← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

مُختَلِفانِ؛ لأنَّه لو أودَعَه دَنانيرَ فتَسلَّفَها ورَدَّها دَراهِمَ لَم يَبرَأِ اتِّفاقًا، ولو كانَ رَأسُ مالِ القِراضِ دَنانيرَ فرَدَّه العامِلُ دَراهِمَ لَم يَلزَمْ رَبَّ المالِ قَبولُها. والآخَرُ: أنَّه يَلزَمُ المُوكِّلَ، ولا خيارَ له؛ لأنَّهما جِنسٌ واحِدٌ في العُرفِ، قالَ اللَّخمِيُّ: لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما يَسُدُّ مَسَدَّ صاحِبِه، إلَّا أنْ يَعلَمَ أنَّ ذلك كانَ لِغَرَضِ الآمِرِ، فيُرَدُّ فيه البَيعُ إذا كانَ قائِمًا، فإنْ فاتَ وغابَ المُشتَرِي كانَ الآمِرُ بالخيارِ بينَ أنْ يُجيزَ أو يُباعَ بالثَّمنِ ويَشتَريَ له مثلَ ما أمَرَ. وَمَحَلُّ القولَيْنِ إذا كانَ الذَّهَبُ والدَّراهِمُ نَقدَ البَلَدِ، وثَمَنَ المِثلِ، وكانَتِ السِّلعةُ ممَّا يُباعُ به، واستَوَتْ قِيمةُ الذَّهَبِ والدَّراهِمِ، وإلَّا خُيِّرَ مُوكِّلُه قَولًا واحِدًا (١). ٦ - المُخالَفةُ في المَكانِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عيَّن المُوكِّلُ لِلوَكيلِ مَكانًا مُعيَّنًا، كَبَلَدٍ أو سُوقٍ مُعيَّنٍ، لِيَبيعَ فيه، فخالَفَ وباعَ في غيرِه، هَلْ يَصحُّ البَيعُ ويَلزَمُ المُوكِّلَ، أو لا يَصحُّ، أو يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ، فإنْ أجازَه جازَ، وإلَّا رَدَّ. فَذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوكِّلَ إنْ عيَّن لِلوَكيلِ المَكانَ وكانَ يَتعلَّقُ به غَرَضٌ ظاهِرٌ، مثلَ أنْ يَأمُرَه ببَيعِ ثَوبِه في سُوقٍ، وكانَ ذلك السُّوقُ مَعروفًا بجَودةِ النَّقدِ، أو كَثرةِ الثَّمنِ، أو حِلِّه، أو بصَلاحِ أهلِه، أو

стр. 6302

بمَوَدَّةٍ بينَ المُوكِّلِ وبينَهم، تَقيَّدَ الإذْنَ به، ولَم يَجُزْ له البَيعُ في غيرِهِ؛ لأنَّه قَدْ نَصَّ على أمْرٍ له فيه غَرَضٌ، فلَمْ يَجُزْ تَفويتُه. وإنْ كانَ هو وغيرُه سَواءً في الغَرَضِ لَم يَتقيَّدِ الإذْنُ به عندَ الحَنابِلةِ والشَّافِعيَّةِ في وَجهٍ، وجازَ له البَيعُ في غيرِهِ؛ لأنَّ المَقصودَ هو البَيعُ، ولِمُساواتِه المَنصوصَ عليه في الغَرَضِ، فكانَ تَنصيصُه على أحَدِهِما إذْنًا في الآخَرِ، كما لو استأجَرَ أو استَعارَ أرضًا لِزِراعةِ شَيءٍ، كانَ إذْنًا في زِراعةِ مِثلِه، فما دونَه، وساءَ، قدَّر له الثَّمنَ أو لَم يُقدِّرْه، عندَ الحَنابِلَة، ومَحَلُّ هذا إذا لَم يَنْهَهُ عن غيرِه، فإن نَهاه لَم يَصحَّ جَزْمًا. وقالَ الشَّافِعيَّةُ في الوَجْهِ الآخَرِ، وهو أصَحُّهُما: أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَبيعَ في غيرِهِ؛ لأنَّه لمَّا نَصَّ عليه دَلَّ على أنَّه قصَد عَينَه لِمَعنًى هو أعلَمُ بهِ -مِنْ يَمينٍ وغيرِها-، فلَم تَجُزْ مُخالَفَتُه، ويَضمَنُ الثَّمنَ والمُثمَّنَ، وهذا إذا لَم يُقدِّرِ الثَّمنَ، فإنْ قالَ: بِعْ في سُوقِ كذا بمِئةٍ، فباعَ بمِئةٍ في غيرِها جازَ (١). وَقَريبٌ مِنْ مَذهبِ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ مَذهبُ الحَنفيَّةِ، حيثُ قالَ الحَنفيَّةُ: إنْ أمَرَ المُوكِّلُ وَكيلَه أنْ يَبيعَ في سُوقِ كذا، وكانَ مُفيدًا مِنْ وَجهٍ يَجِبُ مُرَاعاتُه، إنْ أكَّدَه بالنَّفيِ، كما لو قَالَ له: لا تَبِعْه إلَّا في سُوقِ كذا،

стр. 6303

يَجِبُ رِعايَتُه، وإنْ لَم يُؤَكِّدْه به لا يَجِبُ، كما لو قالَ له: بِعْه في سُوقِ كذا (١). وقالَ المالِكيَّةُ: المُوكِّلُ إذا قالَ لِوَكيلِه لا تَبِعْ إلَّا في السُّوقِ الفُلانيِّ، يَجِبُ عليه أنْ يَلتزِمَ بما قالَه، فلا يَبيعَ إلَّا في السُّوقِ الذي حَدَّدَه، فإنْ خالَفَ؛ فإنَّ الخِيارَ يَثبُتُ لِلمُوكِّلِ، إنْ شاءَ أجازَ فِعلَه، وإنْ شاءَ رَدَّه، وله رَدُّ السِّلعةِ إنْ كانَتْ قائِمةً، ورَدُّ قِيمَتِها إنْ كانَتْ قَدْ فاتَتْ، وسَواءٌ كانَ السُّوقُ المُحَدَّدُ ممَّا يَختلِفُ فيه الأغراضُ أو لا. وقالَ ابنُ شاسٍ ﵀: لا يُخيَّرُ المُوكِّلُ إلَّا إذا كانَ السُّوقُ المُحَدَّدُ تَختلِفُ فيه الأغراضُ (٢). ٧ - المُخالَفةُ في الزَّمانِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عيَّن المُوكِّلُ لِلوَكيلِ زَمانًا مُعيَّنًا، فخالَفَ وباعَ قبلَه أو بعدَه، هَلْ يَصحُّ أو لا، أو يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ. فَذهَب الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوكِّلَ إذا عيَّن لِلوَكيلِ زَمانًا بعَينِه تَعيَّن، ولا يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَه قبلَ ذلك الزَّمانِ ولا بعدَهُ؛ لأنَّه لَم يَتناوَلْه إذْنُه مُطلَقًا، ولا عُرفًا؛ لأنَّه قَدْ يُؤثِّرُ التَصرُّفُ في زَمَنِ الحاجةِ إليه

стр. 6304

دونَ غيرِه، ولِهذا لمَّا عيَّن اللَّهُ تَعالى لِعِبادَتِه وَقتًا لَم يَجُزْ تَقديمُها عليه ولا تَأخيرُها عنه، فلَو قالَ له: بِعْ ثَوبي غَدًا لَم يَجُزْ بَيعُه اليَومَ ولا بعدَ غَدٍ. أمَّا عَدمُ جَوازِه قبلَه فلأنَّ وَقتَ الإذْنِ لَم يَأتِ، وأمَّا بعدَه فلِبُطلانِ الوَكالةِ بالفَواتِ، وقَد يَكونُ لِلإنسانِ غَرَضٌ صَحيحٌ في استِيفاءِ مِلْكِه إلى زَمانٍ بعَيْنِه (١). إلَّا أنَّ الحَنفيَّةَ عندَهم رِوايَتانِ، فيما لو قالَ: بِعْه اليَومَ فباعَه غَدًا. قالَ الحَنفيَّةُ: لو قالَ: بِعْه غَدًا، لَم يَجُزْ بَيعُه اليَومَ، ولو قالَ: بِعْه اليَومَ فباعَه غَدًا فيه رِوايَتانِ: قالَ بعضُهمُ: الصَّحيحُ أنَّ الوَكالةَ لا تَبقَى بعدَ اليَومِ. وذهَب بعضُ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ الوَكالةَ تَبقَى بعدَ اليَومِ؛ لأنَّ ذِكرَ اليَومِ لِلتَّعجيلِ، لا لِتَوقيتِ الوَكالةِ باليَومِ، إلَّا إذا دَلَّ الدَّليلُ عليه. قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: وفي «البَزَّازيةِ»: أنَّ الوَكيلَ إلى عَشَرةِ أيَّامٍ لا تَنتَهي وِكالَتُه بمُضِيِّ العَشَرةِ في الأصَحِّ (٢). وقالَ المالِكيَّةُ: المُوكِّلُ إذا عيَّن لِوَكيلِه زَمَنًا، بأنْ قالَ: لا تَبِعْ إلَّا في الزَّمَنِ الفُلانِيِّ، تَعيَّن، ولا يَجوزُ له أنْ يَبيعَ قبلَه ولا بعدَه، فإنْ خالَفَ وباعَ

стр. 6305

في غيرِ الزَّمَنِ المُحَدَّدِ له؛ فإنَّ الخيارَ يَثبُتُ لِلمُوكِّلِ، إنْ شاءَ أجازَ فِعلَه، وإنْ شاءَ رَدَّه وله رَدُّ السِّلعةِ إنْ كانَتْ قائِمةً، وقِيمَتِها إنْ كانَتْ قَدْ فاتَتْ، وسَواءٌ كانَتِ الأغراضُ تَختلِفُ بالزَّمانِ المُحَدَّدِ أو لا. وقالَ ابنُ شاسٍ ﵀: لا يُخيَّرُ المُوكِّلُ إلَّا إذا كانَ الزَّمانُ المُحَدَّدُ تَختلِفُ فيه الأغراضُ (١). ٨ - المُخالَفةُ في البَيعِ مِنْ شَخصٍ بعَينهِ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوكِّلَ إذا عيَّن لِلوَكيلِ شَخصًا مُعيَّنًا يَبيعُ له، لا يَجوزُ أنْ يَبيعَ لِغيرِه، فإنْ خالَفَ وباعَ لِغيرِه لا يَجوزُ البَيعُ، سَواءٌ قدَّر له الثَّمنَ أو لَم يُقدِّرْهُ؛ لأنَّه قَدْ يَكونُ له غَرَضٌ في تَمليكِه إيَّاه دونَ غيرِه، ورُبَّما كانَ مالُه أبعَدَ عن الشُّبهةِ. إلَّا أنْ يَعلَمَ الوَكيلُ بقَرينةٍ أو صَريحٍ أنَّه لا غَرَضَ له في عَينِ المُشتَرِي، فيَجوزُ البَيعُ مِنْ غيرِه، كما نَصَّ على ذلك الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ عَيَّن له المُشتَرِيَ فقالَ: بِعْه فُلانًا، لَم يَملِكْ بَيعَه لِغيرِه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمناه، سَواءٌ قدَّر له الثَّمنَ أو لَم يُقدِّرْهُ؛ لأنَّه قَدْ يَكونُ له غَرَضٌ في تَمليكِه إيَّاه دونَ غيرِه، إلَّا أنْ يَعلَمَ الوَكيلُ

