إليَّ أنْ يَضمَنَ المأْمورُ حينَ باعَ بغيرِ العَينِ، إلَّا أنْ يُجيزَ الآمِرُ فِعلَه، ويَأخُذَ ما باعَ به.
ولو أمَرتَه بشِراءِ سِلعةٍ فاشتَراها بغيرِ العَينِ، فلكَ تَرْكُ ما اشترَى، أوِ الرِّضا به، وتَدفَعُ إليه مثلَ ما أدَّى.
ولو اشترَى لكَ أو باعَ بفُلوسٍ فهي كالعُروضِ، إلَّا أنْ تَكونَ سِلعةً خَفيفةَ الثَّمنِ، إنَّما تُباعُ بالفُلوسِ، وما أشبَهَ ذلك، والفُلوسُ فيها بمَنزِلةِ العَينِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا أطلَقَ الوَكالةَ لَم يَصحَّ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَ بمَنفعةٍ، كَسُكنَى دارٍ، وخِدمةِ عَبدٍ، ولا بعَرضٍ أيضًا، كَثَوبٍ، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ المُصنِّفِ.
وفي العَرضِ احتِمالٌ بالصِّحَّةِ، وهو رِوايةٌ في المُوجَزِ (٢).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يَجوزُ له أنْ يَبيعَ بالعَرضِ إذا كانَ يَتعامَلُ به أهلُ البَلَدِ في الأغلَبِ، بأنْ تَجريَ العادةُ بالمُبادَلةِ بالسِّلَعِ دونَ البَيعِ بالنَّقدِ؛ لِدِلالةِ القَرينةِ العُرفيةِ عليه، لاسيَّما إذا كانَ نَقدُ ذلكَ البَلَدِ لا يُروَّجُ بغيرِه، ولا شَكَّ في جَوازِه في ناحيةٍ لا أثمانَ فيها؛ فَإنْ لَم يَكُنْ عادةُ أهلِ البَلَدِ البَيعَ بالعُروضِ
стр. 6267
لَم يَصحَّ البَيعُ على المَذهبِ، وإنْ سلَّمَ المَبيعَ ضَمِن؛ لِتَعَدِّيه، ويَستَرِدُّه إنْ بَقيَ، وإلَّا غرَّم المُوكِّلُ مَنْ شاءَ مِنْ المُشتَرِي والوَكيلِ.
وَقَرارُ الضَّمانِ على المُشتَرِي، وإذا استَرَدَّه فله بَيعُه بالإذْنِ السَّابِقِ.
أمَّا قبلَ التَّسليمِ فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ ما قالَه هَذَيانٌ (١).
٤ - البَيعُ بالحُلولِ لا بالنَّسيئةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أطلَقَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ البَيعَ، هَلْ له أنْ يَبيعَ نَسيئةً أو يَلزَمُه أنْ يَبيعَ حالًّا؟
فَذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ الوَكيلَ إذا وكَّل ببَيعِ شَيءٍ، ولَم يُسَمِّ له نَقدًا ولا نَسيئةً: أنَّ بَيعَه نَسيئةً جائِزٌ إجماعًا، إلَّا أنَّه عندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ يُشترَطُ أنْ يَكونَ الأجَلُ مُتَعارَفًا، وعندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ يَجوزُ بالأجَلِ، ولو كانَ غيرَ مُتَعارَفٍ، كَخَمسينَ سَنةً.
وعن أبي يُوسفَ: إنْ كانَ التَّوكيلُ بالبَيعِ لِلحاجةِ إلى النَّفَقةِ وقَضاءِ الدَّيْنِ فليسَ له أنْ يَبيعَ بالنَّسيئةِ، وقيلَ: وعليه الفَتوَى.
وَإنِ اختَلفَ الآمِرُ والوَكيلُ، فقالَ الآمِرُ أمَرتُكَ بأنْ تَبيعَ بنَقدٍ فبِعتَ بنَسيئةٍ، وقالَ الوَكيلُ: أمَرتَني ببَيعِه ولَم تَقُلْ شَيئًا، فالقَولُ قَولُ الآمِرِ (٢).
стр. 6268
وذهَب المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ المُطلَقِ لا يَجوزُ له البَيعُ نَسئيةً.
قالَ المالِكيَّةُ: لأنَّ البَيعَ المُطلَقَ في الشَّريعةِ يَقتَضي التَّقديرَ، بدَليلِ أنَّ مَنْ قالَ لِرَجُلٍ: بِعتُكَ هذا الثَّوبَ بدِينارٍ، فقالَ: قَبِلتُ، اقتَضَى النَّقدَ بحَقِّ الإطلاقِ؛ فإذا كانَ الوَكيلُ إنَّما أذِنَ له في بَيعٍ مُطلَقٍ فكَأنَّه إنَّما أذِنَ له على وَجْهِ المَعقولِ مِنه، وهو النَّقدُ، فلَمْ يَجُزْ بَيعُه على غيرِه.
فَإنْ باعَ بنَسئيةٍ لَم يَلزَمْ ذلك المُوكِّلَ إلَّا برِضاه (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: الوَكيلُ بالبَيعِ المُطلَقِ ليسَ له البَيعُ بنَسئيةٍ، وإنْ كانَ أكثَرَ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ؛ لأنَّ مُقتَضَى الإطلاقِ الحُلولُ؛ لأنَّه المُعتادُ في الأغلَبِ.
فَإنْ باعَ بنَسيئةٍ لَم يَصحَّ على المَذهبِ، وإنْ سلَّمَ المَبيعَ ضَمِن؛ لِتَعَدِّيهِ، ويَستَرِدُّه إنْ بَقِيَ، وإلَّا غرَّم المُوكِّلُ مَنْ شاءَ مِنْ المُشتَرِي أو الوَكيلِ قِيمَتَه، سَواءٌ كانَ مِثلِيًّا أو مُتقَوَّمًا.
وإنْ قالَ له: بِعْه كَيفَ شِئتَ، صَحَّ بَيعُه بالنَّسيئةِ (٢).
стр. 6269
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا أطلَقَ المُوكِّلُ الوَكالةَ لا يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَ نَسيئةً، ويَلزَمُه أنْ يَبيعَ حالًّا؛ لأنَّ الأصلَ في البَيعِ الحُلولُ؛ لأنَّه لو أُطلِقَ البَيعُ حُمِلَ على الحُلولِ، فكَذلك إذا أُطلِقَتِ الوَكالةُ؛ فَإنْ باعَ بنَسيئةٍ فتَصرُّفُه باطِلٌ.
فَإنْ قالَ المُوكِّلُ لِوَكيلِه: اصنَعْ ما شِئتَ، أو تصرَّفْ كَيفَما شِئتَ؛ فله أنْ يَبيعَ حالًّا ونَسيئةً، وبِمَنفعةٍ وعَرضٍ.
وفي احتِمالِ أنَّه يَجوزُ له أنْ يَبيعَ بنَسئيةٍ، كالمُضارِبِ، فإنَّ الصَّحيحَ الأوَّلُ، ويُفارِقُ المُضارَبةَ لوَجهينِ:
أحَدُهما: أنَّ المَقصودَ مِنْ المُضارَبةِ الرِّبحُ، لا دَفعُ الحاجةِ بالثَّمنِ في الحالِ، وقَد يَكونُ المَقصودُ في الوَكالةِ دَفْعَ حاجةٍ ناجِزةٍ تَفوتُ بتَأخيرِ الثَّمنِ.
والآخَرُ: أنَّ استِيفاءَ الثَّمنِ في المُضارَبةِ على المُضارِبِ، فيَعودُ ضَرَرُ التَّأخيرِ في التَّقاضي عليه، وههُنا بخِلافِه، فلا يَرضَى به المُوكِّلُ، ولأنَّ الضَّرَرَ في هَلَاكِ الثَّمنِ على المُضارِبِ؛ لأنَّه يُحسَبُ مِنْ الرِّبحِ؛ لِكَونِ الرِّبحِ وِقايةً لِرَأْسِ المالِ، وههُنا يَعودُ على المُوكِّلِ، فانقطَع الإلحاقُ (١).
٥ - البَيعُ بمَنفعةٍ:
نَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّ المُوكِّلَ إذا أطلَقَ الوَكالةَ لَم يَصحَّ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَ بمَنفعةٍ، كَسُكنَى دارٍ وخِدمةِ عَبدٍ، ولا بعَرضِ؛ فَإنْ فَعلَ؛ لَم يَصحَّ؛ لأنَّ
стр. 6270
الإطلاقَ مَحمولٌ على العُرفِ، إلَّا بإذْنِ مُوكِّلٍ، كَقَولِ المُوكِّلِ لِوَكيلِه: اصنَعْ ما شِئتَ أو تصرَّفْ كَيفَما شِئتَ؛ فله أنْ يَبيعَ بمَنفعةٍ وعَرضٍ؛ فَإنْ فَعلَ ذلك، بأنْ باعَ بعَرضٍ أو مَنفعةٍ بدُونِ إذْنِ المُوكِّلِ فتَصرُّفُه باطِلٌ (١).
٦ - عَدمُ بَيعِ الوَكيلِ لِنَفْسِهِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ هَلْ يَجوزُ له أنْ يَبيعَ لِنَفْسِه أو لا يَجوزُ؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ في المَذهبِ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ أنْ يَبيعَ لِنَفْسِه.
ثم اختَلَفوا فيما لو أذِنَ له الوَكيلُ بالبَيعِ لِنَفْسِه، أو قدَّر له الثَّمنَ، هَلْ يَصحُّ أو لا؟ وتَفصيلُه على النحوِ التَّالي:
فَقالَ الحَنفيَّةُ: لا يَجوزُ لِلإنسانِ إذا وكَّل في بَيعِ شَيءٍ وَكالةً مُطلَقةً أنْ يَشتَريَه لِنَفْسِه، وإنْ أذِنَ له المُوكِّلُ، أو قالَ له: بِعْه ممَّن شِئتَ؛ فإنَّه لا يَجوزُ له، وإنْ صرَّح المُوكِّلُ له بذلك.
وفي قَولٍ: يَجوزُ إذا أذِنَ له المُوكِّلُ (٢).
стр. 6271
وقالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ على بَيعِ شَيءٍ لا يَجوزُ له أنْ يَبيعَه مِنْ نَفْسِه ما وُكِّلَ على بَيعِه، ولو سمَّى له الثَّمنَ، لِاحتِمالِ الرَّغبةِ فيه بأكثَرَ، ما لَم يَكُنْ بعدَ تَناهِي الرَّغَباتِ فيه، أو لَم يَأذَنْ له رَبُّه في البَيعِ لِنَفْسِه، وإلَّا جازَ. ومِثلُ البَيعِ الشِّراءُ؛ فَإنْ فَعلَ خُيِّرَ الآمِرُ بينَ الرَّدِّ والإمضاءِ.
وفي مُقابِلِ المَشهورِ لِلمالِكيَّةِ أنَّه يَجوزُ له أنْ يَبيعَ مِنْ نَفْسِه (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: الوَكيلُ بالبَيعِ والشِّراءِ مُطلَقًا لا يَبيعُ ولا يَشترِي لِنَفْسِه، وإنْ أَذِنَ له الوَكيلُ فيه على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لِتَضادِّ غَرَضَيْ الِاستِرخاصِ له، والِاستِقصاءِ لِلمُوكِّلِ، وقالَ ابنُ سُرَيجٍ: يَصحُّ إنْ أَذِنَ له.
