← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

والرَّابِعُ: إنْ كانَ العَيبُ يَمنَعُ الإجزاءَ في الكَفَّارةِ، وكانَ المَبيعُ رَقيقًا لَم يَقَعْ، وإلَّا وقَع. قالَ الإمامُ ﵀: وصاحِبُ هذا الوَجْهِ يَستَثْنِي الكُفرَ؛ فإنَّه يَمنَعُ الإجزاءَ في الكَفَّارةِ، ويَجوزُ لِلوَكيلِ شِراؤُه. فَإنْ لَم يُساوِه لَم يَقَعْ عن المُوكِّلِ إنْ علِمه؛ لِتَقصيرِه؛ ولأنَّه يُوَرِّطُه في الغُرمِ مَع العِلمِ، فهو مُخالِفٌ، وقَد يَهرُبُ البائِعُ، فلا يَتمَكَّنُ المُوكِّلُ مِنْ الرَّدِّ، فيَتَضَرَّرُ. وإنْ جَهِلَه وقَع لِلمُوكِّلِ في الأصَحِّ، كما لو اشتَراه بنَفْسِه جاهِلًا. والرَّأْيُ الآخَرُ -وصَحَّحَه الإمامُ-: لا يَقَعُ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ الغَبْنِ الفاحِشِ يَمنَعُ الوُقوعَ عن المُوكِّلِ مَع السَّلامةِ، فمَع العَيبِ أَوْلَى، وأجابَ الأصحابُ بأنَّ الغَبْنَ الفاحِشَ لا يُثْبِتُ الخِيارَ، وهُنا يَثبُتُ الخِيارُ بالعَيبِ، فلا ضَرَرَ. وإذا وقَع عن المُوكِّلِ فلكلٍّ مِنْ الوَكيلِ والمُوكِّلِ الرَّدُّ، أمَّا المُوكِّلُ في حالةِ الجَهلِ فلا خِلافَ فيهِ؛ لأنَّه المالِكُ، والضَّرَرُ لَاحِقٌ به، وأمَّا الوَكيلُ فلأنَّه نائِبُه، ولو لَم نُجَوِّزْ له ذلك لَكانَ المالِكُ رُبَّما لا يَرضَى به، وحينَئذٍ يَتعذَّرُ الرَّدُّ؛ لأنَّه على الفَورِ، ويَبقَى لِلوَكيلِ، فيَتَضَرَّرُ به، وعَنِ ابنِ سُرَيجٍ أنَّه لا يَملِكُ الرَّدَّ إلَّا بإذْنِ مُوكِّلِه. والعَيبُ الطَّارِئُ قبلَ القَبضِ حُكمُه حُكمُ العَيبِ المُقارَنِ في جَوازِ الرَّدِّ.

стр. 6337

ولا فَرقَ في جَميعِ ما ذَكَرْناه بينَ التَّوكيلِ في شِراءِ مُعيَّنٍ، أو مَوصوفٍ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه إنَّما يُريدُه بشَرطِ السَّلامةِ. ولو رَضيَ المُوكِّلُ بالعَيبِ سقَط خِيارُ الوَكيلِ إجماعًا، ولا يَسقُطُ خِيارُ المُوكِّلِ بتَأخيرِ الوَكيلِ ورِضاه وتَقصيرِه؛ لِبَقاءِ حَقِّه هذا إذا سَمَّاه الوَكيلُ في الشِّراءِ أو نَواه وصدَّقه البائِعُ، وإلَّا وقَع الشِّراءُ لِلوَكيلِ؛ لأنَّه اشترَى في الذِّمةِ ما لَم يَأذَنْ فيه المُوكِّلُ، فانصَرَفَ إليه. ويقعُ الشِّراءُ في صُورَتيِ العِلمِ لِلوَكيلِ أيضًا، وأمَّا إذا علِمه واشترَى بعَينِ مالِ المُوكِّلِ؛ فإنَّ الشِّراءَ لَم يَصحَّ. وإذا أرادَ الوَكيلُ الرَّدَّ بالعَيبِ فقالَ البائِعُ: أخِّرْ حتى يَحضُرَ المُوكِّلُ لَم تَلزَمْه إجابَتُه، وإذا رَدَّ فحضَر المُوكِّلُ ورَضيَ احتاجَ إلى استِئنافِ شِراءٍ، وإنْ لَم يَرُدَّ حتى حضَر المُوكِّلُ فلِلمُوكِّلِ الرَّدُّ إنْ كانَ قَدْ سَمَّاه، أو صدَّقه البائِعُ على نِيَّتِه (١). وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا وكَّله في شِراءِ سِلعةٍ مَوصوفةٍ لَم يَجُزْ أنْ يَشترِيَها إلَّا سَليمةً؛ لأنَّ إطلاقَ البَيعِ يَقتَضي السَّلامةَ، ولِذلك جازَ الرَّدُّ بالعَيبِ، فإنِ اشترَى مَعيبًا يَعلَمُ عَيبَه لَم يَلزَمِ المُوكِّلَ؛ لأنَّه اشترَى غيرَ ما أَذِنَ له فيه، وإنْ لَم يَعلَمْ عَيبَه صَحَّ البَيعُ؛ لأنَّه إنَّما يَلزَمُه شِراءُ

стр. 6338

الصَّحيحِ في الظَّاهِرِ؛ لِعَجزِه عن التَّحَرُّزِ عن شِراءِ مَعيبٍ لا يَعلَمُ عَيبَه ملَك رَدَّه؛ لأنَّه قائِمٌ في الشِّراءِ مَقامَ المُوكِّلِ، ولِلمُوكِّلِ رَدُّه أيضًا؛ لأنَّ المِلْكَ له، فإنْ حضَر قبلَ رَدِّ الوَكيلِ ورَضيَ بالعَيبِ لَم يَكُنْ لِلوَكيلِ رَدُّه؛ لأنَّ الحَقَّ له بخِلافِ المَضارِبِ؛ فإنَّ له الرَّدَّ، وإنْ رَضيَ رَبُّ المالِ؛ لأنَّ له حَقًّا، فلا يَسقُطُ برِضَا غيرِه، وإنْ لَم يَحضُرْ فأرادَ الوَكيلُ الرَّدَّ فقالَ له البائِعُ: تَوَقَّفْ حتى يَحضُرَ المُوكِّلُ، فرُبَّما رَضيَ بالعَيبِ، لَم يَلزَمْه ذلك؛ لأنَّه لا يَأمَنُ فَواتَ الرَّدِّ لِهَرَبِ البائِعِ وفَواتِ الثَّمنِ بتَلَفِه، وإنْ أخَّرَه بِناءً على هذا القَولِ فلَمْ يَرْضَ به المُوكِّلُ لَم يَسقُطْ رَدُّه، وإنْ قُلْنا: الرَّدُّ على الفَورِ؛ لأنَّه أخَّرَه بإذْنِ البائِعِ فيه، وإنْ قالَ البائِعُ: مُوكِّلُكَ قَدْ علِم العَيبَ فرَضِيَه، لَم يُقبَلْ قَولُه إلَّا ببيِّنةٍ؛ فَإنْ لَم يَكُنْ له بيِّنةٌ لَم يَستحلِفِ الوَكيلَ إلَّا أنْ يَدَّعيَ عِلمَه فيَحلِفَ على نَفْيِ العِلمِ، وبِهذا قالَ الشَّافِعيُّ. وعن أبي حَنيفةَ: أنَّه لا يُستَحلَفُ؛ لأنَّه لو حلَف كانَ نائِبًا في اليَمينِ، وليسَ بصَحيحٍ؛ فإنَّه لا نِيابةَ ههُنا، وإنَّما يَحلِفُ على نَفْيِ عِلْمِه، وهذا لا يَنوبُ فيه عن أحَدٍ. فَإنْ رَدَّ الوَكيلُ وحضَر المُوكِّلُ وقالَ: قَدْ بلَغني العَيبُ ورَضيتُ به وصدَّقه البائِعُ، أو قامَتْ به بيِّنةٌ لَم يَقَعِ الرَّدُّ مَوقِعَه، وكانَ لِلمُوكِّلِ استِرجاعُه، ولِلبائِعِ رَدُّه عليه؛ لأنَّ رِضاه به عزَل الوَكيلَ عن الرَّدِّ، بدَليلِ أنَّه لو علِمه لَم يَكُنْ له الرَّدُّ إلَّا أنْ نَقولَ: إنَّ الوَكيلَ لا يَنعزِلُ حتى يَعلَمَ العَزلَ، وإنْ رَضيَ الوَكيلُ المَعيبَ أو أمسَكَه إمساكًا يَنقَطِعُ به الرَّدُّ فحضَر المُوكِّلُ

стр. 6339

فأرادَ الرَّدَّ فله ذلك إنْ صدَّقه البائِعُ أنَّ الشِّراءَ له أو قامَتْ به بيِّنةٌ، وإنْ كذَّبه ولَم تَكُنْ به بيِّنةٌ، فحلَفه البائِعُ أنَّه لا يَعلَمُ أنَّ الشِّراءَ له، فليسَ له رَدُّه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ مَنِ اشترَى شَيئًا فهو له، ويَلزَمُ الوَكيلَ، وعليه غَرامةُ الثَّمنِ، وهذا كلُّه مَذهبُ الشَّافِعيِّ. وقالَ أبو حَنيفةَ: لِلوَكيلِ شِراءُ المَعيبِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ في البَيعِ مُطلَقًا يُدخِلُ المَعيبَ في إطلاقِه، ولأنَّه أمينُه في الشِّراءِ، فجازَ له شِراءُ المَعيبِ، كالمُضارِبِ. ولَنا: أنَّ البَيعَ بإطلاقِه يَقتَضِي الصَّحيحَ دونَ المَعيبِ، فكَذلك الوَكالةُ فيه، ويُفارِقُ المُضارَبةَ مِنْ حيثُ إنَّ المَقصودَ فيها الرِّبحُ، والرِّبحُ يَحصُلُ مِنْ المَعيبِ، كَحُصولِه مِنْ الصَّحيحِ، والمَقصودُ مِنْ الوَكالةِ شِراءُ ما يَقتَضِي أو يَدفَعُ به حاجَتَه، وقَد يَكونُ العَيبُ مانِعًا مِنْ قَضاءِ الحاجةِ به، ومِن قِنيَتِه، فلا يَحصُلُ المَقصودُ، وقَد ناقَضَ أبو حَنيفةَ أصلَهُ؛ فإنَّه قالَ في قَوله تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]: لا تَجوزُ العَمياءُ ولا مَعيبةٌ عَيبًا يَضُرُّ بالعَملِ، وقالَ: ههُنا يَجوزُ لِلوَكيلِ شِراءُ الأعمَى والمُقعَدِ ومَقطوعِ اليدَيْنِ والرِّجلَيْنِ (١). ثانيًا: تَقييدُ الوَكالةِ بالشِّراءِ: إذا قَيَّدَ المُوكِّلُ الوَكيلَ بقُيودٍ مُعيَّنةٍ وجَب عليه أنْ يَلتزِمَ بها، ولا يَجوزَ له أنْ يَتعَدَّاها عندَ تَنفيذِ الوَكالةِ باتِّفاقِ العُلماءِ، وهذا في الجُملةِ، إلَّا أنْ

стр. 6340

يُخالِفَ إلى خَيرٍ، كَأنْ قالَ له: اشتَرِ بعَشَرةٍ، فاشتَراها بأقَلَّ. قالَ الحَنفيَّةُ: الوَكيلُ بالشِّراءِ لا يَخلو إمَّا أنْ يَكونَ مُطلَقًا أو مُقيَّدًا؛ فإنْ كانَ مُقيَّدًا يُراعَى فيه القَيدُ إجماعًا، سَواءٌ كانَ القَيدُ راجِعًا إلى المُشتَرِي، أو إلى الثَّمنِ، حتى إنَّه إذا خالَفَ يَلزَمُ الشِّراءُ، إلَّا إذا كانَ خِلافًا إلى خَيرٍ، فيَلزَمُ المُوكِّلَ. مِثالُ الأوَل: إذا قالَ: اشتَرِ لي جاريةً أطَؤُها، أو أستَخدِمُها، أو أتَّخِذُها أُمَّ وَلَدٍ، فاشتَري جاريةً مَجوسيَّةً أو أُختَه مِنْ الرَّضاعِ أو مُرتَدَّةً أو ذاتَ زَوجٍ لا يُنَفَّذُ على المُوكِّلِ، ويُنَفَّذُ على الوَكيلِ. وكَذلك إذا قالَ: اشتَرِ لي جاريةً تَخدُمُني، فاشترَى جاريةً مَقطوعةَ اليَدَيْنِ أوِ الرِّجلَيْنِ أو عَمياءَ؛ لأنَّ الأصلَ في كلِّ مُقيَّدٍ اعتِبارُ القَيدِ فيه، إلَّا قَيدًا لا يُفيدُ اعتِبارُه، واعتِبارُ هذا النَّوعِ مِنْ القَيدِ مُفيدٌ. وكَذلك إذا قالَ: اشتَرِ لي جاريةً تُركيَّةً، فاشترَى جاريةً حَبَشيَّةً، لا يَلزَمُ المُوكِّلَ، ويَلزَمُ الوَكيلَ؛ لِمَا ذَكَرْنا. وَمِثالُ الثَّاني: إذا قالَ له: اشتَرِ لي جاريةً بألْفِ دِرهَمٍ، فاشترَى جاريةً بأكثَرَ مِنْ الألْفِ، تَلزَمُ الوَكيلَ دونَ المُوكِّلِ؛ لأنَّه خالَفَ أمْرَ المُوكِّلِ، فيَصيرُ مُشتَريًا لِنَفْسِه. ولو قالَ: اشتَرِ لي جاريةً بألْفِ دِرهَمٍ، أو بمِئةِ دِينارٍ، فاشترَى جاريةً بما سِوَى الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، لا تَلزَمُ المُوكِّلَ إجماعًا؛ لأنَّ الجِنسَ مُختَلِفٌ، ويَكونُ مُخالِفًا.

