ثالِثًا: مَوتُ الوَكيلِ:
لا خِلافَ بَينِ فُقهاءِ المَذاهبِ على أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بمَوتِ الوَكيلِ؛ لأنَّ المَوتَ مُبطِلٌ لِأهلِيَّةِ التَصرُّفِ، ولا تُورَثُ الوَكالةُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَبطُلُ الوَكالةُ بمَوتِ أحَدِهِما، أيَّهما كانَ -الوَكيلَ أو المُوكِّلَ- وجُنونِه المُطبِقِ، ولا خِلافَ في هذا كلِّه فيما نَعلَمُ (١).
رابِعًا: جُنونُ الوَكيلِ أو المُوكِّلِ:
لا خِلافَ بَينِ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ -إلَّا قَولًا يُحكَى عندَ الحَنابِلةِ (٢) - في أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بالجُنونِ مِنْ أحَدِهِما، الوَكيلِ أوِ المُوكِّلِ، إذا كانَ مُطبِقًا، أي: مُستَوعِبًا؛ لأنَّه خرَج عن أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ التَصرُّفِ، فبطَلتِ الوَكالةُ بذلك؛ لأنَّ الوَكيلَ يَتصرَّفُ مِنْ طَريقِ الآمِرِ وبِجُنونِه يَبطُلُ أمْرُه، فيَحصُلُ تَصرُّفُه بغيرِ أمْرٍ، فلا يَجوزُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَبطُلُ الوَكالةُ بمَوتِ أحَدِهِما، أيَّهما كانَ -الوَكيلَ أوِ المُوكِّلَ- وجُنونِه المُطبِقِ ولا خِلافَ في هذا كلِّه فيما نَعلَمُ …
стр. 6442
ومتى خرَج أحَدُهما عن كَونِه مِنْ أهلِ التَصرُّفِ، مثلَ أنْ يُجَنَّ أو يُحجَرَ عليه لِسَفَهٍ، فحُكمُه حُكمُ المَوتِ؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَصرُّفَ، فلا يَملِكُه غيرُه مِنْ جِهَتِه (١).
إلَّا أنَّهم اختَلَفوا في حَدِّ الجُنونِ المُطبِقِ.
فعندَ أبي يُوسفَ -وهو مَحكِيٌّ عن أبي حَنيفةَ- أنَّ الجُنونَ المُطبِقَ ما يَستَوعِبُ الشَّهرَ؛ لأنَّ هذا القَدْرَ أدنَى ما يَسقُطُ به عِبادةُ الصَّومِ، فكانَ التَّقديرُ به أَوْلَى.
وعن أبي يُوسفَ ﵀: ما كانَ أكثَرَ مِنْ يَومٍ ولَيلةٍ؛ لأنَّه تَسقُطُ به الصَّلَواتُ الخَمسُ.
وعندَ مُحمَّدٍ ﵀: حَدُّه ما يَستَوعِبُ الحَوْلَ؛ لأنَّ المُستَوعِبَ لِلحَوْلِ هو المُسقِطُ لِلعِباداتِ كلِّها، فكانَ التَّقديرُ به أَوْلَى (٢).
стр. 6443
الجُنونُ غيرُ المُطبِقِ:
اختَلَف الفُقهاءُ فيما لو كانَ الجُنونُ غيرَ مُطبِقٍ، هَلْ تَنفسِخُ الوَكالةُ أو لا؟
فَذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ الجُنونَ إذا كانَ غيرَ مُطبِقٍ لا تَبطُلُ الوَكالةُ به.
قالَ الحَنفيَّةُ: تَبطُلُ الوَكالةُ بمَوتِ أحَدِهِما وجُنونِه جُنونًا مُطبِقًا، ولو جُنَّ يَومًا ويُفيقُ يَومًا لا تَبطُلُ؛ لأنَّه في معنَى الإغماءِ؛ لأنَّه عَجزٌ يَحتَمِلُ الزَّوالَ، كالعَجزِ بالنَّومِ والإغماءِ.
وعن أبي يُوسفَ ﵀: لا يَنعزِلُ حتى يُجَنَّ أكثَرَ السَّنَةِ؛ لأنَّه متى دامَ كَذلك لا يَزولُ في الأغلَبِ، فصارَ كالمَوتِ، وعَن مُحمَّدٍ إلى سَنَةٍ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه إنْ كانَ لِعِلَّةٍ أو مَرَضٍ يَزولُ أو يَتغيَّرُ في سَنَةٍ، لِاشتِمالِها على الفُصولِ الأربَعةِ مِنْ حَرارةِ الهَواءِ وبُرودَتِه ويُبْسِه ورُطوبَتِه؛ فإذا لَم يَزَلْ فيها فالظَّاهِرُ دَوامُه (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَنعزِلُ الوَكيلُ بجُنونِه أو جُنونِ مُوكِّلِه، إلَّا أنْ يَطولَ جُنونُ المُوكِّلِ جِدًّا، فيَنظُرَ له الحاكِمُ (٢).
стр. 6444
وذهَب الشَّافِعيَّةُ إلى أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بجُنونِ أحَدِهِما: الوَكيلِ أوِ المُوكِّلِ، وإنْ لَم يَعلَمِ الآخَرُ به، ولو زالَ الجُنونُ عن قُربٍ؛ لأنَّه لو قارَنَ العَقدَ مُنِعَ الِانعِقادُ؛ فإذا طَرَأَ قطَعه.
قالَ الدَّميريُّ ﵀ في «النَّجْمِ الوَهَّاجِ»: وقيلَ: إنْ قَصُرَ زَمَنُ الجُنونِ، بحيثُ لا يُحوِجُ إلى نَصبِ القَوَامِ، لَم يُؤثِّرْ، أمَّا المُطبِقُ فأجمَعوا على الِانعِزالِ به (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: لو أنَّ رَجُلًا وكَّل عاقِلًا ثم جُنَّ الوَكيلُ كانَ على ما ذَكَرْنا في جُنونِ المُوكِّلِ إنِ استَدامَ به إلى حالٍ يَصيرُ مَولًى عليه بطَل تَوكيلُه، وإنْ أفَاقَ مِنه قَريبًا بطَلتْ وَكالَتُه على مَذهبِ الشَّافِعيِّ، وجازَتْ على قَولِ أبي العَبَّاسِ ابنِ سُرَيجٍ (٢).
أمَّا الحَنابِلةُ فأطلَقوا وقالوا: تَبطُلُ الوَكالةُ بجُنونٍ مُطبِقٍ مِنْ أحَدِهِما، أي: المُوكِّلِ، أوِ الوَكيلِ؛ لأنَّ الوَكالةَ تَعتَمِدُ العَقلَ؛ فإذا انتَفَى انتَفَتْ صِحَّتُها؛ لِانتِفاءِ ما تَعتَمِدُ عليه، وهو أهلِيَّةُ التَصرُّفِ.
قالَ المِرداوِيُّ ﵀: وأكثَرُ الأصحابِ أطلَقَ الجُنونَ (٣).
стр. 6445
خامِسًا: الإغماءُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في أثَرِ الإغماءِ على الوَكالةِ بأنْ أُغمِيَ على الوَكيلِ أو المُوكِّلِ، هَلْ تَنفسِخُ الوَكالةُ أو لا؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّ الوَكالةَ لا تَنفسِخُ بإغماءِ المُوكِّلِ، أو الوَكيلِ؛ لأنَّ الإغماءَ مَرَضٌ، ولأنَّ المَرَضَ لا يُبطِلُ الوَكالةَ، ولأنَّه لا يُخرِجُ الإنسانَ عن أهلِيَّةِ التَصرُّفِ، ولا تَثبُتُ به الوِلايةُ، أشبَهَ النَّومَ (١).
وذهَب الشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ إلى أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بإغماءِ أحَدِهما، الوَكيلِ أوِ المُوكِّلِ، قياسًا على الجُنونِ، إلَّا الوَكيلَ في رَمْيِ الجِمارِ؛ فإنَّ الأصَحَّ أنَّه لا يَنعزِلُ بإغماءِ المُوكِّلِ؛ لأنَّه زِيادةٌ في عَجزِه.
قالَ القَليوبيُّ ﵀: ومِن الإغماءِ التَّقريفُ الواقِعُ في نحوِ الحَمَّامِ، فليُنتبَهْ له؛ فإنَّه ممَّا تَعُمُّ به البَلْوَى (٢).
стр. 6446
سادِسًا: الحَجْرُ:
ذكَر الفُقهاءُ أنَّ الحَجْرَ مِنْ أسبابِ بُطلانِ الوَكالةِ في الجُملةِ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ.
قالَ الحَنفيَّةُ: إذا وكَّل مَأذونٌ له وَكِيلًا ثم حَجَرَ على ذلك المَأْذونِ وَليُّه بطَلتِ الوَكالةُ؛ لأنَّ قِيامَ الوَكالةِ يَعتَمِدُ على قِيامِ الآمِرِ، ولأنَّه بالحَجرِ عليه بطَلتْ أهلِيَّةُ آمِرِه بالتَصرُّفِ في المالِ، فيَبطُلُ الآمِرُ بالحَجْرِ، فتَبطُلُ الوَكالةُ، ولا فَرقَ بينَ العِلمِ وعَدمِه؛ لأنَّ هذا عَزْلٌ حُكمِيٌّ، فلا يَتوقَّفُ على العِلمِ، كالمَوتِ، وهذا في الوَكيلِ بالعُقودِ، أوِ الخُصوماتِ.