وكذا لو قدَّر له الثَّمنَ ونَهاه عن الزِّيادةِ، لا يَجوزُ، على الصَّحيحِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدمُ اتِّحادِ المُوجِبِ والقابِلِ مِنْ شَخصٍ واحِدٍ، وليسَتِ العِلَّةُ التُّهمةَ، بَلْ عَدمُ انتِظامِ الإيجابِ والقَبولِ مِنْ شَخصٍ واحِدٍ، وقالَ ابنُ الرِّفعةِ: يَنبَغي أنْ يَجوزَ؛ لِعدمِ التُّهمةِ، ولو وكَّله في هِبةٍ أو دَيْنٍ مِنْ نَفْسِه لَم يَصحَّ لِذلك. وحُكمُ الشِّراءِ في ذلك كالبَيعِ.
قالَ الماوَرديُّ ﵀: فأمَّا إذا جعَل المُوكِّلُ إلى وَكيلِه أنْ يَبيعَ على نَفْسِه أو يَشتَريَ مِنْ نَفْسِه، فمَذهبُ الشَّافِعيِّ ﵀ أنَّه غيرُ جائِزٍ؛ لِمَا فيه مِنْ التَّناقُضِ المَقصودِ، وتَنافِي الغَرَضَيْنِ؛ لأنَّ عَقدَ الوَكالةِ قَدْ أوجَبَ عليه
стр. 6272
الِاستِقصاءَ لِمُوكِّلِه، وإذا كانَ هو المُشتَرِيَ انصَرَفَ إلى الِاستِقصاءُ لِنَفْسِه.
وقالَ ابنُ سُرَيجٍ ﵀: يَجوزُ ذلك، كما يَجوزُ أنْ يَجعَلَ إلى زَوجَتِه الطَّلاقَ لِنَفْسِها، أو إلى أَمَتِه عِتْقَها، وهذا خَطَأٌ؛ لِمَا ذَكَرْنا مِنْ الفَرقِ بينَ البَيعِ والطَّلاقِ والعِتقِ في ثَلاثةِ أوْجُهٍ:
أحَدُهما: أنَّ في البَيعِ ثَمَنًا يَختلِفُ بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، فصارَ بالمَيْلِ إلى نَفْسِه مُتهَوِّمًا فيه، وليسَ في الطَّلاقِ والعِتقِ ثَمَنٌ تَصيرُ بالمَيلِ إلى نَفْسِها مُتهَوِّمةً فيه.
والثَّاني: أنَّ العِتقَ والطَّلاقَ أوسَعُ، لِوُقوعِها بالصِّفاتِ، وتَعليقُها على الغَرَرِ والجَهالاتِ والبَيعِ أضيَقُ حُكمًا مِنه.
والثَّالثُ: أنَّه ليسَ في الطَّلاقِ والعِتقِ قَبولٌ مُعتبَرٌ، وفي البَيعِ قَبولٌ مُعتبَرٌ؛ فلَمْ يَجُزْ أنْ يَكونَ الباذِلُ قابِلًا، فأمَّا إذا وكَّله في بَيعِ عَبدِه ووكَّله الآخَرُ في شِراءِ العَبدِ المُوكَّلِ في بَيعِه، لَم يَجُزْ؛ لِتَنافِي المَقصودِ في العَقدَيْنِ. وكانَ له أنْ يُقيمَ على إحدَى الوَكالتَيْنِ. فإن أرادَ أنْ يُقيمَ على أسبَقِهِما في بَيعٍ أو شِراءٍ جازَ، وإن أرادَ أنْ يُقيمَ على الثَّانيةِ مِنهُما كانَ بَيعًا أو شِراءً، احتمَلَ وَجهَيْنِ: أحَدُهما: لا يَصحُّ؛ لأنَّ شَرطَ الأُولَى يَمنَعُ مِنْ جَوازِ الثَّانيةِ. والوَجهُ الآخَرُ: يَجوزُ؛ لأنَّ الوَكالةَ لا تَلزَمُ، فلَمْ يَكُنْ لِلمُتقدِّمةِ مِنهُما تَأثيرٌ، وتَبطُلُ بقَبولِ الثانيةِ (١).
стр. 6273
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَجوزُ لِلوَكيلِ في بَيعٍ وُكِّلَ فيه أنْ يَبيعَ لِنَفْسِهِ؛ لأنَّ العُرفَ في البَيعِ بَيعُ الرَّجلِ مِنْ غيرِه، فحُمِلَتِ الوَكالةُ عليه، فلَمْ يَجُزْ، كما لو نَهاه.
وكذا لا يَصحُّ شِراؤُه مِنْ نَفْسِه لِشَيءٍ وُكِّلَ في شِرائِه فاشتَراه مِنْ نَفْسِه لِمُوكِّلِه؛ لأنَّه خِلافُ العُرفِ في ذلك، وكما لو صرَّح له فقالَ: بِعْه أوِ اشتَرِه مِنْ غيرِكَ، ولِلُحوقِ التُّهمةِ له بذلك.
ولو زادَ الوَكيلُ في البَيعِ على مَبلَغِ ثَمَنِه في النِّداءِ، أو وكَّل مَنْ يَبيعُ -حيثُ جازَ- وكانَ هو أحَدَ المُشتَرِينَ، فلا يَصحُّ البَيعُ؛ لِمَا تَقدَّم مِنْ أنَّ العُرفَ بَيْعُه لِغيرِه، فتُحمَلُ الوَكالةُ عليه، إلَّا بإذْنِه، بأنْ أَذِنَ له في البَيعِ مِنْ نَفسِه، أوِ الشِّراءِ مِنها، فيَجوزُ؛ لِانتِفاءِ التُّهمةِ، كما لو وكَّل المَرأةَ في طَلاقِ نَفْسِها، ولأنَّ عِلَّةَ المَنعِ هي مِنْ المُشتَرِي لِنَفْسِه في مَحَلٍّ لِاتِّفاقِ التُّهمةِ لِدَلالَتِها على عَدمِ رِضَا المُوكِّلِ بهذا التَصرُّفِ، وإخراجِ هذا التَصرُّفِ عن عُمومِ لَفْظِه وإذْنِه، وقَد صرَّح ههُنا بالإذْنِ فيها، فلا تَبقَى دِلالةُ الحالِ مَع نَصِّه بلَفْظِه على خِلافِه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقَولُهم: إنَّه يَتضادُّ مَقصودُه في البَيعِ والشِّراءِ.
قُلْنا: إنْ عيَّن المُوكِّلُ له الثَّمنَ، فاشترَى به، فقَد زالَ مَقصودُ الِاستِقصاءِ، وأنَّه لا يُرادُ أكثَرُ ممَّا قَدْ حصَل، وإنْ لَم يُعيِّنْ له الثَّمنَ تَقيَّدَ البَيعُ بثَمَنِ المِثلِ، كما لو باعَ الأجنَبيُّ (١).
стр. 6274
وعن الإمامِ أحمدَ ﵀ أنَّه يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَ لِنَفْسِه إذا زادَ على مَبلَغِ ثَمَنِه في النِّداءِ، أو وكَّل مَنْ يَبيعُ، وكانَ هو أحَدَ المُشتَرينَ.
فَإنْ قيلَ: فكَيفَ يَجوزُ له دَفْعُها إلى غيرِه لِيَبيعَها، وهذا تَوكيلٌ، وليسَ لِلوَكيلِ التَّوكيلُ؟ قُلْنا: يَجوزُ التَّوكيلُ فيما لا يَتوَلَّى مثلَه بنَفْسِه، والنِّداءُ ممَّا لَم تَجْرِ به العادةُ أنْ يَتوَلَّاه أكثَرُ النَّاسِ بنُفُوسِهم، فإنْ وكَّل إنسانًا يَشترِي له، وباعَ، جازَ على هذه الرِّوايةِ؛ لأنَّه امتَثَلَ أمْرَ مُوكِّلِه في البَيعِ، وحصَل غَرَضُه مِنْ الثَّمنِ، فجازَ، كما لو اشتَراها (١).
٧ - عَدمُ بَيعِ الوَكيلِ ممَّن تُرَدُّ شَهادَتُه له:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ إذا وُكِّلَ في البَيعِ مُطلَقًا، هَلْ يَجوزُ له أنْ يَبيعَ لمَن تُرَدُّ شَهادَتُه له، مثلَ أولادِه وزَوجَتِه ووالِدَيْه، أو لا؟ ففي كلِّ ذلك تَفصيلٌ بَيانُه على النحوِ الآتي:
أ- بَيعُ الوَكيلِ لِأولادِه الصِّغارِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ، هَلْ يَجوزُ له أنْ يَبيعَ لِأولادِه الصِّغارِ، وكذا المَحجورُ عليهم لِجُنونٍ أو سَفَهٍ، أو لا يَجوزُ؟
فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ أنْ يَبيعَ أو يَشترِيَ مِنْ وَلَدِه الصَّغيرِ،
стр. 6275
وكذا مَحجُورُه السَّفيهُ والمَجنونُ؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في حَقِّه، ويَميلُ إلى تَرْكِ الِاستِقصاءِ عليه في الثَّمنِ، كَتُهمَتِه في حَقِّ نَفْسِه، وذلك لا تُقبَلُ شَهادَتُه له، ولأنَّ مَواضِعَ التُّهَمِ مُستَثناةٌ مِنْ الوَكالةِ، والوَكيلِ يُتَّهَمُ في العَقدِ مَع هَؤُلاءِ، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ الصَّغيرِ والمَحجورِ عليه والوَكيلِ يَنتَفِعُ بمالِ الآخَرِ عادةً، فكانَ مالُ كلِّ واحِدٍ مِنهم كمالِ الوَكيلِ، فصارَ الوَكيلُ بائِعًا أو شارِيًا مِنْ نَفسِه.
حتى وإنْ أَذِنَ له المُوكِّلُ في البَيعِ مِنْ هَؤُلاءِ، بأنْ قالَ له: بِعْ ممَّن شِئتَ؛ فإنَّه لا يَجوزُ عندَ الحَنفيَّةِ في الصِّحيحِ، والشَّافِعيَّةِ في المَذهبِ.
وقالَ الحَنابِلةُ: يَصحُّ إنْ أَذِنَ المُوكِّلُ؛ لِانتِفاءِ التُّهمةِ (١).
وذهَب الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ والمالِكيَّةُ في مُقابِلِ المَشهورِ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِلوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ أنْ يَبيعَ لِوَلَدِه
стр. 6276
الصَّغيرِ ومَحجُورِه مِنْ سَفيهٍ أو مَجنونٍ بمِثلِ القِيمةِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ مُطلَقٌ: أي: عن التَّقييدِ بشَخصٍ دونَ آخَرَ، والمُطلَقُ يُعمَلُ بإطلاقِه، فكانَ المُقتَضِي مَوجودًا، وكانَ المانِعُ مُنتَفيًا؛ لأنَّ المانِعَ هو التُّهمةُ، ولا تُهمةَ ههُنا؛ لأنَّها إمَّا أنْ تَكونَ مِنْ حيثُ إيثارُ العَينِ، أو مِنْ حيثُ الماليَّةُ، وليسَ شَيءٌ مِنهُما بمَوجودٍ.
أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ الأملاكَ مُتَبايِنةٌ حيثُ يَحِلُّ لِلِابنِ وَطْءُ جاريةِ نَفْسِه، ولو لَم يَكُنْ مِلْكُه مُتَبايِنًا عن مِلْكِ أبيه لَكانَتْ جارِيَتُه مُشترَكةً، ولَمَا حَلَّ له وَطؤُها، ولا يَحِلُّ له وَطْءُ جارِيةِ أبيه، والمَنافِعُ مُنقَطِعةٌ؛ فإنَّ تَبايُنَ الأملاكِ يُوجِبُ انقِطاعَ المَنافِعِ.