стр. 6341

ولو قالَ: اشتَرِ لي هذه الجاريةَ بمِئةِ دِينارٍ، فاشتَراها بألْفِ دِرهَمٍ، وقِيمَتُها مِئةُ دِينارٍ، ذكَر الكَرخِيُّ أنَّ المَشهورَ مِنْ قَولِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ أنَّه لا يَلزَمُ المُوكِّلَ؛ لأنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ جِنسانِ مُختَلِفانِ حَقيقةً، فكانَ التَّقييدُ بأحَدِهِما مُفيدًا، ورَوى الحَسَنُ عن أبي حَنيفةَ أنَّه يَلزَمُ المُوكِّلَ، كَأنَّه اعتبَرَهُما جِنسًا واحِدًا في الوَكالةِ، كما اعتُبِرَا جِنسًا واحِدًا في الشُّفعةِ، وهو أنَّ الشَّفيعَ إذا أخبَرَ أنَّ الدَّارَ بِيعَتْ بدَنانيرَ، فسلَّمَ الشُّفعةَ، ثم ظهَر أنَّها بِيعَتْ بدَراهِمَ، وقِيمَتُها مِثلُ الدَّنانيرِ صَحَّ التَّسليمُ، كذا ههُنا، فإنِ اشترَى جاريةً بألْفِ دِرهَمٍ؛ فإنْ كانَت مَثِيلَتُها تُشترَى بألْفٍ أو بأكثَرَ مِنْ ألْفٍ، أو بأقَلَّ مِنْ ألْفٍ، مِقدارَ ما يَتغابَنُ النَّاسُ فيه، لَزِمَ المُوكِّلَ، وإنْ كانَ النُّقصانُ مِقدارَ ما لا يَتغابَنُ النَّاسُ فيه لَزِمَ الوَكيلَ؛ لأنَّ شِراءَ الوَكيلِ مَعروفٌ. وَإنِ اشترَى جاريةً بثَمانِمِئةِ دِرهَمٍ، ومَثِيلَتُها تُشترَى بألْفٍ، لَزِمَ المُوكِّلَ؛ لأنَّ الخِلافَ إلى خَيرٍ لا يَكونُ خِلافًا مَعنًى. وكذا إذا وكَّله بأنْ يَشترِيَ له جاريةً بألْفٍ نَسيئةً، فاشترَى جاريةً بألْفٍ حالَّةٍ لَزِمَ الوَكيلَ؛ لأنَّه خالَفَ قَيدَ المُوكِّلِ. ولو أمَرَه أنْ يَشترِيَ بألْفٍ حالَّةٍ فاشترَى بألْفٍ نَسيئةً لَزِمَ المُوكِّلَ؛ لأنَّه -وإنْ خالَفَ صُورةً- قَدْ وافَقَ مَعنًى، والعِبرةُ لِلمعنَى، لا لِلصُّورةِ. ولو وكَّله أنْ يَشترِيَ ويَشترِطَ الخِيارَ لِلمُوكِّلِ فاشترَى بغيرِ خِيارٍ لَزِمَ الوَكيلَ.

стр. 6342

والأصلُ أنَّ الوَكيلَ بالشِّراءِ إذا خالَفَ يَكونُ مُشتَرِيًا لِنَفْسِه، وأنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ إذا خالَفَ يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ، والفَرقُ بينَهما أنَّ الوَكيلَ بالشِّراءِ مُتَّهمٌ؛ لأنَّه يَملِكُ الشِّراءَ لِنَفْسِه فأمكَنَ تَنفيذُه عليه، حتى إنَّه لو كانَ صَبِيًّا مَحجورًا، أو عَبدًا مَحجورًا، لا يُنَفَّذُ عليه، بَلْ يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ؛ لأنَّهما لا يَملِكانِ الشِّراءَ لِنَفْسَيْهِما، فلا يُمكِنُ التَّنفيذُ عليهما، فتَوقَف، وكذا إذا كانَ الوَكيلُ مُرتَدًّا، أو كانَ وَكيلًا بشِراءِ عَبدٍ بعَينِه، فاشترَى نِصفَه؛ لِعدمِ إمكانِ التَّنفيذِ عليه، فاحتمَلَ التَّوَقُّفَ، ومعنَى التُّهمةِ لا يَتعذَّرُ مِنْ الوَكيلِ بالبَيعِ، فاحتمَلَ التَّوَقُّفَ على الإجازةِ. ولو وكَّله بشِراءِ عَبدٍ فاشتَراه بعَيْنٍ مِنْ أعيانِ مالِ المُوكِّلِ تَوقَف على الإجازةِ؛ لأنَّه لمَّا اشتَراه بعَيْنٍ مِنْ أعيانِ مالِه فقَد باعَ العَيْنَ، والبَيعُ يَقِفُ على إجازةِ المُوكِّلِ (١). وقالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ بالشِّراءِ إذا خالَفَ ما وُكِّلَ فيه، بأنِ اشترَى بأكثَرَ ممَّا سمَّى له المُوكِّلُ خُيِّرَ المُوكِّلُ بينَ إمضاءِ فِعلِه أو رَدِّه، إلَّا أنْ يَلتزِمَ الوَكيلُ بالزَّائِدِ، فيَلزَمَ المُوكِّلَ. إلَّا إذا خالَفَ لِلأحسَنِ، فيَلزَمُ المُوكِّلَ، كما لو نَقَصَ على ما أمَرَ به في الشِّراءِ، بأنْ قالَ له: اشتَرِها بعَشَرةٍ، فاشتَراها بثَمانيةٍ؛ فإنَّه لا خِيارَ لِمُوكِّلِه؛ لأنَّ هذا ممَّا يُرغَبُ فيه، وليسَ مُطلَقُ المُخالَفةِ يُوجِبُ خِيارًا،

стр. 6343

وإنَّما يُوجِبُه مُخالَفةٌ يَتعلَّقُ بها غَرَضٌ صَحيحٌ (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يَجِبُ على الوَكيلِ في الوَكالةِ المُقيَّدةِ مُراعاةُ تَقييدِ المُوكِّلِ، ورِعايةُ المَفهومِ مِنه بحَسَبِ النُّطقِ أوِ العُرفِ؛ فَإنْ نَصَّ له على الشِّراءِ مِنْ شَخصٍ مُعيَّنٍ، كَزَيدٍ، أو في زَمانٍ مُعيَّنٍ، كَيَومِ كذا، أو شَهرِ كذا، أو في مَكانٍ مُعيَّنٍ، تَعيَّن على الوَكيلِ أنْ يَلتزِمَ بذلك على ما يَأتي، إلَّا إنْ خالَفَ لِلأحسَنِ، بأنَّ قالَ له: اشتَرِ بمِئةٍ، فاشترَى بأقَلَّ، صَحَّ، إلَّا أنْ يُصَرِّحَ بالنَّهْيِ عن النَّقصِ، فيَمتَنِعَ؛ لأنَّ النُّطقَ أبطَلَ حَقَّ العُرفِ. وَمتى خالَفَ الوَكيلُ واشترَى بعَينِ مالِ المُوكِّلِ فتَصرُّفُه باطِلٌ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: الوَكيلُ بالبَيعِ المُقيِّدِ لا يَجوزُ له أنْ يُخالِفَ مُوكِّلَه إلَّا لِلأحسَنِ، ولا يَملِكُ مِنْ التَصرُّفِ إلَّا ما يَقتَضِيه إذْنُ مُوكِّلِه مِنْ جِهةِ النُّطقِ، أو مِنْ جِهةِ العُرفِ؛ لأنَّ تَصرُّفَه بالإذْنِ، فاختَصَّ بما أَذِنَ فيه، والإذْنُ يُعرَفُ بالنُّطقِ تارةً، وبِالعُرفِ أُخرَى، ولو وكَّل المُوكِّلُ رَجُلًا في التَصرُّفِ في زَمَنٍ مُقيَّدٍ لَم يَملِكِ التَصرُّفَ قبلَه ولا بعدَهُ؛ لأنَّه لَم يَتناوَلْه إذْنُه مُطلَقًا ولا عُرفًا؛ لأنَّه قَدْ يُؤثِّرُ التَصرُّفُ في زَمَنِ الحاجةِ إليه دونَ غيرِه، ولِهذا لمَّا

стр. 6344

عيَّنَ اللَّهُ تَعالى لِعِبادَتِه وَقتًا لَم يَجُزْ تَقديمُها عليه، ولا تَأخيرُها عنه، على تَفصيلٍ به سَيَأتي. أمَّا لو خالَفَ لِلأحسَنِ بأنِ اشترَى بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ المُقدَّرِ له، صَحَّ الشِّراءُ؛ لأنَّه اشترَى بأقَلَّ مِنْ المَأْذونِ فيه. إلَّا أنْ يَنهاه المُوكِّلُ عن الشِّراءِ بأقَلَّ ممَّا حَدَّدَه له؛ فإذا قالَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: اشتَرِه بمِئةٍ ولا تَشتَرِه بدُونِها، فخالَفَه الوَكيلُ، لَم يَجُزْ، ولَم يَصحَّ الشِّراءُ؛ لِلمُخالَفةِ لِنَصِّه، وصَريحُ قَوله مُقدَّمٌ على دِلالةِ العُرفِ (١). بَيانُ مُخالَفةِ الوَكيلِ لِقُيودِ المُوكِّلِ في البَيعِ: ذَكَرتُ فيما سبَق أقوالَ الفُقهاءِ مُجمَلةً في الوَكيلِ في الشِّراءِ المُقيَّدِ أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُخالِفَ المُوكِّلَ فيما وكَّله فيه إلَّا لِلأحسَنِ، وقَد ذكَر الفُقهاءُ أنَّ الوَكيلَ في الشِّراءِ قَدْ يُخالِفُ في أُمورٍ، مِنها ما يَلي: ١ - المُخالَفةُ في الثَّمنِ: إذا حَدَّدَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ الثَّمنَ فخالَفَ الوَكيلُ فلا يَخلو إمَّا أنْ يُخالِفَ فيَشترِيَ بأكثَرَ ممَّا حَدَّدَه له، وإمَّا أنْ يُخالِفَ لِلأحسَنِ فيَشترِيَ بأقَلَّ ممَّا حَدَّدَه له. الحالةُ الأُولَى: أنْ يُخالِفَ فيَشترِيَ بأكثَرَ ممَّا حَدَّدَه له المُوكِّلُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكيلِ إذا اشترَى بأكثَرَ ممَّا حَدَّدَه له المُوكِّلُ،

стр. 6345

هَلْ يَصحُّ الشِّراءُ ويَضمَنُ الزِّيادةَ؟ أو يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ؟ أو يَبطُلُ الشِّراءُ؟ فَذَهَبُ الحَنابِلةُ في المَذهبِ وأبو العَبَّاسِ مِنْ الشَّافِعيَّةِ إلى أنَّ الشِّراءَ صَحيحٌ، ويَضمَنُ الوَكيلُ لِلمُوكِّلِ النَّقصَ؛ لأنَّ فيه جَمعًا بينَ حَظِّ المُشتَري بعَدمِ الفَسخِ، وحَظِّ البائِعِ، فوجَب التَّضمينُ، وأمَّا الوَكيلُ فلا يُعتبَرُ حَظُّهُ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ (١). وقالَ الحَنفيَّةُ: إذا قالَ له: اشتَرِ لي جاريةً بألْفِ دِرهَمٍ، فاشترَى جاريةً بأكثَرَ مِنْ الألْفِ تَلزَمُ الوَكيلَ دونَ المُوكِّلِ؛ لأنَّه خالَفَ أمرَ المُوكِّلِ، فيَصيرُ مُشتَرِيًا لِنَفْسِه. والأصلُ أنَّ الوَكيلَ بالشِّراءِ إذا خالَفَ يَكونُ مُشتَرِيًا لِنَفْسِه، وأنَّ الوَكيلَ بالبَيعِ إذا خالَفَ يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ، والفَرقُ بينَهما أنَّ الوَكيلَ بالشِّراءِ مُتَّهمٌ؛ لأنَّه يَملِكُ الشِّراءَ لِنَفْسِه، فأمكَنَ تَنفيذُه عليه … ومعنَى التُّهمةِ لا يَتعذَّرُ مِنْ الوَكيلِ بالبَيعِ، فاحتمَلَ التَّوَقُّفَ على الإجازةِ. إلَّا إذا اشتَراه بعَيْنٍ مِنْ أعيانِ مالِ المُوكِّلِ، فيَتوقَّفُ على الإجازةِ؛ لأنَّه لمَّا اشتَراه بعَيْنٍ مِنْ أعيانِ مالِه فقَد باعَ العَينَ، والبَيعُ يَقِفُ على إجازةِ المُوكِّلِ (٢).

