← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فيَأخذُه النَّبيُّ ﷺ ويَضعُ فاهُ على مَوضعِ فيها، وكانَت تَغسلُ رأسَ رَسولِ اللهِ ﷺ وهي حائِضٌ (١). صَلاةُ الحائِضِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على عَدمِ صِحةِ الصَّلاةِ من الحائِضِ، إذِ الحَيضُ مانِعٌ لصِحتِها، كما أنَّه يَمنعُ وُجوبَها. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على إسقاطِ فَرضِ الصَّلاةِ عنها في أيامِ حَيضِها؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ لفاطِمةَ بِنتِ أبي حُبَيشٍ: «إذا أقبَلَت الحَيضةُ فدَعي الصَّلاةَ» (٢). وقالَ أيضًا: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحائِضَ لا صَلاةَ عليها في أيامِ حَيضِها فيَجبُ عليها القَضاءُ بعدَ أنْ تَطهُرَ (٣). وقالَ الإمامُ النَّوريُّ ﵀: هذا نَهيٌ لها عن الصَّلاةِ في زَمنِ الحَيضِ، وهو نَهيُ تَحريمٍ، ويَقتَضي فَسادَ الصَّلاةِ هنا بإِجماعِ المُسلِمينَ، وسَواءٌ في هذا الصَّلواتُ المَفروضةُ والنافِلةُ؛ لظاهِرِ الحَديثِ. وكذلك يَحرمُ عليها الطَّوافُ وصَلاةُ الجِنازةِ وسُجودُ التِّلاوةِ وسُجودُ الشُّكرِ. وكلُّ هذا مُتَّفقٌ عليه.

стр. 667

وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّها ليسَت مُكلفةً بالصَّلاةِ، وعلى أنَّه لا قَضاءَ عليها، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ الحَنبليُّ ﵀: وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الحائِضَ لا يَجوزُ لها الصَّلاةُ في حالِ حَيضِها، فَرضًا ولا نَفلًا (٢). وقد نقَلَ الإِجماعَ على ذلك أيضًا ابنُ عبدِ البَرِّ، وابنُ هُبيرةَ وغيرُهما (٣). وقد صرَّحَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ بأنَّ سُجودَ التِّلاوةِ وسُجودَ الشُّكرِ في مَعنى الصَّلاةِ فيَحرُمانِ على الحائِضِ، بل لقد قالَ الإمامُ النَّوويُّ: وهذا مُتَّفقٌ عليه (٤). كما اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ قَضاءَ ما فاتَ الحائِضَ في أيامِ حَيضِها ليسَ بواجِبٍ لما رَوَت مُعاذةُ: قالَت سألتُ عائِشةَ: «ما بالُ الحائِضِ تَقضي الصَّومَ ولا تَقضي الصَّلاةَ؟ فقالَت: أحَروريةٌ أنتِ؟ قُلتُ: لست بحَروريةٍ ولكني أسألُ، قالَت: كانَ يُصيبُنا ذلك فنُؤمَرُ بقَضاءِ الصَّومِ ولا نُؤمرُ بقَضاءِ الصَّلاةِ» (٥).

стр. 668

قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّها ليسَت مُكلَّفةً بالصَّلاةِ وعلى أنَّه لا قَضاءَ عليها، واللهُ أعلَمُ (١). إلا أنَّهم اختَلَفوا في حُكمِ قَضائِها للصَّلاةِ إذا أرادَت قَضاءَها. فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه خِلافُ الأَولى، قالَ ابنُ نَجيمٍ: وهل يُكرهُ لها قَضاءُ الصَّلاةِ؟ لم أرَه صَريحًا، ويَنبَغي أنْ يَكونَ خِلافَ الأَولى كما لا يَخفَى. قالَ ابنُ عابِدينَ -نَقلًا عن «النَّهر» -: يَدلُّ عليه قَولُهم: لو غسَلَ رأسَه بَدلَ المَسحِ كُرهَ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّها لا يُندبُ لها أنْ تَقضيَها، بل يُكرهُ لها ذلك. قالَ الدُّسوقيُّ: ولا تَقضي الصَّلاةَ لا وُجوبًا ولا نَدبًا؛ لأنَّها إنْ كانَت طاهِرةً فقد صلَّتْها، وإنْ كانَت حائِضًا لم تُخاطَبْ بها (٣). أمَّا الشافِعيةُ فقد قالَ الجَملُ في حاشيَتِه: يُكرهُ قَضاؤُها وتَنعقدُ نَفلًا لا ثَوابَ فيه؛ لأنَّها مَنهيةٌ عن الصَّلاةِ لذاتِ الصَّلاةِ، والمَنهيُّ عنه لذاتِه لا ثَوابَ فيه … وقالَ البَيضاويُّ بحُرمتِها، وعلى كلٍّ لا تَنعقدُ لو فعَلَتها؛ لأنَّ العِبادةَ إذا لم تُطلَبْ لم تَنعقدْ، وبه قالَ شَيخُنا كالخَطيبِ وغيرِه وخالَفَ شَيخُنا الرَّمليُّ: فقالَ بصِحتِها وانعِقادِها على قَولِ الكَراهةِ المُعتمدِ (٤).

стр. 669

أمَّا الحَنابِلةُ فقيلَ للإمامِ أحمدَ في رِوايةِ الأثرمِ: فإنْ أحبَّتْ أنْ تَقضيَها؟ قالَ: لا، هذا خِلافُ السُّنةِ. قالَ ابنُ مُفلحٍ في «الفُروعِ»: فظاهِرُ النَّهيِ التَّحريمُ، ويَتوجَّهُ احتِمالُ أنَّه يُكرهُ لكنَّه بِدعةٌ، ولعلَّ المُرادَ إلا رَكعتَيِ الطَّوافِ؛ لأنَّها نُسكٌ لا آخِرَ لوَقتِه (١). إدراكُ وَقتِ الصَّلاةِ: الحائِضُ إمَّا أنْ تُدركَ أولَ وَقتِ الصَّلاةِ بأنْ تَكونَ طاهِرًا ثم يَطرأُ الحَيضُ عليها أو تُدركَ آخرَ الوَقتِ بأنْ تَكونَ حائِضًا ثم تَطهُرَ. أ- إِدراكُ أولِ الوَقتِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا أدرَكَت الحائِضُ أولَ الوَقتِ بأنْ كانَت طاهِرةً ثم حاضَت هل تَجبُ عليها تلك الصَّلاةُ أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إنْ طرَأَ الحَيضُ في أثناءِ الوَقتِ سقَطَت تلك الصَّلاةُ، ولو بعدَما افتتَحَت الفَرضَ؛ لأنَّ العِبرةَ عندَهم بآخِرِ الوَقتِ. أمَّا لو طرَأَ الحَيضُ وهي في التَّطوُّعِ؛ فإنَّه يَلزمُها قَضاءُ تلك الصَّلاةِ. قالَ ابنُ الهُمامِ: ومَتى طرَأَ الحَيضُ في أثناءِ الوَقتِ سقَطَت تلك الصَّلاةُ ولو بعدَما افتتَحَت الفَرضَ، بخِلافِ ما لو طرَأَ وهي في التَّطوعِ حيثُ يَلزمُها تلك الصَّلاةُ، هذا مَذهبُ عُلمائِنا (٢).

стр. 670

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه إنْ حدَثَ الحَيضُ في وَقتٍ مُشتركٍ بينَ الصَّلاتَين (١) سقَطَت الصَّلاتان، وإنْ حدَثَ في وَقتٍ مُختصٍّ بأحدِهما سقَطَت المُختصةُ بالوَقتِ، وقُضيَت الأُخرى. فمَثلًا: إنَّ أولَ الزَّوالِ مُختصٌّ بالظُّهرِ إلى أربَعِ رَكعاتٍ في الحَضرِ ورَكعتَينِ في السَّفرِ، ثم تَشتركُ الصَّلاتانِ إلى أنْ تَختصَّ العَصرُ بأربَعٍ قبلَ الغُروبِ في الحَضرِ، ورَكعتَينِ في السَّفرِ. فلو حاضَت المَرأةُ في وَقتِ الاشتِراكِ سقَطَت الظُّهرُ والعَصرُ ولو حاضَت في وَقتِ الاختِصاصِ بالعَصرِ وكانَت لم تُصلِّ الظُّهرَ ولا العَصرَ سقَطَ عنها قَضاءُ العَصرِ وَحدَها ويَجبُ عليها قَضاءُ الظُّهرِ. ولو حاضَت في وَقتِ الاختِصاصِ بالظُّهرِ سقَطَت -أي: لم يَجبْ عليها قَضاؤُه- وإنْ تَمادى الحَيضُ إلى وَقتِ الاشتِراكِ سقَطَت العَصرُ؛ فإنِ ارتفَعَ قبلَه وجَبَت ومِثلُ ذلك في المَغربِ والعِشاءِ (٢). ومَعنى ذلك أنَّ الإمامَ مالِكًا يَرى أنَّه إذا أدرَكَت الحائِضُ أولَ الوَقتِ وكانَت طاهِرةً ثم حاضَت أنَّ القَضاءَ ساقِطٌ عنها (٣)، كقَولِ أبي حَنيفةَ.