стр. 6306

بقَرينةٍ أو صَريحٍ أنَّه لا غَرَضَ له في عَينِ المُشتَرِي (١). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: فأمَّا إذْنُه ببَيعِه على رَجُلٍ بعَينِه فلازِمٌ، ولا يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَعدِلَ إلى بَيعِه على غيرِهِ؛ لأنَّه المَقصودُ بالتَّمليكِ، فلَم يَصحَّ عُدولُ الوَكيلِ عنه، كالهِبةِ، فعلى هذا لو ماتَ ذلك الرَّجلُ بطَلتِ الوَكالةُ بالبَيعِ، ولَم يَجُزْ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَه على وارِثِه، ولا على غيرِ وارِثِه، ولو كانَ حَيًّا وامتَنَعَ مِنْ ابتِياعِه لَم تَبطُلِ الوَكالةُ لِجَوازِ أنْ يَرغَبَ فيه مِنْ بعدَ (٢). وقالَ المالِكيَّةُ: قالَ: لو قالَ له: بِعْ مِنْ زَيدٍ، لَم يَبِعْ مِنْ غيرِه، فإنْ خالَفَ وباعَ مِنْ غيرِه؛ فإنَّ الخِيارَ يَثبُتُ لِلمُوكِّلِ، إنْ شاءَ أجازَ فِعلَه، وإنْ شاءَ رَدَّه (٣). ٩ - المُخالَفةُ بتَفريقِ الصَّفقةِ: إذا أمَرَ المُوكِّلُ وَكِيلَه بأنْ يَبيعَ سِلعةً مُعيَّنةً، فخالَفَ وباعَ بعضَها فَقط، ولَم يَبِعِ البقيَّةَ، أو باعَ بَعضًا ثم باعَ البقيَّةَ بعدَ ذلك، فهذا لا يَخلو مِنْ حالَتَيْنِ: الحالةُ الأُولَى: تَبعيضٌ لا يَضُرُّ بالمُوكِّلِ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكيلَ لو باعَ بعضَ ما وُكِّلَ ببَيعِه، إنْ كانَ ذلك ممَّا لا ضَرَرَ في تَبعيضِه، كالمَكِيلِ

стр. 6307

والمَوزونِ بأنْ كانَ وَكيلًا ببَيعِ عَبدَيْنِ، أو عَقارَيْنِ، أو حَيَوانَيْنِ، فباعَ أحَدَهما، جازَ وصَحَّ البَيعُ مَع التَّفريقِ؛ لأنَّ هذا ممَّا لا يَضُرُّه التَّبعيضُ، فلا ضَرَرَ على المُوكِّلِ في بَيعِ بعضِه إلَّا أنْ يَأمُرَه المُوكِّلُ ببَيعِها صَفقةً واحِدةً فلا يَصحُّ عندَ الحَنابِلةِ (١). الحالةُ الثَّانيةُ: تَبعيضٌ يَضُرُّ بالمُوكِّل: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ التَّبعيضُ يَضُرُّ بالمُوكِّلِ، هَلْ يَصحُّ البَيعُ أو يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ أو يَبطُلُ البَيعُ؟ فَذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ إلى أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَعقِدَ على بعضِه، كما لو وكَّله ببَيعِ عَقارٍ أو حَيَوانٍ، فباعَ بعضَه؛ لأنَّه غيرُ مُتَعارَفٍ، لِمَا فيه مِنْ ضَرَرٍ، ولَم يُوجَدِ الإذْنُ فيه نُطقًا ولا عُرفًا، فلَمْ يَجُزْ، كما لو وكَّله في شِراءِ عَبدٍ، فاشترَى نِصفَه، ولأنَّ العُرفَ فيه أنْ يُعقَدَ على جَميعِه، فحُمِلَتِ الوَكالةُ عليه، إلَّا أنْ يَبيعَ بعضَه بثَمَنِ كلِّه، فيَصحُّ عندَ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّه مَأْذونٌ فيه عُرفًا؛ فإنَّ مَنْ رَضيَ بمِئةٍ ثَمَنًا لِلكُلِّ، رَضيَ بها ثَمَنًا لِلبعضِ، ولأنَّه حصَل له المِئةُ، وأبقَى له زِيادةً تَنفَعُه ولا تَضُرُّه، وله بَيعُ النِّصفِ الآخَرِ؛ لأنَّه مَأْذونٌ فيه، فأشبَهَ ما لو باعَ العَبدَ كلَّه بزِيادةٍ على ثَمَنِه.

стр. 6308

وفي احتِمالٍ لِلحَنابِلةِ أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ النِّصفِ الآخَرِ؛ لأنَّه قَدْ حصَل لِلمُوكِّلِ غَرَضُه مِنْ الثَّمنِ ببَيعِ بَعضٍ، فرُبَّما لا يَختارُ بَيعَ بقيَّتِه لِلغِنَى عن بَيعِه بما حصَل له مِنْ ثَمَنِ بعضِه، وهكذا (١). إلَّا أنْ يُجِيزَه الآمِرُ أو يَبيعَ النِّصفَ الآخَرَ، قبلَ أنْ يَختَصِما، عندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ، وكذا الحَنابِلةُ على الصَّحيحِ عندَهُم؛ لأنَّ بَيعَ النِّصفِ قَدْ يَقَعُ وَسيلةً إلى الِامتِثالِ بألَّا يَجِدَ مَنْ يَشتَريه جُملةً، فيَحتاجَ إلى أنْ يُفَرِّقَ؛ فإذا باعَ البقيَّةَ قبلَ نَقضِ البَيعِ الأوَل تَبيَّنَ أنَّه وقَع وَسيلةً، وإذا لَم يَبِعْ ظهَر أنَّه لَم يَقَعْ وَسيلةً، فلا يَجوزُ، وهذا استِحسانٌ عندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ. وفي قَولٍ لِلحَنابِلةِ: لا يَصحُّ البَيعُ مُطلَقًا (٢). وذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ البَيعَ صَحيحٌ؛ لأنَّ اللَّفظَ مُطلَقٌ عن قَيدِ الِافتِراقِ والِاجتِماعِ، ألَا تَرَى أنَّه لو باعَ الكلَّ بثَمَنِ النِّصفِ يَجوزُ؛ فإذا باعَ النِّصفَ به كانَ أَوْلَى (٣).

стр. 6309

وأمَّا المالِكيَّةُ فالقاعِدةُ عندَهم أنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ إذا خالَفَ ما وُكِّلَ فيه، أو خالَفَ العادةَ والعُرفَ في البَيعِ المُطلَقِ، خُيِّرَ المُوكِّلُ بينَ إمضاءِ فِعلِه أو رَدِّه، وله رَدُّ السِّلعةِ إنْ كانَتْ قائِمةً، ورَدُّ قِيمَتِها إنْ فاتَتْ عندَ المُشتَرِي (١). ١٠ - المُخالَفةُ في جِنسِ المَبيعِ: إذا أمَرَ المُوكِّلُ وَكِيلَه بأنْ يَبيعَ سِلعةً مُعيَّنةً، فخالَفَ وباعَ سِلعةً أُخرَى مَكانَها، فقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ هذا البَيعِ: فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ البَيعَ لا يَصحُّ؛ لأنَّه خالَفَ مُوكِّلَه، فباعَ غيرَ ما أُمِرَ ببَيعِهِ؛ لأنَّ الوَكالةَ تَعلَّقتْ بتلك العَيْنِ؛ فإنَّها أُضيفَتْ إليه بعَينِه، وهو ممَّا يَتعيَّنُ بالتَّعيينِ في العَقدِ (٢). وأمَّا المالِكيَّةُ فالقاعِدةُ عندَهم أنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ إذا خالَفَ ما وُكِّلَ فيه، أو خالَفَ العادةَ والعُرفَ في البَيعِ المُطلَقِ، خُيِّرَ المُوكِّلُ بينَ إمضاءِ فِعلِه أو رَدِّه، وله رَدُّ السِّلعةِ إنْ كانَتْ قائِمةً، ورَدُّ قِيمَتِها إنْ فاتَتْ عندَ المُشتَرِي (٣).

стр. 6310

١١ - المُخالَفةُ في اشتِراطِ الخِيارِ في البَيعِ: قالَ الحَنفيَّةُ: إنْ وكَّله بأنْ يَبيعَ ويَشترِطَ الخِيارَ لِلآمِرِ، فباعَه ولَم يَشترَطِ الخِيارَ، لَم يَجُزْ، بَلْ يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ. ولو باعَ وشرَط الخِيارَ لِلآمِرِ فليسَ له أنْ يُجيزَ؛ لأنَّه لو ملَك الإجازةَ بنَفْسِه لَم يَكُنْ لِلتَّقييدِ فائِدةٌ، وخِيارُ الآمِرِ باقٍ حتى لو أجازَ كانَ له، وأنَّه فَسخٌ يَلزَمُ الوَكيلَ؛ لأنَّ الخِيارَ ثَبَتَ لِلآمِرِ بالشَّرطِ، فصارَ كَخيارِ العَيبِ إذا ثَبَتَ بالعَقدِ (١). هَكذا قالَ الكاسانيُّ في البَدائِعِ والبَحرِ الرَّائِقِ، لكنْ قالَ السَّرخَسيُّ: وإذا أمَرَه أنْ يَبيعَه ويَشترِطَ الخِيارَ لِلآمِرِ ثَلاثةَ أيَّامٍ، فباعَه بغيرِ خِيارٍ، أو بخِيارٍ دونَ الثَّلاثةِ، فدفَعه، فبَيْعُه باطِلٌ، وهو له ضامِنٌ؛ لأنَّه أتَى بعَقدٍ هو أضَرُّ على الآمِرِ؛ فإنَّه أمَرَه بالبَيعِ على وَجهٍ يَكونُ الرَّأْيُ في هذه الثَّلاثةِ إلى المُوكِّلِ بينَ أنْ يَفسَخَ العَقدَ، أو يُمضيَه، وقَد أتَى بعَقدٍ لا يَثبُتُ فيه هذا القَدرُ مِنْ الرَّأْيِ لِلآمِرِ، فكانَ مُخالِفًا، كالغاصِبِ. ولو قالَ: بِعْهُ واشتَرِطِ الخِيارَ لي شَهرًا، فباعَه وشرَط الخِيارَ له ثَلاثةَ أيَّامٍ، جازَ في قَولِ أبي حَنيفةَ ﵀ استِحسانًا، ولَم يَجُزْ في قَولهما؛ لأنَّ مِنْ أصْلِهما أنَّ الخِيارَ يَثبُتُ في مُدَّةِ الشَّهرِ، ويَصحُّ البَيعُ مَعه؛ فإنَّما أمَرَه بعَقدٍ يَكونُ فيه الرَّأْيُ إلى الآمِرِ في هذه المُدَّةِ، وهو لَم يَأتِ بذلك، فكانَ ضامِنًا، وإنَّ مِنْ أصْلِ أبي حَنيفةَ ﵀ أنَّ اشتِراطَ الخِيارِ في البَيعِ لا يَجوزُ أكثَر مِنْ

стр. 6311

ثَلاثةِ أيَّامٍ؛ فإنَّما هذا وَكيلٌ بالبَيعِ الفاسِدِ عندَه، والوَكيلُ بالبَيعِ الفاسِدِ إذا باعَ بَيعًا جائِزًا نُفِّذَ على الآمِرِ استِحسانًا، فهذا مِثلُه (١). وكذا قالَ بُرهانُ الدِّينِ بنُ مازَةَ ﵀: قالَ مُحمَّدٌ ﵀: رَجُلٌ أمَرَ رَجُلًا أنْ يَبيعَ عَبدَه، وأمرَه أنْ يَشترِطَ الخِيارَ لِلآمِرِ ثَلاثةَ أيَّامٍ، فباعَه ولَم يَشترِطِ الخِيارَ، لَم يَجُزِ البَيعُ؛ لأنَّه خالَفَ أمْرَ آمِرِه إلى شَرٍّ؛ لأنَّه أمَرَه ببَيعٍ يَلزَمُه، ولا يُزيلُ مِلْكَه إلَّا برِضاه، وقَد أتَى ببَيعٍ يَلزَمُه مِلْكُه مِنْ غيرِ رِضاه (٢). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: لو قالَ: بِعْ بشَرطِ الخِيارِ، فباعَ مُطلَقًا، لَم يَصحَّ، ولو أمَرَه بالبَيعِ وأطلَقَ لَم يَكُنْ لِلوَكيلِ شَرطُ الخِيارِ لِلمُشتَرِي، وكذا ليسَ لِلوَكيلِ بالشِّراءِ شَرطُ الخِيارِ لِلبائِعِ، وفي شَرطِهِما الخِيارَ لِنَفْسَيْهِما أو لِلمُوكِّلِ وَجهانِ: قالَ النَّوَويُّ: أصَحُّهُما الجَوازُ (٣). وأمَّا المالِكيَّةُ فالقاعِدةُ عندَهم أنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ إذا خالَفَ ما وُكِّلَ فيه، أو خالَفَ العادةَ والعُرفَ في البَيعِ المُطلَقِ خُيِّرَ المُوكِّلُ بينَ إمضاءِ فِعلِه أو رَدِّه، وله رَدُّ السِّلعةِ إنْ كانَتْ قائِمةً، ورَدُّ قِيمَتِها إنْ فاتَتْ عندَ المُشتَرِي (٤).

