← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

وقالَ الشَّافِعيَّةُ: ولو وكَّله فيما يُمكِنُه عادةً، ولكنَّه عاجِزٌ عنه لِسَفَرٍ أو مَرَضٍ، قالَ الشِّربينيُّ ﵀: فإنْ كانَ التَّوكيلُ في حالِ عِلمِه بسَفَرِه أو مَرَضِه جازَ له أنْ يُوكِّلَ، وإنْ طَرَأَ العَجزُ فلا، خِلافًا لِلجُوَينيِّ، قالَه في المَطلَبِ، وكطُرُوءِ العَجزِ ما لو جَهِلَ المُوكِّلُ حالَ تَوكيلِه ذلك، كما يُؤخَذُ ممَّا مَرَّ آنِفًا عن الإسنَويِّ (١). وَإلَيكَ تَفصيلَ كلِّ مَذهبٍ على حِدَةٍ: قالَ الحَنفيَّةُ: ليسَ لِلوَكيلِ أنْ يُوكِّلَ غيرَه فيما وُكِّلَ فيهِ؛ لأنَّه فوَّض إليه التَصرُّفَ، دونَ التَّوكيلِ بهِ؛ لأنَّه إنَّما رَضيَ برَأْيِه، والنَّاسُ يَتفاوَتونَ في الآراءِ، فلا يَكونُ راضيًا بغيرِه. إلَّا أنْ يَأذَنَ له المُوكِّلُ بالتَّوكيلِ لِوُجودِ الرِّضا، أو يُفَوِّضَ له بأنْ يَقولَ له: اعمَلْ برَأيِكَ، أوِ اصنَعْ ما شِئتَ، فيَجوزُ؛ لِإطلاقِ التَّفويضِ إلى رَأْيِهِ؛ فإذا أَذِنَ له أو قالَ: اعمَلْ برَأْيِكَ، فقَد فوَّض إليه الأمْرَ مُطلَقًا ورَضيَ بذلك. فَإذا أجازَ له التَّوكيلَ أو قالَ له: اعمَلْ برَأيِكَ، كانَ الوَكيلُ الثَّاني وَكِيلًا عن المُوكِّلِ الأوَل؛ لأنَّه يَعمَلُ له، ولا يَنعزِلُ بعَزلِ الوَكيلِ الأوَل له ولا بمَوتِه، وهو نَظيرُ القاضي إذا استَخلَفَ قاضيًا، ويَنعزِلانِ جَميعًا بمَوتِ المُوكِّلِ الأوَل.

стр. 6372

وفي قَولٍ عندَهم كما في الفَتاوَى: إذا وكَّل رَجُلًا وفوَّض إليه الأمْرَ فوكَّل الوَكيلُ رَجُلًا، صَحَّ تَوكيلُه، وله عَزلُه، أمَّا لو قالَ له المُوكِّلُ: وكِّلْ فُلانًا، فوكَّله الوَكيلُ، لا يَملِكُ عَزلَه إلَّا برِضا المُوكِّلِ الأوَل. وَعلى الأوَل إنْ وكَّل بغيرِ إذْنِ مُوكِّلِه فعقَد وَكيلُه بحَضرةِ الوَكيلِ الأوَل جازَ؛ لأنَّ المَقصودَ حُصولُ رَأْيِ الأوَل، وقَد حصَل رَأْيُه. وقالَ زُفَرُ: لا يَجوزُ؛ لأنَّ التَّوكيلَ ما صَحَّ، فصارَ كما إذا عقَد بغَيبَتِه. وَهَكذا كلُّ عَقدِ مُعاوَضةٍ، وما ليسَ بمُعاوَضةٍ، كالنِّكاحِ والطَّلاقِ والعِتقِ، لا يَجوزُ بإجازَتِه حتى لو وكَّله بالطَّلاقِ أو بالعِتقِ، ولَم يَأذَنْ له، فوكَّل الوَكيلُ غيرَه بذلك، فطَلَّق الوَكيلُ الثَّاني، أو أعتَقَ بحَضرةِ الوَكيلِ الأوَل، لا يَقَعُ الطَّلاقُ والعِتقُ؛ لأنَّ تَوكيلَه لِلأوَل كالشَّرطِ، فكَأنَّه علَّق الطَّلاقَ بتَطليقٍ الأوَل، فلا يَقَعُ بدُونِ الشَّرطِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ والعِتقَ يَتعلَّقانِ بالشَّرطِ، بخِلافِ البَيعِ ونحوِه؛ فإنَّه مِنْ الإثباتاتِ، فلا يَحتَمِلُ التَّعليقَ بالشَّرطِ. وإنْ عقَد بغيرِ حَضرَتِه فأجازَه الوَكيلُ الأوَّلُ جازَ؛ لِنُفوذِه برَأْيِه، إنَّما ذلك في البَيعِ، أمَّا لو اشترَى فالشِّراءُ يُنفَّذُ على الوَكيلِ. وفي «الهِدايةِ»: إذا عقَد في حالِ غَيبَتِه لَم يَجُزْ -وَهو قَولُ زُفَرَ، كما تَقدَّم-؛ لأنَّه فاتَه رَأْيُه، إلَّا أنْ يُبَلِّغَه فيُجيزَه، وكذا لو باعَ غيرُ الوَكيلِ، فأجازَه، جازَ؛ لأنَّه حضَره برَأْيِه (١).

стр. 6373

وقالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ لا يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه مُستَقِلًّا على ما وُكِّلَ فيه بغيرِ رِضا مُوكِّلِه؛ لأنَّه لو أرادَ ذلك لاستَنابَ غيرَه مِنْ غيرِ واسِطةٍ، إلَّا أنْ يُوكِّلَه على بَيعِ شَيءٍ لا يَليقُ به، كالرَّجلِ الشَّريفِ المَعروفِ بالوَجاهةِ بينَ النَّاسِ، يُدفَعُ له الدَّابَّةُ لِيَبيعَها، أو ثَوبٌ، ونَحوُ ذلك؛ لأنَّ العُرفَ قاضٍ بأنَّه لا يُنادِي على ذلك بنَفْسِه في الأسواقِ، وإنَّما يَتوَلَّاه أربابُه مِنْ النَّخَّاسينَ والسَّماسِرةِ فيَجوزُ له أنْ يَستَنيبَ غيرَه لِلعُرفِ، أو يُوكِّلَه على شَيءٍ كَثيرٍ لا يُمكِنُه فِعلُ ذلك بنَفْسِه إلَّا بمَشقَّةٍ، فيَجوزَ له حينَئذٍ أنْ يَستَنيبَ مَنْ يُباشِرُ ذلك مَعه، لا أنْ يُوكِّلَه في جَميعِ ذلك استِقلالًا، بخِلافِ الأوَل، وهذا في الوَكيلِ المَخصوصِ، أمَّا المُفَوَّضُ فلا يُمنَعُ أنْ يُوكِّلَ مُطلَقًا على المَشهورِ. وَبِسَبَبِ كَونِ الوَكيلِ له أنْ يُوكِّلَ في المَوضِعَيْنِ المَذكورَيْنِ لا يَنعزِلُ الوَكيلُ الثَّاني بسَبَبِ عَزلِ الوَكيلِ الأوَل أو مَوتِه أيضًا، كما لو وكَّل وَكيلًا بعدَ وَكيلٍ؛ فإنَّه لا يَنعزِلُ بمَوتِ الآخَرِ، ولا بعَزلِه، ويَنعزِلُ كُلٌّ مِنهُما بمَوتِ المُوكِّلِ الأوَل، ولِلمُوكِّلِ الأوَل عَزلُ كُلٍّ، كما أنَّ لِلوَكيلِ الأوَل عَزلَ وَكِيلِه. وهذا إذا وكَّل بغيرِ إذْنِ المُوكِّلِ، أمَّا بإذْنِه، بأنْ قالَ: وكِّلْ لَكَ، انعزَل الثَّاني بعَزلِ الأوَل، وإنْ قالَ: وكِّلْ لي، فلا يَنعزِلُ الثَّاني بعَزلِ الأوَل؛ إذْ كِلاهُما إذًا وَكِيلٌ لِلمُوكِّلِ (١).

стр. 6374

وقالَ الإمامُ الشَّافِعيُّ ﵀: وإذا وكَّل الرَّجلُ الرَّجلَ بوَكالةٍ فليسَ لِلوَكيلِ أنْ يُوكِّلَ غيرَه، مَرِضَ الوَكيلُ، أو أرادَ الغَيبةَ، أو لَم يُرِدْها؛ لأنَّ المُوكِّلَ له رِضًا بوَكالَتِه، ولَم يَرْضَ بوَكالةِ غيرِه، فإنْ قالَ: وله أنْ يُوكِّلَ مِنْ رَأْيٍ، كانَ ذلك له برِضَا المُوكِّلِ (١). قالَ الماوَرديُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ ما تَضمَّنتْه الوَكالةُ مِنْ العَملِ ضَربانِ: ضَربٌ يُمكِنُه التَّفرُّدُ بعَملِه، وضَربٌ لا يُمكِنُه التَّفرُّدُ بعَملِه. فأمَّا ما لا يُمكِنُه التَّفرُّدُ بعَملِه فكَرَجُلٍ وُكِّلَ في نَقلِ حُمولةٍ، أو في عِمارةِ ضَيعةٍ أو بِناءٍ، فيَجوزُ أنْ يُوكِّلَ فيه مَنْ يَعمَلُ مَعه ما لَم يُنْهَ عنه صَريحًا، ويَكونَ الثَّاني والأوَّلُ وَكيلَيْنِ لِلمُوكِّلِ، لا يَنعزِلُ الثَّاني بعَزلِ الأوَل، وهَكذا لو وُكِّلَ فيما يُمكِنُ الواحِدُ أنْ يَنفَرِدَ به، إلَّا أنَّ الوَكيلَ لا يُحسِنُ عَملَه ولا يَعرِفُ صُنعَه، كَرَجُلٍ وُكِّلَ في نَسْجِ ثَوبٍ، وهو لا يُحسِنُ النَّسجَ، أو في صِياغةِ حُلِيٍّ، فيَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ ويَستَنيبَ في عَملِه، ويَكونَ معنَى تَوكيلِه فيه -وهو لا يُحسِنُ الصَّنعةَ- استِنابَتَه في تَوكيلِ مَنْ يُحسِنُها. وهَكذا لو وُكِّلَ فيما لَم تَجْرِ عادَتُه بفِعلِه، وإنْ كانَ يُحسِنُه، كَرَجُلٍ وُكِّلَ في النِّداءِ على ثَوبٍ، ولَم تَجْرِ عادَتُه بالنِّداءِ، أو وُكِّلَ في غُسلٍ، ولَم تَجْرِ عادَتُه بالغُسلِ، فيَجوزُ له اعتِبارًا بالعُرفِ فيه أنْ يُوكِّلَ فيما وُكِّلَ مَنْ جَرَتْ عادَتُه به.

стр. 6375

وإنْ كانَ ما وُكِّلَ فيه يُمكِنُه التَّفرُّدُ بعَملِه، وكانَتْ عادَتُه جارِيةً بعَملِه كَرَجُلٍ وُكِّلَ في الخُصومةِ، وهو مِنْ أهلِها، أو وُكِّلَ في عَقدِ البَيعِ، وهو ممَّن يَصحُّ مِنه العَقدُ، أو وُكِّلَ في اقتِضاءِ دَيْنٍ أو مُقاسَمةِ خَليطٍ، وهو مِنْ أهلِ القِسمةِ وأصحابِ الِاقتِضاءِ، فلا يَخلو المُوكِّلُ مَعه مِنْ حالاتٍ ثَلاثٍ: الأُولى: أنْ يَنهاه في عَقدِ وَكالَتِه عن تَوكيلِ غيرِه، فلا يَجوزُ له مَع النَّهيِ أنْ يُوكِّلَ غيرَه؛ فَإنْ فَعلَ كانَ تَوكيلُه باطِلًا، وهذا مُتفَقٌ عليه. والحالُ الثَّانيةُ: أنْ يَأذَنَ له في عَقدِ وَكالَتِه في تَوكيلِ غيرِه واستِنابَتِه، فهذا على ضَربَينِ: أحَدُهما: أنْ يَنصِبَه على تَوكيلِ رَجُلٍ بعَينِه، فليسَ لِلوَكيلِ تَوكيلُ غيرِه، وسَواءٌ كانَ مَنْ عيَّن المُوكِّلُ عليه أمينًا عَدلًا، أو كانَ خائِنًا فاسِقًا؛ لأنَّ اختِيارَ المُوكِّلِ واقِعٌ عليه. والضَّربُ الآخَرُ: ألَّا يَنصِبُه على تَوكيلِ رَجُلٍ بعَينِه، وأنْ يَقولَ: قَدْ جَعَلتُ إلَيكَ الخِيارَ، فوكِّلْ مَنْ رَأيتَ، فعلى الوَكيلِ إذا أرادَ التَّوكيلَ أنْ يَختارَ ثِقةً أمينًا كافيًا فيما يُوَكَّلُ فيه، فإنْ وكَّل خائِنًا فاسِقًا لَم يَجُزْ؛ لأنَّه ممَّا لا يُرَى تَوكيلُ مِثلِه، فلَو وكَّل ثِقةً أمينًا صَحَّ تَوكيلُه، فإنْ حَدَثَ فِسقُه وطَرَأتْ خِيانَتُه فهَل يَجوزُ له عَزلُه قبلَ استِئذانِ المُوكِّلِ في عَزلِه أو لا؟ على وَجهَيْنِ: أحَدُهما: ليسَ له عَزلُه إلَّا بتَوكيلِ غيرِه حتى يَستأذِنَ في عَزلِه.