стр. 671

قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: والأظهَرُ في الدَّليلِ مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ أنَّها لا يَلزمُها شَيءٌ؛ لأنَّ القَضاءَ إنَّما يَجبُ بأمرٍ جَديدٍ ولا أمرَ هنا يَلزمُها بالقَضاءِ، ولأنَّها أُخِّرت تأخيرًا جائزًا فهي غيرُ مُفرِّطةٍ، وأمَّا النائِمُ أو الناسي، وإنْ كان غيرَ مُفرِّطٍ أيضًا؛ فإنَّ ما يَفعلُه ليسَ قَضاءً، بل ذلك وَقتُ الصَّلاةِ في حَقِّه حين يَستيقظُ ويَذكرُ كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ نامَ عن صَلاةٍ أو نَسيَها فليُصلِّها إذا ذكَرَها؛ فإنَّ ذلك وَقتُها». وليس عن النَّبيِّ ﷺ حَديثٌ واحِدٌ بقَضاءِ الصَّلاةِ بعدَ وَقتِها وإنَّما ورَدَت السُّنةُ بالإعادةِ في الوَقتِ لمَن ترَكَ واجِبًا من واجِباتِ الصَّلاةِ كأمرِه المُسيءَ في صَلاتِه بالإعادةِ لمَّا ترَكَ الطُّمأنينةَ المَأمورَ بها، وأمْرِه مَنْ صلَّى خلَفَ الصَّفِ مُنفردًا بالإعادةِ لمَّا ترَكَ المُصافَّةَ الواجِبةَ، وكأمْرِه مَنْ ترَكَ لُمعةً من قَدمِه لم يُصبْها الماءُ بالإعادةِ لمَّا ترَكَ الوُضوءَ المَأمورَ به، وأمَرَ النائِمَ والناسيَ بأنْ يُصلِّيا إذا ذَكَرا وذلك هو الوَقتُ في حَقِّهما، واللهُ أعلَمُ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه إنْ طرَأَ الحَيضُ في أولِ الوَقتِ وجَبَت تلك الصَّلاةُ فقط إنْ أدرَكَت قَدرَ الفَرضِ، ولا تَجبُ عليها الصَّلاةُ الثانيةُ التي تَجمعُ معها بعدَها. ويَجبُ الفَرضُ الذي قبلَها أيضًا إنْ كانَ يُجمعُ معها وأدرَكَت قَدرَه ولم تَكنْ صَلَّته لتَمكُّنِها من فِعلِها، أي: من فِعلِ ذلك.

стр. 672

وإنَّما لم تَجبِ الصَّلاةُ الثانيةُ التي لم تَجمعْ معها إذا خَلا من المَوانعِ ما يَسعُها؛ لأنَّ وَقتَ الأُولى لا يَصلحُ للثانيةِ، إلا إذا صلَّاهما جَمعًا بخِلافِ العَكسِ. وأيضًا وَقتُ الأُولى في الجَمعِ وَقتٌ للثانيةِ تَبعًا بخِلافِ العَكسِ بدَليلِ عَدمِ وُجوبِ تَقديمِ الثانيةِ في جَمعِ التَّقديمِ، وجَوازِ تَقديمِ الأُولى بل وُجوبِه، على وَجهٍ في جَمعِ التَّأخيرِ. فإنْ لم تُدرِكْ قَدرَ الفَرضِ فلا وُجوبَ في ذِمَّتِها؛ لعَدمِ التَّمكنِ من فِعلِها كما لو هلَكَ النِّصابُ قبلَ التَّمكُّنِ من أَدائِه (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ المَرأةَ إذا أدرَكَت من أولِ الوَقتِ قَدرَ تَكبيرةِ الإِحرامِ ثم طرَأَ عليها الحَيضُ -أو النِّفاسُ- لزِمَها قَضاءُ تلك الصَّلاةِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ تَجبُ بدُخولِ أولِ الوَقتِ على مُكلَّفٍ لم يَقُمْ به مانِعٌ وُجوبًا مُستقرًّا؛ فإنْ قامَ به مانِعٌ بعدَ ذلك لم يُسقطْها فيَجبُ قَضاؤُها عندَ زَوالِ المانِعِ. ولا يَلزمُها قَضاءُ ما بعدَها ولو جُمعَ إليها؛ لأنَّها لم تُدركْ جُزءًا من وَقتِها (٢).

стр. 673

ب- إدراكُ آخِرِ الوَقتِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه إذا طهُرَت الحائِضُ في وَقتِ صَلاةٍ؛ فإنَّها تَجبُ عليها تلك الصَّلاةُ. إلا أنَّهم اختَلَفوا في الصَّلاةِ التي قبلَها هل يَجبُ أنْ تُصليَها أو لا؟ وما مِقدارُ الوَقتِ الذي تُدركُ فيه الحائِضُ إذا طهُرَت الصَّلاةَ؟ فذهَبَ الأئِمةُ الثَّلاثةُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ إلى أنَّها تَجبُ عليها الصَّلاةُ التى طهُرَت فيها وما قبلَها على التَّفصيلِ الآتي ذِكرُه إنْ شاءَ اللهُ. وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه لا تَجبُ عليها إلا الصَّلاةُ التي طهُرَت في وَقتِها وَحدَها (١). واختَلَفوا في مِقدارِ الوَقتِ الذي تُدرِكُ فيه الحائِضُ الصَّلاةَ إنْ طهُرَت. فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إذا كانَت الحائِضُ تَحيضُ عَشرةَ أيامٍ -وهي أكثَرُ مُدةِ الحَيضِ عندَهم-؛ فإنْ طهُرَت في آخِرِ الوَقتِ يَجبُ عليها الفَرضُ، وإنْ بَقيَ من الوَقتِ ما يَسعُ تَحريمَه فقط. فأمَّا إذا كانَت أَيامُها دونَ العَشرةِ؛ فإنَّما تَجبُ عليها الصَّلاةُ إذا طهُرَت وعليها من الوَقتِ مِقدارُ ما تَغتسلُ فيه، ومِقدارُ إِدراكِ قَدرِ التَّحريمةِ؛ فإنْ كانَ عليها من الوَقتِ ما لا تَستطيعُ أنْ تَغتسلَ فيه أو لا تَستطيعُ أنْ تُحرمَ للصَّلاةِ فليسَ عليها تلك الصَّلاةُ حتى لا يَجبَ عليها القَضاءُ، والفَرقُ أنَّ

стр. 674

أيامَها إنْ كانَت أقَلَّ من عَشرةٍ لا يُحكمُ بخُروجِها من الحَيضِ بمُجردِ انقِطاعِ الدَّمِ ما لم تَغتسِلْ، أو يَمضِ عليها وَقتُ صَلاةٍ كامِلٍ، تَصيرُ تلك الصَّلاةُ دَينًا عليها، وإنْ كانَت أَيامُها عَشرةً بمُجردِ الانقِطاعِ يُحكمُ بخُروجِها عن الحَيضِ، فإذا أدرَكَت جُزءًا من الوَقتِ يَلزمُها قَضاءُ تلك الصَّلاةِ سَواءٌ تَمكَّنت من الاغتِسالِ أو لم تَتمكَّنْ بمَنزلةِ كافِرٍ أسلَمَ وهو جُنبٌ أو صَبيٍّ بلَغَ بالاحتِلامِ في آخِرِ الوَقتِ فعليها قَضاءُ تلك الصَّلاةِ سَواءٌ تَمكَّنت من الاغتِسالِ في الوَقتِ أو لم تَتمكَّنْ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الحائِضَ إذا طهُرَت وقد بَقيَ من الوَقتِ ما يَسعُ رَكعةً وكانَ الوَقتُ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ؛ فإنَّ صَلاةَ الصُّبحِ وَحدَها تَجبُ عليها وتَسقطُ عنها الصَّلواتُ الفائِتةُ وَقتَ الحَيضِ، وكذلك الحُكمُ إذا كانَ الوَقتُ قبلَ الغُروبِ وبَقيَ من الوَقتِ ما يَسعُ رَكعةً أو رَكعتَينِ أو ثَلاثًا أو أربَعًا لا أكثَرُ، فتَجبُ عليها العَصرُ وتَسقطُ عنها الظُّهرُ، وكذلك الحُكمُ إذا كانَ الوَقتُ قبلَ الفَجرِ وبَقيَ من الوَقتِ ما يَسعُ رَكعةً أو رَكعتَينِ أو ثَلاثًا لا أكثَرُ، فتَجبُ عليها العِشاءُ وتَسقطُ عنها المَغربُ؛ لأنَّ القاعِدةَ أنَّ الوَقتَ إذا ضاقَ اختَصَّ بالصَّلاةِ الأخيرةِ. ويُسمَّى الظُّهرُ مع العَصرِ ويُسمَّى المَغربُ مع العِشاءِ بالصَّلاتَينِ المُشتركَتينِ لاشتِراكِهما في الوَقتِ.

стр. 675

أمَّا إذا بَقيَ بعدَ طُهرِها من الحَيضِ ما يَسعُ خَمسَ رَكعاتٍ قبلَ الغُروبِ فأكثَرَ وجَبَ الظُّهرُ والعَصرُ؛ لأنَّ الظُّهرَ يُدركُ بأربَعٍ ويَفضُلُ للعَصرِ رَكعةٌ، وإنْ بَقيَ ما يَسعُ أربَعًا فأكثَرَ قبلَ الفَجرِ وجَبَ المَغربُ والعِشاءُ؛ لأنَّ المَغربَ يُدرَكُ بثَلاثٍ وتَبقى للعِشاءِ رَكعةٌ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الحائِضَ إذا طهُرَت وقد أدرَكَت من آخِرِ الوَقتِ قَدرَ تَكبيرةٍ فيَجبُ عليها قَضاءُ تلك الصَّلاةِ فقط إنْ لم تُجمَعْ مع التي قبلَها، وقَضاؤُها وقَضاءُ ما قبلَها إنْ كانَت تُجمعُ إليها. فإذا طهُرَت قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقد بَقيَ من الوَقتِ ما يَسعُ تَكبيرةً لزِمَها قَضاءُ الصُّبحِ فقط؛ لأنَّ التي قبلَها -وهي العِشاءُ- لا تُجمعُ إليها، وإنْ طهُرَت قبلَ غُروبِ الشَّمسِ بمِقدارِ تَكبيرةٍ لزِمَها الظُّهرُ والعَصرُ. وكذا إذا طهُرَت قبلَ طُلوعِ الفَجرِ بمِقدارِ تَكبيرةٍ لزِمَها قَضاءُ المَغربِ والعِشاءِ لمَا رَوى الأثرَمُ وابنُ المُنذرِ وغيرُهما عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ وابنِ عَباسٍ أنَّهما قالا: في الحائِضِ تَطهُرُ قبلَ طُلوعِ الفَجرِ برَكعةٍ تُصلِّي المَغربَ والعِشاءَ، فإذا طهُرَت قبلَ غُروبِ الشَّمسِ صلَّت الظُّهرَ والعَصرَ جَميعًا؛ لأنَّ وَقتَ الثانيةِ وَقتٌ للأُولى حالةَ العُذرِ، ففي حالِ الضَّرورةِ