وأمَّا الآخَرُ: فلأنَّ التَّقديرَ بمِثلِ القِيمةِ يَنفِيه، وإذا وُجِدَ المُقتَضِي وانتَفَى المانِعُ وجَب القَولُ بالجَوازِ، كما في البَيعِ مِنْ الأجنَبيِّ.
وقيلَ: إنْ كانَ بغَبنٍ يَسيرٍ يَجوزُ أيضًا عندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ (١).
стр. 6277
ب- بَيعُ الوَكيلِ لِأولادِه الكِبارِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ، هَلْ يَجوزُ له أنْ يَبيعَ لِأولادِه الكِبارِ أو لا يَجوزُ؟
فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ والشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ البَيعُ لِابنِه الكَبيرِ، ولا الشِّراءُ مِنهُ؛ لأنَّ الوَكيلَ مُؤتمَنٌ؛ فإذا باعَ لِأولادِه لَحِقَتْه التُّهمَةُ، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهم -أي: الوَكيلَ وأولادَه- يَنتَفِعُ بمالِ الآخَرِ عادةً، فكانَ مالُ كلِّ واحِدٍ مِنهم كمالِ الوَكيلِ، فصارَ الوَكيلُ بائِعًا أو شاريًا مِنْ نَفْسِه، وكذا الإجارةُ والصَّرفُ.
إلَّا أنْ يَأذَنَ له المُوكِّلُ أنْ يَبيعَ مِنهم، أو يَقولَ له: بِعْه ممَّن شِئتَ؛ فإنَّه يَجوزُ بَيعُه لهم.
وقيلَ: إنْ باعَ بأكثَرَ مِنْ القِيمةِ جازَ عندَ أبي حَنيفةَ.
وذهَب الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِلوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ أنْ يَبيعَ لِأولادِه الكِبارِ بمِثلِ القِيمةِ، ولَا يُحابيَ؛ لأنَّ التَّوكيلَ مُطلَقٌ: أي: عن التَّقييدِ بشَخصٍ دُون آخَرَ، والمُطلَقُ يُعمَلُ بإطلاقِه، فكانَ المُقتَضِي مَوجودًا، وكانَ المانِعُ مُنتَفيًا؛ لأنَّ المانِعَ هو التُّهمةُ، ولا تُهمةَ ههُنا؛ لأنَّها إمَّا أنْ تَكونَ مِنْ
стр. 6278
حيثُ إيثارُ العَينِ، أو مِنْ حيثُ المالِيَّةُ، وليسَ شَيءٌ مِنهُما بمَوجودٍ.
أمَّا الأوَّلُ فلأنَّ الأملاكَ مُتَبايِنةٌ، حيثُ يَحِلُّ لِلِابنِ وَطْءُ جاريةِ نَفْسِه، ولو لَم يَكُنْ مِلْكُه مُتَبايِنًا عن مِلْكِ أبيه لَكانَتْ جاريَتُه مُشترَكةً، ولَمَا حَلَّ له وَطؤُها، ولا يَحِلُّ له وَطءُ جاريةِ أبيه، والمَنافِعُ مُنقَطِعةٌ؛ فإنَّ تَبايُنَ الأملاكِ يُوجِبُ انقِطاعَ المَنافِعِ.
وأمَّا الآخَرُ: فلأنَّ التَّقديرَ بمِثلِ القِيمةِ يَنفيه، وإذا وُجِدَ المُقتَضِي وانتَفَى المانِعُ وجَب القَولُ بالجَوازِ، كما في البَيعِ مِنْ الأجنَبِيِّ.
ولأنَّه باعَ بالثَّمنِ الذي لو باعَ به لِأجنَبِيٍّ لَصَحَّ، فلا تُهمةَ حينَئذٍ، فهو كما لو باعَ مِنْ صَديقِه.
وقيلَ: إنْ باعَ بغَبْنٍ يَسيرٍ لهم يَجوزُ عندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ.
وقالَ المالِكيَّةُ: إنْ حابَى، بأنْ باعَ لهم ما يُساوي عَشَرةً بخَمسةٍ، مُنِعَ ومَضَى البَيعُ وغُرِّمَ الوَكيلُ ما حابَى به، والعِبرةُ بالمُحاباةِ وَقتَ البَيعِ، لا وَقتَ قِيامِ المُوكِّلِ أو عِلمِه (١).
стр. 6279
ج- بَيعُ الوَكيلِ لِوالِدَيْهِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكالةِ المُطلَقةِ، بأنْ أطلَقَ المُوكِّلُ الوَكالةَ لِلوَكيلِ، هَلْ له أنْ يَبيعَ لِوالِدَيْه ويَشترِيَ مِنهما أو لا؟
فَذَهَبُ الإمامُ أبو حَنيفةَ وفي مُقابِلِ الأصَحِّ عندَ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَبيعَ لِوالِدَيْهِ؛ لأنَّ الوَكيلَ مُؤتمَنٌ؛ فإذا باعَ لِوالِدَيْه لَحِقَتْه التُّهمَةُ؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في حَقِّهم، ويَميلُ إلى تَركِ الِاستِقصاءِ عليهم في الثَّمنِ، كَتُهمَتِه في حَقِّ نَفْسِه، ولِذلك لا تُقبَلُ شَهادَتُه لهما، وكما لو فوَّض الإمامُ إليه أنْ يُوَليَ القَضاءَ مَنْ شاءَ، فلا يَجوزُ له تَفويضُه إلى أُصولِه ولا فُروعِه، ولأنَّ المَنافِعَ بينَه وبينَ والِدَيْه مُتَّصِلةٌ، ولأنَّ الشِّراءَ مِنهم كالبَيعِ، فلا يَصحُّ شِراؤُه مِنهما لِشَيءٍ وُكِّلَ في شِرائِه، فاشتَراه مِنهما لِمُوكِّلِه، إلَّا أنْ يَأْذَنَ المُوكِّلُ في البَيعِ لهما، أو يَقولَ: بِعْ ممَّن شِئتَ؛ فإنَّه يَجوزُ أنْ يَبيعَ لهما بالإجماعِ.
وذهَب الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ والشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ وهو رِوايةٌ عن أبي حَنيفةَ وهو مُقتَضَى مَذهبِ المالِكيَّةِ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَبيعَ لِوالِدَيْه بمِثلِ القِيمةِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ مُطلَقٌ: أي: عن التَّقييدِ بشَخصٍ دُون آخَرَ، والمُطلَقُ يُعمَلُ بإطلاقِه، فكانَ المُقتَضِي مَوجودًا، وكانَ المانِعُ مُنتَفيًا؛ لأنَّ المانِعَ هو التُّهمةُ، ولا تُهمةَ ههُنا؛ لأنَّها
стр. 6280
إمَّا أنْ تَكونَ مِنْ حيثُ إيثارُ العَينِ، أو مِنْ حيثُ المالِيَّةُ، وليسَ شَيءٌ مِنهُما بمَوجودٍ.
أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ الأملاكَ مُتَبايِنةٌ، حيثُ يَحِلُّ لِلِابنِ وَطْءُ جاريةِ نَفْسِه، ولو لَم يَكُنْ مِلْكُه مُتَبايِنًا عن مِلْكِ أبيه لَكانَتْ جاريَتُه مُشترَكةً، ولَمَا حَلَّ له وَطؤُها، ولا يَحِلُّ له وَطءُ جاريةِ أبيه، والمَنافِعُ مُنقَطِعةٌ؛ فإنَّ تَبايُنَ الأملاكِ يُوجِبُ انقِطاعَ المَنافِعِ.
وأمَّا الآخَرُ: فلأنَّ التَّقديرَ بمِثلِ القِيمةِ يَنفيه، وإذا وُجِدَ المُقتَضِي وانتَفَى المانِعُ وجَب القَولُ بالجَوازِ، كما في البَيعِ مِنْ الأجنَبِيِّ.
ولأنَّه باعَ بالثَّمنِ الذي لو باعَ به لِأجنَبِيٍّ لَصَحَّ، فلا تُهمةَ حينَئذٍ، فهو كما لو باعَ مِنْ صَديقِه.
وقيلَ: إنْ باعَ بغَبنٍ يَسيرٍ لهم يَجوزُ عندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ (١).
د- بَيعُ الوَكيلِ لِزَوجَتِه أو الوَكيلةُ لِزَوجِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أطلَقَ المُوكِّلُ الوَكالةَ لِلوَكيلِ بالبَيعِ، هَلْ يَجوزُ له أنْ يَبيعَ لِزَوجَتِه، أو أنْ تَبيعَ هي له إنْ كانَتْ هي الوَكيلَةَ، أو أنْ يَشترِيَ مِنها أو لا؟
فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلزَّوجِ إذا كانَ وَكيلًا ووُكِّلَ في البَيعِ مُطلَقًا أنْ يَبيعَ
стр. 6281
لِزَوجَتِه، ولا أنْ تَبيعَ هي لِزَوجِها إنْ كانَتْ وَكيلَةً؛ لأنَّه لا يُقبَلُ شَهادةُ واحِدٍ مِنهُما على الآخَرِ؛ ولأنَّ الوَكيلَ مُؤتمَنٌ؛ فإذا باعَ لِزَوجَتِه لَحِقَتْه التُّهمةُ؛ لأنَّ المَنافِعَ بينَهما مُشترَكةٌ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنتَفِعُ بمالِ الآخَرِ عادةً، فكانَ مالُ كلِّ واحِدٍ مِنهُما كمالِ الآخَرِ، فصارَ الوَكيلُ بائِعًا أو شارِيًا مِنْ نَفْسِه.
إلَّا أنْ يَأْذَنَ المُوكِّلُ في البَيعِ لِزَوجَتِه، أو يَقولَ: بِعْ ممَّن شِئتَ؛ فإنَّه يَجوزُ أنْ يَبيعَ لها بالإجماعِ.
وذهَب المالِكيَّةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ والشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ وهو رِوايةٌ عن أبي حَنيفةَ إلى أنَّه يَجوزُ لِزَوجٍ إذا كانَ وَكيلًا، وكذا الزَّوجةُ أنْ يَبيعَ لِزَوجَتِه بمِثلِ القِيمةِ، ودونَ مُحاباةٍ؛ لأنَّ التَّوكيلَ مُطلَقٌ: أي: عن التَّقييدِ بشَخصٍ دونَ آخَرَ، والمُطلَقُ يُعمَلُ بإطلاقِه، فكانَ المُقتَضِي مَوجودًا، وكانَ المانِعُ مُنتَفِيًا؛ لأنَّ المانِعَ هو التُّهمةُ، ولا تُهمةَ ههُنا، ولأنَّه باعَ بالثَّمنِ الذي لو باعَ به لِأجنَبِيٍّ لَصَحَّ، فلا تُهمةَ حينَئذٍ، فهو كما لو باعَ مِنْ صَديقِه.
وقيلَ: إنْ باعَ بغَبنٍ يَسيرٍ لها يَجوزُ عندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ، أو باعَ لها بأكثَرَ مِنْ القِيمةِ يَجوزُ عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ.
وقالَ المالِكيَّةُ: إنْ حابَى بأنْ باعَ لها ما يُساوي عَشَرةً بخَمسةٍ مُنِعَ ومَضَى البَيعُ وغُرِّمَ الوَكيلُ ما حابَى به، والعِبرةُ بالمُحاباةِ وَقتَ البَيعِ، لا وَقتَ قِيامِ المُوكِّلِ أو عِلمِه (١).
