والقَولُ الثَّاني: أنَّ القولَ قَولُ المُوكِّلِ، إلَّا أنْ يَأتيَ الوَكيلُ ببيِّنةٍ، وهو المَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ وقَولٌ لِلشَّافِعيةِ؛ لأنَّه قبَض المالَ لِنَفْعِ نَفْسِه، فلَمْ يُقبَلْ قَولُه في الرَّدِّ، كالمُستَعيرِ، وسَواءٌ اختَلَفا في رَدِّ العَينِ، أو في رَدِّ ثَمَنِها (١).
وقالَ الحَطَّابُ ﵀ مِنْ المالِكيَّةِ: وفي المَسألةِ أربَعةُ أقوالٍ، ذكَرها ابنُ رُشدٍ في كِتابِ الوَديعةِ مِنْ المُقدِّماتِ في الرَّسمِ المَذكورِ، ونقَله ابنُ عَرفةَ وابنُ عَبدِ السَّلامِ والمُصنِّفُ في «التَّوضيحِ».
وَنَصُّ كَلامِ ابنِ رُشدٍ ﵀: اختُلِفَ في الوَكيلِ يَدَّعِي أنَّه دفَع إلى مُوكِّلِه ما قبَض له مِنْ الغُرَماءِ، أو ما باعَ به مَتاعَه، على أربَعةِ أقوالٍ:
أحَدُها: أنَّ القولَ قَولُه مَع يَمينِه، جُملةً مِنْ غيرِ تَفصيلٍ، وهو قَولُه في هذه الرِّوايةِ، وفي رَسمِ البَزِّيِّ مِنْ سَماعِ ابنِ القاسِمِ مِنْ المِدْيانِ والتَّفليسِ، وفي آخِرِ الوَكالةِ مِنْ المُدوَّنةِ.
والثَّاني: أنَّه إنْ كانَ بقُربِ ذلك بالأيَّامِ اليَسيرةِ فالقَولُ قَولُ المُوكِّلِ أنَّه
стр. 6407
ما قبَض شَيئًا، وعلى الوَكيلِ البيِّنةُ، وإنْ تَباعَدَ الأمْرُ، كالشَّهرِ ونحوِه، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ مَع يَمينِه، وإنْ طالَ الأمْرُ جِدًّا لَم يَكُنْ على الوَكيلِ بيِّنةٌ، فهو قَولُ مُطَرِّفٍ.
والثَّالثُ: إنْ كانَ بحَضرةِ ذلك في الأيَّامِ اليَسيرةِ صُدِّقَ الوَكيلُ مَع يَمينِه، وإنْ طالَ الأمرُ جِدًّا صُدِّقَ دونَ يَمينٍ، وهو قَولُ ابنِ الماجِشونِ وابنِ عَبدِ الحَكَمِ.
والرَّابِعُ: تَفرِقةُ أصبَغَ بينَ الوَكيلِ على شَيءٍ بعَينِه، فهو غارِمٌ حتى يُقيمَ البيِّنةَ، وإنْ طالَ الأمْرُ، والوَكيلُ المُفَوَّضُ يُصدَّقُ في القُربِ مَع يَمينِه، وفي البُعدِ دونَ يَمينٍ. انتَهَى.
وقالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀ في «شَرحِ قَولِ الرِّسالةِ»: ومَن قالَ: رَدَدتُ إلَيكَ ما وَكَّلتَني عليه هذا؛ لأنَّ الوَكيلَ والمُودَعَ والرَّسولَ مُؤتمَنونَ فيما بينَهم وبينَ المُوكِّلِ والمُودَعِ والمُرسِلِ؛ فإذا ذَكَروا أنَّهم رَدُّوا ما دُفِعَ إليهم إلى أربابِه، قُبِلَ ذلك مِنهُم؛ لأنَّ أربابَ الأموالِ قَدِ ائتَمَنوهم على ذلك، فكانَ قَولُهم مَقبولًا فيما بينَهم وبينَهم، وكَذلك العامِلُ في القِراضِ مُؤتمَنٌ في رَدِّ القِراضِ ما بينَه وبينَ المالِكِ، إلَّا أنْ يَكونَ واحِدٌ مِنهم أخَذَ المالَ ببيِّنةٍ، فلا تُبْرِئُه دَعوَى رَدِّه، إلَّا أنْ يَكونَ له بيِّنةٌ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ حينَئذٍ لو لَم يَأتَمِنْه لَمَا استَوثَقَ مِنه بالبيِّنةِ. انتَهَى.
تَنبيهاتٌ: الأوَّلُ: قَولُ المُصنِّفِ: كالمُودَعِ، يُشيرُ به -واللَّهُ أعلَمُ- إلى أنَّ الوَكيلَ إنَّما يُصدَّقُ في رَدِّ ما وُكِّلَ عليه إلى رَبِّه إذا قَبَضَه بغيرِ إشهادٍ، وأمَّا
стр. 6408
ما قَبَضَه بإشهادٍ فلا يُصدَّقُ في رَدِّه، كما صرَّح به القاضي عَبدُ الوَهَّابِ والفاكِهانيُّ والزَّناتيُّ وغيرُهم.
الثَّاني: يَظهَرُ مِنْ كَلامِ ابنِ رُشدٍ المُتقدِّمِ أنَّه لا بدَّ مِنْ اليَمينِ مُطلَقًا، طالَ الزَّمانُ أو لَم يَطُلْ، ويَظهَرُ مِنْ كَلامِ ابنِ عَرفةَ أنَّ اليَمينَ تَسقُطُ مَع طُولِ المُدَّةِ.
الثَّالثُ: الوَكيلُ مُصَدَّقٌ في الرَّدِّ إلى مُوكِّلِه، ولو ادَّعى ذلك بعدَ مَوتِ مُوكِّلِهم، كما يُفهَم ذلك مِنْ عُمومِ كَلامِ ابنِ رُشدٍ في سَماعِ ابنِ القاسِمِ في سَماعِ عيسَى مِنْ كِتابِ البَضائِعِ والوَكالاتِ، وكما يُصَرِّحُ به البُرْزُلِيُّ في مَسائِلِ الوَكالاتِ.
وهذا -واللَّهُ أعلَمُ- ليسَ خاصًّا بالوَكيلِ والمُوكِّلِ، بَلْ هو عامٌّ في كلِّ ما كانَ يُصدَّقُ في دَعواه الرَّدَّ وَكيلٌ أو مُودَعٌ، إذا ادَّعى إيصالَ ذلك إلى اليَدِ التي دفَعتْ إليه، سَواءٌ كانَ الدَّافِعُ حَيًّا أو مَيِّتًا، أنَّه يُصدَّقُ في ذلك، واللَّهُ أعلَمُ، وهذا واضِحٌ، وإنَّما نَبَّهتُ عليه لأنَّ بعضَ أهلِ العَصرِ مِنْ أهلِ المَغرِبِ تَوقَف في ذلك حتى أطلَعتُه على النَّصِّ في ذلك، واللَّهُ أعلَمُ (١).
الحالةُ الخامِسةُ: الِاختِلافُ في أصْلِ الوَكالةِ:
إذا اختَلَفا في أصْلِ الوَكالةِ، بأنْ قالَ: وَكَّلتَني، وقالَ الآخَرُ: لَم أُوكِّلْكَ، فذهَب فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ
стр. 6409
إلى أنَّ القولَ قَولُ المُنكِرِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الوَكالةِ، فلَمْ يَثبُتْ أنَّه أمينُه لِيُقبَلَ قَولُه عليه.
قالَ الحَنفيَّةُ: إذا أنكَرَ المُوكِّلُ الوَكالةَ فالقَولُ في ذلك قَولُه مَع يَمينِه (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: وإنِ اختُلِفَ في أصلِ الإذْنِ، بأنْ قالَ: وَكَّلتَني، وقالَ: ما وَكَّلتُكَ؛ فالقَولُ قَولُ المُوكِّلِ (٢).
قالَ الشَّافِعيَّةُ: وإنِ اختَلَفا في أصْلِ الوَكالةِ، كَأنْ قالَ: وَكَّلتَني في كذا، فأنكَرَ، أو في صِفَتِها، كَأنْ قالَ: وَكَّلتَني في البَيعِ نَسيئةً، أوِ الشِّراءِ بعِشرينَ، فقالَ: بَلْ نَقدًا، أو بعَشَرةٍ، فالقَولُ قَولُ المُوكِّلِ بيَمينهِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الإذْنِ فيما ذكَره الوَكيلُ، ولأنَّ المُوكِّلَ أعرَفُ بحالِ الإذْنَ الصَّادِرِ منه (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنِ اختَلَفا في أصلِ الوَكالةِ، فقالَ: وَكَّلتَني، فأنكَرَ المُوكِّلُ، فالقَولُ قَولُ المُنكِرِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الوَكالةِ، فلَمْ يَثبُتْ أنَّه أمينُه لِيُقبَلَ قَولُه عليه.
ولو قالَ: وَكَّلتُكَ ودَفَعتُ إلَيكَ مالًا، فأنكَرَ الوَكيلُ ذلكَ كلَّه، أوِ اعتَرَفَ بالتَّوكيلِ، وأنكَرَ دَفْعَ المالِ إليه، فالقَولُ قَولُه لِذلك.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولو قالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: وَكَّلتَني أنْ أتَزوَّج لكَ فُلانةَ بصَداقِ كذا، ففَعَلتُ، وادَّعَتِ المَرأةُ ذلك، فأنكَرَ المُوكِّلُ، فالقَولُ
стр. 6410
قَولُه، نَصَّ عليه أحمَدُ، فقالَ: إنْ أقامَ البيِّنةَ وإلَّا لَم يَلزَمِ الآخَرَ عَقدُ النِّكاحِ، قالَ أحمَدُ: ولا يُستَحلَفُ، قالَ القاضي: لأنَّ الوَكيلَ يَدَّعي حَقًّا لِغيرِه، فأمَّا إنِ ادَّعَتْه المَرأةُ يَنبَغي أنْ يُستَحلَفَ؛ لأنَّها تَدَّعي الصَّداقَ في ذِمَّتِه؛ فإذا حلَف لَم يَلزَمْه الصَّداقُ، ولَم يَلزَمِ الوَكيلَ مِنه شَيءٌ؛ لأنَّ دَعوَى المَرأةِ على المُوكِّل وحُقوقَ العَقدِ لا تَتعلَّقُ بالوَكيلِ.
وَنقَل إسحاقُ بنُ إبراهيمَ عن أحمدَ أنَّ الوَكيلَ يَلزَمُه نِصفُ الصَّداقِ؛ لأنَّ الوَكيلَ في الشِّراءِ ضامِنٌ لِلثَّمنِ، ولأنَّ لِلبائِعِ مُطالَبتَه به، كذا ههُنا، والأوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْناه، ويُفارِقُ الشِّراءَ؛ لأنَّ الثَّمنَ مَقصودُ البائِعِ، ولأنَّ العادةَ تَعجِيلُه، وأخْذَه مِنْ المُتَوَلي لِلشِّراءِ، ولأنَّ النِّكاحَ بخِلافِه في هذا كلِّه، ولكنْ إنْ كانَ الوَكيلُ ضَمِن المَهرَ فلَها الرُّجوعُ عليه بنِصفِهِ؛ لأنَّه ضَمِنه عن المُوكِّلِ، وهو مُقِرٌّ بأنَّه في ذِمَّتِه، وبِهذا قالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ الشَّافِعيُّ.