стр. 676

أَولى، وإنَّما تَعلَّقَ الوُجوبُ بقَدرِ تَكبيرةٍ؛ لأنَّه إدراكٌ، فاستَوى فيه القَليلُ والكَثيرُ، كإِدراكِ المُسافرِ صَلاةَ المُقيمينَ (١). صَومُ الحائِضِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على تَحريمِ الصَّومِ على الحائِضِ مُطلقًا فَرضًا كان أو نَفلًا، وعلى عَدمِ صِحتِه منها لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أليس إذا حاضَت لم تُصلِّ ولم تَصُمْ» (٢)، فإذا رأتِ المَرأةُ الدَّمَ ساعةً من نَهارٍ فسَدَ صَومُها، وقد نقَلَ النَّوويُّ وابنُ جَريرٍ وابنُ قُدامةَ وابنُ هُبيرةَ وغيرُهم الإِجماعَ على ذلك. قالَ ابنُ بَطَّالٍ: قَولُه ﷺ : «أليسَ إذا حاضَت لم تُصلِّ، ولم تَصُمْ» نَصٌّ أنَّ الحائِضَ يَسقطُ عنها فَرضُ الصَّلاةِ، ولا يَجوزُ لها الصَّومُ في أيامِ حَيضِها، والأُمةُ على ذلك، وأجمَعوا على أنَّ عليها قَضاءَ ما ترَكَت من الصيامِ، ولا قَضاءَ عليها للصَّلاةِ، إلا طائِفةً من الخَوارجِ يَرَونَ عليها قَضاءَ الصَّلاةِ، وعُلماءُ الأُمةِ من السَّلفِ والخَلفِ على خِلافِهم (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحائِضَ والنُّفساءَ لا يَحلُّ لهما الصَّومُ، وأنَّهما تُفطِران رَمَضانَ وتَقضيان، وأنَّهما إذا

стр. 677

صامَتا لم يُجزئْهما الصَّومُ، وقد قالَت عائِشةُ ﵂: «كُنَّا نَحيضُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ فنُؤمَرُ بقَضاءِ الصَّومِ ولا نُؤمَرُ بقَضاءِ الصَّلاةِ» مُتَّفقٌ عليه، والأمرُ إنَّما هو للنَّبيِّ ﷺ ، وقالَ أبو سَعيدٍ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «أليسَ إحداكُن إذا حاضَت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟ فذلك من نُقصانِ دِينِها» رَواه البُخاريُّ. والحائِضُ والنُّفساءُ سَواءٌ؛ لأنَّ دَمَ النِّفاسِ هو دَمُ الحَيضِ، وحُكمُه حُكمُه، ومَتى وُجدَ الحَيضُ في جُزءٍ من النَّهارِ فسَدَ صَومُ ذلك اليَومِ سَواءٌ وُجدَ في أوَّلِه أو في آخِرِه، ومَتى نَوَت الحائِضُ الصَّومَ وأمسَكَت مع عِلمِها بتَحريمِ ذلك أتَمَّت ولم يُجزئْها (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَت الأُمةُ على تَحريمِ الصَّومِ على الحائِضِ والنُّفساءِ، وعلى أنَّه لا يَصحُّ صَومُها، كما قدَّمنا، نقَلَه عن ابنِ جَريرٍ، وكذا نقَلَ الإِجماعَ غيرُه. قالَ إمامُ الحَرمَين: وكَونُ الصَّومِ لا يَصحُّ منها لا يُدركُ مَعناه؛ فإنَّ الطَّهارةَ ليسَت مَشروطةً فيها (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ ﵀: وقد أجمَعَت الأُمةُ على أنَّ الحائِضَ لا تَصومُ في أيامِ حَيضِها، وأنَّ صَومَها غيرُ صَحيحٍ ولا مُعتدٍّ به، وأنَّ عليها قَضاءَ الصَّومِ إذا طهُرَت (٣).

стр. 678

كما اتَّفَقوا أيضًا على وُجوبِ قَضاءِ رَمضانَ عليها لقَولِ عائِشةَ ﵂: «كانَ يُصيبُنا ذلك فنُؤمرُ بقَضاءِ الصَّومِ ولا نُؤمرُ بقَضاءِ الصَّلاةِ» (١). ونقَلَ الإِجماعَ على ذلك ابنُ المُنذرِ وابنُ جَريرٍ والتِّرمذيُّ والنَّوويُّ وابنُ هُبيرةَ وغيرُهم. قالَ الإمامُ القُرطُبيُّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الحائِضَ تَقضي الصَّومَ ولا تَقضي الصَّلاةَ لحَديثِ مُعاذةَ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأجمَعَت الأُمةُ أيضًا على وُجوبِ قَضاءِ صَومِ رَمضانَ عليها، نقَلَ الإِجماعَ فيه التِّرمذيُّ وابنُ المُنذرِ وابنُ جَريرٍ وأَصحابُنا وغيرُهم (٣). واتَّفَقوا أيضًا على أنَّ الحَيضَ لا يَقطعُ التَّتابُعَ في صَومِ الكَفاراتِ؛ لأنَّه يُنافي الصَّومَ، ولا تَخلو منه ذاتُ الأَقراءِ في الشَّهرِ غالِبًا، والتَّأخيرُ إلى سِنِّ اليأسِ فيه خَطرٌ، واستَثنَى الحَنفيةُ من ذلك كَفارةَ اليَمينِ ونَحوَها. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على المَرأةِ إذا كانَ عليها صَومُ شَهرَين مُتتابِعَين فصامَت بَعضًا ثم حاضَت أنَّها تَبني إذا طهُرَت (٤).

стр. 679

إِدراكُ الصَّومِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّه إذا انقطَعَ دَمُ الحَيضِ بعدَ الفَجرِ؛ فإنَّه لا يُجزئُها صَومُ ذلك اليَومِ، ويَجبُ عليها قَضاؤُه. ويَجبُ عليها الإِمساكُ حينَئذٍ عندَ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ. وعندَ المالِكيةِ يُباحُ لها الأكلُ والتَّمادي في المُفطِراتِ ولا يُستحبُّ لها الإِمساكُ، وعندَ الشافِعيةِ لا يَلزمُها الإِمساكُ. كما اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه إذا طهُرَت المَرأةُ قبلَ الفَجرِ فإنَّه يَجبُ عليها صَومُ ذلك اليَومِ إلا أنَّهم اختَلَفوا في الفَترةِ التي إذا انقطَعَ فيها الدَّمُ؛ فإنَّه يُجزئُها صَومُ ذلك اليَومِ فللحَنفيةِ في ذلك قَولانِ. الأولُ: أنَّه لو انقطَعَ الدَّمُ قبلَ الصُّبحِ في رَمضانَ بقَدرِ ما يَسعُ الغُسلَ فقط لزِمَها صَومُ ذلك اليَومِ ولا يَلزمُها قَضاءُ العِشاءِ ما لم تُدرِكْ قَدرَ تَحريمةِ الصَّلاةِ أيضًا. والثاني: أنَّه لا يُجزئُها صَومُ ذلك اليَومِ إذا لم يَبقَ من الوَقتِ ما هو قَدرُ الاغتِسالِ والتَّحريمةِ؛ لأنَّه لا يُحكمُ بطَهارتِها إلا بهذا، وإنْ بقِيَ مِقدارُ الغُسلِ والتَّحريمةِ؛ فإنَّه يُجزئُها صَومُها؛ لأنَّ العِشاءَ صارَت دَينًا عليها،

стр. 680

وأنَّها من حُكمِ الطاهِراتِ، فحُكمَ بطَهارتِها ضَرورةً، قالَ ابنُ نَجيمٍ: وهذا هو الحَقُّ فيما يَظهرُ (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ كما هو قَولُ مالِكٍ وقَولُ ابنِ القاسِمِ إلى أنَّها إنْ رأتِ الطُّهرَ قبلَ الفَجرِ ولو بلَحظةٍ وجَبَ عليها الصَّومُ، بل إنْ رَأت عَلامةَ الطُّهرِ مُقارِنةً للفَجرِ ونَوت الصَّومَ حينَئذٍ صَحَّ صَومُها. وقد صرَّحوا بأنَّ مُعتادةَ القَصةِ لا تَنتظرُها هنا، بل مَتى رَأت أيَّ عَلامةٍ، جُفوفًا كانَت أو قَصةً وجَبَ عليها الصَّومُ، ويَصحُّ صَومُها حينَئذٍ، وإنْ لم تَغتسِلْ إلا بعدَ الفَجرِ قياسًا على الجُنبِ؛ لأنَّ الطَّهارةَ ليسَت شَرطًا في الصَّومِ. وذهَبَ ابنُ الماجشونِ منهم إلى أنَّها إنْ طهُرَت قبلَ الفَجرِ بزَمنٍ يَسعُ الغُسلَ فلم تَغتسِلْ حتى طلَعَ الفَجرُ أجزَأَها، وإنْ كانَ الوَقتُ ضَيقًا لا يَسعُ الغُسلَ لم يُجزئْها صَومُها. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: والصَّحيحُ في هذه المَسألةِ ما قالَه مالِكٌ وابنُ القاسِمِ، وعليه أكثَرُ أَصحابِ مالِكٍ، وهو قَولُ جُمهورِ العُلماءِ (٢). أمَّا إذا طهُرَت لَيلًا في رَمضانَ فلم تَدرِ -أي: شكَّت- بعدَ الفَجرِ هل