стр. 6312

١٢ - المُخالَفةُ إذا وكَّله المُوكِّلُ ببَيعٍ أو شِراءٍ فاسِدٍ فباعَ صَحيحًا: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ إذا وكَّله المُوكِّلُ ببَيعٍ أو شِراءٍ فاسِدٍ هَلْ يَملِكُه ويَعقِدُه عَقدًا صَحيحًا أو لا، أو يَجوزُ له العَقدُ مُطلَقًا؟ فَذهَب الإمامانِ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ إلى أنَّ المُوكِّلَ لو قالَ لِلوَكيلِ: بِعْه بَيعًا فاسِدًا؛ فإنَّ الوَكيلَ يَملِكُ البَيعَ الصَّحيحَ؛ فإذا باعَه بَيعًا جائِزًا صَحَّ العَقدُ، وهذا استِحسانٌ عندَهما؛ لأنَّه مِنْ جِنسِ التَصرُّفِ الذي أمَرَه به، وهو خَيرٌ لِلآمِرِ ممَّا أمَرَه به، فلا يَكونُ مُخالِفًا؛ لأنَّ هذا ليسَ بخِلافٍ حَقيقةً؛ لأنَّ البَيعَ الصَّحيحَ خَيرٌ، وَكُلُّ مُوَكَّلٍ بشَيءٍ مُوَكَّلٌ بما هو خَيرٌ مِنه دِلالةً، والثَّابِتُ دِلالةً كالثَّابِتِ نَصًّا، فكانَ آتيًا بما وُكِّلَ به، فلا يَكونُ مُخالِفًا كالوَكيلِ بالبَيعِ بألْفٍ إذا باعَ بألفَيْنِ، وبَيانُه أنَّه أمَرَه بأنْ يُطعِمَه الحَرامَ بالتِّجارةِ، وهو أطعَمَه الحَلالَ، والتِّجارةُ مَشروعةٌ لِاكتِسابِ الحَلالِ بها دونَ الحَرامِ (١). وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ ومُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ وزُفَرُ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ المُوكِّلَ إذا وكَّله ببَيعٍ أو شِراءٍ فاسِدٍ فليسَ له البَيعُ، ولا الشِّراءُ مُطلَقًا، لا صَحيحًا؛ لأنَّ المُوكِّلَ لَم يَأذَنْ فيه، ولا فاسِدًا؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالى لَم يَأذَنْ فيه، ولأنَّ المُوكِّلَ لا يَملِكُه، فالوَكيلُ أَوْلَى؛ لأنَّه تَوكيلٌ لا يَتضَمَّنُ بَيعًا شَرعيًّا، فوجَب ألَّا يَملِكَ به الوَكيلُ البَيعَ، أصْلُه

стр. 6313

إذا وكَّله في إجارةِ شَيءٍ فباعَه؛ فإنَّه لا يَملِكُ بَيعَه، ولأنَّ كلَّ مَنْ لَم يَملِكِ التَصرُّفَ على الوَجْهِ الذي أَذِنَ له فيه، لَم يَمْلِكْه على غيرِه، أصْلُه إذا وكَّله في أنْ يُزوِّجَه ذاتَ مَحرَمٍ، ولأنَّ الوَكيلَ نائِبٌ عن المُوكِّلِ فيما كانَ له أنْ يَفعَلَه، وقَد ثَبَتَ أنَّ المُوكِّلَ لَم يَكُنْ له بَيعُ سِلعَتِه بما وكَّله فيه، فكانَ الوَكيلُ لا يَجوزُ له ذلك بالأَوْلَى، ولأنَّ المُوكِّلَ أَذِنَ له في مُحرَّمٍ، فلَمْ يَملِكِ الحَلالَ بهذا الإذْنِ، كما لو أَذِنَ في شِراءِ خَمرٍ وخِنزيرٍ، لَم يَملِكْ شِراءَ الخَيلِ والغَنَمِ. ولأنَّ أمْرَه بالعَقدِ لا يُزيلُ مِلْكَه بالعَقدِ نَفْسِه، فكانَ كالمأْمورِ بالهِبةِ إذا باعَ، أو لأنَّه أمَرَه ببَيعٍ لا يَنقَطِعُ به حَقُّ المُوكِّلِ في الِاستِردادِ، أو أمَرَه ببَيعٍ يَكونُ المَبيعُ فيه مَضمونًا بالقِيمةِ على المُشتَرِي إذا قَبَضَه، فكانَ كالمأْمورِ، بشَرْطِ الخِيارِ لِلآمِرِ إذا باعَه بغيرِ خِيارٍ. ولأنَّ البَيعَ الفاسِدَ بَيعٌ لا يُفيدُ الحُكمَ بنَفْسِه، والبَيعَ الصَّحيحَ يُفيدُ الحُكمَ بنَفْسِه، فكانا مُختَلِفَيْنِ، فلا يَكونُ التَّوكيلُ بأحَدِهِما تَوكيلًا بالآخَرِ؛ فإذا باعَ بَيعًا صَحيحًا صارَ مُخالِفًا (١).

стр. 6314

الصُّورةُ الثَّانيةُ مِنْ صُوَرِ الوَكالةِ: الوَكالةُ بالشِّراءِ: الوَكالةُ بالشِّراءِ إمَّا أنْ تَكونَ مُطلَقةً، وإمَّا أنْ تَكونَ مُقيَّدةً، ولكلٍّ حُكمُها. أوَّلاً: إطلاقُ الوَكالةِ بالشِّراءِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكالةِ المُطلَقةِ بالشِّراءِ، كَأنْ يَقولَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: اشتَرِ لي ما شِئتَ، أو ما رَأيتَ، أو أيَّ ثَوبٍ شِئتَ، أو أيَّ دارٍ شِئتَ، أو ما تَيَسَّرَ لكَ مِنْ الثِّيابِ أو الدَّوابِّ، هَلْ هي صَحيحةٌ أو لا؟ فَذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّها جائِزةٌ؛ لأنَّه فوَّض الأمرَ إليه، فيَصحُّ مَع الجَهالةِ الفاحِشةِ، كالبِضاعةِ والمُضارَبةِ. وذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ إطلاقَ الوَكالةِ بالشِّراءِ، كَأنَّ يَقولُ لِلوَكيلِ: اشتَرِ لي ما شِئتَ، لَا يَصحُّ؛ لأنَّه قَدْ يَشترِي ما لا يَقدِرُ على ثَمَنِه. وقَد تَقدَّم تَفصيلُ هذا في الوَكالةِ المُطلَقةِ والمُقيَّدةِ، أوَّلَ هذا الكِتابِ في فَصلِ أنواعِ الوَكالةِ. العَملُ بمُراعاةِ الإطلاقِ في الوَكالةِ بالشِّراءِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أطلَقَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ الشِّراءَ هَلْ يُراعِي الوَكيلُ الإطلاقَ أو يَتقيَّدُ بالعُرفِ أو غيرِه؟ قالَ الكاسانيُّ ﵀: إذا كانَ التَّوكيلُ بالشِّراءِ مُطلَقًا؛ فإنَّه يُراعِي فيه الإطلاقَ ما أمْكَنَ، إلَّا إذا قامَ دَليلُ التَّقييدِ مِنْ عُرفٍ أو غيرِه، فيَتقيَّدُ به.

стр. 6315

وَعلى هذا إذا وكَّل المُوكِّلُ رَجُلًا بشِراءِ جاريةٍ، وسمَّى نَوعَها وثَمَنَها، حتى صَحَّتِ الوَكالةُ، فاشترَى جاريةً مَقطوعةَ اليَدِ والرِّجْلِ مِنْ خِلافٍ، أو عَوراءَ، لَزِمَ المُوكِّلَ، وكذا إذا اشترَى جاريةً مَقطوعةَ اليَدَيْنِ أوِ الرِّجلَيْنِ، أو عَمياءَ، عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَهُما يَلزَمُ الوَكيلَ. وَجهُ قَولهما هذا أنَّ الجاريةَ تُشترَى لِلِاستِخدامِ عُرْفًا وعادةً، وغَرَضُ الِاستِخدامِ لا يَحصُلُ عندَ فَواتِ جِنسِ المَنفعةِ، فيَتقيَّدُ بالسَّلامةِ عن هذه الصِّفةِ، بدِلالةِ العُرفِ، ولِهذا قُلْنا: لا يَجوزُ تَحريرُها عن الكَفَّارةِ، وإنْ كانَ نَصُّ التَّحريرِ مُطلَقًا عن شَرطِ السَّلامةِ؛ لِثُبوتِها دِلالةً، كذا هذا. وَجهُ قَولِ أبي حَنيفةَ ﵀ هو أنَّ اسمَ الجاريةِ بإطلاقِها يَقَعُ على هذه الجاريةِ، كما يَقَعُ على سَليمةِ الأطرافِ، فلا يَجوزُ تَقييدُ المُطلَقِ إلَّا بدَليلٍ، وقَد وُجِدَ. وأمَّا في بابِ الكَفَّارةِ فلأنَّ الأمْرَ تَعلَّق بتَحريرِ رَقَبةٍ، والرَّقَبةُ اسْمٌ لِذاتٍ مُرَكَّبَةٍ مِنْ هذه الأجزاءِ؛ فإذا فاتَ ما يَقومُ به جِنسٌ مِنْ مَنافِعِ الذَّاتِ انتَقَضَتِ الذَّاتُ، فلا يَتناوَلُه مُطلَقُ اسمِ الرَّقَبةِ، فأمَّا اسمُ الجاريةِ فلا يَدُلُّ على هذه الذَّاتِ، باعتِبارِ الأجزاءِ، فلا يَقدَحُ نُقصانُها في اسمِ الجاريةِ بخِلافِ اسمِ الرَّقَبةِ، حتى إنَّ التَّوكيلَ لو كانَ بشِراءِ رَقَبةٍ لا يَجوزُ كما يَجوزُ في الكَفَّارةِ، كذا قالوا (١).

