةٍ وقِراءةٍ بمَكانٍ مَخصوصٍ، فتَجوزُ النِّيابةُ فيها، حيثُ لَم يَشترِطِ الواقِفُ عَدَمَ النِّيابةِ فيها.
واعلَمْ أنَّه إذا شَرَطُ الواقِفِ عَدَمَها لَم يَكُنِ المَعلومُ لِلأصلِيِّ؛ لِتَركِه، ولا لِلنَّائِبِ؛ لِعدمِ تَقرُّرِه في الوَظيفةِ أصالةً، وإنْ لَم يَشترِطِ الواقِفُ عَدمَ النِّيابةِ فالمَعلومُ يَكونُ لِصاحِبِ الوَظيفةِ المُقرَّرِ فيها، وهو مَع النَّائِبِ على ما تَراضَيَا عليه مِنْ قَليلٍ أو كَثيرٍ، كانتْ الِاستِنابةُ لِضَرورةٍ أو لا، كما قالَه المَنُوفيُّ، واختارَه ابنُ وَعِجٍ، وهو أسهَلُ الأقوالِ.
وقالَ القَرافيُّ ﵀: إنْ كانَتْ الِاستِنابةُ لِضَرورةٍ فكَذلك، وإلَّا فلا شَيءَ لِلنَّائِبِ ولا لِلمَنوبِ عنه مِنْ المَعلومِ (١).
وَسُئِلَ الرَّمْليُّ الشَّافِعيُّ ﵀: عَمَّا إذا وكَّل المُؤذِّنُ في الأذانِ وَكيلًا هَلْ هو جائِزٌ أو لا يَجوزُ إلَّا إذا نَصَّبَه القاضي أو الإمامُ في ذلك المَحَلِّ؟ وهَل تَجوزُ الوَكالةُ إذا نَصَّبَه الآحادُ؟ أوضِحوا لَنا إيضاحًا وافيًا يَزولُ به الرَّيبُ، ويُشفَى به العَليلُ، زادَكم اللَّهُ خَيرًا، وأمَدَّ أيَّامَكُم؟
فأجابَ بأنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في الأذانِ؛ لأنَّه قُربةٌ، أجْرُه لِفاعِلِه، فلا تُقبَلُ النِّيابةُ، واللَّهُ تَعالى أعلَمُ (٢).
стр. 6233
ثالِثًا: الأُمورُ التي لا يَصحُّ التَّوكيلُ فيها بالاتِّفاقِ:
التَّوكيلُ في الصَّلاةِ:
أَجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ ولا النِّيابةُ في الصَّلاةِ بحالٍ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنْ العِبادةِ البَدنيَّةِ إتْعابُ البَدَنِ وقَهْرُ النَّفسِ الأمَّارةِ بالسُّوءِ، وامتِحانُ المُكَلَّفِ، ولا يَحصُلُ بفِعلِ النَّائِبِ، ولأنَّ المَصلَحةَ التي اشتَمَلَتْ عليها هي الخُضوعُ والخُشوعُ وإجلالُ الرَّبِّ وإظهارُ العُبوديةِ له، ولا يَلزَمُ مِنْ خُضوعِ الوَكيلِ خُضوعُ المُوكِّلِ؛ فإذا فَعلَها غيرُه فاتَتِ المَصلَحةُ التي طَلبَها الشَّارِعُ مِنْ كلِّ مُكَلَّفٍ.
ولأنَّ الصَّلاةَ مِنْ الواجِبِ الذي تُعُبِّدَ به الإنسانُ في عَينهِ؛ لأنَّ ما تُعُبِّدَ به في عَينِه، كالوُضوءِ والصَّلاةِ، لا يَصحُّ أنْ يَنوبَ عنه في ذلك غيرُه (١).
قالَ ابنُ العَرَبيِّ ﵀: ولا تَجوزُ النِّيابةُ فيها بحالٍ -أي: الصَّلاةِ- بإجماعِ الأُمَّةِ، وإنَّما يُؤدِّيها المُكَلَّفُ ولو بأشفارِ عَيْنَيْه، إلَّا في رَكعَتَيِ الطَّوافِ (٢).
стр. 6234
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ وسائِرُ العُلماءِ إلى أنَّ النِّيابةَ في الصَّلاةِ لا تَصحُّ بحالٍ، مَع قُدرةٍ ولا عَجزٍ؛ لأنَّ الصَّلاةَ كالإيمانِ، لأنَّها قَولٌ وعَمَلٌ ونِيَّةٌ، ثم لَم تَجُزِ النِّيابةُ في الإيمانِ إجماعًا، فلَمْ تَجُزْ في الصَّلاةِ حِجَاجًا، فأمَّا رَكعَتا الطَّوافِ؛ فلأنَّها تَبَعٌ لِمَا تَصحُّ فيه النِّيابةُ، فخُصَّتْ بالجَوازِ؛ لِاختِصاصِها بالمَعنى (١).
قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: المَقصودُ الأصلِيُّ مِنْ التَّكاليفِ الِابتِلاءُ؛ لِيَظهَرَ مِنْ المُكَلَّفِ ما سبَق العِلمُ الأزَلِيُّ بوُقوعِه مِنه مِنْ الِامتِثالِ بالصَّبرِ على ما أُمِرَ به تارِكًا هَوَى نَفْسِه، لِإقامةِ أمْرِ رَبِّه فيُثابَ، أو من المُخالَفةِ فيُعفَى عنه، أو يُعاقَبَ، فتحقَّقَ بذلك آثارُ صِفاتِه تَعالى؛ فإنَّه تَعالى اقتَضَتْ حِكمَتُه الباهِرةُ وكمالُ فَضلِه وإحسانِه ألَّا يُعذِّبَ بما علِم أنَّه سَيَقَعُ مِنْ المُخالَفةِ قبلَ ظُهورِه عن اختِيارِ المُكَلَّفِ.
ثم مِنْ التَّكاليفِ العِباداتُ، وهي بَدنيَّةٌ وماليَّةٌ ومُرَكَّبةٌ مِنهُما، والمَشقَّةُ في البَدنيَّةِ تُقيِّدُ الجَوارِحَ والنَّفْسَ بالأفعالِ المَخصوصةِ في مَقامِ الخِدمةِ، وفي الماليَّةِ في تَنقيصِ المالِ المَحبوبِ لِلنَّفْسِ، وفيها مَقصودٌ آخَرُ، وهو سَدُّ حاجةِ المُحتاجِ، والمَشقَّةُ فيها ليسَتْ به، بَلِ التَّنقيصُ، فكلُّ ما تَضمَّن المَشقَّةَ لا يَخرُجُ عن عُهدَتِه، إلَّا بفِعلِه بنَفْسِه؛ إذْ بذلك يَتحقَّقُ مَقصودُ الِابتِلاءِ والِاختِبارِ؛ فلِذا لَم تَجُزِ النِّيابةُ في
стр. 6235
البَدنيَّةِ؛ لأنَّ فِعلَ غيرِه لا يَتحقَّقُ به الِاشتِقاقُ على نَفْسِه بمُخالَفةِ هَواها بالصَّبرِ عليه (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ في المُوكَّلِ فيه أنْ يَكونَ قابِلًا لِلنِّيابةِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ إنابةٌ، فما لا يَقبَلُها لا يَقبَلُ التَّوكيلَ، فلا يَصحُّ التَّوكيلُ في عِبادةٍ، كالصَّلاةِ والصَّومِ والِاعتِكافِ؛ وإنْ لَم تَحتَجْ إلى نِيَّةٍ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنها ابتِلاءُ الشَّخصِ وامتِحانُه، إلَّا الحَجَّ عندَ العَجزِ، والعُمرةَ؛ لِلأحاديثِ السَّابِقةِ، ويَندَرِجُ فيهِما تَوابِعُهما، كَرَكعَتَيِ الطَّوافِ، وإنْ كانَتِ الصَّلاةُ ممَّا لا تَصحُّ فيها النِّيابةُ، وتَفرِقةِ الزَّكاةِ، والكَفَّاراتِ، وصَدَقةِ التَّطوُّعِ، وذَبْحِ الهَدايا والعَقيقةِ وشاةِ الوَليمةِ.
قالَ الماوَرديُّ ﵀: وجُملةُ الأعمالِ أنَّها تَنقَسِمُ إلى أربَعةِ أقسامٍ: قِسمٍ يَجوزُ فيه التَّوكيلُ مَع العَجزِ والقُدرةِ، وقِسمٍ لا يَجوزُ التَّوكيلُ فيه، مَع العَجزِ والقُدرةِ، وقِسمٍ يَجوزُ التَّوكيلُ فيه مَع العَجزِ، ولا يَجوزُ مَع القُدرةِ، وقِسمٍ لا يَجوزُ التَّوكيلُ فيه مَع القُدرةِ، واختَلَفوا في جَوازِ التَّوكيلِ فيه مَع العَجزِ.
فأمَّا القِسمُ الأوَّلُ … ثم ذكَره.
وأمَّا القِسمُ الثَّاني وهو ما لا يَجوزُ التَّوكيلُ فيه مَع القُدرةِ والعَجزِ، فهو ما كانَ مِنْ العِباداتِ التي وُضِعَتْ إخلاصًا، كالصَّلاةِ، أو زَجرًا، كالأيمانِ واللِّعَانِ.
стр. 6236
فأمَّا الطَّهارةُ فتَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ: قِسمٍ يَجوزُ فيه التَّوكيلُ والنِّيابةُ، وهو إزالةُ النَّجاسةِ.
وَقِسمٍ لا يَجوزُ فيه التَّوكيلُ، وهو رَفعُ الحَدَثِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنه الإخلاصُ والعَملُ بالنِّيَّةِ، فلَو أنَّ رَجُلًا أمَرَّ على أعضاءِ رَجُلٍ بأمْرٍ ونَوَى المَغسولةُ أعضاؤُه الطَّهارةَ لِلصَّلاةِ جازَ، ولَم تَكُنْ هذه وَكالةً، وكانَتْ مَعونةً، كما يُعاوِنُه باستِقاءِ الماءِ، وبِإعارةِ ثَوبٍ.
والقِسمُ الثَّالثُ مِنْ الطَّهارةِ ما سقَط فَرضُه بفِعلِ الآخَرينَ، مِنْ غيرِ أنْ يَكونَ وَكالةً، وهو غُسلُ المَيِّتِ، وهو فَرضٌ على الكِفايةِ، فإذا فَعلَه أحَدُهم أُسقِطَ به الفَرضُ عن غيرِه، وإنْ لَم يَكُنْ وَكيلًا (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَصحُّ التَّوكيلُ في عِبادةٍ بَدنيَّةٍ مَحضةٍ لا تَتعلَّقُ بالمالِ، كَصَلاةٍ وصَومٍ وطَهارةٍ مِنْ حَدَثٍ أصغَرَ أو أكبَرَ، ونحوِه، كاعتِكافٍ وغُسلِ جُمُعةٍ وتَجديدِ وُضُوءٍ، فلا تَصحُّ الوَكالةُ فيها؛ لأنَّها تَتعلَّقُ ببَدَنِ مَنْ هي عليه؛ لأنَّ الثَّوابَ عليه لِأمْرٍ يَخُصُّ المُعتَكِفَ، وهو لُبثُ ذاتِه في المَسجِدِ، فلا تَدخُلُه النِّيابةُ.