стр. 6376

والوَجهُ الآخَرُ: يَجوزُ له عَزلُه وإنْ لَم يَستأذِنْ مُوكِّلَه؛ لأنَّ إطلاقَ الإذْنِ يَقتَضي تَوكيلَ ثِقةٍ عَدْلٍ. فَإذا تَقرَّر أنَّ لِلوَكيلِ أنْ يُوكِّلَ إذا أَذِنَ له المُوكِّلُ فلا يَخلو المُوكِّلُ مِنْ حالاتٍ ثَلاثٍ: الأُولى: أنْ يَأذَنَ له أنْ يَكونَ تَوكيلُه عن المُوكِّلِ، فعلى هذا يَكونُ الوَكيلُ الأوَّلُ والثَّاني وَكيلَيْنِ لِلمُوكِّلِ؛ فَإنْ عُزِلَ الأوَّلُ كانَ الثَّاني على وَكالَتِه. والثَّانيةُ: أنْ يَأذَنَ له أنْ يَكونَ تَوكيلُه عن الوَكيلِ، فعلى هذا يَكونُ الوَكيلُ الثَّاني وَكيلًا لِلوَكيلِ الأوَل؛ فَإنْ عزَل المُوكِّلُ الوَكيلَ الأوَّلَ انعزَل الوَكيلُ الثَّاني وبطَلتْ وَكالَتُه. والثَّالثةُ: أنْ يَكونَ إذْنُه في التَّوكيلِ مُطلَقًا مِنْ غيرِ تَصريحٍ، مِنْ غيرِ أنْ يَكونَ عن المُوكِّلِ، أو عن الوَكيلِ، فيُنظَرُ فيه، فلَو كانَ المُوكِّلُ قَدْ عيَّن لِلوَكيلِ مَنْ يُوكِّلُه كانَ الثَّاني المُعيَّنُ وَكيلًا لِلمُوكِّلِ دونَ الوَكيلِ الأوَل؛ لأنَّ في التَّعيينِ تَنبيهًا عليه، وإنْ لَم يُعيِّنْه، ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: أنَّه يَكونُ وَكيلًا لِلمُوكِّلِ، كالوَكيلِ الأوَل، لا يَنعزِلُ بعَزلِ الأوَل؛ لأنَّ جَوازَ تَوكيلِه مُعتبَرٌ بإذْنِه. والوَجهُ الآخَرُ: أنَّه يَكونُ وَكيلًا لِلوَكيلِ دونَ المُوكِّلِ، يَنعزِلُ بعَزلِ الأوَل؛ لأنَّه مُفَوَّضٌ إلى رَأْيِه. فعلى هذا يَنعزِلُ الثَّاني بأحَدِ ثَلاثةِ أُمورٍ: إمَّا

стр. 6377

بعَزلِ الأوَل، وإمَّا بعَزلِ الأوَل له، وإمَّا بعَزلِ المُوكِّلِ له. وعلى الوَجهِ الأوَل لا يَنعزِلُ إلَّا بعَزلِ المُوكِّلِ وَحدَه. وهذا إذا صرَّح المُوكِّلُ لِوَكيلِه بالتَّوكيلِ، فأمَّا إذا عَرَضَ له مِنْ غيرِ تَصريحٍ، كقولِه: قَدْ وَكَّلتُكَ وجَعَلتُ إلَيكَ أنْ تَعمَلَ برَأيِكَ، أو ما صَنَعتَ في ذلك مِنْ شَيءٍ فهو جائِزٌ، فهَل يَكونُ مُطلَقُ التَّفويضِ يَقتَضي جَوازَ التَّوكيلِ أو لا؟ على وَجهَيْنِ، حَكاهُما ابنُ سُرَيجٍ: أحَدُهما: أنَّه يَقتَضيه، ويَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ فيه اعتِبارًا بعُمومِ التَّفويضِ. والوَجهُ الآخَرُ: أنَّه لا يَقتَضيه، فلا يَجوزُ أنْ يُوكِّلَ غيرَه فيهِ؛ لأنَّ ظاهِرَ التَّفويضِ يَنصَرِفُ إلى فِعلِه، لا إلى فِعلِ غيرِه. والحالُ الثَّالثةُ: أنْ تَكونَ الوَكالةُ مُطلَقةً لا يَأذَنُ له ولا يَنهاه عنه، فمَذهبُ الشَّافِعيِّ أنَّه لا يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يُوكِّلَ. وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ لِأمرَيْنِ: أحَدُهما: أنَّه لمَّا أقامَه فيه مَقامَ نَفْسِه جازَ له التَّوكيلُ فيه، كما يَجوزُ لِنَفْسِه. والآخَرُ: أنَّ المَقصودَ بوَكالَتِه حُصولُ العَملِ الذي وُكِّلَ فيه، فلا فَرقَ بينَ أنْ يَتوَلَّاه بنَفْسِه، وبينَ أنْ يَستَعينَ فيه بغيرِه، لِحُصولِ العَملِ في الحالَتَيْنِ لِمُوكِّلِه. وهذا خَطَأٌ مِنْ وَجهَيْنِ: أحَدُهما: أنَّ فِعلَ الوَكيلِ مُقتَصِرٌ على ما تَضمَّنه الإذْنُ مِنْ غيرِ مُجاوَزةٍ في التَّوكيلِ.

стр. 6378

والآخَرُ: أنَّ المُوكِّلَ يَسْكُنُ في عَملِه إلى أمانةِ وَكِيلِه، فلَمْ يَجُزْ أنْ يُوكِّلَ مَنْ لَم يَسْكُنِ المُوكِّلُ إلى أمانَتِه، كالوَديعةِ التي لا يَجوزُ لِلمُوكِّلِ أنْ يُودِعَها عندَ غيرِهِ؛ لأنَّ المالِكَ لَم يَرْضَ إلَّا بأمانَتِه، فأمَّا استِدلالُه بأنَّ هذا أقامَه مَقامَ نَفْسِه فلَعَمْرِي هو كَذلك في فِعلِ ما وُكِّلَ فيه، لا في غيرِه. ألَا تَرَى أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَهَبَ، ولا أنْ يُبْرِئَ، وإنْ كانَ لِلمُوكِّلِ أنْ يَهَبَ ويُبْرِئَ؛ لأنَّه لَم يَأذَنْ له فيه؟ فكَذلك في التَّوكيلِ. وأمَّا الجَوابُ عن قَولهم بأنَّ الغَرَضَ حُصولُ العَملِ، فهو كَذلك، لكنْ قَدْ خصَّه وارتَضَى أمانَتَه، كَمَنِ استأجَرَ أجيرًا بعَينِه لِعَمَلٍ لَم يَكُنْ له أنْ يَستأجِرَ غيرَه في عَملِه؛ لأنَّ قَصدَ المُستأجِرِ إنَّما هو حُصولُ العَملِ مِنْ جِهةِ الأجيرِ، وفِعلُه لا يُفعَلُ غيرُه، كَذلك ههُنا (١). وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وليسَ لِلوَكيلِ أنْ يُوكِّلَ فيما وُكِّلَ فيه إلَّا أنْ يُجعَلَ ذلك إليه. ولا يَخلو التَّوكيلُ مِنْ حالاتٍ ثَلاثٍ: الأُولى: أنْ يَنهَى المُوكِّلُ وَكيلَه عن التَّوكيلِ، فلا يَجوزُ له ذلك بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ ما نَهاه عنه غيرُ دَاخِلٍ في إذْنِه، فلَمْ يَجُزْ، كما لو لَم يُوكِّلْه.

стр. 6379

الثَّانيةُ: أَذِنَ له في التَّوكيلِ، فيَجوزُ له ذلك؛ لأنَّه عَقدٌ أُذِنَ له فيه، فكانَ له فِعلُه، كالتَصرُّفِ المَأْذونِ فيه، ولا نَعلَمُ في هذه خِلافًا، وإنْ قالَ له: وَكَّلتُكَ فاصنَعْ ما شِئتَ، فله أنْ يُوكِّلَ، وقالَ أصحابُ الشَّافِعيِّ: ليسَ له التَّوكيلُ في أحَدِ الوَجهَيْنِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ يَقتَضي تَصرُّفًا يَتوَلَّاه بنَفْسِه، وقَولُه: اصنَعْ ما شِئتَ، يَرجِعُ إلى ما يَقتَضيه التَّوكيلُ مِنْ تَصرُّفِه بنَفْسِه. ولَنا: أنَّ لَفَظَه عامٌّ فيما شاءَ، فيَدخُلُ في عُمومِه كالتَّوكيلِ. الثَّالثةُ: أطلَقَ الوَكالةَ، فلا يَخلو مِنْ أقسامٍ ثَلاثةٍ: أحَدُها: أنْ يَكونَ العَملُ ممَّا يَرتَفِعُ الوَكيلُ عن مِثلِه، كالأعمالِ الدَّنيَّةِ في حَقِّ أشرافِ النَّاسِ المُتَرَفِّعينَ عن فِعلِها في العادةِ، أو يَعجِزُ عن عَملِه لِكَونِه لا يُحسِنُه، أو غيرِ ذلك؛ فإنَّه يَجوزُ له التَّوكيلُ فيهِ؛ لأنَّه إذا كانَ ممَّا لا يَعلَمُه الوَكيلُ عادةً انصَرَفَ الإذْنُ إلى ما جَرَتْ به العادةُ مِنْ الِاستِنابةِ فيه. القِسمُ الثَّاني: أنْ يَكونَ ممَّا يَعمَلُه بنَفْسِه إلَّا أنَّه يَعجِزُ عن عَملِه كلِّه، لِكَثرَتِه وانتِشارِه، فيَجوزُ له التَّوكيلُ في عَملِه أيضًا؛ لأنَّ الوَكالةَ اقتَضَتْ جَوازَ التَّوكيلِ، فجازَ التَّوكيلُ في فِعلِ جَميعِه، كما لو كانَ إذْنُ التَّوكيلِ بلَفظِه. وقالَ القاضي ﵀: عِندي أنَّه إنَّما له التَّوكيلُ فيما زادَ على ما يَتمَكَّنُ مِنْ عَملِه بنَفسِهِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ إنَّما جازَ لِلحاجةِ، فاختَصَّ بما دَعَتْ إليه الحاجةُ، بخِلافِ وُجودِ إذْنِه؛ فإنَّه مُطلَقٌ، ولِأصحابِ الشَّافِعيِّ وَجهانِ كَهَذَيْنِ.