стр. 6346

وقالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ بالشِّراءِ إذا خالَفَ ما وُكِّلَ فيه، بأنِ اشترَى بأكثَرَ ممَّا سمَّى له المُوكِّلُ خُيِّرَ المُوكِّلُ بينَ إمضاءِ فِعلِه أو رَدِّه، إلَّا أنْ يَلتزِمَ الوَكيلُ بالزَّائِدِ، فيَلزَمَ المُوكِّلَ (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: إذا قالَ له اشتَرِ بمِئةٍ فلا يَجوزُ له أنْ يَشترِيَ بأزيَدَ، فإنْ خالَفَ الوَكيلُ واشترَى بعَينِ مالِ المُوكِّلِ بأزيَدَ مِنْ المِئةِ فتَصرُّفُه باطِلٌ؛ لأنَّه زادَ على الثَّمنِ المَأذونِ فيه، فلَم يَلزَمِ المُوكِّلَ، كما لو وكَّله أنْ يَشترِيَ له عَبدًا وأطلَقَ، فاشترَى له بأكثَرَ مِنْ ثَمَنِ المِثلِ، ولأنَّه لو قالَ: بِعْ هذا العَبدَ بمِئةِ دِرهَمٍ، فباعَه بتِسعينَ دِرهَمًا لَم يَجُزْ أنْ يُقالَ: يَصحُّ البَيعُ بالتِّسعينَ، ويَلزَمُ الوَكيلَ العَشَرةُ؛ فإذا لَم يَصحَّ ذلك في البَيعِ لَم يَصحَّ ذلك في الشِّراءِ (٢). الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يُخالِفَ الوَكيلَ فيَشترِيَ بأقَلَّ ممَّا حَدَّدَ له المُوكِّلُ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ، والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكيلَ إذا خالَفَ مُوكِّلَه لِلأحسَنِ، كما إذا قالَ له: اشتَرِ هذه السِّلعةَ بألْفٍ، فاشتَراها بأقَلَّ مِنْ الألْفِ صَحَّ البَيعُ، ولا خِيارَ لِمُوكِّلِه؛ لأنَّ هذا ممَّا يُرغَبُ فيه، وليسَ مُطلَقُ المُخالَفةِ يُوجِبُ خِيارًا، وإنَّما يُوجِبُه

стр. 6347

مُخالَفةٌ يَتعلَّقُ بها غَرَضٌ صَحيحٌ، ولأنَّ الإذْنَ ضَربانِ: إذْنٌ مُستَفادٌ نُطقًا، وإذْنٌ مُستَفادٌ عُرفًا، وفي العُرفِ: أنَّ مَنْ يَرضَى بشِراءِ سِلعةٍ بألْفٍ يَرضَى بشِرائِها بأقَلَّ مِنها. إلَّا أنَّ الشَّافِعيَّةَ والحَنابِلةَ قالوا: إلَّا أنْ يَنهاه المُوكِّلُ عن الشِّراءِ بأقَلَّ ممَّا حَدَّدَه له؛ فإذا قالَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: اشتَرِه بمِئةٍ ولا تَشتَرِه بدُونِها، فخالَفَه الوَكيلُ، لَم يَجُزْ، ولَم يَصحَّ الشِّراءُ؛ لِلمُخالَفةِ لِنَصِّه، وصَريحُ قَوله مُقدَّمٌ على دِلالةِ العُرفِ (١). ١ - إذا قالَ له: اشتَرِ بمِئةٍ ولا تَشتَرِ بخَمسينَ: قالَ الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: إنْ قالَ: اشتَرِه بمِئةٍ ولا تَشتَرِه بخَمسينَ جازَ له شِراؤُه بالمِئةِ، وبِما بينَها وبينَ الخَمسينَ، بأنِ اشتَراه بسِتِّينَ مثلًا؛ لأنَّ إذْنَه في الشِّراءِ بمِئةٍ دَلَّ عُرفًا على الشِّراءِ بما دونَها، خرَج مِنه الخَمسونَ بصَريحِ النَّهيِ، بَقيَ فيما فَوقَها على مُقتَضَى الإذْنِ، وإنِ اشتَراه بأقَلَّ مِنْ الخَمسينَ ففيه وَجهانِ عندَ الشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ:

стр. 6348

أحَدُهما -وهو أصَحُّهُما عندَ الحَنابِلةِ-: يَجوزُ لِذلك، ولأنَّه لَم يُخالِفْ صَريحَ نَهْيِه، أشبَهَ ما زادَ على الخَمسينَ، ولأنَّه مَأْذونٌ فيه عُرفًا، وإنَّما خرَج الخَمسونَ بالنَّهْيِ، فبَقيَ غيرُها على العُرفِ. والآخَرُ: لا يَجوزُ؛ لأنَّه نَهاه عن الخَمسينَ استِقلالًا لها، فكانَ تَنبيهًا على النَّهْيِ عَمَّا هو أقَلُّ مِنهُما، كما أنَّ الإذْنَ في الشِّراءِ بمِئةٍ إذْنٌ فيما دونَها، فجَرى ذلك مَجرَى صَريحِ نَهْيِه؛ فإنَّ تَنبيهَ الكَلامِ كنَصِّه (١). ٢ - المُخالَفةُ في جِنسِ الثَّمنِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: اشتَرِ لي مثلًا هذا العَبدَ بألْفِ دِينارٍ، فاشتَراه بألْفَيْ دِينارٍ مثلًا، أو اشترَى بغيرِ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، أو بغيرِ جِنسِ الثَّمنِ الذي حَدَّدَه له، كالدُّولارِ أوِ اللِّيرةِ أوِ الجُنَيهِ مثلًا، هَلْ يَصحُّ الشِّراءُ أو لا؟ فَذهَب الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والقاضي مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّه لا يَصحُّ. قالَ الحَنفيَّةُ: لو قالَ: اشتَرِ لي جاريةً بألْفِ دِرهَمٍ أو بمِئةِ دِينارٍ، فاشترَى جاريةً بما سِوَى الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ لا تَلزَمُ المُوكِّلَ إجماعًا؛ لأنَّ الجِنسَ مُختَلِفٌ، فيَكونُ مُخالِفًا. ولو قالَ: اشتَرِ لي هذه الجاريةَ بمِئةِ دِينارٍ، فاشتَراها بألْفِ دِرهَمٍ

стр. 6349

وقِيمَتُها مِئةُ دِينارٍ، قالَ الكاسانيُّ: ذكَر الكَرخِيُّ أنَّ المَشهورَ مِنْ قَولِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ أنَّه لَا يَلزَمُ المُوكِّلَ؛ لأنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ جِنسانِ مُختَلِفانِ حَقيقةً، فكانَ التَّقييدُ بأحَدِهِما مُفيدًا. ورَوى الحَسَنُ عن أبي حَنيفةَ أنَّه يَلزَمُ المُوكِّلَ، كَأنَّه اعتبَرَهُما جِنسًا واحِدًا في الوَكالةِ، كما اعتُبِرا جِنسًا واحِدًا في الشُّفعةِ، وهو أنَّ الشَّفيعَ إذا أخبَرَ أنَّ الدَّارَ بِيعَتْ بدَنانيرَ، فسلَّمَ الشُّفعةَ، ثم ظهَر أنَّها بِيعَتْ بدَراهِمَ وقِيمَتُها مِثلُ الدَّنانيرِ، صَحَّ التَّسليمُ، كذا ههُنا، فإنِ اشترَى جاريةً بألْفِ دِرهَمٍ؛ فإنْ كانَتْ مَثيلَتُها تُشترَى بألْفٍ أو بأكثَرَ مِنْ ألْفٍ، أو بأقَلَّ مِنْ ألْفٍ، مِقدارَ ما يَتغابَنُ النَّاسُ فيه، لَزِمَ المُوكِّلَ، وإنْ كانَ النُّقصانُ مِقدارَ ما لا يَتغابَنُ النَّاسُ فيه لَزِمَ الوَكيلَ (١). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: إذا أَذِنَ له في العَقدِ بنَقدٍ لَم يَجُزْ أنْ يُعقَدَ بنَقدٍ آخَرَ؛ لأنَّ الإذْنَ في جِنسٍ ليسَ بإذْنٍ في جِنسٍ آخَرَ، ولِهذا لو أَذِنَ له في شِراءِ عَبدٍ لَم يَجُزْ أنْ يَشترِيَ جاريةً، ولو أَذِنَ له في شِراءِ حِمارٍ لَم يَجُزْ أنْ يَشترِيَ فَرَسًا (٢). وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إنْ قالَ المُوكِّلُ لِوَكيلِه: اشتَرِه بدِينارٍ، فاشتَراه بدِرهَمٍ صَحَّ الشِّراءُ؛ لأنَّه مَأذونٌ فيه عُرفًا؛ فإنَّ مَنْ رَضيَ

стр. 6350

ببَذْلِ دِينارٍ رَضيَ مَكانَه بدِرهَمٍ (١). وَكَلامُ الحَنابِلةِ هذا فيما إذا خالَفَ لِلأحسَنِ؛ لأنَّ الدَّنانيرَ أغلَى مِنْ الدَّراهِمِ، لكنْ لو فُرِضَ العَكسُ بأنْ قالَ له: اشتَرِه بدِرهَمٍ، فاشتَراه بدِينارٍ، يَصحُّ الشِّراءُ، وضَمِنِ الوَكيلُ الزَّائِدَ على مُقتَضَى مَذهبِهم. وأمَّا المالِكيَّةُ فاختَلَفوا فيما إذا قالَ المُوكِّلُ لِلوَكيلِ: بِعْ بالذَّهَبِ، فباعَ بالدَّراهِمِ، أو بِعْ بالدَّراهِمِ فباعَ بالذَّهَبِ، وكذا الشِّراءُ، هَلْ ذلك لَازِمٌ لِلمُوكِّلِ أو له الخِيارُ؟ قَولانِ مَشهورانِ بِناءً على أنَّهما جِنسانِ، أو جِنسٌ واحِدٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُوكِّلَ مُخيَّرٌ بينَ الإمضاءِ والفَسخِ، بِناءً على أنَّهما جِنسانِ مُختَلِفانِ؛ لأنَّه لو أودَعَه دَنانيرَ فتَسلَّفَها ورَدَّها دَراهِمَ لَم يَبرَأِ اتِّفاقًا، ولو كانَ رَأْسُ مالِ القِراضِ دَنانيرَ فرَدَّه العامِلُ دَراهِمَ لَم يَلزَمْ رَبَّ المالِ قَبولُها. والقَولُ الآخَرُ: أنَّه يَلزَمُ المُوكِّلَ ولا خِيارَ له؛ لأنَّهما جِنسٌ واحِدٌ في العُرفِ، قالَ اللَّخمِيُّ: لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما يَسُدُّ مَسَدَّ صاحِبِه، إلَّا أنْ يَعلَمَ أنَّ ذلك كانَ لِغَرَضِ الآمِرِ، فيُرَدُّ فيه البَيعُ إذا كانَ قائِمًا، فإنْ فاتَ وغابَ المُشتَرِي كانَ الآمِرُ بالخِيارِ بينَ أنْ يُجيزَ أو يُباعَ بالثَّمنِ ويَشترِيَ له مثلَ ما أمَرَ.