وأمَّا الوَكالةُ في تَطهيرِ البَدَنِ والثَّوبِ مِنْ النَّجاسةِ فتَصحُّ؛ لأنَّها مِنْ التُّرُوكِ.
стр. 6237
وَيَصحُّ أيضًا أنْ يَنويَ رَفْعَ الحَدَثِ ويَستَنيبَ مَنْ يَصُبُّ له الماءَ أو يَغسِلُ له أعضاءَه (١).
التَّوكيلُ والنِّيابةُ في الصِّيامِ:
لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في الصِّيامِ، فلا يَصحُّ لِأحَدٍ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَصومُ عنه في حالِ الحَياةِ بحالٍ، واختَلَفوا: هَلْ تَدخُلُه النِّيابةُ بعدَ المَماتِ أو لا؟
فَذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في الجَديدِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ أنْ يَصومَ أحَدٌ عن أحَدٍ؛ لأنَّ الصِّيامَ مِنْ الواجِبِ الذي تُعُبِّدَ به الإنسانُ في عَينهِ؛ لأنَّ ما تُعُبِّدَ به في عَينِه، كالوُضوءِ والصَّلاةِ والصِّيامِ، لا يَصحُّ أنْ يُنيبَ في ذلك غيرَه (٢).
قالَ ابنُ العَرَبيِّ ﵀: الصِّيامُ لا تَجوزُ النِّيابةُ فيه بحالٍ (٣).
стр. 6238
قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: المَقصودُ الأصلِيُّ مِنْ التَّكاليفِ الِابتِلاءُ؛ لِيَظهَرَ مِنْ المُكَلَّفِ ما سبَق العِلمُ الأزَليُّ بوُقوعِه مِنه، مِنْ الِامتِثالِ بالصَّبرِ على ما أُمِرَ به، تارِكًا هَوَى نَفْسِه؛ لِإقامةِ أمْرِ رَبِّه، فيُثابَ، أو من المُخالَفةِ فيُعفَى عنه أو يُعاقَبَ، فتحقَّقَ بذلك آثارُ صِفاتِه تَعالى؛ فإنَّه تَعالى اقتَضَتْ حِكمَتُه الباهِرةُ وكمالُ فَضلِه وإحسانِه ألَّا يُعَذِّبَ بما علِم أنَّه سَيَقَعُ مِنْ المُخالَفةِ قبلَ ظُهورِه عن اختِيارِ المُكَلَّفِ.
ثم مِنْ التَّكاليفِ العِباداتُ، وهي بَدنيَّةٌ وماليَّةٌ ومُركَّبةٌ مِنهُما، والمَشقَّةُ في البَدنيَّةِ تُقيِّدُ الجَوارِحَ والنَّفْسَ بالأفعالِ المَخصوصةِ في مَقامِ الخِدمةِ … فكلُّ ما تَضمَّن المَشقَّةَ لا يَخرُجُ عن عُهدَتِه إلَّا بفِعلِه بنَفْسِه؛ إذْ بذلك يَتحقَّقُ مَقصودُ الِابتِلاءِ والِاختِبارِ؛ فلِذا لَم تَجُزِ النِّيابةُ في البَدنيَّةِ؛ لأنَّ فِعلَ غيرِه لا يَتحقَّقُ به الِاشتِقاقُ على نَفْسِه بمُخالَفةِ هَواها بالصَّبرِ عليه (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: وجُملةُ الأعمالِ أنَّها تَنقَسِمُ إلى أربَعةِ أقسامٍ: قِسمٍ يَجوزُ فيه التَّوكيلُ مَع العَجزِ والقُدرةِ، وقِسمٍ لا يَجوزُ التَّوكيلُ فيه، مَع العَجزِ والقُدرةِ، وقِسمٍ يَجوزُ التَّوكيلُ فيه مَع العَجزِ، ولا يَجوزُ مَع القُدرةِ، وقِسمٍ لا يَجوزُ التَّوكيلُ فيه مَع القُدرةِ، واختَلَفوا في جَوازِ التَّوكيلِ فيه مَع العَجزِ … فَممَّا لا يَجوزُ فيه التَّوكيلُ مَع القُدرةِ واختَلفَ قَولُه في جَوازِ التَّوكيلِ فيه مَع العَجزِ، الصِّيامُ؛ فإنَّ مَنْ وجَب عليه الفَرضُ حَيًّا لَم يَجُزِ الصِّيامُ عنه، سَواءٌ كانَ عاجِزًا أو مُطيقًا، وإنْ كانَ مَيِّتًا كانَ الشَّافِعيُّ يَقولُ في
стр. 6239
القَديمِ: يَجوزُ الصِّيامُ عنه؛ لِخَبَرٍ رُوِيَ فيه، ورجَع عنه في الجَديدِ، ومَنعَ مِنْ الصِّيامِ عنه لِضَعفِ الخَبَرِ، واحتِمالِ التَّأويلِ فيه إنْ صَحَّ (١).
وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشَّافِعيُّ في القَديمِ -وهو اختِيارُ النَّوَويِّ- إلى أنَّ مَنْ ماتَ وعليه صَومٌ مَنذورٌ صامَ عنه وَليُّه.
قالَ في «الإنصافِ»: يُستحَبُّ لِلوَليِّ فِعلُه، واعلَمْ أنَّه إذا كانَ له تَرْكُه وجَب فِعلُه، فيُستحَبُّ لِلوَليِّ الصَّومُ، وله أنْ يَدفعَ إلى مَنْ يَصومُ عنه مِنْ تَرِكَتِه عن كلِّ يَومٍ مِسكينًا؛ فَإنْ لَم يَكُنْ له تَرْكُه لَم يَلزَمْه شَيءٌ (٢).
واستَدَلَّ الحَنابِلةُ والنَّوَويُّ على ذلك بما يَأتي:
١ - بحَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي ماتَتْ وعليها صَومُ شَهرٍ [وفي رِوايةٍ: صَومُ نَذْرٍ] أفَأقْضيه عَنها؟ فقالَ: «لَوْ كَانَ على أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ تَقْضِيهُ عَنْهَا؟»، قالَ: نَعم، قالَ: «فدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقضَى» (٣).
٢ - بحَديثِ بُريدةَ قالَ: بَينا أنا جالِسٌ عندَ رَسولِ اللَّه ﷺ ؛ إذْ أتَتْه امرَأةٌ، فقالَتْ: إنِّي تَصَدَّقتُ على أُمِّي بجاريةٍ، وإنَّها ماتَتْ، قالَ: فقالَ: «وجَب أجرُكِ، ورَدَّها عَلَيكِ المِيراثُ»، قالَت: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّه كانَ عليها
стр. 6240
صَومُ شَهرٍ، أفَأصومُ عَنها؟ قالَ: «صُومِي عَنها … » الحَديثَ (١).
٣ - بحَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁: أنَّ امرَأةً رَكِبَتِ البَحرَ، فنَذَرَتْ إنْ نَجَّاها اللَّهُ أنْ تَصومَ شَهرًا، فنَجَّاها اللَّهُ، فلَمْ تَصُمْ حتى ماتَتْ، فجاءَتِ ابنَتُها، أو أُختُها، إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأمَرَها أنْ تَصومَ عَنها (٢).
وَتَقدَّمتِ المَسألةُ في كِتابِ الصِّيامِ بالتَّفصيلِ.
التَّوكيلُ في الأيْمانِ والنُّذورِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في الأيْمانِ والنُّذورِ، فلا يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَحلِفُ يَمينًا عَنهُ؛ لأنَّ اليَمينَ لا تَقبَلُ النِّيابةَ، لأنَّها مِنْ الأعمالِ البَدنيَّةِ، وتَتعلَّقُ بعَينِ الحالِفِ، ولأنَّها تُشبِهُ العِبادةَ؛ لِتَعلُّقِها بتَعظيمِ اللَّهِ تَعالى، ولأنَّها تُفيدُ صِدقَ الحالِفِ بما يَعلَمُه مِنْ نَفْسِه، وصِدقُ الوَكيلِ بها لا يَدُلُّ على صِدقِ مُوكِّلِه.
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ الفِعلَ الذي طَلبَه الشَّارِعُ مِنْ الشَّخصِ ثَلاثةُ أقسامٍ:
الأوَّلُ: ما كانَ مُشتَمِلًا على مَصلَحةٍ مَنظورٍ فيها لِخُصوصِ الفاعِلِ، فهذا لا تَحصُلُ له مَصلَحَتُه إلَّا بالمُباشَرةِ، وتُمنَعُ فيه النِّيابةُ قَطعًا، وذلك كاليَمينِ والإيمانِ والصَّلاةِ والصِّيامِ والنِّكاحِ، بمعنَى الوَطءِ، ونحوِها؛ فإنَّ مَصلَحةَ اليَمينِ الدَّلالةُ على صِدقِ المُدَّعِي، وذلك غيرُ حاصِلٍ بحَلِفِ
стр. 6241
غيرِه، ولِذلك قيلَ: ليسَ في السُّنَّةِ أنْ يَحلِفَ أحَدٌ ويَستحقَّ غيرُه، ومَصلَحةُ الإيمانِ الإجلالُ والتَّعظيمُ وإظهارُ العُبوديةِ للهِ، وإنَّما تَحصُلُ مِنْ جِهةِ الفاعِلِ، وكَذلك الصِّيامُ والصَّلاةُ، ومَصلَحةُ النِّكاحِ -بمعنَى الوَطءِ-: الإعفافُ، وتَحصيلُ وَلَدٍ يُنسَبُ إليه، وذلك لا يَحصُلُ بفِعلِ غيرِه، بخِلافِ النِّكاحِ، بمعنَى العَقدِ؛ فإنَّ مَصلَحَتَه تَحقيقُ سَبَبِ الإباحةِ، وهو يَتحقَّقُ بفِعلِ الوَكيلِ، كَتَحَقُّقِه بفِعلِ المُوكِّلِ.
الثَّاني: ما كانَ مُشتَمِلًا على مَصلَحةٍ مَنظورٍ فيها لِذَاتِ الفِعلِ مِنْ حيثُ هو، وهذا لا يَتوقَّفُ حُصولُ مَصلَحَتِه على المُباشَرةِ، وحينَئذٍ تَصحُّ فيه النِّيابةُ قَطعًا، وذلك كَرَدِّ العَوارِي والوَدائِعِ والمَغصوباتِ لِأهلِها، وقَضاءِ الدُّيونِ، وتَفريقِ الزَّكاةِ ونحوِها؛ فإنَّ مَصلَحةَ هذه الأشياءِ إيصالُ الحُقوقِ لِأهلِها، وذلك ممَّا يَحصُلُ بفِعلِ المُكَلَّفِ لها وغيرِه، فيَبرَأُ المأْمورُ بها بفِعلِ الآخَرينَ، وإنْ لَم يَشعُرْ.