стр. 6380

القِسمُ الثَّالثُ: ما عَدَا هَذَيْنِ القِسمَيْنِ: وهو ما يُمكِنُه عَملُه بنَفْسِه ولا يَترَفَّعُ عنه، فهَل يَجوزُ له التَّوكيلُ فيه؟ على رِوايَتَيْنِ: إحدَاهُما: لا يَجوزُ، نقَلها ابنُ مَنصورٍ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ، وأبي يُوسفَ والشَّافِعيِّ؛ لأنَّه لَم يَأذَنْ له في التَّوكيلِ، ولا تَضمَّنه إذْنُه، فلَمْ يَجُزْ، كما لو نَهاه، ولأنَّه استِئمانٌ فيما يُمكِنُه النُّهوضُ فيه، فلَمْ يَكُنْ له أنْ يُوَليَه لمَن لَم يَأمَنْه عليه، كالوَدِيعةِ. والأُخرَى: يَجوزُ، نقَلها حَنبَلٌ، وبِه قالَ ابنُ أبي لَيلَى، إذا مَرِضَ أو غابَ؛ لأنَّ الوَكيلَ له أنْ يَتصرَّفَ بنَفسِه، فمِلْكُه نِيابةٌ، كالمالِكِ والرَّأْيُ الأوَّلُ أوْلَى، ولا يُشبِهُ الوَكيلَ المالِكَ؛ فإنَّ المالِكَ يَتصرَّفُ بنَفْسِه في مِلْكِه كَيفَ شاءَ، بخِلافِ الوَكيلِ. فَصلٌ: وَكُلُّ وَكيلٍ جازَ له التَّوكيلُ ليسَ له أنْ يُوكِّلَ إلَّا أمينًا؛ لأنَّه نَظَرٌ لِلمُوكِّلِ في تَوكيلِ مَنْ ليسَ بأمِينٍ، فيُقيَّدُ جَوازُ التَّوكيلِ بما فيه الحَظُّ والنَّظرُ، كما أنَّ الإذْنَ في البَيعِ يَتقيَّدُ بالبَيعِ بثَمَنِ المِثلِ، إلَّا أنْ يُعيِّنَ له المُوكِّلُ مَنْ يُوكِّلُه، فيَجوزُ تَوكيلُه، وإنْ لَم يَكُنْ أمينًا؛ لأنَّه قطَع نظَره بتَعيينِه، وإنْ وكَّل أمِينًا وصارَ خائِنًا فعليه عَزلُهُ؛ لأنَّ تَرْكَه يَتصرَّفُ مَع الخِيانةِ تَضييعٌ وتَفريطٌ، والوَكالةُ تَقتَضي استِئمانَ أمينٍ، وهذا ليسَ بأمينٍ، فوجَب عَزلُه. فَصلٌ: والحُكم في الوَصِيِّ يُوكِّلُ فيما أُوصِيَ به إليه، وفي الحاكِمِ يُوَلَّى

стр. 6381

القَضاءَ في ناحيةٍ يَستَنيبُ غيرَه، حُكمُ الوَكيلِ فيما ذَكَرْنا مِنْ التَّفصيلِ (١). وَسُئِلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عن جَماعةٍ دَلَّالِينَ مُشتَرِكينَ في بَيعِ السِّلَعِ، هَلْ يَقدَحُ ذلك في دِينِهم؟ وهَل لِوَليِّ الأمْرِ -أعَزَّه اللَّهُ- مَنعُهم مِنْ غيرِ أنْ يَظهَرَ عليهم غِشٌّ أو تَدلِيسٌ. فَأجابَ: الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ، أمَّا إذا كانَ التَّاجِرُ الذي يُسلِّمُ مالَه إلى الدَّلالِ قَدْ علِم أنَّه يُسلِّمُه إلى غيرِه مِنْ الدَّلَّالِينَ، ورَضيَ بذلك، لَم يَكُنْ بذلك بَأْسٌ، بلا رَيبٍ؛ فإنَّ الدَّلالَ وَكيلُ التَّاجِرِ، ولأنَّ الوَكيلَ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه، كالمُوكِّلِ باتِّفاقِ العُلماءِ. وَإنَّما تَنازَعوا في جَوازِ تَوكيلِه بلا إذْنِ المُوكِّلِ على قولَيْنِ مَشهورَيْنِ لِلعُلماءِ (٢). وَممَّا يُستَدَلُّ به على جَوازِ تَوكيلِ الوَكيلِ ما رَواه مُسلِمٌ عن حُضَيْنِ بنِ المُنذِرِ، أبِي ساسانَ قالَ: شَهِدتُ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ وأُتيَ بالوَليدِ قَدْ صَلَّى الصُّبحَ رَكعَتَيْنِ، ثم قالَ: أزيدُكم؟ فشهِد عليه رَجُلانِ، أحَدُهما حُمرانُ، أنَّه شَرِبَ الخَمرَ، وشهِد آخَرُ أنَّه رَآه يَتقيَّأُ، فقالَ عُثمانُ: إنَّه لَم يَتقيَّأْ حتى شَرِبَها. فقالَ: يا عَلِيُّ قُمْ فاجْلِدْه. فقالَ عَلِيٌّ: قُمْ يا حَسَنُ فاجْلِدْه. فقالَ الحَسَنُ: وَل حارَّها مَنْ تَوَلَّى قارَّها، فكَأنَّه وجَد عليه، فقالَ: يا عَبدَ اللَّهِ بنَ

стр. 6382

جَعفَرٍ، قُمْ فاجْلِدْه. فجَلَدَه وعَلِيٌّ يَعُدُّ، حتى بلَغ أربَعينَ، فقالَ: أمسِكْ. ثم قالَ: جَلَدَ النَّبيُّ ﷺ أربَعينَ، وجَلَدَ أبو بَكرٍ أربَعينَ، وعُمَرُ ثَمانينَ، وكُلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أحَبُّ إليَّ (١). تَعَدُّدُ الوُكَلاءِ: لا خِلافَ بَينِ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَجوزُ لِلمُوكِّلِ أنْ يُوكِّلَ أكثَرَ مِنْ وَكيلٍ في تَصرُّفٍ مُعيَّنٍ في الجُملةِ، عَدا الخُصومةَ؛ فأنَّهم اختَلَفوا فيها، كما تَقدَّم في حُكمِ التَّوكيلِ في الخُصومةِ. إلَّا أنَّ الفُقهاءَ قَسَّموا حالَ الوُكَلاءِ المُتعَدِّدينَ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ: الأوَّلُ: أنْ يُوكِّلَ الوَكيلُ أكثَرَ مِنْ واحِدٍ على التَّعاقُبِ، فيَجوزُ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ لكلٍّ مِنهم الانفِرادُ بالتَصرُّفِ؛ لأنَّه رَضيَ برَأْيِ كلِّ واحِدٍ مِنهم على الِانفِرادِ وَقتَ تَوكيلِه؛ فلا يَتغيَّرُ بعدَ ذلك. الثَّاني: أنْ يُوكِّلَ أكثَرَ مِنْ وَكيلٍ بلَفظٍ واحِدٍ، وأمَرَهم ألَّا يَتصرَّفَ أحَدُهم إلَّا بإذْنِ الآخَرينَ، فلا يَصحُّ تَصرُّفُ أحَدِهم بمُفرَدِه؛ لِنَهْيِه عن ذلك. الثَّالثُ: أنْ يُوكِّلَ أكثَرَ مِنْ وَكيلٍ في لَفظٍ واحِدٍ، فاختَلَفوا: هَلْ لا بدَّ مِنْ اتِّحادِ الوُكَلاءِ واتِّفاقِهم على التَصرُّفِ أو يَجوزُ لِأحَدِهم الِاستِبدادُ بالتَصرُّفِ وَحدَه إذا لَم يَأذَنِ المُوكِّلُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم بالتَصرُّفِ؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ:

стр. 6383

فَقالَ الحَنفيَّةُ: إذا وَكَّل وَكيلَيْنِ، فإنْ كانَ ذلك بكَلامَيْنِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَنفَرِدَ بالتَصرُّفِ؛ لأنَّه رَضيَ برَأْيِ كلِّ واحِدٍ مِنهُما على الِانفِرادِ حيثُ وكَّلهُما مُتَعاقِبَيْنِ. وإنْ كانَ بكَلامٍ واحِدٍ فليسَ لِأحَدِهِما أنْ يَتصرَّفَ فيما وُكِّلَا به دونَ الآخَرِ، ولو فَعلَ لَم يَجُزْ حتى يُجيزَ صاحِبُه أو المُوكِّلُ، إنْ كانَ التَصرُّفُ ممَّا يُحتاجُ فيه إلى الرَّأْيِ، كالبَيعِ والخُلعِ، وغيرِ ذلك، إذا قالَ: وَكَّلتُكُما ببَيعِ كذا، أو بخَلعِ كذا؛ لأنَّ المُوكِّلَ رَضيَ برَأْيِهما، لا برَأْيِ أحَدِهِما، ولو ماتَ أحَدُهما، أو ذهَب عَقلُه، ليسَ لِلآخَرِ أنْ يَتصرَّفَ، وسَواءٌ كانَ الثَّمنُ مُسَمًّى أو لَم يَكُنْ، وسَواءٌ كانَ الوَكيلُ الآخَرُ حاضِرًا أو غائِبًا. وكَذلك الوَكيلانِ بالنِّكاحِ والطَّلاقِ على مالٍ، والعِتقِ على مالٍ، والخُلعِ والكِتابةِ، وكُلُّ عَقدٍ فيه بَدَلٌ هو مالٌ؛ لأنَّ كلَّ ذلك يَحتاجُ إلى الرَّأْيِ ولَم يُرْضَ برَأْيِ أحَدِهِما دونَ الآخَرِ. كذا ما خرَج مَخرَجَ التَّمليكِ، بأنْ قالَ لِرَجُلَيْنِ: جَعَلتُ أمْرَ امرَأتي بيَدَيْكُما، أو قالَ لهما: طَلِّقا امرَأتي إنْ شِئتُما، لا يَنفَرِدُ أحَدُهما بالتَّطليقِ؛ لأنَّه جعَل أمْرَ اليَدِ تَمليكًا، ألَا تَرَى أنَّه يَقِفُ على المَجلِسِ؟ والتَّمليكاتُ هي التي تَختَصُّ بالمَجلِسِ، والتَّمليكُ على هذا الوَجْهِ مَشروطٌ بالمَشيئةِ، كَأنَّه قالَ: طَلِّقا امرَأتي إنْ شِئتُما، وهُناكَ لا يَملِكُ أحَدُهما التَّطليقَ دونَ صاحِبِهِ؛ لأنَّ المُعلَّقَ بشَرطَيْنِ لا يَنْزِلُ إلَّا عندَ وُجودِهِما، فكذا هذا. وكذا الوَكيلانِ بقَبضِ الدَّيْنِ، لا يَملِكُ أحَدُهما أنْ يَقبِضَ دونَ صاحِبِهِ؛

стр. 6384

لأنَّ قَبضَ الدَّيْنِ ممَّا يَحتاجُ إلى الرَّأْيِ والأمانةِ، وقَد فوَّض الرَّأْيَ إليهما جَميعًا، لا إلى أحَدِهِما، ورَضيَ بأمانَتِهما جَميعًا، لا بأمانةِ أحَدِهِما؛ فَإنْ قبَض أحَدُهما لَم يُبْرِئْه الغَريمُ حتى يَصِلَ ما قَبَضَه إلى صاحِبِه، فيَقَعَ في يَدَيْهِما جَميعًا، أو يَصِلَ إلى المُوكِّلِ؛ لأنَّه لمَّا وَصَلَ المَقبوضُ إلى صاحِبِه، أو إلى المُوكِّلِ فقَد حصَل المَقصودُ بالقَبضِ فصارَ كَأنَّهما قَبَضاه جَميعًا ابتِداءً. وأمَّا الوَكيلانِ بالطَّلاقِ على غيرِ مالٍ، والعِتقِ على غيرِ مالٍ، والوَكيلانِ بتَسليمِ الهِبةِ، وقَضاءِ الدَّيْنِ، ورَدِّ الوَديعةِ والعارِيةِ والغَصبِ، فيَنفَرِدُ أحَدُهما بالتَصرُّفِ فيما وُكِّلَا بهِ؛ لأنَّ هذه التَصرُّفاتِ ممَّا لا تَحتاجُ إلى الرَّأْيِ، فكانَتْ إضافةُ التَّوكيلِ إليهما تَفويضًا لِلتَصرُّفِ إلى كلِّ واحِدٍ مِنهُما بانفِرادِه. وأمَّا الوَكيلانِ بالخُصومةِ، فكلُّ واحِدٍ مِنهُما يَتصرَّفُ بانفِرادِه عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ؛ لأنَّ الغَرَضَ مِنْ الخُصومةِ إعلامُ القاضي بما يَملِكُه المُخاصِمُ، واستِماعُه واجتِماعُ الوَكيلَيْنِ على ذلك يُخِلُّ بالإعلامِ والِاستِماعِ؛ لأنَّ ازدِحامَ الكَلامِ يُخِلُّ بالفَهْمِ، فكانَتْ إضافةُ التَّوكيلِ إليهما تَفويضًا لِلخُصومةِ إلى كلِّ واحِدٍ مِنهُما، فأيُّهما خاصَمَ كانَ تَمثيلًا، إلَّا أنَّه لا يَملِكُ أحَدُهما القَبضَ دونَ صاحِبِه، وإنْ كانَ الوَكيلُ بالخُصومةِ يَملِكُ القَبضَ؛ لأنَّ اجتِماعَهُما على القَبضِ مُمكِنٌ، فلا يَكونُ راضيًا بقَبضِ أحَدِهِما بانفِرادِه (١).