стр. 681

طهُرَت قبلَ الفَجرِ أو بعدَه؛ فإنَّها تُمسكُ -أي: تَصومُ- وتَقضي لاحتِمالِ طُهرِها قبلَه، والقَضاءُ لاحتِمالِه بعدَه (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه متى انقطَعَ دَمُ الحَيضِ وجَبَ عليها الصَّومُ ولم يَذكُروا فَترةً مُعينةً كالحَنفيةِ والمالِكيةِ. قالَ النَّوويُّ: وإذا انقطَعَ الحَيضُ ارتفَعَ تَحريمُ الصَّومِ، وإنْ لم تَغتسِلْ. وقد صرَّحَ الشافِعيةُ بأنَّه إذا نَوت الحائِضُ صَومَ غَدٍ قبلَ انقِطاعِ دَمِها ثم انقطَعَ لَيلًا صَحَّ إنْ تَمَّ لها في اللَّيلِ أكثَرُ الحَيضِ، وكذا قَدرُ العادةِ في الأصَحِّ. وقد صرَّحَ الحَنابِلةُ أيضًا في الأصَحِّ عندَهم بمِثلِ هذا، فقالوا: لو نَوَت حائِضٌ صَومَ غَدٍ وتَعرفُ أنَّها تَطهرُ قبلَ الفَجرِ صَحَّ صَومُها لمَشقةِ المُقارنةِ (٢). الطَّوافُ للحائِضِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الحائِضَ لا تُمنعُ من فِعلِ شَيءٍ من أفعالِ الحَجِّ غيرِ الطَّوافِ بالبَيتِ، ويَحرمُ عليها إنْ هي طافَت؛ لحَديثِ عائِشةَ ﵂

стр. 682

أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لها لمَّا حاضَت: «افعَلي ما يَفعلُ الحاجُّ، غيرَ ألَّا تَطوفي بالبَيتِ» (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وفيه دَليلٌ على أنَّ الطَّوافَ لا يَصحُّ من الحائِضِ، وهذا مُجمعٌ عليه، لكنِ اختَلَفوا في عِلتِه على حَسبِ اختِلافِهم في اشتِراطِ الطَّهارةِ للطَّوافِ، فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ: هي شَرطٌ، وقالَ أبو حَنيفةَ: ليسَت بشَرطٍ، وبه قالَ داودُ، فمَن شرَطَ الطَّهارةَ قالَ: العِلةُ في بُطلانِ طَوافِ الحائِضِ عَدمُ الطَّهارةِ، ومَن لم يَشتَرِطْها قالَ: العِلةُ فيه كَونُها مَمنوعةً من اللُّبثِ في المَسجدِ (٢). وقد نقَلَ الإِجماعَ على ذلك جَماعةٌ من العُلماءِ، منهم ابنُ عبدِ البَرِّ وابنُ جَريرٍ وابنُ هُبيرةَ وغيرُهم. ثم إنَّ الطَّوافاتِ المَشروعةَ في الحَجِّ ثَلاثةٌ: الأولُ: طَوافُ القُدومِ: وهو سُنةٌ عندَ عامةِ الفُقهاءِ ما عَدا المالِكيةَ في قَولٍ؛ فإنَّ الإمامَ مالِكًا قالَ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ وابنِ عبدِ الحَكمِ بوُجوبِه، وهو أيضًا قَولٌ عندَ الحَنابِلةِ ذكَرَه المِرداويِّ في «الإنصاف». والثاني: طَوافُ الإفاضةِ: وهو رُكنٌ من أَركانِ الحَجِّ بالاتِّفاقِ. والثالِثُ: طَوافُ الوَداعِ: وهو واجِبٌ عندَ أبي حَنيفةَ وأحمدَ والشافِعيِّ في أصَحِّ قَولَيه، وتَركُه لغيرِ عُذرٍ يُوجبُ دَمًا.

стр. 683

وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ والشافِعيُّ في القَولِ الثاني عنه إلى استِحبابِه؛ فإنْ حاضَت المَرأةُ قبلَ أنْ تَطوفَ طَوافَ القُدومِ سقَطَ عنها ولا شَيءَ عليها عندَ القائِلين بسُنِّيتِه. وعندَ المالِكيةِ لا يَجبُ عليها حيثُ بَقيَ عُذرُها بحيث لا يُمكنُها الإِتيانُ به قبلَ الوُقوفِ بعَرفةَ. وإذا حاضَت المَرأةُ قبلَ طَوافِ الإفاضةِ؛ فإنَّها تَبقَى على إِحرامِها حتى تَطهرَ ثم تَطوفَ؛ فإنْ طافَت وهي حائِضٌ لم يَصحَّ طَوافُها عندَ كلٍّ من المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ. وذهَبَ الحَنفيةُ إلى صِحتِه مع الكَراهةِ التَّحريميةِ؛ لأنَّ الطَّهارةَ له واجِبةٌ، وهي غيرُ طاهِرةٍ، وتَأثمُ وعليها بَدنةٌ. وفي رِوايةٍ عندَ الحَنابِلةِ أيضًا أنَّه يَصحُّ منها الطَّوافُ، قالَ المِرداويُّ في «الإنصاف» (١): الصَّحيحُ من المَذهبِ أنَّ الحائِضَ تُمنعُ من الطَّوافِ مُطلقًا، ولا يَصحُّ منها، وعليه جَماهيرُ الأَصحابِ، وقطَعَ به كَثيرٌ منهم. وعن الإمامِ أحمدَ يَصحُّ، وتَجبُرُه بدَمٍ، وهو ظاهِرُ كَلامِ القاضي، واختارَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ، ابنُ تَيميةَ جَوازَه لها عندَ الضَّرورةِ ولا دَمَ عليها. واتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ للحائِضِ أنْ تَنفِرَ بلا طَوافِ وَداعٍ تَخفيفًا عليها؛ لحَديثِ عائِشةَ ﵂ أنَّ صَفيةَ ﵂ حاضَت: «فأمَرَها النَّبيُّ ﷺ أنْ تَنصرِفَ بلا وَداعٍ» (٢).

стр. 684

وعن طاوُوسٍ قالَ: «كُنْتُ مع ابنِ عَباسٍ إذْ قالَ زَيدُ بنُ ثابِتٍ: تُفتِي أنْ تَصدُرَ الحائِضُ قبلَ أنْ يَكونَ آخِرُ عَهدِها بالبَيتِ؟ فقالَ له ابنُ عَباسٍ: إمَّا لا فَسَلْ فُلانةَ الأَنصاريةَ هل أمَرَها بذلك رَسولُ اللهِ ﷺ ؟ قالَ: فرجَعَ زَيدُ بنُ ثابِتٍ إلى ابنِ عَباسٍ يَضحكُ وهو يَقولُ: ما أَراكَ إلا قد صَدَقتَ» (١). وقد صرَّحَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابِلةُ بأنَّها إنْ طهُرَت قبلَ مُفارقةِ بُنيانِ مَكةَ لزِمَها العَودُ فتَغتسِلُ وتَطوفُ؛ فإنْ لم تَفعلْ فعليها دَمٌ، بخِلافِ ما إذا طهُرَت في خارِجِ مَكةَ فلا شَيءَ عليها (٢). قِراءةُ القُرآنِ للحائِضِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ قِراءةِ القُرآنِ للحائِضِ على قَولَينِ: الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَحرمُ على الحائِضِ قِراءةُ القُرآنِ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَقرأُ الحائِضُ ولا الجُنبُ شَيئًا من القُرآنِ» (٣)، ولهم تَفصيلاتٌ في ذلك (٤).

стр. 685

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ وهو قَولٌ للإمامِ أحمدَ اختارَه شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ إلى أنَّه يَجوزُ للحائِضِ قِراءةُ القُرآنِ. بل إنَّ شَيخَ الإِسلامِ قالَ: إنْ خَشيَتْ نِسيانَه وجَبَ. ثم قالَ ﵀: فإنَّ قِراءةَ الحائِضِ القُرآنَ لم يَثبُتْ عن النَّبيِّ ﷺ فيها شَيءٌ غيرُ الحَديثِ المَرويِّ … عن ابنِ عُمرَ: «لا تَقرأُ الحائِضُ ولا الجُنبُ شَيئًا من القُرآنِ» فهو حَديثٌ ضَعيفٌ باتِّفاقِ أهلِ المَعرفةِ بالحَديثِ، ومَعلومٌ أنَّ النِّساءَ كُنَّ يَحِضنَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ولم يَكنْ يَنهاهُنَّ عن قِراءةِ القُرآنِ كما لم يَكنْ يَنهاهُنَّ عن الذِّكرِ والدُّعاءِ بل أمَرَ الحُيضَ أنْ يَخرُجنَ يَومَ العيدِ، فيُكبِّرنَ بتَكبيرِ المُسلِمينَ. وأمَرَ الحائِضَ أنْ تَقضيَ المَناسِكَ كلَّها إلا الطَّوافَ بالبَيتِ: تُلبِّي وهي حائِضٌ، وكذلك بمُزدَلِفةَ ومِنًى، وغيرِ ذلك من المَشاعرِ. وأمَّا الجُنبُ فلم يأمُرْه أنْ يَشهدَ العِيدَ، وأنْ يُصليَ، ولا أنْ يَقضيَ شَيئًا من المَناسِكِ؛ لأنَّ الجُنبَ يُمكنُه أنْ يَتطهَّرَ فلا عُذرَ له في تَركِ الطَّهارةِ، بخِلافِ الحائِضِ؛ فإنَّ حدَثَها قائِمٌ لا يُمكنُها مع ذلك التَّطهُّرُ (١).