стр. 6282
و- بَيعُ الوَكيلِ لِأقارِبِهِ:
ذهَب عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ المُطلَقِ يَجوزُ له أنْ يَبيعَ لِأقارِبِه، كَأخيه وعَمِّه وسائِرِ أقارِبِهِ؛ لأنَّ الغَرَضَ مِنْ البَيعِ حُصولُ الثَّمنِ، لا أعيانُ المُشتَرِينَ؛ لأنَّ التَّوكيلَ مُطلَقٌ، ولا تُهمةَ؛ إذِ الأملاكُ مُتَبايِنةٌ والمَنافِعَ مُنقَطِعةٌ، فصارَ البَيعُ مِنهم كالبَيعِ مِنْ الأجنَبِيِّ.
قالَ المِرداويُّ ﵀: وحيثُ حصَلتْ تُهمةٌ لا يَصحُّ (١).
ي- الوَكيلُ في البَيعِ مِنْ طَرَفٍ والشِّراءِ مِنْ طَرَفٍ:
قالَ العمرانيُّ الشَّافِعيُّ ﵀: وإنْ وكَّله عَمْرٌو أنْ يَشترِيَ له عَبدًا مِنْ زَيدٍ، ووكَّله زَيدٌ في بَيعِه مِنْ عَمْرٍو، اختَلفَ أصحابُنا فيهِ:
فَقالَ ابنُ الصَّبَّاغِ: فيه وَجهانِ، كما لو وكَّله أنْ يَبيعَ مِنْ نَفْسِه.
стр. 6283
وقالَ الشَّيخانِ أبو حامِدٍ وأبو إسحاقَ: لا يَصحُّ ذلك، وَجهًا واحِدًا؛ لِتَضادِّ الغَرَضَيْنِ؛ لأنَّ عليه الِاستِقصاءَ لِلبائِعِ بالثَّمنِ، والِاستِرخاصَ لِلمُشتَرِي (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: إذا وكَّله في بَيعِ عَبدِه ووكَّله الآخَرُ في شِراءِ العَبدِ المُوكَّلِ في بَيعِه، لَم يَجُزْ؛ لِتَنافي المَقصودِ في العَقدَيْنِ. وكانَ له أنْ يُقيمَ على إحدَى الوِكالَتَيْنِ، فإنْ أرادَ أنْ يُقيمَ على أسبَقِهِما في بَيعٍ أو شِراءٍ جازَ، وإنْ أرادَ أنْ يُقيمَ على الثَّانيةِ مِنهُما كانَ بَيعًا أو شِراءً احتمَلَ وَجهَيْنِ: أحَدُهما: لا يَصحُّ؛ لأنَّ شَرطَ الأُولَى يَمنَعُ مِنْ جَوازِ الأُخرى. والوَجهُ الآخَرُ: يَجوزُ؛ لأنَّ الوَكالةَ لا تَلزَمُ؛ فلَمْ يَكُنْ لِلمُتقدِّمةِ مِنهُما تَأثيرٌ، وتَبطُلُ بقَبولِ الثانيةِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ وكَّله رَجُلٌ في بَيعِ عَبدِه ووكَّله آخَرُ في شِراءِ عَبدٍ فقِياسُ المَذهبِ أنَّه يَجوزُ له أنْ يَشترِيَه له مِنْ نَفْسِهِ؛ لأنَّه أَذِنَ له في طَرَفَيِ العَقدِ، فجازَ له أنْ يَليَهُما إذا كانَ غيرَ مُتَّهمٍ، كالأبِ يَشترِي مِنْ مالِ وَلَدِه لِنَفْسِه، ولو وكَّله المُتَداعيانِ في الدَّعوَى عَنهُما فالقِياسُ جَوازُه؛ لأنَّه يُمكِنُه الدَّعوَى عن أحَدِهِما والجَوابُ عن الآخَرِ وإقامةُ حُجَّةِ كلِّ واحِدٍ مِنهُما، ولِأصحابِ الشَّافِعيِّ في المَسألةِ وَجهانِ (٣).
стр. 6284
ثانيًا: الوَكالة المُقيَّدةُ في البَيعِ:
إذا قَيَّدَ المُوكِّلُ الوَكيلَ بقُيودٍ مُعيَّنةٍ وجَب عليه أنْ يَلتزِمَ بها، ولا يَجوزَ له أنْ يَتعَدَّاها عندَ تَنفيذِ الوَكالةِ باتِّفاقِ العُلماءِ، وهذا في الجُملةِ، إلَّا أنْ يُخالِفَ إلى خَيرٍ، كَأنْ قالَ له: بِعْ بعَشَرةٍ، فباعَه بأكثَرَ، أو قالَ له: اشتَرِ بعَشَرةٍ فاشتَراه بأقَلَّ.
قالَ الحَنفيَّةُ: التَّوكيلُ بالبَيعِ لا يَخلو إمَّا أنْ يَكونَ مُطلَقًا، وإمَّا أنْ يَكونَ مُقيَّدًا؛ فإنْ كانَ مُقيَّدًا يُراعَى فيه القَيدُ، بالإجماعِ، حتى إنَّه إذا خالَفَ قَيدَه لا يُنَفَّذُ على المُوكِّلِ، ولَكِن يَتوقَّفُ على إجازَتِه، إلَّا أنْ يَكونَ خِلافُه إلى خَيرٍ؛ لأنَّ الوَكيلَ يَتصرَّفُ بوِلايةٍ مُستَفادةٍ مِنْ قِبَلِ المُوكِّلِ، فيَلي مِنْ التَصرُّفِ قَدْرَ ما وَلَّاه، وإنْ كانَ الخِلافُ إلى خَيرٍ؛ فإنَّما نُفِّذَ لأنَّه إنْ كانَ خِلافًا صُورةً، فهو وِفاقٌ مَعنًى؛ لأنَّه آمِرٌ به دِلالةً، فكانَ مُتَصرِّفًا بتَولِيةِ المُوكِّلِ، فنُفِّذَ.
قالَ الكاسانيُّ ﵀: وبَيانُ هذه الجُملةِ: إذا قالَ: بِعْ عَبدي هذا بألْفِ دِرهَمٍ، فباعَه بأقَلَّ مِنْ الألْفِ لا يُنَفَّذُ، وكذا إذا باعَه بغيرِ الدَّراهِمِ لا يُنَفَّذُ، وإنْ كانَتْ قِيمَتُه أكثَرَ مِنْ ألْفِ دِرهَمٍ؛ لأنَّه خِلافٌ إلى شَرٍّ؛ لأنَّ أغراضَ النَّاسِ تَختلِفُ باختِلافِ الأجناسِ، فكانَ في معنَى الخِلافِ إلى شَرٍّ، وإنْ باعَه بأكثَرَ مِنْ ألْفِ دِرهَمٍ نُفِّذَ؛ لأنَّه خِلافٌ إلى خَيرٍ، فلَمْ يَكُنْ خِلافًا أصلًا.
وكَذلك على هذا لو وكَّله بالبَيعِ بألْفِ دِرهَمٍ حالَّةً، فباعَه بألْفٍ نَسيئةً، لَم يُنَفَّذْ، بَلْ يَتوقَّفُ؛ لِمَا قُلْنا.
وإنْ وكَّله بأنْ يَبيعَه بألْفِ دِرهَمٍ نَسيئةً، فباعَه بألْفٍ حالَّةً نُفِّذَ؛ لِمَا قُلْنا.
стр. 6285
وإنْ وكَّله بأنْ يَبيعَ ويَشترِطَ الخِيارَ لِلآمِرِ، فباعَه، ولَم يَشترِطِ الخِيارَ لَم يَجُزْ، بَلْ يَتوقَّفُ.
ولو باعَ وشرَط الخِيارَ لِلآمِرِ فليسَ له أنْ يُجيزَ؛ لأنَّه لو ملَك الإجازةَ بنَفْسِه لَم يَكُنْ لِلتَّقييدِ فائِدةٌ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ بالبَيعِ إذا خالَفَ ما وُكِّلَ فيه، بأنْ باعَ بأقَلَّ ممَّا سمَّى له المُوكِّلُ خُيِّرَ المُوكِّلُ بينَ إمضاءِ فِعلِه أو رَدِّه، إلَّا أنْ يَلتزِمَ الوَكيلُ بالزَّائِدِ، فيَلزَمَ المُوكِّلَ.
إلَّا إذا خالَفَ لِلأحسَنِ، فيَلزَمُ المُوكِّلَ، كإذا زادَ على ما أمَرَ به في البَيعِ، كما إذا قالَ له: بِعْ هذه السِّلعةَ بعَشَرةٍ، فباعَها باثنَيْ عَشْرَةَ، أو نَقَصَ على ما أمَرَ به في الشِّراءِ، كما إذا قالَ له: اشتَرِها بعَشَرةٍ، فاشتَراها بثَمانيةٍ؛ فإنَّه لا خِيارَ لِمُوكِّلِه؛ لأنَّ هذا ممَّا يُرغَبُ فيه، وليسَ مُطلَقُ المُخالَفةِ يُوجِبُ خِيارًا، وإنَّما يُوجِبُه مُخالَفةٌ يَتعلَّقُ بها غَرَضٌ صَحيحٌ (٢).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يَجِبُ على الوَكيلِ في الوَكالةِ المُقيَّدةِ مُراعاةُ تَقييدِ المُوكِّلِ ورِعايةُ المَفهومِ مِنه بحَسَبِ النُّطقِ أوِ العُرفِ؛ فَإنْ نَصَّ له على البَيعِ مِنْ شَخصٍ مُعيَّنٍ، كَزَيدٍ، أو في زَمانٍ مُعيَّنٍ، كَيَومِ كذا، أو شَهرِ كذا، أو في مَكانٍ مُعيَّنٍ، تَعيَّن على الوَكيلِ أنْ يَلتزِمَ بذلك على ما يَأتي، إلَّا إنْ خالَفَ
стр. 6286
لِلأحسَنِ، بأنْ قالَ له: بِعْ بمِئةٍ، فباعَ بأزيَدَ، صَحَّ، إلَّا أنْ يُصَرِّحَ بالنَّهْيِ عن الزِّيادةِ، فتَمتَنِعُ؛ لأنَّ النُّطقَ أبطَلَ حَقَّ العُرفِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: الوَكيلُ بالبَيعِ المُقيَّدِ لا يَجوزُ له أنْ يُخالِفَ مُوكِّلَه إلَّا لِلأحسَنِ، ولا يَملِكَ مِنْ التَصرُّفِ إلَّا ما يَقتَضيه إذْنُ مُوكِّلِه مِنْ جِهةِ النُّطقِ، أو مِنْ جِهةِ العُرفِ؛ لأنَّ تَصرُّفَه بالإذْنِ فاختَصَّ بما أُذِنَ فيه، والإذْنُ يُعرَفُ بالنُّطقِ تارةً وبِالعُرفِ أُخرَى، ولو وكَّل رَجُلًا في التَصرُّفِ في زَمَنِ مُقيِّدٍ لَم يَملِكِ التَصرُّفَ قبلَه ولا بعدَهُ؛ لأنَّه لَم يَتناوَلْه إذْنُه مُطلَقًا ولا عُرفًا؛ لأنَّه قَدْ يُؤثِّرُ التَصرُّفُ في زَمَنِ الحاجةِ إليه دونَ غيرِه، ولِهذا لمَّا عيَّن اللَّهُ تَعالى لِعِبادَتِه وَقتًا لَم يَجُزْ تَقديمُها عليه، ولا تَأخيرُها عنه، فلَو قالَ له: بِعْ ثَوبي غَدًا لَم يَجُزْ بَيعُه اليَومَ ولا بعدَ غَدٍ، وكذا لو عيَّن له مَكانًا على تَفصيلٍ به سَيَأتي.