стр. 6316

وقالَ المالِكيَّةُ: يَتعيَّنُ على الوَكيلِ في الشِّراءِ في الوَكالةِ المُطلَقةِ أنْ يَتقيَّدَ بالعُرفِ، ولا يَشترِيَ إلَّا ما يَليقُ بالمُوكِّلِ، ولا يَتعَدَّاه إلى غيرِه، فإنْ خالَفَ فلِلمُوكِّلِ الخِيارُ، كما إذا وكَّله على شِراءِ ثَوبٍ أو عَبدٍ فاشترَى ما لَا يَليقُ به لَم يَلزَمْه، وله أنْ يَرُدَّه إنْ شاءَ، وهذا قَولُ ابنِ القاسِمِ، وقالَ أشهَبُ: يَلزَمُه. وقَيَّدَ بعضُ القَرَويِّينَ الأوَّلَ بما إذا لَم يُسَمِّ له الثَّمنَ، أمَّا إذا سَمَّاه فاشترَى له به، فإنَّه يَلزَمُه، وقالَ غيرُه: يَنبَغي ألَّا يَلزَمَه إذا اشترَى له ما لا يَليقُ به، وإنْ سمَّى الثَّمنَ (١). الشِّراءُ بأكثَرَ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكيلَ بالشِّراءِ إنِ اشترَى بمِثلِ القِيمةِ أو بأقَلَّ مِنْ القِيمةِ أو بزِيادةٍ يُتَغابَنُ في مِثلِها جازَ على المُوكِّلِ؛ لأنَّ هذا ممَّا يُعفَى عنه إذا لَم يَكُنِ المُوكِّلُ قدَّر له الثَّمنَ؛ لأنَّ ما يَتغابَنُ النَّاسُ به يُعَدُّ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ، ولأنَّ الزِّيادةَ القَليلةَ ممَّا لا يُمكِنُ التَّحَرُّزُ عَنها، فلَو مُنِعَ النَّفاذُ على المُوكِّلِ لَضاقَ الأمْرُ على الوُكَلاءِ، ولامتَنَعوا عن قَبولِ الوَكالاتِ، وبِالنَّاسِ حاجةٌ إليها، فمَسَّتِ الحاجةُ إلى تَحَمُّلِها.

стр. 6317

واختَلَفوا فيما لو اشترَى بزِيادةٍ لا يَتغابَنُ النَّاسُ بمِثلِها، هَلْ يَصحُّ الشِّراءُ ولا يَضمَنُ شَيئًا أو يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ أو يَبطُلُ الشِّراءُ؟ فَقالَ الحَنفيَّةُ: إنِ اشترَى بزِيادةٍ لا يَتغابَنُ النَّاسُ في مِثلِها يُلزَمُ الوَكيلُ؛ لأنَّ الزِّيادةَ القَليلةَ ممَّا لا يُمكِنُ التَّحَرُّزُ عَنها، فلَو مُنِعَ النَّفاذُ على المُوكِّلِ لَضاقَ الأمْرُ على الوُكَلاءِ، ولامتَنَعوا عن قَبولِ الوِكالاتِ، وبِالنَّاسِ حاجةٌ إليها، فمَسَّتِ الحاجةُ إلى تَحَمُّلِها، ولا ضَرورةَ في الكَثيرِ لِإمكانِ التَّحَرُّزِ عَنه. والفاصِلُ بينَ القَليلِ والكَثيرِ إنْ كانَتْ زِيادةً تَدخُلُ تَحتَ تَقويمِ المُقَوِّمينَ فهي قَليلةٌ، وما لا تَدخُلُ تَحتَ تَقويمِهم فهي كَثيرةٌ؛ لأنَّ ما يَدخُلُ تَحتَ تَقويمِ المُقَوِّمينَ لا يَتحقَّقُ كَونُه زِيادةً، وما لا يَدخُلُ كانَتْ زيادَتُه مُتَحقِّقةً، وقدَّر مُحمَّدٌ الزِّيادةَ القَليلةَ التي يُتَغابَنُ في مِثلِها في الجامِعِ بنِصفِ العُشرِ، فقالَ: إنْ كانَتْ نِصفَ العُشرِ، أو أقَلَّ، فهي ممَّا يُتَغابَنُ في مِثلِها، وإنْ كانَتْ أكثَرَ مِنْ نِصفِ العُشرِ فهي ممَّا لا يُتغابَنُ في مِثلِها. وقالَ الجَصَّاصُ ﵀: ما ذكَره مُحمَّدٌ لَم يَخرُجْ مَخرَجَ التَّقديرِ في الأشياءِ كلِّها؛ لأنَّ ذلك يَختلِفُ باختِلافِ السِّلَعِ، مِنها ما يُعَدُّ أقَلَّ مِنْ ذلك غَبنًا فيه، ومِنها ما لا يُعَدُّ أكثَرَ مِنْ ذلك غَبنًا فيه (١). وقالَ المالِكيَّةُ: إنِ اشترَى بأكثَرَ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ خُيِّرَ المُوكِّلُ بينَ القَبولِ،

стр. 6318

ويُمضَى فِعلُه، وبينَ الرَّدِّ، وتَلزَمُ السِّلعةُ الوَكيلَ (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: إنْ باعَ بأكثَرَ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ ممَّا يَتغَابَنُ النَّاسُ بمِثلِه لَم يَصحَّ الشِّراءُ؛ لأنَّه مَنْهِيٌّ عن الإضرارِ بالمُوكِّلِ، مَأْمورٌ بالنُّصحِ له، وفي الزِّيادةِ على ثَمَنِ المِثلِ في الشِّراءِ إضرارٌ، وتَرْكٌ لِلنُّصحِ، وحُكمُه حُكمُ مَنْ لَم يُؤذَنْ له في البَيعِ والشِّراءِ (٢). عَدمُ شِراءِ الوَكيلِ مِنْ نَفْسِهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ بالشِّراءِ المُطلَقِ، هَلْ يَجوزُ له أنْ يَشترِيَ مِنْ نَفْسِه أو لا يَجوزُ؟ فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ في المَذهبِ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلوَكيلِ بالشِّراءِ المُطلَقِ أنْ يَشترِيَ مِنْ نَفْسِهِ؛ لأنَّ الشَّخصَ الواحِدَ في الزَّمانِ الواحِدِ يَكونُ مُسلِّمًا ومُتَسلِّمًا، مُطالِبًا ومُطالَبًا؛ ولأنَّه مُتَّهمٌ في الشِّراءِ مِنْ نَفْسِه. ثم اختَلَفوا فيما لو أَذِنَ له الوَكيلُ بالشِّراءِ مِنْ نَفْسِه، أو قدَّر له الثَّمنَ، هَلْ يَصحُّ أو لا؟ وتَفصيلُه على النحوِ التَّالي: فَقالَ الحَنفيَّةُ: لا يَجوزُ لِلإنسانِ إذا وُكِّلَ وَكالةً مُطلَقةً في شِراءِ شَيءٍ أنْ

стр. 6319

يَشترِيَه مِنْ نَفْسِه، وإنْ أَذِنَ له المُوكِّلُ أو قالَ له: اشتَرِه ممَّن شِئتَ؛ فإنَّه لا يَجوزُ له، وإنْ صرَّح المُوكِّلُ له بذلك. وفي قَولٍ: يَجوزُ إذا أَذِنَ له المُوكِّلُ. قالَ الكاسانيُّ ﵀: الوَكيلُ بالشِّراءِ لا يَملِكُ الشِّراءَ مِنْ نَفْسِهِ؛ لأنَّ الحُقوقَ في بابِ الشِّراءِ تَرجِعُ إلى الوَكيلِ، فيُؤدِّي إلى الإحالةِ، وهو أنْ يَكونَ الشَّخصُ الواحِدُ في زَمانٍ واحِدٍ مُسلِّمًا ومُتسلِّمًا، مُطالِبًا ومُطالَبًا، ولأنَّه مُتَّهمٌ في الشِّراءِ مِنْ نَفْسِه. ولو أمَرَه المُوكِّلُ بذلك لا يَصحُّ؛ لِمَا ذَكَرْنا (١). وقالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ على شِراءِ شَيءٍ لا يَجوزُ له أنْ يَشترِيَه مِنْ نَفْسِه ولو سُمِّيَ له الثَّمنُ؛ فَإنْ فَعلَ خُيِّرَ الآمِرُ بينَ الرَّدِّ والإمضاءِ، إلَّا أنْ يَأذَنَ له في الشِّراءِ مِنْ نَفْسِه، فيَجوزُ. وفي مُقابِلِ المَشهورِ لِلمالِكيَّةِ أنَّه يَجوزُ له أنْ يَبيعَ مِنْ نَفْسِه (٢). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: الوَكيلُ بالشِّراءِ مُطلَقًا لا يَشترِي مِنْ نَفْسِه، وإنْ أَذِنَ له

стр. 6320

الوَكيلُ فيه على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لِتَضادِّ غَرَضَيْ الِاستِرخاصِ له، والِاستِقصاءِ لِلمُوكِّلِ، وقالَ ابنُ سُرَيجٍ: يَصحُّ إنْ أَذِنَ له. وكذا لو قدَّر له الثَّمنَ، ونَهاه عن الزِّيادةِ، لا يَجوزُ، على الصَّحيحِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدمُ اتِّحادِ المُوجِبِ والقابِلِ مِنْ شَخصٍ واحِدٍ، وليسَتِ العِلَّةُ التُّهمةَ، بَلْ عَدمُ انتِظامِ الإيجابِ والقَبولِ مِنْ شَخصٍ واحِدٍ، وقالَ ابنُ الرِّفعةِ: يَنبَغي أنْ يَجوزَ؛ لِعدمِ التُّهمةِ، ولو وكَّله في هِبةٍ أو دَيْنٍ مِنْ نَفْسِه لَم يَصحَّ لِذلك. قالَ الماوَرديُّ ﵀: فأمَّا إذا جعَل المُوكِّلُ إلى وَكيلِه أنْ يَبيعَ على نَفْسِه أو يَشترِيَ مِنْ نَفْسِه فمَذهبُ الشَّافِعيِّ ﵀ أنَّه غيرُ جائِزٍ؛ لِمَا فيه مِنْ التَّناقُضِ المَقصودِ، وتَنافِي الغَرَضَيْنِ؛ لأنَّ عَقدَ الوَكالةِ قَدْ أوجَبَ عليه الِاستِقصاءَ لِمُوكِّلِه، وإذا كانَ هو المُشتَرِيَ انصَرَفَ إلى الِاستِقصاءِ لِنَفْسِه. وقالَ ابنُ سُرَيجٍ ﵀: يَجوزُ ذلك، كما يَجوزُ أنْ يَجعَلَ إلى زَوجَتِه الطَّلاقَ لِنَفْسِها، أو إلى أَمَتِه عِتْقَها. وهذا خَطَأٌ؛ لِمَا ذَكَرْنا مِنْ الفَرقِ بينَ البَيعِ والطَّلاقِ والعِتقِ في ثَلاثةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ في البَيعِ ثَمَنًا يَختلِفُ بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، فصارَ بالمَيلِ إلى نَفْسِه مُتهَوِّمًا فيه، وليسَ في الطَّلاقِ والعِتقِ ثَمَنٌ تَصيرُ بالمَيلِ إلى نَفْسِها مُتهَوِّمةً فيه. والثَّاني: أنَّ العِتقَ والطَّلاقَ أوسَعُ، لِوُقوعِها بالصِّفاتِ، وتَعليقِها على الغَرَرِ والجَهالاتِ، والبَيعُ أضيَقُ حُكمًا مِنه.