стр. 686

غيرَ أنَّ المالِكيةَ قالوا: يَجوزُ لها قِراءةُ القُرآنِ في حالِ استِرسالِ الدَّمِ مُطلقًا، كانَت جُنبًا أو لا، خافَت النِّيسانَ أو لا، أمَّا إذا انقطَعَ حَيضُها، فلا يَجوزُ لها القِراءةُ حتى تَغتسلَ جُنبًا كانَت أو لا، إلا أنْ تَخافَ النِّيسانَ، هذا هو المُعتمَدُ عندَهم؛ لأنَّها قادِرةٌ على التَّطهُّرِ في هذه الحالةِ، وهُناكَ قَولٌ ضَعيفٌ، هو أنَّ المَرأةَ إذا انقطَعَ حَيضُها جازَ لها القِراءةُ إنْ لم تَكنْ جُنبًا قبلَ الحَيضِ؛ فإنْ كانَت جُنبًا قبلَه فلا تَجوزُ لها القِراءةُ. قالَ الدُّسوقيُّ: المَرأةُ إذا انقطَعَ حَيضُها جازَ لها القِراءةُ إنْ لم تَكنْ جُنبًا قبلَ الحَيضِ؛ فإنْ كانَت جُنبًا قبلَه فلا يَجوزُ لها القِراءةُ، وقد تبِعَ الشارِحَ في ذلك عَبقٌ وجعَلَه المَذهبَ، وهو ضَعيفٌ والمُعتمَدُ ما قالَه عبدُ الحَقِّ، وهو أنَّ الحائِضَ إذا انقطَعَ حَيضُها لا تَقرأُ حتى تَغتسِلَ جُنبًا كانَت أو لا، إلا أنْ تَخافَ النِّسيانَ، كما أنَّ المُعتمَدَ أنَّه يَجوزُ لها القِراءةُ حالَ استِرسالِ الدَّمِ عليها كانَت جُنبًا أو لا، خافَت النِّسيانَ أو لا، كما صدَّرَ به ابنُ رُشدٍ في المُقدماتِ وصوَّبَه واقتصَرَ عليه في التَّوضيحِ وابنُ فَرحونَ وغيرُ واحِدٍ، قالَ ح وهو الظاهِرُ، وفيه أيضًا عن ابنِ عَرفةَ قالَ الباجيُّ: قالَ أَصحابُنا: تَقرأُ الحائِضُ ولو بعدَ طُهرِها قبلَ غُسلِها وظاهِرُه كانَت مُتلبِّسةً بجَنابةٍ قبلَه أو لا (١). لَمسُ الحائِضِ والجُنبِ والمُحدِثِ للمُصحفِ: لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَحرمُ على الحائِضِ والجُنبِ والمُحدِثِ مَسُّ المُصحفِ من حيثُ الجُملةُ.

стр. 687

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا نَعلمُ مُخالفًا في ذلك إلا داودَ (١). واستَدَلوا على ذلك: بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]. ولمَا رَوى عبدُ اللهِ بنُ أبي بَكرِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النَّبيَّ ﷺ : كتَبَ إلى أهلِ اليَمنِ كِتابًا وفيه: «ألَّا يَمسَّ القُرآنَ إلا طاهِرٌ» (٢). واستَثنَى المالِكيةُ من ذلك المُعلمةَ والمُتعلمةَ؛ فإنَّها يَجوزُ لها مَسُّ المُصحفِ سَواءٌ كانَ كامِلًا أو جُزءًا منه أو اللَّوحَ الذي كُتبَ فيه القُرآنُ، قالَ بَعضُهم: وليسَ ذلك للجُنبِ؛ لأنَّ رَفعَ حَدثِه بيَدِه، ولا يَشقُّ، كالوُضوءِ، بخِلافِ الحائِضِ؛ فإنَّ رَفعَ حَدثِها ليسَ بيَدِها، لكنَّ المُعتمَدَ عندَهم أنَّ الجُنبَ -رَجلًا كانَ أو امرأةً- يَجوزُ له المَسُّ والحَملُ حالَ التَّعلُّمِ والتَّعليمِ للمَشقةِ، وسَواءٌ كانَت الحاجةُ إلى المُصحفِ للمُطالعةِ أو كانَت للتَّذكُّرِ بنيةِ الحِفظِ (٣).

стр. 688

وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: هل يَجوزُ مَسُّ المُصحفِ بغيرِ وُضوءٍ أو لا؟ فأجابَ: مَذهبُ الأئِمةِ الأربَعةِ أنَّه لا يَمسُّ المُصحفَ إلا طاهِرٌ كما قالَ في الكِتابِ الذي كتَبَه رَسولُ اللهِ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزمٍ: «ألَّا يَمسَّ القُرآنَ إلا طاهِرٌ»، قالَ الإمامُ أحمدُ: لا شَكَّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كتَبَه له وهو أيضًا قَولُ سَلمانَ الفارِسيِّ وعَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ وغيرِهما، ولا يُعلمُ لهما من الصَّحابةِ مُخالِفٌ (١). وسُئلَ عن الإِنسانِ إذا كانَ على غيرِ طُهرٍ وحمَلَ المُصحفَ بأكمامِه ليَقرأَ به ويَرفعَه من مَكانٍ إلى مَكانٍ، هل يُكرهُ ذلك؟ فأجابَ: وأمَّا إذا حمَلَ الإِنسانُ المُصحفَ بكُمِّه فلا بأسَ، ولكنْ لا يَمسُّه بيَدَيه. وسُئلِ: عمَّن معه مُصحفٌ وهو على غيرِ طَهارةٍ كيف يَحملُه؟ فأجابَ: ومَن كانَ معه مُصحفٌ فله أنْ يَحملَه بينَ قُماشِه، وفي خُرجِه، وله حَملُه سَواءٌ كانَ ذلك القُماشُ لرَجلٍ أو امرأةٍ أو صَبيٍّ وإنْ كانَ القُماشُ فوقَه أو تحتَه، واللهُ أعلَمُ (٢).

стр. 689

دُخولُ الحائِضِ المَسجدَ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَحرمُ على الحائِضِ اللُّبثُ في المَسجدِ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا أُحلُّ المَسجدَ لحائِضٍ ولا جُنبٍ» (١). كما اتَّفَقوا على جَوازِ عُبورِها في المَسجدِ دونَ لُبثٍ في حالةِ الضَّرورةِ والعُذرِ كخَوفٍ على نَفسٍ أو مالٍ قياسًا على الجُنبِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]. ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ عائِشةَ ﵂ بأنْ تُناولَه الخُمرةَ من المَسجدِ فقالَت: إنِّي حائِضٌ، فقالَ: «إنَّ حَيضَتَك ليسَت في يَدِك» (٢). ومَعنى قَولِه: «مِنْ المَسجدِ» أنَّه ﷺ قالَ ذلك لها وهو في المَسجدِ لتُناوِلَه إياها من خارِجِ المَسجدِ، لا أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَها أنْ تُخرجَها له من المَسجدِ؛ لأنَّه ﷺ كانَ في المَسجدِ مُعتكفًا، وكانَت عائِشةُ في حُجرتِها وهي حائِضٌ (٣). لكنَّ الحَنفيةَ قالوا: إنَّ الأَولى لها عندَ الضَّرورةِ أنْ تَتيممَ ثم تَدخلَ. ويَرى الحَنفيةُ والمالِكيةُ حُرمةَ دُخولِها إلى المَسجدِ مُطلقًا سَواءٌ كانَ للمُكثِ أو العُبورِ، واستَثنَى الحَنفيةُ من ذلك دُخولَها للطَّوافِ.

стр. 690

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى حُرمةِ مُرورِها في المَسجدِ إنْ خافَت تَلويثَه؛ لأنَّ تَلويثَه بالنَّجاسةِ مُحرمٌ والوَسائلُ لها حُكمُ المَقاصدِ. فإنْ أمِنَت تَلويثَه فذهَبَ الشافِعيةُ ما عَدا إمامَ الحَرمَين إلى كَراهةِ عُبورِها المَسجدَ، أمَّا إمامُ الحَرمَين فقالَ: يَحرمُ عليها مُطلقًا، سَواءٌ أمِنَت تَلويثَه أو لا. وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّها إنْ أمِنَت تَلويثَه فلا تُمنعُ من المُرورِ في المَسجدِ، وقالَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةِ إِبراهيمَ: تَمرُّ ولا تَقعُدُ؛ فإنْ خَشيَت تَلويثَه لم يَكنْ لها ذلك (١). الاستِمتاعُ بالحائِضِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على حُرمةِ وَطءِ الحائِضِ في الفَرجِ حتى يَنقطعَ حَيضُها لقَولِه تَعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «اصنَعوا كلَّ شَيءٍ -أي: في أثناءِ الحَيضِ- إلا النِّكاحَ» (٢).

стр. 691

وقد حَكى النَّوويُّ وشَيخُ الإِسلامِ وابنُ هُبيرةَ الإِجماعَ على ذلك. قالَ شَيخُ الإِسلامِ ﵀: وَطءُ النُّفساءِ كوَطءِ الحائِضِ حَرامٌ باتِّفاقِ الأئِمةِ (١). واستَثنى الحَنابِلةُ مَنْ به شَبقٌ لا تَندفعُ شَهوتُه بدونِ الوَطءِ في الفَرجِ ويَخافُ تَشقُّقَ أُنثَيَيه إنْ لم يَطَأْ، ولا يَجدُ غيرَ الحائِضِ، بألَّا يَقدرَ على مَهرِ امرأةٍ أُخرى. واتَّفقَ الفُقهاءُ أيضًا على جَوازِ الاستِمتاعِ من الحائِضِ فيما فوقَ السُّرةِ ودونَ الرُّكبةِ، ونقَلَ الإِجماعَ على ذلك ابنُ قُدامةَ والنَّوويُّ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الاستِمتاعُ من الحائِضِ فيما فوقَ السُّرةِ ودونَ الرُّكبةِ جائِزٌ بالنَّصِّ، والإِجماعِ، والوَطءُ في الفَرجِ مُحرمٌ بهما (٢). ثم اختَلَفوا في الاستِمتاعِ فيما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ. فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَحرمُ عليه الاستِمتاعُ بالحائِضِ فيما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ؛ لحَديثِ عائِشةَ ﵂ قالَت: «كانَت إحدانا إذا كانَت حائِضًا فأرادَ رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُباشِرَها أمَرَها أنْ تَتَّزرَ في فَورِ حَيضتِها، ثم يُباشرُها، قالَت: وأيُّكم يَملِكُ إرْبَه كما كانَ النَّبيُّ ﷺ يَملكُ إرْبَه» (٣)، ولأنَّ ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ حَريمٌ للفَرجِ ومَن يَرعى حَولَ الحِمى يُوشكُ أنْ يَرتعَ فيه.