والثَّالثُ: ما كانَ مُشتَمِلًا على مَصلَحةٍ مَنظورٍ فيها لِجِهةِ الفِعلِ ولِجِهةِ الفاعِلِ، فهو مُتَرَدِّدٌ بينَهما، واختَلفَ العُلماءُ في هذا بأيِّهما يُلحَقُ، وذلك كالحَجِّ؛ فإنَّه عِبادةٌ مَعها إنْفاقُ مالٍ، فمالِكٌ ومَن وافَقَه رَأوْا أنَّ مَصلَحَتَه تَأديبُ النَّفسِ وتَهذيبُها وتَعظيمُ شَعائِرِ اللَّهِ في تلك البِقاعِ، وإظهارُ الِانقيادِ إليه، وهذا أمْرٌ مَطلوبٌ مِنْ كلِّ قادِرٍ؛ فإذا فَعلَه إنسانٌ عنه فاتَتِ المَصلَحةُ التي طَلبَها الشَّارِعُ مِنه، ورَأوْا أنَّ إنفاقَ المالِ فيه أمْرٌ عارِضٌ، بدَليلِ المَكِّيِّ؛ فإنَّه يَحُجُّ بلا مالٍ، فقَد ألحَقوه بالقِسمِ الأوَل؛ لأنَّ
стр. 6242
هذه المَصالِحَ لا تَحصُلُ بفِعلِ الآخَرِ عنه، ولِذا كانَ لا يَسقُطُ الفَرضُ عَمَّن حَجَّ عنه وله أُجرةُ النَّفَقةِ والدُّعاءِ، والشَّافِعيُّ وغيرُه رَأوْا أنَّ المَصلَحةَ فيه القُربةُ الماليَّةُ التي لا يَنفَكُّ عَنها في الأغلَبِ، فألحَقوه بالقِسمِ الثاني (١).
التَّوكيلُ في اللِّعَانِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في اللِّعَانِ؛ لأنَّه يَمينٌ، أو شَهادةٌ، والنِّيابةُ لا تَصحُّ في واحِدٍ مِنهُما، لأنَّها تُفيدُ صِدقَ الحالِفِ بما يَعلَمُه مِنْ نَفْسِه، وصِدقُ الوَكيلِ بها لا يَدُلُّ على صِدقِ مُوكِّلِه (٢).
стр. 6243
التَّوكيلُ في الإيلاءِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في الإيلاءِ؛ لأنَّه يَمينٌ، فلا يَصحُّ فيه الوَكالةُ (١).
التَّوكيلُ في القَسْمِ بينَ الزَّوجاتِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في القَسْمِ بينَ الزَّوجاتِ؛ لأنَّه يَتعلَّقُ ببَدَنِ الزَّوجِ لِأمْرٍ لا يُوجَدُ مِنْ غيرِه (٢).
التَّوكيلُ في المَعاصي:
لا خِلافَ بينَ عُلماءِ الأمَّةِ أنَّه لا يَجوزُ التَّوكيلُ في المَعاصي، كالسَّرِقةِ والزِّنا والقَتلِ والغَصبِ، ولا في الجِناياتِ، وما أشبَهَ ذلك مِنْ المَعاصي؛ لأنَّه مُحرَّمٌ؛ لأنَّه لا يَجوزُ لِلمُوكِّلِ أنْ يَفعَلَه بنَفْسِهِ؛ لأنَّه باطِلٌ وظُلمٌ، ولا يَصحُّ ولا يَحِلُّ أنْ يُوكِّلَ فيه غيرَه (٣).
стр. 6244
التَّوكيلُ في الشَّهادةِ:
ذهَب جَماهيرُ أهلِ العِلمِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في الشَّهادةِ؛ لأنَّها تَتعلَّقُ بعَينِ الشَّهادةِ؛ لِكَونِها خَبَرًا عَمَّا رَآه أو سمِعه، ولا يَتحقَّقُ هذا المعنَى في نائِبِه، فإنِ استَنابَ فيها كانَ النَّائِبُ شاهِدًا على شَهادَتِه؛ لِكَونِه يُؤدِّي ما سمِعه مِنْ شاهِدِ الأصْلِ، وليسَ وَكيلًا (١).
قالَ الشَّافِعيَّةُ: ولا يَصحُّ التَّوكيلُ في شَهادةٍ؛ لِبِنائِها على التَّعَبُّدِ واليَقينِ الذي لا يُمكِنُ النِّيابةُ فيه، ولأنَّا احتَطْنا فيها، ولَم يَقُمْ غيرُ لَفْظِها مَقامَها، فأُلحِقَتْ بالعِبادةِ، ولأنَّ الحُكمَ مَنوطٌ بعِلمِ الشَّاهِدِ، وهو غيرُ حاصِلٍ لِلوَكيلِ.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: فإنْ قيلَ: الشَّهادةُ على الشَّهادةِ باستِرعاءٍ ونحوِه جائِزةٌ، كما سَيَأتي، فهَلَّا كانَ هُنا كَذلك؟
أُجيبَ بأنَّ ذلك ليسَ بتَوكيلٍ، كما صرَّح به القاضي أبو الطَّيِّبِ، وابنُ الصَّبَّاغِ، بَلْ شَهادةٌ على شَهادةٍ؛ لأنَّ الحاجةَ جعَلتِ المُتحمِّلَ عنه بمَنزِلةِ الحاكِمِ المُؤَدَّى عنه عندَ حاكِمٍ آخَرَ (٢).
وأمَّا الحَنفيَّةُ فلَم أقِفْ لهم على قَولٍ في حُكمِ التَّوكيلِ في الشَّهادةِ.
стр. 6245
فصل في بَيانِ حُقوقِ العَقدِ
حُقوقُ العَقدِ هَلْ تَتعلَّقُ بالمُوكِّلِ أوِ الوَكيلِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اشترَى الوَكيلُ لِمُوكِّلِه شَيئًا بإذْنِه، هَلْ يَنتقِلُ المِلْكُ مِنْ البائِعِ إلى المُوكِّلِ أو يَدخُلُ في مِلْكِ الوَكيلِ، ثم يَنتقِلُ إلى المُوكِّلِ؟
فَذهَب الحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا اشترَى الوَكيلُ لِمُوكِّلِه شَيئًا بإذْنِه انتَقَلَ المِلْكُ مِنْ البائِعِ إلى المُوكِّلِ، ولَم يَدخُلْ في مِلْكِ الوَكيلِ؛ لأنَّه قبلَ عَقدًا لِغيرِه، صَحَّ له، فوجَب أنْ يَنتقِلَ المِلْكُ إليه، كالأبِ والوَصِيِّ، وكما لو تَزوَّج له.
قالَ الحَنابِلةُ: حُقوقُ العَقدِ كَتَسليمِ الثَّمَنِ وقَبْضِ المَبيعِ وضَمانِ الدَّرْكِ والرَّدِّ بالعَيبِ ونحوِها، سَواءٌ كانَ العَقدُ ممَّا يَجوزُ إضافَتُه إلى الوَكيلِ، كالبَيعِ والإجارةِ، أو لا، كالنِّكاحِ، مُتعلِّقةٌ بالمُوكِّلِ؛ لِوُقوعِ العَقدِ له؛ لأنَّ المِلْكَ يَنتقِلُ إلى المُوكِّلِ ابتِداءً، ولا يَدخُلُ المَبيعُ في مِلْكِ الوَكيلِ؛ لأنَّه قبلَ عَقدًا لِغيرِه صَحَّ له، فوجَب أنْ يَنتقِلَ المِلْكُ إليه، كالأبِ والوَصِيِّ، وكما لو تَزوَّج له.
стр. 6246
قالَ الإمامُ أحمَدُ ﵀: إذا دفَع لِرَجُلٍ ثَوبًا لِيَبيعَه، ففَعلَ، فوَهَبَ له المُشتَرِي مِنديلًا، فالمِنديلُ لِصاحِبِ الثَّوبِ. قالَ في «المُغني»: إنَّما قالَ ذلك لأنَّ هِبةَ المِنديلِ سَبَبُها البَيعُ، فمَنِ اشترَى شَيئًا بطَريقِ الوَكالةِ لَم يَدخُلْ في مِلْكِ الوَكيلِ.
فَلا يُعتِقُ قَريبُ وَكيلٍ عليه؛ لأنَّه لَم يَملِكْه، وكذا لو قالَ لِعَبدٍ: إنِ اشترَيتُكَ فأنتَ حُرٌّ، واشتَراه بالوَكالةِ لَم يُعتِقْ على الوَكيلِ.
ولا يُطالَبُ الوَكيلُ في الشِّراءِ بالثَّمَنِ، ولا يُطالَبُ الوَكيلُ في البَيعِ بتَسليمِ المَبيعِ، بَلْ يُطالَبُ بهِما المُوكِّلُ؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ مُتعلِّقةٌ بهِ.
فَعلَى هذا لو وكَّل مُسلِمٌ ذِميًّا، أو مُعاهَدًا، أو حَربيًّا في شِراءِ خَمرٍ أو خِنزيرٍ أو نحوِهما لَم يَصحَّ التَّوكيلُ؛ لأنَّ شِراءَ المُسلِمِ لِذلك لا يَصحُّ، فتَوكيلُه فيه كَذلك، ولا يَصحُّ الشِّراءُ؛ لِمَا سبَق.
ولا يَصحُّ إقرارُ الوَكيلِ على مُوكِّلِه بغيرِ ما وُكِّلَ فيهِ؛ لأنَّه إقرارٌ على غيرِه، كالأجنَبيِّ، لا عندَ الحاكِمِ، ولا عندَ غيرِه، ولا يَصحُّ صُلحُ الوَكيلِ عن مُوكِّلِه، ولا الإبراءُ عن مُوكِّلِه، إلَّا أنْ يُصَرِّحَ المُوكِّلُ بذِكرِ ذلك لِلوَكيلِ في تَوكيلِه، فيَملِكَ، كَسائِرِ ما يُوَكَّلُ فيه.
وَيَرُدُّ المُوكِّلُ المَبيعَ بعَيبٍ، أو تَدليسٍ، أو غَبْنٍ، ونحوِه، ويَضمَنُ المُوكِّلُ العُهدةَ إذا ظهَر المَبيعُ أوِ الثَّمَنَ مُستحَقًّا أو مَعيبًا، ونحوَ ذلك مِنْ سائِرِ ما يَتعلَّقُ بالعَقدِ؛ لِمَا تَقدَّم مِنْ أنَّ حُقوقَ العَقدِ مُتعلِّقةٌ به دونَ الوَكيلِ.
стр. 6247
وَيَختَصُّ الوَكيلُ بخِيارِ مَجلِسٍ لَم يَحضُرْه المُوكِّلُ؛ لأنَّه مِنْ تَعلُّقِ العَقدِ، كَإيجابٍ وقَبولٍ؛ فَإنْ حضَره المُوكِّلُ فالأمْرُ له، إنْ شاءَ حَجَرَ على الوَكيلِ فيه، أو أبْقاه له، مَع كَونِه يَملِكُهُ؛ لأنَّ الخِيارَ له حَقيقةً (١).
وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ حُقوقَ العَقدِ على ضَربَيْنِ:
الأوَّلُ: كلُّ ما يَصحُّ لِلوَكيلِ إضافَتُه إلى نَفْسِه، ويُستَغنَى عن إضافَتِه إلى المُوكِّلِ، مثلَ البَيعِ والشِّراءِ والإجارةِ ونحوِها، فحُقوقُ ذلك العَقدِ تَتعلَّقُ بالوَكيلِ دونَ المُوكِّلِ؛ إذْ يَكفي أنْ يَقولَ الوَكيلُ: بِعتُ واشترَيتُ وآجَرتُ وصالَحتُ؛ لأنَّ الوَكيلَ في هذا الضَّربِ هو العاقِدُ حَقيقةً؛ لأنَّ العَقدَ يَقومُ بكَلامِه، وكذا حُكمًا؛ لأنَّه يُستَغنَى عن إضافةِ العَقدِ إلى المُوكِّلِ، ولو كانَ سَفيرًا عنه لَمَا استَغنَى عن ذلك، كالرَّسولِ، وإذا كانَ كَذلك كانَ أصيلًا في الحُقوقِ، وتَتعلَّقُ به، ولِهذا يُسلِّمُ المَبيعَ ويَقبِضُ الثَّمَنَ، ويُطالِبُ بالثَّمَنِ إذا اشترَى، ويَقبِضُ المَبيعَ ويُخاصِمُ في العَيبِ، ويُخاصَمُ فيهِ؛ لأنَّ كلَّ ذلك مِنْ الحُقوقِ، والمِلْكُ يَثبُتُ لِلمُوكِّلِ خِلافةً عَنه، اعتِبارًا لِلتَّوكيلِ السَّابِقِ.
ولو وكَّل رَجُلًا بالبَيعِ والشِّراءِ على ألَّا تَتعلَّقَ به الحُقوقُ لا يَصحُّ هذا الشَّرطُ.
وهذا في الوَكيلِ، أمَّا الرَّسولُ فلا تَرجِعُ الحُقوقُ إليه، ولو ادَّعى أنَّه
стр. 6248
رَسولٌ، وقالَ البائِعُ: إنَّه وَكِيلٌ، وطالَبَه بالثَّمَنِ، فالقَولُ لِلمُشتَرِي، والبيِّنةُ على البائِعِ.
ولو أنَّ المُوكِّلَ طالَبَ المُشتَرِيَ بالثَّمَنِ، فليسَ له ذلك.
ولو أمَرَ الوَكيلُ المُوكِّلَ بقَبضِ الثَّمَنِ فأيُّهما طالَبَه أُجبِرَ المُشتَرِي على تَسليمِ الثَّمَنِ إليه، ولو نَهَى الوَكيلُ المُوكِّلَ عن قَبضِ الثَّمَنِ صَحَّ نَهْيُه، وإنْ نَهَى المُوكِّلُ الوَكيلَ عن قَبضِ الثَّمَنِ لا يَصحُّ نَهيُه، غيرَ أنَّ المُشتَرِيَ لو نقَد الثَّمَنَ إلى المُوكِّلِ يَبرَأُ عنه استِحسانًا.
ولو أنَّ الوَكيلَ أبرَأَ المُشتَرِيَ عن الثَّمَنِ، أو وَهَبَه له، أو بعضَه، أو حَطَّ عنه، فهو جائِزٌ، ويَضمَنُ الوَكيلُ لِلمُوكِّلِ ذلك، وهذا عندَهُما.
وقالَ أبو يُوسفَ ﵀: لا يَصحُّ إبراؤُه ولا هِبَتُه ولا حَطُّه، وكذا لو أخَّرَ عنه الثَّمَنَ، فهو على هذا الخِلافِ، ولو فَعلَ ذلك المُوكِّلُ صَحَّ بالإجماعِ.
الضَّربُ الثَّاني: ما يُضيفُه الوَكيلُ إلى مُوكِّلِه، أي: لا يَستَغني عن الإضافةِ إلى مُوكِّلِه حتى لو أضافَه إلى نَفْسِه، لا يَصحُّ، وذلك كالنِّكاحِ والخُلعِ والصُّلحِ عن دَمِ العَمْدِ، والتَّصَدُّقِ والهِبةِ والإعارةِ والإيداعِ والرَّهنِ والإقراضِ؛ فإنَّ حُقوقَ ذلك العَقدِ تَتعلَّقُ بالمُوكِّلِ دونَ الوَكيلِ، فلا يُطالِبُ وَكيلُ الزَّوجِ بالمَهرِ، ولا وَكيلُ المَرأةِ بتَسليمِها؛ لأنَّ الوَكيلَ فيها سَفيرٌ ومُعبِّرٌ مَحضٌ، والسَّفيرَ حاكٍ قولَ غيرِه، ومَن حَكَى قولَ غيرِه لا يَلزَمُه حُكمُ ذلك القَولِ، كَمَنْ حَكَى قَذْفَ غيرِه؛ فإنَّه لا يَكونُ قاذِفًا، ومَن حَكَى
стр. 6249
كُفرَ غيرِه؛ فإنَّه لا يَكونُ كافِرًا، ولِعدمِ استِغنائِه عن إضافَتِه إلى المُوكِّلِ.
فإنَّه إنْ أضافَه إلى نَفْسِه كانَ النِّكاحُ له، فكانَ كالرَّسولِ، وكانَتْ عِبارَتُه عِبارةَ المُرسِلِ، فكَأنَّ العَقدَ صَدَرَ مِنه، ومَن صَدَرَ مِنه العَقد رجَع إليه الحُقوقُ، كما في الضَّربِ الأوَل (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: أحكامُ عَقدِ البَيعِ وغيرِه وأحكامُ الحَلِّ كَذلك تَتعلَّقُ بالوَكيلِ دونَ المُوكِّلِ، فيُعتبَرُ في الرُّؤيةِ ولُزومِ العَقدِ بمُفارَقةِ المَجلِسِ والتَّقابُضِ في المَجلِسِ، حيثُ يُشترَطُ كالرِّبَوِيِّ ورَأْسِ مالِ السَّلَمِ الوَكيلُ، دونَ المُوكِّلِ؛ لأنَّ الوَكيلَ هو العاقِدُ حَقيقةً، وله الفَسخُ بخِيارِ المَجلِسِ، وإنْ أجازَه المالِكُ، وكذا بالخِيارِ المَشروطِ له وَحدَه.
وإذا اشترَى الوَكيلُ طالَبَه البائِعُ بالثَّمَنِ إنْ كانَ دفَعه إليه المُوكِّلُ لِلعُرفِ، سَواءٌ اشترَى بعَينِه أو في الذِّمةِ، ولِتَعلُّقِ أحكامِ العَقدِ بالوَكيلِ، وله مُطالَبةُ المُوكِّلِ أيضًا على المَذهبِ؛ لأنَّه المالِكُ.
وَإلَّا بأنْ لَم يَدفَعْه إليه، ولا يُطالِبُه إنْ كانَ الثَّمَنُ مُعيَّنًا؛ لأنَّه ليسَ في يَدِه، وحَقُّ البائِعِ مَقصورٌ عليه، وإنْ كانَ الثَّمَنُ في الذِّمةِ طالَبَه به وَحدَه دونَ المُوكِّلِ إنْ أنكَرَ وَكالَتَه، أو قالَ: لا أَعلَمُها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه يَشتَري لِنَفسِه، وأنَّ العَقدَ وقَع مَعه.
стр. 6250
وَإنِ اعتَرَفَ بها طالَبَه أيضًا في الأصَحِّ، وإنْ لَم يَضَعْ يَدَه عليه، كما يُطالِبُ المُوكِّلُ، ويَكونُ الوَكيلُ كَضامِنٍ، والمُوكِّلُ كَأصيلٍ؛ لِمُباشَرَتِه العَقدَ، ولأنَّه في العَقدِ الوَكيلُ فَرعُه ونائِبه، وإنْ وقَع لِلمُوكِّلِ، ووقَع العَقدُ مَعه؛ فلِذلك جَوَّزْنا مُطالَبَتَهما؛ فإذا غُرِّمَ رجَع بما غُرِّمَه على المُوكِّلِ.
وفي الرَّأْيِ الثاني: لا يُطالَبُ الوَكيلُ، بَلِ المُوكِّلُ فَقط؛ لأنَّ العَقدَ وقَع له، ولأنَّ الوَكيلَ سَفيرٌ مَحضٌ.
وفي الثَّالثِ: لا يُطالَبُ المُوكِّلُ، بَلِ الوَكيلُ فَقط؛ لأنَّ الِالتِزامَ وُجِدَ مَعه.
وإذا قبَض الوَكيلُ بالبَيعِ الثَّمَنَ، حيثُ يَجوزُ له، وتَلِفَ في يَدِه، وخرَج المَبيعُ مُستحَقًّا، رجَع عليه المُشتَرِي ببَدَلِ الثَّمَنِ، وإنِ اعتَرَفَ بوَكالَتِه في الأصَحِّ؛ لِدُخولِه في ضَمانِه بقَبضِه له، وحُصولِ التَّلَفِ في يَدِه.
والرَّأْيُ الثَّاني: يَرجِعُ به على المُوكِّلِ وَحدَهُ؛ لأنَّ الوَكيلَ سَفيرٌ مَحضٌ.
ثم على الأوَل إذا غُرِّمَ الوَكيلُ يَرجِعُ الوَكيلُ على المُوكِّلِ بما غُرِّمَه؛ لأنَّه غَرَّه هذا، إذا لَم يَكُنِ الوَكيلُ مَنصوبًا مِنْ جِهةِ الحاكِمِ، وإلَّا لا يَكونُ طَريقًا في الضَّمانِ؛ لأنَّه نائِبُ الحاكِمِ، والحاكِمُ لا يُطالَبُ؛ فكذا نائِبُه.
وَللمُشتَرِي الرُّجوعُ على المُوكِّلِ ابتِداءً أيضًا في الأصَحِّ؛ لأنَّ الوَكيلَ مَأمورٌ مِنْ جِهَتِه، ولأنَّ يَدَه كَيدِه، وإذا غُرِّمَ لا يَرجِعُ به على الوَكيلِ؛ لأنَّ قَرارَ الضَّمانِ عليه.
والرَّأْيُ الثَّاني: لا يَرجِعُ على المُوكِّلِ؛ لأنَّه تَلِفَ تحتَ يَدِ الوَكيلِ، وقَد
стр. 6251
بانَ فَسادُ الوَكالةِ، ولو تَلِفَ الثَّمَنُ تَحتَ يَدِ المُوكِّلِ، والحالُ ما ذُكِرَ، ففي مُطالَبةِ الوَكيلِ وَجهانِ:
أظهَرُهُما -كما قالَ الأذرَعيُّ- مُطالَبَتُه.
فَرعٌ: وَكِيلُ المُستَقرِضِ كَوَكيلِ المُشتَرِي، فيُطالَبُ ويَرجِعُ بعدَ الغُرمِ على المُوكِّلِ.