стр. 6351

وَمَحَلُّ القولَيْنِ إذا كانَ الذَّهَبُ والدَّراهِمُ نَقدَ البَلَدِ، وكان ثَمَنُ المِثلِ والسِّلعةِ ممَّا تُباعُ به، واستَوَتْ قِيمةُ الذَّهَبِ والدَّراهِمِ، وإلَّا خُيِّرَ مُوكِّلُه، قَولًا واحِدًا (١). ٣ - المُخالَفةُ في صِفةِ المُشترَى: ذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوكِّلَ لو عيَّن لِلوَكيلِ في الشِّراءِ صِفةً مُعيَّنةً في الشَّيءِ الذي يَشترِيه، فخالَفَها الوَكيلُ، لا يَلزَمُ المُوكِّلَ، كما لو قالَ: اشتَرِ جاريةً تُركيَّةً، فاشترَى حَبَشيةً، أو عَبدًا مَوصوفًا، فخالَفَه في الصِّفةِ، لَم يَلزَمِ المُوكِّلَ (٢). ٤ - المُخالَفةُ في اشتِراطِ الخِيارِ في الشِّراءِ: قالَ الكاسانيُّ ﵀: ولو وكَّله أنْ يَشترِيَ ويَشترِطَ الخِيارَ لِلمُوكِّلِ فاشترَى بغيرِ خِيارٍ، لَزِمَ الوَكيلَ. والأصلُ أنَّ الوَكيلَ بالشِّراءِ إذا خالَفَ يَكونُ مُشتَرِيًا لِنَفْسِه، والوَكيلُ بالبَيعِ إذا خالَفَ يَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ، والفَرقُ بينَهما قَدْ ذَكَرْناه فيما تَقدَّم أنَّ الوَكيلَ بالشِّراءِ مُتَّهمٌ؛ لأنَّه يَملِكُ الشِّراءَ لِنَفْسِه، فأمكَنَ تَنفيذُه عليه حتى إنَّه لو كانَ صَبِيًّا مَحجورًا أو عَبدًا مَحجورًا لا يُنَفَّذُ عليه، بَلْ يَتوقَّفُ

стр. 6352

على إجازةِ المُوكِّلِ، لأنَّهما لا يَملِكانِ الشِّراءَ لِنَفْسَيْهِما، فلا يُمكِنُ التَّنفيذُ عليهما، فتَوقَف (١). إذا وكَّله في شِراءِ شاةٍ بدِينارٍ فاشترَى شاتَيْنِ تُساوي كلُّ واحِدةٍ مِنهُما أقَلَّ مِنْ دِينارٍ: قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ وكَّله في شِراءِ شاةٍ بدِينارٍ فاشترَى شاتَيْنِ تُساوي كلُّ واحِدةٍ مِنهُما أقَلَّ مِنْ دِينارٍ، لَم يَقَعْ لِلمُوكِّلِ. وإنْ كانَتْ كلُّ واحِدةٍ مِنهُما تُساوي دِينارًا، أو إحداهُما تُساوي دِينارًا والأُخرَى تُساوِي أقَلَّ مِنْ دِينارٍ، صَحَّ ولَزِمَ المُوكِّلَ، وهذا المَشهورُ مِنْ مَذهبِ الشَّافِعيِّ. وقالَ أبو حَنيفةَ: يَقَعُ لِلمُوكِّلِ إحدَى الشَّاتَيْنِ بنِصْفِ دِينارٍ، والأُخرَى لِلوَكيلِ؛ لأنَّه لَم يَرْضَ إلَّا بإلزامِه عُهدةَ شاةٍ واحِدةٍ. ولَنا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطَى عُروةَ بنَ الجَعدِ دِينارًا، فقالَ: «أَيْ عُرْوَةُ، ائْتِ الْجَلَبَ، فَاشْتَرِ لَنَا شَاةً»، فَأَتَيْتُ الْجَلَبَ، فَسَاوَمْتُ صَاحِبَهُ، فَاشترَيْتُ مِنْهُ شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ، فَجِئْتُ أَسُوقُهُمَا، أَوْ قَالَ: أَقُودُهُمَا، فَلَقِيَنِي رَجُلٌ، فَسَاوَمَنِي، فَأَبِيعُهُ شَاةً بِدِينَارٍ، فَجِئْتُ بِالدِّينَارِ، وَجِئْتُهُ بِالشَّاةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا دِينَارُكُمْ، وَهذه شَاتُكُمْ. قَالَ: «وَصَنَعْتَ كَيْفَ؟»، قَالَ: فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ له فِي صَفْقَةِ يَمِينهِ» (٢).

стр. 6353

ولأنَّه حصَل له المَأْذونُ فيه وزِيادةٌ مِنْ جِنْسِه تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فوقَع ذلك له، كما لو قالَ له: بِعْ بدِينارٍ، فباعَه بدِينارَيْنِ، وما ذكَره يَبطُلُ بالبَيعِ. فَإنْ باعَ الوَكيلُ إحدَى الشَّاتَيْنِ بغيرِ أمْرِ المُوكِّلِ، ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: البَيعُ باطِلٌ؛ لأنَّه باعَ مالَ مُوكِّلِه بغيرِ أمْرِه، فلَمْ يَجُزْ، كَبَيعِ الشَّاتَيْنِ. والوَجهُ الآخَرُ: إنْ كانَتِ الباقيةُ تُساوي دِينارًا جازَ، لِحَديثِ عُروةَ بنِ الجَعدِ البارِقِيِّ، ولأنَّه حصَل له المَقصودُ، والزِّيادةُ لو كانَتْ غيرَ الشَّاةِ جازَ، فجازَ له إبدالُها بغيرِها، وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ صِحَّةُ البَيعِ؛ لأنَّه أخَذَ بحَديثِ عُروةَ وذهَب إليه. وإذا قُلْنا: لا يَجوزُ له بَيعُ الشَّاةِ، فباعَها، فهَل يَقَعُ البَيعُ باطِلًا أو صَحيحًا مَوقوفًا على إجازةِ المُوكِّلِ؟ على رِوايَتَيْنِ: وهذا أصْلٌ لِكُلِّ مَنْ تصرَّفَ في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، وكُلِّ وَكيلٍ يُخالِفُ مُوكِّلَه، هَلْ يَقَعُ باطِلًا أو يَصحُّ ويَقِفُ على إجازةِ المالِكِ؟ فيه رَوايتانِ، ولِلشَّافِعيِّ في صِحَّةِ البَيعِ ههُنا وَجهانِ (١). وقالَ العمرانيُّ الشَّافِعيُّ ﵀: وإنْ دفَع إلى رَجُلٍ دِينارًا، ووكَّله أنْ يَشترِيَ له شاةً بدِينارٍ، فاشترَى له شاتَيْنِ بدِينارٍ، فإنْ كانَتْ كلُّ واحِدةٍ لا تُساوي دِينارًا لَم يَصحَّ الشِّراءُ في حَقِّ المُوكِّلِ؛ لأنَّه خالَفَ الإذْنَ النُّطقيَّ

стр. 6354

والعُرفيَّ؛ لأنَّ مَنْ رَضيَ شاةً بدِينارٍ لا يَرضَى بما دونَها. وإنْ كانَتْ واحِدةٌ مِنهُما تُساوي دِينارًا، فإنِ اشتَراهُما في الذِّمة ففيه قَولانِ: أحَدُهما: أنَّ المِلْكَ فيهِما لِلمُوكِّلِ، وهو الصَّحيحُ؛ لِمَا رُوِيَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دفَع إلى عُروةَ البارِقيِّ دِينارًا، وأمَرَه أنْ يَشترِيَ له شاةَ أُضحيَّةٍ، فاشترَى له شاتَيْنِ، فلَقيَه رَجُلٌ، فاشترَى مِنه شاةً بدِينارٍ، فأتَى النَّبيَّ ﷺ بشاةٍ ودِينارٍ، فقالَ ﷺ : «بارَكَ اللَّهُ لكَ في صَفْقةِ يَمينِكَ» (١). فكانَ لو اشترَى تُرابًا لَرَبِحَ فيه. فأقَرَّه النَّبيُّ ﷺ على ذلك، فدَلَّ على جَوازِه، ولأنَّه مَأْذونٌ فيه مِنْ طَريقِ العُرفِ؛ لأنَّ مَنْ يَرضَى بشاةٍ تُساوي دِينارًا بدِينارٍ يَرضَى بشاتَيْنِ تُساوي كلُّ واحِدةٍ مِنهُما دِينارًا بدِينارٍ. فَإذا قُلنا بهذا فباعَ الوَكيلُ إحداهُما فهَل يَصحُّ؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: يَصحُّ؛ لِحَديثِ عُروةَ البارِقِيِّ، ولأنَّه قَدْ بلَغه مَقصودَه، فصَحَّ، كما لو اشترَى له شاةً تُساوي دِينارًا بنِصفِ دِينارٍ، فأتاه بشاةٍ ونِصفِ دِينارٍ. والآخَرُ: لا يَصحُّ؛ لأنَّه باعَ مالَ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلَمْ يَصحَّ، كما لو اشترَى له شاةً بدِينارٍ، فباعَها بدِينارَيْنِ، وحَديثُ عُروةَ يُتَأوَّلُ على أنَّه كانَ وَكيلًا مُطلَقًا. والقَولُ الآخَرُ أنَّ المِلْكَ انتَقَلَ إلى المُوكِّلِ في إحداهُما، وإلى الوَكيلِ في الأُخرَى، ووَجهُه مِنْ حَديثِ عُروةَ البارِقيِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أجازَ

стр. 6355

بَيعَه في إحداهما، فلَولَا أنَّ عُروةَ قَدْ ملَك إحداهُما لَمَا صَحَّ بَيعُه فيها؛ إذْ لو ملَكهما النَّبيُّ ﷺ لَمَا صَحَّ بَيعُ عُروةَ لِإحداهُما بغيرِ إذْنِه، ولأنَّ المُوكِّلَ أَذِنَ له في ابتِياعِ شاةٍ، فملَكها، ولَم يَأذَن له في ابتِياعِ الأُخرَى، فلَمْ يَملِكْها. فَإذا قُلنا بهذا كانَ المُوكِّلُ بالخِيارِ بينَ أنْ يَأخُذَ إحداهُما بنِصفِ دِينارٍ، ويَرجِعَ على الوَكيلِ بنِصفِ دِينارٍ، وبينَ أنْ يَأخُذَهُما جَميعًا بالدِّينارِ؛ لأنَّه إذا جازَ لِلشَّفيعِ أنْ يَنتَزِعَ مِلْكَ المُشتَرِي بالثَّمنِ بغيرِ اختِيارِه لِاشتِراكِهِما في المِلْكِ، فلَأنْ يَجوزَ لِلمُوكِّلِ أنْ يَنتَزِعَ مِلْكَ الوَكيلِ الذي أضافَ ابتِياعَه، والعَقدُ فيه إليه أَوْلَى وأحرَى. وأمَّا إذا كانَتْ إحدَى الشَّاتَيْنِ تُساوي دِينارًا، والأُخرَى لا تُساوي دِينارًا ففيه وَجهانِ، حَكاهُما ابنُ الصَّبَّاغِ: أحَدُهما: لا يَصحُّ الشِّراءُ في حَقِّ المُوكِّلِ في واحِدةٍ مِنهُما؛ لأنَّه أَذِنَ له في شِراءِ شاةٍ تُساوي دِينارًا، فلا يَقَعُ له غيرُها. والآخَرُ: يَصحُّ، وهو الأقْيَسُ، ولَم يَذكُرْ في «المَجموعِ» وَ «الفُروعِ» غيرَ هذا؛ لأنَّه قَدْ وجَد المَأْذونَ فيه، وزِيادةً. فَإنْ قُلنا: أنَّهما لِلمُوكِّلِ، فباعَ الوَكيلُ التي تُساوي دِينارًا لَم يَصحَّ بَيعُه لها، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه لا يَحصُلُ لِلمُوكِّلِ غَرَضُه، وإنْ باعَ التي لا تُساوي دِينارًا فهَل يَصحُّ بَيعُهُ؟ على الوَجهَيْنِ الأوَّلَيْنِ.