стр. 6385

وقالَ المالِكيَّةُ: المُوكِّلُ إذا وكَّل اثنَيْنِ فأكثَرَ على شَيءٍ، إمَّا أنْ يُوكِّلَهُما معًا في آنٍ واحِدٍ، فلا يَجوزَ لِأحَدِهِما الِاستِبدادُ بالتَصرُّفِ إلَّا إذا شرَط لهما المُوكِّلُ الِاستِبدادَ. وأمَّا أنْ يُوكِّلَهُما على التَّعاقُبِ، فيَجوزَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْ الوَكيلَيْنِ على مالٍ مِنْ بَيعٍ أو شِراءٍ أو اقتِضاءِ دَيْنٍ ونحوِه، كَطَلاقٍ وعِتقٍ وإبراءٍ وهِبةٍ ووَقْفٍ -غيرِ الخُصومةِ، كما تَقدَّم مُفَصَّلًا- الِاستِبدادُ والتَصرُّفُ بما يَفعَلُه دونَ الآخَرِ، وسَواءٌ علِم الثَّاني بالأوَل أو لا، إلَّا لِشَرطٍ مِنْ المُوكِّلِ ألَّا يَستَبِدَّ، فليسَ له استِقلالٌ بالتَصرُّفِ، ولا بدَّ مِنْ مُشاوَرةِ الآخَرِ، كما إذا وُكِّلَا في آنٍ واحِدٍ. وأمَّا الوَصِيَّانِ فلا يَستَقِلُّ أحَدُهما بالتَصرُّفِ، ولو تَرَتَّبَا؛ لأنَّ الإيصاءَ إنَّما يَكونُ عندَ المَوتِ، فلَا أثَرَ لِلتَّرتيبِ الواقِعِ قبلَه، ولِتَعَذُّرِ النَّظرِ مِنْ المُوصَى في الرَّدِّ دونَ المُوكِّلِ، إنْ ظهَر مِنه على أمْرِ عزَله (١). وأمَّا الشَّافِعيَّةُ؛ فقالَ العِمرانيُّ ﵀: وإنْ وكَّل وَكيلَيْنِ في تَصرُّفٍ، كالبَيعِ، والإجارةِ، وما أشبَهَهُما، نُظرتْ:

стр. 6386

فَإنْ صرَّح بأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما التَصرُّفَ على الِانفِرادِ، كانَ لهما التَصرُّفُ بالِاجتِماعِ والِانفِرادِ؛ لأنَّه قَدْ أَذِنَ لهما بذلك. وإنْ قالَ: وَكَّلتُكُما على الِاجتِماعِ، أو وَكَّلتُكُما في كذا، أو أطلَقَ، لَم يَكُنْ لِأحَدِهِما أنْ يَنفَرِدَ بالتَصرُّفِ؛ لأنَّه لَم يَرْضَ بنَظَرٍ واحِدٍ مِنهُما، فإنْ غابَ أحَدُهما أو ماتَ، لَم يَكُنْ لِلحاكِمِ أنْ يُقيمَ آخَرَ مَقامَ الآخَرِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ لَم يَرْضَ بنَظَرِ غيرِه. وإنْ حضَر أحَدُ الوَكيلَيْنِ عندَ الحاكِمِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعى الحاضِرُ الوَكالةَ له ولِلغائِبِ، وأقامَ على ذلك بيِّنةً قالَ ابنُ الصَّبَّاغِ: سمِعها الحاكِمُ، وحَكَمَ بثُبوتِ الوَكالةِ لهما، ولَم يَكُنْ لِلحاضِرِ أنْ يَتصرَّفَ حتى يَحضُرَ الغائِبُ؛ فإذا حضَر الغائِبُ لَم يَحتَجْ إلى إعادةِ البيِّنةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ قَدْ سمِعها، فإنْ قيلَ: هذا حُكمٌ لِلغائِبِ، قُلْنا: إنَّما جازَ ذلك تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يَجوزُ أنْ يُحكَمَ في الوَقفِ لِأهلِ البَطنِ الثَّاني تَبَعًا لِأهلِ البَطنِ الأوَل. وإنْ وكَّلهما في حِفظِ مالِه، فإنْ كانَ ممَّا لا يَنقَسِمُ، جَعَلاه في حِرزٍ لهما، وإنْ كانَ ممَّا يَنقَسِمُ فهَل لهما أنْ يُقَسِّماهُ؟ فيه وَجهانِ، وقَد مَضَى ذلك في الرَّهنِ. وإنْ وكَّل اثنَيْنِ في طَلاقِ امرَأتِه على الِاجتِماعِ لَم يَكُنْ لِأحَدِهِما أنْ يَنفَرِدَ به. وقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: لِأحَدِهما أنْ يَنفَرِدَ به.

стр. 6387

دَليلُنا: أنَّه تَصرُّفٌ فوَّضه إلى اثنَيْنِ، فلَمْ يَكُنْ لِأحَدِهِما أنْ يَنفَرِدَ به، كالبَيعِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إذا وَكَّل شَخصٌ اثنَيْنِ، واحِدًا بعدَ آخَرَ، ولَم يُصَرِّحْ بعَزلِ الأوَل، أو وكَّلهما معًا لَم يَجُزْ لِأحَدِهِما الِانفِرادُ بالتَصرُّفِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ لَم يُفَوِّضْه إليه وَحدَه، وكذا النَّاظِرانِ والوَصِيَّانِ. وقيلَ: لا يَجوزُ لِأحَدِهِما الِانفِرادُ بالتَصرُّفِ إلَّا في الخُصومةِ، قالَ المِرداوِيُّ: وهو الصَّوابُ (٢). وإنْ جعَل لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما الِانفِرادَ بالتَصرُّفِ، فلكلٍّ مِنهُما الِانفِرادُ، أو جعَله لِواحِدٍ بعَينِه مِنهُما، يَكونُ له الِانفِرادُ به. وإنْ غابَ أحَدُ الوَكيلَيْنِ ولَم يَكُنِ المُوكِّلُ جعَل لكلٍّ مِنهُما الِانفِرادَ لَم يَكُنْ لِلآخَرِ الحاضِرِ أنْ يَتصرَّفَ في غَيبةِ رَفيقِه، وليسَ لِلحاكِمِ ضَمُّ أمينٍ إليه لِيَتصرَّفا معًا، وفارَقَ ما لو ماتَ أحَدُ الوَصِيَّينِ، حيثُ يُضيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِيِّ أمينًا لِيَتصرَّفَ؛ لِكَونِ الحاكِمِ له النَّظرُ؛ فإنَّ له النَّظرَ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتيمِ، ولِهذا لو لَم يُوصِ إلى أحَدٍ أقامَ الحاكِمُ أمينًا في النَّظرِ لِليَتيمِ، بخِلافِ المُوكِّلِ؛ فإنَّه رَشيدٌ جائِزُ التَصرُّفِ، لا وِلايةَ لِلحاكِمِ عليه.

стр. 6388

وإنْ حضَر عندَ الحاكِمِ أحَدُ الوَكيلَيْنِ والوَكيلُ الآخَرُ غائِبٌ عن البَلَدِ أوِ المَجلِسِ، فادَّعى الوَكيلُ الحاضِرُ الوَكالةَ له ولِرَفيقِه الغائِبِ، أقامَ بيِّنةً بدَعْواه سمِعها الحاكِمُ وحَكَمَ بثُبوتِ الوَكالةِ لهما، ولَم يَملِكِ الحاضِرُ التَصرُّفَ وَحدَه؛ لِمَا تَقدَّم؛ فإذا حضَر الوَكيلُ الآخَرُ تصرَّفَا معًا، ولا يَحتاجُ إلى إقامةِ بيِّنةٍ، وجازَ الحُكمُ المُتقدِّمُ لِلغائِبِ، تَبَعًا لِلحاضِرِ، كما يَجوزُ أنْ يَحكُمَ بالوَقفِ الذي ثَبَتَ لمَن لَم يُخلَقْ لِأجْلِ مَنْ يَستحقُّه في الحالِ، وإنْ جَحَدَ الغائِبُ الوَكالةَ أو عزَل نَفْسَه لَم يَكُنْ لِلآخَرِ أنْ يَتصرَّفَ؛ لأنَّ المُوكِّلَ لَم يَرضَ تَصرُّفَ أحَدِهِما مُنفَرِدًا، بدَليلِ إضافةِ الغيرِ إليه، كما سبَق (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا وكَّل وَكيلَيْنِ في تَصرُّفٍ، وجعَل لِكُلِّ واحِدٍ الِانفِرادَ بالتَصرُّفِ فله ذلك؛ لأنَّه مَأْذونٌ له فيه؛ فَإنْ لَم يُجعَلْ له ذلك فليسَ لِأحَدِهِما الِانفِرادُ بهِ؛ لأنَّه لَم يَأذَنْ له في ذلك، وإنَّما يَجوزُ له ما أَذِنَ فيه مُوكِّلُه، وبِهذا قالَ الشَّافِعيُّ وأصحابُ الرَّأْيِ: وإنْ وكَّلهما في حِفظِ مالِه حَفِظاه معًا في حِرزٍ لهما؛ لأنَّ قوله: افعَلَا كذا يَقتَضي اجتِماعَهما على فِعلِه، وهو ممَّا يُمكِنُ، فتَعلَّق بهِما، وفارَقَ هذا قوله: بِعتُكُما، حيثُ كانَ مُنقَسِمًا بينَهما؛ لأنَّه لا يُمكِنُ كَونُ المِلْكِ لهما على الِاجتِماعِ، فانقَسَمَ بينَهما. فَإنْ غابَ أحَدُ الوَكيلَيْنِ لَم يَكُنْ لِلآخَرِ أنْ يَتصرَّفَ، ولا لِلحاكِمِ ضَمُّ

стр. 6389

أمينٍ إليه لِيَتصرَّفَا؛ لأنَّ المُوكِّلَ رَشيدٌ جائِزُ التَصرُّفِ لا وِلايةَ لِلحاكِمِ عليه، فلا يَضُمُّ الحاكِمُ وَكيلًا له بغيرِ أمْرِه، وفارَقَ ما لو ماتَ أحَدُ الوَصِيَّينِ، حيثُ يُضيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِيِّ أمِينًا لِيَتصرَّفَ؛ لِكَونِ الحاكِمِ له النَّظرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتيمِ. وَلهذا لو لَم يُوصِ إلى أحَدٍ أقامَ الحاكِمُ أمينًا في النَّظرِ لِليَتيمِ. وإنْ حضَر عندَ الحاكِمِ أحَدُ الوَكيلَيْنِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعى الوَكالةَ لهما، وأقامَ بيِّنةً سمِعها الحاكِمُ وحَكَمَ بثُبوتِ الوَكالةِ لهما، ولَم يَملِكِ الحاضِرُ التَصرُّفَ وَحدَهُ؛ فإذا حضَر الآخَرُ تصرَّفَا معًا، ولا يَحتاجُ إلى إعادةِ البيِّنةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سمِعها لهما مَرَّةً. فَإنْ قيلَ: هذا حُكمٌ لِلغائِبِ، قُلنا: يَجوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يَجوزُ أنْ يَحكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثبُتُ لمَن لَم يُخلَقْ لِأجْلِ مَنْ يَستحقُّه في الحالِ، كذا ههُنا. وإنْ جَحَدَ الغائِبُ الوَكالةَ، أو عزَل نَفْسَه لَم يَكُنْ لِلآخَرِ أنْ يَتصرَّفَ، وبِما ذَكَرْناه، قالَ أبو حَنيفةَ والشَّافِعيُّ: ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا، وجَميعُ التَصرُّفاتِ في هذا سَواءٌ. وقالَ أبو حَنيفةَ: إذا وكَّلهُما في خُصومةٍ فلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما الِانفِرادُ بها. ولَنا: أنَّه لَم يَرْضَ بتَصرُّفِ أحَدِهما، أشبَهَ البَيعَ والشِّراءَ (١).