стр. 6321

والثَّالثُ: أنَّه ليسَ في الطَّلاقِ والعِتقِ قَبولٌ مُعتبَرٌ، وفي البَيعِ قَبولٌ مُعتبَرٌ؛ فلَم يَجُزْ أنْ يَكونَ الباذِلُ قابِلًا، فأمَّا إذا وكَّله في بَيعِ عَبدِه، ووكَّله الآخَرُ في شِراءِ العَبدِ المُوكَّلِ في بَيعِه، لَم يَجُزْ؛ لِتَنافي المَقصودِ في العَقدَيْنِ. وكانَ له أنْ يُقيمَ على إحدَى الوَكالَتَيْنِ. فإنْ أرادَ أنْ يُقيمَ على أسبَقِهِما في بَيعٍ أو شِراءٍ، جازَ. وإنْ أرادَ أنْ يُقيمَ على الثَّانيةِ مِنهُما كانَ بَيعًا أو شِراءً احتمَلَ وَجهَيْنِ: أحَدُهما: لا يَصحُّ؛ لأنَّ شَرطَ الأُولَى يَمنَعُ مِنْ جَوازِ الأُخرى. والوَجهُ الآخَرُ: يَجوزُ؛ لأنَّ الوَكالةَ لا تَلزَمُ، فلَمْ يَكُنْ لِلمُتقدِّمةِ مِنهُما تَأثيرٌ، وتَبطُلُ بقَبولِ الأُخرى (١). وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَصحُّ لِلوَكيلِ شِراؤُه مِنْ نَفْسِه لِشَيءٍ وُكِّلَ في شِرائِه، فاشتَراه مِنْ نَفْسِه لِمُوكِّلِه؛ لأنَّه خِلافُ العُرفِ في ذلك، وكما لو صرَّح له فقالَ: بِعْه أوِ اشتَرِه مِنْ غيرِكَ، ولِلُحوقِ التُّهمةِ له بذلك. إلَّا بإذْنِه، بأنْ أَذِنَ له المُوكِّلُ في الشِّراءِ مِنْ نَفْسِه، فيَجوزُ؛ لِانتِفاءِ التُّهمةِ، كما لو وكَّل المَرأةَ في طَلاقِ نَفْسِها، ولأنَّ عِلَّةَ المَنعِ هي مِنْ المُشتَرِي لِنَفْسِه في مَحَلٍّ؛ لِاتِّفاقِ التُّهمةِ لِدِلالَتِها على عَدمِ رِضَا المُوكِّلِ بهذا التَصرُّفِ، وإخراجِ هذا التَصرُّفِ عن عُمومِ لَفظِه وإذْنِه، وقَد صرَّح ههُنا بالإذْنِ فيها، فلا تَبقَى دِلالةُ الحالِ مَع نَصِّه بلَفظِه على خِلافِه.

стр. 6322

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقَولُهم: إنَّه يَتضادُّ مَقصودُه في البَيعِ والشِّراءِ، قُلْنا: إنْ عيَّن المُوكِّلُ له الثَّمنَ، فاشترَى به، فقَد زالَ مَقصودُ الِاستِقصاءِ، وأنَّه لا يُرادُ أكثَرُ ممَّا قَدْ حصَل، وإنْ لَم يُعيِّنْ له الثَّمنَ تَقيَّدَ البَيعُ بثَمَنِ المِثلِ، كما لو باعَ الأجنَبِيُّ (١). عَدمُ شِراءِ الوَكيلِ ممَّن تُرَدُّ شَهادَتُه له: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ إذا وُكِّلَ في الشِّراءِ مُطلَقًا، هَلْ يَجوزُ له أنْ يَشترِيَ ممَّن تُرَدُّ شَهادَتُه له، مثلَ أولادِه وزَوجَتِه ووالِدَيْه أو لا؟ ففِي كلِّ ذلك تَفصيلٌ، بَيانُه على النحوِ الآتي: أ- شِراءُ الوَكيلِ مِنْ أولادِه الصِّغارِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ بالشِّراءِ المُطلَقِ هَلْ يَجوزُ له أنْ يَشترِيَ مِنْ أولادِه الصِّغارِ، وكذا المَحجورُ عليهم لِجُنونٍ أو سَفَهٍ أو لا يَجوزُ؟ فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلوَكيلِ بالشِّراءِ المُطلَقِ أنْ يَشترِيَ مِنْ وَلَدِه الصَّغيرِ، وكذا مَحجورِه السَّفيهِ والمَجنونِ؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في حَقِّه، ويَميلُ إلى تَركِ الِاستِقصاءِ عليه في الثَّمنِ، كَتُهمَتِه في حَقِّ نَفْسِه، وذلك لا تُقبَلُ شَهادَتُه له، ولأنَّ مَواضِعَ التُّهَمِ مُستَثناةٌ مِنْ الوَكالةِ، والوَكيلُ يُتَّهَمُ في العَقدِ مَع هَؤُلاءِ؛ ولأنَّ كلَّ واحِدٍ

стр. 6323

مِنْ الصَّغيرِ والمَحجورِ عليه والوَكيلِ يَنتَفِعُ بمالِ الآخَرَيْنِ عادةً، فكانَ مالُ كلِّ واحِدٍ مِنهم كمالِ الوَكيلِ، فصارَ الوَكيلُ شاريًا مِنْ نَفْسِه. حتى وإنْ أَذِنَ له المُوكِّلُ في البَيعِ مِنْ هَؤُلاءِ، بأنْ قالَ له: اشتَرِ ممَّن شِئتَ؛ فإنَّه لا يَجوزُ عندَ الحَنفيَّةِ في الصَّحيحِ والشَّافِعيَّةِ في المَذهبِ؛ لِتَضادِّ غَرَضَيْ الِاستِرخاصِ والِاستِقصاءِ، وكذا لو قدَّر له الثَّمنَ ونَهاه عن الزِّيادةِ عندَ الشَّافِعيَّةِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ جَوازِ اتِّحادِ المُوجِبِ والقابِلِ وإنِ انتَفَتِ التُّهمةُ. وقالَ الحَنابِلةُ: يَصحُّ إنْ أَذِنَ المُوكِّلُ؛ لِانتِفاءِ التَّهمةِ (١). وذهَب الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ والمالِكيَّةُ في مُقابِلِ المَشهورِ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِلوَكيلِ بالشِّراءِ المُطلَقِ أنْ يَشترِيَ مِنْ وَلَدِه الصَّغيرِ ومَحجورِه مِنْ سَفِيهٍ أو مَجنونٍ، بمِثلِ القِيمةِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ

стр. 6324

مُطلَقٌ: أيٌّ عن التَّقييدِ بشَخصٍ دونَ آخَرَ، والمُطلَقُ يُعمَلُ بإطلاقِه، فكانَ المُقتَضِي مَوجودًا، وكانَ المانِعُ مُنتَفيًا؛ لأنَّ المانِعَ هو التُّهمةُ، ولا تُهمةَ ههُنا؛ لأنَّها إمَّا أنْ تَكونَ مِنْ حيثُ إيثارُ العَينِ، أو مِنْ حيثُ الماليَّةُ، وليسَ شَيءٌ مِنهُما بمَوجودٍ. أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ الأملاكَ مُتَبايِنةٌ حيثُ يَحِلُّ لِلِابنِ وَطْءُ جاريةِ نَفْسِه، ولو لَم يَكُنْ مِلْكُه مُتَبايِنًا عن مِلْكِ أبيه لَكانَتْ جارِيَتُه مُشترَكةً، ولَمَا حَلَّ له وَطؤُها، ولا يَحِلُّ له وَطْءُ جارِيةِ أبيه، والمَنافِعُ مُنقَطِعةٌ؛ فإنَّ تَبايُنَ الأملاكِ يُوجِبُ انقِطاعَ المَنافِعِ. وأمَّا الآخَرُ: فلأنَّ التَّقديرَ بمِثلِ القِيمةِ يَنفِيه، وإذا وُجِدَ المُقتَضِي وانتَفَى المانِعُ وجَب القَولُ بالجَوازِ، كما في البَيعِ مِنْ الأجنَبيِّ. وقيلَ: إنْ كانَ بغَبنٍ يَسيرٍ يَجوزُ أيضًا عندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ (١). ب- شِراءُ الوَكيلِ مِنْ أولادِه الكِبارِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ بالشِّراءِ المُطلَقِ هَلْ يَجوزُ له أنْ يَشتَريَ مِنْ أولادِه الكِبارِ أو لا يَجوزُ؟

стр. 6325

فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ والشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلوَكيلِ بالشِّراءِ المُطلَقِ أنْ يَشترِيَ مِنْ ابنِه الكَبيرِ؛ لأنَّ الوَكيلَ مُؤتمَنٌ؛ فإذا اشترَى مِنْ أولادِه لَحِقَتْه التُّهمةُ، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ -أي: الوَكيلِ وأولادِه- يَنتَفِعُ بمالِ الآخَرِ عادةً، فكانَ مالُ كلِّ طَرَفٍ مِنهما كمالِ الوَكيلِ، فصارَ الوَكيلُ شاريًا مِنْ نَفْسِه. وكذا الإجارةُ والصَّرفُ. إلَّا أنْ يَأذَنَ له المُوكِّلُ أنْ يَشترِيَ مِنهم، أو يَقولَ له: اشتَرِ ممَّن شِئتَ؛ فإنَّه يَجوزُ شِراؤُه مِنهم. وذهَب الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِلوَكيلِ بالشِّراءِ المُطلَقِ أنْ يَشترِيَ مِنْ أولادِه الكِبارِ بمِثلِ القِيمةِ ولا يُحابيَ؛ لأنَّ التَّوكيلَ مُطلَقٌ عن التَّقييدِ بشَخصٍ دونَ آخَرَ، والمُطلَقُ يُعمَلُ بإطلاقِه، فكانَ المُقتَضِي مَوجودًا، وكانَ المانِعُ مُنتَفيًا؛ لأنَّ المانِعَ هو التُّهمةُ، ولا تُهمةَ ههُنا؛ لأنَّها إمَّا أنْ تَكونَ مِنْ حيثُ إيثارُ العَينِ، أو مِنْ حيثُ الماليَّةُ، وليسَ شَيءٌ مِنهُما بمَوجودٍ. أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ الأملاكَ مُتَبايِنةٌ حيثُ يَحِلُّ لِلِابنِ وَطْءُ جاريةِ نَفْسِه، ولو لَم يَكُنْ مِلْكُه مُتَبايِنًا عن مِلْكِ أبيه لَكانَتْ جارِيَتُه مُشترَكةً، ولَمَا حَلَّ له وَطؤُها، ولا يَحِلُّ له وَطْءُ جارِيةِ أبيه، والمَنافِعُ مُنقَطِعةٌ؛ فإنَّ تَبايُنَ الأملاكِ يُوجِبُ انقِطاعَ المَنافِعِ.

стр. 6326

وأمَّا الآخَرُ: فلأنَّ التَّقديرَ بمِثلِ القِيمةِ يَنفِيه، وإذا وُجِدَ المُقتَضِي وانتَفَى المانِعُ وجَب القَولُ بالجَوازِ، كما في البَيعِ مِنْ الأجنَبيِّ. ولأنَّه اشترَى بالثَّمنِ الذي لو اشترَى به مِنْ أجنَبِيٍّ لَصَحَّ، فلا تُهمةَ حينَئذٍ، فهو كما لو اشترَى مِنْ صَديقِه (١). ج- شِراءُ الوَكيلِ مِنْ والِدَيْهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكالةِ المُطلَقةِ، بأنْ أطلَقَ المُوكِّلُ الوَكالةَ لِلوَكيلِ، هَلْ له أنْ يَشترِيَ مِنْ والِدَيْه أو لا؟ فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ والشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَشترِيَ مِنْ والِدَيْه في شَيءٍ وُكِّلَ في شِرائِهِ؛ لأنَّ الوَكيلَ مُؤتمَنٌ؛ فإذا اشترَى مِنْ والِدَيْه لَحِقَتْه التُّهمَةُ؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في حَقِّهما، ويَميلُ إلى تَركِ الِاستِقصاءِ عليهما في الثَّمنِ، كَتُهمَتِه في حَقِّ

стр. 6327

نَفْسِه، ولِذلك لا تُقبَلُ شَهادَتُه لهما، وكما لو فوَّض الإمامُ إليه أنْ يُوَليَ القَضاءَ مَنْ شاءَ، لا يَجوزُ له تَفويضُه إلى أُصولِه ولا فُروعِه، ولأنَّ المَنافِعَ بينَه وبينَ والِدَيْه مُتَّصِلةٌ. إلَّا أنْ يَأذَنَ المُوكِّلُ في الشِّراءِ مِنهما، أو يَقولَ: اشتَرِ ممَّن شِئتَ؛ فإنَّه يَجوزُ أنْ يَشترِيَ مِنهُما. وذهَب الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ -وهو رِوايةٌ عن أبي حَنيفةَ- والشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ -وهو مُقتَضَى مَذهبِ المالِكيَّةِ- إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَشترِيَ مِنْ والِدَيْه بمِثلِ القِيمةِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ مُطلَقٌ: عن التَّقييدِ بشَخصٍ دونَ آخَرَ، والمُطلَقُ يُعمَلُ بإطلاقِه، فكانَ المُقتَضِي مَوجودًا، وكانَ المانِعُ مُنتَفيًا؛ لأنَّ المانِعَ هو التُّهمةُ، ولا تُهمةَ ههُنا؛ لأنَّها إمَّا أنْ تَكونَ مِنْ حيثُ إيثارُ العَينِ، أو مِنْ حيثُ الماليَّةُ، وليسَ شَيءٌ مِنهُما بمَوجودٍ. أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ الأملاكَ مُتَبايِنةٌ حيثُ يَحِلُّ لِلِابنِ وَطْءُ جاريةِ نَفْسِه، ولو لَم يَكُنْ مِلْكُه مُتَبايِنًا عن مِلْكِ أبيه لَكانَتْ جارِيَتُه مُشترَكةً، ولَمَا حَلَّ له وَطؤُها، ولا يَحِلُّ له وَطْءُ جارِيةِ أبيه، والمَنافِعُ مُنقَطِعةٌ؛ فإنَّ تَبايُنَ الأملاكِ يُوجِبُ انقِطاعَ المَنافِعِ. وأمَّا الآخَرُ: فلأنَّ التَّقديرَ بمِثلِ القِيمةِ يَنفِيه، وإذا وُجِدَ المُقتَضِي وانتَفَى المانِعُ وجَب القَولُ بالجَوازِ، كما في البَيعِ مِنْ الأجنَبيِّ.