стр. 6356

وإنْ قُلْنا: إنَّ لِلوَكيلِ إحداهُما كانَ له التي لا تُساوي دِينارًا بحِصَّتِها مِنْ الدِّينارِ، ولِلمُوكِّلِ الخِيارُ في أخْذِها، كما مَضَى. وَإنِ ابتاعَ الشَّاتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُساوي كلُّ واحِدةٍ منهما دِينارًا بعَينِ دِينارِ المُوكِّلِ، فإنْ قُلْنا: إنَّ الجَميعَ لِلمُوكِّلِ صَحَّ البَيعُ فيهِما له، والحُكمُ فيهِما ما مَضَى، وإنْ قُلْنا: إنَّ المِلْكَ في إحداهُما لِلوَكيلِ صَحَّ البَيعُ في إحداهُما، ويَبطُلُ في الأُخرَى؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَصحَّ له الِابتِياعُ بعَينِ مالِ غيرِه (١). مَنْ وُكِّلَ في شِراءِ سِلعةٍ فاشتَراها لِنَفْسِهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وكَّل المُوكِّلُ الوَكيلَ في شِراءِ سِلعةٍ بعَينِها فاشتَراها الوَكيلُ لِنَفْسِه، هَلْ تَقِعُ له أو لِلمُوكِّلِ؟ على أقوالٍ: القَولُ الأوَّلُ لِلحَنَفيَّةِ: ذهَب الحَنفيَّةُ إلى التَّفريقِ بينَ أنْ يَشتَريَها لِنَفْسِه في حَضرةِ المُوكِّلِ أو في غَيبَتِه، وبينَ أنْ يَشتَريَها بغيرِ جِنسِ الثَّمنِ، أو بخِلافِ ما سمَّى له مِنْ جِنسِ الثَّمنِ. فَقالوا: إنْ وكَّله في شِراءِ شَيءٍ بعَينِه فاشتَراه لِنَفْسِه في غَيبةِ المُوكِّلِ لَم يَقَعْ لِلوَكيلِ، ويَقَعُ لِلمُوكِّلِ؛ لأنَّ الوَكيلَ لا يَجوزُ له أنْ يَعزِلَ نَفْسَه إلَّا بحَضرةِ المُوكِّلِ، ولأنَّ الآمِرَ اعتَمَدَ عليه في شِرائِه، فيَصيرُ كَأنَّه خَدَعَه بقَبولِ الوَكالةِ ليَشترِيَه لِنَفْسِه، وأنَّه لا يَجوزُ. حتى لو اشتَراه لِنَفْسِه ناويًا أو مُتَلَفِّظًا بأنْ صرَّح به بأنْ قالَ: اشترَيتُ لِنَفْسَي، وقَع لِلمُوكِّلِ.

стр. 6357

وهذا بخِلافِ ما إذا وكَّله أنْ يُزوِّجَه امرَأةً مُعيَّنةً، حيثُ جازَ له أنْ يَتزوَّج بها؛ لأنَّ النِّكاحَ الذي أتَى به الوَكيلُ غيرُ داخِلٍ تَحتَ أمْرِهِ؛ لأنَّ الدَّاخِلَ تَحتَ الوَكالةِ نِكاحٌ مُضافٌ إلى المُوكِّلِ، فكانَ مُخالِفًا بإضافَتِه إلى نَفسِه، فانعزَل، وفي الوَكالةِ بالشِّراءِ الدَّاخِلِ فيها شِراءٌ مُطلَقٌ غيرُ مُقيَّدٍ بالإضافةِ إلى أحَدٍ، فكلُّ شَيءٍ أتَى به لا يَكونُ مُخالِفًا به؛ إذْ لا يُعتبَرُ في المُطْلَقاتِ إلَّا ذاتُه دونَ صِفاتِه، فيَتَناوَلُ الذَّاتَ على أيِّ صِفةٍ كانَتْ، فيَكونُ مُوافِقًا بذلك حتى لو خالَفَ مُقتَضَى كَلامِ الآمِرِ في جِنسِ الثَّمنِ أو قَدْرِه، كانَ مثلَه. وهذا فيما لو اشتَراه بالنُّقودِ، أو بما سمَّى له مِنْ الثَّمنِ. فأمَّا لو اشتَراه بغيرِ النُّقودِ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، إذا لَم يَكُنِ الثَّمنُ مُسَمًّى، أو بخِلافِ ما سمَّى له مِنْ الثَّمنِ، سَواءٌ كانَتِ المُخالَفةُ في الجِنسِ أوِ القَدْرِ، أو وكَّل وَكيلًا بشِرائِه، فاشترَى الثَّاني وهو غائِبٌ، يَثبُتُ المِلْكُ لِلوَكيلِ الأوَل في هذه الوُجوهِ؛ لأنَّه خالَفَ أمْرَ الآمِرِ، فيُنَفَّذُ عليه؛ لأنَّ الوَكيلَ بالشِّراءِ لا يَجوزُ له أنْ يَشترِيَ إلَّا بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ؛ لأنَّه المَعروفُ، والمَعروفُ كالمَشروطِ. وقالَ زُفَرُ ﵀: إذا اشتَراه بكَيلِيٍّ أو وَزنِيٍّ يَقَعُ لِلمُوكِّلِ؛ لأنَّه شِراءٌ مِنْ كلِّ وَجهٍ لِتَعلُّقِه بالذِّمةِ، كالنَّقدَيْنِ، بخِلافِ ما إذا اشتَراه بعَيْنٍ لا يَثبُتُ في الذِّمةِ؛ لأنَّه بَيعٌ مِنْ وَجهٍ، شِراءٌ مِنْ وَجهٍ. قالَ الموصِليُّ ﵀: ولَنا أنَّه يَنصَرِفُ إلى المُتَعارَفِ عندَ الإطلاقِ،

стр. 6358

وهو النَّقدانِ، فيَتقيَّدُ به، ولو عقَد الوَكيلُ الثَّاني بحَضرةِ الأوَل لَزِمَ المُوكِّلَ؛ لأنَّه برَأْيِه، فلَمْ يَكُنْ مُخالِفًا (١). وَإنِ اشترَى الوَكيلُ الثَّاني بحَضرةِ الوَكيلِ الأوَل: نُفِّذَ على المُوكِّلِ الأوَل؛ لأنَّه حضَر رَأْيَه، فلَمْ يَكُنْ مُخالِفًا. وكذا إنِ اشتَراه لِنَفْسِه أو لِمُوكِّلٍ آخَرَ بحَضرةِ الوَكيلِ، وصرَّح بأنَّه يَشتَريه لِنَفْسِه أو لِلمُوكِّلِ الآخَرِ كانَ المُشترَى له؛ لأنَّ له أنْ يَعزِلَ نَفْسَه بحَضرةِ المُوكِّلِ، وليسَ له العَزلُ مِنْ غيرِ عِلمِه، فبِإقدامِه على الشِّراءِ لِنَفْسِه قَدْ عزَل نَفْسَه. ولا يَجوزُ له ألَّا يَشترِيَه لِمُوكِّلٍ آخَرَ بالأَوْلَى بدُونِ حَضرةِ المُوكِّلِ الأوَل، فلَوِ اشتَراه لِلثَّاني كانَ لِلأوَل، إنْ لَم يَقبَلْ وَكالةَ الثَّاني بحَضرةِ الأوَل، وإلَّا فهو لِلثَّاني، وإنْ كانَ الأوَّلُ وكَّله بشِرائِه بألْفٍ، والثَّاني بمِئةِ دِينارٍ، فاشتَراه بمِئةِ دِينارٍ، فهو لِلثَّاني؛ لأنَّه يَملِكُ شِراءَه لِنَفْسِه بمِئةٍ، فيَملِكُ شِراءَه لِغيرِه أيضًا. قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: الوَكيلُ بشِراءِ شَيءٍ بعَينِه لا يَملِكُ أنْ يَشترِيَه لِنَفْسِه، وإذا اشترَى يَقَعُ الشِّراءُ لِلمُوكِّلِ؛ لأنَّ شِراءَه لِنَفْسِه عَزلٌ لِنَفْسِه عن الوَكالةِ، وهو لا يَملِكُ ذلك إلَّا بمَحضَرٍ مِنْ المُوكِّلِ، كما لا يَملِكُ المُوكِّلُ عَزْلَه إلَّا بمَحضَرٍ مِنه … وأمَّا الوَكيلُ بشِراءِ شَيءٍ بغيرِ عَينِه إذا اشترَى يَكونُ مُشتَرِيًا لِنَفْسِه إلَّا أنْ يَنوِيَه لِلمُوكِّلِ.

стр. 6359

وَجُملةُ الكَلامِ فيه أنَّه إذا قالَ: اشترَيتُه لِنَفْسِي، وصدَّقه المُوكِّلُ، فالمُشترَى له، وإذا قالَ المُوكِّلُ: اشترَيتَه لي، وصدَّقه الوَكيلُ، فالمُشترَى لِلمُوكِّلِ؛ لأنَّ الوَكيلَ بشِراءِ شَيءٍ بغيرِ عَيْنِه يَملِكُ الشِّراءَ لِنَفْسِه، كما يَملِكُ لِلمُوكِّلِ، فاحتُمِلَ شِراؤُه لِمُوكِّلِه، فيَحكُمُ فيه التَّصديقُ، فيُحمَلُ على أحَدِ الوَجهَيْنِ بتَصادُقِهِما. ولو اختَلَفا فقالَ الوَكيلُ: اشترَيتُه لِنَفْسِي، وقالَ المُوكِّلُ: اشترَيتَه لي، يَحكُمُ فيه الثَّمنُ، فإنْ أدَّى الوَكيلُ الثَّمنَ مِنْ دَراهِمِ نَفْسِه فالمُشترَى له، وإنْ أدَّاه مِنْ دَراهِمِ مُوكِّلِه فالمُشترَى لِمُوكِّلِه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ نَقدُ الثَّمنِ مِنْ مالِ مَنْ يَشترِي له، فكانَ الظَّاهِرُ شاهِدًا لِلثَّمنِ فكانَ صادِقًا في حُكمِه. وأمَّا إذا لَم تَحضُرْه النِّيَّةُ وَقتَ الشِّراءِ، واتَّفقَا عليه، يَحكُمُ فيه الثَّمنُ أيضًا عندَ أبي يُوسفَ، وعندَ مُحمَّدٍ يَكونُ الشِّراءُ لِلوَكيلِ. وَجهُ قَولِ مُحمَّدٍ ﵀ أنَّ الأصلَ أنْ يَكونَ الإنسانُ مُتَصرِّفًا لِنَفْسِه لا لِغيرِه، فكانَ الظَّاهِرُ شاهِدًا لِلوَكيلِ، فكانَ المُشترَى له. وَجهُ قَولِ أبي يُوسفَ ﵀ أنَّ أُمورَ المُسلِمينَ مَحمولةٌ على الصَّلاحِ والسَّدادِ ما أمكَنَ، وذلك في تَحكيمِ الثَّمنِ على ما مَرَّ (١).

стр. 6360

وَسُئِلَ الإمامُ ابنُ عابِدينَ ﵀: في امرَأةٍ قَرَويَّةٍ وكَّلتْ زَوجَها زَيدًا في شِراءِ أرضٍ مُعيَّنةٍ مِنْ أُختِها هِندٍ، وَكالةً مَقبولةً مِنه، فاشتَراها لِنَفْسِه، فهَل يَقَعُ الشِّراءُ لِلمُوكِّلةِ؟ الجَوابُ: الوَكيلُ بشِراءِ شَيءٍ بعَينِه إذا اشتَراه لِنَفْسِه بمِثلِ الذي أمَرَ به حالَ غَيبةِ المُوكِّلِ يَكونُ مُشتَرِيًا لِلمُوكِّلِ، ولا يَملِكُ الشِّراءَ لِنَفْسِه ما لَم يَخرُجْ عن الوَكالةِ، وهو يَملِكُ إخراجَ نَفْسِه عن الوَكالةِ عندَ حَضرةِ المُوكِّلِ، لا عندَ غَيبَتِه، كذا في الخانِيةِ مِنْ فَصلِ شَرِكةِ العَنانِ، فيَقَعُ شِراءُ الأرضِ المَذكورةِ لِلمَرأةِ المَزْبورةِ (١). وأمَّا المالِكيَّةُ فعندَهم أربَعةُ أقوالٍ في المَسألةِ: القَولُ الأوَّلُ: أنَّ القولَ قَولُ المأْمورِ إنْ دفَع إليه الثَّمنَ بعدَ أنْ يَحلِفَ أنَّه إنَّما اشتَراها لِنَفْسِه إنِ اتُّهِمَ في ذلك، وهي رِوايةُ مُحمَّدِ بنِ يَحيى الشَّيبانيِّ عن مالِكٍ (٢). القَولُ الثَّاني: أنَّ السِّلعةَ لِلآمِرِ، وإنْ لَم يَدفَعْ إليه الثَّمنَ، وهو رِوايةُ غيرِ ابنِ القاسِمِ في المُدوَّنةِ، وقَولُ أصبَغَ ورِوايَتُه عن ابنِ القاسِمِ في المُدوَّنةِ، وسَواءٌ أشْهَدَ المأْمورُ أنَّه اشتَراها لِنَفْسِه أو لَم يُشهِدْ حتى يَرجِعَ الأمرُ إلى الآمِرِ فيَبرَأَ مِنْ وَعدِه بالشِّراءِ (٣).