وأمَّا الوَكيلُ بقَضاءِ الدَّيْنِ أو اقتِضائِه فلا يَنعزِلُ بحَجْرِ المَأْذونِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: تَبطُلُ الوَكالةُ ويَنعزِلُ الوَكيلُ بفَلَسِ مُوكِّلِه الأخَصِّ، لِانتِقالِ المالِ لِلغُرَماءِ (٢).
والمُرادُ بالفَلَسِ الأخَصِّ: هو حُكمُ الحاكِمِ بخَلعِ ما بيَدِ المُفلِسِ لِغُرَمائِه بشُروطِه، بأنْ يَطلُبَ الغُرَماءُ تَفليسَ المَدِينِ، وأنْ يَكونَ الدَّيْنُ الذي عليه حالًّا، وأنْ يَكونَ ذلك الدَّيْنُ الحالُّ يَزيدُ على ما بيَدِ المَدينِ مِنْ المالِ.
стр. 6447
والفَلَسُ الأخَصُّ يَختلِفُ عن الفَلَسِ الأعَمِّ، الذي هو مَنْعُ مَنْ أحاطَ الدَّيْنُ -ولو مُؤجَّلًا- بمالِه مِنْ تَبرُّعِه بعِتقٍ أو هِبةٍ أو صَدَقةٍ أو حَبسٍ أو حَمالةٍ (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: وإنْ حُجِرَ عليهما، أو على أحَدِهِما لِلسَّفَهِ بطَلتِ الوَكالةُ فيما لا يَصحُّ تَصرُّفُه فيه مَع السَّفَهِ، كالبَيعِ، والهِبةِ، وغيرِهما، ولا تَبطُلُ الوَكالةُ فيما يَملِكُه مَع السَّفَهِ، كالطَّلاقِ، والخُلعِ، وطَلَبِ القِصَاصِ.
وإنْ كانَ الحَجَرُ لِلفَلَسِ بطَل تَوكيلُه في بَيعِ أعيانِ مالِه؛ لِبُطلانِ تَصرُّفِه فيه وفي هِبَتِها، ولَم يَبطُلْ في التَصرُّفِ في ذِمَّتِه، ولا في الطَّلاقِ والخُلعِ وطَلَبِ القِصاصِ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَبطُلُ الوَكالةُ بالحَجرِ على أحَدِهِما لِسَفَهٍ فيما لا يَتصرَّفُ فيه، كَبَيعٍ وشِراءٍ؛ لِعدمِ أهلِيَّتِه لِلتَصرُّفِ، بخِلافِ نحوِ طَلاقٍ ورَجْعةٍ، لَم تَبطُلْ بسَفَهٍ، وكذا لو وكَّل في احتِطابٍ، أوِ استِقاءِ ماءٍ ونحوِه.
وَتَبطُلُ الوَكالةُ أيضًا بفَلَسِ مُوكِّلٍ، فيما حُجِرَ عليه فيه، كَتَصرُّفٍ في عَينِ
стр. 6448
مالِه؛ لِانقِطاعِ تَصرُّفِه فيه، بخِلافِ ما لو وكَّل في تَصرُّفٍ في الذِّمةِ أو في ضَمانٍ أو اقتِراضٍ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومتى خرَج أحَدُهما عن كَونِه مِنْ أهلِ التَصرُّفِ، مثلَ أنْ يُجَنَّ أو يُحجَرَ عليه لِسَفَهٍ، فحُكمُه حُكمُ المَوتِ؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَصرُّفَ، فلا يَملِكُه غيرُه مِنْ جِهَتِه.
قالَ أحمَدُ ﵀ في الشَّرِكةِ: إذا وَسوَسَ أحَدُهما فهو مِثلُ العَزلِ.
وإنْ حُجِرَ على الوَكيلِ لِفَلَسٍ، فالوَكالةُ بحالِها؛ لأنَّه لَم يَخرُجْ عن كَونِه أهلًا لِلتَصرُّفِ، وإنْ حُجِرَ على المُوكِّلِ وكانَتِ الوَكالةُ في أعيانِ مالِه بطَلتْ؛ لِانقِطاعِ تَصرُّفِه في أعيانِ مالِه.
وإنْ كانَتْ في الخُصومةِ أوِ الشِّراءِ في الذِّمةِ أوِ الطَّلاقِ أو الخُلعِ، أوِ القِصاصِ، فالوَكالةُ بحالِها؛ لأنَّ المُوكِّلَ أهْلٌ لِذلك، وله أنْ يَستَنيبَ فيه ابتِداءً، فلا تَنقَطِعَ الاستِدامةُ (٢).
سابِعًا: الرِّدَّةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ارتَدَّ الوَكيلُ أو المُرتَدُّ عن الإسلامِ -والعِياذُ باللَّهِ-، هَلْ تَنفسِخُ الوَكالةُ؟ أو تَبقَى حتى يَلحَقَ بدارِ الحَربِ ويُحكَمَ برِدَّتِه ولُحوقِهِ؟
стр. 6449
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ -على تَفصيلٍ سَيَأتي- والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بالرِّدَّةِ.
قالَ الحَنفيَّةُ: إذا لَحِقَ المُوكِّلُ بدارِ الحَربِ مُرتَدًّا بطَلتْ وَكالَتُه عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ تَصرُّفاتِ المُرتَدِّ مَوقوفةٌ عندَه، فكانَتْ وَكالةُ الوَكيلِ مَوقوفةً أيضًا؛ فَإنْ أسلَمَ المُوكِّلُ نُفِّذَتْ، وهو على وِكالَتِه، وإنْ قُتِلَ أو لَحِقَ بدارِ الحَربِ بطَلتْ.
وَعندَهُما: لا يَخرُجُ به الوَكيلُ عن الوَكالةِ؛ لأنَّ تَصرُّفاتِه نافِذةٌ، فكذا الوَكالةُ، إلَّا أنْ يَموتَ أو يُقتَلَ على رِدَّتِه أو يُحكَمَ بلَحاقِه.
وإنْ كانَ المُوكِّلُ امرَأةً فارتَدَتْ، فالوَكيلُ على وَكالَتِه حتى تَموتَ أو تَلحَقَ بدارِ الحَربِ ويُحكَمَ بلَحاقِها إجماعًا؛ لأنَّ رِدَّةَ المَرأةِ لا تَمنَعُ نَفاذَ تَصرُّفِها، ولا تُؤَثِّرُ في عُقودِها، ولا تُزيلُ أملاكَها؛ لأنَّها لا تَقتُلُ، ما خَلا التَّوكيلَ بالتَّزويجِ؛ فإنَّ رِدَّتَها تُخرِجُ الوَكيلَ به مِنْ الوَكالةِ؛ لأنَّها حِينَ كانَتْ مالِكةً لِلعَقدِ وَقتَ التَّوكيلِ تَثبُتُ الوَكالةُ في الحالِ، ثم بِرِدَّتِها تَخرُجُ مِنْ أنْ تَكونَ مالِكةً لِلعَقدِ، فيَكونُ ذلك عَزلًا مِنها لِوَكيلِها، فبعدَما انعزَل لا يَعودُ وَكيلًا إلَّا بالتَّجديدِ.
وإنْ عادَ المُوكِّلُ مِنْ دارِ الحَربِ مُسلِمًا قبلَ الحُكمِ بلَحاقِه، فكَأنَّه لَم يَزَلْ كَذلك، ويَكونُ الوَكيلُ على وَكالَتِه.
وَإن جاءَ مُسلِمًا بعدَ الحُكمِ بلَحاقِه لا تَعودُ الوَكالةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ.
стр. 6450
وَرُوِيَ عن مُحمَّدٍ أنَّها تَعودَ، ووَجهُهُ أنَّ بُطلانَ الوَكالةِ لِبُطلانِ مِلْكِ المُوكِّلِ، فإذا عادَ مُسلِمًا عادَ مِلْكُه الأوَّلُ، ويَعودُ بحُقوقِه.
وَجهُ ظاهِرِ الرِّوايةِ أنَّ لُحوقَه بدارِ الحَربِ بمَنزِلةِ المَوتِ، ولو ماتَ لا يَحتَمِلُ العَودَ، فكذا إذا لَحِقَ بدارِ الحَربِ.
وَإنِ ارتَدَّ الوَكيلُ ولَحِقَ بدارِ الحَربِ مُرتَدًّا انقطَعتْ وَكالَتُه إذا حَكَمَ الحاكِمُ بهِ؛ لأنَّ لَحاقَه لا يَثبُتُ إلَّا بحُكمِ الحاكِمِ، وحينَئذٍ تَبطُلُ الوَكالةُ باتِّفاقِهم.
فَإنْ عادَ مُسلِمًا قبلَ الحُكمِ بلَحاقِه زالَ التَّوَقُّفُ، وصارَ كَأنَّه لَم يَرتَدَّ أصْلًا.
وإنْ عادَ مُسلِمًا بعدَ الحُكمِ بلَحاقِه بدارِ الحَربِ، هَلْ تَعودُ الوَكالةُ له أو لا، على قولَيْنِ في المَذهبِ.