وقالَ مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ: يَلزَمُ الوَكيلَ جَميعُ الصَّداقِ؛ لأنَّ التَّفرِقةَ لَم تَقَعْ بإنكارِه، فيَكونُ ثابِتًا في الباطِنِ، فيَجِبُ جَميعُ الصَّداقِ.
ولَنا: أنَّه يَملِكُ الطَّلاقَ؛ فإذا أنكَرَ فقَد أقَرَّ بتَحريمِها عليه، فصارَ بمَنزِلةِ إيقاعِه لِمَا تَحرُمُ به، قالَ أحمَدُ: ولا تَتَزوَّجُ المَرأةُ حتى يُطلِّقَ، لَعَلَّه يَكونُ كاذِبًا في إنكارِه، وظاهِرُ هذا تَحريمُ نِكاحِها قبلَ طَلاقِها؛ لأنَّها مُعتَرِفةٌ بأنَّها زَوجةٌ له، فيُؤخَذُ بإقرارِها، وإنكارُه ليسَ بطَلاقٍ.
وَهَل يَلزَمُ المُوكِّلَ طَلاقُها؟ يُحتمَلُ ألَّا يَلزَمَه؛ لأنَّه لَم يَثبُتْ في حَقِّه نِكاحٌ ولو ثَبَتَ لَم يُكَلَّفِ الطَّلاقَ ويُحتمَلُ أنْ يُكلَّفَه؛ لِإزالةِ الِاحتِمالِ
стр. 6411
وإزالةِ الضَّرَرِ عَنها بما لا ضَرَرَ عليه فيه، فأشبَهَ النِّكاحَ الفاسِدَ.
ولو ادَّعى أنَّ فُلانًا الغائِبَ وكَّله في تَزويجِ امرَأةٍ، فتَزوَّجها له ثم ماتَ الغائِبُ، لَم تَرِثْه المَرأةُ، إلَّا أنْ يُصَدِّقَه الوَرثةُ، أو يُثْبِتَ ببيِّنةٍ.
وإنْ أقَرَّ المُوكِّلُ بالتَّوكيلِ في التَّزويجِ وأنكَرَ أنْ يَكونَ الوَكيلُ تَزوَّج له فههُنا الِاختِلافُ في تَصرُّفِ الوَكيلِ، والقَولُ قَولُ الوَكيلِ فيه، فيَثبُتُ التَّزويجُ ههُنا.
وقالَ القاضي ﵀: لا يَثبُتُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّه لا تَتَعَذَّرُ إقامةُ البيِّنةِ عليه؛ لِكَونِه لا يَنعَقِدُ إلَّا بها، وذكَر أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه، وأشارَ إلى نَصِّه فيما إذا أنكَرَ المُوكِّلُ الوَكالةَ مِنْ أصْلِها.
ولَنا: أنَّهما اختَلَفا في فِعلِ الوَكيلِ ما أُمِرَ به، فكانَ القَولُ قوله، كما لو وكَّله في بَيعِ ثَوبٍ، فادَّعى أنَّه باعَه، أو في شِراءِ عَبدٍ بألْفٍ، فادَّعى أنَّه اشتَراه به، وما ذكَره القاضي مِنْ نَصِّ أحمدَ فيما إذا أنكَرَ المُوكِّلُ الوَكالةَ فليسَ بنَصٍّ ههُنا؛ لِاختِلافِ أحكامِ الصُّورَتَيْنِ وتَبايُنهِما، فلا يَكونُ النَّصُّ في إحداهُما نَصًّا في الأُخرَى، وما ذكَره مِنْ المعنَى لا أصِلَ له، فلا يُعَوَّلُ عليه.
ولو غابَ رَجُلٌ فجاءَ آخَرُ إلى امرَأتِه فذكَر أنَّ زَوجَها طَلَّقها وأبانَها، ووكَّله في تَجديدِ نِكاحِها بألْفٍ، فأذِنَتْ في نِكاحِها، فعقَد عليها وضَمِن الوَكيلُ الألْفَ، ثم جاءَ زَوجُها فأنكَرَ هذا كلَّه، فالقَولُ قَولُه، والنِّكاحُ الأوَّلُ بحالِه، وقياسُ ما ذَكَرْناه أنَّ المَرأةَ إنْ صدَّقتِ الوَكيلَ لَزِمَه الألْفُ، إلَّا أنْ يُبِينَها زَوجُها قبلَ دُخولِ الثَّاني بها، وحُكيَ ذلك عن مالِكٍ وزُفَرَ.
стр. 6412
وحُكيَ عن أبي حَنيفةَ والشَّافِعيِّ أنَّه لا يَلزَمُ الضَّامِن شَيءٌ؛ لأنَّه فَرعٌ عن المَضمونِ عنه، ولَم يَلزَمِ المَضمونَ عنه شَيءٌ، فكَذلك فَرعُه.
ولَنا: أنَّ الوَكيلَ مُقِرٌّ بأنَّ الحَقَّ في ذِمَّةِ المَضمونِ عنه، وأنَّه ضامِنٌ عنه، فلَزِمَه ما أقَرَّ به، كما لو ادَّعى على رَجُلٍ أنَّه ضَمِن له ألْفًا على أجنَبِيٍّ، فأقَرَّ الضَّامِنُ بالضَّمانِ وصِحَّتِه، وثُبوتِ الحَقِّ في ذِمَّةِ المَضمونِ عنه، وكما لو ادَّعى شُفعةً على إنسانٍ في شِقصٍ اشتَراه، فأقَرَّ البائِعُ بالبَيعِ، فأنكَرَه المُشتَرِي؛ فإنَّ الشَّفِيعَ يَستحقُّ الشُّفعةَ في أصَحِّ الوَجهيْنِ، وإنْ لَم تَدَّعِ المَرأةُ صِحَّةَ ما ذكَره الوَكيلُ فلا شَيءَ عليه، ويُحتمَلُ أنَّ مَنْ أسقَطَ عنه الضَّمانَ أسقَطَه في هذه الصُّورةِ، ومَن أوجَبَه في الصُّورةِ الأُخرَى لا يَكونُ فيها اختِلافٌ، واللَّهُ أعلَمُ (١).
الحالةُ السَّادِسةُ: الِاختِلافُ في صِفةِ الوَكالةِ:
إذا اختَلفَ المُوكِّلُ والوَكيلُ في صِفةِ الوَكالةِ، بأنْ قالَ المُوكِّلُ: وَكَّلتُكَ في بَيعِ هذا الثَّوبِ، فقالَ: بَلْ وَكَّلتَني في بَيعِ هذه الدَّابَّةِ، أو قالَ: وَكَّلتُكَ في البَيعِ بألْفَيْنِ، فقالَ: بَلْ بألْفٍ، أو قالَ: وَكَّلتُكَ في بَيعِه نَقدًا، فقالَ: بَلْ نَسيئةً، أو قالَ: وَكَّلتُكَ في شِراءِ عَبدٍ، فقالَ: بَلْ في شِراءِ أَمَةٍ، أو قالَ: وَكَّلتُكَ في الشِّراءِ بخَمسةٍ، قالَ: بَلْ بعَشَرةٍ.
стр. 6413
فاختَلفَ الفُقهاءُ في تَحديدِ مَنْ يَكونُ القَولُ قوله، هَلِ القَولُ قَولُ المُوكِّلِ أو قَولُ الوَكيلِ؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ اختارَه ابنُ قُدامةَ إلى أنَّ القولَ قَولُ المُوكِّلِ؛ لأنَّه مُنكِرٌ لِلعَقدِ الذي يَدَّعِيه الوَكيلُ، فأشبَهَ ما لو أنكَرَ أصْلَ الوَكالةِ، فكَذلك، ولأنَّهما اختَلَفا في صِفةِ قَولِ المُوكِّلِ، فكانَ القَولُ قوله، كما لو اختَلفَ الزَّوجانِ في صِفةِ أصْلِ الطَّلاقِ (١).
إلَّا أنَّ المالِكيَّةَ استَثنَوْا مِنْ هذا الحُكمِ صُورَتَيْنِ، حيثُ يُقبَلُ قَولُ الوَكيلِ فيهِما:
الصُّورةُ الأُولَى: إذا دفَع له ثَمَنًا، وقالَ: اشتَرِ لي به سِلعةً، فاشترَى به سِلعةً غيرَها، وقالَ: بذلك أمَرتَني، وخالَفَه الآمِرُ؛ فإنَّ القولَ قَولُ الوَكيلِ مَع يَمينهِ؛ فإذا حلَف الوَكيلُ لَزِمَتِ السِّلعةُ المُوكِّلَ.
стр. 6414
والصُّورةُ الثَّانيةُ: إذا وكَّله في بَيعِ شَيءٍ فباعَه الوَكيلُ بعَشَرةٍ مثلًا، وأشبَهَتْ أنْ تَكونَ ثَمَنًا لِذلك المَبيعِ، وقُلتَ أنتَ: ما أمَرتُكَ أنْ تَبيعَها إلَّا بأكثَرَ مِنْ عَشَرةٍ، والحالُ أنَّ المَبيعَ فاتَ بيَدِ المُشتَرِي بزَوالِ عَينهِ؛ لأنَّ الفَواتَ هُنا كالِاستِحقاقِ، لا تَفوتُ السِّلعةُ إلَّا بزَوالِ عَينِها، فلا تَفوتُ بعِتقٍ ولا بهِبةٍ، وما أشبَهَ ذلك، أوْ لَم تَفُتِ السِّلعةُ بيَدِ المُشتَرِي، ولَم تَحلِفْ أنتَ يا مُوكِّلُ، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ أيضًا، ويَبرَأُ؛ لأنَّه مُدَّعٍ عليه الضَّمانَ، أمَّا إنْ حلَف المُوكِّلُ مَع قيامِ السِّلعةِ؛ فإنَّه يَأخُذُها؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ مِلْكِه على سِلعَتِه فمَن أحَبَّ إخراجَها عن مِلْكِه فهو مُدَّعٍ، ورَبُّ السِّلعةِ مُدَّعًى عليه (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا القَولُ أصَحُّ؛ لوَجهينِ:
أحَدُهما: أنَّهما اختَلَفا في التَّوكيلِ الذي يَدَّعِيه الوَكيلُ، والأصلُ عَدمُه، فكانَ القَولُ قولَ مَنْ يَنفِيه، كما لو لَم يُقِرَّ المُوكِّلُ بتَوكيلِه في غيرِه.