стр. 6390

فصل في يَدِ الوَكيلِ واختِلافِ الوَكيلِ والمُوكِّلِ يَدُ الوَكيلِ يَدُ أمانةٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ يَدَ الوَكيلِ يَدُ أمانةٍ، لا يَضمَنُ ما في يَدِه، أو ما وُكِّلَ في بَيعِه أو شِرائِه، إلَّا إذا تَعدَّى بأنْ فَعلَ ما لا يَجوزُ له فِعلُه، أو فرَّط بأنَّ تَرْكَ ما يَنبَغي عليه فِعلُه، وذلك لِأمرَيْنِ: أحَدُهما: أنَّ المُوكِّلَ قَدْ أقامَه فيه مَقامَ نَفْسِه، وهو لا يَلتزِمُ ضَمانَ ما بيَدِه، فكَذلك الوَكيلُ الذي هو بمَثابَتِه. والآخَرُ: أنَّ الوَكالةَ عَقدُ إرفاقٍ ومَعونةٍ، وفي تَعلُّقِ الضَّمانِ بها ما يَخرُجُ عن مَقصودِ الإرفاقِ، والمَعونةِ فيها. إذا ثَبَتَ هذا: فإنْ دفَع إليه سِلعةً، ووكَّله في بَيعِها، وقبَض ثَمَنَها، فتَلِفَتِ العَينُ في يَدِه، أو قبَض ثَمَنَها، فتَلِفَ في يَدِه مِنْ غيرِ تَفريطٍ، لَم يَجِبْ عليه الضَّمانُ؛ لأنَّ يَدَ الوَكيلِ كَيَدِ المُوكِّلِ، فكانَ الهالِكُ في يَدِه كالهالِكِ في يَدِ مُوكِّلِه. وَسَواءٌ كانَتِ الوَكالةُ بعِوَضٍ أو بغيرِ عِوَضٍ عندَ جَماهيرِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ والشَّافِعيَّةِ في المَذهبِ.

стр. 6391

قالَ الماوَرديُّ ﵀: فكانَ أبو عَلِيٍّ الطَّبَريُّ يَقولُ: إذا كانَتْ بِعِوَضٍ جَرَتْ مَجرَى الأجيرِ المُشترَكِ، فيَكونُ وُجوبُ الضَّمانِ على قولَيْنِ، وهذا ليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّها إذا خرَجتْ عن حُكمِ الإجارةِ في اللُّزومِ، خرَجتْ عن حُكمِها في الضَّمانِ (١). اشتِراطُ الضَّمانِ على الوَكيلِ: لا خِلافَ بَينِ الفُقهاءِ -كما تَقدَّم- على أنَّ الوَكيلَ أمينٌ، كالمُودَعِ، فلا ضَمانَ عليه إذا لَم يَتعَدَّ، ولَم يُفَرِّطْ، واتَّفَقوا أيضًا على أنَّه لا يَصحُّ اشتِراطُ الضَّمانِ على الأمينِ؛ لأنَّه شَرطٌ يُنافِي مُقتَضَى العَقدِ، وجَعْلُ ما أصْلُه أمانةٌ مَضمونًا بالشَّرطِ لا يَصحُّ. قالَ في «الدَّرِّ المُختارِ»: واشتِراطُ الضَّمانِ على الأمينِ باطِلٌ، به يُفتَى (٢). قالَ في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: وكُلُّ ما كانَ أمانةً لا يَصيرُ مَضمونًا بشَرطِهِ؛ لأنَّ مُقتَضَى العَقدِ كَونُه أمانةً، فإذا شرَط ضَمانَه فقَدِ التَزَمَ ضَمانَ ما لَم يُوجَدْ سَبَبُ ضَمانِه، فلَمْ يَلزَمْه، كما لو اشترَطَ ضَمانَ الوَديعةِ أو ضَمانَ مالٍ

стр. 6392

في يَدِ مالِكِه، وما كانَ مَضمونًا لا يَنتَفي ضَمانُه بشَرطِهِ؛ لأنَّ مُقتَضَى العَقدِ الضَّمانُ، فإذا شرَط نَفْيَ ضَمانِه لا يَنتَفي، مَع وُجودِ سَبَبِه، كما لو اشترَطَ نَفْيَ ضَمانِ ما يَتعَدَّى فيه، وعَن أحمدَ أنَّه ذكَر له ذلك، فقالَ: المُؤمِنونَ على شُروطِهم، وهذا يَدُلُّ على نَفْيِ الضَّمانِ بشَرطِه، والأوَّلُ ظاهِرُ المَذهبِ؛ لِمَا ذَكَرْناه (١). اختِلافُ الوَكيلِ والمُوكِّلِ: اختِلافُ الوَكيلِ والمُوكِّلِ لا يَخلو مِنْ حالاتٍ سِتٍّ: الحالةُ الأُولَى: الِاختِلافُ في تَعدِّي الوَكيلِ أو تَفريطِهِ: قُلْنا: إنَّ الوَكيلَ أمينٌ باتِّفاقِ الفُقهاءِ، فلا يَضمَنُ إلَّا إذا تَعدَّى أو فرَّط، لكنْ إذا اختَلفَ المُوكِّلُ والوَكيلُ في تَعدِّي الوَكيلِ أو تَفريطِه في الحِفظِ، ومُخالَفَتِه أمْرَ مُوكِّلِه، مثلَ أنْ يَدَّعيَ عليه ويَقولَ: إنَّكَ حَمَلتَ على الدَّابَّةِ فَوقَ طاقَتِها، أو حَمَلتَ عليها شَيئًا لِنَفْسِكَ، أو فَرَّطتَ في حِفظِها، أو لَبِستَ الثَّوبَ، أو أمَرتُكَ برَدِّ المالِ فلَمْ تَفعَلْ، ونحوَ ذلك، فذهَب عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ القولَ قَولُ الوَكيلِ أيضًا مَع

стр. 6393

يَمينهِ؛ لأنَّه أمينُ، وهذا ممَّا يَتعذَّرُ إقامةُ البيِّنةِ عليه، فلا يُكَلَّفُ ذلك، كالمُودَعِ، وكَذلك كلُّ مَنْ كانَ في يَدِه شَيءٌ لِغيرِه على سَبيلِ الأمانةِ، كالأبِ والوَصِيِّ وأمينِ الحاكِمِ والمُودَعِ والشَّريكِ والمُضارِبِ والمُرتهَنِ والمُستأجِرِ، وإنَّما كانَ كَذلك لأنَّه لو كُلِّفَ ذلك مَع تَعَذُّرِه عليه لَامتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الدُّخولِ في الأماناتِ مَع الحاجةِ إليها، فلَحِقَهم الضَّرَرُ. ولأنَّه مُنكِرٌ لِمَا يُدَّعى عليه، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ، ومتى ثَبَتَ التَّلفُ في يَدِه مِنْ غيرِ تَعدِّيه إمَّا لِقَبولِ قَوله، وإمَّا بإقرارِ مُوكِّلِه، أو بيِّنةٍ، فلا ضَمانَ عليه، وسَواءٌ تَلِفَ المَتاعُ الذي أُمِرَ ببَيعِه، أو باعَه وقبَض ثَمَنَه، فتَلِفَ الثَّمنُ، وسَواءٌ كانَ بجُعلٍ أو بغيرِ جُعلٍ؛ لأنَّه نائِبُ المالِكِ في اليَدِ والتَصرُّفِ، فكانَ الهَلاكُ في يَدِه كالهَلاكِ في يَدِ المالِكِ، وجَرى مَجرَى المُودَعِ والمُضارِبِ وشِبْهِهِما، وإنْ تَعدَّى أو فرَّط ضَمِن. وكَذلك سائِرُ الأُمَناءِ (١). قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا إذا فَعلَ الوَكيلُ فِعلًا هو تَعدٍّ، وزَعَمَ أنَّ

стр. 6394

المُوكِّلَ أمَرَه، فالمَشهورُ أنَّ القولَ قَولُ المُوكِّلِ، وقَد قيلَ: إنَّ القولَ قَولُ الوَكيلِ أنَّه قَدْ أمَرَهُ؛ لأنَّه قَدِ ائتَمَنَه على الفِعلِ (١). الحالةُ الثَّانيةُ: الِاختِلافُ في التَّلَفِ: إذا اختَلفَ الوَكيلُ والمُوكِّلُ في تَلَفِ ما في يَدِ الوَكيلِ، فقالَ الوَكيلُ: تَلِفَ مالُكَ في يَدِي، أو الثَّمنُ الذي قَبَضتُه -ثَمَنُ مَتاعِكَ- تَلِفَ في يَدي، فيُكَذِّبُه المُوكِّلُ. فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ (٢) والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ القولَ قَولُ الوَكيلِ مَع يَمينِه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ مَع يَمينهِ؛ لأنَّه أمينٌ، وهذا ممَّا يَتعذَّرُ إقامةُ البيِّنةِ عليه، فلا يُكلَّفُ ذلك، كالمُودَعِ، وكَذلك كلُّ مَنْ كانَ في يَدِه شَيءٌ لِغيرِه على سَبيلِ الأمانةِ، كالأبِ والوَصِيِّ وأمينِ الحاكِمِ والشَّريكِ والمُضارِبِ والمُرتهَنِ والمُستأجِرِ والأجيرِ المُشترَكِ، وإنَّما كانَ كَذلك لأنَّه لو كُلِّفَ ذلك مَع تَعَذُّرِه عليه لَامتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الدُّخولِ في الأماناتِ مَع الحاجةِ إليها، فلَحِقَهُمُ الضَّرَرُ. قالَ القاضي ﵀: إلَّا أنْ يُدَّعى التَّلَفُ بأمْرٍ ظاهِرٍ، كالحَريقِ والنَّهبِ وشِبْهِهما، فعليه إقامةُ البيِّنةِ على وُجودِ هذا الأمْرِ في تلك النَّاحيةِ، ثم يَكونُ

стр. 6395

القَولُ قوله في تَلَفِها بذلك، وهذا قَولُ الشَّافِعيِّ؛ لأنَّ وُجودَ الأمْرِ الظَّاهِرِ ممَّا لا يَخفَى، فلا تَتعذَّرُ إقامةُ البيِّنةِ عليه (١). وقالَ المالِكيَّةُ: يُصدَّقُ الوَكيلُ في التَّلَفِ، ولا فَرقَ بينَ أنْ يَدَّعيَ تَلَفَ الثَّمنِ أو المُشترَى -بالفَتحِ- أو البَيعَ، سَواءٌ أسلَفَ الثَّمنَ الذي وقَع به الشِّراءُ أو لا. فَفي ابنِ يُونُسَ قالَ مالِكٌ فيمَن أمَرَ رَجُلًا يَشترِي له لُؤلُؤًا مِنْ مَكَّةَ، ويَنقُدُ عنه، فقدِم، وزَعَمَ أنَّه ابتاعَه له، ونقَد فيه، ثم تَلِفَ اللُّؤلُؤُ، فيَحلِفُ أنَّه قَدِ ابتاعَ له ما أمَرَه به، ونقَد عنه، ويَرجِعُ بالثَّمنِ على الآمِرِ؛ لأنَّه أمينُه. ولو ادَّعى أنَّه أخرَجَ الثَّمنَ فضاعَ قبلَ شِرائِه له لَم يَضمَنْ إلَّا ببيِّنةٍ، ولو كانَ السَّلَمُ ممَّا يَجوزُ بَيعُه قبلَ قَبضِه، فوكَّله على بَيعِه، فقالَ: أنا بِعتُه وضاعَ الثَّمنُ، فهَهُنا يُصدَّقُ مَع يَمينِه، كَمَسألةِ اللُّؤْلُؤِ (٢). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: وإنِ ادَّعى الوَكيلُ أنَّ العَينَ التي في يَدِه لِمُوكِّلِه تَلِفَتْ مِنْ غيرِ تَفريطٍ، وأنكَرَ المُوكِّلُ تَلَفَها، فإنِ ادَّعى تَلَفَها بسَبَبٍ ظاهِرٍ لَم يُقبَلْ

стр. 6396

قَولُه حتى يُقيمَ البيِّنةَ على السَّبَبِ الظَّاهِرِ؛ لأنَّه يُمكِنُه إقامةُ البيِّنةِ عليه، فإذا أقامَ البيِّنةَ على السَّبَبِ الظَّاهِرِ، أوِ ادَّعى تَلَفَها بسَبَبٍ خَفِيٍّ فالقَولُ قَولُه مَع يَمينهِ بأنَّها تَلِفَتْ؛ لأنَّه يَتعذَّرُ عليه إقامةُ البيِّنةِ على تَلَفِها، فقُبِلَ قَولُه في ذلك. ولو قالَ قَبَضتُ الثَّمنَ -حيثُ يَجوزُ له قَبْضُه بأنْ وُكِّلَ في البَيعِ مُطلَقًا، أو مَع قَبضِ الثَّمنِ- وتَلِفَ في يَدِي، أو دَفَعتُه إلَيكَ، وأنكَرَ المُوكِّلُ قَبضَ الوَكيلِ له، صُدِّقَ المُوكِّلُ إنْ كانَ الِاختِلافُ قبلَ تَسليمِ المَبيعِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ حَقِّه وعَدمُ القَبضِ. وإنْ كانَ الِاختِلافُ بعدَ تَسليمِ البَيعِ فالوَكيلُ هو المُصَدَّقُ بيَمينِه على المَذهبِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ يَنسُبُه إلى تَقصيرٍ وخِيانةٍ بتَسليمِ المَبيعِ قبلَ القَبضِ، والأصْلُ عَدمُه. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وفي وَجهٍ أنَّ المُصدَّق المُوكِّلُ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ حَقِّه. والطَّريقُ الآخَرُ في المُصَدَّقِ مِنهُما في الحالَتَيْنِ القَولانِ في دَعوَى الوَكيلِ التَصرُّفَ، وإنكارِ المُوكِّلِ، فلَو أَذِنَ له في التَّسليمِ قبلَ القَبضِ، أو في البَيعِ بمُؤجَّلٍ، أو في القَبضِ بعدَ الأجَلِ، فهو كما قبلَ التَّسليمِ؛ إذْ لا خِيانةَ بالتَّسليمِ، وإذا صَدَّقْنا الوَكيلَ فحلَف ففي بَراءةِ المُشتَرِي وَجهانِ، أصَحُّهما -كما قالَ البَغَويُّ- لا يَبرَأُ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ القَبضِ. وَإنَّما قَبِلْنا قولَ الوَكيلِ في حَقِّه لِائتِمانِه إيَّاه، وعلى نَقْلِ هذا اقتَصَرَ