تَنبيهٌ: المَقبوضُ لِلوَكيلِ بالشِّراءِ الفاسِدِ يَضمَنُه الوَكيلُ، سَواءٌ تَلِفَ في يَدِه أو في يَدِ مُوكِّلِه، لِوَضْعِ يَدِه عليه بغيرِ إذْنٍ شَرْعِيٍّ، ويَرجِعُ إذا غُرِّمَ على المُوكِّلِ؛ لأنَّ قَرارَ الضَّمانِ عليه (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فقالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: إذا وكَّله في ابتِياعِ شَيءٍ فابتاعَه له على الصِّفةِ التي وكَّله عليها، فذكَر أنَّه ابتاعَه لِمُوكِّلِه؛ فإنَّ المِلْكَ يَنتقِلُ إلى المُوكِّلِ دونَ الوَكيلِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: يَنتقِلُ أولًا إلى الوَكيلِ، ثم إلى المُوكِّلِ.
فَدَليلُنا هو أنَّه تَوكيلٌ في مُعاوَضةٍ؛ فإذا صَحَّ العَقدُ المُوكَّلُ لَم يَنتقِلْ إلى مِلْكِ الوَكيلِ، كالتَّوكيلِ في النِّكاحِ، ولأنَّه مُبتاعٌ لِغيرِهِ؛ فإذا لَزِمَ الِابتِياعُ لِلآخَرِ لَم يَنتقِلْ إليه، كالحاكِمِ إذا ابتاعَ لِليَتيمِ (٢).
стр. 6252
قالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ على البَيعِ له أنْ يُطَالِبَ المُشتَرِيَ بالثَّمَنِ ويَقبِضَه مِنه ويَدفعَه لِمُوكِّلِه؛ لأنَّه مِنْ تَوابِعِ البَيعِ الذي وُكِّلَ فيهِ؛ لأنَّ قَرينةَ التَّوكيلِ تَستَلزِمُ أنْ يَكونَ لِلوَكيلِ المُطالَبةُ بالثَّمَنِ، ولِذلك لو سلَّمَ المَبيعَ ولَم يَقبِضِ الثَّمَنَ ضَمِنه، وهذا حيثُ لا عُرفَ بعَدمِ طَلَبِه، وإلَّا لَم يَلزَمْه، بَلْ ليسَ له حينَئذٍ قَبْضُه، ولا يَبرَأُ المُشتَرِي بدَفْعِ الثَّمَنِ إليه.
قالَ الْمُتَيْطِيُّ ﵀ نَقلًا عن أبي عِمرانَ: ولو كانَتِ العادةُ عندَ النَّاسِ في الرِّباعِ أنَّ وَكيلَ البَيعِ لا يَقبِضُ الثَّمَنَ؛ فإنَّ المُشتَريَ لا يَبرَأُ بالدَّفعِ لِلوَكيلِ الذي باعَ، وإنَّما يُحمَلُ هذا على العادةِ الجاريةِ بينَهم. اه.
أو وكَّله بالشِّراءِ، فله أنْ يَشتَريَه ويَقبِضَه مِنْ بائِعِه ويُسلِّمَه لِلمُشتَرِي مُوكِّلِه، وإنْ ظهَر به عَيبٌ ظاهِرٌ فله رَدُّه على بائِعِه بغيرِ إذْنِ مُوكِّلِه، فالوَكالةُ على البَيعِ تَستَلزِمُ الوَكالةَ بقَبضِ الثَّمَنِ، والمُطالَبةَ به، وعلى الشِّراءِ تَستَلزِمُ الوَكالةَ على قَبضِ المَبيعِ ورَدِّه بعَيبٍ، وهذا إذا لَم يُعيِّنِ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ المَبيعَ، وأمَّا إنْ عيَّنَه له، بأنْ قالَ: اشتَرِ ليَ الشَّيءَ الفُلانيَّ؛ فإنَّه ليسَ له رَدُّه، وهذه في الوَكيلِ المَخصوصِ، أمَّا الوَكيلُ المُفَوَّضُ إليه فله أنْ يَرُدَّه على بائِعِه، ولو عيَّنَه له مُوكِّلُه.
وَقَيَّدَ اللَّخميُّ رَدَّ المَعيبِ بما إذا كانَ العَيبُ ظاهِرًا، وأمَّا إنْ كانَ خَفِيًّا، كالسَّرِقةِ ونحوِها، فلا شَيءَ على الوَكيلِ.
وإذا وكَّله على شِراءِ شَيءٍ؛ فإنَّه يُطالِبُ بثَمَنِه ما لَم يُصَرِّحْ بالبَراءةِ مِنْ دَفْعِ الثَّمنِ، وكَذلك إذا وكَّله على بَيعِ شَيءٍ؛ فإنَّه يُطالِبُ بالمُثمَّنِ، وهو المَبيعُ، ولا يُخَلِّصُه مِنْ ذلك عِلمُ البائِعِ في الأُولَى، والمُشتَرِي في الثَّانيةِ أنَّه
стр. 6253
وَكِيلٌ، ولو صرَّح بذلك، ما لَم يُصَرِّحْ بالبَراءةِ مِنْ دَفْعِ المُثمَّنِ، وإلَّا فلا يُطالَبُ بذلك، وإنَّما المُطالَبُ بما ذُكِرَ المُوكِّلُ.
فَإنْ صرَّح بالبَراءةِ، بأنْ يَقولَ: ويَنقُدُكَ فُلانٌ دُونِي، فلا مُطالَبةَ على الوَكيلِ بالثَّمنِ، كما أنَّ مَنْ قالَ: بَعَثَني فُلانٌ لِتَبيعَه؛ فإنَّه لا مُطالَبةَ عليه.
ولو قالَ له: بَعَثَني فُلانٌ إلَيكَ لِأشتَرِيَ مِنكَ، أو لِأشتَرِيَ له مِنكَ، أو بَعَثَني لِتَبيعَني، فإنَّ الثَّمنَ يَكونُ على المُشتَرِي، لا على المُرسِلِ، ولو أقَرَّ المُرسِلُ بأنَّه أرسَلَه، فلا شَيءَ عليه، والثَّمنُ لَازِمٌ لِلمُشتَرِي.
وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: مُقتَضَى المَذهبِ التَّفصيلُ: فحيثُ يَجِبُ عليه دَفْعُ الثَّمنِ يَجِبُ عليه قَبْضُ المَبيعِ، وحيثُ لَم يَجِبْ عليه الدَّفعُ لَم يَجِبْ عليه القَبضُ، والذي يَجِبُ عليه دَفْعُ الثَّمنِ هو مَنْ لَم يُصَرِّحْ بالبَراءةِ.
وَمُحَصِّلُهُ: أنَّ الوَكيلَ إذا اشترَى وصرَّح بالبَراءةِ؛ بأنْ قالَ: ويَنقُدُ المُوكِّلَ دُوني، لَم يَكُنْ له قَبضُ المُثمَّنِ؛ لأنَّه لا يُطالَبُ بالثَّمنِ، وإنِ اشترَى ولَم يُصَرِّحْ بالبَراءةِ وجَب عليه قَبضُ المُثمَّنِ؛ لأنَّه هو المُطالَبُ بالثَّمنِ. اه.
وكَذلك يُطالِبُ الوَكيلُ بعُهدةِ المَبيعِ مِنْ غَصبٍ أو استِحقاقٍ، ما لَم يَعلَمِ المُشتَرِي أنَّ المُتَوَليَ لِلبَيعِ وَكيلٌ؛ فَإنْ علِم فالعُهدةُ لا تَكونُ عليه، وتَكونُ على مَنْ وكَّله، أي: فيَرُدُّ عليه المَبيعَ، ويَكونُ الثَّمنُ عليه، وهذا في الوَكيلِ المَخصوصِ، وأمَّا في المُفَوَّضِ فيُتبَعُ كما يُتبَعُ البائِعُ، والعُهدةُ عليه كالشَّريكِ المُفاوِضِ والمُقارِضِ، بخِلافِ القاضي والوَصِيِّ (١).
стр. 6254
فصل في أحكامِ الوَكالةِ
لِلوَكالةِ أحكامٌ، بعضُها يَتعلَّقُ بالوَكيلِ، وبعضُها يَتعلَّقُ بالمُوكِّلِ، وبعضُها يَتعلَّقُ بالآخَرينَ، وهُناكَ أُمورٌ يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَفعَلَها، وأُمورٌ يَجِبُ عليه فِعلُها، وأُمورٌ لا يَجوزُ له فِعلُها.
والوَكالةُ كما تَقدَّم إمَّا أنْ تَكونَ عامَّةً، وإمَّا أنْ تَكونَ خاصَّةً، والوَكالةُ الخاصَّةُ إمَّا أنْ تَكونَ مُطلَقةً، وإمَّا أنْ تَكونَ مُقيَّدةً، وبَيانُها على التَّفصيلِ الآتي.
الصُّورةُ الأُولَى: الوَكالةُ بالبَيعِ:
الوَكالةُ بالبَيعِ إمَّا أنْ تَكونَ مُطلَقةً، وإمَّا أنْ تَكونَ مُقيَّدةً، ولكلٍّ حُكمُها.
أوَّلاً: إطلاقُ الوَكالةِ بالبَيعِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَفعَلَه إذا أطلَقَ المُوكِّلُ له البَيعَ،
стр. 6255
هَلْ يَجوزُ له أنْ يَبيعَ بالقَليلِ والكَثيرِ، أو أنْ يَبيعَ نَقدًا، أو نَسيئةً؟ وهَل له أنْ يَبيعَ بغيرِ نَقدِ البَلَدِ؟ على اختِلافٍ في كلِّ هذا بينَ الفُقهاءِ، وتَفصيلُه على النحوِ الآتي:
١ - البَيعُ بثَمَنِ المِثلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا أطلَقَ المُوكِّلُ البَيعَ لِلوَكيلِ، هَلْ له أنْ يَبيعَه بغيرِ ثَمَنِ المِثلِ، قَلَّ أو كَثُرَ، أو يَجِبُ عليه أنْ يَبيعَه بثَمَنِ المِثلِ؟
فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ المُطلَقِ يَجوزُ له أنْ يَبيعَ بالقَليلِ والكَثيرِ؛ لأنَّه أمْرٌ بالبَيعِ مُطلَقٌ، ومِن حُكمِ اللَّفظِ أنْ يُحمَلَ على إطلاقِه، وقَد أتَى به، فيَجوزُ، إلَّا عندَ التُّهمةِ، والبَيعُ بالغَبنِ مُتَعارَفٌ عندَ شِدَّةِ الحاجةِ إلى الثَّمنِ، فلا يَجوزُ تَقييدُه إلَّا بدَليلٍ، والعُرفُ مُتَعارِضٌ؛ فإنَّ البَيعَ بغَبنٍ فاحِشٍ لِغَرَضِ التَّوَصُّلِ بثَمَنِه إلى شِراءِ ما هو أربَحُ مِنه مُتَعارَفٌ أيضًا، فلا يَجوزُ تَقييدُ المُطلَقِ مَع التَّعارُضِ، مَع أنَّ البَيعُ بغَبنٍ فاحِشٍ إنْ لَم يَكُنْ مُتَعارَفًا فِعلًا فهو مُتَعارَفٌ ذِكرًا وتَسميةً؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما يُسَمَّي بَيعًا، أو هو مُبادَلةُ شَيءٍ مَرغوبٍ بشَيءٍ مَرغوبٍ لُغةً، وقَد وُجِدَ، ومُطلَقُ الكَلامِ يَنصَرِفُ إلى المُتَعارَفِ ذِكرًا وتَسميةً مِنْ غيرِ اعتِبارِ الفِعلِ.