الأوَّلُ: لِمُحمَّدٍ: أنَّها تَعودُ، وَوَجهُ قَوله أنَّ الرِّدةَ نَفسَها لا تُنافِي الوَكالةَ، ألَا تَرَى أنَّها لا تَبطُلُ قبلَ لَحاقِه بدارِ الحَربِ، إلَّا أنَّه لَم يَجُزْ تَصرُّفُه في دارِ الحَربِ؛ لِتَعَذُّرِ التَّنفيذِ؛ لِاختِلافِ الدَّارَيْنِ؛ فإذا عادَ زالَ المانِعُ، ويَجوزُ.
وَنَظيرُه مَنْ وكَّل رَجُلًا ببَيعِ عَبدٍ بالكُوفةِ، فلَمْ يَبِعْه فيها حتى خرَج إلى البَصرةِ لا يَملِكُ بَيْعَه بالبَصرةِ، ثم إذا عادَ إلى الكُوفةِ ملَك بَيعَه فيها، كذا هذا.
والآخَرُ: قَولُ أبي يُوسفَ أنَّ الوَكالةَ لا تَعودُ، ووَجهُ قَوله أنَّ الوَكالةَ
стр. 6451
عَقدٌ حُكِمَ ببُطلانِه بلَحاقِه بدارِ الحَربِ، فلا يَحتَمِلُ العَودَ، كالنِّكاحِ.
وإذا لَحِقَ المُرتَدُّ بدارِ الحَربِ فأخَذَ الوَرثةُ مالَه بغيرِ أمْرِ القاضي، فأكَلوه، ثم رجَع مُسلِمًا كانَ له أنْ يَضمَنَهم.
ولو أنَّ القاضيَ حَكَمَ بلَحاقِه، وقَضَى بمالِه لِلوَرثةِ ثم رجَع مُسلِمًا، فوجَد جاريةً في يَدِ الوارِثِ، فأبَى الوارِثُ أنْ يَرُدَّها عليه، وأعتَقَها الوارِثُ أو باعَها أو وَهَبَها، كانَ ما صَنَعَه جائِزًا، ولا شَيءَ لِلمُرتَدِّ (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فقالَ الدُّسوقيُّ ﵀: وانعزَل الوَكيلُ برِدَّتِه أيَّامَ الِاستِتابةِ، وأمَّا بعدَها؛ فَإنْ قُتِلَ فواضِحٌ، وإنْ أخَّرَ لِمانِعٍ كالحَملِ فقَد تَرَدَّدَ العُلماءُ في عَزلِه، وكذا يَنعزِلُ برِدَّةِ مُوكِّلِه بعدَ مُضِيِّ أيَّامِ الِاستِتابةِ ولَم يَرجِعْ ولَم يُقتَلْ لِمانِعٍ (٢).
وذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَكالةَ لا تَبطُلُ بالرِّدَّةِ.
قالَ الشَّافِعيَّةُ: وإنْ وكَّل مُسلِمٌ مُسلِمًا، ثم ارتَدَّ الوَكيلُ لَم تَبطُلْ وَكالَتُه، وكَذلك إذا وكَّل المُسلِمُ مُرتَدًّا صَحَّتْ وَكالَتُه، قَولًا واحِدًا؛ لأنَّ رِدَّتَه لا تُؤثِّرُ في تَصرُّفِه، وإنَّما تُؤثِّرُ في مالِه.
стр. 6452
فأمَّا إذا ارتَدَّ المُوكِّلُ: فهَلْ يَبطُلُ تَوكِيلُه؟ فيه ثَلاثةُ أقوالٍ، بِناءً على زَوالِ مِلْكِه بالرِّدَّةِ.
أحَدُها: يَزولُ مِلْكُه، فتَبطُلُ وَكالَتُه.
والثَّاني: لا يَزولُ مِلْكُه، فلا تَبطُلُ وَكالَتُه.
والثَّالثُ: أنَّ مِلْكَه مَوقوفٌ؛ فإنْ رجَع إلى الإسلامِ لَم يَزُلْ مِلْكُه، ولا تَبطُلُ وَكالَتُه، وإنْ ماتَ على الرِّدَّةِ، أو قُتِلَ عليها زالَ مِلْكُه بالرِّدَّةِ، فبطَلتْ وَكالَتُه، وهَكذا إذا وكَّل المُرتَدُّ مُسلِمًا فهَل تَصحُّ وَكالَتُهُ؟ على هذه الأقوالِ الثَّلاثةِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا تَبطُلُ الوَكالةُ برِدَّةِ الوَكيلِ، سَواءٌ لَحِقَ بدارِ الحَربِ أو أقامَ؛ لأنَّه يَصحُّ تَصرُّفُه لِنَفْسِه، فلَمْ تَبطُلْ وَكالَتُه، ولأنَّ الرِّدةَ لا تَمنَعُ ابتِداءَ وَكالَتِه، فلا تَمنَعُ استَدامَتُها، كَسائِرِ الكُفرِ.
وفي قَولٍ: تَبطُلُ برِدَّةِ المُوكِّلِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنِ ارتَدَّ المُوكِّلُ لَم تَبطُلِ الوَكالةُ فيما له التَصرُّفُ فيه.
فأمَّا الوَكيلُ في مالِه فيَنبَني على تَصرُّفِه نَفْسِه، فإنْ قُلْنا: «يَصحُّ تَصرُّفُه» لَم يَبطُلْ تَوكيلُه.
وإنْ قُلْنا: «هو مَوقوفٌ» فوَكالَتُه مَوقوفةٌ.
стр. 6453
وإنْ قُلْنا: «يَبطُلُ تَصرُّفَه» بطَل تَوكيلُه.
وإنْ وكَّل في حالِ رِدَّتِه ففيه الوُجوهُ الثَّلاثةُ أيضًا (١).
وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: لو وكَّله ثم ارتَدَّا معًا فهَل تَبطُلُ أو لا، أُطلِقَ الخِلافُ، واعلَمْ أنَّ كُلًّا مِنهُما يُعطَى حُكمَه لو انفَردَ بالِارتِدادِ، كما تَقَّدمَ (٢).
ثامِنًا: الفِسقُ:
نَصَّ الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الوَكالةَ إذا كانَتْ على تَصرُّفٍ يُشترَطُ فيه العَدالةُ، كَإيجابِ نِكاحٍ، ونحوِه، كاستِيفاءِ حَدٍّ وإثباتِه؛ فإنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بفِسقِ أحَدِهِما؛ لِخُروجِه بالفِسقِ عن أهلِيَّةِ ذلك التَصرُّفِ، وإنْ لَم يَكُنِ التَصرُّفُ ممَّا يُشترَطُ فيه العَدالةُ، كَقَبولِ النِّكاحِ، أو في بَيعٍ أو شِراءٍ، فلا تَبطُلُ الوَكالةُ، ولا يَنعزِلُ بفِسقِ مُوكِّلِه؛ لأنَّه يَجوزُ مِنه ذلك لِنَفْسِه، فجازَ لِغيرِه، كالعَدلِ.
قالَ العِمرانيُّ ﵀: وإنْ فَسَقَا أو أحَدُهما، فإنْ كانَ تَصرُّفًا يُشترَطُ فيه العَدالةُ بطَل، وإنْ كانَ لا يُشترَطُ فيه العَدالةُ لَم يَبطُلْ (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ فسَق الوَكيلُ لَم يَنعزِلْ؛ لأنَّه مِنْ أهلِ
стр. 6454
التَصرُّفِ، إلَّا أنْ تَكونَ الوَكالةُ فيما يُنافِيه الفِسقُ، كالإيجابِ في عَقدِ النِّكاحِ؛ فإنَّه يَنعزِلُ بفِسقِه، أو فِسقِ مُوكِّلِه، بخُروجِه عن أهلِيَّةِ التَصرُّفِ.
فَإنْ كانَ وَكيلًا في القَبولِ لِلمُوكِّلِ لَم يَنعزِلْ بفِسقِ مُوكِّلِه؛ لأنَّه لا يُنافي جَوازَ قَبولِه.
وهَل يَنعزِلُ بفِسقِ نَفْسِه؟ فيه وَجهانِ:
وإنْ كانَ وَكيلًا فيما تُشترَطُ فيه الأمانةُ، كَوَكيلِ وَليِّ اليَتيمِ، ووَليِّ الوَقْفِ على المَساكينِ، ونحوِ هذا، انعَزلَ بفِسقِه وفِسقِ مُوكِّلُه بخُروجِهِما بذلك عن أهلِيَّةِ التَصرُّفِ.
وإنْ كانَ وَكيلًا لِوَكيلِ مَنْ يَتصرَّفُ في مالِ نَفْسِه انعَزلَ بفِسقِهِ؛ لأنَّ الوَكيلَ ليسَ له تَوكيلُ فاسِقٍ، ولا يَنعزِلُ بفِسقِ مُوكِّلِه؛ لأنَّ مُوكِّلَه وَكيلٌ لِرَبِّ المالِ، ولا يُنافِيه الفِسقُ.
ولا تَبطُلُ الوَكالةُ بالنَّومِ والسُّكْرِ والإغماءِ؛ لأنَّ ذلك لا يُخرِجُه عن أهلِيَّةِ التَصرُّفِ، ولا يُثْبِتُ عليه وِلايةً، إلَّا أنْ يَحصُلَ الفِسقُ بالسُّكْرِ، فيَكونَ فيه مِنْ التَّفصيلِ ما أسلَفْناه (١).