والآخَرُ: أنَّهما اختَلَفا في صِفةِ قَولِ المُوكِّلِ، فكانَ القَولُ قوله في صِفةِ كَلامِه، كما لو اختَلفَ الزَّوجانِ في صِفةِ الطَّلاقِ، فعلى هذا إذا قالَ: اشترَيتُ لكَ هذه الجاريةَ بإذْنِكَ، قالَ: ما أذِنتُ لكَ إلَّا في شِراءِ غيرِها، أو قالَ: اشترَيتُها لكَ بألْفَيْنِ، فقالَ: ما أذِنتُ لكَ في شِرائِها إلَّا بألْفٍ، فالقَولُ
стр. 6415
قَولُ المُوكِّلِ، وعليه اليَمينُ؛ فإذا حلَف أُبْرِئَ مِنْ الشِّراءِ، ثم لا يَخلو إمَّا أنْ يَكونَ الشِّراءُ بعَينِ المالِ أو في الذِّمةِ:
فَإنْ كانَ بعَينِ المالِ فالبَيعُ باطِلٌ، وتُرَدُّ الجاريةُ على البائِعِ إنِ اعتَرفَ بذلك، وإنْ كذَّبه في أنَّ الشِّراءَ لِغيرِه أو بمالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فالقَولُ قَولُ البائِعِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ ما في يَدِ الإنسانِ له، فإنِ ادَّعى الوَكيلُ عِلمَه بذلك حلَفه بأنَّه لا يَعلَمُ أنَّه اشتَراه بمالِ مُوكِّلِه؛ لأنَّه يَحلِفُ على نَفْيِ فِعلِ غيرِه، فكانَتْ يَمينُه على نَفْيِ العِلمِ؛ فإذا حلَف أمضَى البَيعَ، وعلى الوَكيلِ غَرامةُ الثَّمنِ لِمُوكِّلِه، ودَفْعُ الثَّمنِ إلى البائِعِ، وتَبقَى الجاريةُ في يَدِه، ولا تَحِلُّ له؛ لأنَّه لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ صادِقًا، فتَكونَ لِلمُوكِّلِ، وإمَّا أنْ يَكونَ كاذِبًا فتَكونَ لِلبائِعِ؛ فإذا أرادَ استِحلالَها اشتَراها ممَّن هي له في الباطِنِ، فإنِ امتَنَعَ مِنْ بَيعِه إيَّاها رَفَعَ الأمْرَ إلى الحاكِمِ لِيَرفُقَ به لِيَبيعَه إيَّاها لِيَثبُتَ المِلْكُ له ظاهِرًا وباطِنًا، ويَصيرَ ما ثَبَتَ له في ذِمَّتِه ضِمنًا قِصاصًا بالَّذي أخَذَ مِنه الآخَرُ ظُلمًا، فإنِ امتَنَعَ الآخَرُ مِنْ البَيعِ لَم يُجبَرْ عليه؛ لأنَّه عَقدُ مُراضاةٍ.
وإنْ قالَ: إنْ كانَتِ الجاريةُ لي فقَد بِعتُكَها، أو قالَ المُوكِّلُ: إنْ كُنْتُ أذِنتُ لكَ في شِرائِها بألْفَيْنِ فقَد بِعتُكَها، ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يَصحُّ، وهو قَولُ القاضي، وبعضِ الشَّافِعيَّةِ؛ لأنَّه بَيعٌ مُعلَّقٌ على شَرطٍ.
والآخَرُ: يَصحُّ؛ لأنَّ هذا أمْرٌ واقِعٌ يَعلَمانِ وُجودَه، فلا يَضُرُّ جَعلُه شَرطًا، كما لو قالَ: إنْ كانَتْ هذه الجاريةُ جاريَتي فقَد بِعتُكَها، وكذا كلُّ
стр. 6416
شَرطٍ علِما وُجودَه؛ فإنَّه لا يُوجِبُ وُقوعَ البَيعِ ولا شَكًّا فيهِ.
فأمَّا إنْ كانَ الوَكيلُ اشترَى في الذِّمةِ ثم نقَد الثَّمنَ، صَحَّ الشِّراءُ، ولَزِمَ الوَكيلَ في الظَّاهِرِ، فأمَّا في الباطِنِ فإنْ كانَ الوَكيلُ كاذِبًا في دَعْواه فالجاريةُ له؛ لأنَّه اشتَراها في ذِمَّتِه بغيرِ أمْرِ غيرِه، وإنْ كانَ صادِقًا فالجاريةُ لِمُوكِّلِه؛ فإذا أرادَ إحلالَها له تَوصَّلَ إلى شِرائِها مِنه، كما ذَكَرْنا، وكُلُّ مَوضِعٍ كانَتْ لِلمُوكِّلِ في الباطِنِ، فامتَنَعَ مِنْ بَيعِها لِلوَكيلِ، فقَد حصَلتْ في يَدِ الوَكيلِ، وهي لِلمُوكِّلِ، وفي ذِمَّتِه لِلوَكيلِ ثَمَنُها، فأقرَبُ الوُجوهِ أنْ يَأذَنَ لِلحاكِمِ في بَيعِها وتَوْفِيَةِ حَقِّه مِنْ ثَمَنِها، فإنْ كانَتْ لِلوَكيلِ فقَد أَذِنَ في بَيعِها، وإنْ كانَتْ لِلمُوكِّلِ فقَد باعَها الحاكِمُ في إيفاءِ دَيْنٍ امتَنَعَ المَدينُ مِنْ وَفائِه، وقَد قيلَ غيرُ ما ذَكَرْنا، وهذا أقرَبُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وإنِ اشتَراها الوَكيلُ مِنْ الحاكِمِ بما له على المُوكِّلِ جازَ؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَ المُوكِّلِ في هذا، فأشبَهَ ما لو اشترَى مِنه.
ولو وكَّله في بَيعِ عَبدٍ فباعَه نَسيئةً، فقالَ المُوكِّلُ: ما أذِنتُ في بَيعِه إلَّا نَقدًا، وصدَّقه الوَكيلُ والمُشتَرِي فَسَدَ البَيعُ، وله مُطالَبَةُ مَنْ شاءَ مِنهُما بالعَبدِ إنْ كانَ باقيًا، أو بقِيمَتِه إنْ كانَ تالِفًا؛ فَإنْ أخَذَ القِيمةَ مِنْ الوَكيلِ رجَع على المُشتَرِي بها؛ لأنَّ التَّلَفَ في يَدِه، فاستَقَرَّ الضَّمانُ عليه، وإنْ أخَذَها مِنْ المُشتَرِي لَم يَرجِعْ على أحَدٍ، وإنْ كَذَّباه وادَّعَيا أنَّه أَذِنَ في البَيعِ نَسيئةً فعلى قَولِ القاضي يَحلِفُ المُوكِّلُ ويَرجِعُ في العَينِ إنْ كانَتْ قائِمةً، وإنْ كانَتْ تالِفةً رجَع بقِيمَتِها على مَنْ شاءَ مِنهُما، فإنْ رجَع على المُشتَرِي رجَع على
стр. 6417
الوَكيلِ بالثَّمنِ الذي أخَذَه مِنه لا غيرُ؛ لأنَّه لَم يُسلِّمْ له المَبيعَ، وإنْ ضَمِن الوَكيلُ لَم يَرجِعْ على المُشتَرِي في الحالِ؛ لأنَّه يُقِرُّ بصِحَّةِ البَيعِ وتَأجيلِ الثَّمنِ، وأنَّ البائِعَ ظَلَمَه بالرُّجوعِ عليه، وأنَّه إنَّما يَستحقُّ المُطالَبةَ بالثَّمنِ بعدَ الأجَلِ؛ فإذا حَلَّ الأجَلُ رجَع الوَكيلُ على المُشتَرِي بأقَلِّ الأمرَيْنِ مِنْ القِيمةِ أوِ الثَّمنِ المُسمَّى؛ لأنَّ القِيمةَ إنْ كانَتْ أقَلَّ فما غُرِّمَ أكثَرُ مِنها، فلا يُرجَعُ بأكثَرَ ممَّا غُرِّمَ، وإنْ كانَ الثَّمنُ أقَلَّ فالوَكيلُ مُعتَرِفٌ لِلمُشتَرِي بأنَّه لا يَستحقُّ عليه أكثَرَ مِنه، وأنَّ المُوكِّلَ ظَلَمَه بأخْذِ الزَّائِدِ على الثَّمنِ، فلا يَرجِعُ على المُشتَرِي بما ظَلَمَه به المُوكِّلُ، وإنْ كذَّبه أحَدُهما دونَ الآخَرِ فله الرُّجوعُ على المُصدَّقِ بغيرِ يَمينٍ، ويُحلَفُ على المُكَذَّبِ، ويُرجَعُ على حَسَبِ ما ذَكَرنا، هذا إنِ اعتَرَفَ المُشتَرِي بأنَّ الوَكيلَ وَكيلٌ في البَيعِ، وإنْ أنكَرَ ذلك، وقالَ: إنَّما بِعتَني مِلكَكَ، فالقَولُ قَولُه مَع يَمينِه أنَّه لا يَعلَمُ كَونَه وَكيلًا، ولا يَرجِعُ عليه بشَيءٍ (١).
وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّهما لو اختَلَفا في صِفةِ الوَكالةِ بأنْ قالَ: أذِنتُ لكَ في البَيعِ نَقدًا، وفي الشِّراءِ بخَمسةٍ، قالَ: بَلْ أذِنتَ لي في البَيعِ نَسيئةً، وفي الشِّراءِ بعَشَرةٍ، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ، نَصَّ عليه أحمَدُ في المُضارَبةِ؛ لأنَّه أمينٌ في التَصرُّفِ، فكانَ القَولُ قوله في صِفَتِه، كالخيَّاطِ إذا قالَ: أذِنتَ لي في تَفصيلِه قَباءً، قالَ: بَلْ قميصًا (٢).
стр. 6418
الحالةُ السَّابِعةُ: الِاختِلافُ في قَبضِ الدَّيْنِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وكَّل المُوكِّلُ وَكيلًا في قَبْضِ دَيْنٍ له، فادَّعى الوَكيلُ أنَّه قَبَضَه، وتَلِفَ، وأنكَرَ المُوكِّلُ القَبضَ والتَّلفَ، هَلِ القَولُ قَولُ الوَكيلِ، أو قَولُ المُوكِّلِ؟
فَذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ القولَ قَولُ الوَكيلِ؛ لأنَّه أمينٌ، قالوا: وإنْ وكَّله بقَبضِ دَيْنٍ له على أجنَبِيٍّ فقالَ: قَدْ قَبَضتُه ودَفَعتُه إليه، فهو مُصَدَّقٌ، والمَطلوبُ أُبْرِئَ (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: إذا وكَّله بقَبضِ دَينٍ فقالَ: قَبَضتُه، وأنكَرَ المُوكِّلُ، نُظر: إنْ قالَ قَبَضتُه وهو باقٍ في يَدي، فخُذْه، لَزِمَه أخْذُه، ولا معنَى لِهذا الِاختِلافِ.
وإنْ قالَ: قَبَضتُه وتَلِفَ في يَدي، فالقَولُ قَولُ المُوكِّلِ مَع يَمينِه على نَفْيِ العِلمِ بقَبضِ الوَكيلِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ حَقِّه، هذا هو المَذهبُ.
وقيلَ بطَردِ الخِلافِ في اختِلافِهِما في البَيعِ ونحوِه.
فَعلَى المَذهبِ إذا حلَف المُوكِّلُ أخَذَ حَقَّه ممَّن كانَ عليه، ولا رُجوعَ له على الوَكيلِ؛ لِاعتِرافِه بأنَّه مَظلومٌ (٢).
стр. 6419
وقالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ غيرُ المُفَوَّضِ إذا وُكِّلَ على قَبضِ حَقٍّ، فقالَ: قَبَضتُه وتَلِفَ مِنِّي، أو رَدَدتُه لِمُوكِّلي؛ فإنَّه يَبرَأُ لِمُوكِّلِه مِنْ ذلك؛ لأنَّه أمينٌ، وأمَّا الغَريمُ الذي عليه الدَّيْنُ؛ فإنَّه لا يَبرَأُ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِاحتِمالِ أنْ يَكونَ كاذِبًا في إقرارِه، يَتوَاطَأُ مَعه، ولا تَنفَعُه شَهادةُ الوَكيلِ؛ لأنَّها شَهادةٌ على فِعلِ نَفْسِه، وإذا غُرِّمَ الغَريمُ فإنَّه يَرجِعُ بذلك على الوَكيلِ، إلَّا أنْ يَتحقَّقَ تَلفُه مِنْ غيرِ تَفريطٍ مِنه؛ فَإنْ جَهِلَ الغَريمُ بتَفريطِ الوَكيلِ وعَدمِ تَفريطِه، فقَولانِ بالرُّجوعِ وعَدمِه.