ألَا تَرَى أنَّ مَنْ حلَف لا يَأكُلُ لَحمًا، فأكَلَ لَحمَ الآدَمِيِّ، أو لَحمَ الخِنزيرِ، يَحنَثُ، وإنْ لَم يَكُنْ أكْلُه مُتَعارَفًا؛ لِكَونِه مُتَعارَفًا إطلاقًا، وتَسميةً، كذا هذا.
стр. 6256
أمَّا إذا قالَ: بِعْه بمِئةٍ، أو بألْفٍ، فلا يَجوزُ أنْ يَنقُصَ عنه بالإجماعِ (١).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ ورُوِيَ عن أبي حَنيفةَ مِثلُ قَولهما إلى أنَّ المُوكِّلَ إذا أطلَقَ البَيعَ ولَم يُسَمِّ له الثَّمنَ، يَجِبُ على الوَكيلِ أنْ يَتقيَّدَ بثَمَنِ المِثلِ، فلا يَجوزُ له أنْ يَبيعَ بدُونِ ثَمَنِ المِثلِ، ممَّا لا يَتغابَنُ النَّاسُ بمِثلِه؛ لأنَّه تَوكيلٌ مُطلَقٌ في عَقدِ مُعاوَضةٍ، فوجَب أنْ يَقتَضيَ ثَمَنَ المِثلِ، أو ما يُقارِبُه، أصْلُه التَّوكيلُ في الشِّراءِ، ولأنَّ كلَّ جِهةٍ إذا ملَك بها الشِّراءَ لَم يَجُزْ أنْ يَشترِيَ بأكثَرَ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ، فإذا ملَك بها البَيعَ لَم يَجُزْ أنْ يَبيعَ بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ، كالوَصيَّةِ، ولأنَّ المُحاباةَ في معنَى الهِبةِ، بدَليلِ اعتِبارِها أنَّها إذا وقَعتْ في المَرَضِ مِنْ الثُّلثِ، وقَد ثَبَتَ أنَّ الوَكيلَ لا يَملِكُ الهِبةَ، فلَم يَملِكِ المُحاباةَ.
ولأنَّه يَتصرَّفُ في حَقِّ غيرِه، فلا يَملِكُ إلَّا ما فيه النَّظرُ والِاحتياطُ، وليسَ فيما ذَكَرْناه نَظَرٌ ولا احتِياطٌ، فلا يَملِكُ (٢).
стр. 6257
وأمَّا ما يَتغابَنُ النَّاسُ بمِثلِه، فإنَّ ذلك مَعْفُوٌّ عنه، والمَرجِعُ في ذلك إلى العُرفِ عندَ الجُمهورِ.
وفَسَّرَ الحَنفيَّةُ الذي لا يَتغابَنُ النَّاسُ فيه: هو مَا لَا يَدخُلُ تَحتَ تَقويمِ المُقَوِّمِينَ، فما يَدخُلُ تَحتَ تَقويمِ المُقَوِّمينَ فيَسيرٌ، وما لا ففاحِشٌ؛ لأنَّ ما لَم يَرِدِ الشَّرعُ بتَحديدِه يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ؛ وذلك رِفقًا بالنَّاسِ.
وَتَفْسِيرُه كما لو وقَع البَيعُ بعَشَرةٍ مثلًا، ثم إنَّ بعضَ المُقَوِّمِينَ يَقولُ إنَّه يُساوي خَمسةً، وبعضُهم يَقولُ: يُساوي سِتَّةً، وبعضُهم يَقولُ: يُساوي سَبعةً، فهذا غَبنٌ فاحِشٌ؛ لأنَّه لَم يَدخُلْ تَحتَ تَقويمِ أحَدٍ.
بِخِلافِ ما إذا قالَ بعضُهم: يُساوي ثَمانيةً، وبعضُهم: يُساوي تِسعةً، وبَعضهم: يُساوي عَشَرةً، فهذا غَبنٌ يَسيرٌ.
وَإنَّما كانَتِ العِبرةُ بتَقويمِ المُقَوِّمِينَ؛ لأنَّهم هُمُ الذين يُرجَعُ إليهم في العُيوبِ ونحوِها مِنْ الأُمورِ التي تَقتَضي الخِبرةَ في المُعامَلاتِ (١).
стр. 6258
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: ولا يَجوزُ له أنْ يَبيعَ بثَمَنِ المِثلِ وثم راغِبٌ بأزيَدَ؛ لأنَّه مَأْمورٌ بالمَصلَحةِ.
ولو وُجِدَ الرَّاغِبُ في زَمَنِ الخِيارِ فالأصَحُّ أنَّه يَلزَمُه فَسخُ البَيعِ مَع الأوَل، ويَقبَلُ الزِّيادةَ؛ فَإنْ لَم يَفعَلِ انفسَخ، وإنْ لَم يَعلَمْ به ومَحَلُّه كما قالَ الأذرَعيُّ إذا لَم يَكُنِ الرَّاغِبُ مُماطِلًا ولا مُتجَوِّهًا ولا كانَ مالُه أو كَسبُه حَرامًا.
فائِدةٌ: ثَمَنُ المِثلِ نِهايةُ رَغَباتِ المُشتَرِي (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: ولو حضَر مَنْ يَزيدُ على ثَمَنِ المِثلِ لَم يَجُزْ أنْ يَبيعَ بثَمَنِ المِثلِ؛ لأنَّ عليه الِاحتياطَ وطَلبَ الحَظِّ لِمُوكِّلِه، وإنْ باعَ المثلَ فحضَر مَنْ يَزيدُ في مُدَّةِ الخِيارِ لَم يَلزَمْه فَسخُ العَقدِ في الصَّحيحِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ مَمنوعٌ مِنها مَنهِيٌّ عَنها، فلا يَلزَمُ الرُّجوعُ إليها، ولأنَّ المُزايِدَ قَدْ لا يَثبُتُ على الزِّيادةِ، فلا يَلزَمُ الفَسخُ بالشَّكِّ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُحتمَلُ أنْ يَلزَمَه ذلك؛ لأنَّها زِيادةٌ في الثَّمنِ، أمكَنَ تَحصيلُها، فأشبَهَ ما لو أجازَ به قبلَ البَيعِ، والنَّهيُ يَتوَجَّهُ إلى الذي زادَ، لا إلى الوَكيلِ، فأشبَهَ مَنْ جاءَتْه الزِّيادةُ قبلَ البَيعِ وبعدَ الِاتِّفاقِ عليه (٢).
стр. 6259
إلَّا أنَّهم اختَلَفوا فيما لو باعَ بغيرِ ثَمَنِ المِثلِ، وما يُتَغابَنُ فيه، هَلِ المُوكِّلُ بالخيارِ بينَ الفَسخِ والقَبولِ، أو يَصحُّ ولا يَحِقُّ له الفَسخُ ويَضمَنُ الوَكيلُ النَّقصَ؟
فَقالَ المالِكيَّةُ: إنْ خالَفَ وباعَ بغيرِ ثَمَنِ المِثلِ خُيِّرَ المُوكِّلُ بينَ القَبولِ والرَّدِّ، فإنْ شاءَ أمضَى فِعلَه، وإنْ شاءَ رَدَّه، وتَلزَمُ السِّلعةُ الوَكيلَ، إلَّا أنْ يَكونَ ما خالَفَ فيه شَيئًا يَسيرًا يَتغابَنُ النَّاسُ في مِثلِه، فلا كَلامَ لِلمُوكِّلِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ باعَ بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ، أو بأنقَصَ ممَّا قدَّره، فالصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ أنَّ البَيعَ صَحيحٌ، ويَضمَنُ الوَكيلُ جَميعَ ما نَقَصَ عن ثَمَنِ المِثلِ، إنْ كانَ ممَّا لا يُتغابَنُ به عادةً؛ لأنَّ فيه جَمعًا بينَ حَظِّ المُشتَرِي بعَدمِ الفَسخِ، وبينَ حَظِّ البائِعِ، فوجَب التَّضمينُ؛ لأنَّه تَفريطٌ بتَركِ الِاحتياطِ، وطَلَبِ الحَظِّ لِإذْنِه، وفي بَقاءِ العَقدِ وتَضمينِ المُفَرِّطِ جَمعٌ بينَ المَصالِحِ، وكذا شَريكٌ ووَصِيٌّ وناظِرُ وَقْفٍ، أو بَيتُ مالٍ، ونَحوُهم.
وقيلَ: يَضمَنُ ما بينَ ما يَتغابَنُ به النَّاسُ، وما لا يَتغابَنونَ؛ لأنَّه ما يَتغابَنُ النَّاسُ به يَصحُّ بَيعُه ولا ضَمانَ عليه (٢).
стр. 6260
وذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الوَكيلَ لو باعَ بأقَلَّ مِنْ ثَمَن المِثلِ لَم يَصحَّ البَيعُ على المَذهبِ، وإنْ سلَّمَ المَبيعَ ضَمِن؛ لِتعَدِّيه، ويَستَرِدُّه إنْ بَقِيَ، وإلَّا غرَّم المُوكِّلُ مَنْ شاءَ مِنْ المُشتَرِي والوَكيلِ قِيمَتَه، سَواءٌ أكانَ مِثْلِيًّا أم مُتقَوَّمًا.
وَقَرارُ الضَّمانِ على المُشتَرِي، وإذا استَرَدَّه فله بَيعُه بالإذْنِ السَّابِقِ، كما في بَيعِ العَدلِ الرَّهنَ، بخِلافِ ما لو رَدَّ عليه بعَيبٍ، أو فسَخ البَيعَ المَشروطَ فيه الخِيارُ لِلمُشتَرِي وَحدَه، لا يَبيعُه ثانيةً بالإذْنِ السَّابِقِ، والفَرقُ أنَّه لَم يَخرُجْ عن مِلْكِ المُوكِّلِ في الأوَل، وخرَج عن مِلْكِه في الثَّاني، وإذا خرَج عن مِلْكِه انعزَل الوَكيلُ.
أمَّا قبلَ التَّسليمِ فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ ما قالَه هَذَيانٌ.