أمَّا لو خالَفَ لِلأحسَنِ، بأنْ باعَ بأكثَرَ مِنْ الثَّمنِ المُقدَّرِ له صَحَّ البَيعُ، وإنْ لَم تَكُنِ الزِّيادةُ مِنْ جِنسِهِ؛ لأنَّه باعَ بالمَأْذونِ فيه، وزادَه خَيرًا زِيادةً تَنفَعُه ولا تَضُرُّه، والعُرفُ يَقتَضيه، أشبَهَ ما لو وكَّله في الشِّراءِ فاشتَراه بأنقَصَ ممَّا قدَّرَه له (٢).
стр. 6287
بَيانُ مُخالَفةِ الوَكيلِ لِقُيودِ المُوكِّلِ في البَيعِ:
ذكَرتُ فيما سبَق أقوالَ الفُقهاءِ مُجمَلةً في الوَكيلِ في البَيعِ المُقيَّدِ أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُخالِفَ المُوكِّلَ فيما وكَّله فيه إلَّا لِلأحسَنِ، وقَد ذكَر الفُقهاءُ أنَّ الوَكيلَ في البَيعِ قَدْ يُخالِفُ في أُمورٍ، مِنها ما يَلي:
١ - المُخالَفةُ في الثَّمنِ:
إذا حَدَّدَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ الثَّمنَ، فخالَفَ الوَكيلُ، فلا يَخلو إمَّا أنْ يُخالِفَ فيَبيعَ بأقَلَّ ممَّا حَدَّدَ له، وإمَّا أنْ يُخالِفَ لِلأحسَنِ، فيَبيعَ بأزيَدَ ممَّا حَدَّدَه له.
الحالةُ الأُولَى: أنْ يُخالِفَ فيَبيعَ بأقَلَّ ممَّا حَدَّدَ له المُوكِّلُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ إذا باعَ بأقَلَّ ممَّا حَدَّدَ له المُوكِّلُ، هَلْ يَصحُّ البَيعُ ويَضمَنُ الزِّيادةَ، أو يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ، أو يَبطُلُ البَيعُ؟
فَذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ البَيعَ صَحيحٌ، ويَضمَنُ الوَكيلُ لِلمُوكِّلِ النَّقصَ؛ لأنَّ فيه جَمعًا بينَ حَظِّ المُشتَرِي بعَدمِ الفَسخِ، وحَظِّ البائِعِ، فوجَب التَّضمينُ، وأمَّا الوَكيلُ فلا يُعتبَرُ حَظُّهُ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ، وفي قَدْرِ النَّقصِ وَجْهانِ:
أحَدُهما: هو بينَ ما باعَ به وثَمَنِ المِثلِ.
والوَجهُ الثَّاني: هو بينَ ما يَتغابَنُ به النَّاسُ وما لا يَتغابَنونَ بهِ؛ لأنَّ ما يَتغابَنُ النَّاسُ به يَصحُّ بَيعُه به، ولا ضَمانَ عليه (١).
стр. 6288
وذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ إذا حَدَّدَ له المُوكِّلُ الثَّمنَ فخالَفَ وباعَ بأقَلَّ ممَّا حَدَّدَه له فلا يَجوزُ، ويَتوقَّفُ على رِضَا المُوكِّلِ، فإنْ شاءَ أمْضاه، وإنْ شاءَ رَدَّه.
قالَ الحَنفيَّةُ: إذا قالَ: بِعْ عَبدِي هذا بألْفِ دِرهَمٍ، فباعَه بأقَلَّ مِنْ الألْفِ، لا يُنَفَّذُ على المُوكِّلِ، لكنْ يَتوقَّفُ على إجازَتِه (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ بالبَيعِ إذا خالَفَ ما وُكِّلَ فيه بأنْ باعَ بأقَلَّ ممَّا سمَّى له المُوكِّلُ خُيِّرَ المُوكِّلُ بينَ إمضاءِ فِعلِه وبينَ رَدِّه، إلَّا أنْ يَلتزِمَ الوَكيلُ بالزَّائِدِ، فيَلزَمَ المُوكِّلَ، ولا كَلامَ له لِحُصولِ مَقصودِه (٢).
وذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ البَيعَ باطِلٌ؛ لأنَّ المُوكِّلَ لَم يَأذَنْ له فيه، ولَم يَرْضَ بخُروجِ مِلْكِه على الوَجْهِ الذي أخَّرَه الوَكيلُ؛ فإذا قالَ له: بِعْ هذا بمِئةٍ لَم يَبِعْ بأقَلَّ مِنها، ولو يَسيرًا، وإنْ كانَ بثَمَنِ مِثلِه؛ لأنَّه مُخالِفٌ لِلإذْنِ، وهذا بخِلافِ النَّقصِ عن ثَمَنِ المِثلِ بما يُتَغابَنُ به عندَ الإطلاقِ (٣).
стр. 6289
الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يُخالِفَ فيَبيعَ بأزيَدَ ممَّا حَدَّدَ له المُوكِّلُ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكيلَ إذا خالَفَ مُوكِّلَه لِلأحسَنِ، كما إذا قالَ له: بِعْ هذه السِّلعةَ بألْفٍ، فباعَها بأزيَدَ، أو نَقَصَ عمَّا أُمِرَ به في الشِّراءِ، كما إذا قالَ له: اشتَرِها بألْفٍ، فاشتَراها بأقَلَّ، صَحَّ البَيعُ، ولا خِيارَ لِمُوكِّلِه؛ لأنَّ هذا ممَّا يُرغَبُ فيه، وليسَ مُطلَقُ المُخالَفةِ يُوجِبُ خِيارًا، وإنَّما يُوجِبُه مُخالَفةٌ يَتعلَّقُ بها غَرَضٌ صَحيحٌ.
ولأنَّ الإذْنَ ضَربانِ: إذْنٌ مُستَفادٌ نُطقًا، وإذْنٌ مُستَفادٌ عُرفًا، وفي العُرفِ: أنَّ مَنْ يَرضَى ببَيعِ سِلعَتِه بألْفٍ يَرضَى ببَيعِها بأكثَرَ.
إلَّا أنَّ الشَّافِعيَّةَ قالوا: إنْ قالَ له: بِعْهُ بألْفٍ، ولا تَبِعْ بما زَادَ، لَم يَصحَّ أنْ يَبيعَه بأكثَرَ مِنْ الألْفِ؛ لأنَّ النُّطقَ أبطَلَ حُكمَ العُرفِ.
وفي احتِمالٍ عندَهُم: أنَّه إنِ احتمَلَ أنَّه يُريدُ: لا تُتعِبْ نَفِسَكَ في طَلَبِ الزِّيادةِ نُفِّذَ البَيعُ (١).
٢ - مُخالَفةُ الوَكيلِ المُوكِّلَ بأنْ أمَرَه بالبَيعِ حالًّا فباعَ مُؤجَّلًا نَسيئةً:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أمَرَ المُوكِّلُ الوَكيلَ في البَيعِ بأنْ يَبيعَ حالًّا فباعَ نَسيئةً إلى أجَلٍ، هَلْ يَبطُلُ البَيعُ أو يَتوقَّفُ على إذْنِ المُوكِّلِ، فإنْ أجازَه جازَ، وإلَّا رَدَّ.
стр. 6290
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوكِّلَ إذا وكَّله أنْ يَبيعَ له سِلعةً بثَمَنٍ حالٍّ لَم يَجُزْ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَها بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ، قَلَّ الأجَلُ أو كَثُرَ، وسَواءٌ كانَ البَيعُ بالنَّسيئةِ، نَفَعَ أو أضَرَّ؛ لأنَّه إنَّما يَتصرَّفُ بإذْنِه، ولَم يَأذَنْ في غيرِ ذلك.
قالَ الشَّافِعيَّةُ: حتى لو باعَه بأجَلٍ ثم احتَبَسَ المَبيعُ حتى حَلَّ الأجَلُ وقبَض الثَّمنَ، لَم يَجُزْ؛ لِوُقوعِ العَقدِ فاسِدًا (١).
وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ البَيعَ لا يُنَفَّذُ، ويَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ، فإنْ أجازَه نُفِّذَ ولَزِمَه، وإنْ رَدَّه لا يُنَفَّذُ في حَقِّه.
قالَ الكاسانيُّ ﵀: الوَكيلُ بالبَيعِ إنْ كانَ مُقيَّدًا يُراعَى فيه القَيدُ بالإجماعِ، حتى إنَّه إذا خالَفَ قَيدَه لا يُنَفَّذُ على المُوكِّلِ، ولكنْ يَتوقَّفُ على إجازَتِه … كما لو وكَّله بالبَيعِ بألْفِ دِرهَمِ حالَّةً فباعَه بألْفِ نَسيئةً، لَم يُنَفَّذْ، بَلْ يَتوقَّفُ، لِمَا قُلْنا (٢).
وَجاءَ في «مَجَلَّةِ الأحكامِ العَدْلِيَّةِ وشَرحِها»: إنْ كانَ قَدْ وُكِّلَ بالبَيعِ بالنَّقدِ صَراحةً، أو دِلالةً، فليسَ له أنْ يَبيعَ نَسيئةً، مثلًا لو قالَ المُوكِّلُ: بِعْ هذا المالَ نَقدًا، أو بِعْ مالي هذا، وأدِّ دَيْني، فليسَ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَ ذلك المالَ بالنَّسيئةِ؛ لأنَّ التَّقييدَ بالبَيعِ نَقدًا مُفيدٌ ومُعتبَرٌ؛ لأنَّه في البَيعِ مُؤجَّلًا
стр. 6291
يَجِبُ تَسليمُ المَبيعِ أولا لِلمُشتَرِي، ويَتَأخَّرُ قَبضُ الثَّمنِ إلى حُلولِ الأجَلِ. ففي تلك الحالِ إذا أنكَرَ المُشتَرِي أو ماتَ مُفلِسًا يُحتمَلُ أنْ يَهلِكَ ويَتلَفَ الثَّمنُ، أمَّا في البَيعِ مُعَجَّلًا فلِعدمِ احتِمالِ الهَلاكِ فيه، فالتَّقييدُ بالبَيعِ نَقدًا أصبَحَ مُفيدًا ومُعتبَرًا، فإنْ باعَ المالَ وسلَّمَه كانَ ضامِنًا (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: مَنْ وكَّل رَجُلًا على بَيعِ سِلعةٍ بالنَّقدِ، أو لَم يُسَمِّ له نَقدًا، ولا مُؤجَّلًا، وكانَ شَأنُها أنَّها لا تُباعُ إلَّا بالنَّقدِ، فخالَفَ الوَكيلُ وباعَها في الصُّورَتَيْنِ بالدَّيْنِ؛ فإنَّ الوَكيلَ مُتعَدٍّ في بَيعِه بالدَّيْنِ، وسَواءٌ سمَّى له المُوكِّلُ قَدْرَ رَأْسِ الثَّمنِ أو لا.
ثم لا يَخْلُو الحالُ مِنْ أمرَيْنِ:
إمَّا أنْ يَطَّلِعَ على ذلك بعدَ فَواتِ السِّلعةِ أو قبلَ فَواتِها.