إلَّا إذا أقامَ بيِّنةً تَشهَدُ له بأنَّه دفَع الدَّيْنَ إلى الوَكيلِ المَذكورِ، فيَبرَأُ حينَئذٍ كما يَبرَأُ الوَكيلُ، ويَضيعُ المالُ على المُوكِّلِ، ومِثلُ البيِّنةِ الشَّاهِدةِ على مُعايَنةِ القَبضِ مِنْ الغَريمِ إقرارُ المُوكِّلِ بدَفْعِ الغَريمِ لِلوَكيلِ.
وَللغَريمِ تَحليفُ المُوكِّلِ على عَدمِ العِلمِ بدَفْعِه إلى الوَكيلِ، وعَدمِ وُصولِ المالِ إليه عندَ عَدمِ بيِّنةٍ لِلغَريمِ تَشهَدُ بمُعايَنةِ القَبضِ.
وأمَّا الوَكيلُ المُفَوَّضُ إليه ومِثلُه الوَصِيُّ إذا أقَرَّ كُلٌّ مِنهُما بأنَّه قبَض الحَقَّ لِمُوكِّلِه، أو لِيَتيمِه، ثم قالَ بعدَ ذلك: تَلِفَ مِنِّي؛ فإنَّه يَبرَأُ مِنْ ذلك، وكَذلك الغَريمُ يَبرَأُ مِنْ الدَّيْنِ، ولا يَحتاجُ إلى إقامةِ بيِّنةٍ؛ لأنَّ المُفوَّض جعَل له الإقرارَ، وكذلك الوَصِيُّ مِثلُه (١).
стр. 6420
الحالةُ الثَّامِنةُ: الخِلافُ في قَضاءِ الدَّيْنِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوكِّلِ إذا وكَّل إنسانًا في قَضاءِ دَيْنٍ عليه، فقالَ الوَكيلُ: قَضَيتُه، وأنكَرَ الغَريمُ القَبْضَ، هَلْ يُصدَّقُ الوَكيلُ أو لا، وهَل يَجِبُ عليه الإشهادُ أو لا؟
فَذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَكيلَ بقَضاءِ الدَّيْنِ إنْ قالَ: قَضيتُه، ولَم يُشهِدْ، وأنكَرَ مُستَحقُّ الدَّيْنِ القَبضَ فهو ضامِنٌ لِلمالِ.
وَيُصدَّقُ المُستَحقُّ بيَمينهِ؛ لأنَّه لَم يَأتَمِنِ الوَكيلَ حتى يَلزَمَه تَصديقُه، ولأنَّ المُوكِّلَ لو ادَّعى القَضاءَ لَم يُصدَّقْ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ القَضاءِ، فكذا نائِبُه، وإذا حلَف المُستَحقُّ طالَبَ المُوكِّلَ بحَقِّه، لا الوَكيلَ.
ولا يُقبَلُ قَولُ الوَكيلِ على الغَريمِ أنَّه قَضاه إلَّا إذا قَضاه بحَضرةِ مُوكِّلِه، أو قَضاه ببيِّنةٍ أو شاهِدٍ، ويَحلِفُ مَعهُ؛ لأنَّه ليسَ بأمينِه، فلَم يُقبَلْ قوله عليه في ذلك، كما لو ادَّعاه المُوكِّلُ.
قالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ بقَضاءِ الدَّيْنِ إذا أقبَضَ الدَّيْنَ الذي على مُوكِّلِه لِرَبِّه، ولَم يُشهِدْ على القابِضِ، وأنكَرَ القابِضُ أو ماتَ أو غابَ، وطَلبَ ذلك الدَّينَ وَكِيلُه لِعدمِ عِلمِه بقَبضِ مُوكِّلِه؛ فإنَّ الوَكيلَ يَضمَنُ ذلك لِتَفريطِه بعَدمِ الإشهادِ، وسَواءٌ الوَكيلُ المُفَوَّضُ أو غيرُه، وسَواءٌ جَرَتِ العادةُ بالإشهادِ أو بعَدمِه، أو لَم تَجْرِ عادةٌ على المَذهبِ، وقيلَ: لا ضَمانَ عليه إذا جَرَتِ العادةُ بعَدمِ الإشهادِ، وعلى المَذهبِ يُستَثْنَى هذا مِنْ قاعِدةِ العَملِ
стр. 6421
بالعُرفِ، أمَّا لو اشترَطَ المُوكِّلُ على الوَكيلِ عَدَمَ الإشهادِ فلا غُرْمَ عليه.
وَمَحَلُّ الضَّمانِ ما لَم يَكُنِ الدَّفْعُ بحَضرةِ المُوكِّلِ؛ فإنْ كانَ بحَضرَتِه فلا ضَمانَ على الوَكيلِ بعَدمِ الإشهادِ، ومُصيبةُ ما أُقبِضَ على المُوكِّلِ؛ لِتَفريطِه بعَدمِ الإشهادِ.
وَمِثلُ الدَّيْنِ في ذلك البَيعُ، كما لو وكَّل على بَيعِ شَيءٍ ولَم يُشهِدْ على المُشتَرِي أنَّه قَبْضٌ أو رَهْنٌ أو وَديعةٌ، وما أشبَهَ ذلك (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: إنْ دفَع إليه مالًا ووكَّله في قَضاءِ دَيْنٍ لَزِمَه أنْ يُشهِدَ على القَضاءِ؛ لأنَّه مَأْمورٌ بالنَّظرِ والِاحتياطِ لِلمُوكِّلِ، ومِن النَّظرِ أنْ يُشهِدَ عليه؛ لِئَلَّا يَرجِعَ عليه.
فَإنِ ادَّعى الوَكيلُ أنَّه قَضاه، وأنكَرَ الغَريمُ، لَم يُقبَلْ قَولُ الوَكيلِ على الغَريمِ؛ لأنَّ الغَريمَ لَم يَأتَمِنْه على المالِ، فلا يُقبَلُ قَولُه عليه في الدَّفعِ، كالوَصِيِّ إذا ادَّعى دَفْعَ المالِ إلى الصَّبِيِّ.
وَهَل يُضمَنُ المالُ لِلمُوكِّلِ؟ يُنظَرُ فيهِ؛ فإنْ كانَ في غَيبةِ المُوكِّلِ وأشهَدَ شاهِدَيْنِ، ثم ماتَ الشُّهودُ، أو فَسَقَوا، لَم يَضمَنْ؛ لأنَّه لَم يُفَرِّطْ، وإنْ لَم يُشهِدْ ضَمِن؛ لأنَّه فرَّط، وإنْ أشهَدَ شاهِدًا واحِدًا ففيه وَجهانِ، أحَدُهما: لا يَضمَنُ؛ لأنَّ الشَّاهِدَ مَع اليَمينِ بيِّنةٌ.
стр. 6422
والآخَرُ: يَضمَنُ؛ لأنَّه فرَّط، حيثُ إنَّه اقتصَرَ على بيِّنةٍ مُختَلَفٍ فيها، وإنْ كانَ بمَحضَرِ المُوكِّلِ وأشهَدَ، لَم يَضمَنْ، وإنْ لَم يُشهِدْ ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يَضمَنُ؛ لأنَّ المُفَرِّطَ هو المُوكِّلُ؛ فإنَّه حضَر وترَك الإشهادَ.
والآخَرُ: أنَّه يَضمَنُ؛ لأنَّ تَرْكَ الإشهادِ يُثْبِتُ الضَّمانَ، فلا يَسقُطُ حُكمُه بحُضورِ المُوكِّلِ، كما لو أتلَفَ مالَه وهو حاضِرٌ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: ولو أمَرَه أنْ يَدفعَ إلى رَجُلٍ مالًا فادَّعى أنَّه دفَعه إليه لَم يُقبَلْ قَولُه على الآمِرِ إلَّا ببيِّنةٍ.
وَجُملَتُه أنَّ الرَّجلَ إذا وكَّل وَكيلًا في قَضاءِ دَيْنِه ودفَع إليه مالًا لِيَدفعَه إليه، فادَّعى الوَكيلُ قَضاءَ الدَّيْنِ ودَفْعَ المالِ إلى الغَريمِ، لَم يُقبَلْ قَولُه على الغَريمِ إلَّا ببيِّنةٍ؛ لأنَّه ليسَ بأمينِه، فلَمْ يُقبَلْ قوله عليه في الدَّفعِ إليه، كما لو ادَّعى المُوكِّلُ ذلك؛ فإذا حلَف الغَريمُ فله مُطالَبةُ المُوكِّلِ؛ لأنَّ ذِمَّتَه لا تُبرَأُ بدَفْعِ المالِ إلى وَكيلِه.
فَإذا دفَعه فهَلْ لِلمُوكِّلِ الرُّجوعُ على وَكيلِه؟ يُنظَرُ؛ فإنْ كانَ قَضاه بغيرِ بيِّنةٍ فلِلمُوكِّلِ الرُّجوعُ عليه إذا قَضاه في غَيبَتِه، قالَ القاضي: سَواءٌ صدَّقه أو كذَّبه، وهذا قَولُ الشَّافِعيِّ؛ لأنَّه إذْنٌ في القَضاءِ، يَبرَأُ به، ولَم يُوجَدْ.
стр. 6423
وعن أحمدَ ﵀: لا يَرجِعُ عليه بشَيءٍ إلَّا أنْ يَكونَ أمَرَه بالإشهادِ، فلَمْ يَفعَلْ، فعلى هذه الرِّوايةِ إنْ صدَّقه المُوكِّلُ في الدَّفعِ لَم يَرجِعْ عليه بشَيءٍ، وإنْ كذَّبه فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ مَع يَمينِه، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ، ووَجْهٌ لِأصحابِ الشَّافِعيِّ؛ لأنَّه ادَّعى فِعْلَ ما أمَرَه به مُوكِّلُهُ، فكانَ القَولُ قوله لو أمَرَه ببَيعِ ثَوبِه فادَّعى بَيعَه.
وَوَجهُ الأوَل أنَّه مُفرِّطٌ بتَرْكِ الإشهادِ، فضَمِن، كما لو فرَّط في البَيعِ بدُونِ ثَمَنِ المِثلِ.
فَإنْ قيلَ: فلِمَ يَأمُرُه بالإشهادِ؟ قُلْنا: إطلاقُ الأمْرِ بالقَضاءِ يَقتَضي ذلك؛ لأنَّه لا يَثبُتُ إلَّا به، فيَصيرُ كَأمْرِه بالبَيعِ والشِّراءِ، يَقتَضي ذلك العُرفُ، لا العُمومُ، كذا ههُنا.