стр. 692

وقد أجازَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ الاستِمتاعَ بما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ من وَراءِ حائِلٍ، ومنَعَ ذلك المالِكيةُ. وذهَبَ الإمامُ أحمدُ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ من الحَنفيةِ وأصبَغُ بنُ الفَرجِ من المالِكيةِ وبَعضُ أَصحابِ الشافِعيِّ قالَ النَّوويُّ: وهذا الوَجهُ أَقوى من حيثُ الدَّليلُ وهو المُختارُ، إلى جَوازِ الاستِمتاعِ من الحائِضِ فيما دونَ الفَرجِ، فله أنْ يَستمتعَ بما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ. واستحَبَّ الحَنابِلةُ سَتْرَ الفَرجِ عندَ المُباشرةِ، واحتَجُّوا على ذلك بقَولِه تَعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ والمَحيضُ اسمٌ لمَكانِ الحَيضِ، كالمَقيلِ والمَبيتِ، فتَخصيصُه مَوضعَ الدَّمِ بالاعتِزالِ دَليلٌ على إِباحتِه فيما عَداه. وبقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «اصنَعوا كلَّ شَيءٍ إلا النِّكاحَ» (١)، ولأنَّه منَعَ الوَطءَ لأجلِ الأذَى، فخَصَّ مَكانَه، كالدُّبرِ، وأمَّا حَديثُ عائِشةَ السابِقُ فهو دَليلٌ على حِلِّ ما فوقَ الإِزارِ لها على تَحريمِ غيرِه، وقد يَتركُ النَّبيُّ ﷺ بعضَ المُباحِ تَقذُّرًا، كتَركِه أكلَ الضَّبِّ والأرنَبِ، وبحَديثِ مَسروقٍ أنَّه قالَ لعائِشةَ ﵂: إنِّي أُريدُ أنْ أسألَكِ عن شَيءٍ وأنا أستَحْيِي، فقالَت: إنَّما أنا أُمُّك وأنتَ ابْني، فقالَ: ما يَحلُّ للرَّجلِ من امرأتِه إذا كانَت حائِضًا؟ فقالَت: «كلُّ شَيءٍ إلا فَرجُها» (٢).

стр. 693

وفي وَجهٍ عندَ الشافِعيةِ: إنْ كانَ المُباشرُ يَضبطُ نَفسَه عن الفَرجِ ويَثقُ من نَفسِه باجتِنابِه إمَّا لضَعفِ شَهوتِه وإمَّا لشِدةِ وَرعِه جازَ وإلا فلا. قالَ النَّوويُّ: وهذا الوَجهُ حَسنٌ، قالَه أبو العَباسِ البَصريُّ من أَصحابِنا (١). كَفارةُ وَطءِ الحائِضِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا جامَعَ ووَطِئَ امرأتَه وهي حائِضٌ هل تَجبُ عليه كَفارةٌ أو لا، بعدَ إِجماعِهم على أنَّه يأثَمُ. فذهَبَ الحَنابِلةُ في قَولٍ -وهو قَولُ الشافِعيِّ في القَديمِ- إلى أنَّ وَطءَ الحائِضِ يَجبُ عليه كَفارةٌ، وهي دِينارٌ أو نِصفُ دِينارٍ؛ لمَا رَواه ابنُ عَباسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ في الذي يَأتي امرأتَه وهي حائِضٌ: «يَتصدَّقُ بدِينارٍ أو بنِصفِ دِينارٍ» (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَجبُ عليه شَيءٌ، وقد ضعَّفوا هذا الحَديثَ، قالَ النَّوويُّ: وهو حَديثٌ ضَعيفٌ باتِّفاقِ الحُفاظِ.

стр. 694

إلا أنَّ الحَنفيةَ والشافِعيةَ استَحبُّوا أنْ يَتصدَّقَ بدِينارٍ إنْ كانَ الجِماعُ في أولِ الحَيضِ وبنِصفِه إنْ كانَ في آخِرِه (١). وَطءُ الحائِضِ بعدَ انقِطاعِ الحَيضِ وقبلَ الغُسلِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَحلُّ وَطءُ الحائِطِ حتى تَطهُرَ -يَنقطعَ الدَّمُ- وتَغتسِلَ، قالَ ابنُ المُنذرِ: هذا كالإِجماعِ منهم. قالَ ابنُ قُدامةَ المَقدسيُّ ﵀: وجُملتُه أنَّ وَطءَ الحائِضِ قبلَ الغُسلِ حَرامٌ، وإنِ انقطَعَ دَمُها، في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، قالَ ابنُ المُنذرِ: هذا كالإِجماعِ منهم. وقالَ أحمدُ بنُ مُحمدٍ المَرُّوذيُّ: لا أعلَمُ في هذا خِلافًا (٢). فلا يُباحُ وَطءُ الحائِضِ حتى تَغتسِلَ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى شرَطَ لحِلِّ الوَطءِ شَرطَين: الأولُ: انقِطاعُ الدَّمِ. والثاني: الغُسلُ. قالَ تَعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: يَنقطعَ دَمُهنَّ، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: إذا اغتسَلنَ ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ ولأنَّ اللهَ تَعالى قالَ في الآيةِ: ﴿وَيُحِبُّ

стр. 695

الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ فأثنَى عليهِنَّ، فيدُلُّ على أنَّه فِعلٌ منهم أثنَى عليهم به، وفِعلُهم هو الاغتِسالُ دونَ انقِطاعِ الدَّمِ، فشَرطَ لإِباحةِ الوَطءِ شَرطَين: انقِطاعَ الدَّمِ، والاغتِسالَ، فلا يُباحُ إلا بهما، كقَولِه تَعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] لمَّا اشتَرطَ لدَفعِ المالِ إليهم بُلوغَ النِّكاحِ والرُّشدِ لم يُبَحْ إلا بهما، وكذا ههنا، ولأنَّها مَمنوعةٌ من الصَّلاةِ لحَدثِ الحَيضِ، فلم يُبَحْ وَطؤُها كما لو انقطَعَ لأقَلِّ الحَيضِ (١). أمَّا الحَنفيةُ فقد فرَّقوا بينَ أنْ يَنقطعَ الدَّمُ لأكثَرِ مُدةِ الحَيضِ، وهي عَشرةُ أيامٍ، وبينَ أنْ يَنقطعَ لأقَلِّه، وهو ثَلاثةُ أَيامٍ، وكذا بينَ أنْ يَنقطعَ لتَمامِ عِدَّتِها، وبينَ أنْ يَنقطعَ قبلَ عادَتِها. فذهَبوا إلى أنَّه إذا انقطَعَ الدَّمُ لتَمامِ العَشرةِ، وهي أكثَرُ مُدةِ الحَيضِ عندَهم؛ فإنَّه يَحلُّ وَطؤُها بمُجردِ الانقِطاعِ، ولكنْ يُستحبُّ له ألَّا يَطأَها حتى تَغتسِلَ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بقِراءةِ تَخفيفِ الطاءِ وتَشديدِها، فمَعنى التَّخفيفِ: حتى يَنقطعَ حَيضُها، فنَحمِلُها على العَشرةِ، ومَعنى التَّشديدِ: حتى يَغتسِلنَ فحَمَلناه على ما دونَها عَملًا بالقِراءَتينِ.

стр. 696

ولأنَّ ما قبلَ العَشرةِ: لا يُحكمُ بانقِطاعِ الحَيضِ لاحتِمالِ عَودِ الدَّمِ، فيَكونُ حَيضًا. فإذا اغتسَلَت أو مَضى عليها وَقتُ صَلاةٍ دخَلَت في حُكمِ الطاهِراتِ، وما بعدَ العَشرةِ: حكَمْنا بانقِطاعِ الحَيضِ؛ لأنَّه لو رأتِ الدَّمَ لا يَكونُ حَيضًا، فلهذا حَلَّ وَطؤُها. وإنِ انقطَعَ دَمُها قبلَ أكثَرِ مُدةِ الحَيضِ أو لتَمامِ العادةِ في المُعتادةِ بأنْ لم يَنقُصْ عن العادةِ فإنَّه لا يَحلُّ وَطؤُها حتى تَغتسلَ أو تَتيممَ؛ لأنَّ الدَّمَ يَدرُّ تارةً ويَنقطعُ أُخرى، فلا بدَّ من الاغتِسالِ ليَترجَّحَ جانِبُ الانقِطاعِ. ولو لم تَغتسِلْ ومَضى عليها أدْنى وَقتِ الصَّلاةِ بقَدرِ أنْ تَقدِرَ على الاغتِسالِ والتَّحريمةِ حَلَّ وَطؤُها؛ لأنَّ الصَّلاةَ صارَت دَينًا في ذِمَّتِها، فطهُرَت حُكمًا، أي فإنَّه يُحكمُ بطَهارتِها بمُضيِّ ذلك الوَقتِ. أمَّا إذا انقطَعَ الدَّمُ قبلَ العادةِ وفوقَ الثَّلاثةِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ وَطؤُها حتى تَمضيَ عادَتُها وإنِ اغتسَلَت؛ لأنَّ العَودَ في العادةِ غالِبٌ، فكانَ الاحتِياطُ في الاجتِنابِ، فلو كانَ حَيضُها المُعتادُ لها عَشرةً فحاضَت ثَلاثةً وطهُرَت سِتةً لا يَحلُّ وَطؤُها ما لم تَمضِ العادةُ (١).