стр. 6361

والثَّالثُ: الفَرقُ بينَ أنْ يَكونَ قَدْ دفَع إليه الثَّمنَ، أو لَم يَدفَعْه إليه، وإنَّما أمْرُه أنْ يَشترِيَها له بمِئةٍ، فوَعَده بذلكَ (١). والرَّابِعُ: أنَّه لِلآمِرِ، إلَّا أنْ يَكونَ المأْمورُ أشهَدَ أنَّه إنَّما يَشتَريها لِنَفْسِه (٢). وقالَ الإمامُ القَرافيُّ ﵀: ولو وكَّل وَكيلًا أنْ يُزوِّجَه امرَأةً فتَزوَّجها الوَكيلُ لِنَفْسِه جازَ، وكانَتِ امرَأتَه. ولو وكَّله أنْ يَشترِيَ له عَبدًا بعَينِه، فاشتَراه الوَكيلُ لِنَفْسِه وقَع الشِّراءُ لِلمُوكِّلِ. والفَرقُ أنْ في بابِ النِّكاحِ خالَفَه الوَكيلُ في لَفْظِ العَقدِ؛ لأنَّه إذا زوَّجه يَقولُ: زَوَّجتُكِ بِفُلانٍ، ولو عقَد لِنَفْسِه لَقال: تَزوَّجتُ فُلانةَ، وإذا خالَفَه في لَفظِ العَقدِ لَم يَقَعِ العَقدُ لِلمُوكِّلِ، كما لو أمَرَه أنْ يَشترِيَ له عَبدًا بألْفٍ، فاشتَراه بألْفَيْنِ. وليسَ كَذلك في الشِّراءِ؛ لأنَّه لَم يُخالِفْه في لَفظِ العَقدِ؛ لأنَّه لو اشتَراه له لَقالَ اشترَيتُ، ولو اشتَراه لِنَفْسِه لَقال أيضًا: اشترَيتُ، فقَد وافَقَه فيما أمَرَه به، وهو قَدِ التَزَمَ بعَقدِ التَّوكيلِ أنْ يَكونَ عَقدُه له؛ فإذا عقَد كَذلك وقَع له، ولو قُلْنا: لا يَقَعُ له لَصارَ عازِلًا نَفْسَه، وعَزلُه لِنَفْسِه وَحدَه لا يَصحُّ، فلَمْ يَنعزِلْ (٣).

стр. 6362

لِلوَكيلِ حَبسُ المَبيعِ حتى يَقبِضَ الثَّمنَ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وكَّل المُوكِّلُ الوَكيلَ في أنْ يَشترِيَ له شَيئًا ودفَع الوَكيلُ الثَّمنَ مِنْ عِندِه، هَلْ له أنْ يَحبِسَ المَبيعَ إلى أنْ يَقبِضَ الثَّمنَ مِنْ المُوكِّلِ أو لا؟ فَذهَب الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في وَجهٍ ضَعيفٍ عندَهم إلى أنَّ الوَكيلَ بالشِّراءِ إذا دفَع الثَّمنَ مِنْ مالِه وقبَض المَبيعَ لَم يَكُنْ مُتَبَرِّعًا، فله أنْ يَرجِعَ به على المُوكِّلِ؛ لأنَّه انعقَدتْ بينَهما مُبادَلةٌ حُكميَّةٌ: أي: صارَ الوَكيلُ كالبائِعِ مِنْ المُشتَرِي؛ لِثُبوتِ أمارَتِها؛ فَأنَّهما إذا اختَلَفا في مِقدارِ الثَّمنِ يَتحالَفانِ، وإذا وجَد المُوكِّلُ عَيبًا بالمُشترَى يَرُدُّه على الوَكيلِ، وذلك مِنْ خَواصِّ المُبادَلةِ. وإذا كانَ المُوكِّلُ كالمُشتَرِي مِنْ الوَكيلِ، وقَد سلَّمَ له المُشترَى مِنْ جِهَتِه يَرجِعُ عليه. ولأنَّ الحُقوقَ لمَّا كانَت راجِعةً إليه وقَد علِمه المُوكِّلُ يَكونُ راضيًا بدَفعِه مِنْ مالِه، وتَحقيقُه أنَّ التَبرُّعَ إنَّما يَتحقَّقُ إذا كانَ الدَّفعُ بغيرِ إذْنِ المُوكِّلِ، وكانَ الإذْنُ ثابِتًا ههُنا دِلالةً؛ لأنَّ المُوكِّلَ لمَّا علِم أنَّ الحُقوقَ تَرجِعُ إلى الوَكيلِ، ومِن جُملَتِها الدَّفعُ، علِم أنَّه مُطالَبٌ بالدَّفعِ لِقَبضِ المَبيعِ، وكانَ راضيًا بذلك آمِرًا به دِلالةً. وَهَلاكُ المَبيعِ في يَدِ الوَكيلِ قبلَ حَبسِه لا يُسقِطُ الرُّجوعَ؛ لأنَّ يَدَه كَيَدِ

стр. 6363

المُوكِّلِ؛ فإذا لَم يُحبَسْ صارَ المُوكِّلُ قابِضًا بيَدِ الوَكيلِ، فالهَلاكُ في يَدِ الوَكيلِ كالهَلاكِ في يَدِ المُوكِّلِ، فلا يَبطُلُ الرُّجوعُ. وَللوَكيلِ أنْ يَحبِسَه حتى يَستَوفيَ الثَّمنَ، سَواءٌ كانَ نقَد الثَّمنَ أو لَم يَنقُدْهُ؛ لأنَّه بمَنزِلةِ البائِعِ مِنْ المُوكِّلِ، ولِلبائِعِ حَقُّ حَبْسِ المَبيعِ؛ لِقَبضِ الثَّمنِ، وعلى هذا لا فَصلَ بينَ أنْ يَكونَ الوَكيلُ دفَع الثَّمنِ إلى البائِعِ أو لا. فَإنْ حَبَسَه لِاستِيفاءِ الثَّمنِ فهَلكَ كانَ مَضمونًا عليه ضَمانَ الرَّهنِ، عندَ أبي يُوسفَ؛ لأنَّه مَضمونٌ بالحَبسِ لِلِاستِيفاءِ بعدَ أنْ لَم يَكُنْ؛ لأنَّه لَم يَكُنْ مَضمونًا قبلَ الحَبسِ، كما تَقدَّم، وصارَ مَضمونًا بعدَ الحَبسِ، وكلَّ ما هو كَذلك فهو معنَى الرَّهنِ، لا معنَى البَيعِ؛ فإنَّ المَبيعَ مَضمونٌ قبلَ الحَبسِ بالعَقدِ نَفسِه، وهذا لِإثباتِ مُدَّعاه. بِخِلافِ المَبيعِ؛ لأنَّ البَيعَ يَنفَسِخُ بهَلاكِه، وههُنا لا يَنفَسِخُ أصْلُ العَقدِ: أي: الذي بينَ الوَكيلِ وبائِعِه، فيُعتبَرُ الأقَلُّ مِنْ قِيمَتِه ومِن الثَّمنِ؛ فإذا كانَ الثَّمنُ خَمسةَ عَشَرَ مثلًا، وقِيمةُ البَيعِ عَشَرةً، رجَع الوَكيلُ على المُوكِّلِ بخَمسةٍ. وَيَكونُ مَضمونًا ضَمانَ المَبيعِ، عندَ مُحمَّدٍ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ﵀، وعليه الفَتوَى؛ لأنَّه بمَنزِلةِ البائِعِ مِنه، فكانَ حَبسُه لِاستِيفاءِ الثَّمنِ، فيَسقُطُ الثَّمنُ بهَلاكِه، قَليلًا كانَ أو كَثيرًا. وَيَضمَنُ ضَمانَ الغَصبِ عندَ زُفَرَ ﵀؛ لأنَّه مَنْعٌ بغيرِ حَقٍّ، فصارَ غاصِبًا، فَيَجِبُ مِثلُه أو قِيمَتُه، بالِغةً ما بلَغتْ، ولا يَرجِعُ الوَكيلُ

стр. 6364

على المُوكِّلِ إنْ كانَ ثَمَنُه أكثَرَ، ويَرجِعُ المُوكِّلُ على الوَكيلِ إنْ كانَتْ قِيمَتُه أكثَرَ (١). سُئِلَ ابنُ عابِدينَ ﵀: في الوَكيلِ بالشِّراءِ إذا دفَع الثَّمنَ مِنْ مالِه إلى البائِعِ، وأرادَ الرُّجوعَ بنَظيرِه على المُوكِّلِ، فهَل له ذلك؟ الجَوابُ: نَعم، قالَ في الأشباهِ: الوَكيلُ بالشِّراءِ إذا دفَع الثَّمنَ مِنْ مالِه؛ فإنَّه يَرجِعُ على مُوكِّلِه به، إلَّا فيما إذا ادَّعى الدَّفْعَ وصدَّقه المُوكِّلُ وكذَّبه البائِعُ، فلا رُجوعَ، كما في الخانيةِ. اه. وفِي البَزَّازيةِ: وكَّله لِيَشترِيَ له عَبدًا، فقالَ: اشترَيتُه ونَقَدتُه الثَّمنَ، فقالَ المُوكِّلُ: صَدَقتَ، ولكنَّ البائِعَ غائِبٌ، فرُبَّما يَحضُرُ ويُنكِرُ قَبضَه الثَّمنَ، لا يُلتَفَتُ إليه، ويُؤمَرُ بأداءِ الثَّمنِ إلى الوَكيلِ؛ فإذا أنكَرَه البائِعُ بعدَ الحُضورِ وحلَف، يَرجِعُ المُوكِّلُ إلى وَكيلِه بالمُؤَدَّى. اه. ومِثلُه في الخَيريةِ وفي الدُّرَرِ مِنْ الوَكالةِ لِلوَكيلِ بالشِّراءِ الرُّجوعُ بالثَّمنِ على آمِرِه إذا فَعلَ ما أُمِرَ به، سَواءٌ دفَعه، أي: الثَّمنَ إلى بائِعِه، أو لا. اه (٢). وذهَب المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ وزُفَرُ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى أنَّه ليسَ له حَقُّ الحَبسِ.

стр. 6365

قالَ زُفَرُ ﵀: ليسَ له ذلك؛ لأنَّ المُوكِّلَ صارَ قابِضًا بيَدِ الوَكيلِ، فصارَ كَأنَّه سلَّمَه إليه، فيَسقُطُ حَقُّ الحَبسِ، ويَضمَنُ ضَمانَ الغَصبِ؛ لأنَّه مَنْعٌ بغيرِ حَقٍّ، فصارَ غاصِبًا، فيَجِبُ مِثلُه أو قِيمَتُه، بالِغةً ما بلَغتْ، فيَرجِعُ المُوكِّلُ على الوَكيلِ إنْ كانَتْ قِيمَتُه أكثَرَ، ولا يَرجِعُ الوَكيلُ على المُوكِّلِ إنْ كانَ ثَمَنُه أكثَرَ (١). وقالَ الطَّحاويُّ ﵀: في الوَكيلِ يَحبِسُ السِّلعةَ بالثَّمنِ. قالَ أصحابُنا: له أنْ يَحبِسَها بالثَّمنِ؛ فإذا هَلَكَتْ بعدَ الحَبسِ كانَتْ كالرَّهنِ، في قَولِ أبي يُوسفَ وعندَ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ كالمَبيعِ. وقالَ زُفَرُ: لا يَحبِسُها بالثَّمنِ، وإنْ حَبَسَ ضَمِن القِيمةَ كالغَصبِ، وهو قَولُ مالِكٍ (٢). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: متى قبَض وَكِيلُ المُشتَرِي المَبيعَ وغُرِّمَ الثَّمنَ مِنْ مالِه، لَم يَكُنْ له حَبسُ المَبيعِ لِيُغَرِّمَ المُوكِّلَ له. وفي وَجهٍ ضَعيفٍ: له ذلك، بِناءً على أنَّ المِلْكَ يَحصُلُ لِلوَكيلِ، ثم يَنتقِلُ إلى المُوكِّلِ (٣).