وَقياسُ القَولِ الآخَرِ يُمكِنُ القَولُ بمُوجِبِه، وأنَّ قوله مَقبولٌ في القَضاءِ، وإنَّما لَزِمَه الضَّمانُ لِتَفريطِه، لا لِرَدِّ قَوله، وعلى هذا لو كانَ القَضاءُ بحَضرةِ المُوكِّلِ لَم يَضمَنِ الوَكيلُ؛ لأنَّ تَرْكَه الِاحتياطَ والإشهادَ رِضًا مِنه بما فعَلَ وَكِيلُه، وكَذلك لو أَذِنَ له في القَضاءِ بغيرِ إشهادٍ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ صَريحَ قَوله يُقَدَّمُ على ما تَقتَضيه دِلالةُ الحالِ، وكَذلك إنْ أشهَدَ على القَضاءِ عُدُولًا، فماتوا، أو غابوا، فلا ضَمانَ عليه؛ لِعدمِ تَفريطِه، وإنْ أشهَدَ مَنْ يُختَلَفُ في ثُبوتِ الحَقِّ بشَهادَتِه، كَشاهِدٍ واحِدٍ، أو رَجُلٍ وامرَأتَيْنِ، فهَل يَبرَأُ مِنْ الضَّمانِ، يُخَرَّج على رِوايَتَيْنِ، فإنِ اختَلفَ الوَكيلُ والمُوكِّلُ، فقالَ: قَضَيتُ الدَّيْنَ بحَضرَتِكَ، فأنكَرَ المُوكِّلُ ذلك، أو قالَ: أذِنتَ لي في قَضائِه
стр. 6424
بغيرِ بيِّنةٍ، فأنكَرَ المُوكِّلُ، أو قالَ: أشهَدتُ على القَضاءِ شُهودًا فماتوا، فأنكَرَ المُوكِّلُ، فالقَولُ قَولُه؛ لأنَّ الأصْلَ معه (١).
وذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ والشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الوَكيلَ إذا دفَع الدَّيْنَ الذي على مُوكِّلِه ولَم يُشهِدْ، ثم أنكَرَ الغَريمُ؛ فإنَّه لا يَضمَنُ.
قالَ الحَنفيَّةُ: حتى لو قالَ له: ادفَعْه بشُهودٍ، أو بحَضرةِ فُلانٍ، فدفَعه بغيرِ شُهودٍ، ولا بمَحضَرِ فُلانٍ، إلَّا أنْ يَقولَ المُوكِّلُ: لا تَدفَعْه إلَّا بشُهودٍ، أو بحَضرةِ فُلانٍ، فقَضاه بغيرِ شُهودٍ، أو بغيرِ حَضرةِ فُلانٍ؛ فإنَّه يَضمَنُ، كما في الوَكيلِ بالبَيعِ.
قالوا: هذا إذا كانَ رَجُلًا رَفيعَ القَدْرِ تَحتَشِمُ النَّاسُ عن مُخالَفَتِه، وإنْ كانَ وَضيعَ القَدْرِ لا يَصيرُ مُخالِفًا؛ لأنَّه شرَط شَرطًا لا يُفيدُ، فلا يَجِبُ على المأْمورِ مُراعاتُه، وإنْ أكَّدَه بالنَّفْي، كما لو قالَ: لا تَبِعْ إلَّا بألْفٍ، أو: لا تَبِعْ إلَّا بالنَّسيئةِ، فباعَ بألْفَيْنِ، أو بالنَّقدِ، جازَ؛ لأنَّه غيرُ مُفيدٍ أصْلًا، ومِنه: لا تَبِعْه في سُوقِ كذا، فباعَه في غيرِه، نُفِّذَ، ولو قالَ: لا تَبِعْه إلَّا في سُوقِ كذا لا يُنَفَّذُ، أي: عندَ التَّفاوُتِ في الرَّغَباتِ.
قالوا: المَدِينُ إذا دفَع مالَه إلى رَجُلٍ لِيَقضيَ دَيْنَه، وقالَ له المَدِينُ: ادفَعْ هذا المالَ إلى فُلانٍ قَضاءً ممَّا له عَليَّ، وخُذِ الصَّكَّ، فدفَع ولَم يَأخُذِ
стр. 6425
الصَّكَّ، فلا ضَمانَ، ولو كانَ قالَ: لا تَدفَعْ هذا المالَ حتى تَأخُذَ الصَّكَّ، فدفَع قبلَ أخْذِ الصَّكِّ، فهو ضامِنٌ (١).
إبراءُ الوَكيلِ الغَريمَ مِنْ الدَّيْنِ:
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الرَّجلَ إذا وكَّل الرَّجلَ بقَبْضِ دَيْنٍ له على آخَرَ، فأبرَأَ الوَكيلُ الغَريمَ مِنْ الدَّيْنِ الذي عليه أنَّ ذلك غيرُ جائِزٍ؛ لأنَّه لا يَملِكُه، ولا فَرقَ بينَ هذا وبينَ ثَمَنِ السِّلعةِ لِلمُوكِّلِ على المُشتَرِي (٢).
стр. 6426
فصل في انتِهاءِ الوَكالةِ
تَنتَهي الوَكالةُ بعِدَّةِ أُمورِ، ذكَرها الفُقهاءُ، وبَيانُها فيما يَلي:
أوَّلاً: العَزلُ:
قُلْنا فيما سبَق في صِفةِ عَقدِ الوَكالةِ: إنَّها إنْ كانَتْ خاليةً عن العِوَضِ، بأنْ تَكونَ تَبرُّعًا، فهي جائِزةٌ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، فلكلٍّ مِنْ المُوكِّلِ والوَكيلِ أنْ يَفسَخَها متى شاءَ؛ لأنَّها مِنْ جِهةِ المُوكِّلِ إذْنٌ، ومِن جِهةِ الوَكيلِ بَذْلُ نَفْعٍ، وكِلاهُما جائِزٌ، فجازَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما إبطالُهُ؛ كالإذْنِ في أكْلِ طَعامِه.
ولأنَّ المُوكِّلَ قَدْ يَرَى المَصلَحةَ في تَرْكِ ما وكَّل فيه، أو في تَوكيلِ آخَرَ، ومِن جانِبِ الوَكيلِ فإنَّه قَدْ لا يَتفَرَّغُ، فيَكونُ اللُّزومُ مُضِرًّا بهِما.
إلَّا إذا تَعلَّق بها حَقٌّ لِلآخَرينَ، فعندَئِذٍ لا يَحِقُّ له فَسخُها، كما تَقدَّم في صِفةِ عَقدِ الوَكالةِ.
وكذا إذا كانَتْ بعِوَضٍ، بأنْ وقَعتْ بأُجرةٍ مَعلومةٍ على عَمَلٍ مُعيَّنٍ؛ فإنَّها لَازِمةٌ، لا يَحِقُّ لِأحَدِهِما فَسخُها إلَّا برِضا الآخَرِ عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ.
стр. 6427
وإذا وقَعتِ الوَكالةُ على وَجْهِ الجَعالةِ لا تَلزَمُ واحِدًا مِنهُما قبلَ الشُّروعِ، وتَلزَمُ الجاعِلَ، وهو المُوكِّلُ، بعدَ الشُّروعِ، ولا تَلزَمُ المَجعولَ له، وهو الوَكيلُ، بعدَ الشُّروعِ، على الصَّحيحِ، كما تَقدَّم.
إذا ثَبَتَ هذا: فالفَسخُ أنْ يَقولَ أحَدُهما: فَسَختُ الوَكالةَ، أو أبطَلتُها، أو نَقَضتُها، أو يَقولَ المُوكِّلُ: عَزَلتُكَ، أو صَرَفتُكَ عَنها، أو أزَلتُكَ عَنها، أو يَقولَ الوَكيلُ: عَزَلتُ نَفْسِي، أو صَرَفتُها، أو أزَلتُها، فيَنعزِلَ بكُلِّ هذا؛ لِدِلالةِ كُلٍّ مِنْ هذه الألفاظِ عليه، ولأنَّها إمَّا عَقدٌ جائِزٌ، فيَنفَسِخُ بالفَسخِ، وإمَّا إذْنٌ، فيَبطُلُ برُجوعِ مَنْ مِنه الإذْنُ (١).
وذهَب بعضُ مُتَأخِّري المالِكيَّةِ إلى أنَّ الوَكالةَ لَازِمةٌ مِنْ جانِبِ الوَكيلِ، بِناءً على لُزومِ الهِبةِ، وإنْ لَم تُقبَضْ، وجائِزةٌ في حَقِّ المُوكِّلِ (٢).
стр. 6428
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ الذين قالوا: «إنَّها جائِزةٌ» اشترَطوا بعضَ الشُّروطِ لصحَّةِ العَزلِ، مِنها:
عِلمُ الوَكيلِ بالعَزلِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُوكِّلَ إذا عزَل الوَكيلَ في حُضورِه، أو علِم الوَكيلِ بالعَزلِ، انعزَل، وكُلُّ تَصرُّفٍ يَفعَلُه بعدَ العَزلِ لا يَقَعُ لِلمُوكِّلِ.
إلَّا أنَّهم اختَلَفوا فيما لو عزَله المُوكِّلُ في غيابِه، أو لَم يَعلَمِ الوَكيلُ بالعَزلِ، أو عزَل الوَكيلُ نَفْسَه، هَلْ يَنعزِلُ أو لا بدَّ مِنْ حُضورِه أو عِلمِهِ.
وَذلك يُتَصَوَّرُ في صُورَتَيْنِ:
الصُّورةُ الأُولَى: عَزْلُ الوَكيلِ نَفْسَه:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عزَل الوَكيلُ نَفْسَه، هَلْ يُشترَطُ عِلمُ المُوكِّلِ بالعَزلِ أو لا؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يُشترَطُ عِلمُ المُوكِّلِ بالعَزلِ، ولا حُضورُه، فيَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَعزِلَ نَفْسَه متى شاءَ، ويَفسَخَ الوَكالةَ بمُجرَّدِ القَولِ: إنِّي قَدْ فَسَختُ الوَكالةَ أو خَرَجتُ مِنها، سَواءٌ علِم المُوكِّلُ بالفَسخِ أو لَم يَعلَمْ، أشهَدَ على نَفْسِه أو لَم يُشهِدْ.
لأنَّه قطَع عَقدًا لا يَفتقِرُ إلى رِضَا الآخَرِ، فلَمْ يَفتقِرْ إلى حُضورِ ذلك الآخَرِ، كالطَّلاقِ، ولأنَّ الوَكالةَ عَقدٌ جائِزٌ، جازَ لِأحَدِهِما فَسخُها
стр. 6429
بغيرِ حُضورِ الآخَرِ، كالشَّرِكةِ، والقِراضِ (١).
وذهَب الحَنفيَّةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَنعزِلُ إلَّا إذا علِم المُوكِّلُ؛ لأنَّه عَقدٌ تَمَّ بهِما، وقَد تَعلَّق به حَقُّ كلِّ واحِدٍ مِنهُما، ففي إبطالِه بدُونِ عِلمِ أحَدِهِما إضرارٌ به.
قالَ الحَنفيَّةُ: فعلى هذا إذا قالَ الرَّجلُ لِغيرِهِ: اشتَرِ عَبدَ فُلانٍ بَينِي وبينَكَ، فقالَ المأْمورُ: نَعم، ثم ذَهبَ وأشهَدَ وَقتَ الشِّراءِ أنَّه اشترَى لِنَفْسِه خاصَّةً، فالعَبدُ بينَهما على الشَّرِكةِ؛ لأنَّه وَكيلٌ مِنْ جِهةِ الآمِرِ في نِصفِ العَبدِ، والوَكيلُ لا يَعزِلُ نَفْسَه بغيرِ عِلمِ المُوكِّلِ (٢).