ولو قالَ له: بِعْ بكَمْ شِئتَ، صَحَّ بَيعُه بالغَبنِ الفاحِشِ، ولا يَصحُّ بالنَّسيئةِ، ولا بغيرِ نَقدِ البَلَدِ، أو بما شِئتَ، أو بما تَيَسَّرَ، صَحَّ بَيعُه بالعُروضِ، ولا يَصحُّ بالغَبنِ الفاحِشِ ولا بالنَّسيئةِ، ولا يَصحُّ بالغَبنِ الفاحِشِ ولا بغيرِ نَقدِ البَلَدِ، أو بما عَزَّ وهانَ، صَحَّ بَيعُه بالغَبنِ الفاحِشِ وبِالعُروضِ، ولا يَصحُّ بالنَّسيئةِ، أو كَيفَ شِئتَ، صَحَّ بَيعُه بالنَّسيئةِ، وذلك لأنَّ «كَمْ» لِلعَدَدِ، فشَمِلَتِ القَليلَ والكَثيرَ، و «ما» لِلجِنسِ، فشَمِلَتِ النَّقدَ والعَرضَ، لكنَّها في الأخيرةِ لمَّا قُرِنَتْ ب «عَزَّ وهانَ» شَمِلتْ عُرفًا القَليلَ
стр. 6261
والكَثيرَ أيضًا، و «كَيفَ» لِلحالِ، فشَمِلَتِ الحالَّ والمُؤجَّلَ (١).
٢ - البَيعُ بنَقدِ البَلَدِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ هَلْ له أنْ يَبيعَ بغيرِ نَقدِ البَلَدِ أو يَلزَمُه أنْ يَبيعَ بنَقدِ البَلَدِ؟
فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ الوَكيلَ إنْ باعَه بغيرِ نَقدِ البَلَدِ كانَ بَيعُه نافِذًا، ولِمُوكِّلِه لَازِمًا، استِدلالًا بأنَّ إطلاقَ الإذْنِ يَشتَمِلُ على عُمومِ البَيعِ، وتَخصيصُ المُطلَقِ لا يَكونُ إلَّا بدَليلٍ، كالمُطلَقِ مِنْ عُمومِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فلمَّا كانَ اسمُ البَيعِ يَنْطَلِقُ على البَيعِ بغيرِ نَقدِ البَلَدِ، وجَب أنْ يَصحَّ؛ لأنَّه عَقدٌ مَأذونٌ فيه، كما لو باعَه بنَقدِ البَلَدِ.
ثم استَدَلَّ على جَوازِ البَيعِ بغيرِ نَقدِ البَلَدِ بأنَّه بَيعٌ بجِنسِ الأثمانِ، فصَحَّ، كالمَبيعِ بنَقدِ البَلَدِ.
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَلزَمُه أنْ يَبيعَ بنَقدِ البَلَدِ، ولا يَجوزَ له أنْ يَبيعَ بغيرِ نَقدِ البَلَدِ؛ لأنَّه لمَّا لَم يَصحَّ مِنْ الوَكيلِ في الشِّراءِ أنْ يَشتَريَ بغيرِ نَقدِ البَلَدِ، لَم يَصحَّ مِنْ الوَكيلِ في البَيعِ أنْ يَبيعَ بغيرِ نَقدِ البَلَدِ. وتَحريرُه أنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ بوَكالةٍ مُطلَقةٍ، فوجَب ألَّا يَصحَّ بغيرِ نَقدِ البَلَدِ، قِياسًا على الشِّراءِ. ولأنَّ كلَّ جِنسٍ لا يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ
стр. 6262
يَبتاعَ به لَم يَجُزْ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَ به قِياسًا عَلى البَيعِ بغيرِ جِنسِ الأثمانِ وبِالمُحرَّماتِ، فعلى هذا لو كانَ أغلَبُ نَقدِ البَلَدِ دَراهِمَ لَم يَجُزْ بَيعُه بالدَّنانيرِ.
فَإنْ كانَ في البَلَدِ نَقدانِ؛ فإن كانَ أحَدُهما أغلَبَ في المُعامَلةِ باعَ الوَكيلُ به، واشترَى، عندَ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، فإنِ استَوَيَا رَواجًا، باعَ بأنفَعِهِما لِلمُوكِّلِ؛ لأنَّه مَأمورٌ بالنُّصحِ له، فإنِ استَوَيَا في النَّفْعِ عقَد بما شاءَ مِنهُما؛ لأنَّه لا مَزيةَ لِأحَدِهِما على الآخَرِ، وهذا ما لَم يُعيِّنْ له نَقدًا؛ فَإنْ عيَّن له نَقدًا تَعيَّن، ولا يَجوزُ له أنْ يَعقِدَ بغيرِه.
قالَ الشَّافِعيَّةُ: فَإنْ باعَه بكِلَا النَّقدَيْنِ مِنْ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، فإنْ كانَ في عَقدَيْنِ صَحَّا جَميعًا، إذا كانَ ممَّا يَجوزُ تَفريقُ الصَّفقةِ في بَيعِه. وإنْ كانَ في عَقدٍ واحِدٍ فعلى وَجهَيْنِ: أحَدُهما: يَجوزُ الجَمعُ بينَ النَّقدَيْنِ، كما جازَ إفرادُ كلِّ واحِدٍ مِنْ النَّقدَيْنِ.
والآخَرُ: لا يَجوزُ؛ لأنَّ أغلَبَ البِياعاتِ تَتَناوَلُ جِنسًا واحِدًا مِنْ الأثمانِ، فلَمْ يَجُزْ أنْ يَعدِلَ إلى أغلَبِها (١).
فَإنْ خالَفَ وباعَ بغيرِ نَقدِ البَلَدِ فقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ فيه:
فَقالَ المالِكيَّةُ: إنْ خالَفَ وباعَ بغيرِ نَقدِ البَلَدِ خُيِّرَ المُوكِّلُ بينَ القَبولِ والرَّدِّ، فإنْ شاءَ أمضَى فِعلَه، وإنْ شاءَ رَدَّه، وتَلزَمُ السِّلعةُ الوَكيلَ (٢).
стр. 6263
وذهَب الشَّافِعيَّةُ إلى أنَّ الوَكيلَ لو باعَ بغيرِ نَقدِ البَلَدِ لَم يَصحَّ البَيعُ على المَذهبِ، وإنْ سلَّمَ المَبيعَ ضَمِن؛ لِتَعَدِّيه، ويَستَرِدُّه إنْ بَقيَ، وإلَّا غرَّم المُوكِّلُ مَنْ شاءَ مِنْ المُشتَرِي والوَكيلِ.
وَقَرارُ الضَّمانِ على المُشتَرِي، وإذا استَرَدَّه فله بَيعُه بالإذْنِ السَّابِقِ، كما في بَيعِ العَدلِ الرَّهنَ، بخِلافِ ما لو رَدَّ عليه بعَيبٍ أو فسَخ البَيعَ المَشروطَ فيه الخيارُ لِلمُشتَرِي وَحدَه، لا يَبيعُه ثانيةً بالإذْنِ السَّابِقِ، والفَرقُ أنَّه لَم يَخرُجْ عن مِلْكِ المُوكِّلِ في الأوَل، وخرَج عن مِلْكِه في الثَّاني، وإذا خرَج عن مِلْكِه انعزَل الوَكيلُ.
أمَّا قبلَ التَّسليمِ فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ ما قالَه هَذَيانٌ.
ولو قالَ له: بِعْ بكَمْ شِئتَ، لا يَصحُّ بَيعُه بغيرِ نَقدِ البَلَدِ، أو بما شِئتَ، لا يَصحُّ بغيرِ نَقدِ البَلَدِ (١).
стр. 6264
٣ - البَيعُ بالنُّقودِ لا بالعُروضِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوكِّلِ إذا أطلَقَ البَيعَ لِلوَكيلِ، هَلْ له أنْ يَبيعَ بعَرَضٍ أو لا بدَّ مِنْ النُّقودِ؟
فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ له أنْ يَبيعَ بالعُروضِ وبِالنُّقودِ؛ لِإطلاقِ الأمْرِ، فالمُطلَقُ يَجري على إطلاقِه في غيرِ مَوضِعِ التُّهمةِ، فيَتَناوَلُ كلَّ ما يُطلَقُ عليه البَيعُ، والبَيعُ بالعَرضِ مُتَعارَفٌ عندَ شِدَّةِ الحاجةِ إلى الثَّمنِ لِتِجارةٍ رابِحةٍ، أو لِغيرِها، وعندَ التَّبرُّمِ مِنْ العَينِ، وعندَ ذلك لا يُبالى بقِلَّةِ الثَّمنِ وكَثرَتِه، فكانَ العُرفُ مُشتَرِكًا لا يَصلُحُ دَليلًا لِأحَدِ الخَصمَيْنِ، بَلِ المُتَنازَعُ فيه يَكونُ داخِلًا تَحتَ ما يَدَّعيه الخَصمُ، فيَندَفِعُ نِزاعُه، أو تَظهَرُ مُكابرَتُه.
والبَيعُ بالعَرضِ بَيعٌ مِنْ كلِّ وَجهٍ، حتى إنَّ مَنْ حلَف لا يَبيعُ يَحنَثُ بالبَيعِ بالعَرضِ، فلمَّا جُعِلَ هذا بَيعًا مُطلَقًا في اليَمينِ، جُعِلَ في الوَكالةِ كذلك (١).
وذهَب الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ المُطلَقِ لا يَجوزُ له أنْ يَبيعَ بالعَرضِ، وليسَ له إلَّا البَيعُ بالنُّقودِ.
стр. 6265
وَعلَّل الحَنفيَّةُ ذلك بأنَّ مُطلَقَ الأمْرِ يَتقيَّدُ بالمُتَعارَفِ؛ لأنَّ التَصرُّفاتِ لِدَفعِ الحاجاتِ، فتَتَقيَّدُ بمَواقِعِها، والمُتَعارَفُ البَيعُ بالنُّقودِ، ولِهذا يَتقيَّدُ الوَكيلُ بشِراءِ الفَحمِ بأيَّامِ البَردِ، وبِالجَمْدِ، بسُكونِ الميمِ: ما جَمُدَ مِنْ الماءِ لِشِدَّةِ البَردِ، وهو تَسميةٌ لِلِاسمِ بالمَصدَرِ، بأيَّامِ الصَّيفِ، وبِالأُضحيَّةِ بأيَّامِ النَّحرِ، أو قبلَها، كلُّ ذلك مِنْ تلك السُّنَّةِ، حتى لو اشترَى ذلك في السَّنةِ الثَّانيةِ لَم يَلزَمِ الآمِرَ، ولأنَّ المُقايَضةَ بَيعٌ مِنْ وَجهٍ، وشِراءٌ مِنْ وَجهٍ؛ لأنَّه مِنْ حيثُ إنَّ فيه إخراجَ السِّلعةِ مِنْ المِلْكِ بَيعٌ، ومِن حيثُ إنَّ فيه تَحصيلَ السِّلعةِ في المِلْكِ شِراءٌ، لا يَتناوَلُه مُطلَقُ اسمِ البَيعِ؛ لأنَّ المُطلَقَ يَنصَرِفُ إلى الكامِلِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: يَتعيَّنُ على الوَكيلِ عندَ الإطلاقِ أنْ يَبيعَ بالنَّقدِ، فإنْ خالَفَ الوَكيلُ، بأنْ باعَ بعَرَضٍ أو حَيَوانِ، خُيِّرَ المُوكِّلُ بينَ إجازةِ البَيعِ، ويَأخُذُ الثَّمنَ أو يَرُدُّه ويَأخُذُ سِلعَتَه إنْ كانَتْ قائِمةً، فإنْ فاتَتْ لَزِمَ الوَكيلَ قِيمَتُها يَومَ قَبضِها، إلَّا أنْ يَكونَ الذي وُكِّلَ على بَيعِه شَأنُه أنْ يُباعَ بالعُروضِ، لِقِلَّةِ ثَمَنِه، كالبَقْلِ وما أشبَهَ ذلك؛ فإنَّه يَلزَمُ المُوكِّلَ.