стр. 697

الحائِضُ إذا انقطَعَ حَيضُها ولم تَجدْ ماءً هل يَحلُّ لزَوجِها أنْ يُجامعَها: اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ الحائِضِ إذا طهُرَت من الحَيضِ ولم تَجدْ ماءً هل يَحلُّ لزَوجِها أنْ يَطأَها أو لا؟ فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ في المَشهورِ عنه إلى أنَّ المَرأةَ إذا انقطَعَ حَيضُها ولم تَجدْ ماءً؛ فإنَّه لا يَحلُّ وَطؤُها حتى تَتيممَ وتُصليَ به. وقالَ الإمامُ مالِكٌ: لا يَحلُّ وَطؤُها حتى تَغتسِلَ. وقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ: يَحلُّ وَطؤُها إذا تَيمَّمَت، وإنْ لم تُصَلِّ به (١). حُكمُ إِنزالِ الحَيضِ ورَفعِه بالدَّواءِ: نَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ للمَرأةِ شُربُ دَواءٍ مُباحٍ لقَطعِ الحَيضِ مُطلقًا، مع أمنِ الضَّررِ، وقالَ القاضِي: لا يُباحُ إلا بإذنِ الزَّوجِ كالعَزلِ؛ لأنَّ له حَقًّا في الوَلدِ. قالَ في «الإنصاف»: وهو الصَّوابُ. قالَ في «الفُروع» ويُؤيِّدُه قَولُ أحمدَ في بعضِ جَوابِه: والزَّوجةُ تَستأذنُ زَوجَها. وقالَ: وفِعلُ الرَّجلِ ذلك بها -أي: إِسقاؤُه إِياها دَواءً مُباحًا يَقطَعُ الحَيضَ من غيرِ عِلمِها- يَتوجَّهُ تَحريمُه، لإِسقاطِ حَقِّها مُطلقًا من النَّسلِ المَقصودِ. ويَجوزُ للمَرأةِ أيضًا شُربُ دَواءٍ مُباحٍ لحُصولِ الحَيضِ إلا أنْ يَكونَ لها

стр. 698

غَرضٌ مُحرَّمٌ شَرعًا كفِطرِ رَمضانَ، فلا يَجوزُ، ذكَرَه شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ (١). وأمَّا الإمامُ مالِكٌ ﵀ فقد كرِهَ أنْ تَشربَ المَرأةُ دَواءً لتَأخيرِ الحَيضِ. قالَ ابنُ رُشدٍ: إنَّما كرِهَه مَخافةَ أنْ تُدخلَ على نَفسِها ضَررًا بذلك في جِسمِها. أمَّا إذا شرِبَت المَرأةُ دَواءً لأجلِ تَعجيلِ الطُّهرِ من الحَيضِ كما لو كانَت عادَتُها أنْ يأتيَها الدَّمُ ثَمانيةَ أيامٍ فاستَعملَته بعدَ إِتيانِه ثَلاثةَ أَيامٍ فانقطَعَ؛ فإنَّه يُحكمُ لها بالطَّهارةِ. وأمَّا إنْ شرِبَت دَواءً لأجلِ تَعجيلِ نُزولِ الحَيضِ قبلَ وَقتِه فقد صرَّحَ المالِكيةُ بأنَّ النازِلَ غيرُ حَيضٍ وأنَّها طاهِرٌ ولا تَنقَضي به العِدةُ ولا تَحلُّ للزَّواجِ، وتُصلِّي وتَصومُ لاحتِمالِ كَونِه غيرَ حَيضٍ، وتَقضي الصَّومَ دونَ الصَّلاةِ احتِياطًا لاحتِمالِ أنَّه حَيضٌ (٢). أمَّا الشافِعيةُ فالظاهِرُ عندَهم الجَوازُ واللهُ أعلَمُ، فقد قالَ النَّوويُّ: ولو شرِبَت دَواءً للحَيضِ فحاضَت لم يَلزمْها القَضاءُ، أي: قَضاءُ الصَّلواتِ، وكذلك لو شرِبَت دَواءً وألقَت جَنينًا ونَفِسَت لم يَجبِ القَضاءُ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ تَركَ الصَّلاةِ في حَقِّ الحائِضِ والنُّفساءِ عَزيمةٌ (٣).

стр. 699

فدَلَّ كَلامُه ﵀ على أنَّه لا يَحرمُ عليها شُربُ دَواءٍ لجَلبِ الحَيضِ. وقد صرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّه إذا شرِبَت المَرأةُ دَواءً فنزَلَ الدَّمُ في أيامِ الحَيضِ؛ فإنَّه حَيضٌ وتَنقَضي به العِدةُ. قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: المُرضعُ التي لا تَرى الدَّمَ في مُدةِ إرضاعِها، لا تَنقَضي عِدتُها إلا بالحَيضِ. وقالَ في السِّراجِ: سُئلَ بعضُ المَشايخِ عن المُرضعةِ إذا لم تَرَ حَيضًا فعالَجَته حتى رأت صُفرةً في أيامِ الحَيضِ، قالَ: هو حَيضٌ تَنقَضي به العِدةُ (١). ما يَتَّفقُ فيه الحَيضُ والنِّفاسُ من أَحكامٍ وما يَختلفان فيه: قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: النُّفساءُ لها حُكمُ الحائِضِ لا خِلافَ فيه، ونقَلَ ابنُ جَريرٍ إِجماعَ المُسلِمينَ عليه، ونقَلَ المَحامليُّ اتِّفاقَ أَصحابِنا على أنَّ حُكمَها حُكمُ الحائِضِ في كلِّ شَيءٍ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وحُكمُ النُّفساءِ حُكمُ الحائِضِ في جَميعِ ما يَحرمُ عليها ويَسقطُ عنها لا نَعلمُ في هذا خِلافًا (٣). فدَلَّ ذلك على أنَّ حُكمَ النِّفاسِ حُكمُ الحَيضِ في سائِرِ أَحكامِه إلا في مَسائلَ:

стр. 700

١ - الاعتِدادُ بالحَيضِ دونَ النِّفاسِ؛ لأنَّ انقِضاءَ العِدةِ بالقُروءِ، والنِّفاسُ ليسَ بقُرءٍ، ولأنَّ العِدةَ تَنقَضي بوَضعِ الحَملِ. ٢ - حُصولُ البُلوغِ بالحَيضِ دونَ النِّفاسِ؛ حيثُ إنَّ البُلوغَ يَحصلُ قبلَه بالحَملِ؛ لأنَّ الوَلدَ يَنعقدُ من مائِها؛ لقَولِه تَعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق: ٦، ٧]. ٣ - الحَيضُ يَكونُ استِبراءً، بخِلافِ النِّفاسِ. ٤ - الحَيضُ لا يَقطعُ التَّتابُعَ في صَومِ الكَفارةِ بخِلافِ النِّفاسِ. ٥ - احتِسابُ الحَيضِ في مُدةِ الإيلاءِ دونَ النِّفاسِ. ٦ - يَحصلُ بالحَيضِ الفَصلُ بينَ طَلاقَيِ السُّنةِ والبِدعةِ بخِلافِ النِّفاسِ. ٧ - أقَلُّ الحَيضِ مَحدودٌ على اختِلافٍ فيه، ولا حَدَّ لأقَلِّ النِّفاسِ، وأكثَرُ الحَيضِ عَشرةٌ أو ثَلاثةَ عَشرَ أو خَمسةَ عَشرَ، وأكثَرُ النِّفاسِ مُختلَفٌ فيه: أكثَرُ النِّفاسِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في أكثَرِ مُدةِ النِّفاسِ: ذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأحمدُ إلى أنَّ أكثَرَ النِّفاسِ أربَعونَ يَومًا، قالَ في المُغني: هذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ: قالَ أبو عيسى التِّرمذيُّ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ من أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ ومَن بعدَهم على أنَّ النُّفساءَ تَدعُ الصَّلاةَ أربَعينَ يَومًا، إلا أنْ تَرى الطُّهرَ قبلَ ذلك؛ فإنَّها تَغتسِلُ وتُصلِّي. وقالَ أبو عُبيدٍ: وعلى هذا جَماعةُ الناسِ.

стр. 701

واحتَجُّوا على ذلك بما رَواه أبو داودَ وغيرُه عن أُمِّ سَلمةَ ﵂ قالَت: «كانَت النُّفساءُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ تَقعدُ بعدَ نِفاسِها أربَعينَ يَومًا أو أربَعينَ لَيلةً» (١). وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ والشافِعيُّ إلى أنَّ أكثَرَ النِّفاسِ سِتُّونَ يَومًا وهي رِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ حَكاها ابنُ عَقيلٍ واحتَجُّوا بما رُويَ عن الأَوزاعيِّ أنَّه قالَ: عندَنا امرَأةٌ تَرى النِّفاسَ شَهرَينِ، ورُويَ مِثلُ ذلك عن عَطاءٍ أنَّه وجَدَه، والمَرجعُ في ذلك إلى الوُجودِ. وعن الإمامِ مالِكٍ رِوايةٌ أُخرى أنَّه قالَ: لا حَدَّ لأكثَرِه، بل تَجلسُ أقصَى ما تَجلسُ النِّساءُ وتَرجعُ في ذلك إلى أهلِ العِلمِ والخِبرةِ منهُنَّ. ووَجهُ قَولِه هذا أنَّ العادةَ في هذا البابِ أصلٌ يُرجعُ إليه ويُعوَّلُ عليه، والنِّساءُ يَعرِفنَ ذلك ويُفرِّقنَ بينَ ما هو منه وما ليسَ منه، فيُرجعُ فيه إليهِنَّ. ويَدلُّ على هذه الجُملةِ قَولُه : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ فجعَلَهنَّ مُؤتَمناتٍ على ما يَخرُجنَ به من ذلك، وقَولُه ﷺ لفاطِمةَ بِنتِ أبي حُبَيشٍ أنَّها قالَت له: «إنَّ الدَّمَ قد غلَبَني فما أطهُرُ أفأدَعُ الصَّلاةَ؟» وذلك لخُروجِها عن عادَتِها وإنكارِها دَوامَه بها، فقالَ ﷺ : «إذا أقبَلَت الحَيضةُ فدَعي الصَّلاةَ فإذا أدبَرَت فاغتَسلي»، فوكَلَها إلى عِلمِها ومَعرِفتِها، ولم يُعلِّقْه بحَدٍّ (٢).