الصُّورةُ الثَّانيةُ: عَزْلُ المُوكِّلِ الوَكيلَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوكِّلِ إذا عزَل الوَكيلَ، هَلْ يُشترَطُ عِلمُه أو حُضورُه أو لا؟
стр. 6430
بعدَ اتِّفاقِهم جَميعًا على أنَّه إذا علِم بالعَزلِ انعزَل وبطَل تَصرُّفُه بعدَ عِلمِه بالعَزلِ:
فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَذهبِ، والشَّافِعيَّةُ في قَولٍ (١) وأحمَدُ في رِوايةٍ (٢) إلى أنَّه يُشترَطُ لصحَّةِ العَزلِ عِلمُ الوَكيلِ بها؛ لأنَّه لو انعزَل قبلَ عِلمِه كانَ فيه ضَرَرٌ؛ لأنَّه قَدْ يَتصرَّفُ تَصرُّفاتٍ فتَقَعُ باطِلةً، ورُبَّما باعَ الجاريةَ فيَطَؤُها المُشتَرِي، أوِ الطَّعامَ فيَأكُلُه، أو غيرَ ذلك فيَتصرَّفُ فيه المُشتَرِي، ويَجِبُ ضَمانُه، ويَتَضَرَّرُ المُشتَرِي والوَكيلُ، ولأنَّه يَتصرَّفُ بأمْرِ المُوكِّلِ، ولا يَثبُتُ حُكْمُ الرُّجوعِ في حَقِّ المأْمورِ قبلَ عِلمِه، كالفَسخِ، فمتى لَم يَعلَمْ فهو على صِحَّةِ الوَكالةِ فيما عقَده المُوكِّلُ له وعليه، ويَنفُذُ تَصرُّفُه؛ لأنَّه لمَّا كانَ عِلمُه مُعتبَرًا في عَقدِها وجَب أنْ يَكونَ عِلمُه مُعتبَرًا في حَلِّها.
ولأنَّ تَصرُّفَ الوَكيلِ عن إذْنٍ، فلَمْ يَنقَطِعْ لِمُجَرَّدِ المَنعِ مِنْ غيرِ عِلمٍ بالمَنعِ، كما إذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بفِعلِ شَيءٍ، ثم نَهى عَنه.
قالَ الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ لصحَّةِ العَزلِ عِلمُ الوَكيلِ بالعَزلِ؛ لأنَّ العَزلَ فَسخٌ لِلعَقدِ، فلا يَلزَمُ حُكمُه إلَّا بعدَ العِلمِ به، كالفَسخِ، واعتِبارًا بنَهْيِ صاحِبِ الشَّرعِ، ولأنَّ في العَزلِ إضرارًا بالوَكيلِ مِنْ حيثُ إبطالُ وِلايَتِه، أو
стр. 6431
مِنْ حيثُ رُجوعُ الحَقِّ إليه، فيَتَضَرَّرُ بهِ؛ لأنَّ الحُقوقَ تَرجِعُ إليه، فيَتصرَّفُ في مالِ المُوكِّلِ بِناءً على الوَكالةِ، فيُنقَدُ الثَّمنَ ويُسلِّمُ المَبيعَ، فيَضمَنُه، وأنَّه ضَرَرٌ به.
فَإذا عزَله وهو حاضِرٌ انعزَل، ولو كانَ الوَكيلُ غائِبًا، فكَتَبَ إليه كِتابًا بالعَزلِ، فبلَغه الكِتابُ وعلِم ما فيه، انعزَل؛ لأنَّ الكِتابَ مِنْ الغائِبِ كالخِطابِ مِنْ الحاضِرِ.
وكَذلك لو أرسَلَ إليه رَسولًا، فبلَغ الرِّسالةَ، وقالَ: إنَّ فُلانًا أرسَلَني إلَيكَ، ويَقولُ: إنِّي عَزَلتُكَ عن الوَكالةِ؛ فإنَّه يَنعزِلُ كائِنًا ما كانَ الرَّسولُ، عَدْلًا كانَ أو غيرَ عَدْلٍ، حُرًّا كانَ أو عَبدًا، صَغيرًا كانَ أو كَبيرًا، بعدَ أنْ بلَغ الرِّسالةَ على الوَجْهِ الذي ذَكَرْنا؛ لأنَّ الرَّسولَ قائِمٌ مَقامَ المُرسِلِ، مَعبِّرٌ وسَفيرٌ عنه، فتَصحُّ سِفارَتُه بعدَ أنْ صَحَّتْ عِبارَتُه على أيِّ صِفةٍ كانَ.
وإنْ لَم يَكتُبْ كِتابًا، ولا أَرسَلَ رَسولًا، ولكنْ أخبَرَه بالعَزلِ رَجُلانِ عَدْلانِ كانا أو غيرَ عَدلَيْنِ، أو رَجُلٌ واحِدٌ عَدْلٌ، يَنعزِلُ في قَولهم جَميعًا، سَواءٌ صدَّقه الوَكيلُ أو لَم يُصَدِّقْه، إذا ظهَر صِدقُ الخَبَرِ؛ لأنَّ خَبَرَ الواحِدِ مَقبولٌ في المُعامَلاتِ؛ فَإنْ لَم يَكُنْ عَدْلًا فخَبَرُ العَدلَيْنِ، أو العَدْلِ أَوْلَى.
وإنْ أخبَرَه واحِدٌ غيرُ عَدلٍ، فَإنْ صدَّقه يَنعزِلُ بالإجماعِ، وإنْ كذَّبه لا يَنعزِلُ، وإنْ ظهَر صِدقُ الخَبَرِ في قَولِ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الإخبارَ عن العَزلِ له شِبهُ الشَّهادةِ؛ لأنَّ فيه التِزامَ حُكمِ المُخبَرِ به، وهو العَزلُ، وهو لُزومُ الِامتِناعِ مِنْ التَصرُّفِ، ولُزومُ العُهدةِ فيما يَتصرَّفُ فيه بعدَ العَزلِ، فأشبَهَ
стр. 6432
الشَّهادةَ، فيَجِبُ اعتِبارُ أحَدِ شُروطِها، وهو العَدالةُ أوِ العَدَدُ.
وَعندَهُما يَنعزِلُ إذا ظهَر صِدقُ الخَبَرِ، وإنْ كذَّبهُ؛ لأنَّ الإخبارَ عن العَزلِ مِنْ بابِ المُعامَلاتِ، فلا يُشترَطُ فيه العَدَدُ، ولا العَدالةُ، كما في الإخبارِ في سائِرِ المُعامَلاتِ.
وإنْ عزَله المُوكِّلُ وأشهَدَ على عَزلِه وهو غائِبٌ ولَم يُخبِرْه بالعَزلِ أحَدٌ، لا يَنعزِلُ، ويَكونُ تَصرُّفُه قبلَ العِلمِ بعدَ العَزلِ كَتَصرُّفِه قبلَ العَزلِ في جَميعِ الأحكامِ التي بينَاها.
فَعلَى هذا إنْ لَم يُبَلِّغْه العَزلَ فهو على وَكالَتِه، وتَصرُّفُه جائِزٌ حتى يَعلَمَ؛ لأنَّ العَزْلَ نَهْيٌ، والأوامِرُ والنَّواهي لا يَثبُتُ حُكمُها إلَّا بعدَ العِلمِ بها.
فَعلَى هذا إذا وكَّله ببَيعِ عَبدٍ ثم عزَله وهو لا يَعلَمُ، فباعَ الوَكيلُ العَبدَ وقبَض الثَّمنَ، فهَلكَ في يَدِ الوَكيلِ وماتَ العَبدُ في يَدِ المُوكِّلِ قبلَ أنْ يُسلِّمَه إلى المُشتَرِي؛ فإنَّ المُشتَرِيَ يَرجِعُ بالثَّمنِ على الوَكيلِ، ويَرجِعُ الوَكيلُ على مَولَى العَبدِ؛ لأنَّه لَم يَنعزِلْ، فما تصرَّفَ فيه فهو على مُوكِّلِه، وما لَزِمَه مِنْ الضَّمانِ رجَع به عليه، وكذا لو لَم يَمُتِ العَبدُ، ولكنَّ المَولَى باعَه، ولَم يَعلَمِ الوَكيلُ؛ لأنَّ البَيعَ، وإنْ زالَ به مِلْكُ المُوكِّلِ فقَد عُزِلَ الوَكيلُ وغَرَّه حين لَم يُعْلِمْه بالعَزلِ، فرجَع عليه بحُكمِ الغَرَرِ حتى لو رجَع العَبدُ إلى مِلْكِ المُوكِّلِ على حُكمِ المِلْكِ الأوَل، مثلَ أنْ يَرُدَّ عليه بعَيبٍ بقَضاءٍ جازَ لِلوَكيلِ بَيعُه عندَ مُحمَّدٍ؛ لأنَّ الوَكالةَ لَم تَبطُلْ؛ لأنَّه إنْ رجَع إليه على حُكمِ
стр. 6433
مِلْكٍ مُستأنِفٍ مثلَ أنْ يَرُدَّ عليه بغيرِ قَضاءٍ، أو بإقالةٍ، بطَلتِ الوَكالةُ؛ لأنَّه دخَل دُخولًا مُستأنِفًا كما لو اشتَراه شِراءً مُستَقبَلًا (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: المُوكِّلُ إذا عزَل وَكِيلَه ولَم يَعلَمِ الوَكيلُ بذلك هَلْ يَنعزِلُ بمُجَرَّدِ عَزلِه أو لا يَنعزِلُ إلَّا بعدَ عِلمِه بالعَزلِ؟ في ذلك خِلافٌ.
وَفائِدَتُه لو تصرَّفَ الوَكيلُ بعدَ العَزلِ وقبلَ العِلمِ ببَيعٍ أو شِراءٍ أو نحوِ ذلك، هَلْ يَلزَمُ المُوكِّلَ؛ لأنَّ الوَكيلَ مَعذورٌ بعَدمِ العِلمِ، أو لا يَلزَمهُ؛ لأنَّ الوَكيلَ قَدِ انعَزلَ، وهذا الخِلافُ مُقيَّدٌ بغيرِ وَكيلِ الخِصامِ إذا قاعَدَ خَصمَه كَثَلاثٍ، كما مَرَّ.
وَمَحَلُّ القَولِ بالعَزلِ وإنْ لَم يَعلَمْ به حيثُ أشهَدَ المُوكِّلَ بعَزلِه وأظهَرَه، وكانَ عَدمُ إعلامِه بأنَّه عزَله لِعُذرٍ، كَبُعدِه عنه ونحوِه، وإلَّا بأنْ تَركَ إعلامَه لِغيرِ عُذرٍ مُطلَقًا، أي: أشهَدَ بعَزلِه أو لا، أو ترَك إعلامَه لِعُذرٍ ولَم يُشهِدْ به، مَضَى تَصرُّفُه اتِّفاقًا، وعلى هذا يَتَّفِقُ القَولانِ على أنَّ تَصرُّفَه قبلَ عِلمِه بالعَزلِ ماضٍ، حيثُ ترَك إعلامَه به لِغيرِ عُذرٍ، وإنْ أشهَدَ بذلك وأعلَنَه، وكذا إذا ترَك إعلامَه بالعَزلِ لِعُذرٍ وتَصرُّفٍ قبلَ العِلمِ، حيثُ لَم يُشهِدْ ولَم يُعلِنْ (٢).