فَإنْ فاتَتِ السِّلعةُ؛ فإنَّه لا يَجوزُ لِلمُوكِّلِ أنْ يَرضَى بالثَّمنِ المُؤجَّلِ؛ لأنَّه قَدْ وجَب له على الوَكيلِ التَّسميةُ إنْ كانَ سمَّى له ثَمَنًا، أو القِيمةُ إنْ كانَ لَم يُسَمِّ، فرِضاه بعدَ ذلك بالدَّينِ المُؤجَّلِ فَسخُ دَيْنٍ في دَيْنٍ، وإنْ كانَتِ القِيمةُ أو التَّسميةُ أقَلَّ مِنْ الثَّمنِ المُؤجَّلِ، وهو الأغلَبُ، لَزِمَ مِنه بَيعُ قَليلٍ بأكثَرَ مِنه إلى أجَلٍ، وهو عَينُ الرِّبا على المَشهورِ.
وقيلَ: يَجوزُ له الرِّضا بالمُؤجَّلِ.
وقيلَ: لِلمُوكِّلِ أنْ يُلزِمَ الوَكيلَ القِيمةَ إنْ لَم يُسَمِّ، أو التَّسميةَ إنْ سمَّى، ويَبقَى الثَّمنُ المُؤجَّلُ لِأجَلِه، والمَشهورُ المَنعُ مِنْ ذلك.
стр. 6292
وإذا لَم تَفُتِ السِّلعةُ لَم يَمتَنِعْ رِضاه بالثَّمنِ المُؤجَّلِ؛ لأنَّ رِضاه حينَئذٍ كَإنشاءِ عُقدةٍ، وقَد تَقدَّم أنَّه إذا خالَفَ الوَكيلُ في البَيعِ؛ فإنَّه يُخيَّرُ المُوكِّلُ في رَدِّ البَيعِ وفي إجازَتِه، فكَذلك هُنا يُخيَّرُ المُوكِّلُ في إجازةِ البَيعِ بالثَّمنِ المُؤجَّلِ، وفي رَدِّ المَبيعِ، وأخْذِ سِلعَتِه، وسَواءٌ سمَّى له الثَّمنَ الوَكيلُ أو لا.
ولا يَجوزُ لِلمُوكِّلِ أنْ يُلزِمَ الوَكيلَ القِيمةَ أوِ التَّسميةَ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى دَفْعِ قَليلٍ في كَثيرٍ، وإنَّ الحُكمَ في ذلك أنْ يُباعَ الدَّيْنُ المُؤجَّلُ؛ فإذا بِيعَ فإنْ وَفَّى بقِيمةِ السِّلعةِ إنْ كانَ المُوكِّلُ لَم يُسَمِّ له ثَمَنًا، أو بالتَّسميةِ إنْ كانَ سمَّى له ثَمَنًا، فلا كَلامَ لِلمُوكِّلِ.
وإنْ لَم يُوَفِّ ما بِيعَ به الدَّيْنُ بالقِيمةِ في الصُّورةِ الأُولَى، أو بالتَّسميةِ في الصُّورةِ الثَّانيةِ؛ فإنَّ الوَكيلَ يُغَرَّمُ لِلمُوكِّلِ ما نَقَصَ؛ فَإنْ بِيعَ بأكثَرَ أخَذَ المُوكِّلُ الجَميعَ؛ إذْ لا رِبْحَ لِلمُتعَدِّي.
وَمَحَلُّ مَنْعِ الرِّضا بالدَّيْنِ مَع فَواتِ المَبيعِ حيثُ كانَ الدَّيْنُ الذي وقَع به البَيعُ أكثَرَ مِنْ الثَّمنِ أوِ القِيمةِ، كما لو كانَتْ عَشَرةً، أو قالَ له: بِعْ بعَشَرةٍ، فباعَه بخَمسةَ عَشَرَ لِأجَلٍ، وأمَّا لو كانَ الدَّيْنُ الواقِعُ به البَيعُ مثلَ التَّسميةِ، أو قِيمةِ الشَّيءِ المَبيعِ؛ فإنَّه يَجوزُ لِلمُوكِّلِ الرِّضا به (١).
стр. 6293
٣ - إذا خالَفَ الوَكيلُ المُوكِّلَ بأنْ أمَرَه أنْ يَبيعَ نَسيئةً فباعَ حالًّا:
إذا خالَفَ الوَكيلُ المُوكِّلَ بأنْ أمَرَه المُوكِّلُ أنْ يَبيعَ بالنَّسيئةِ فباعَ حالًّا، فلا يَخلو مِنْ حالَتَيْنِ:
الحالةُ الأُولَى: أنْ يَبيعَ حالًّا بالسِّعرِ نَفْسِه الذي أمَرَه أنْ يَبيعَ به نَسيئةً:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أمَرَ المُوكِّلُ الوَكيلَ بأنْ يَبيعَ السِّلعةَ بالنَّسيئةِ، فباعَ حالًّا بالسِّعرِ نَفسِه الذي أمَرَه أنْ يَبيعَ به نَسيئةً، كما لو وكَّله بأنْ يَبيعَه بألْفِ دِرهَمٍ نَسيئةً، فباعَه بألْفٍ حالَّةً.
فَذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في أحَدِ القولَيْنِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ البَيعَ صَحيحٌ؛ لأنَّه خالَفَ إلى خَيرٍ؛ لأنَّه إنْ كانَ خِلافًا صُورةً فهو وِفاقٌ مَعنًى؛ لأنَّه آمِرٌ به دِلالةً، فكانَ مُتَصرِّفًا بتَولِيةِ المُوكِّلِ، فنُفِّذَ؛ لأنَّه زادَه خَيرًا، فكانَ مَأْذونًا فيه عُرفًا، فأشبَهَ ما لو وكَّله ببَيعِها بعَشَرةٍ، فباعَها بأكثَرَ مِنها، ولأنَّه ببَيعِ الوَكيلِ المالَ المُوكَّلَ ببَيعِه نَسيئةً نَقدًا بالثَّمنِ الذي أُمِرَ ببَيعِه به قَدْ حصَل المُوكِّلُ على الثَّمنِ الزَّائِدِ في الحالِ، كما أنَّه تَوَقَّى خَطَرًا بسَبَبِ إفلاسِ المُشتَرِي أو إنكارِه ثَمَنَ المَبيعِ (١).
قالَ المالِكيَّةُ: لو قالَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: بِعْ بمِئةٍ نَسيئةً فباعَ بمِئةٍ نَقدًا، أو
стр. 6294
قال: اشتَرِ بمِئةٍ نَقدًا، فاشترَى بمِئةٍ نَسيئةً، لَزِمَ الآمِرَ في أحَدِ القولَيْنِ، وهو قَولُ ابنِ أبي زَيدٍ؛ لأنَّ المُبتاعَ لو عَجَّلَ الثَّمنَ المُؤجَّلَ لَزِمَ القَبولُ.
والقَولُ الثَّاني -وهو لِابنِ اللَّبَّادِ ﵀ -: لا يَصحُّ؛ لأنَّ مِنْ حُجَّةِ المُوكِّلِ أنْ يَقولَ في مَسألةِ البَيعِ: إنَّما قُلتُ لَكَ: بمِئةٍ مُؤجَّلةٍ لِأنِّي كُنْتُ أظُنُّ أنَّ المِئةَ ثَمَنُها إلى أجَلٍ؛ فإذا ساوَتْ مِئةً حالَّةً، فثَمَنُها في التَّأجيلِ أكثَرُ.
وَيَقولُ في مَسألةِ الشِّراءَ: إنَّما قُلتُ لَكَ: اشتَرِها بمِئةٍ مُعَجَّلةٍ، ظانًّا أنَّها تُساوي أكثَرَ مِنْ ذلك في التَّأجيلِ؛ فإذا باعَها بمِئةٍ مُؤجَّلةٍ فهي تُساوي أقَلَّ مِنْ مِئةٍ مُعَجَّلةٍ، قالَ ابنُ الحاجِبِ: وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّه لو عَجَّلَ له ما قالَ لَم يَكُنْ له مَقالٌ. قالَ في المُدوَّنةِ: وإنْ أمَرتَه ببَيعِها إلى أجَلٍ فباعَها نَقدًا فعليه الأكثَرُ ممَّا باعَها به، والقِيمةُ لِمَا تَعدَّى، وعنِ ابنِ القاسِمِ: وسَواءٌ سَمَّيتَ له ثَمَنًا أو لا، فظاهِرُ هذا الكَلامِ مَع ابنِ اللَّبَّادِ، وتَأوَّلَ ذلك بعضُهم على المُوكِّلِ إنَّما حَدَّ لِلوَكيلِ أقَلَّ الثَّمنِ، بحيثُ إنَّه إنَّما يَبيعُها بهذا العَدَدِ إذا لَم يَجِدْ أكثَرَ مِنه، ولمَّا باعَها بذلك العَدَدِ نَقدًا دَلَّ على أنَّه لَم يُبالِغْ في طَلَبِ الأثمانِ؛ لأنَّ مَنِ اشترَى بثَمَنٍ نَقدًا، فالأغلَبُ أنْ يَشترِيَ ما كَثُرَ إلى أجَلٍ، ومَهما بعدَ الأجَلُ زادَ الثَّمنُ (١).
стр. 6295
وقالَ اللَّخمِيُّ ﵀: ومَن أُمِرَ أنْ يَبيعَ سِلعةً بعَشَرةٍ لِشَهرٍ، فباعَها به نَقدًا، لَزِمَه؛ لأنَّ التَّعجيلَ زِيادةٌ، وهو كَمَنْ باعَ بأكثَرَ، إلَّا أنْ يَقولَ الآمِرُ: اطلُبْ عَشَرةً فأكثَرَ، ولا تَبِعْ بأقَلَّ، فيُنظَرَ إلى ما تُباعُ به إلى شَهرٍ، فإنْ كانَ أكثَرَ كانَ لِلآمِرِ رَدُّ البَيعِ، فإنْ فاتَ بها المُشتَرِي فعلى الآمِرِ الأكثَرُ ممَّا تُباعُ به إلى أجَلٍ، أو قِيمَتُها نَقدًا، وإنْ أمَرَه أنْ يُسلِّمَها في عَشَرةِ أقفِزةٍ قَمحًا إلى أجَلٍ، فكَذلك؛ لأنَّ العادةَ أنَّ النَّاسَ لا يَقصِدونَ بالأجَلِ الضَّمانَ إليه، ومَعلومٌ أنَّه على التَّعجيلِ أحرَصُ، وإنْ عُلِمَ أنَّ قَصدَه الضَّمانُ له صَحَّ أنْ يُفسَخَ البَيعُ، وتُعادَ له سِلعَتُه (١).
وفي احتِمالٍ لِلحَنابِلةِ أنَّه يَنْظُرُ فيهِ، فَإنْ لَم يَكُنْ له غَرَضٌ في النَّسيئةِ صَحَّ، وإنْ كانَ فيها غَرَضٌ، نحوَ أنْ يَكونَ الثَّمنُ ممَّا يُستضَرُّ بحِفظِه في الحالِ، أو يُخافُ عليه مِنْ التَّلَفِ أو المُتغَلِّبينَ، أو أنْ يَتغيَّرَ عن حالِه إلى وَقتِ الحُلولِ، فهو كَمَنْ لَم يُؤذَنْ له؛ لأنَّ حُكمَ الحُلولِ لا يَتناوَلُ المَسكوتَ عنه، إلَّا إذا عُلِمَ أنَّه في المَصلَحةِ كالمَنطوقِ، أو أكثَرُ، فيَكونُ الحُكمُ فيه ثابِتًا بطَريقِ التَّنبيهِ أوِ المُماثَلةِ، ومتى كانَ في المَنطوقِ به غَرَضٌ مُختَصٌّ له لَم يَجُزْ تَفويتُه، ولا ثُبوتُ الحُكمِ في غيرِه (٢).
وفي قَولٍ ثالِثٍ لِلحَنابِلةِ أنَّ البَيعَ لا يَصحُّ مُطلَقًا (٣).