تاسِعًا: السُّكْرُ:
قالَ الشَّافِعيَّةُ: لو سَكِرَ أحَدُهما -الوَكيلُ أوِ المُوكِّلُ- بِلا تَعَدٍّ، أي: بمُباحٍ، انعزَل الوَكيلُ.
стр. 6455
وإنْ سَكِرَ أحَدُهما بتَعَدٍّ -أي: بمُحرَّمٍ- فاحتِمَالانِ:
أحَدُهما: أنَّه كَذلك، أي: يَنعزِلُ الوَكيلُ.
والآخَرُ: خِلافُه، أي: لا يَنعزِلُ الوَكيلُ؛ لأنَّ المُتعَدِّيَ حُكمُه حُكمُ الصَّاحِي (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا تَبطُلُ الوَكالةُ بالسُّكرِ الذي يُفسَقُ به في غيرِ ما يُنافيه؛ لأنَّه لا يُخرِجُه عن أهلِيَّةِ التَصرُّفِ.
وأمَّا ما يُنافي الفِسقَ، كالإيجابِ في عَقدِ النِّكاحِ؛ فإنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ به بالسُّكْرِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أمَّا السُّكْرُ فحيثُ قُلْنا: يُفسِقُ؛ فإنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ فيما يُنافي الفِسقَ، كالإيجابِ في عَقدِ النِّكاحِ ونحوِه، وإلَّا فلا (٢).
وأمَّا الحَنفيَّةُ؛ فقالَ ابنُ نُجَيمٍ ﵀: السَّكرانُ مُكَلَّفٌ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، خاطَبَهم تَعالى ونَهاهُم حالَ سُكرِهم.
فَإنْ كانَ السُّكْرُ مِنْ مُحرَّمٍ فالسَّكرانُ مِنه هو المُكَلَّفُ، وإنْ كانَ مِنْ
стр. 6456
مُباحٍ فلا، فهو كالمُغمَى عليه، لا يَقَعُ طَلاقُه، واختَلفَ التَّصحيحُ فيما إذا سَكِرَ مُكرَهًا أو مُضطَرًّا فطَلَّق.
وَقَدَّمْنا في الفَوائِدِ أنَّه مِنْ مُحرَّمٍ، كالصَّاحي، إلَّا في حالاتٍ ثَلاثٍ: الرِّدَّةِ، والإقرارِ بالحُدودِ الخالِصةِ، والإشهادِ على شَهادةِ نَفْسِه.
وَزِدتُ على المَسائِلِ الثَّلاثِ:
الأُولَى: تَزويجُ الصَّغيرِ والصَّغيرةِ بأقَلَّ مِنْ مَهرِ المِثلِ أو بأكثَرَ؛ فإنَّه لا يُنَفَّذُ.
الثَّانيةُ: الوَكيلُ بالطَّلاقِ، صاحِيًا، إذا سَكِرَ فطَلَّق لَم يَقَعْ.
الثَّالثةُ: الوَكيلُ بالبَيعِ لو سَكِرَ فباعَ لَم يُنَفَّذْ على مُوكِّلِه (١).
عاشِرًا: خُروجُ مَحَلِّ التَصرُّفِ عن مِلْكِ المُوكِّلِ:
نَصَّ عامَّةُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الوَكالةَ تَنفسِخُ إذا تصرَّفَ المُوكِّلُ بنَفْسِه أو بوَكيلٍ آخَرَ فيما وُكِّلَ به قبلَ تَصرُّفِ الوَكيلِ تَصرُّفًا يَعجِزُ الوَكيلُ عن الِامتِثالِ به، نحوَ ما إذا وكَّله ببَيعِ عَبدِه فباعَه المُوكِّلُ أو أعتَقَه أو دَبَّرَه أو كاتَبَه أو وَهَبَه، وكذا إذا استُحِقَّ، أو كانَ حُرَّ الأصْلِ؛ لأنَّ الوَكيلَ عَجزَ عن التَصرُّفِ؛ لِزَوالِ مِلْكِ المُوكِّلِ، فيَنتَهي حُكمُ الوَكالةِ، كما إذا هَلكَ العَبدُ، وكذا إذا وكَّله بطَلاقِ زَوجَتِه، فطَلَّقها الزَّوجُ قبلَ طَلاقِه، أو وكَّله في خُلعِ زَوجَتِه فخالَعَها بنَفْسِه،
стр. 6457
بطَلتِ الوَكالةُ؛ لأنَّه زالَ تَصرُّفُ المُوكِّلِ، فزالَتْ وَكالتُه؛ لأنَّه إذا تصرَّفَ فيما وُكِّلَ بهِ: تَعذَّرَ تَصرُّفُ الوَكيلِ فيه بعدَ ذلك (١).
قالَ الحَنفيَّةُ: مَنْ وكَّل آخَرَ في شَيءٍ ثم تصرَّفَ فيما وكَّل به بنَفْسِه، أو وَكيلٌ آخَرُ، تَصرُّفًا يَعجِزُ الوَكيلُ عن الِامتِثالِ به، بطَلتِ الوَكالةُ؛ لأنَّه إذا تصرَّفَ فيما وكَّل به تَعَذَّرَ تَصرُّفُ الوَكيلِ فيه بعدَ ذلك.
وَذلك نحوَ ما إذا وكَّله ببَيعِ عَبدِه فباعه المُوكِّلُ أو أعتَقَه أو دَبَّرَه أو كاتَبَه أو وَهَبَه، وكذا إذا استُحِقَّ أو كانَ حُرَّ الأصْلِ؛ لأنَّ الوَكيلَ عَجزَ عن التَصرُّفِ؛ لِزَوالِ مِلْكِ المُوكِّلِ، فيَنتَهي حُكمُ الوَكالةِ، كما إذا هَلكَ العَبدُ.
أو يُوكِّلُه في طَلاقِ امرَأتِه، فيُطلِّقُها الزَّوجُ ثَلاثًا، أو واحِدةً، وانقَضَتْ عِدَّتُها.
وَإنَّما قُيِّدَ بانقِضاءِ عِدَّتِها؛ لأنَّها إذا لَم تَنقَضِ يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يُطلِّقَها أيضًا، أمَّا إذا انقَضَتْ لا يَجوزُ له ذلك.
ولو تَزوَّجها المُوكِّلُ بعدَ ذلك فليسَ لِلوَكيلِ أنْ يُطلِّقَها، وإنْ كانَ لِلمُوكِّلِ ذلك؛ لأنَّ تَطليقَها حينَئذٍ بسَبَبٍ جَديدٍ، وهو حاصِلٌ لِلمُوكِّلِ دونَ الوَكيلِ.
стр. 6458
وكذا إذا وكَّله بالخُلعِ، فخالَعَ بنَفْسِه؛ فإنَّ الوَكيلَ يَنعزِلُ في هذه الصُّوَرِ كلِّها؛ لِتَعَذُّرِ التَصرُّفِ بعدَ تَصرُّفِ المُوكِّلِ.
وكذا إذا وكَّله ببَيعِ عَبدِه فباعَه بنَفْسِه.
وقالَ المَوْصِلِيُّ ﵀: ولو وكَّله ببَيعِ عَبدٍ فباعَه المُوكِّلُ بطَلتِ الوَكالةُ، ولو باعاه معًا. قالَ مُحمَّدٌ: هو لِلمُشتَرِي مِنْ المُوكِّلِ؛ لأنَّه باعَ مِلْكَه، فكانَ أَوْلَى. وعندَ أبي يُوسفَ هو بينَهما؛ لأنَّ بَيعَ الوَكيلِ مِثلُ بَيعِ المُوكِّلِ عندَه، ألَا تَرَى أنَّه لو تَقدَّم بطَل ببَيعِ المُوكِّلِ، كما إذا تَقدَّم بَيعُ المُوكِّلِ بطَل بَيعُ الوَكيلِ، وإذا استَوَيا كانَ بينَهما لِعدمِ الأولويَّةِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: مَنْ وكَّل شَخصًا على بَيعِ سِلعةٍ ثم باعَها المُوكِّلُ وباعَها الوَكيلُ أيضًا؛ فإنَّ البَيعَ الأوَّلَ مِنْ البَيعَتَيْنِ هو الماضي، ما لَم يَكُنِ الثَّاني قَدْ قبَض المَبيعَ؛ فإنَّه يَكونُ أحَقَّ به، بشَرطِ أنْ يَكونَ غيرَ عالِمٍ ببَيعِ الأوَل، أمَّا إنْ كانَ الثَّاني عالِمًا بأنَّ غيرَه اشتَراه؛ فإنَّه لا يَكونُ أحَقَّ به، قِياسًا على مَسألةِ ذاتِ الوَليَّيْنِ (٢).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يَنعزِلُ الوَكيلُ بخُروجِ مَحَلِّ التَصرُّفِ عن مِلْكِ المُوكِّلِ
стр. 6459
بالبَيعِ ونحوِه، كَإعتاقِ ما وُكِّلَ فيه؛ لِاستِحالةِ بَقاءِ الوِلايةِ والحالُ هذه، ولو عادَ إلى مِلْكِه لَم تَعُدِ الوَكالةُ.
وكذا لو وكَّله في نَقْلِ زَوجَتِه فطَلَّقها، بطَلتِ الوَكالةُ؛ لِتعَذُّرِ التَصرُّفِ.