стр. 6328

ولأنَّه اشترَى بالثَّمنِ الذي لو اشترَى به مِنْ أجنَبِيٍّ لَصَحَّ؛ فلا تُهمةَ حينَئذٍ، فهو كما لو اشترَى مِنْ صَديقِه (١). د- شِراءُ الوَكيلِ مِنْ زَوجَتِه أو الزَّوجةِ مِنْ زَوجِها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أطلَقَ المُوكِّلُ الوَكالةَ لِلوَكيلِ بالشِّراءِ، هَلْ يَجوزُ له أنْ يَشترِيَ مِنْ زَوجَتِه، أو أنْ تَشتَرِيَ هي مِنه إنْ كانَتْ هي الوَكيلَ أو لا؟ فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلزَّوجِ إذا كانَ وَكيلًا ووُكِّلَ في الشِّراءِ مُطلَقًا أنْ يَشترِيَ مِنْ زَوجَتِه، ولا أنْ تَشتَرِيَ هي مِنْ زَوْجِها إنْ كانَتْ وَكِيلَةً؛ لأنَّه لا يُقبَلُ شَهادةُ واحِدٍ مِنها على الآخَرِ؛ ولأنَّ الوَكيلَ مُؤتمَنٌ؛ فإذا اشترَى مِنْ زَوجَتِه لَحِقَتْه التُّهمةُ؛ لأنَّ المَنافِعَ بينَهما مُشترَكةٌ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنتَفِعُ بمالِ الآخَرِ عادةً، فكانَ مالُ كلِّ واحِدٍ مِنهُما كمالِ الآخَرِ، فصارَ الوَكيلُ شاريًا مِنْ نَفْسِه. إلَّا أنْ يَأذَنَ المُوكِّلُ في الشِّراءِ مِنْ زَوجَتِه، أو يَقولَ: اشتَرِ ممَّن شِئتَ؛ فإنَّه يَجوزُ أنْ يَشترِيَ مِنها. وذهَب المالِكيَّةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ والشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِزَوجٍ إذا كانَ وَكيلًا، وكذا الزَّوجةُ، أنْ يَشترِيَ مِنْ زَوجَتِه بمِثلِ القِيمةِ ودونَ مُحاباةٍ؛ لأنَّ التَّوكيلَ

стр. 6329

مُطلَقٌ، أي: عن التَّقييدِ بشَخصٍ دونَ آخَرَ، والمُطلَقُ يُعمَلُ بإطلاقِه، فكانَ المُقتَضِي مَوجودًا، وكان المانِعُ مُنتَفيًا؛ لأنَّ المانِعَ هو التُّهمةُ، ولا تُهمةَ ههُنا، ولأنَّه اشترَى بالثَّمنِ الذي لو اشترَى به مِنْ أجنَبِيٍّ لَصَحَّ، فلا تُهمةَ حينَئذٍ، فهو كما لو اشترَى مِنْ صَديقِه. وقالَ المالِكيَّةُ: إنْ حابَى بأنِ اشترَى مِنها بأكثَرَ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ، مُنِعَ ومَضَى البَيعُ وغُرِّمَ الوَكيلُ ما حابَى به (١). و- شِراءُ الوَكيلِ مِنْ أقارِبِهِ: ذهَب عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ المُطلَقِ يَجوزُ له أنْ يَبيعَ لِأقارِبِه، كَأخيه وعَمِّه وسائِرِ أقارِبِهِ؛ لأنَّ الغَرَضَ مِنْ البَيعِ حُصولُ الثَّمنِ، لا أعيانُ المُشتَرِينَ؛ لأنَّ التَّوكيلَ مُطلَقٌ، ولا تُهمةَ؛ إذِ الأملاكُ مُتَبايِنةٌ، والمَنافِعُ مُنقَطِعةٌ، فصارَ البَيعُ مِنهم كالبَيعِ مِنْ الأجنَبِيِّ.

стр. 6330

قالَ المِرداويُّ ﵀: وحيثُ حصَلتْ تُهمةٌ لا يَصحُّ (١). إذا وكَّله في شِراءِ شَيءٍ لا يَصحُّ أنْ يَشترِيَه مَعيبًا: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ إذا وُكِّلَ في شِراءِ شَيءٍ فاشترَى مَعيبًا، هَلْ يَلزَمُه أو يَلزَمُ المُوكِّلَ أو يَتوقَّفُ على رِضَا المُوكِّلِ، فإنْ رَضيَ به مَضَى، وإلَّا رَدَّهُ؟ فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ الوَكيلَ بالشِّراءِ مُطلَقًا مِنْ غيرِ قَيدٍ إذا اشترَى مَعيبًا لَزِمَ المُوكِّلَ. وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَلزَمُ الوَكيلَ ولا يَلزَمُ المُوكِّلَ إلَّا أنْ يَرضَى به مَعيبًا على تَفصيلٍ عندَهم. قالَ الكاسانيُّ ﵀: إذا كانَ التَّوكيلُ بالشِّراءِ مُطلَقًا؛ فإنَّه يُراعَى فيه الإطلاقُ ما أَمكَنَ، إلَّا إذا قامَ دَليلُ التَّقييدِ مِنْ عُرفٍ أو غيرِه فيَتقيَّدُ به. وَعلى هذا إذا وكَّل رَجُلًا بشِراءِ جاريةٍ، وسمَّى نَوعَها وثَمَنَها، حتى صَحَّتِ الوَكالةُ، فاشترَى جاريةً مَقطوعةَ اليَدِ والرِّجْلِ مِنْ خِلافٍ، أو عَوراءَ، لَزِمَ المُوكِّلَ، وكذا إذا اشترَى جاريةً مَقطوعةَ اليَدَيْنِ أوِ الرِّجلَيْنِ أو عَمياءَ، عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَهُما يَلزَمُ الوَكيلَ. وَجهُ قَولهما هذا: أنَّ الجاريةَ تُشترَى لِلِاستِخدامِ عُرفًا وعادةً، وغَرَضُ

стр. 6331

الِاستِخدامِ لا يَحصُلُ عندَ فَواتِ جِنسِ المَنفعةِ، فيَتقيَّدُ بالسَّلامةِ عن هذه الصِّفةِ، بدِلالةِ العُرفِ، ولِهذا قُلْنا: لا يَجوزُ تَحريرُها عن الكَفَّارةِ، وإنْ كانَ نَصُّ التَّحريرِ مُطلَقًا عن شَرطِ السَّلامةِ؛ لِثُبوتِها دِلالةً، كذا هذا. وَجهُ قَولِ أبي حَنيفةَ هو أنَّ اسمَ الجاريةِ بإطلاقِها يَقَعُ على هذه الجاريةِ، كما يَقَعُ على سَليمةِ الأطرافِ، فلا يَجوزُ تَقييدُ المُطلَقِ إلَّا بدَليلٍ، وقَدْ وُجِدَ. وأمَّا في بابِ الكَفَّارةِ فلأنَّ الأمرَ تَعلَّق بتَحريرِ رَقَبةٍ، والرَّقَبةُ اسمٌ لِذاتٍ مُرَكَّبةٍ مِنْ هذه الأجزاءِ؛ فإذا فاتَ ما يَقومُ به جِنسٌ مِنْ مَنافِعَ الذَّاتِ انتَقَضَتِ الذَّاتُ، فلا يَتناوَلُها مُطلَقُ اسمِ الرَّقَبةِ، فأمَّا اسمُ الجاريةِ فلا يَدُلُّ على هذه الذَّاتِ باعتِبارِ الأجزاءِ، فلا يَقدَحُ نُقصانُها في اسمِ الجاريةِ، بخِلافِ اسمِ الرَّقَبةِ، حتى إنَّ التَّوكيلَ لو كانَ بشِراءِ رَقَبةٍ، لا يَجوزُ، كما يَجوزُ في الكَفَّارةِ، كذا قالوا (١). وقالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ على شِراءِ شَيءٍ إذا اشترَى مَعيبًا لا يَليقُ بالمُوكِّلِ، وهو عالِمٌ بعَيبِه عَيبًا يُرَدُّ به شَرعًا، أو كانَ ظاهِرًا، حتى لا يَخفَى على غيرِ المُتَأمِّلِ؛ فإنَّه يَلزَمُه، إلَّا أنْ يَرضَى مُوكِّلُه بما اشتَراه به وَكِيلُه، فذلك له، إلَّا أنْ يَكونَ العَيبُ قَليلًا قِلَّةً يُغتَفَرُ مِثلُها عادةً بالنَّظرِ لِمَا اشترَى له، والحالُ أنَّ المَبيعَ فيه غِبطَةٌ؛ فإنَّه يَلزَمُ المُوكِّلَ حينَئذٍ، مثلَ دَابَّةٍ مَقطوعةِ

стр. 6332

ذَنَبٍ لِغيرِ ذي هَيئةٍ، وهي رَخيصةٌ، أمَّا إنِ اشترَى دَابَّةً مَقطوعةَ الذَّنَبِ لِذي هَيئةٍ، فلا تَلزَمُ، ولو رَخيصةً؛ لأنَّ القَليلَ ما يُغتَفَرُ مِثلُه عادةً بالنَّظرِ لِمَا اشترَى له، ولِمَنِ اشترَى له. قالَ مالِكٌ ﵀: وإنْ أمَرتَهُ بشِراءِ سِلعةٍ فابتاعَها مَعيبةً تَعَمُّدًا؛ فإنْ كانَ عَيبًا خَفيفًا يُغتَفَرُ مِثلُه، وقَد كانَ شِراؤُها به فُرصةً، لَزِمَكَ، وإنْ كانَ عَيبًا مُفسِدًا لَم تَلزَمْكَ إلَّا أنْ تَشاءَ، وهي لَازِمةٌ لِلمَأْمورِ (١). قالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: قُلتُ: انظُرْ لو كانَ العَيبُ خَفيًّا مُغتَفَرًا باعتِبارِ حالِ عُمومِ النَّاسِ، وحالُ الآمِرِ لا يَقتَضي اغتِفارَه، هَلْ يَلزَمُ الآمِرَ أو لا؟ والأظهَرُ أنَّه يَتخرَّج على القولَيْنِ في أوَل كِتابِ الغَصْبِ في أثَرِ العَداءِ إذا كانَ يَسيرًا بالنِّسبةِ إلى عُمومِ النَّاسِ، وغيرَ يَسيرٍ بالنِّسبةِ إلى حالِ المُتعَدَّى عليه، هَلْ يُحكَم عليه بحُكمِ اليَسيرِ أو الكَثيرِ؟ وعبَّر عن هذا ابنُ الحاجِبِ بقَوله:؛ فَإنْ علِم بالعَيبِ كانَ له، ولا رَدَّ إلَّا في اليَسيرِ. قُلتُ: استِثناؤُه القائِلُ إلَّا في اليَسيرِ يَستحيلُ رَدُّه لِمَنطوقِ ما قبلَه، وإنَّما يَستَقيمُ برَدِّه لِمَحذوفٍ، تَقديرُهُ: ولا يَلزَمُ الآمِرَ، ومِثلُ هذا الحَذفِ لا يَنبَغي في إلقاءِ المَسائِلِ العِلميةِ مَع يُسرِ العِبارةِ عنه بقَوله: فَإنْ علِم بالعَيبِ لَزِمَه، كالآمِرِ، إلَّا في اليَسيرِ.