стр. 6397

الرَّافِعيُّ في الشَّرحِ الصَّغيرِ، ورَجَّحَ الوَجْهَ الآخَرَ الإمامُ، ونقَله ابنُ الرِّفعةِ عن القاضي حُسَينٍ، وصَحَّحَه الغَزاليُّ في بَسيطِه (١). وقالَ في «العُبابِ»: لو تَلِفَ ثَمَنُ ما باعَه الوَكيلُ بيَدِه، ولَم يَعلَمِ المالِكُ بتَلَفِه، فطالَبَه به، فأخَّرَ مَع مُكْنةِ رَدِّه لو كانَ باقيًا … لَم يَضمَنْ. وكذا لو قالَ: اعْطِ هذا زَيدًا، فتَمكَّنَ ولَم يَفعَلْ حتى تَلِفَ، أو طالَبَ الوَكيلَ بِرَدِّ المَتاعِ أو ثَمَنِه إنْ باعَه، فقالَ: أرُدُّ وَقتًا آخَرَ، ثم ادَّعى أنَّه كانَ تالِفًا ولَم يَشعُرْ به، وأقامَ بيِّنةً بالتَّلَفِ السَّابِقِ، وحلَف أنَّه كانَ جاهِلًا (٢). الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يَختلِفا في التَصرُّفِ المَأذونِ فيه والقَبضِ: إذا اختَلفَ الوَكيلُ والمُوكِّلُ في التَصرُّفِ وقَبضِ الثَّمنِ، بأنْ قالَ الوَكيلُ: بِعتُ وقَبَضتُ الثَّمنَ، فتَلِفَ، وأنْ يَقولَ المُوكِّلُ: لَم تَبِعْ، ولَم تَقبِضْ، ولَم تُقبِضْ شَيئًا، هَلِ القَولُ قَولُ الوَكيلِ أم المُوكِّلِ؟ فَذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُقبَلُ قَولُ الوَكيلِ على تَفصيلٍ عندَهم. قالَ الحَنفيَّةُ: الوَكيلُ ببَيعِ الشَّيءِ إذا قالَ: بِعتُ وقَبَضتُ الثَّمنَ وهَلَكَ، فهذا على وَجهَيْنِ:

стр. 6398

أمَّا إنْ كانَ المُوكِّلُ سلَّمَ المَبيعَ إلى الوَكيلِ، أو كانَ لَم يُسلِّمْ إليه، فَإنْ لَم يَكُنْ سلَّمَ المَبيعَ إليه فقالَ الوَكيلُ: بِعتُه مِنْ هذا الرَّجلِ وقَبَضتُ مِنه الثَّمنَ وهَلكَ الثَّمنُ في يَدي، أو قالَ: دَفَعتُه إلى المُوكِّلِ، فهذا لا يَخلو إمَّا أنْ يُصَدِّقَه في ذلك وإمَّا أنْ يُكَذِّبَه؛ فَإنْ كذَّبه بالبَيعِ أو صدَّقه بالبَيعِ وكذَّبه في قَبضِ الثَّمنِ، أو صدَّقه فيهِما وكذَّبه في الهَلاكِ؛ فَإنْ صدَّقه في ذلك كلِّه يَهلِكُ الثَّمنُ مِنْ مالِ المُوكِّلِ، ولا شَيءَ على الوَكيلِ؛ لأنَّه يَهلِكُ أمانةً في يَدِه. وإنْ كذَّبه في ذلك كلِّه بأنْ كذَّبه بالبَيعِ، أو صدَّقه بالبَيعِ وكذَّبه في قَبضِ الثَّمنِ؛ فإنَّ الوَكيلَ يُصدَّقُ في البَيعِ، ولا يُصدَّقُ في قَبضِ الثَّمنِ في حَقِّ المُوكِّلِ؛ لأنَّ إقرارَ الوَكيلِ في حَقِّ نَفْسِه جائِزٌ عليه، والمُشتَرِي بالخيارِ، إنْ شاءَ نقَد الثَّمنَ ثانيةً إلى المُوكِّلِ، وأخَذَ مِنه المَبيعَ، وإنْ شاءَ فسَخ البَيعَ، وله أنْ يَرجِعَ في الحالَتَيْنِ جَميعًا على الوَكيلِ بما نقَده. ولو أقَرَّ الوَكيلُ بالبَيعِ، وزَعَمَ أنَّ المُوكِّلَ قبَض مِنْ المُشتَرِي الثَّمنَ وأنكَرَ المُوكِّلُ ذلك؛ فإنَّ الوَكيلَ يُصدَّقُ في البَيعِ ولا يُصدَّقُ في إقرارِه على المُوكِّلِ بالقَبضِ، ويُخيَّرُ المُشتَرِي على ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّه هُناكَ لا يَرجِعُ على الوَكيلِ بشَيءٍ؛ لأنَّه لَم يُوجَدْ مِنه الإقرارُ بقَبضِ الثَّمنِ. وإنْ صدَّقه المُوكِّلُ في البَيعِ وقبَض الثَّمنَ وكذَّبه في الهَلاكِ أوِ الدَّفْعِ إليه فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ في دَعْوَى الهَلاكِ أوِ الدَّفْعِ إليه، مَع يَمينهِ؛ لأنَّه أمينٌ، ويُجبَرُ المُوكِّلُ على تَسليمِ المَبيعِ إلى المُشتَرِي؛ لأنَّه ثَبَتَ البَيعُ وقبَض

стр. 6399

الثَّمنَ بتَصديقِه إيَّاه، ولا يُؤمَرُ المُشتَرِي بنَقدِ الثَّمنِ ثانيةً إلى المُوكِّلِ؛ لأنَّه ثَبَتَ وُصولُ الثَّمنِ إلى يَدِ وَكيلِه بتَصديقِه، ووُصولُ الثَّمنِ إلى يَدِ وَكيلِه كَوُصولِه إلى يَدِه. هذا إذا لَم يَكُنِ المَبيعُ مُسلَّمًا إلى الوَكيلِ، فأمَّا إذا كانَ مُسلَّمًا إليه فقالَ الوَكيلُ: بِعتُه مِنْ هذا الرَّجلِ، وقَبَضتُ مِنه الثَّمنَ فهَلكَ عِندي، أو قالَ: دَفَعتُه إلى المُوكِّلِ، أو قالَ: قبَض المُوكِّلُ الثَّمنَ مِنْ المُشتَرِي؛ فإنَّ الوَكيلَ يُصدَّقُ في ذلك كلِّه، ويُسلَّمُ المَبيعُ إلى المُشتَرِي ويَبرَأُ المُشتَرِي مِنْ الثَّمنِ، ولا يَمينَ عليه. أمَّا إذا صدَّقه المُوكِّلُ في ذلك كلِّه فلا يُشكِلُ، وكذا إذا كذَّبه في البَيعِ أو صدَّقه فيه وكذَّبه في قَبضِ الثَّمنِ؛ لأنَّ الوَكيلَ أقَرَّ ببَراءةِ المُشتَرِي عن الثَّمنِ فلا يَحلِفُ، ويَحلِفُ الوَكيلُ؛ فَإنْ حلَف على ما يَدَّعيه بَرِئَ مِنْ الثَّمنِ، وإنْ نَكَلَ عن اليَمينِ لَزِمَه ضَمانُ الثَّمنِ لِلمُوكِّلِ. فَإنِ استَحقَّ المَبيعَ بعدَ ذلك مِنْ يَدِ المُشتَرِي؛ فإنَّه يَرجِعُ بالثَّمنِ على الوَكيلِ إذا أقَرَّ بقَبضِ الثَّمنِ مِنه، والوَكيلُ لا يَرجِعُ على المُوكِّلِ بما ضَمِن مِنْ الثَّمنِ لِلمُشتَرِي؛ لأنَّ المُوكِّلَ لَم يُصَدِّقْه على قَبضِ الثَّمنِ، فإقرارُ الوَكيلِ في حَقِّه جائِزٌ، ولا يَجوزُ في حَقِّه الرُّجوعُ على المُوكِّلِ، وله أنْ يَحلِفَ المُوكِّلُ على العِلمِ بقَبضِ الوَكيلِ، فإنْ نَكَلَ رجَع عليه بما ضَمِن. ولو أقَرَّ المُوكِّلُ بقَبضِ الوَكيلِ الثَّمنَ لكنَّه كذَّبه في الهَلاكِ أوِ الدَّفعِ إليه، فإنَّ الوَكيلَ يَرجِعُ بما ضَمِن عليه؛ لأنَّ يَدَ وَكيلِه كَيَدِه، ولو كانَ الوَكيلُ

стр. 6400

لَم يُقِرَّ بقَبضِ الثَّمنِ بنَفْسِه، ولكنَّه أقَرَّ أنَّ المُوكِّلَ قَبَضَه مِنْ المُشتَريِ، لا يَرجِعُ المُشتَرِي على الوَكيلِ؛ لأنَّه لَم يَقبِضْ مِنه الثَّمنَ، ولا يَرجِعُ على المُوكِّلِ أيضًا؛ لأنَّ إقرارَهُما على المُوكِّلِ لا يَجوزُ. ولو لَم يَستحقَّ المَبيعَ، ولكنَّه وجَد به عَيبًا، كانَ له أنْ يُخاصِمَ الوَكيلَ؛ فإذا رَدَّ عليه بقَضاءِ القاضي رجَع عليه بالثَّمنِ، إنْ أقَرَّ بقَبضِ الثَّمنِ مِنه، ولِلوَكيلِ أنْ يَرجِعَ على المُوكِّلِ بما ضَمِن، إذا أقَرَّ المُوكِّلُ بقَبضِ الوَكيلِ الثَّمنَ، ويَكونُ المَبيعُ لِلمُوكِّلِ، وإنْ لَم يُقِرَّ المُوكِّلُ بقَبضِ الوَكيلِ الثَّمنَ لا يَرجِعُ الوَكيلُ بما ضَمِن على المُوكِّلِ، وله أنْ يَحلِفَ المُوكِّلُ على العِلمِ بقَبضِه، فإنْ نَكَلَ رجَع عليه، وإنْ حلَف لا يَرجِعُ، ولكنَّه يَبيعُ المَبيعَ فيَستَوفي ما ضَمِن مِنْ ثَمَنِ المَبيعِ؛ فإنْ كانَ فيه فَضلٌ رَدَّه على المُوكِّلِ، وإنْ كانَ فيه نُقصانٌ لا يَرجِعُ بالنُّقصانِ على أحَدٍ. ولو كانَ الوَكيلُ لَم يُقِرَّ بقَبضِ الثَّمنِ بنَفْسِه، ولكنَّه أقَرَّ بقَبضِ المُوكِّلِ، لا يَرجِعُ المُشتَرِي بالثَّمنِ على الوَكيلِ؛ لأنَّه لَم يَدفَعْه إليه، ولا يَرجِعُ على المُوكِّلِ أيضًا؛ لأنَّهما لا يُصدَّقانِ عليه بالقَبضِ، وعلى المُوكِّلِ اليَمينُ على البَتَاتِ، فإنْ نَكَلَ رجَع عليه، والمَبيعُ له، وإنْ حلَف لا يَرجِعُ عليه بشَيءٍ، ولكنَّ المَبيعَ يُباعُ عليه. وذكَر الطَّحاويُّ أنَّ الوَكيلَ يَبيعُه في قَولِ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ، وفي قَولِ أبي حَنيفةَ ﵀ لا يَبيعُه، وجعَل هذا كَبَيعِ مالِ المَدِينِ المُفلِسِ، ولكنَّ الوَكيلَ لو باعَه يَجوزُ بَيعُهُ؛ لأنَّه لمَّا رَدَّ عليه فَسَخًا عادَتِ الوَكالةُ؛ فإذا بِيعَ