ومِثلُ خُروجِه عن مِلْكِه ما لو أعارَه أو أجَّرَه، كما لو وكَّله ببَيعِه ثم أجَّرَه، يَنعزِلُ؛ لأنَّ الإجارةَ إنْ مَنعَتِ البَيعَ لَم يَبْقَ مالِكًا لِلتَصرُّفِ، وإلَّا فهي عَلامةُ النَّدَمِ على البَيعِ؛ لأنَّ مَنْ يُريدُ البَيعَ لا يُؤَجِّرُ؛ لِقِلَّةِ الرَّغَباتِ.
ولا يَنعزِلُ بتَوكيلِ وَكَيلٍ آخَرَ، ولا بالعَرضِ على البَيعِ.
وفي عَزلِ الوَكيلِ بطَحنِ المُوكِّلِ الحِنطةِ المُوكَّلِ ببَيعِها وَجْهانِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: ولو وكَّل رَجُلًا في نَقلِ امرَأتِه أو بَيعِ عَبدِه أو قَبضِ دارِه مِنْ فُلانٍ، فقامَتِ البيِّنةُ بطَلاقِ الزَّوجةِ وعِتقِ العَبدِ وانتِقالِ الدَّارِ عن المُوكِّلِ، بطَلتِ الوَكالةُ؛ لأنَّه زالَ تَصرُّفُ المُوكِّلِ، فزالَتْ وَكالَتُه.
وكذا تَبطُل الوَكالةُ أيضًا بإقرارِ الوَكيلِ على مُوكِّلِه بقَبْضِ ما وُكِّلَ الوَكيلُ في قَبضِه، أو الخُصومةِ فيه؛ لِاعتِرافِ الوَكيلِ بذَهابِ مَحَلِّ الوَكالةِ بالقَبضِ (٢).
стр. 6460
إذا عادَ مَحَلُّ التَصرُّفِ لِلمُوكِّلِ هَلْ تَعودُ الوَكالةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو رُدَّ أو عادَ مَحَلُّ الوَكالةِ إلى المُوكِّلِ، بأنْ رُدَّ على المُوكِّلِ بعَيبٍ، هَلْ تَعودُ الوَكالةُ مَرَّةً أُخرى أو لا؟
فَذهَب الشَّافِعيَّةُ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ الوَكالةَ لا تَعودُ مَرَّةً أُخرى، فليسَ له بَيعُه؛ لأنَّ بَيعَه بنَفْسِه مَنعَه مِنْ التَصرُّفِ، فصارَ كالعَزلِ.
وقالَ مُحمَّدٌ ﵀: تَعودُ؛ لأنَّ العائِدَ بالفَسخِ عَينُ المِلْكِ الأوَل، فيَعودُ بحُقوقِه.
قالَ الكاسانيُّ ﵀: وَجهُ قَولِ أبي يُوسفَ أنَّ تَصرُّفَ المُوكِّلِ بنَفْسِه يَتضَمَّنُ عَزلَ الوَكيلِ؛ لأنَّه أعجَزَه عن التَصرُّفِ فيما وكَّله به، والوَكيلُ بعدَما انعزَل لا يَعودُ وَكيلًا، إلَّا بتَجديدِ التَّوكيلِ، ولو وكَّله أنْ يَهَبَ عَبدَه فوَهَبَه المُوكِّلُ بنَفْسِه ثم رجَع في هِبَتِه، لا تَعودُ الوَكالةُ حتى لا يَملِكَ الوَكيلُ أنْ يَهَبَه، فمُحمَّدٌ يَحتاجُ إلى الفَرقِ بينَ البَيعِ وبينَ الهِبةِ.
وَوَجهُ الفَرقِ له لَم يَتَّضِحْ، وكَذلك لو وكَّله بشِراءِ شَيءٍ ثم اشتَراه بنَفْسِه، وكذا إذا وكَّله بتَزوُّجِ امرَأةٍ فتَزوَّجها؛ لأنَّه عَجزَ عن تَزويجِها به، فبطَلتِ الوَكالةُ.
وكذا إذا وكَّله بعِتقِ عَبدِه، أو بالتَّدبيرِ، أو بالكِتابةِ، أوِ الهِبةِ، ففَعلَ بنَفْسِه؛ لِمَا قُلْنا.
وكذا إذا وكَّله بخُلعِ امرَأتِه، ثم خَلَعَها؛ لأنَّ المُختَلِعةَ لا تَحتَمِلُ الخُلعَ.
стр. 6461
وكذا إذا وكَّله بطَلاقِ امرَأتِه فطَلَّقها بنَفْسِه ثَلاثًا، أو واحِدةً، وانقَضَتْ عِدَّتُها؛ لأنَّها لا تَحتَمِلُ الطَّلاقَ بعدَ الثَّلاثِ، وانقِضاءِ العِدَّةِ، ولو طَلَّقها الزَّوجُ واحِدةً، والعِدَّةُ باقيةٌ، فالوَكالةُ قائِمةٌ؛ لأنَّها تَحتَمِلُ الطَّلاقَ في العِدَّةِ.
ولو وكَّله بالكِتابةِ فكاتَبَه، ثم عَجزَ، لَم يَكُنْ له أنْ يُكاتِبَه مَرَّةً أُخرى.
وكذا لو وكَّله أنْ يُزوِّجَه امرَأةً، فزوَّجه وأبانَها، لَم يَكُنْ لِلوَكيلِ أنْ يُزوِّجَه مَرَّةً أُخرَى؛ لأنَّ الأمرَ بالفِعلِ لا يَقتَضي التَّكرارَ؛ فإذا فُعِلَ مَرَّةً حصَل الِامتِثالُ، فانتَهَى حُكمُ الآمِرِ، كما في الأوامِرِ الشَّرعيةِ، بخِلافِ ما لو وكَّله ببَيعِ عَبدِه فباعَه الوَكيلُ، ثم رَدَّ عليه بقَضاءِ قاضٍ أنَّ له أنْ يَبيعَه مَرَّةً أُخرى؛ لأنَّ الرَّدَّ بقَضاءِ القاضِي يُوجِبُ ارتِفاعَ العَقدِ مِنْ الأصلِ، ويَجعَلُه كَأنْ لَم يَكُنْ، فلَمْ يَكُنْ هذا تَكرارًا، حتى لو رَدَّه عليه بغيرِ قَضاءِ قاضٍ، لَم يَجُزْ له أنْ يَبيعَهُ؛ لأنَّ هذا بَيعٌ جَديدٌ، وقَدِ انتَهَتِ الوَكالةُ بالأوَل، فلا يَملِكُ الثَّاني إلَّا بتَجديدِ التَّوكيلِ (١).
حاديَ عَشَرَ: تَلَفُ ما تَعلَّقتِ الوَكالةُ بهِ:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بتَلَفِ العَينِ التي وُكِّلَ في التَصرُّفِ فيها؛ لأنَّ مَحَلَّها ذهَب، فذهَبتِ
стр. 6462
الوَكالةُ، كما لو وكَّله في بَيعِ عَبدٍ فماتَ (١).
قالَ الحَنفيَّةُ: تَبطُلُ الوَكالةُ بهَلاكِ العَبدِ الذي وُكِّلَ ببَيعِه أو بإعتاقِه أو بهِبَتِه أو بتَدبيرِه أو بكِتابَتِه أو نحوِ ذلك؛ لأنَّ التَصرُّفَ في المَحَلِّ لا يُتَصَوَّرُ بعدَ هَلاكِه، والوَكالةُ بالتَصرُّفِ فيما لا يَحتَمِلُ التَصرُّفَ مُحالةٌ، فبطَل (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَبطُلُ الوَكالةُ أيضًا بتَلَفِ العَينِ التي وُكِّلَ في التَصرُّفِ فيها؛ لأنَّ مَحَلَّ الوَكالةِ قَدْ ذهَب، وتَبطُلُ أيضًا بدَفْعِه -أي: الوَكيلِ- عِوَضًا لَم يُؤمَرْ بدَفْعِه، فلَو وكَّله في شِراءِ عَبدٍ بهذه الدَّراهِمِ وفي شِراءِ أَمَةٍ بدَراهِمَ أُخرَى فبذَل ثَمَنَ أحَدِهِما في الآخَرِ بطَلتْ؛ لأنَّه إنَّما وكَّله في شِرائِه.
وَتَبطُلُ أيضًا باقتِراضِ الوَكيلِ المالَ الذي بيَدِه لِلمُوكِّلِ، كما تَبطُلُ الوَكالةُ بتَلَفِه، كما إذا دفَع المُوكِّلُ إليه دِينارًا وكَّله في الشِّراءِ به، فاستَقرَضَ الوَكيلُ الدِّينارَ وتصرَّفَ فيه لِنَفْسِه، بطَلتِ الوَكالةُ.