وَمِنْ «المُدوَّنةِ» قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: وإنْ وَكَّلتَ رَجُلًا على بَيعِ طَعامٍ أو عَرَضٍ، فباعَه بغيرِ العَينِ مِنْ عَرضٍ أو غيرِه، وانتُقِدَ، فأَحَبُّ
стр. 6266
إليَّ أنْ يَضمَنَ المأْمورُ حينَ باعَ بغيرِ العَينِ، إلَّا أنْ يُجيزَ الآمِرُ فِعلَه، ويَأخُذَ ما باعَ به.
ولو أمَرتَه بشِراءِ سِلعةٍ فاشتَراها بغيرِ العَينِ، فلكَ تَرْكُ ما اشترَى، أوِ الرِّضا به، وتَدفَعُ إليه مثلَ ما أدَّى.
ولو اشترَى لكَ أو باعَ بفُلوسٍ فهي كالعُروضِ، إلَّا أنْ تَكونَ سِلعةً خَفيفةَ الثَّمنِ، إنَّما تُباعُ بالفُلوسِ، وما أشبَهَ ذلك، والفُلوسُ فيها بمَنزِلةِ العَينِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا أطلَقَ الوَكالةَ لَم يَصحَّ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَ بمَنفعةٍ، كَسُكنَى دارٍ، وخِدمةِ عَبدٍ، ولا بعَرضٍ أيضًا، كَثَوبٍ، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ المُصنِّفِ.
وفي العَرضِ احتِمالٌ بالصِّحَّةِ، وهو رِوايةٌ في المُوجَزِ (٢).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يَجوزُ له أنْ يَبيعَ بالعَرضِ إذا كانَ يَتعامَلُ به أهلُ البَلَدِ في الأغلَبِ، بأنْ تَجريَ العادةُ بالمُبادَلةِ بالسِّلَعِ دونَ البَيعِ بالنَّقدِ؛ لِدِلالةِ القَرينةِ العُرفيةِ عليه، لاسيَّما إذا كانَ نَقدُ ذلكَ البَلَدِ لا يُروَّجُ بغيرِه، ولا شَكَّ في جَوازِه في ناحيةٍ لا أثمانَ فيها؛ فَإنْ لَم يَكُنْ عادةُ أهلِ البَلَدِ البَيعَ بالعُروضِ
стр. 6267
لَم يَصحَّ البَيعُ على المَذهبِ، وإنْ سلَّمَ المَبيعَ ضَمِن؛ لِتَعَدِّيه، ويَستَرِدُّه إنْ بَقيَ، وإلَّا غرَّم المُوكِّلُ مَنْ شاءَ مِنْ المُشتَرِي والوَكيلِ.
وَقَرارُ الضَّمانِ على المُشتَرِي، وإذا استَرَدَّه فله بَيعُه بالإذْنِ السَّابِقِ.
أمَّا قبلَ التَّسليمِ فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ ما قالَه هَذَيانٌ (١).
٤ - البَيعُ بالحُلولِ لا بالنَّسيئةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أطلَقَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ البَيعَ، هَلْ له أنْ يَبيعَ نَسيئةً أو يَلزَمُه أنْ يَبيعَ حالًّا؟
فَذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ الوَكيلَ إذا وكَّل ببَيعِ شَيءٍ، ولَم يُسَمِّ له نَقدًا ولا نَسيئةً: أنَّ بَيعَه نَسيئةً جائِزٌ إجماعًا، إلَّا أنَّه عندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ يُشترَطُ أنْ يَكونَ الأجَلُ مُتَعارَفًا، وعندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ يَجوزُ بالأجَلِ، ولو كانَ غيرَ مُتَعارَفٍ، كَخَمسينَ سَنةً.
وعن أبي يُوسفَ: إنْ كانَ التَّوكيلُ بالبَيعِ لِلحاجةِ إلى النَّفَقةِ وقَضاءِ الدَّيْنِ فليسَ له أنْ يَبيعَ بالنَّسيئةِ، وقيلَ: وعليه الفَتوَى.
وَإنِ اختَلفَ الآمِرُ والوَكيلُ، فقالَ الآمِرُ أمَرتُكَ بأنْ تَبيعَ بنَقدٍ فبِعتَ بنَسيئةٍ، وقالَ الوَكيلُ: أمَرتَني ببَيعِه ولَم تَقُلْ شَيئًا، فالقَولُ قَولُ الآمِرِ (٢).
стр. 6268
وذهَب المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ المُطلَقِ لا يَجوزُ له البَيعُ نَسئيةً.
قالَ المالِكيَّةُ: لأنَّ البَيعَ المُطلَقَ في الشَّريعةِ يَقتَضي التَّقديرَ، بدَليلِ أنَّ مَنْ قالَ لِرَجُلٍ: بِعتُكَ هذا الثَّوبَ بدِينارٍ، فقالَ: قَبِلتُ، اقتَضَى النَّقدَ بحَقِّ الإطلاقِ؛ فإذا كانَ الوَكيلُ إنَّما أذِنَ له في بَيعٍ مُطلَقٍ فكَأنَّه إنَّما أذِنَ له على وَجْهِ المَعقولِ مِنه، وهو النَّقدُ، فلَمْ يَجُزْ بَيعُه على غيرِه.
فَإنْ باعَ بنَسئيةٍ لَم يَلزَمْ ذلك المُوكِّلَ إلَّا برِضاه (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: الوَكيلُ بالبَيعِ المُطلَقِ ليسَ له البَيعُ بنَسئيةٍ، وإنْ كانَ أكثَرَ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ؛ لأنَّ مُقتَضَى الإطلاقِ الحُلولُ؛ لأنَّه المُعتادُ في الأغلَبِ.
فَإنْ باعَ بنَسيئةٍ لَم يَصحَّ على المَذهبِ، وإنْ سلَّمَ المَبيعَ ضَمِن؛ لِتَعَدِّيهِ، ويَستَرِدُّه إنْ بَقِيَ، وإلَّا غرَّم المُوكِّلُ مَنْ شاءَ مِنْ المُشتَرِي أو الوَكيلِ قِيمَتَه، سَواءٌ كانَ مِثلِيًّا أو مُتقَوَّمًا.
وإنْ قالَ له: بِعْه كَيفَ شِئتَ، صَحَّ بَيعُه بالنَّسيئةِ (٢).
стр. 6269
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا أطلَقَ المُوكِّلُ الوَكالةَ لا يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَ نَسيئةً، ويَلزَمُه أنْ يَبيعَ حالًّا؛ لأنَّ الأصلَ في البَيعِ الحُلولُ؛ لأنَّه لو أُطلِقَ البَيعُ حُمِلَ على الحُلولِ، فكَذلك إذا أُطلِقَتِ الوَكالةُ؛ فَإنْ باعَ بنَسيئةٍ فتَصرُّفُه باطِلٌ.
فَإنْ قالَ المُوكِّلُ لِوَكيلِه: اصنَعْ ما شِئتَ، أو تصرَّفْ كَيفَما شِئتَ؛ فله أنْ يَبيعَ حالًّا ونَسيئةً، وبِمَنفعةٍ وعَرضٍ.
وفي احتِمالِ أنَّه يَجوزُ له أنْ يَبيعَ بنَسئيةٍ، كالمُضارِبِ، فإنَّ الصَّحيحَ الأوَّلُ، ويُفارِقُ المُضارَبةَ لوَجهينِ:
أحَدُهما: أنَّ المَقصودَ مِنْ المُضارَبةِ الرِّبحُ، لا دَفعُ الحاجةِ بالثَّمنِ في الحالِ، وقَد يَكونُ المَقصودُ في الوَكالةِ دَفْعَ حاجةٍ ناجِزةٍ تَفوتُ بتَأخيرِ الثَّمنِ.
والآخَرُ: أنَّ استِيفاءَ الثَّمنِ في المُضارَبةِ على المُضارِبِ، فيَعودُ ضَرَرُ التَّأخيرِ في التَّقاضي عليه، وههُنا بخِلافِه، فلا يَرضَى به المُوكِّلُ، ولأنَّ الضَّرَرَ في هَلَاكِ الثَّمنِ على المُضارِبِ؛ لأنَّه يُحسَبُ مِنْ الرِّبحِ؛ لِكَونِ الرِّبحِ وِقايةً لِرَأْسِ المالِ، وههُنا يَعودُ على المُوكِّلِ، فانقطَع الإلحاقُ (١).
٥ - البَيعُ بمَنفعةٍ:
نَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّ المُوكِّلَ إذا أطلَقَ الوَكالةَ لَم يَصحَّ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَ بمَنفعةٍ، كَسُكنَى دارٍ وخِدمةِ عَبدٍ، ولا بعَرضِ؛ فَإنْ فَعلَ؛ لَم يَصحَّ؛ لأنَّ
стр. 6270
الإطلاقَ مَحمولٌ على العُرفِ، إلَّا بإذْنِ مُوكِّلٍ، كَقَولِ المُوكِّلِ لِوَكيلِه: اصنَعْ ما شِئتَ أو تصرَّفْ كَيفَما شِئتَ؛ فله أنْ يَبيعَ بمَنفعةٍ وعَرضٍ؛ فَإنْ فَعلَ ذلك، بأنْ باعَ بعَرضٍ أو مَنفعةٍ بدُونِ إذْنِ المُوكِّلِ فتَصرُّفُه باطِلٌ (١).
٦ - عَدمُ بَيعِ الوَكيلِ لِنَفْسِهِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ هَلْ يَجوزُ له أنْ يَبيعَ لِنَفْسِه أو لا يَجوزُ؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ في المَذهبِ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ أنْ يَبيعَ لِنَفْسِه.
ثم اختَلَفوا فيما لو أذِنَ له الوَكيلُ بالبَيعِ لِنَفْسِه، أو قدَّر له الثَّمنَ، هَلْ يَصحُّ أو لا؟ وتَفصيلُه على النحوِ التَّالي:
فَقالَ الحَنفيَّةُ: لا يَجوزُ لِلإنسانِ إذا وكَّل في بَيعِ شَيءٍ وَكالةً مُطلَقةً أنْ يَشتَريَه لِنَفْسِه، وإنْ أذِنَ له المُوكِّلُ، أو قالَ له: بِعْه ممَّن شِئتَ؛ فإنَّه لا يَجوزُ له، وإنْ صرَّح المُوكِّلُ له بذلك.
وفي قَولٍ: يَجوزُ إذا أذِنَ له المُوكِّلُ (٢).