стр. 6401

المَبيعُ يَستَوفي المُشتَرِي الثَّمنَ مِنه، إنْ أقَرَّ الوَكيلُ بقَبضِ المُوكِّلِ، ولَم يُقِرَّ بقَبضِ نَفْسِه، وإنْ أقَرَّ بقَبضِ الثَّمنِ وضَمِن المُشتَرِي يَأخُذُ مِنْ الثَّمنِ مِقدارَ ما غُرِّمَ؛ فإنْ كانَ فيه فَضلٌ رَدَّه على المُوكِّلِ، وإنْ كانَ فيه نُقصانٌ لا يُرجَعُ على أحَدٍ (١). وقالَ المالِكيَّةُ: إذا قالَ الوَكيلُ تصرَّفتُ كما أذِنتَ لي مِنْ بَيعٍ أو غيرِه، فقالَ المُوكِّلُ: لَم تَتصرَّفْ كما أذِنتُ، صُدِّقَ الوَكيلِ؛ لأنَّه أمينٌ ويَلزَمُ الآمِرَ ذاكَ التَصرُّفُ مِنْ بَيعٍ أو غيرِه؛ لِإقرارِه بالوَكالةِ، وكَذلك لو ادَّعى تَلَفَ رَأْسِ المالِ صُدِّقَ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ شَغْلِ ذِمَّتِه بالضَّمانِ، وكَذلك لو ادَّعى رَدَّ المالِ، سَواءٌ كانَ بجُعلٍ أو لا. وكَذلك قَولُه: قَبَضتُ الثَّمنَ وتَلِفَ، كانَ القَولُ قوله؛ لأنَّه يَنبَغي دَفعُ الضَّمانِ عن نَفْسِه إنْ ثَبَتَ القَبضُ ببيِّنةٍ، أو صدَّقه المُوكِّلُ فيه، وإلَّا لَم يَبرَأِ الغَريمُ مِنْ الدَّيْنِ إلَّا أنْ يَكونَ القابِضُ وَكيلًا مُفَوَّضًا أو وَصِيًّا، فيَبرَأَ باعتِرافِه مِنْ غيرِ بيِّنةٍ، بخِلافِ الوَكيلِ المَخصوصِ، وفي كِلَا الوَجهَيْنِ لا غُرْمَ على الوَكيلِ (٢). وقالَ الشَّافِعيَّةُ: إذا وكَّله في بَيعٍ أو هِبةٍ أو صُلحٍ أو طَلاقٍ أو إعتاقٍ أو إبراءٍ فقالَ: تصرَّفتُ كما أذِنتَ، وقالَ المُوكِّلُ: لَم تَتصرَّفْ بعدَ نَظَرٍ، إنْ جَرى هذا الِاختِلافُ بعدَ انعِزالِ الوَكيلِ لَم يُقبَلْ قَولُه إلَّا ببيِّنةٍ؛ لأنَّه غيرُ

стр. 6402

مالِكٍ لِلتَصرُّفِ حينَئذٍ، قالَ النَّوَويُّ: وإنْ جَرى قبلَ الِانعِزالِ فهَلِ القَولُ قَولُ المُوكِّلِ أو الوَكيلِ؟ قَولانِ: أظهَرَهُما عندَ الأكثَرينَ: هو قَولُ المُوكِّلِ، وهو نَصُّه في مَواضِعَ. وقيلَ: ما يَستَقِلُّ به الوَكيلُ، كالطَّلاقِ والإعتاقِ والإبراءِ يُقبَلُ قَولُه فيه بيَمينِه، وما لا، كالبَيعِ، فلا. ولو صدَّق المُوكِّلُ الوَكيلَ في البَيعِ ونحوِه، لكنْ قالَ: عَزلتُكَ قبلَ التَصرُّفِ، وقالَ الوَكيلُ: بَلْ بعدَ التَصرُّفِ، فهو كما لو قالَ الزَّوجُ: راجَعتُكِ قبلَ انقِضاءِ العِدَّةِ، فقالَتِ: انقَضَتْ عِدَّتي قبلَ الرَّجعةِ. ولو قالَ المُوكِّلُ: باعَ الوَكيلُ، فقالَ: لَم أبِعْ، فإنْ صدَّق المُشتَرِي المُوكِّلَ حُكِمَ بانتِقالِ المِلْكِ إليه، وإلَّا فالقَولُ قَولُه. ولو وكَّله في البَيعِ وقبَض الثَّمنَ، أو في البَيعِ مُطلَقًا، وجَوَّزْنا له قَبْضَ الثَّمنِ، فاتَّفقَا على البَيعِ، واختَلفَا في قَبضِ الثَّمنِ، فقالَ الوَكيلُ: قَبَضتُه وتَلِفَ في يَدي، أو دَفَعتُه إلَيكَ، وأنكَرَ المُوكِّلُ، ففي المُصدَّقِ مِنهُما طَريقانِ: أحَدُهما: على الخِلافِ السَّابِقِ في البَيعِ ونحوِه. وَأصَحُّهُما: أنَّهما إنِ اختَلَفا قبلَ تَسليمِ المَبيعِ فالقَولُ قَولُ المُوكِّلِ، وإنْ كانَ بعدَ تَسليمِه فوَجهانِ: أحَدُهما: قَولُ المُوكِّلِ.

стр. 6403

وَأصَحُّهُما: قَولُ الوَكيلِ، وبِه قالَ ابنُ الحَدَّادِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ يَدَّعِي تَقصيرَه وخيانَتَه بالتَّسليمِ بلا قَبضٍ، والأصْلُ عَدمُه، وهذا التَّفصيلُ فيما إذا أَذِنَ في البَيعِ مُطلَقًا. فَإذا أَذِنَ في التَّسليمِ قبلَ قَبضِ الثَّمنِ، أو في البَيعِ بمُؤجَّلٍ، وفي القَبضِ بعدَ الأجَلِ، لَم يَكُنْ خائِنًا بالتَّسليمِ بلا قَبْضٍ، كالِاختِلافِ قبلَ التَّسليمِ؛ فإذا صَدَّقنا الوَكيلَ فحلَف ففي بَراءةِ المُشتَرِي وَجهانِ: أصَحُّهُما عندَ الإمامِ: يَبرَأُ. وَأصَحُّهُما عندَ البَغَويِّ: لا. فَعلَى الأوَل إذا حلَف وأُبْرِئَ المُشتَرِي ثم وجَد المُشتَرِي بالمَبيعِ عَيبًا، فإنْ رَدَّه على المُوكِّلِ وغرَّمه الثَّمنَ لَم يَكُنْ له الرُّجوعُ على الوَكيلِ؛ لِاعتِرافِه بأنَّ الوَكيلَ لَم يَأخُذْ شَيئًا، وإنْ رَدَّه على الوَكيلِ وغرَّمه لَم يَرجِعْ على المُوكِّلِ، والقَولُ قَولُه بيَمينِه أنَّه لَم يَأخُذْ مِنه شَيئًا، ولا يَلزَمُ مِنْ تَصديقِنا لِلوَكيلِ في الدَّفعِ عن نَفْسِه بيَمينِه أنْ نُثبِتَ بها حَقًّا على غيرِه. ولو خرَج المَبيعُ مُستحَقًّا رجَع المُشتَرِي بالثَّمنِ على الوَكيلِ؛ لأنَّه دفَعه إليه، ولا رُجوعَ له على المُوكِّلِ، لِمَا سبَق (١).

стр. 6404

وأمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ منهم ابنُ قُدامةَ ﵀: الحالُ الثَّالثةُ أنْ يَختلِفا في التَصرُّفِ فيَقولَ الوَكيلُ: بِعتُ الثَّوبَ وقَبَضتُ الثَّمنَ، فتَلِفَ، فيَقولَ المُوكِّلُ: لَم تَبِعْ، ولَم تَقبِضْ، أو يَقولَ: بِعتَ ولَم تَقبِضْ شَيئًا، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ، ذكَره ابنُ حامِدٍ، وهو قَولُ أصحابِ الرَّأْيِ؛ لأنَّه يَملِكُ البَيعَ والقَبضَ، فيُقبَلُ قَولُه فيهِما، كما يُقبَلُ قَولُ وَليِّ المَرأةِ المُجبَرةِ على النِّكاحِ في تَزويجِها. ويُحتمَلُ ألَّا يُقبَلَ قَولُه، وهو أحَدُ القولَيْنِ لِأصحابِ الشَّافِعيِّ؛ لأنَّه يُقِرُّ بحَقٍّ لِغيرِه على مُوكِّلِه، فلَم يُقبَلْ، كما لو أقَرَّ بدَيْنٍ عليه. وإنْ وُكِّلَ في شِراءِ عَبدٍ فاشتَراه واختَلَفا في قَدْرِ ما اشتَراه به، فقالَ: اشترَيتُه بألْفٍ، وقالَ: بَلِ اشترَيتَه بخَمسِمِئةٍ، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ؛ لِمَا ذَكَرناه. وقالَ القاضي ﵀: القَولُ قَولُ المُوكِّلِ، إلَّا أنْ يَكونُ عيَّنَ له الشِّراءَ بما ادَّعاه، فقالَ: اشتَرِ لي عَبدًا بألْفٍ، فادَّعى الوَكيلُ أنَّه اشتَراه بذلك، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ إذًا، وإلَّا فالقَولُ قَولُ المُوكِّلِ؛ لأنَّ مَنْ كانَ القَولُ قوله في أصْلِ شَيءٍ كانَ القَولُ قوله في صِفَتِه، ولِلشَّافِعيِّ قَولانِ كَهَذَيْنِ الوَجهَيْنِ. وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ الشِّراءُ في الذِّمةِ فالقَولُ قَولُ المُوكِّلِ؛ لأنَّه غارِمٌ مُطالَبٌ بالثَّمنِ، وإنِ اشترَى بعَينِ المالِ، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ، لِكَونِه الغارِمَ؛ فإنَّه يُطالِبُه بَرَدِّ ما زادَ على الخَمسمِئةِ. ولَنا: أنَّهما اختَلَفا في تَصرُّفِ الوَكيلِ، فكانَ القَولُ قوله، كما لو اختَلَفا

стр. 6405

في البَيعِ، ولأنَّه أمينٌ في الشِّراءِ، فكانَ القَولُ قوله في قَدْرِ ثَمَنِ المُشترَى، كالمَضارِبِ، وكما لو قالَ له: اشترَى بألْفٍ، عندَ القاضي (١). الحالةُ الرَّابِعةُ: الِاختِلافُ في الرَّدِّ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ادَّعى الوَكيلُ الرَّدَّ على المُوكِّلِ، فأنكَرَه المُوكِّلُ، بأنْ وُكِّلَ على بَيعِ شَيءٍ، أو على شِرائِه، فباعَه وقبَض ثَمَنَه وقالَ: دَفَعتُه إلى مُوكِّلي، أو قالَ: اشترَيتُه ودَفَعتُه إلى مُوكِّلي، فأنكَرَه المُوكِّلُ، فلا يَخلو حالُه مِنْ أمرَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يَكونَ بغيرِ جُعْلٍ فيُقبَلَ قَولُ الوَكيلِ بيَمينِه عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّه أمينٌ قبَض المالَ لِنَفْعِ مالِكِه، فكانَ القَولُ قوله، كالمُودَعِ. وفي قَولٍ لِلحَنابِلةِ: لا يُقبَلُ قَولُه إلَّا ببيِّنةٍ. والآخَرُ: أنْ يَكونَ وَكيلًا بجُعلٍ، فاختَلفَ الفُقهاءُ فيه على قولَيْنِ: القَولُ الأوَّلُ: ذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ القولَ قَولُ الوَكيلِ مَع يَمينِه، سَواءٌ كانَ بجُعلٍ أو بغيرِ جُعلٍ؛ لأنَّه وَكيلٌ، فكَانَ القَولُ قوله؛ لأنَّه إنْ كانَ بجُعلٍ فقَد أخَذَ العَينَ بمَحضِ غَرَضِ المالِكِ فأشبَهَ المُودَعَ، وإنْ كانَ بجُعلٍ؛ فلأنَّه إنَّما أخَذَ العَينَ لِنَفْعِ المالِكِ، وانتِفاعُه إنَّما هو بالعَملِ في العَينِ، لا بالعَينِ نَفْسِها.