ولو عزَل دِينارًا عوَّضه واشترَى به الوَكيلُ يَصيرُ كالشِّراءِ لِلمُوكِّلِ مِنْ غيرِ إذْنٍ؛ لأنَّ الوَكالةَ بطَلتْ، ولأنَّ الدِّينارَ الذي عزَله الوَكيلُ عِوَضًا لا يَصيرُ لِلمُوكِّلِ حتى يَقبِضَهُ؛ فإذا اشترَى لِلمُوكِّلِ به شَيئًا ولَم يُسَمِّه في العَقدِ
стр. 6463
وقَف الشِّراءُ على إجازَتِه، فإنْ أجازَه المُوكِّلُ صَحَّ الشِّراءُ له، ولَزِمَه الثَّمنُ، وإلَّا بأنْ لَم يُجِزْه المُوكِّلُ لَزِمَ البَيعُ الوَكيلَ، ويُؤدِّي ثَمَنَه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وعَنه يَلزَمُ الوَكيلَ بكُلِّ حالٍ، وقالَ القاضي: متى اشترَى بعَينِ مالِه لِغيرِه شَيئًا فالشِّراءُ باطِلٌ؛ لأنَّه لا يَصحُّ أنْ يَشتَريَ بعَينِ مالِه ما يَملِكُه غيرُه.
وقالَ أصحابُ الشَّافِعيِّ: متى اشترَى لِغيرِه بمالِ نَفْسِه شَيئًا صَحَّ الشِّراءُ لِلوَكيلِ، سَواءٌ اشتَراه بعَينِ المالِ أو في الذِّمةِ؛ لأنَّه اشترَى ما لَم يُؤذَنْ له في شِرائِه، أشَبَهَ ما لو اشتَراه في الذِّمةِ (١).
ثَانيَ عَشَرَ: تَعَدِّي الوَكيلِ فيما وُكِّلَ فيهِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكالةِ هَلْ تَبطُلُ إذا تَعدَّى الوَكيلُ فيما وُكِّل فيه أو لا؟
فَذهَب الشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَكالةَ لا تَبطُلُ بتَعَدِّي الوَكيلِ؛ لأنَّه مُؤتمَنٌ، كالمُودَعِ الذي يَنعزِلُ بالتَّعدِّي عن الوَديعةِ.
وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّ الوَكالةَ لا تَبطُلُ بالتَّعَدِّي فيما وُكِّلَ فيه، مثلَ أنْ يَلبَسَ الثَّوبَ الذي وُكِّلَ في بَيعِه،
стр. 6464
ويَركَبَ الدَّابَّةَ؛ لأنَّ الوَكالةَ اقتَضَتِ الأمانةَ والإذْنَ؛ فإذا زالَتِ الأُولَى بالتَّعَدِّي بَقيَ الإذْنُ بحالِه، ويُفارِقُ الوَديعةَ مِنْ جِهةِ أنَّها أمانةٌ مُجَرَّدةٌ، فنافاها التَّعَدِّي والخِيانةُ.
قالَ الحَنابِلةُ: فعلى هذا لو وكَّله في بَيعِ ثَوبٍ فلَبِسَه صارَ ضامِنًا لِتَعَدِّيهِ؛ فإذا باعَه صَحَّ بَيعُه وأُبْرِئَ مِنْ ضَمانِه؛ لِدُخولِه في مِلْكِ المُشتَرِي وضَمانهِ؛ فإذا قبَض الوَكيلُ الثَّمنَ كانَ أمانةً في يَدِه غيرَ مَضمونٍ عليه؛ لأنَّه قَبَضَه بإذْنِ المُوكِّلِ، ولَم يَتعَدَّ فيه؛ فَإنْ رَدَّ المُشتَرِي الثَّوبَ على الوَكيلِ بعَيبٍ عادَ الضَّمانُ؛ لأنَّ العَقدَ المُزيلَ لِلضَّمانِ زالَ، فعادَ ما زالَ به، وإنْ عادَ إلى الوَكيلِ بعَقدٍ آخَرَ لَم يَعُدِ الضَّمانُ إلَّا إنْ تَعدَّى؛ لأنَّ هذه وَكالةٌ أُخرَى، لَم يَقَعْ عنه فيها تَعَدٍّ.
ولو دفَع إليه مالًا ووكَّله في شِراءِ شَيءٍ، فتَعدَّى الوَكيلُ في الثَّمنِ، صارَ ضامِنًا له؛ فإذا اشترَى به وسلَّمَه زالَ الضَّمانُ، وقَبْضُه لِلمَبيعِ قَبْضُ أمانةٍ.
وإنْ وُجِدَ بالمَبيعِ عَيبٌ فرُدَّ عليه، أو وجَد هو بما اشترَى عَيبًا فرَدَّه وقَبضَ الثَّمنَ، كانَ مَضمونًا عليه؛ لأنَّ العَقدَ المُزيلَ لِلضَّمانِ زالَ، فعادَ ما زالَ عنه (١).
وقالَ الشِّيرازيُّ ﵀: وإنْ وُكِّلَ في بَيعِ عَيْنٍ فتَعدَّى فيها بأنْ كانَ ثَوبًا فلَبِسَه، أو دَابَّةً فرَكِبَها، فهَلْ تَبطُلُ الوَكالةُ أو لا؟ فيه وَجهانِ، أحَدُهما:
стр. 6465
تَبطُلُ؛ فلا يَجوزُ له البَيعُ؛ لأنَّه عَقدُ أمانةٍ، فتَبطُلُ بالخِيانةِ، كالوَديعةِ، والآخَرُ أنَّها لا تَبطُلُ؛ لأنَّ العَقدَ يَتضَمَّنُ أمانةً وتَصرُّفًا؛ فإذا تَعدَّى فيه بطَلتِ الأمانةُ وبَقيَ التَصرُّفُ، كالرَّهنِ، يَتضَمَّنُ أمانةً ووَثيقةً؛ فإذا تَعدَّى فيه بطَلتِ الأمانةُ وبَقِيتِ الوَثيقةُ (١).
وقالَ العِمرانيُّ ﵀: فإنْ دفَع إليه دَراهِمَ، ووكَّله لِيَشترِيَ له بعَينِها سِلعةً، فتَعدَّى الوَكيلُ فيها صارَ ضامِنًا لها، فإنِ اشتَراها بها بعدَ ذلك لِلمُوكِّلِ فهَل يَصحُّ؟ على الوَجهَيْنِ في المَسألةِ التي قبلَها، فإذا قُلْنا: يَصحُّ، فمتى يَزولُ عنه ضَمانُها؟ على الوَجهَيْنِ.
وإنْ أمَرَه أنْ يَشترِيَ بثَمَنٍ في الذِّمةِ، ويَنقُدَ الثَّمنَ مِنها، فتَعدَّى الوَكيلُ فيها، بأنْ ترَك حِفظَها، ثم اشترَى بعدَ ذلك في الذِّمةِ لِلمُوكِّلِ صَحَّ الشِّراءُ له، وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّه لَم يَتعَدَّ فيما تَناوله العَقدُ، فإذا نقَد الدَّراهِمَ أُبْرِئَ مِنْ ضَمانِها.
وإنِ استَقرَضَ الوَكيلُ الدَّراهِمَ، وأتلَفَها بطَلتْ وَكالَتُه، وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّه إنْ كانَ قَدْ أمَرَه أنْ يَشتَريَ بعَينِه فقَد تَعَذَّرَ ذلك بتَلَفِها، فجَرى مَجرَى مَنْ وُكِّلَ في بَيعِ عَبدٍ، فماتَ، وإنْ كانَ أمَرَه أنْ يَشتَريَ في الذِّمةِ، ويَنقُدَ الثَّمنَ مِنها؛ فإنَّه إنَّما أمَرَه بالتَصرُّفِ في تلك الدَّراهِمِ، فإذا تَلِفَتْ لَم يَملِكِ الشِّراءَ (٢).
стр. 6466
ثَالِثَ عَشَرَ: جُحودُ الوَكالةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو جَحَدَ الوَكيلُ أوِ المُوكِّلُ الوَكالةَ، أو المُوكِّلُ الوَكالةَ، هَلْ تَبطُلُ الوَكالةُ أو لا؟
ذهَب الحَنفيَّةُ في الصَّحيحِ والشَّافِعيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّ إنكارَ الوَكيلِ أوِ المُوكِّلِ الوَكالةَ عَزْلٌ.
وقالَ الحَنفيَّةُ في الصَّحيحِ عندَهُم: جُحودُ الوَكالةِ عَزلٌ؛ لأنَّ جَحودَ، ما عَدا النِّكاحَ، ففَسخٌ، وعليه إذا أنكَرَ المُوكِّلُ الوَكالةَ قائِلًا: إنَّني لَم أُوكِّلْكَ، يَكونُ قَدْ عزَل وَكِيلَه على القَولِ الصَّحيحِ.
وفي مُقابِلِ الصَّحيحِ عندَهم: لا يَنعزِلُ بالجُحودِ؛ فإذا قالَ المُوكِّلُ: لَم أُوكِّلْكَ، لا يَكونُ عَزلًا، إلَّا أنْ يَقولَ: واللَّهِ لا أُوكِّلُكَ بشَيءٍ، فقَد عَرَفتُ تَهاوُنَكَ، فيُعزَلَ (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ: إنكارُ الوَكيلِ الوَكالةَ لِنِسيانٍ لها، أو لِغَرَضٍ له في الإخفاءِ، كَخَوفِ أخْذِ ظالِمٍ المالَ المُوكَّلَ فيه، ليسَ بعَزلٍ، لِعُذرِه، ولأنَّه لَم يَأتِ بلَفظٍ يَدُلُّ على العَزلِ، فكانَ كما لو قيلَ له: ألكَ زَوجةٌ؟ فقالَ: لا؛ فإنَّ زَوجَتَه لا تُطلَّقُ؛ فَإنْ تَعَمَّدَ إنكارَها ولا غَرَضَ له فيه، انعزَل بذلك؛ لأنَّ الجَحْدَ حينَئذٍ رَدٌّ لها، ولأنَّ المُوكِّلَ في إنكارِها كالوَكيلِ في ذلك.