стр. 6296
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: إنْ وكَّله في بَيعِ سِلعةٍ إلى أجَلٍ مَعلومٍ، فباعَها حالًّا بالثَّمنِ الذي يُباعُ به إلى الأجَلِ، فإنْ كانَتْ في وَقتٍ لا يُؤمَنُ أنْ يُسرَقَ الثَّمنُ، أو يُنهَبَ إلى الأجَلِ، أو كانَ لِحِفظِه مُؤنةٌ في الحالِ، لَم يَصحَّ البَيعُ؛ لأنَّ في ذلك ضَرَرًا عليه لَم يَرضَ به، وإنْ كانَ الوَقتُ مَأْمونًا ففيه وَجْهانِ:
أصَحُّهُما: يَصحُّ البَيعُ؛ لأنَّه باعَه بالثَّمنِ المَأْذونِ فيه، وزادَه بالحُلولِ خَيرًا، فصَحَّ.
والآخَرُ: لا يَصحُّ؛ لأنَّه قَدْ يَكونُ له غَرَضٌ في كَون الثَّمنِ في ذِمَّةِ مَلِيءٍ إلى وَقتِ الأجَلِ؛ لأنَّه قَدْ يَحتاجُ إليه في ذلك الوَقتِ، وإذا حصَل في يَدِه فرُبَّما أنفَقَه (١).
الحالة الأُخرى: أنْ يَبيعَ حالًّا بأقَلَّ ممَّا أمَرَه أنْ يَبيعَ به نَسيئةً:
فَذهَب الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إنْ باعَ حالًّا بأقَلَّ ممَّا أمَرَه أنْ يَبيعَ به نَسيئةً لَم يَصحَّ؛ لأنَّه مُخالِفٌ لِمُوكِّلِه؛ لأنَّه رَضيَ بثَمَنِ النَّسيئةِ دونَ ثَمَنِ النَّقدِ، ولأنَّه -وإنْ خالَفَ إلى خَيرٍ مِنْ حيثُ التَّعجيلُ- خالَفَ إلى شَرٍّ مِنْ حيثُ المِقدارُ، والخِلافُ إلى شَرٍّ مِنْ وَجهٍ يَكفي في المَنعِ، ولأنَّ الثَّمنَ بالبَيعِ نَسيئةً أزيَدُ مِنْ البَيعِ نَقدًا، وكانَ المَقصِدُ مِنْ الآمِرِ بالبَيعِ نَسيئةً هو الحُصولُ على ثَمَنٍ أزيَدَ، ولمَّا كانَ البائِعُ
стр. 6297
غيرَ مُحتاجٍ لِلثَّمنِ في الحالِ، كانَ الثَّمنُ الأزيَدُ أنفَعَ له (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ بالبَيعِ إذا خالَفَ ما وُكِّلَ فيه بأنْ باعَ بأقَلَّ ممَّا سمَّى له المُوكِّلُ خُيِّرَ المُوكِّلُ بينَ إمضاءِ فِعلِه أو رَدِّه، وله رَدُّ السِّلعةُ، إنْ كانَتْ قائِمةً، وقِيمَتِها إنْ فاتَتْ عندَ المُشتَرِي بحَوالةِ السُّوقِ فأعلَى، هذا إذا لَم يُسَمِّ.
فَإنْ سمَّى المُوكِّلُ الثَّمنَ وفاتَتْ فله تَغريمُ الوَكيلِ تَمامَ التَّسميةِ، إلَّا أنْ يَلتزِمَ الوَكيلُ بالزَّائِدِ، فيَلزَمَ المُوكِّلَ؛ لِإزالَتِه المُخالَفةَ (٢).
٤ - إذا حَدَّدَ له أجَلًا لَم يَجُزْ أنْ يَبيعَ إلى أجَلٍ أكثَرَ مِنهُ:
نَصَّ الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُوكِّلَ إذا حَدَّدَ لِلوَكيلِ أجَلًا فلا يَجوزُ له أنْ يَتعَدَّاه فيَبيعَ إلى أجَلٍ أكثَرَ مِنه.
قالَ الشَّافِعيَّةُ: إذا أَذِنَ له في بَيعِه بالنَّسيئةِ فإنْ قدَّر له أجَلًا لَم يَجُزْ له أنْ يَبيعَ إلى أجَلٍ أكثَرَ مِنهُ؛ لأنَّه خِلافُ إذْنِه.
وإنْ أذِنَ له في البَيعِ إلى أجَلٍ، ولَم يُقدِّرِ الأجَلَ ففيه أربَعةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها -وهو الأصَحُّ-: أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ؛ لأنَّ الآجالَ تَختلِفُ،
стр. 6298
وذلك غَرَرٌ مِنْ غيرِ حاجةٍ، فلَمْ يَصحَّ، كما لو قالَ: بِعتُكَ بألْفٍ إلى أجَلٍ.
والثَّاني: يَصحُّ التَّوكيلُ، ويَبيعُ إلى ما جَرَتْ به العادةُ في التَّأجيلِ بالثَّمنِ في مِثلِ تلك السِّلعةِ؛ فَإنْ لَم يَكُنْ فيه عُرْفٌ باعَ بأنفَعَ ما يَقدِرُ عليه؛ لأنَّه مَأْمورٌ بالنُّصحِ لِمُوكِّلِه.
والثَّالثُ: يَصحُّ البَيعُ إلى أيِّ أجَلٍ شاءَ الوَكيلُ؛ لِعُمومِ إذْنِ المُوكِّلِ.
والرَّابِعُ: يَبيعُ إلى سَنةٍ، ولا يَبيعُ إلى أكثَرَ مِنها؛ لأنَّ الآجالَ المُقدَّرةَ بالشَّرعِ إلى سَنةٍ، وهو مِثلُ الجِزيةِ والدِّيَةِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ قدَّر له أجَلًا لَم تَجُزِ الزِّيادةُ عليه؛ لأنَّه لَم يَرضَ بها، وإنْ أطلَقَ الأجَلَ جازَ، وحُمِلَ على العُرفِ في مِثلِه؛ لأنَّ مُطلَقَ الوَكالةِ يُحمَلُ على المُتَعارَفِ (٢).
وَهو أيضًا مُقتَضَى مَذهبِ الحَنفيَّةِ: أنَّه لا يَجوزُ مُخالَفةُ المُوكِّلِ بحالٍ، قالَ الكاسانيُّ: الوَكيلُ بالبَيعِ إنْ كانَ مُقيَّدًا يُراعَى فيه القَيدُ بالإجماعِ، حتى إنَّه إذا خالَفَ قَيدَه لا يُنَفَّذُ على المُوكِّلِ، ولكنْ يَتوقَّفُ على إجازَتِه (٣).
٥ - إذا خالَفَ الوَكيلُ في جِنسِ الثَّمنِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا خالَفَ الوَكيلُ في جِنسِ الثَّمنِ، بأنْ يُوكِّلَه المُوكِّلُ بأنْ يَبيعَ له سِلعةً مُعيَّنةً بجِنسٍ مُعيَّنٍ مِنْ الثَّمنِ، فيَبيعَها بجِنسٍ آخَرَ
стр. 6299
مِنه، كما لو أمَرَه أنْ يَبيعَها بالدَّنانيرِ، فباعَها بالدَّراهِمِ أو العُروضِ، هَلْ يَصحُّ البَيعُ أو لا؟
فَذهَب الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والقاضي مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّ المُوكِّلَ إذا عيَّن لِلوَكيلِ نَقدًا مُعيَّنًا، فلا يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَه بغيرِه، أو بالعُروضِ، سَواءٌ كانَ مِنْ أغلَبِ النُّقودِ أو لا. قالَ الشَّافِعيَّةُ: لأنَّه غيرُ المأْمورِ بهِ؛ لأنَّ الإذْنَ في جِنسٍ ليسَ بإذْنٍ في جِنسٍ آخَرَ، ولِهذا لو أذِنَ له في شِراءِ عَبدٍ لَم يَجُزْ أنْ يَشترِيَ جاريةً، ولو أَذِنَ له في شِراءِ حِمارٍ لَم يَجُزْ أنْ يَشترِيَ فَرَسًا (١).
وقالَ الحَنفيَّةُ: ولو وكَّله بأنْ يَبيعَه بألْفِ دِرهَمٍ، فباعَه بغيرِ الدَّراهِمِ لَم يَجُزْ، وإنْ كانَ قِيمةُ ذلك أكثَرَ مِنْ ألْفِ دِرهَمٍ؛ لأنَّه خِلافٌ إلى شَرٍّ؛ لأنَّ أغراضَ النَّاسِ تَختلِفُ باختِلافِ الأجناسِ، فكانَ في معنَى الخِلافِ إلى شَرٍّ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ -وهو احتِمالٌ لِبعضِ الشَّافِعيَّةِ، ذكَره النَّوَويُّ عن ابنِ كَجٍّ والغَزالِيِّ (٣): إنْ قالَ المُوكِّلُ لِوَكيلِه: بِعْه بدِرهَمٍ، فباعَه بدِينارٍ، أو قالَ: اشتَرِه بدِينارٍ، فاشتَراه بدِرهَمٍ، صَحَّ البَيعُ والشِّراءُ؛ لأنَّه
стр. 6300
مَأْذونٌ فيه عُرفًا؛ فإنَّ مَنْ رَضيَ بدِرهَمٍ رَضيَ مَكانَه بدِينارٍ، ومَن رَضيَ ببَذلِ دِينارٍ رَضيَ مَكانَه بدِرهَمٍ.
ولا يَصحُّ البَيعُ إذا قالَ: بِعْه بدِرهَمٍ إنْ باعَه بثَوبٍ يُساوِي دِينارًا؛ لِمُخالَفةِ مُوكِّلِه، والعُرفُ لا يَقتَضِيه.
وإنْ قالَ المُوكِّلُ: بِعْه بمِئةِ دِرهَمٍ، فباعَه الوَكيلُ بمِئةِ ثَوبٍ قِيمَتُها -أي: الثِّيابِ- أكثَرُ مِنْ الدَّراهِمِ، لَم يَصحَّ البَيعُ؛ لِلمُخالَفةِ، أو قالَ: بِعْه بمِئةِ دِرهَمٍ، فباعَه بثَمانينَ دِرهَمًا وعِشرينَ ثَوبًا لَم يَصحَّ البَيعُ، ولو زادَتْ قِيمةُ الثِّيابِ لِلمُخالَفةِ في الجِنسِ (١).
وَكَلامُ الحَنابِلةِ هذا فيما إذا خالَفَ لِلأحسَنِ؛ لأنَّ الدَّنانيرَ أغلَى مِنْ الدَّراهِمِ، لكنْ لو فُرِضَ العَكسُ بأنْ قالَ له: بِعْه بدِينارٍ، فباعَه بدِرهَمٍ، صَحَّ البَيعُ، وضَمِنِ النَّقصَ على مُقتَضَى مَذهبِهم.
وأمَّا المالِكيَّةُ فاختَلَفوا فيما إذا قالَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: بِعْ بالذَّهَبِ، فباعَ بالدَّراهِمِ، أو: بِعْ بالدَّراهِمِ، فباعَ بالذَّهَبِ، وكذا الشِّراءُ، هَلْ ذلك لَازِمٌ لِلمُوكِّلِ أم له الخِيارُ؟ قَولانِ مَشهورانِ بِناءً على أنَّهما جِنسانِ أو جِنسٌ واحِدٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُوكِّلَ مُخيَّرٌ بينَ الإمضاءِ والفَسخِ بِناءً على أنَّهما جِنسانِ
стр. 6301
مُختَلِفانِ؛ لأنَّه لو أودَعَه دَنانيرَ فتَسلَّفَها ورَدَّها دَراهِمَ لَم يَبرَأِ اتِّفاقًا، ولو كانَ رَأسُ مالِ القِراضِ دَنانيرَ فرَدَّه العامِلُ دَراهِمَ لَم يَلزَمْ رَبَّ المالِ قَبولُها.