стр. 6333

وفيها: لو عيَّنه الآمِرُ فلا رَدَّ لِلمَأمورِ بعَيبِه، وإنْ لَم يُعيِّنْه، فقَولُ أشهَبَ: لِلآمِرِ أخْذُها بعدَ رَدِّها لِلمَأْمورِ، فإنْ ماتَتْ ضَمِنها، وابنُ القاسِمِ قالَ: ليسَ له رَدُّها، لأنَّ العُهدةَ له دونَ الآمِرِ، لكنْ لِمُخالَفةِ الصِّفةِ، وقَد أَمكَنَه الرَّدُّ، وهذا في وَكيلٍ مَخصوصٍ، والمُفَوَّضُ له جائِزٌ رَدُّه، وإقالَتُه، على الِاجتِهادِ دونَ مُحاباةٍ. وفي تَعليقِ أبي عِمرانَ ﵀ قالَ: هو إنْ رَدَّها ضَمِن عندَ أشهَبَ، وإنْ لَم يَرُدَّها ضَمِن عندَ ابنِ القاسِمِ، فالحِيلةُ في الخَلاصِ مِنْ الضَّمانِ أنْ يَرفَعَ لِلحاكِمِ، فما حَكَمَ به مِنهُما فعليه يَسقُطُ الخِلافُ، فلا ضَمانَ. ونقَل ابنُ الحاجِبِ ﵀: له الرَّدُّ في غيرِ المُعيَّنِ، وفيه: قَولاهُما عَكسُ نَصِّ قَوله. قالَ المازِريُّ ﵀: وهو نَقلُ الشَّافِعيَّةِ عن مَذهبِهم، وعلى الصَّوابِ نقَله ابنُ شاسٍ. وفي الرَّدِّ بالعَيبِ مِنها: مَنِ ابتاعَ سِلعةً لِرَجُلٍ، وأعلَمَ به البائِعَ فالثَّمنُ على الوَكيلِ، ولو كانَ مُؤجَّلًا، حتى يَقولَ له في العَمدِ: إنَّما يَنقُدُكَ فُلانٌ دُونِي، فالثَّمنُ على الآمِرِ حينَئذٍ. قال الصِّقِلِّيُّ ﵀: قالَ مُحمَّدٌ ﵀: وإنْ لَم يَقُلْ هذا، وقالَ: ابتاعَه لِفُلانٍ، تَبِعَ المأْمورَ دونَ الآمِرِ، إلَّا أنْ يُقِرَّ الآمِرُ، فليَبتَعْ أيَّهما شاءَ، إلَّا أنْ يَدَّعيَ الآمِرُ أنَّه دفَع الثَّمنَ لِلمَأْمورِ، فيَحلِفَ ويَبرَأَ ويُتبَعَ المأْمورُ، ولَم يَذكُرْ مُحمَّدٌ هَلْ قبَض الآمِرُ السِّلعةَ أو لا.

стр. 6334

وذكَر أصبَغُ ﵀ في «العُتْبِيَّةِ»: عن ابنِ القاسِمِ في قَبضِ الآمِرِ السِّلعةَ، وقالَ: دَفَعتَ إلى المأْمورِ الثَّمنَ، فإنْ كانَ المأْمورُ دفَع الثَّمنَ لِلبائِعِ فالقَولُ قَولُ الآمِرِ مَع يَمينِه، وإنْ لَم يَنقُدْ حلَف المأْمورُ: ما قَبَضَ، وأُخِذَ مِنْ الآمِرِ. قالَ سَحنونٌ ﵀: إنْ كانَ أشهَدَ حينَ دفَع أنَّه إنَّما يَنقُدُ مِنْ مالِه لَم يُقبَلْ قَولُ الآمِرِ أنَّه دفَع إليه. قالَ بعضُ فُقهاءِ القَرَويِّينَ: ما في كِتابِ مُحمَّدٍ خِلافُ هذا؛ لأنَّه ذكَر أنَّ الثَّمنَ لَم يَدفَعْه المأْمورُ لِلبائِعِ، وجعَل القولَ قولَ الآمِرِ؛ لأنَّ السِّلعةَ ليسَتْ برَهْنٍ في يَدِ المأْمورِ، وعلى قَولٍ، ويُشبِهُ لو لَم يَدفَعِ السِّلعةَ أنَّ القولَ قَولُه على قَولِ أشهَبَ، وإنْ نقَد؛ لأنَّه يَراها كَرَهْنٍ في يَدِه؛ إذْ له حَبسُها حتى يَقبِضَ الثَّمنَ، وعلى قَولِ ابنِ القاسِمِ ليسَ له حَبْسُها، وعلى قَوله يَكونُ القَولُ قولَ الآمِرِ، ويَجِبُ إنْ دفَع السِّلعةَ لِلآمِرِ أنْ يَكونَ القَولُ قولَ الآمِرِ؛ إذْ لَم يَبقَ بيَدِ المأْمورِ عِوَضٌ عَمَّا دفَعه، وعَمَّا هو مَجبورٌ على دَفعِه، وجعَل في العُتْبِيَّةِ القولَ قوله بعدَ دَفْعِ السِّلعةِ؛ إذْ لَم يَدفَعِ الثَّمنَ لِلبائِعِ، فأحَلَّه مَحَلَّ البائِعِ؛ إذِ الثَّمنُ لا يَسقُطُ عن المُشتَرِي بقَبْضِ السِّلعةِ مِنه، فمتى لَم يَقبِضِ الثَّمنَ كانَ القَولُ قولَ المأْمورِ (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: وإذا وكَّله في شِراءِ شَيءٍ مَوصوفٍ أو مُعيَّنٍ لا يَجوزُ له أنْ يَشترِيَ مَعيبًا إذا علِم بعَيبِهِ؛ لأنَّ عليه نُصحَ مُوكِّلِه، اللَّهمَ إلَّا أنْ يَكونَ غَرَضُ المُوكِّلِ التِّجارةَ؛ فإنَّه يَصحُّ كَعامِلِ القِرَاضِ وشَريكِ التِّجارةِ والعَبدِ

стр. 6335

المَأْذونِ له فيها؛ لأنَّ الغَرَضَ الرِّبحُ، وقَد يَكونُ الرِّبحُ في المَعيبِ أكثَرَ مِنه في غيرِه، لاسيَّما العَيبَ الخَفيفَ. فَإنِ اشترَى المَعيبَ في الذِّمةِ وهو يُساوي مَع العَيبِ ما اشتَراه به وقَع عن المُوكِّلِ إنْ جَهِلَ المُشتَرِي العَيبَ؛ إذْ لا ضَرَرَ على المالِكِ لِتَخييرِهِ؛ لأنَّه يُمكِنُ استِدراكُه بالرَّدِّ، فلا ضَرَرَ عليه فيه، ولا تَقصيرَ مِنْ جِهةِ الوَكيلِ، ولا يُنسَبُ الوَكيلُ إلى مُخالَفةٍ لِجَهلِه، ولا مِنْ جِهةِ اللَّفظِ فيه لِإطلاقِهِ؛ لأنَّ الواجِبَ عليه أنْ يَشترِيَ ما ظَنَّ سَلامَتَه، لا ما هو سَليمٌ في الأمْرِ نَفْسِه، أمَّا إذا قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا سَليمًا. فالوَجْه ألَّا يَقَعَ لِلمُوكِّلِ إذا اشترَى مَعيبًا علِم عَيبَه أو جَهِلَه؛ لأنَّه غيرُ المَأْذونِ فيه. وَقَولُنا: «في الذِّمةِ» قَدْ يُوهِمُ أنَّه إذا اشترَى بعَينِ مالِ المُوكِّلِ لا يَقَعُ له، وليسَ كَذلك، بَلْ يَقَعُ له أيضًا إذا أوقَعْناه له هُناكَ، لكنْ ليسَ لِلوَكيلِ الرَّدُّ في الأصَحِّ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ انقِلابُ العَقدِ له بحالٍ، فلا يَتضَرَّرُ، بخِلافِ الشِّراءِ في الذِّمةِ. وإنْ علِمه فلا يَقَعُ عن المُوكِّلِ في الأصَحِّ، وإنْ ساوَى ما اشتَراه بهِ؛ لأنَّه غيرُ مَأذونٍ له فيهِ؛ لأنَّ الإطلاقَ يَقتَضي سَليمًا. والثَّاني: يَقَعُ له؛ لأنَّ الصِّيغةَ مُطلَقةٌ، ولا نَقصَ في الماليَّةِ. والثَّالثُ: إنْ كانَ لِلتِّجارةِ وقَع له، وإنْ كانَ لِلقِنيةِ فلا، واستَحسَنَه الإمامُ.

стр. 6336

والرَّابِعُ: إنْ كانَ العَيبُ يَمنَعُ الإجزاءَ في الكَفَّارةِ، وكانَ المَبيعُ رَقيقًا لَم يَقَعْ، وإلَّا وقَع. قالَ الإمامُ ﵀: وصاحِبُ هذا الوَجْهِ يَستَثْنِي الكُفرَ؛ فإنَّه يَمنَعُ الإجزاءَ في الكَفَّارةِ، ويَجوزُ لِلوَكيلِ شِراؤُه. فَإنْ لَم يُساوِه لَم يَقَعْ عن المُوكِّلِ إنْ علِمه؛ لِتَقصيرِه؛ ولأنَّه يُوَرِّطُه في الغُرمِ مَع العِلمِ، فهو مُخالِفٌ، وقَد يَهرُبُ البائِعُ، فلا يَتمَكَّنُ المُوكِّلُ مِنْ الرَّدِّ، فيَتَضَرَّرُ. وإنْ جَهِلَه وقَع لِلمُوكِّلِ في الأصَحِّ، كما لو اشتَراه بنَفْسِه جاهِلًا. والرَّأْيُ الآخَرُ -وصَحَّحَه الإمامُ-: لا يَقَعُ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ الغَبْنِ الفاحِشِ يَمنَعُ الوُقوعَ عن المُوكِّلِ مَع السَّلامةِ، فمَع العَيبِ أَوْلَى، وأجابَ الأصحابُ بأنَّ الغَبْنَ الفاحِشَ لا يُثْبِتُ الخِيارَ، وهُنا يَثبُتُ الخِيارُ بالعَيبِ، فلا ضَرَرَ. وإذا وقَع عن المُوكِّلِ فلكلٍّ مِنْ الوَكيلِ والمُوكِّلِ الرَّدُّ، أمَّا المُوكِّلُ في حالةِ الجَهلِ فلا خِلافَ فيهِ؛ لأنَّه المالِكُ، والضَّرَرُ لَاحِقٌ به، وأمَّا الوَكيلُ فلأنَّه نائِبُه، ولو لَم نُجَوِّزْ له ذلك لَكانَ المالِكُ رُبَّما لا يَرضَى به، وحينَئذٍ يَتعذَّرُ الرَّدُّ؛ لأنَّه على الفَورِ، ويَبقَى لِلوَكيلِ، فيَتَضَرَّرُ به، وعَنِ ابنِ سُرَيجٍ أنَّه لا يَملِكُ الرَّدَّ إلَّا بإذْنِ مُوكِّلِه. والعَيبُ الطَّارِئُ قبلَ القَبضِ حُكمُه حُكمُ العَيبِ المُقارَنِ في جَوازِ الرَّدِّ.