стр. 6467
وقيلَ: يَنعزِلُ بذلك مُطلَقًا، وقيلَ: لا يَنعزِلُ مُطلَقًا (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: ولا تَبطُلُ الوَكالةُ بجُحودِ الوَكالةِ مِنْ أحَدِهِما: أي: الوَكيلِ والمُوكِّلِ؛ لأنَّه لا يَدُلُّ على رَفْعِ الإذْنِ السَّابِقِ، كَإنكارِ زَوجِيَّةِ امرَأةٍ، ثم تَقومُ به بيِّنةٌ، فليسَ بطَلاقٍ (٢).
رَابِعَ عَشَرَ: نِهايةُ الشَّيءِ وإنجازُ الوَكِيلِ المُوكَّلَ فيهِ:
قالَ الحَنفيَّةُ: يَنعزِلُ الوَكيلُ بلا عَزلٍ بنِهايةِ الشَّيءِ المُوكَّلِ فيه، كَأنْ وكَّله بقَبضِ دَيْنٍ فقَبَضَه بنَفْسِه، أو وكَّله بنِكاحٍ فزوَّجه الوَكيلُ (٣).
خامِسَ عَشَرَ: افتِراقُ أحَدِ الشَّريكَيْنِ:
قالَ الحَنفيَّةُ: يَنعزِلُ الوَكيلُ بافتِراقِ أحَدِ الشَّريكَيْنِ، فعليه لو عقَد اثنانِ عَقدَ شَرِكةٍ كانَ كُلٌّ مِنهُما وَكِيلًا لِلآخَرِ، وكما تَبطُلُ الشَّرِكةُ لو هَلكَ المالُ، أو مالُ أحَدِهِما، يَعني رَأْسَ مالِه فَقط، قبلَ الشِّراءِ، تَبطُلُ الوَكالةُ الضِّمنيَّةُ أيضًا، سَواءٌ أكانَ الشَّريكانِ واقِفَيْنِ على هَلاكِ المالِ أم لا؛ لأنَّه عَزلٌ حُكمِيٌّ، إذا لَم تَكُنِ الوَكالةُ مُصرَّحًا بها عندَ عَقدِ الشَّرِكةِ.
كَذلك لو وكَّل أحَدُ الشَّريكَيْنِ أو كِلاهُما أحَدًا على أنْ يَتصرَّفَ في مالِ
стр. 6468
الشَّرِكةِ، وافتَرَقَ الشَّريكانِ بعدَئِذٍ يَنعزِلُ الوَكيلُ عن حَقِّ الغيرِ، ولو لَم يَعلَمْ بالِافتِراقِ إذا لَم يُصرِّحَا بالإذْنِ في التَّوكِيلِ (١).
قالَ الحَصْكَفيُّ ﵀: ويَنعزِلُ بافْتِراقِ أحَدِ الشَّريكَيْنِ، ولو بتَوكيلِ ثالِثٍ بالتَصرُّفِ، وإنْ لَم يُعلَمِ الوَكيلُ؛ لأنَّه عَزلٌ حُكمِيٌّ.
قالَ ابنُ عابدينَ ﵀: قولُه: وَيَنعزِلُ بافتِراقِ أحَدِ الشَّريكَيْنِ، هذا يَحتَمِلُ أمرَيْنِ:
أحَدُهما: أنْ يَكونَ الِافتِراقُ بهَلاكِ المالَيْنِ، أو مالِ أحَدِهِما، قبلَ الشِّراءِ؛ فإنَّ الشَّرِكةَ تَبطُلُ به، فتَبطُلُ الوَكالةُ الضِّمنيةُ التي دخَلتْ في ضِمنِ عَقدِ الشَّرِكةِ علِما به أو لا؛ لأنَّه عَزلٌ حُكمِيٌّ، إذا لَم تَكُنِ الوَكالةُ مُصَرَّحًا بها عندَ عَقدِ الشَّرِكةِ.
وَالآخَرُ: أنَّ أحَدَهُما أو كِلَيهِما لو وكَّل مَنْ يَتصرَّفُ في المالِ جازَ، فلَوِ افتَرَقا انعزَل هذا الوَكيلُ في حَقِّ غيرِ المُوكِّلِ مِنهُما، إذا لَم يُصَرِّحَا بالإذْنِ في التَّوكيلِ، وإنَّما ذَكَرْنا الوَجهَيْنِ؛ إذْ لو بَقيَ الِافتِراقُ على ظاهِرِه لَم يَصحَّ قَولُهم، وإنْ لَم يُعلَمِ الشَّريكُ؛ إذْ لا يَصحُّ أنْ يَنفَرِدَ أحَدُهما بفَسخِ الشَّرِكةِ المُستَلزِمةِ لِلوَكالةِ بلا عِلمِ صاحِبِه. اه. دُرَر.
وهذا الذي عَناه الشَّارِحُ بقَوله: ولو بتَوكيلِ ثالِثٍ، أي: بتَوكيلِ الشَّريكَيْنِ أو أحَدِهِما ثالِثًا، يَعني أنَّه تَبطُلُ الوَكالةُ التي في ضِمنِ الشَّرِكةِ، ووَكالةُ وَكِيلِهما بالتَصرُّفِ.
стр. 6469
قولُه: بالتَصرُّفِ، والحاصِلُ أنَّه تَبطُلُ الوَكالةُ التي في ضِمنِ الشَّرِكةِ، ووِكالةُ وَكَيلِهما بالتَصرُّفِ إذا هَلكَ المالانِ، أو أحَدُهما قبلَ الشَّرِكةِ، فتَبطُلُ به، وتَبطُلُ الوَكالةُ التي كانَتْ في ضِمنِها، علِما بذلك أو لَم يَعلَمَا؛ لأنَّه عَزلٌ حُكمِيٌّ، إذْ لَم تَكُنِ الوَكالةُ مُصرَّحًا بها عندَ عَقدِ الشَّرِكةِ، وكذا إذا وكَّل الشَّريكانِ أو أحَدَهُما وَكِيلًا لِلتَصرُّفِ في المالِ، فلَوِ افتَرَقا انعزَل في حَقِّ غيرِ المُوكِّلِ مِنهُما، إذا لَم يُصرِّحَا بالإذْنِ في التَّوكيلِ.
قولُه: وإنْ لَم يَعلَمِ الوَكيلُ، راجِعٌ إلى قَولِ الشَّارِحِ، ولو بتَوكيلِ ثالِثٍ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ إرجاعُه إلى الوَكالةِ الضِّمنيةِ؛ لأنَّها واقِعةٌ بينَ الشَّريكَيْنِ، ويَبعُدُ أنْ يَفتَرِقَا وهما لا يَعلَمانِ بافتِراقِهِما، وكَأنَّ المُصنِّفَ هو الذي أرادَه، والشَّارِحَ عمَّم في كَلامِه تَكثيرًا لِلفائِدةِ.
نَعم يُمكِنُ إرجاعُها لِلوَكالةِ الضِّمنيةِ، بأنْ كانَ انفِساخُ الشَّرِكةِ بهَلاكِ المالَيْنِ أو أحَدِهِما قبلَ الشِّراءِ؛ فإنَّه قَدْ لا يَطَّلعُ الشَّريكانِ على ذلك، أو أحَدُهما، ومَع ذلك تَبطُلُ وَكالَتُه الضِّمنيَّةُ، فيَصحُّ رُجوعُه إلى المَسألةِ على عُمُومِها (١).
стр. 6470
كتاب الوقف
تَعريفُ الوَقفِ:
الوَقفُ لُغةً: هو الحَبسُ، تَقولُ: وَقَفتُ الدَّابَّةَ وأَوقفتُها، أي: حَبَسْتُها على مَكانِها، ومِنه المَوقِفُ؛ لأنَّ النَّاسَ يُوقَفونَ فيهِ: أي: يُحبَسونَ للحِسابِ، فالوَقفُ والحبسُ لَفظانِ مُترادِفانِ (١).
قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: أمَّا تَفسيرُه -أي الوَقف- لُغةً: فالحَبسُ، مَصدرُ وَقَفتُ أَقِفُ: حَبَسْتُ، قالَ عَنترةُ:
ووَقَفتُ فيها ناقَتِي فَكأنَّها فَدَنٌ لِأَقضيَ حاجَةَ المُتَلوِّمِ
وهوَ أحَدُ ما جاءَ على فعَلْتُه ففعَلَ، يَتعدَّى ولا يَتعدَّى، ويَجتمِعانِ في قولِكَ: «وَقَفتُ زَيدًا أو الحِمارَ فوقَفَ»، وأمَّا «أَوقَفتُه» بالهَمزِ فلُغةٌ رَديئةٌ،
стр. 6471
وقالَ أبو الفَتحِ ابنُ جِنيٍّ: أخبَرَني أبو عَليٍّ الفارسيُّ عَنْ أبي بكرٍ عن أبي العبَّاسِ عن أبي عُثمانَ المازنِيِّ قالَ: يُقالُ: «وَقَفتُ دارِي وأَرضِي» ولا يُعرَفُ «أَوقَفتُ» مِنْ كَلامِ العربِ، ثُمَّ اشتُهِرَ المَصدَرُ -أعني الوَقفَ- في المَوقوفِ فقِيلَ: «هذه الدَّارُ وَقفٌ»، فلذا جُمِعَ على أَفْعالٍ فقِيلَ: «وَقفٌ وأَوْقافٌ» كوَقتٍ وأَوْقاتٍ (١).