стр. 702

إذا انقطَعَ دَمُ النِّفاسِ قبلَ الغايةِ هل تُوطأُ؟ ذهَبَ الأئِمةُ الثَّلاثةُ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ إلى أنَّ المَرأةَ إذا انقطَعَ عنها دَمُ النِّفاسِ قبلَ الغايةِ؛ فإنَّها تَصومُ وتُصلِّي ويَطؤُها زَوجُها. وذهَبَ الإمامُ أحمدُ إلى أنَّه يُكرهُ للزَّوجِ أنْ يَطأَها قبلَ أنْ تَتمَّ الغايةُ عندَه، وهي أربَعونَ يَومًا؛ لحَديثِ عُثمانَ بنِ أبي العاصِ: «أنَّها أتَتْه -أي: امرأتُه- قبلَ الأربَعينَ، فقالَ: لا تَقرَبيني» (١). ولأنَّه لا يأمَنُ عَودَ الدَّمِ في زَمنِ الوَطءِ فيَكونُ وَطئًا في نِفاسٍ. قالَ ابنُ قُدامةَ: وهذا على سَبيلِ الاستِحبابِ؛ فإنَّا حَكَمنا لها بحُكمِ الطاهِراتِ، ولهذا يَلزمُها أنْ تَغتسلَ وتُصلِّيَ وتَصومَ. وإنْ عادَ دَمُها في مُدةِ الأربَعينَ ففيه رِوايتانِ، إحداهُما: أنَّه من نِفاسِها تَدعُ له الصَّومَ والصَّلاةَ، نُقلَ عن أحمدَ بنِ القاسِمِ أنَّه قالَ: فإنْ عاودَها الدَّمُ قبلَ الأربَعين أمسَكَت عن الصَّلاةِ والصَّومِ؛ فإنْ طهُرَت أيضًا اغتسَلَت

стр. 703

وصَلَّت وصامَت، وهذا قَولُ عَطاءٍ والشَّعبيِّ؛ لأنَّه دَمٌ في زَمنِ النِّفاسِ، فكانَ نِفاسًا كالأولِ، وكما لو اتَّصلَ. والثانيةُ: أنَّه مَشكوكٌ فيه، تَصومُ وتُصلِّي ثم تَقضي الصَّومَ احتِياطًا، وهذه الرِّوايةُ المَشهورةُ عنه نقَلَها الأثرَمُ وغيرُه، ولا يأتيها زَوجُها، وإنَّما ألزَمَها فِعلَ العِباداتِ في هذا الدَّمِ؛ لأنَّ سَببَها مُتيقَّنٌ، وسُقوطُها بهذا الدَّمِ مَشكوكٌ فيه، فلا يَزولُ اليَقينُ بالشَّكِّ، وأمَرَها بالقَضاءِ احتِياطيًّا؛ لأنَّ وُجوبَ الصَّلاةِ والصَّومِ مُتيقَّنٌ، وسُقوطُ الصَّومِ بفِعلِه في هذا الدَّمِ مَشكوكٌ فيه، فلا يَزولُ بالشَّكِّ. والفَرقُ بينَ هذا الدَّمِ وبينَ الزائِدِ على السِّتِّ والسَّبعِ في حَقِّ الناسيَةِ حيثُ لا يَجبُ قَضاءُ ما صامَته فيه مع الشَّكِّ؛ لأنَّ الغالِبَ مع عاداتِ النِّساء كَونُها سِتًّا أو سَبعًا، وما زادَ عليه نادِرٌ بخِلافِ النِّفاسِ، ولأنَّ الحَيضَ يَتكرَّرُ، فيَشقُّ إِيجابُ القَضاءِ فيه، والنِّفاسُ بخِلافِه، وكذلك الدَّمُ الزائِدُ على العادةِ في الحَيضِ. وقالَ مالِكٌ: إنْ رأتِ الدَّمَ بعدَ يَومَين أو ثَلاثةٍ فهو نِفاسٌ، وإنْ تَباعدَ ما بينَهما فهو حَيضٌ، ولأَصحابِ الشافِعيِّ وَجهانِ فيها إذا رأتِ الدَّمَ يَومًا ولَيلةً بعدَ طُهرٍ خَمسةَ عَشرَ يَومًا. أحدُهما: يَكونُ حَيضًا، والثاني: يَكونُ نِفاسًا. وقالَ القاضِي: إنْ رأتِ الدَّمَ أقَلَّ من يَومٍ ولَيلةٍ بعدَ طُهرٍ خَمسةَ عَشرَ يَومًا، فهو دَمُ فَسادٍ تُصلِّي وتَصومُ ولا تَقضي، وهذا قَولُ أبي ثَورٍ وإنْ كانَ الدَّمُ الثاني

стр. 704

يَومًا ولَيلةً فالحُكمُ فيه كما قُلناه، من أنَّها تَصومُ وتُصلِّي وتَقضي الصَّومَ (١). الدَّمُ النازِلُ بعدَ السَّقطِ هل هو دَمُ نِفاسٍ أو لا؟ اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المَرأةَ إذا أسقَطَت جَنينًا قد استَبانَ بعضُ خَلقِه كأُصبُعٍ مَثلًا فهو وَلدٌ تَصيرُ به المَرأةُ نُفساءَ؛ لأنَّه بَدءُ خَلقِ آدَميٍّ وتَنقَضي به عِدةُ المَرأةِ. إلا أنَّهم اختَلَفوا فيما إذا لم يَستَبنْ شَيءٌ من خَلقِه هل يُعتبَرُ الدَّمُ النازِلُ بعدَ ذلك دَمَ نِفاسٍ أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا لم يَستبِنْ خَلقُ الجَنينِ؛ فإنَّ الدَّمَ النازِلَ لا يُعتبَرُ نِفاسًا وإنَّما هو دَمُ استِحاضةٍ إلا إنْ أمكَنَ جَعلُه دَمَ حَيضٍ عندَ الحَنفيةِ. قالَ الحَنفيةُ: السَّقطُ إذا استَبانَ بعضُ خَلقِه كإصبَعٍ أو ظُفرٍ فهو مِثلُ الوَلدِ التامِّ يَتعلَّقُ به أَحكامُ الوِلادةِ من انقِضاءِ العِدةِ وصَيرورةِ المَرأةِ نُفساءَ لحُصولِ العِلمِ بكَونِه وَلدًا مَخلوقًا عن الذَّكرِ والأُنثَى. وإذا لم يَكُنِ استَبانَ من خَلقِه شَيءٌ فهذه عَلقةٌ أو مُضغةٌ فلم يَكنْ للدَّمِ المَرئيِّ بعدَها حُكمُ النِّفاسِ وأنَّه ليسَ بوَلدٍ؛ لأنَّا لا نَدري ذاكَ هو المَخلوقُ من مائِهما أو دَمٌ جامِدٌ أو شَيءٌ من الأَخلاطِ الرَّديةِ استَحالَ إلى صُورةِ لَحمٍ

стр. 705

فلا يَتعلَّقُ به شَيءٌ من أَحكامِ الوِلادةِ ولا تُصبحُ به المَرأةُ نُفساءَ ولا تَنقَضي به عِدَّتُها؛ لأنَّ الحَملَ اسمٌ لنُطفةٍ مُتغيرةٍ بدَليلِ أنَّ الساقِطَ إذا كانَ عَلقةً أو مُضغةً لم تَنقَضِ به العِدةُ؛ لأنَّها لم تَتغيَّرْ، فلا يُعرفُ كَونُها مُتغيرةً بيَقينٍ إلا باستِبانةِ بعضِ الخَلقِ. وقالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: إنَّه لا يَستَبينُ خَلقُه إلا بعدَ مِئةٍ وعِشرينَ يَومًا، وظاهِرُ ما قدَّمَه عن الذَّخيرةِ أنَّه لا بدَّ من وُجودِ الرأسِ. وفي الشُّمُنيِّ: ولو ألقَت مُضغةً ولم يَتبيَّنْ شَيءٌ من خَلقِه فشهِدَت ثِقاتٌ من القَوابلِ أنَّه مَبدأُ خَلقِ آدَميٍّ ولو بَقيَ لتَصوَّرَ فلا غِرةَ فيه وتَجبُ فيه عندَنا حُكومةٌ (١). ولكنْ إنْ أمكَنَ جَعلُ المَرئيِّ من الدَّمِ حَيضًا بأنْ يَدومَ إلى أقَلِّ مُدةِ الحَيضِ، وتقدَّمَه طُهرٌ تامٌّ يُجعلُ حَيضًا، وإنْ لم يُمكِنْ كانَ استِحاضةً. وقالَ السَّرخَسيُّ: فإنْ رأتِ الدَّمَ قبلَ إِسقاطِ السَّقطِ؛ فإنْ كانَ السَّقطُ مُستَبينَ الخَلقِ لا تَتركُ الصَّلاةَ والصَّومَ بالدَّمِ المَرئيِّ قبلَه، وإنْ كانَت ترَكَت الصَّلاةَ فعليها قَضاؤُها؛ لأنَّه تَبيَّن أنَّها كانَت حامِلًا حينَ رأتِ الدَّمَ وليسَ لدَمِ الحامِلِ حُكمُ الحَيضِ وهي نُفساءُ فيما تَراه بمَدِّ السَّقطِ. وإنْ لم يَكُنِ السَّقطُ مُستَبينَ الخَلقِ فما رأتْه قبلَ السَّقطِ حَيضٌ، إنْ أمكَنَ أنْ يُجعلَ حَيضًا بأنْ وافَقَ أيامَ عادَتِها وكانَ مَرئيًّا عُقَيبَ طُهرٍ صَحيحٍ؛
следующие страницы →