стр. 6434
قالَ أبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ ﵀: وقَد أجمَعوا في الرَّجلِ يُوكِّلُ الرَّجلَ على بَيعِ سِلعَتِه، ثم يَبيعُها هو ويَبيعُها الوَكيلُ بعدَه وهو لا يَعلَمُ بَيعَ صاحِبِها، أنَّها تَكونُ لِلثَّاني إذا قَبَضَها، وفي إجماعِهم على هذا دَليلٌ على أنَّ الوَكالةَ لا تَنفسِخُ بالفَسخِ نَفْسِه، حتى يَعلَمَ الوَكيلُ بفَسخِه إيَّاها، أو يَعلَمَ بذلك المُشتَرِي (١).
وقالَ أبو عُمرَ يُوسفُ بنُ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفَ قَولُ مالِكٍ في الوَكيلِ يَعزِلُه مُوكِّلُه، ويُشهِدُ بعَزلِه، فيُنَفَّذُ ما وُكِّلَ به بعدَ ذلك وهو لا يَعلَمُ، فرُوِيَ عنه أنَّ تَصرُّفَه بعدَ ذلك مَردودٌ، سَواءٌ علِم بالعَزلِ أو لَم يَعلَمْ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ، وبِه أقولُ، قياسًا على اتِّفاقِهم أنَّه لو وكَّله ببَيعِ شَيءٍ ثم باعَه المُوكِّلُ أنَّ ذلك خُروجٌ لِلوَكيلِ عن الوَكالةِ، وعَزْلٌ، وإنْ لَم يَعلَمْ.
وَرُوِيَ عن مالِكٍ أنَّه إنْ علِم بالعَزلِ فتَصرُّفُه باطِلٌ، وإنْ لَم يَعلَمْ فتَصرُّفُه صَحيحٌ؛ لأنَّه على ما جُعِلَ إليه حتى يَصحَّ عندَه عَزْلُه (٢).
وذهَب الشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وأبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ مِنْ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةُ في قَولٍ -كما تَقدَّم- إلى أنَّه لا يُشترَطُ عِلمُ الوَكيلِ بالعَزلِ؛ فإذا قالَ المُوكِّلُ: إنِّي قَدْ فَسَختُ الوَكالةَ، أو عَزَلتُ الوَكيلَ عَنها، أو أخرَجتُه مِنها، صَحَّ، وانعزَل الوَكيلُ، وسَواءٌ علِم به الوَكيلُ أو لا.
стр. 6435
وَذلك لِشَيئَيْنِ:
أحَدُهما: أنَّه لمَّا لَم يَكُنْ عِلمُ المُوكِّلِ مُعتبَرًا في فَسخِ الوَكالةِ إذا فسَخها الوَكيلُ، لَم يَكُنْ عِلمُ الوَكيلِ مُعتبَرًا في فَسخِ الوَكالةِ.
والآخَرُ: أنَّ كلَّ عَقدٍ جازَ لِأحَدِ المُتَعاقِدَيْنِ رَفْعُه بغيرِ رِضا صاحِبِه، جازَ له رَفْعُه بغيرِ عِلمِه، كالنِّكاحِ يَجوزُ رَفْعُه بالطَّلاقِ بغيرِ عِلمِ المُطَلَّقةِ.
ولأنَّ العَزلَ مَعنًى يَفسَخُ الوَكالةَ إذا علِمه الوَكيلُ، فوجَب أنْ يَفسَخَه، وإنْ لَم يَعلَمْه الوَكيلُ، كَجُنونِ المُوكِّلِ.
ولا يَجوزُ أنْ يُعتبَرَ حالُ الفَسخِ بحالِ العَقدِ لِأمرَيْنِ: أحَدُهما: فَسادَه بفَسخِ الوَكيلِ.
والآخَرُ: أنَّه لمَّا كانَ رِضاه مُعتبَرًا كانَ عِلمُه مُعتبَرًا، وليسَ كَذلك الفَسخُ.
وَلمَا رَواه البَيهَقيُّ في بابِ ما جاءَ في الوَكيلِ يَنعزِلُ إذا عُزِلَ، وإنْ لَم يَعلَمْ به.
أخبَرَنا أبو عَبدِ اللَّهِ الحافِظُ أنبَأَ أبو الوَليدِ ثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي طالِبٍ ثَنَا الحَسَنُ بنُ عيسَى عن ابنِ المُبارَكِ عن داوُدَ بنِ أبي الفُراتِ عن مُحمَّدِ بنِ زَيدٍ قالَ: قَضَى عُمَرُ في أَمَةٍ غَزا مَوْلاها وأمَرَ رَجُلًا ببَيْعِها، ثم بَدا لِمَوْلاها فأَعتَقَها، وأشهَدَ على ذلك، وقَد بِيعَتِ الجاريةُ، فحَسَبُوا، فإذا عِتْقُها قبلَ بَيعِها، فقَضَى عُمَرُ أنْ يَقضيَ بعِتقِها، ويُرَدَّ ثَمَنُها ويُؤخَذَ صَداقُها، لمَّا كانَ قَدْ وَطِئَها (١).
стр. 6436
فَمتى تصرَّفَ الوَكيلُ بعدَ فَسخِ المُوكِّلِ فتَصرُّفُه باطِلٌ؛ لأنَّه رَفْعُ عَقدٍ لا يَفتَقِرُ إلى رِضا صاحِبِه، فلا يَفتَقِرُ إلى عِلمِه، كالطَّلاقِ والعَتاقِ، وضَمِن ما سلَّمَه؛ لأنَّ الجَهلَ لا يُؤثِّرُ في الضَّمانِ.
ونَصَّ الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه لا يُقبَلُ قَولُ المُوكِّلِ أنَّه عزَل وَكِيلَه قبلَ تَصرُّفِه إلَّا ببيِّنةٍ بالعَزلِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الوَكالةِ، وبَراءةُ ذِمَّةِ الوَكيلِ مِنْ ضَمانِ ما أَذِنَ له فيه بعدَ الوَقتِ الذي ادَّعى عَزلَه فيه (١).
وقالَ أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ ﵀: الوَكالةُ ليسَتْ بحَقِّ الوَكيلِ، لَازِمٍ لِلمُوكِّلِ إخراجُه متى شاءَ، وإذا كانَ كَذلك وجَب ألَّا يُعتبَرَ عِلمُ الوَكيلِ بعَزلِه، وأنْ يَنعزِلَ متى عزَله، وإنْ لَم يَعلَمْ، ولَم يَختلِفوا في أنَّ المُوكِّلَ لو باعَ العَبدَ المُوكَّلَ ببَيعِه خرَج الوَكيلُ مِنْ الوَكالةِ كَذلك إذا عزَله، وإنْ لَم يَعلَمْ، وإذا ثَبَتَ ذلك في العَزلِ ففي المَوتِ أحْرَى (٢).
ثانيًا: مَوتُ المُوكِّلِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكالةَ تَنفسِخُ وتَبطُلُ بمَوتِ المُوكِّلِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ بأمْرِ
стр. 6437
المُوكِّلِ، وقَد بطَلتْ أهلِيَّةُ الآمِرِ بالمَوتِ، ولأنَّه كانَ نائِبًا عنه في مالِه، وقَد صارَ إلى غيرِه، ولا يَتصرَّفُ أحَدٌ في مالِ غيرِه إلَّا بإذْنِه، والوَرثةُ حينَئذٍ لَم يُعلَمْ مِنهم إذْنٌ، فلا يَلزَمُهم ما باعَ أوِ ابتاعَ بعدَ مَوتِ المُوكِّلِ، بَلْ إنْ شاؤُوا أجازُوه، وإنْ شاؤُوا لَم يُجِيزوه، وحينَئذٍ إذا كانَ قَدِ ابتاعَ لَزِمَ الوَكيلَ غُرْمُ الثَّمنِ، وإذا كانَ قَدْ باعَ غُرِّمَ لهم قِيمةَ المُثمَّنِ إنْ كانَ قَدْ فاتَ، ورَدَّ المَبيعَ لهم إنْ كانَ قائِمًا.
وذهَب مُطَرِّفٌ وابنُ الماجِشونِ مِنْ المالِكيَّةِ إلى أنَّها لا تَنفسِخُ الوَكالةُ بمَوتِ المُوكِّلِ، وهي باقيةٌ حتى يَفسَخَها الوَرثةُ.
وقيلَ: إنَّها تُفسَخُ فيما وَليَه المُوكِّلُ مِنْ البَيعِ، ولا تَنفسِخُ فيما وَليَه الوَكيلُ، وله قَبضُ ثَمَنِ ما باعَه، ما لَم يَفسَخِ الوَرثةُ وَكالَتَه، وهو قَولُ أصبَغَ (١).
стр. 6438
عِلْمُ الوَكيلِ بمَوتِ المُوكِّلِ:
ذهَب عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وحُكِيَ فيه الِاتِّفاقُ على أنَّ الوَكيلَ إذا علِم بمَوتِ مُوكِّلِه ثم تصرَّفَ دونَ الوَرثةِ، فإنَّ تَصرُّفَه باطِلٌ، وهو مُتعَدٍّ، وما تَلِفَ برَأْيِه وفِعلِه ذلك ضَمِنه.
إلَّا أنَّهم اختَلَفوا في الوَكيلِ إذا تصرَّفَ بعدَ مَوتِ مُوكِّلِه ولَم يَعلَمْ بمَوتِه، هَلْ يَصحُّ تَصرُّفُه أو لا؟
فَذهَب الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وهو قَولٌ لِلمالِكيَّةِ إلى أنَّه لا يُشترَطُ عِلمُ الوَكيلِ بمَوتِ مُوكِّلِه، فيَبطُلُ تَصرُّفُهُ؛ لأنَّه رَفْعُ عَقدٍ لا يَفتَقِرُ إلى رِضا صاحِبِه، فلا يَفتَقِرُ إلى عِلمِه، كالطَّلاقِ والعَتاقِ، فلَوِ اشترَى بعدَ مَوتِ المُوكِّلِ ولَم يَعلَمْ بمَوتِه فلا يَلزَمُ الوَرثةَ ذلك، وعليه غُرْمُ الثَّمنِ وقِيمةُ المُثمَّنِ إنْ فاتَ.
قالَ أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ ﵀: الوَكالةُ ليسَتْ بحَقٍّ لَازِمٍ لِلمُوكِّلِ إخراجُه متى شاءَ، وإذا كانَ كَذلك وجَب ألَّا يُعتبَرَ عِلمُ الوَكيلِ بعَزلِه، وأنْ يَنعزِلَ متى عزَله، وإنْ لَم يَعلَمْ، ولَم يَختلِفوا في أنَّ المُوكِّلَ لو باعَ العَبدَ المُوكَّلَ ببَيعِه خرَج الوَكيلُ مِنْ الوَكالةِ، كَذلك إذا عزَله، وإنْ لَم
стр. 6439
يَعلَمْ، وإذا ثَبَتَ ذلك في العَزلِ ففي المَوتِ أحْرَى (١).
وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الوَكيلَ لا يَنعزِلُ قبلَ عِلمِه بمَوتِ المُوكِّلِ؛ لأنَّه لو انعزَل قبلَ عِلمِه كانَ فيه ضَرَرٌ؛ لأنَّه قَدْ يَتصرَّفُ تَصرُّفاتٍ فتَقَعُ باطِلةً، ورُبَّما باعَ الجاريةَ فيَطَؤُها المُشتَرِي، أوِ الطَّعامَ فيَأكُلُه، أو غيرَ ذلك فيَتصرَّفُ فيه المُشتَرِي، ويَجِبُ ضَمانُه، ويَتَضرَّرُ المُشتَرِي والوَكيلُ، ولأنَّه يَتصرَّفُ بأمْرِ المُوكِّلِ، ولا يَثبُتُ حُكمُ الرُّجوعِ في حَقِّ المأْمورِ قبلَ عِلمِه، كالفَسخِ، فعلى هذه الرِّوايةِ متى تصرَّفَ قبلَ العِلمِ نُفِّذَ تَصرُّفُه (٢).