стр. 6366

قالَ الماوَرديُّ ﵀: قالَ المُزَنيُّ ﵀: «فَإنْ طَلبَ مِنه الثَّمنَ فمَنعَه مِنه فقَد ضَمِنه، إلَّا في حالٍ لا يُمكِنُه فيها دَفعُهُ». قالَ الماوَرديُّ: وهذا كما قالَ إذا حصَل مَع الوَكيلِ ثَمَنُ ما باعَ لِمُوكِّلِه، فطَلبَه مِنه فمَنعَه، فلا يَخْلو مَنعُه مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا أنْ يَكونَ بعُذرٍ وإمَّا أنْ يَكونَ بغيرِ عُذرٍ. فَإنْ كانَ بِعُذرٍ، كَحُدوثِ مَرَضٍ، أو خَوْفٍ يَمنَعُ مِنْ الوُصولِ إلى مَوضِعِ الثَّمنِ، أو لِحُضورِ فَرضٍ مِنْ جُمُعةٍ أو مَكتوبةٍ قَدْ ضاقَ وَقتُها، أو لِضَياعِ مِفتاحٍ بدِيارِ غيرِه، أو لِمُلازَمةِ غَريمٍ له إلى ما جَرى مَجرَى ذلك، فهذا عُذرٌ في تَأخيرِ الدَّفعِ، ولا ضَمانَ عليه إنْ تَلِفَ قبلَ الدَّفْعِ. وإنْ مَنعَه لِغيرِ عُذرٍ صارَ ضامِنًا له؛ فَإنْ تَلِفَ كانَ عليه غُرْمُه. فَلَو مَنعَه مِنْ دَفعِه حتى يَشهَدَ على نَفْسِه بقَبضِه، فقَدِ اختَلفَ أصحابُنا: هَلْ له ذلك ويَلزَمُ المُوكِّلَ الإشهادُ على نَفْسِه بالقَبضِ أو لا؟ على ثَلاثةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: وهو الصَّحيحُ، أنَّه ليسَ له ذلك، ولا يَلزَمُ المُوكِّلَ الإشهادُ على نَفْسِه بالقَبضِ؛ لأنَّ قولَ الوَكيلِ مَقبولٌ في الدَّفعِ، فعلى هذا يَصيرُ بالمَنعِ ضامِنًا، وعليه الغُرمُ إنْ تَلِفَ. والوَجهُ الثَّاني: له الِامتِناعُ مِنْ الدَّفعِ إلَّا بالإشهادِ، لِيَسْلَمَ مِنْ اليَمينِ مَع الإكذابِ، فعلى هذا لا يَصيرُ بالمَنعِ ضامِنًا، ولا غُرْمَ عليه إنْ تَلِفَ.

стр. 6367

والوَجهُ الثَّالثُ: وهو مَذهبُ مالِكٍ أنَّه إنْ قبَض المالَ بالإشهادِ، لَم يَدفَعْ إلَّا بالإشهادِ. وإنْ قبَض بغيرِ إشهادٍ لَزِمَه الدَّفْعُ بغيرِ إشهادٍ. فأمَّا مَنْ كانَ غيرَ مَقبولِ القَولِ في الدَّفعِ فلا يَلزَمُه الدَّفْعُ إلَّا بالإشهادِ، وسَواءٌ كانَ ضامِنًا كالغاصِبِ والمُستَعيرِ، أو كانَ غيرَ ضامِنٍ كالمُرتَهِنِ. فأمَّا المُضارِبُ والأجيرُ المُشترَكُ، فإنْ قُلْنا بأحَدِ الوَجهَيْنِ إنَّ قوله في الدَّفعِ غيرُ مَقبولٍ، لَم يَلزَمْهمُ الدَّفعُ إلَّا بالإشهادِ، وإنْ قُلْنا بالصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ: إنَّ قولهم في الدَّفعِ مَقبولٌ، ففي وُجوبِ الإشهادِ لهم ثَلاثةُ أوْجُهٍ على ما ذَكَرْنا. فأمَّا إذا مَنعَ الوَكيلُ مُوكِّلَه مِنْ الثَّمنِ مَع القُدرةِ على دَفْعِه لو كانَ باقيًا، وكانَ الثَّمنُ قَدْ هَلكَ قبلَ مَنعِه، وكانَ الوَكيلُ غيرَ عالِمٍ به، ففِي ضَمانِه وَجهانِ: أحَدُهما: وهو قَولُ ابنِ سُرَيجٍ ﵀: أنَّه ضامِنٌ لِمَا يَذهبُ إليه مِنْ أنَّ الوَديعةَ تُضمَنُ باعتِقادِ الِامتِناعِ مِنْ الرَّدِّ. والوَجهُ الآخَرُ: وهو الصَّحيحُ أنَّه لا ضَمانَ عليه لِتَلَفِ ذلك قبلَ وُجودِ السَّبَبِ المُوجِبِ لِلضَّمانِ، واللَّهُ أعلَمُ. مَسألةٌ: قالَ المُزَنِيُّ ﵀: فَإنْ أمكَنَه فمَنعَه ثم جاءَ لِيُوَصِّلَه إليه فتَلِفَ ضَمِنه، ولو قالَ بعدَ ذلك: قَدْ دَفَعتُه إلَيكَ لَم يُقبَلْ مِنهُ. قالَ الماوَرديُّ: وهذا صَحيحٌ إذا مَنعَ الوَكيلَ مِنْ دَفعِ الثَّمنِ إلى مُوكِّلِه مِنْ غيرِ عُذرٍ له في المَنعِ صارَ ضامِنًا. فلَو حَملَه بعدَ ذلك لِيَدفعَه إليه، فتَلِفَ، كانَ عليه غُرْمهُ؛ لأنَّ ما صارَ مَضمونًا لَزِمَ غُرْمُه بالتَّلَفِ، فلَوِ ادَّعى

стр. 6368

بعدَ امتِناعِه مِنْ الدَّفعِ بغيرِ عُذرٍ أنَّه قَدْ دفَع الثَّمنَ إلى مُوكِّلِه لَم يُقبَلْ قَولُه؛ لِتَعلُّقِ الضَّمانِ بذِمَّتِه. فلَو طَلبَ الإشهادَ على مُوكِّلِه بالدَّفعِ لَزِمَه ذلك، فلَو أبرَأَه المُوكِّلُ مِنْ الضَّمانِ؛ فإنْ كانَ بعدَ تَلَفِ الشَّيءِ في يَدِه وتَعلُّقِ الغُرمِ بذِمَّتِه صَحَّتِ البَراءةُ، وإنْ كانَ مَع بَقاءِ الشَّيءِ المَضمونِ في يَدِ الوَكيلِ ففي صِحَّةِ البَراءةِ وَجهانِ: أحَدُهما: تَصحُّ، كالإبراءِ ممَّا تَعلَّق بذِمَّتِه، فعلى هذا إذا ادَّعى رَدَّه بعدَ ذلك قُبِلَ مِنه. والآخَرُ: أنَّ البَراءةَ مِنه لا تَصحُّ؛ لأنَّها عَينٌ مَضمونةٌ، كالغَصبِ، لا يَسقُطُ ضَمانُه بالإبراءِ مِنه، فعلى هذا إنِ ادَّعى رَدَّه لَم يُقبَلْ مِنه، واللَّهُ أعلَمُ (١). تَوكيلُ الوَكيلِ غيرَه: لا يَخلو الوَكيلُ مِنْ حالاتٍ ثَلاثٍ: الأُولَى: أنْ يَأذَنَ له المُوكِّلُ في التَّوكيلِ، فيَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ. الثَّانيةُ: أنْ يَنهاه المُوكِّلُ أنْ يُوكِّلَ غيرَه، فلا يَجوزُ له التَّوكيلُ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ. الثَّالثةُ: أنْ يُطلِقَ له الوَكالةَ، ولَم يَأذَنْ له، ولَم يَنْهَهُ، فاختَلفَ أهلُ العِلمِ في هذا، هَلْ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه أو لا؟

стр. 6369

فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَشهورِ إلى أنَّه لا يَجوزُ له، وفي قَولٍ لِلحَنابِلةِ يَجوزُ على تَفصيلٍ. ونَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه في ثَلاثِ صُورٍ أيضًا، وإنْ لَم يَنُصَّ له على التَّوكيلِ: الصُّورةُ الأُولَى: أنْ يَكونَ العَملُ -مَحَلُّ الوَكالةِ- لا يَليقُ بالوَكيلِ، ويَتَرَفَّعُ الوَكيلُ عن القِيامِ بمِثلِه، كالأعمالِ الدَّنيئةِ في حَقِّ أشرافِ النَّاسِ المُتَرَفِّعينَ عن فِعلِها في العادةِ، كَبَيعِ دَابَّةٍ في سُوقٍ، أو ثَوبٍ، ونحوِ ذلك، فيَجوزُ له في هذه الحالةِ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَتعاطاه عندَ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ في المَذهبِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ التَّفويضَ في مِثلِ هذه الحالةِ إنَّما يُقصَدُ مِنه الِاستِنابةُ؛ لأنَّ العُرفَ قاضٍ بأنَّه لا يُنادِي على ذلك بنَفْسِه في الأسواقِ، وإنَّما يَتوَلَّاه أربابُه مِنْ النَّخَّاسينَ والسَّماسِرةِ، فيَجوزُ له أنْ يَستَنيبَ غيرَه لِلعُرفِ، إلَّا أنَّ المالِكيَّةَ والشَّافِعيَّةَ قَيَّدوا هذا بما إذا عُلِمَ المُوكِّلُ بوَجاهَتِه، أو اشتُهِرَ الوَكيلُ بالوَجاهةِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ حينَئذٍ مَحمولٌ على أنَّه عُلِمَ بها، ولا يُصدَّقُ في دَعواه أنَّه لَم يَعلَمْ، وإنْ لَم يَعلَمِ المُوكِّلُ بوَجاهَتِه، ولا اشتُهِرَ الوَكيلُ بها، فليسَ له التَّوكيلُ، فإنْ وكَّل وتَلِفَ المالُ ضَمِنه؛ لِتَعَدِّيهِ. وفي قَولٍ لِلشَّافِعيةِ: لا يَجوزُ له التَّوكيلُ؛ لِإطلاقِ اللَّفظِ (١).

стр. 6370

الصُّورةُ الثَّانيةُ: ألَّا يُحسِنَ عَملَ ما وُكِّلَ فيه، ولا يَعرِفَ صُنعَه، كَرَجُلٍ وُكِّلَ في نَسْجِ ثَوبٍ وهو لا يُحسِنُ النَّسجَ، أو في صِياغةِ حُلِيٍّ، فيَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ ويَستَنيبَ في عَملِه، ويَكونَ معنَى تَوكيلِه فيه -وهو لا يُحسِنُ الصَّنعةَ- استِنابَتَه في تَوكيلِ مَنْ يُحسِنُها عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ كما سبَق. الصُّورةُ الثَّالثةُ: أنْ يَكونَ العَملُ الذي وُكِّلَ فيه كَثيرًا، لا يَستَطيعُ أنْ يَقومَ به بمُفرَدِه؛ لِعَجزِه، كَرَجُلٍ وُكِّلَ في نَقلِ حُمولةٍ أو في عِمارةِ ضَيعةٍ، فاختَلفَ الفُقهاءُ هَلْ يَجوزُ له التَّوكيلُ مُطلَقًا أو فيما عَجزَ عنه فيه: فَذهَب المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والقاضي مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّه يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ فيه مَنْ يَعمَلُ مَعه ما لَم يُنْهَ عنه صَريحًا؛ لأنَّ الضَّرورةَ دَعَتْ إليه فيما لا يُمكِنُ، بخِلافِ المُمكِنِ. إلَّا أنَّ المالِكيَّةَ قالوا: يُوكِّلُ مَنْ يُشارِكُه في الكَثيرِ الذي وُكِّلَ فيه لِيُعِينَه عليه، لا أنْ يُوكِّلَ غيرَه استِقلالًا (١). وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشَّافِعيَّةُ في قَولٍ إلى جَوازِ التَّوكيلِ في العَملِ كلِّه؛ لأنَّ الوَكالةَ اقتَضَتْ جَوازَ التَّوكيلِ، فصَحَّ التَّوكيلُ في فِعلِ العَملِ كلِّه، كما لو أَذِنَ في التَّوكيلِ بلَفْظِه (٢).