والآخَرُ: أنَّه يَلزَمُ المُوكِّلَ، ولا خيارَ له؛ لأنَّهما جِنسٌ واحِدٌ في العُرفِ، قالَ اللَّخمِيُّ: لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما يَسُدُّ مَسَدَّ صاحِبِه، إلَّا أنْ يَعلَمَ أنَّ ذلك كانَ لِغَرَضِ الآمِرِ، فيُرَدُّ فيه البَيعُ إذا كانَ قائِمًا، فإنْ فاتَ وغابَ المُشتَرِي كانَ الآمِرُ بالخيارِ بينَ أنْ يُجيزَ أو يُباعَ بالثَّمنِ ويَشتَريَ له مثلَ ما أمَرَ.
وَمَحَلُّ القولَيْنِ إذا كانَ الذَّهَبُ والدَّراهِمُ نَقدَ البَلَدِ، وثَمَنَ المِثلِ، وكانَتِ السِّلعةُ ممَّا يُباعُ به، واستَوَتْ قِيمةُ الذَّهَبِ والدَّراهِمِ، وإلَّا خُيِّرَ مُوكِّلُه قَولًا واحِدًا (١).
٦ - المُخالَفةُ في المَكانِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عيَّن المُوكِّلُ لِلوَكيلِ مَكانًا مُعيَّنًا، كَبَلَدٍ أو سُوقٍ مُعيَّنٍ، لِيَبيعَ فيه، فخالَفَ وباعَ في غيرِه، هَلْ يَصحُّ البَيعُ ويَلزَمُ المُوكِّلَ، أو لا يَصحُّ، أو يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ، فإنْ أجازَه جازَ، وإلَّا رَدَّ.
فَذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوكِّلَ إنْ عيَّن لِلوَكيلِ المَكانَ وكانَ يَتعلَّقُ به غَرَضٌ ظاهِرٌ، مثلَ أنْ يَأمُرَه ببَيعِ ثَوبِه في سُوقٍ، وكانَ ذلك السُّوقُ مَعروفًا بجَودةِ النَّقدِ، أو كَثرةِ الثَّمنِ، أو حِلِّه، أو بصَلاحِ أهلِه، أو
стр. 6302
بمَوَدَّةٍ بينَ المُوكِّلِ وبينَهم، تَقيَّدَ الإذْنَ به، ولَم يَجُزْ له البَيعُ في غيرِهِ؛ لأنَّه قَدْ نَصَّ على أمْرٍ له فيه غَرَضٌ، فلَمْ يَجُزْ تَفويتُه.
وإنْ كانَ هو وغيرُه سَواءً في الغَرَضِ لَم يَتقيَّدِ الإذْنُ به عندَ الحَنابِلةِ والشَّافِعيَّةِ في وَجهٍ، وجازَ له البَيعُ في غيرِهِ؛ لأنَّ المَقصودَ هو البَيعُ، ولِمُساواتِه المَنصوصَ عليه في الغَرَضِ، فكانَ تَنصيصُه على أحَدِهِما إذْنًا في الآخَرِ، كما لو استأجَرَ أو استَعارَ أرضًا لِزِراعةِ شَيءٍ، كانَ إذْنًا في زِراعةِ مِثلِه، فما دونَه، وساءَ، قدَّر له الثَّمنَ أو لَم يُقدِّرْه، عندَ الحَنابِلَة، ومَحَلُّ هذا إذا لَم يَنْهَهُ عن غيرِه، فإن نَهاه لَم يَصحَّ جَزْمًا.
وقالَ الشَّافِعيَّةُ في الوَجْهِ الآخَرِ، وهو أصَحُّهُما: أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَبيعَ في غيرِهِ؛ لأنَّه لمَّا نَصَّ عليه دَلَّ على أنَّه قصَد عَينَه لِمَعنًى هو أعلَمُ بهِ -مِنْ يَمينٍ وغيرِها-، فلَم تَجُزْ مُخالَفَتُه، ويَضمَنُ الثَّمنَ والمُثمَّنَ، وهذا إذا لَم يُقدِّرِ الثَّمنَ، فإنْ قالَ: بِعْ في سُوقِ كذا بمِئةٍ، فباعَ بمِئةٍ في غيرِها جازَ (١).
وَقَريبٌ مِنْ مَذهبِ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ مَذهبُ الحَنفيَّةِ، حيثُ قالَ الحَنفيَّةُ: إنْ أمَرَ المُوكِّلُ وَكيلَه أنْ يَبيعَ في سُوقِ كذا، وكانَ مُفيدًا مِنْ وَجهٍ يَجِبُ مُرَاعاتُه، إنْ أكَّدَه بالنَّفيِ، كما لو قَالَ له: لا تَبِعْه إلَّا في سُوقِ كذا،
стр. 6303
يَجِبُ رِعايَتُه، وإنْ لَم يُؤَكِّدْه به لا يَجِبُ، كما لو قالَ له: بِعْه في سُوقِ كذا (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: المُوكِّلُ إذا قالَ لِوَكيلِه لا تَبِعْ إلَّا في السُّوقِ الفُلانيِّ، يَجِبُ عليه أنْ يَلتزِمَ بما قالَه، فلا يَبيعَ إلَّا في السُّوقِ الذي حَدَّدَه، فإنْ خالَفَ؛ فإنَّ الخِيارَ يَثبُتُ لِلمُوكِّلِ، إنْ شاءَ أجازَ فِعلَه، وإنْ شاءَ رَدَّه، وله رَدُّ السِّلعةِ إنْ كانَتْ قائِمةً، ورَدُّ قِيمَتِها إنْ كانَتْ قَدْ فاتَتْ، وسَواءٌ كانَ السُّوقُ المُحَدَّدُ ممَّا يَختلِفُ فيه الأغراضُ أو لا.
وقالَ ابنُ شاسٍ ﵀: لا يُخيَّرُ المُوكِّلُ إلَّا إذا كانَ السُّوقُ المُحَدَّدُ تَختلِفُ فيه الأغراضُ (٢).
٧ - المُخالَفةُ في الزَّمانِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عيَّن المُوكِّلُ لِلوَكيلِ زَمانًا مُعيَّنًا، فخالَفَ وباعَ قبلَه أو بعدَه، هَلْ يَصحُّ أو لا، أو يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ.
فَذهَب الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوكِّلَ إذا عيَّن لِلوَكيلِ زَمانًا بعَينِه تَعيَّن، ولا يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَه قبلَ ذلك الزَّمانِ ولا بعدَهُ؛ لأنَّه لَم يَتناوَلْه إذْنُه مُطلَقًا، ولا عُرفًا؛ لأنَّه قَدْ يُؤثِّرُ التَصرُّفُ في زَمَنِ الحاجةِ إليه
стр. 6304
دونَ غيرِه، ولِهذا لمَّا عيَّن اللَّهُ تَعالى لِعِبادَتِه وَقتًا لَم يَجُزْ تَقديمُها عليه ولا تَأخيرُها عنه، فلَو قالَ له: بِعْ ثَوبي غَدًا لَم يَجُزْ بَيعُه اليَومَ ولا بعدَ غَدٍ.
أمَّا عَدمُ جَوازِه قبلَه فلأنَّ وَقتَ الإذْنِ لَم يَأتِ، وأمَّا بعدَه فلِبُطلانِ الوَكالةِ بالفَواتِ، وقَد يَكونُ لِلإنسانِ غَرَضٌ صَحيحٌ في استِيفاءِ مِلْكِه إلى زَمانٍ بعَيْنِه (١).
إلَّا أنَّ الحَنفيَّةَ عندَهم رِوايَتانِ، فيما لو قالَ: بِعْه اليَومَ فباعَه غَدًا. قالَ الحَنفيَّةُ: لو قالَ: بِعْه غَدًا، لَم يَجُزْ بَيعُه اليَومَ، ولو قالَ: بِعْه اليَومَ فباعَه غَدًا فيه رِوايَتانِ: قالَ بعضُهمُ: الصَّحيحُ أنَّ الوَكالةَ لا تَبقَى بعدَ اليَومِ.
وذهَب بعضُ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ الوَكالةَ تَبقَى بعدَ اليَومِ؛ لأنَّ ذِكرَ اليَومِ لِلتَّعجيلِ، لا لِتَوقيتِ الوَكالةِ باليَومِ، إلَّا إذا دَلَّ الدَّليلُ عليه.
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: وفي «البَزَّازيةِ»: أنَّ الوَكيلَ إلى عَشَرةِ أيَّامٍ لا تَنتَهي وِكالَتُه بمُضِيِّ العَشَرةِ في الأصَحِّ (٢).
وقالَ المالِكيَّةُ: المُوكِّلُ إذا عيَّن لِوَكيلِه زَمَنًا، بأنْ قالَ: لا تَبِعْ إلَّا في الزَّمَنِ الفُلانِيِّ، تَعيَّن، ولا يَجوزُ له أنْ يَبيعَ قبلَه ولا بعدَه، فإنْ خالَفَ وباعَ
стр. 6305
في غيرِ الزَّمَنِ المُحَدَّدِ له؛ فإنَّ الخيارَ يَثبُتُ لِلمُوكِّلِ، إنْ شاءَ أجازَ فِعلَه، وإنْ شاءَ رَدَّه وله رَدُّ السِّلعةِ إنْ كانَتْ قائِمةً، وقِيمَتِها إنْ كانَتْ قَدْ فاتَتْ، وسَواءٌ كانَتِ الأغراضُ تَختلِفُ بالزَّمانِ المُحَدَّدِ أو لا.
وقالَ ابنُ شاسٍ ﵀: لا يُخيَّرُ المُوكِّلُ إلَّا إذا كانَ الزَّمانُ المُحَدَّدُ تَختلِفُ فيه الأغراضُ (١).
٨ - المُخالَفةُ في البَيعِ مِنْ شَخصٍ بعَينهِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوكِّلَ إذا عيَّن لِلوَكيلِ شَخصًا مُعيَّنًا يَبيعُ له، لا يَجوزُ أنْ يَبيعَ لِغيرِه، فإنْ خالَفَ وباعَ لِغيرِه لا يَجوزُ البَيعُ، سَواءٌ قدَّر له الثَّمنَ أو لَم يُقدِّرْهُ؛ لأنَّه قَدْ يَكونُ له غَرَضٌ في تَمليكِه إيَّاه دونَ غيرِه، ورُبَّما كانَ مالُه أبعَدَ عن الشُّبهةِ.
إلَّا أنْ يَعلَمَ الوَكيلُ بقَرينةٍ أو صَريحٍ أنَّه لا غَرَضَ له في عَينِ المُشتَرِي، فيَجوزُ البَيعُ مِنْ غيرِه، كما نَصَّ على ذلك الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ عَيَّن له المُشتَرِيَ فقالَ: بِعْه فُلانًا، لَم يَملِكْ بَيعَه لِغيرِه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمناه، سَواءٌ قدَّر له الثَّمنَ أو لَم يُقدِّرْهُ؛ لأنَّه قَدْ يَكونُ له غَرَضٌ في تَمليكِه إيَّاه دونَ غيرِه، إلَّا أنْ يَعلَمَ الوَكيلُ