стр. 6406

والقَولُ الثَّاني: أنَّ القولَ قَولُ المُوكِّلِ، إلَّا أنْ يَأتيَ الوَكيلُ ببيِّنةٍ، وهو المَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ وقَولٌ لِلشَّافِعيةِ؛ لأنَّه قبَض المالَ لِنَفْعِ نَفْسِه، فلَمْ يُقبَلْ قَولُه في الرَّدِّ، كالمُستَعيرِ، وسَواءٌ اختَلَفا في رَدِّ العَينِ، أو في رَدِّ ثَمَنِها (١). وقالَ الحَطَّابُ ﵀ مِنْ المالِكيَّةِ: وفي المَسألةِ أربَعةُ أقوالٍ، ذكَرها ابنُ رُشدٍ في كِتابِ الوَديعةِ مِنْ المُقدِّماتِ في الرَّسمِ المَذكورِ، ونقَله ابنُ عَرفةَ وابنُ عَبدِ السَّلامِ والمُصنِّفُ في «التَّوضيحِ». وَنَصُّ كَلامِ ابنِ رُشدٍ ﵀: اختُلِفَ في الوَكيلِ يَدَّعِي أنَّه دفَع إلى مُوكِّلِه ما قبَض له مِنْ الغُرَماءِ، أو ما باعَ به مَتاعَه، على أربَعةِ أقوالٍ: أحَدُها: أنَّ القولَ قَولُه مَع يَمينِه، جُملةً مِنْ غيرِ تَفصيلٍ، وهو قَولُه في هذه الرِّوايةِ، وفي رَسمِ البَزِّيِّ مِنْ سَماعِ ابنِ القاسِمِ مِنْ المِدْيانِ والتَّفليسِ، وفي آخِرِ الوَكالةِ مِنْ المُدوَّنةِ. والثَّاني: أنَّه إنْ كانَ بقُربِ ذلك بالأيَّامِ اليَسيرةِ فالقَولُ قَولُ المُوكِّلِ أنَّه

стр. 6407

ما قبَض شَيئًا، وعلى الوَكيلِ البيِّنةُ، وإنْ تَباعَدَ الأمْرُ، كالشَّهرِ ونحوِه، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ مَع يَمينِه، وإنْ طالَ الأمْرُ جِدًّا لَم يَكُنْ على الوَكيلِ بيِّنةٌ، فهو قَولُ مُطَرِّفٍ. والثَّالثُ: إنْ كانَ بحَضرةِ ذلك في الأيَّامِ اليَسيرةِ صُدِّقَ الوَكيلُ مَع يَمينِه، وإنْ طالَ الأمرُ جِدًّا صُدِّقَ دونَ يَمينٍ، وهو قَولُ ابنِ الماجِشونِ وابنِ عَبدِ الحَكَمِ. والرَّابِعُ: تَفرِقةُ أصبَغَ بينَ الوَكيلِ على شَيءٍ بعَينِه، فهو غارِمٌ حتى يُقيمَ البيِّنةَ، وإنْ طالَ الأمْرُ، والوَكيلُ المُفَوَّضُ يُصدَّقُ في القُربِ مَع يَمينِه، وفي البُعدِ دونَ يَمينٍ. انتَهَى. وقالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀ في «شَرحِ قَولِ الرِّسالةِ»: ومَن قالَ: رَدَدتُ إلَيكَ ما وَكَّلتَني عليه هذا؛ لأنَّ الوَكيلَ والمُودَعَ والرَّسولَ مُؤتمَنونَ فيما بينَهم وبينَ المُوكِّلِ والمُودَعِ والمُرسِلِ؛ فإذا ذَكَروا أنَّهم رَدُّوا ما دُفِعَ إليهم إلى أربابِه، قُبِلَ ذلك مِنهُم؛ لأنَّ أربابَ الأموالِ قَدِ ائتَمَنوهم على ذلك، فكانَ قَولُهم مَقبولًا فيما بينَهم وبينَهم، وكَذلك العامِلُ في القِراضِ مُؤتمَنٌ في رَدِّ القِراضِ ما بينَه وبينَ المالِكِ، إلَّا أنْ يَكونَ واحِدٌ مِنهم أخَذَ المالَ ببيِّنةٍ، فلا تُبْرِئُه دَعوَى رَدِّه، إلَّا أنْ يَكونَ له بيِّنةٌ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ حينَئذٍ لو لَم يَأتَمِنْه لَمَا استَوثَقَ مِنه بالبيِّنةِ. انتَهَى. تَنبيهاتٌ: الأوَّلُ: قَولُ المُصنِّفِ: كالمُودَعِ، يُشيرُ به -واللَّهُ أعلَمُ- إلى أنَّ الوَكيلَ إنَّما يُصدَّقُ في رَدِّ ما وُكِّلَ عليه إلى رَبِّه إذا قَبَضَه بغيرِ إشهادٍ، وأمَّا

стр. 6408

ما قَبَضَه بإشهادٍ فلا يُصدَّقُ في رَدِّه، كما صرَّح به القاضي عَبدُ الوَهَّابِ والفاكِهانيُّ والزَّناتيُّ وغيرُهم. الثَّاني: يَظهَرُ مِنْ كَلامِ ابنِ رُشدٍ المُتقدِّمِ أنَّه لا بدَّ مِنْ اليَمينِ مُطلَقًا، طالَ الزَّمانُ أو لَم يَطُلْ، ويَظهَرُ مِنْ كَلامِ ابنِ عَرفةَ أنَّ اليَمينَ تَسقُطُ مَع طُولِ المُدَّةِ. الثَّالثُ: الوَكيلُ مُصَدَّقٌ في الرَّدِّ إلى مُوكِّلِه، ولو ادَّعى ذلك بعدَ مَوتِ مُوكِّلِهم، كما يُفهَم ذلك مِنْ عُمومِ كَلامِ ابنِ رُشدٍ في سَماعِ ابنِ القاسِمِ في سَماعِ عيسَى مِنْ كِتابِ البَضائِعِ والوَكالاتِ، وكما يُصَرِّحُ به البُرْزُلِيُّ في مَسائِلِ الوَكالاتِ. وهذا -واللَّهُ أعلَمُ- ليسَ خاصًّا بالوَكيلِ والمُوكِّلِ، بَلْ هو عامٌّ في كلِّ ما كانَ يُصدَّقُ في دَعواه الرَّدَّ وَكيلٌ أو مُودَعٌ، إذا ادَّعى إيصالَ ذلك إلى اليَدِ التي دفَعتْ إليه، سَواءٌ كانَ الدَّافِعُ حَيًّا أو مَيِّتًا، أنَّه يُصدَّقُ في ذلك، واللَّهُ أعلَمُ، وهذا واضِحٌ، وإنَّما نَبَّهتُ عليه لأنَّ بعضَ أهلِ العَصرِ مِنْ أهلِ المَغرِبِ تَوقَف في ذلك حتى أطلَعتُه على النَّصِّ في ذلك، واللَّهُ أعلَمُ (١). الحالةُ الخامِسةُ: الِاختِلافُ في أصْلِ الوَكالةِ: إذا اختَلَفا في أصْلِ الوَكالةِ، بأنْ قالَ: وَكَّلتَني، وقالَ الآخَرُ: لَم أُوكِّلْكَ، فذهَب فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ

стр. 6409

إلى أنَّ القولَ قَولُ المُنكِرِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الوَكالةِ، فلَمْ يَثبُتْ أنَّه أمينُه لِيُقبَلَ قَولُه عليه. قالَ الحَنفيَّةُ: إذا أنكَرَ المُوكِّلُ الوَكالةَ فالقَولُ في ذلك قَولُه مَع يَمينِه (١). وقالَ المالِكيَّةُ: وإنِ اختُلِفَ في أصلِ الإذْنِ، بأنْ قالَ: وَكَّلتَني، وقالَ: ما وَكَّلتُكَ؛ فالقَولُ قَولُ المُوكِّلِ (٢). قالَ الشَّافِعيَّةُ: وإنِ اختَلَفا في أصْلِ الوَكالةِ، كَأنْ قالَ: وَكَّلتَني في كذا، فأنكَرَ، أو في صِفَتِها، كَأنْ قالَ: وَكَّلتَني في البَيعِ نَسيئةً، أوِ الشِّراءِ بعِشرينَ، فقالَ: بَلْ نَقدًا، أو بعَشَرةٍ، فالقَولُ قَولُ المُوكِّلِ بيَمينهِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الإذْنِ فيما ذكَره الوَكيلُ، ولأنَّ المُوكِّلَ أعرَفُ بحالِ الإذْنَ الصَّادِرِ منه (٣). وقالَ الحَنابِلةُ: إنِ اختَلَفا في أصلِ الوَكالةِ، فقالَ: وَكَّلتَني، فأنكَرَ المُوكِّلُ، فالقَولُ قَولُ المُنكِرِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الوَكالةِ، فلَمْ يَثبُتْ أنَّه أمينُه لِيُقبَلَ قَولُه عليه. ولو قالَ: وَكَّلتُكَ ودَفَعتُ إلَيكَ مالًا، فأنكَرَ الوَكيلُ ذلكَ كلَّه، أوِ اعتَرَفَ بالتَّوكيلِ، وأنكَرَ دَفْعَ المالِ إليه، فالقَولُ قَولُه لِذلك. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولو قالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: وَكَّلتَني أنْ أتَزوَّج لكَ فُلانةَ بصَداقِ كذا، ففَعَلتُ، وادَّعَتِ المَرأةُ ذلك، فأنكَرَ المُوكِّلُ، فالقَولُ

стр. 6410

قَولُه، نَصَّ عليه أحمَدُ، فقالَ: إنْ أقامَ البيِّنةَ وإلَّا لَم يَلزَمِ الآخَرَ عَقدُ النِّكاحِ، قالَ أحمَدُ: ولا يُستَحلَفُ، قالَ القاضي: لأنَّ الوَكيلَ يَدَّعي حَقًّا لِغيرِه، فأمَّا إنِ ادَّعَتْه المَرأةُ يَنبَغي أنْ يُستَحلَفَ؛ لأنَّها تَدَّعي الصَّداقَ في ذِمَّتِه؛ فإذا حلَف لَم يَلزَمْه الصَّداقُ، ولَم يَلزَمِ الوَكيلَ مِنه شَيءٌ؛ لأنَّ دَعوَى المَرأةِ على المُوكِّل وحُقوقَ العَقدِ لا تَتعلَّقُ بالوَكيلِ. وَنقَل إسحاقُ بنُ إبراهيمَ عن أحمدَ أنَّ الوَكيلَ يَلزَمُه نِصفُ الصَّداقِ؛ لأنَّ الوَكيلَ في الشِّراءِ ضامِنٌ لِلثَّمنِ، ولأنَّ لِلبائِعِ مُطالَبتَه به، كذا ههُنا، والأوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْناه، ويُفارِقُ الشِّراءَ؛ لأنَّ الثَّمنَ مَقصودُ البائِعِ، ولأنَّ العادةَ تَعجِيلُه، وأخْذَه مِنْ المُتَوَلي لِلشِّراءِ، ولأنَّ النِّكاحَ بخِلافِه في هذا كلِّه، ولكنْ إنْ كانَ الوَكيلُ ضَمِن المَهرَ فلَها الرُّجوعُ عليه بنِصفِهِ؛ لأنَّه ضَمِنه عن المُوكِّلِ، وهو مُقِرٌّ بأنَّه في ذِمَّتِه، وبِهذا قالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ الشَّافِعيُّ. وقالَ مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ: يَلزَمُ الوَكيلَ جَميعُ الصَّداقِ؛ لأنَّ التَّفرِقةَ لَم تَقَعْ بإنكارِه، فيَكونُ ثابِتًا في الباطِنِ، فيَجِبُ جَميعُ الصَّداقِ. ولَنا: أنَّه يَملِكُ الطَّلاقَ؛ فإذا أنكَرَ فقَد أقَرَّ بتَحريمِها عليه، فصارَ بمَنزِلةِ إيقاعِه لِمَا تَحرُمُ به، قالَ أحمَدُ: ولا تَتَزوَّجُ المَرأةُ حتى يُطلِّقَ، لَعَلَّه يَكونُ كاذِبًا في إنكارِه، وظاهِرُ هذا تَحريمُ نِكاحِها قبلَ طَلاقِها؛ لأنَّها مُعتَرِفةٌ بأنَّها زَوجةٌ له، فيُؤخَذُ بإقرارِها، وإنكارُه ليسَ بطَلاقٍ. وَهَل يَلزَمُ المُوكِّلَ طَلاقُها؟ يُحتمَلُ ألَّا يَلزَمَه؛ لأنَّه لَم يَثبُتْ في حَقِّه نِكاحٌ ولو ثَبَتَ لَم يُكَلَّفِ الطَّلاقَ ويُحتمَلُ أنْ يُكلَّفَه؛ لِإزالةِ الِاحتِمالِ
следующие страницы →