стр. 6371

وقالَ الشَّافِعيَّةُ: ولو وكَّله فيما يُمكِنُه عادةً، ولكنَّه عاجِزٌ عنه لِسَفَرٍ أو مَرَضٍ، قالَ الشِّربينيُّ ﵀: فإنْ كانَ التَّوكيلُ في حالِ عِلمِه بسَفَرِه أو مَرَضِه جازَ له أنْ يُوكِّلَ، وإنْ طَرَأَ العَجزُ فلا، خِلافًا لِلجُوَينيِّ، قالَه في المَطلَبِ، وكطُرُوءِ العَجزِ ما لو جَهِلَ المُوكِّلُ حالَ تَوكيلِه ذلك، كما يُؤخَذُ ممَّا مَرَّ آنِفًا عن الإسنَويِّ (١). وَإلَيكَ تَفصيلَ كلِّ مَذهبٍ على حِدَةٍ: قالَ الحَنفيَّةُ: ليسَ لِلوَكيلِ أنْ يُوكِّلَ غيرَه فيما وُكِّلَ فيهِ؛ لأنَّه فوَّض إليه التَصرُّفَ، دونَ التَّوكيلِ بهِ؛ لأنَّه إنَّما رَضيَ برَأْيِه، والنَّاسُ يَتفاوَتونَ في الآراءِ، فلا يَكونُ راضيًا بغيرِه. إلَّا أنْ يَأذَنَ له المُوكِّلُ بالتَّوكيلِ لِوُجودِ الرِّضا، أو يُفَوِّضَ له بأنْ يَقولَ له: اعمَلْ برَأيِكَ، أوِ اصنَعْ ما شِئتَ، فيَجوزُ؛ لِإطلاقِ التَّفويضِ إلى رَأْيِهِ؛ فإذا أَذِنَ له أو قالَ: اعمَلْ برَأْيِكَ، فقَد فوَّض إليه الأمْرَ مُطلَقًا ورَضيَ بذلك. فَإذا أجازَ له التَّوكيلَ أو قالَ له: اعمَلْ برَأيِكَ، كانَ الوَكيلُ الثَّاني وَكِيلًا عن المُوكِّلِ الأوَل؛ لأنَّه يَعمَلُ له، ولا يَنعزِلُ بعَزلِ الوَكيلِ الأوَل له ولا بمَوتِه، وهو نَظيرُ القاضي إذا استَخلَفَ قاضيًا، ويَنعزِلانِ جَميعًا بمَوتِ المُوكِّلِ الأوَل.

стр. 6372

وفي قَولٍ عندَهم كما في الفَتاوَى: إذا وكَّل رَجُلًا وفوَّض إليه الأمْرَ فوكَّل الوَكيلُ رَجُلًا، صَحَّ تَوكيلُه، وله عَزلُه، أمَّا لو قالَ له المُوكِّلُ: وكِّلْ فُلانًا، فوكَّله الوَكيلُ، لا يَملِكُ عَزلَه إلَّا برِضا المُوكِّلِ الأوَل. وَعلى الأوَل إنْ وكَّل بغيرِ إذْنِ مُوكِّلِه فعقَد وَكيلُه بحَضرةِ الوَكيلِ الأوَل جازَ؛ لأنَّ المَقصودَ حُصولُ رَأْيِ الأوَل، وقَد حصَل رَأْيُه. وقالَ زُفَرُ: لا يَجوزُ؛ لأنَّ التَّوكيلَ ما صَحَّ، فصارَ كما إذا عقَد بغَيبَتِه. وَهَكذا كلُّ عَقدِ مُعاوَضةٍ، وما ليسَ بمُعاوَضةٍ، كالنِّكاحِ والطَّلاقِ والعِتقِ، لا يَجوزُ بإجازَتِه حتى لو وكَّله بالطَّلاقِ أو بالعِتقِ، ولَم يَأذَنْ له، فوكَّل الوَكيلُ غيرَه بذلك، فطَلَّق الوَكيلُ الثَّاني، أو أعتَقَ بحَضرةِ الوَكيلِ الأوَل، لا يَقَعُ الطَّلاقُ والعِتقُ؛ لأنَّ تَوكيلَه لِلأوَل كالشَّرطِ، فكَأنَّه علَّق الطَّلاقَ بتَطليقٍ الأوَل، فلا يَقَعُ بدُونِ الشَّرطِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ والعِتقَ يَتعلَّقانِ بالشَّرطِ، بخِلافِ البَيعِ ونحوِه؛ فإنَّه مِنْ الإثباتاتِ، فلا يَحتَمِلُ التَّعليقَ بالشَّرطِ. وإنْ عقَد بغيرِ حَضرَتِه فأجازَه الوَكيلُ الأوَّلُ جازَ؛ لِنُفوذِه برَأْيِه، إنَّما ذلك في البَيعِ، أمَّا لو اشترَى فالشِّراءُ يُنفَّذُ على الوَكيلِ. وفي «الهِدايةِ»: إذا عقَد في حالِ غَيبَتِه لَم يَجُزْ -وَهو قَولُ زُفَرَ، كما تَقدَّم-؛ لأنَّه فاتَه رَأْيُه، إلَّا أنْ يُبَلِّغَه فيُجيزَه، وكذا لو باعَ غيرُ الوَكيلِ، فأجازَه، جازَ؛ لأنَّه حضَره برَأْيِه (١).

стр. 6373

وقالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ لا يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه مُستَقِلًّا على ما وُكِّلَ فيه بغيرِ رِضا مُوكِّلِه؛ لأنَّه لو أرادَ ذلك لاستَنابَ غيرَه مِنْ غيرِ واسِطةٍ، إلَّا أنْ يُوكِّلَه على بَيعِ شَيءٍ لا يَليقُ به، كالرَّجلِ الشَّريفِ المَعروفِ بالوَجاهةِ بينَ النَّاسِ، يُدفَعُ له الدَّابَّةُ لِيَبيعَها، أو ثَوبٌ، ونَحوُ ذلك؛ لأنَّ العُرفَ قاضٍ بأنَّه لا يُنادِي على ذلك بنَفْسِه في الأسواقِ، وإنَّما يَتوَلَّاه أربابُه مِنْ النَّخَّاسينَ والسَّماسِرةِ فيَجوزُ له أنْ يَستَنيبَ غيرَه لِلعُرفِ، أو يُوكِّلَه على شَيءٍ كَثيرٍ لا يُمكِنُه فِعلُ ذلك بنَفْسِه إلَّا بمَشقَّةٍ، فيَجوزَ له حينَئذٍ أنْ يَستَنيبَ مَنْ يُباشِرُ ذلك مَعه، لا أنْ يُوكِّلَه في جَميعِ ذلك استِقلالًا، بخِلافِ الأوَل، وهذا في الوَكيلِ المَخصوصِ، أمَّا المُفَوَّضُ فلا يُمنَعُ أنْ يُوكِّلَ مُطلَقًا على المَشهورِ. وَبِسَبَبِ كَونِ الوَكيلِ له أنْ يُوكِّلَ في المَوضِعَيْنِ المَذكورَيْنِ لا يَنعزِلُ الوَكيلُ الثَّاني بسَبَبِ عَزلِ الوَكيلِ الأوَل أو مَوتِه أيضًا، كما لو وكَّل وَكيلًا بعدَ وَكيلٍ؛ فإنَّه لا يَنعزِلُ بمَوتِ الآخَرِ، ولا بعَزلِه، ويَنعزِلُ كُلٌّ مِنهُما بمَوتِ المُوكِّلِ الأوَل، ولِلمُوكِّلِ الأوَل عَزلُ كُلٍّ، كما أنَّ لِلوَكيلِ الأوَل عَزلَ وَكِيلِه. وهذا إذا وكَّل بغيرِ إذْنِ المُوكِّلِ، أمَّا بإذْنِه، بأنْ قالَ: وكِّلْ لَكَ، انعزَل الثَّاني بعَزلِ الأوَل، وإنْ قالَ: وكِّلْ لي، فلا يَنعزِلُ الثَّاني بعَزلِ الأوَل؛ إذْ كِلاهُما إذًا وَكِيلٌ لِلمُوكِّلِ (١).

стр. 6374

وقالَ الإمامُ الشَّافِعيُّ ﵀: وإذا وكَّل الرَّجلُ الرَّجلَ بوَكالةٍ فليسَ لِلوَكيلِ أنْ يُوكِّلَ غيرَه، مَرِضَ الوَكيلُ، أو أرادَ الغَيبةَ، أو لَم يُرِدْها؛ لأنَّ المُوكِّلَ له رِضًا بوَكالَتِه، ولَم يَرْضَ بوَكالةِ غيرِه، فإنْ قالَ: وله أنْ يُوكِّلَ مِنْ رَأْيٍ، كانَ ذلك له برِضَا المُوكِّلِ (١). قالَ الماوَرديُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ ما تَضمَّنتْه الوَكالةُ مِنْ العَملِ ضَربانِ: ضَربٌ يُمكِنُه التَّفرُّدُ بعَملِه، وضَربٌ لا يُمكِنُه التَّفرُّدُ بعَملِه. فأمَّا ما لا يُمكِنُه التَّفرُّدُ بعَملِه فكَرَجُلٍ وُكِّلَ في نَقلِ حُمولةٍ، أو في عِمارةِ ضَيعةٍ أو بِناءٍ، فيَجوزُ أنْ يُوكِّلَ فيه مَنْ يَعمَلُ مَعه ما لَم يُنْهَ عنه صَريحًا، ويَكونَ الثَّاني والأوَّلُ وَكيلَيْنِ لِلمُوكِّلِ، لا يَنعزِلُ الثَّاني بعَزلِ الأوَل، وهَكذا لو وُكِّلَ فيما يُمكِنُ الواحِدُ أنْ يَنفَرِدَ به، إلَّا أنَّ الوَكيلَ لا يُحسِنُ عَملَه ولا يَعرِفُ صُنعَه، كَرَجُلٍ وُكِّلَ في نَسْجِ ثَوبٍ، وهو لا يُحسِنُ النَّسجَ، أو في صِياغةِ حُلِيٍّ، فيَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ ويَستَنيبَ في عَملِه، ويَكونَ معنَى تَوكيلِه فيه -وهو لا يُحسِنُ الصَّنعةَ- استِنابَتَه في تَوكيلِ مَنْ يُحسِنُها. وهَكذا لو وُكِّلَ فيما لَم تَجْرِ عادَتُه بفِعلِه، وإنْ كانَ يُحسِنُه، كَرَجُلٍ وُكِّلَ في النِّداءِ على ثَوبٍ، ولَم تَجْرِ عادَتُه بالنِّداءِ، أو وُكِّلَ في غُسلٍ، ولَم تَجْرِ عادَتُه بالغُسلِ، فيَجوزُ له اعتِبارًا بالعُرفِ فيه أنْ يُوكِّلَ فيما وُكِّلَ مَنْ جَرَتْ عادَتُه به.

стр. 6375

وإنْ كانَ ما وُكِّلَ فيه يُمكِنُه التَّفرُّدُ بعَملِه، وكانَتْ عادَتُه جارِيةً بعَملِه كَرَجُلٍ وُكِّلَ في الخُصومةِ، وهو مِنْ أهلِها، أو وُكِّلَ في عَقدِ البَيعِ، وهو ممَّن يَصحُّ مِنه العَقدُ، أو وُكِّلَ في اقتِضاءِ دَيْنٍ أو مُقاسَمةِ خَليطٍ، وهو مِنْ أهلِ القِسمةِ وأصحابِ الِاقتِضاءِ، فلا يَخلو المُوكِّلُ مَعه مِنْ حالاتٍ ثَلاثٍ: الأُولى: أنْ يَنهاه في عَقدِ وَكالَتِه عن تَوكيلِ غيرِه، فلا يَجوزُ له مَع النَّهيِ أنْ يُوكِّلَ غيرَه؛ فَإنْ فَعلَ كانَ تَوكيلُه باطِلًا، وهذا مُتفَقٌ عليه. والحالُ الثَّانيةُ: أنْ يَأذَنَ له في عَقدِ وَكالَتِه في تَوكيلِ غيرِه واستِنابَتِه، فهذا على ضَربَينِ: أحَدُهما: أنْ يَنصِبَه على تَوكيلِ رَجُلٍ بعَينِه، فليسَ لِلوَكيلِ تَوكيلُ غيرِه، وسَواءٌ كانَ مَنْ عيَّن المُوكِّلُ عليه أمينًا عَدلًا، أو كانَ خائِنًا فاسِقًا؛ لأنَّ اختِيارَ المُوكِّلِ واقِعٌ عليه. والضَّربُ الآخَرُ: ألَّا يَنصِبُه على تَوكيلِ رَجُلٍ بعَينِه، وأنْ يَقولَ: قَدْ جَعَلتُ إلَيكَ الخِيارَ، فوكِّلْ مَنْ رَأيتَ، فعلى الوَكيلِ إذا أرادَ التَّوكيلَ أنْ يَختارَ ثِقةً أمينًا كافيًا فيما يُوَكَّلُ فيه، فإنْ وكَّل خائِنًا فاسِقًا لَم يَجُزْ؛ لأنَّه ممَّا لا يُرَى تَوكيلُ مِثلِه، فلَو وكَّل ثِقةً أمينًا صَحَّ تَوكيلُه، فإنْ حَدَثَ فِسقُه وطَرَأتْ خِيانَتُه فهَل يَجوزُ له عَزلُه قبلَ استِئذانِ المُوكِّلِ في عَزلِه أو لا؟ على وَجهَيْنِ: أحَدُهما: ليسَ له عَزلُه إلَّا بتَوكيلِ غيرِه حتى يَستأذِنَ في عَزلِه.
следующие страницы →