стр. 6337

ولا فَرقَ في جَميعِ ما ذَكَرْناه بينَ التَّوكيلِ في شِراءِ مُعيَّنٍ، أو مَوصوفٍ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه إنَّما يُريدُه بشَرطِ السَّلامةِ. ولو رَضيَ المُوكِّلُ بالعَيبِ سقَط خِيارُ الوَكيلِ إجماعًا، ولا يَسقُطُ خِيارُ المُوكِّلِ بتَأخيرِ الوَكيلِ ورِضاه وتَقصيرِه؛ لِبَقاءِ حَقِّه هذا إذا سَمَّاه الوَكيلُ في الشِّراءِ أو نَواه وصدَّقه البائِعُ، وإلَّا وقَع الشِّراءُ لِلوَكيلِ؛ لأنَّه اشترَى في الذِّمةِ ما لَم يَأذَنْ فيه المُوكِّلُ، فانصَرَفَ إليه. ويقعُ الشِّراءُ في صُورَتيِ العِلمِ لِلوَكيلِ أيضًا، وأمَّا إذا علِمه واشترَى بعَينِ مالِ المُوكِّلِ؛ فإنَّ الشِّراءَ لَم يَصحَّ. وإذا أرادَ الوَكيلُ الرَّدَّ بالعَيبِ فقالَ البائِعُ: أخِّرْ حتى يَحضُرَ المُوكِّلُ لَم تَلزَمْه إجابَتُه، وإذا رَدَّ فحضَر المُوكِّلُ ورَضيَ احتاجَ إلى استِئنافِ شِراءٍ، وإنْ لَم يَرُدَّ حتى حضَر المُوكِّلُ فلِلمُوكِّلِ الرَّدُّ إنْ كانَ قَدْ سَمَّاه، أو صدَّقه البائِعُ على نِيَّتِه (١). وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا وكَّله في شِراءِ سِلعةٍ مَوصوفةٍ لَم يَجُزْ أنْ يَشترِيَها إلَّا سَليمةً؛ لأنَّ إطلاقَ البَيعِ يَقتَضي السَّلامةَ، ولِذلك جازَ الرَّدُّ بالعَيبِ، فإنِ اشترَى مَعيبًا يَعلَمُ عَيبَه لَم يَلزَمِ المُوكِّلَ؛ لأنَّه اشترَى غيرَ ما أَذِنَ له فيه، وإنْ لَم يَعلَمْ عَيبَه صَحَّ البَيعُ؛ لأنَّه إنَّما يَلزَمُه شِراءُ

стр. 6338

الصَّحيحِ في الظَّاهِرِ؛ لِعَجزِه عن التَّحَرُّزِ عن شِراءِ مَعيبٍ لا يَعلَمُ عَيبَه ملَك رَدَّه؛ لأنَّه قائِمٌ في الشِّراءِ مَقامَ المُوكِّلِ، ولِلمُوكِّلِ رَدُّه أيضًا؛ لأنَّ المِلْكَ له، فإنْ حضَر قبلَ رَدِّ الوَكيلِ ورَضيَ بالعَيبِ لَم يَكُنْ لِلوَكيلِ رَدُّه؛ لأنَّ الحَقَّ له بخِلافِ المَضارِبِ؛ فإنَّ له الرَّدَّ، وإنْ رَضيَ رَبُّ المالِ؛ لأنَّ له حَقًّا، فلا يَسقُطُ برِضَا غيرِه، وإنْ لَم يَحضُرْ فأرادَ الوَكيلُ الرَّدَّ فقالَ له البائِعُ: تَوَقَّفْ حتى يَحضُرَ المُوكِّلُ، فرُبَّما رَضيَ بالعَيبِ، لَم يَلزَمْه ذلك؛ لأنَّه لا يَأمَنُ فَواتَ الرَّدِّ لِهَرَبِ البائِعِ وفَواتِ الثَّمنِ بتَلَفِه، وإنْ أخَّرَه بِناءً على هذا القَولِ فلَمْ يَرْضَ به المُوكِّلُ لَم يَسقُطْ رَدُّه، وإنْ قُلْنا: الرَّدُّ على الفَورِ؛ لأنَّه أخَّرَه بإذْنِ البائِعِ فيه، وإنْ قالَ البائِعُ: مُوكِّلُكَ قَدْ علِم العَيبَ فرَضِيَه، لَم يُقبَلْ قَولُه إلَّا ببيِّنةٍ؛ فَإنْ لَم يَكُنْ له بيِّنةٌ لَم يَستحلِفِ الوَكيلَ إلَّا أنْ يَدَّعيَ عِلمَه فيَحلِفَ على نَفْيِ العِلمِ، وبِهذا قالَ الشَّافِعيُّ. وعن أبي حَنيفةَ: أنَّه لا يُستَحلَفُ؛ لأنَّه لو حلَف كانَ نائِبًا في اليَمينِ، وليسَ بصَحيحٍ؛ فإنَّه لا نِيابةَ ههُنا، وإنَّما يَحلِفُ على نَفْيِ عِلْمِه، وهذا لا يَنوبُ فيه عن أحَدٍ. فَإنْ رَدَّ الوَكيلُ وحضَر المُوكِّلُ وقالَ: قَدْ بلَغني العَيبُ ورَضيتُ به وصدَّقه البائِعُ، أو قامَتْ به بيِّنةٌ لَم يَقَعِ الرَّدُّ مَوقِعَه، وكانَ لِلمُوكِّلِ استِرجاعُه، ولِلبائِعِ رَدُّه عليه؛ لأنَّ رِضاه به عزَل الوَكيلَ عن الرَّدِّ، بدَليلِ أنَّه لو علِمه لَم يَكُنْ له الرَّدُّ إلَّا أنْ نَقولَ: إنَّ الوَكيلَ لا يَنعزِلُ حتى يَعلَمَ العَزلَ، وإنْ رَضيَ الوَكيلُ المَعيبَ أو أمسَكَه إمساكًا يَنقَطِعُ به الرَّدُّ فحضَر المُوكِّلُ

стр. 6339

فأرادَ الرَّدَّ فله ذلك إنْ صدَّقه البائِعُ أنَّ الشِّراءَ له أو قامَتْ به بيِّنةٌ، وإنْ كذَّبه ولَم تَكُنْ به بيِّنةٌ، فحلَفه البائِعُ أنَّه لا يَعلَمُ أنَّ الشِّراءَ له، فليسَ له رَدُّه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ مَنِ اشترَى شَيئًا فهو له، ويَلزَمُ الوَكيلَ، وعليه غَرامةُ الثَّمنِ، وهذا كلُّه مَذهبُ الشَّافِعيِّ. وقالَ أبو حَنيفةَ: لِلوَكيلِ شِراءُ المَعيبِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ في البَيعِ مُطلَقًا يُدخِلُ المَعيبَ في إطلاقِه، ولأنَّه أمينُه في الشِّراءِ، فجازَ له شِراءُ المَعيبِ، كالمُضارِبِ. ولَنا: أنَّ البَيعَ بإطلاقِه يَقتَضِي الصَّحيحَ دونَ المَعيبِ، فكَذلك الوَكالةُ فيه، ويُفارِقُ المُضارَبةَ مِنْ حيثُ إنَّ المَقصودَ فيها الرِّبحُ، والرِّبحُ يَحصُلُ مِنْ المَعيبِ، كَحُصولِه مِنْ الصَّحيحِ، والمَقصودُ مِنْ الوَكالةِ شِراءُ ما يَقتَضِي أو يَدفَعُ به حاجَتَه، وقَد يَكونُ العَيبُ مانِعًا مِنْ قَضاءِ الحاجةِ به، ومِن قِنيَتِه، فلا يَحصُلُ المَقصودُ، وقَد ناقَضَ أبو حَنيفةَ أصلَهُ؛ فإنَّه قالَ في قَوله تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]: لا تَجوزُ العَمياءُ ولا مَعيبةٌ عَيبًا يَضُرُّ بالعَملِ، وقالَ: ههُنا يَجوزُ لِلوَكيلِ شِراءُ الأعمَى والمُقعَدِ ومَقطوعِ اليدَيْنِ والرِّجلَيْنِ (١). ثانيًا: تَقييدُ الوَكالةِ بالشِّراءِ: إذا قَيَّدَ المُوكِّلُ الوَكيلَ بقُيودٍ مُعيَّنةٍ وجَب عليه أنْ يَلتزِمَ بها، ولا يَجوزَ له أنْ يَتعَدَّاها عندَ تَنفيذِ الوَكالةِ باتِّفاقِ العُلماءِ، وهذا في الجُملةِ، إلَّا أنْ

стр. 6340

يُخالِفَ إلى خَيرٍ، كَأنْ قالَ له: اشتَرِ بعَشَرةٍ، فاشتَراها بأقَلَّ. قالَ الحَنفيَّةُ: الوَكيلُ بالشِّراءِ لا يَخلو إمَّا أنْ يَكونَ مُطلَقًا أو مُقيَّدًا؛ فإنْ كانَ مُقيَّدًا يُراعَى فيه القَيدُ إجماعًا، سَواءٌ كانَ القَيدُ راجِعًا إلى المُشتَرِي، أو إلى الثَّمنِ، حتى إنَّه إذا خالَفَ يَلزَمُ الشِّراءُ، إلَّا إذا كانَ خِلافًا إلى خَيرٍ، فيَلزَمُ المُوكِّلَ. مِثالُ الأوَل: إذا قالَ: اشتَرِ لي جاريةً أطَؤُها، أو أستَخدِمُها، أو أتَّخِذُها أُمَّ وَلَدٍ، فاشتَري جاريةً مَجوسيَّةً أو أُختَه مِنْ الرَّضاعِ أو مُرتَدَّةً أو ذاتَ زَوجٍ لا يُنَفَّذُ على المُوكِّلِ، ويُنَفَّذُ على الوَكيلِ. وكَذلك إذا قالَ: اشتَرِ لي جاريةً تَخدُمُني، فاشترَى جاريةً مَقطوعةَ اليَدَيْنِ أوِ الرِّجلَيْنِ أو عَمياءَ؛ لأنَّ الأصلَ في كلِّ مُقيَّدٍ اعتِبارُ القَيدِ فيه، إلَّا قَيدًا لا يُفيدُ اعتِبارُه، واعتِبارُ هذا النَّوعِ مِنْ القَيدِ مُفيدٌ. وكَذلك إذا قالَ: اشتَرِ لي جاريةً تُركيَّةً، فاشترَى جاريةً حَبَشيَّةً، لا يَلزَمُ المُوكِّلَ، ويَلزَمُ الوَكيلَ؛ لِمَا ذَكَرْنا. وَمِثالُ الثَّاني: إذا قالَ له: اشتَرِ لي جاريةً بألْفِ دِرهَمٍ، فاشترَى جاريةً بأكثَرَ مِنْ الألْفِ، تَلزَمُ الوَكيلَ دونَ المُوكِّلِ؛ لأنَّه خالَفَ أمْرَ المُوكِّلِ، فيَصيرُ مُشتَريًا لِنَفْسِه. ولو قالَ: اشتَرِ لي جاريةً بألْفِ دِرهَمٍ، أو بمِئةِ دِينارٍ، فاشترَى جاريةً بما سِوَى الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، لا تَلزَمُ المُوكِّلَ إجماعًا؛ لأنَّ الجِنسَ مُختَلِفٌ، ويَكونُ مُخالِفًا.
следующие страницы →