قالَ المالِكيَّةُ: يَنعزِلُ الوَكيلُ مُفَوَّضًا أو لا بمَوتِ مُوكِّلِه؛ لأنَّه نائِبٌ عنه في مالِه، وقَدِ انتَقَلَ لِوَرثَتِه بمَوتِه، فلا يَلزَمُهم ما باعَ أوِ ابتاعَ بعدَه إنْ علِم الوَكيلُ بمَوتِ مُوكِّلِه، وإنْ لَم يَعلَمُ بمَوتِ مُوكِّلِه فتَأويلانِ في عَزلِه:
أحَدُهما: يَنعزِلُ بمُجَرَّدِ المَوتِ، فلَوِ اشترَى شَيئًا أو باعَه بعدَ مَوتِه
стр. 6440
ولَم يَعلَمْ بالمَوتِ لَم يَلزَمِ الوَرثةَ ذلك، وعليه غُرْمُ الثَّمنِ وقِيمةُ المُثمَّنِ إنْ فاتَ.
والآخر -وَهو المَذهبُ-: لا يَنعزِلُ حتى يَبلُغَه مَوتُ مُوكِّلِه.
وهذا الخِلافُ مَحَلُّه إذا كانَ البائِعُ لِلوَكيلِ أو المُشتَرِي مِنه حاضِرًا ببَلَدِ مَوتِه، وبينَ له أنَّه وَكِيلٌ، أو ثَبَتَ ببيِّنةٍ، وإلَّا لا يَنعزِلُ إلَّا إذا بلَغه اتِّفاقًا (١).
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وقالَ مالِكٌ: ما فَعلَه الوَكيلُ المُفَوَّضُ إليه بعدَ مَوتِ المُوكِّلِ له ماضٍ على وَرثَتِه لَازِمٌ لهم إذا لَم يَعلَمْ بمَوتِ مُوكِّلِه، فإنْ علِم بمَوتِ مُوكِّلِه، وفَعلَ شَيئًا دونَ الوَرثةِ فهو مُتعَدٍّ، وما تَلِفَ برَأْيِه وفِعلِه ذلك ضَمِنه (٢).
وَقَدْ حَكَى ابنُ حَزمٍ ﵀ في «مَراتِبِ الإجماعِ» هذا، فقالَ: واتَّفَقوا على أنَّ الوَكيلَ إذا أنفَذَ شَيئًا ممَّا وُكِّلَ به ما بينَ بُلوغِ الخَبرِ إليه وصِحَّتِه عندَه إلى حِينِ عَزلِ مُوكِّلِه له، أو حينَ مَوتِ المُوكِّلِ ممَّا لا غَبْنَ فيه، ولا تَعَدٍّ؛ فإنَّه نافِذٌ لَازِمٌ لِلمُوكِّلِ ولِوَرثَتِه بعدَه (٣).
стр. 6441
ثالِثًا: مَوتُ الوَكيلِ:
لا خِلافَ بَينِ فُقهاءِ المَذاهبِ على أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بمَوتِ الوَكيلِ؛ لأنَّ المَوتَ مُبطِلٌ لِأهلِيَّةِ التَصرُّفِ، ولا تُورَثُ الوَكالةُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَبطُلُ الوَكالةُ بمَوتِ أحَدِهِما، أيَّهما كانَ -الوَكيلَ أو المُوكِّلَ- وجُنونِه المُطبِقِ، ولا خِلافَ في هذا كلِّه فيما نَعلَمُ (١).
رابِعًا: جُنونُ الوَكيلِ أو المُوكِّلِ:
لا خِلافَ بَينِ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ -إلَّا قَولًا يُحكَى عندَ الحَنابِلةِ (٢) - في أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بالجُنونِ مِنْ أحَدِهِما، الوَكيلِ أوِ المُوكِّلِ، إذا كانَ مُطبِقًا، أي: مُستَوعِبًا؛ لأنَّه خرَج عن أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ التَصرُّفِ، فبطَلتِ الوَكالةُ بذلك؛ لأنَّ الوَكيلَ يَتصرَّفُ مِنْ طَريقِ الآمِرِ وبِجُنونِه يَبطُلُ أمْرُه، فيَحصُلُ تَصرُّفُه بغيرِ أمْرٍ، فلا يَجوزُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَبطُلُ الوَكالةُ بمَوتِ أحَدِهِما، أيَّهما كانَ -الوَكيلَ أوِ المُوكِّلَ- وجُنونِه المُطبِقِ ولا خِلافَ في هذا كلِّه فيما نَعلَمُ …
стр. 6442
ومتى خرَج أحَدُهما عن كَونِه مِنْ أهلِ التَصرُّفِ، مثلَ أنْ يُجَنَّ أو يُحجَرَ عليه لِسَفَهٍ، فحُكمُه حُكمُ المَوتِ؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَصرُّفَ، فلا يَملِكُه غيرُه مِنْ جِهَتِه (١).
إلَّا أنَّهم اختَلَفوا في حَدِّ الجُنونِ المُطبِقِ.
فعندَ أبي يُوسفَ -وهو مَحكِيٌّ عن أبي حَنيفةَ- أنَّ الجُنونَ المُطبِقَ ما يَستَوعِبُ الشَّهرَ؛ لأنَّ هذا القَدْرَ أدنَى ما يَسقُطُ به عِبادةُ الصَّومِ، فكانَ التَّقديرُ به أَوْلَى.
وعن أبي يُوسفَ ﵀: ما كانَ أكثَرَ مِنْ يَومٍ ولَيلةٍ؛ لأنَّه تَسقُطُ به الصَّلَواتُ الخَمسُ.
وعندَ مُحمَّدٍ ﵀: حَدُّه ما يَستَوعِبُ الحَوْلَ؛ لأنَّ المُستَوعِبَ لِلحَوْلِ هو المُسقِطُ لِلعِباداتِ كلِّها، فكانَ التَّقديرُ به أَوْلَى (٢).
стр. 6443
الجُنونُ غيرُ المُطبِقِ:
اختَلَف الفُقهاءُ فيما لو كانَ الجُنونُ غيرَ مُطبِقٍ، هَلْ تَنفسِخُ الوَكالةُ أو لا؟
فَذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ الجُنونَ إذا كانَ غيرَ مُطبِقٍ لا تَبطُلُ الوَكالةُ به.
قالَ الحَنفيَّةُ: تَبطُلُ الوَكالةُ بمَوتِ أحَدِهِما وجُنونِه جُنونًا مُطبِقًا، ولو جُنَّ يَومًا ويُفيقُ يَومًا لا تَبطُلُ؛ لأنَّه في معنَى الإغماءِ؛ لأنَّه عَجزٌ يَحتَمِلُ الزَّوالَ، كالعَجزِ بالنَّومِ والإغماءِ.
وعن أبي يُوسفَ ﵀: لا يَنعزِلُ حتى يُجَنَّ أكثَرَ السَّنَةِ؛ لأنَّه متى دامَ كَذلك لا يَزولُ في الأغلَبِ، فصارَ كالمَوتِ، وعَن مُحمَّدٍ إلى سَنَةٍ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه إنْ كانَ لِعِلَّةٍ أو مَرَضٍ يَزولُ أو يَتغيَّرُ في سَنَةٍ، لِاشتِمالِها على الفُصولِ الأربَعةِ مِنْ حَرارةِ الهَواءِ وبُرودَتِه ويُبْسِه ورُطوبَتِه؛ فإذا لَم يَزَلْ فيها فالظَّاهِرُ دَوامُه (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَنعزِلُ الوَكيلُ بجُنونِه أو جُنونِ مُوكِّلِه، إلَّا أنْ يَطولَ جُنونُ المُوكِّلِ جِدًّا، فيَنظُرَ له الحاكِمُ (٢).
стр. 6444
وذهَب الشَّافِعيَّةُ إلى أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بجُنونِ أحَدِهِما: الوَكيلِ أوِ المُوكِّلِ، وإنْ لَم يَعلَمِ الآخَرُ به، ولو زالَ الجُنونُ عن قُربٍ؛ لأنَّه لو قارَنَ العَقدَ مُنِعَ الِانعِقادُ؛ فإذا طَرَأَ قطَعه.
قالَ الدَّميريُّ ﵀ في «النَّجْمِ الوَهَّاجِ»: وقيلَ: إنْ قَصُرَ زَمَنُ الجُنونِ، بحيثُ لا يُحوِجُ إلى نَصبِ القَوَامِ، لَم يُؤثِّرْ، أمَّا المُطبِقُ فأجمَعوا على الِانعِزالِ به (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: لو أنَّ رَجُلًا وكَّل عاقِلًا ثم جُنَّ الوَكيلُ كانَ على ما ذَكَرْنا في جُنونِ المُوكِّلِ إنِ استَدامَ به إلى حالٍ يَصيرُ مَولًى عليه بطَل تَوكيلُه، وإنْ أفَاقَ مِنه قَريبًا بطَلتْ وَكالَتُه على مَذهبِ الشَّافِعيِّ، وجازَتْ على قَولِ أبي العَبَّاسِ ابنِ سُرَيجٍ (٢).
أمَّا الحَنابِلةُ فأطلَقوا وقالوا: تَبطُلُ الوَكالةُ بجُنونٍ مُطبِقٍ مِنْ أحَدِهِما، أي: المُوكِّلِ، أوِ الوَكيلِ؛ لأنَّ الوَكالةَ تَعتَمِدُ العَقلَ؛ فإذا انتَفَى انتَفَتْ صِحَّتُها؛ لِانتِفاءِ ما تَعتَمِدُ عليه، وهو أهلِيَّةُ التَصرُّفِ.
قالَ المِرداوِيُّ ﵀: وأكثَرُ الأصحابِ أطلَقَ الجُنونَ (٣).
стр. 6445
خامِسًا: الإغماءُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في أثَرِ الإغماءِ على الوَكالةِ بأنْ أُغمِيَ على الوَكيلِ أو المُوكِّلِ، هَلْ تَنفسِخُ الوَكالةُ أو لا؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّ الوَكالةَ لا تَنفسِخُ بإغماءِ المُوكِّلِ، أو الوَكيلِ؛ لأنَّ الإغماءَ مَرَضٌ، ولأنَّ المَرَضَ لا يُبطِلُ الوَكالةَ، ولأنَّه لا يُخرِجُ الإنسانَ عن أهلِيَّةِ التَصرُّفِ، ولا تَثبُتُ به الوِلايةُ، أشبَهَ النَّومَ (١).
وذهَب الشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ إلى أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بإغماءِ أحَدِهما، الوَكيلِ أوِ المُوكِّلِ، قياسًا على الجُنونِ، إلَّا الوَكيلَ في رَمْيِ الجِمارِ؛ فإنَّ الأصَحَّ أنَّه لا يَنعزِلُ بإغماءِ المُوكِّلِ؛ لأنَّه زِيادةٌ في عَجزِه.
قالَ القَليوبيُّ ﵀: ومِن الإغماءِ التَّقريفُ الواقِعُ في نحوِ الحَمَّامِ، فليُنتبَهْ له؛ فإنَّه ممَّا تَعُمُّ به البَلْوَى (٢).