الوَقفُ اصطِلاحًا:
تَعدَّدَت عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الوَقفِ اصطِلاحًا وِفقًا لطَبيعةِ الوَقفِ في كُلِّ مَذهبٍ.
فالوَقفُ عندَ أبي حَنيفةَ: هو حَبسُ العينِ على حُكمِ مِلكِ الواقِفِ والتصدُّقُ بالمَنفعةِ بمَنزِلةِ العارِيةِ.
وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ: حَبسُ العينِ على حُكمِ مِلكِ اللهِ تَعالى، فَيَزولُ مِلكُ الواقِفِ عنه إلى اللهِ تَعالى على وَجهٍ تَعودُ مَنفعتُه إلى العِبادِ فيَلزَمُ، ولا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورثُ (٢).
وقد تَعدَّدتْ أيضًا عِباراتُ المالِكيةِ في تَعريفِ الوَقفِ:
فَجاءَ في «أقرب المَسالِكِ وشرحِه»: الوَقفُ -ويُعبَّرُ عنه بالحَبسِ-:
стр. 6472
جَعلُ مَنفعةِ مَملوكٍ -ولو كانَ مَملوكًا بأُجرةٍ- أو جَعلُ غلَّتِه لمُستحِقٍّ بصِيغةٍ دالَّةٍ عليهِ ك «حبَسْتُ» أو «وَقفْتُ» مُدَّةَ ما يَراهُ المُحبِّسُ، فلا يُشترطُ فيه التَّأبيدُ (١).
وحَدَّه ابنُ عَرفةَ ﵀ بأنهُ: إعطاءُ مَنفعةِ شيءٍ مُدَّةَ وُجودِه لازِمًا بَقاؤُه في مِلكِ مُعطيهِ ولو تَقديرًا.
فتَخرجُ عَطيَّةُ الذَّواتِ والعارِيةُ والعُمرَى والعَبدُ المُخدِمُ حَياتَه يَموتُ قبل مَوتِ ربِّهِ؛ لعَدمِ لُزومِ بَقائِه في مِلكِ مُعطيهِ؛ لجَوازِ بَيعِه برِضاهُ مع مُعطاهُ.
ورَدَّ ابنُ عرفةَ ما حَدَّهُ ابنُ عَبدِ السَّلامِ بأنه: إِعطاءُ مَنافعَ على سَبيلِ التَّأبيدِ، يَبطلُ طَردُه بالمُخدِمِ حَياتَه (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: الوَقفُ: هو حَبسُ مالٍ يُمكِنُ الانتفاعُ به مع بَقاءِ عَينِهِ ممنوعٌ مِنْ التصرُّفِ في عَينِه، تُصرَفُ مَنافِعُه في البِرِّ تَقرُّبًا إلى اللهِ تَعالى (٣).
وقيلَ: حَبسُ مَالٍ يُمكنُ الانتِفاعُ به مع بَقاءِ عَينِه بقَطعِ التصرُّفِ في رَقبتِه على مَصرفٍ مُباحٍ مَوجودٍ (٤).
стр. 6473
قالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: الوَقفُ تَحبيسُ مالٍ يُمكنُ الانتفاعُ به مع بَقاءِ عَينِه بقَطعِ تَصرُّفِ الواقِفِ وغَيرِه في رَقبتِه، يُصرَفُ في جِهةِ خَيرٍ تَقرُّبًا إلى اللهِ تَعالى (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فعرَّفوهُ بتَعاريفَ مُتعدِّدةٍ، فعرَّفَه ابنُ قُدامةَ وغَيرُه بأنهُ: تَحبيسُ الأَصلِ وتَسبيلُ الثَّمرةِ (٢).
قالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: وأحسَنُه: حَبسُ مالٍ يُمكِنُ الانتِفاعُ به مع بَقاءِ عَينِه مَمنوعٌ مِنْ التَّصرُّفِ في عَينِه بلا عُذرٍ، مَصروفٌ مَنافعُه في البِرِّ تَقرُّبًا إلى اللهِ تَعالى (٣).
وعرَّفوهُ أيضًا بأنهُ: تَحبيسُ مالِكٍ مُطلَقِ التصرُّفِ مالَه المُنتفَعَ به مع بَقاءِ عَينِه بقَطعِ تَصرُّفِ الواقفِ في رَقبتِه، يُصرَفُ رِيعُه إلى جِهةِ برٍّ تَقرُّبًا إلى اللهِ (٤).
قالَ البُهوتيُّ ﵀: ولعلَّ المُرادَ اعتِبارُ ذلكَ لتَرتُّبِ الثَّوابِ عليه لا لصحَّةِ الوَقفِ، فكَثيرٌ مِنْ الواقِفينَ لا يَقصدُ ذلكَ، بل منهم مَنْ يَقصدُ قَصدًا مُحرَّمًا كمَن عليهِ دُيونٌ وخافَ بَيعَ عَقارِه فيها كما أشارَ
стр. 6474
إليهِ في «شَرح المُنتَهى»، أو يُقالُ: هذا بَيانُ أصلِ مَشروعيَّةِ الوَقفِ (١).
قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وأقرَبُ الحُدودِ في الوَقفِ أنه: كلُّ عَينٍ تَجوزُ عارِيتُها (٢).
قالَ المِرداويُّ ﵀: فأدخَلَ في حَدِّه أشياءَ كَثيرةً لا يَجوزُ وَقفُها عند الإمامِ أحمَدَ ﵀ والأصحابِ (٣).
стр. 6475
مَشروعيةُ الوَقفِ:
الوَقفُ مَشروعٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ، وهو مِنْ خَصائصِ الإسلامِ؛ لأنه لم يُحبِّسْ أحَدٌ مِنْ الجاهِليةِ دارًا ولا أرضًا ولا غيرَ ذلكَ على وَجهِ التبَرُّرِ، وأمَّا بناءُ الكَعبةِ وحَفرُ زَمزمَ فإنَّما كانَ على وَجهِ التفاخُرِ لا على وَجهِ التبَرُّرِ (١).
قالَ النَّوويُّ ﵀: الوَقفُ ممَّا اختصَّ به المُسلِمونَ (٢).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولم يَحبِسْ أهلُ الجاهِليةِ فيما عَلِمتُه دارًا ولا أرضًا تبَرُّرًا بحَبسِها، وإنما حَبسَ أهلُ الإسلامِ (٣).
أمَّا الكِتابُ: لم يَرِدْ ذِكرُ الوَقفِ صَريحًا في كِتابِ اللهِ، لكنَّ الفُقهاءَ يَذكُرونَ هذه الآيةَ، وهي قولُ اللهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، فإنَّ أبا طَلحةَ لمَّا سَمِعَها رَغِبَ في وَقفِ بَيرُحاءَ وهي أحَبُّ أموالِه …
وأمَّا السُّنةُ: فعَن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلحةَ أنه سَمِعَ أنسَ بنَ مالِكٍ ﵁ يَقولُ: كانَ أبو طَلحةَ أكثَرَ الأنصارِ بالمَدينةِ مالًا مِنْ نَخلٍ، وكانَ أحَبُّ أموالِه إليه بَيرُحاءَ، وكانَتْ مُستقبِلةَ المَسجدِ، وكانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَدخلُها ويَشربُ مِنْ ماءٍ فيها طَيِّبٍ، قالَ أنسٌ: فلمَّا أُنزِلَتْ
стр. 6476
هذه الآيةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قامَ أبو طَلحةَ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ ﵎ يَقولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحَبَّ أموالي إليَّ بَيرُحاءُ، وإنها صَدقةٌ للهِ أرجُو بِرَّها وذُخرَها عندَ اللَّهِ، فضَعْها يا رَسولَ اللَّهِ حَيثُ أراكَ اللهُ، قالَ: فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «بَخٍ! ذلكَ مالٌ رابِحٌ، ذلكَ مالٌ رابِحٌ، وقد سَمعْتُ ما قُلتَ، وإني أرَى أن تَجعلَها في الأقرَبينَ، فقالَ أبو طَلحةَ: أفعَلُ يا رَسولَ اللَّهِ، فقَسمَها أبو طَلحةَ في أقاربِه وبَني عَمِّه» (١).
وعن نَافعٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أصابَ أرضًا بخَيبَرَ، فأتَى النبيَّ ﷺ يَستأمرُه فيها، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني أصَبتُ أرضًا بخَيبَرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ أنفَسَ عندي منه، فما تَأمرُ به؟ قالَ: «إنْ شِئتَ حَبَستَ أصْلَها وتَصدَّقتَ بها، قالَ: فتَصدَّقَ بها عُمرُ أنه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ، وتَصدَّقَ بها في الفُقراءِ وفي القُربى وفي الرِّقابِ وفي سَبيلِ اللهِ وابنِ السَّبيلِ والضَّيفِ، لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يَأكلَ منها بالمَعروفِ ويُطعِمَ غيرَ مُتمَوِّلٍ» قالَ: فحَدَّثتُ به ابنَ سيرينَ فقالَ: غيرَ مُتأثِّلٍ مالًا» (٢).
وفي رِوايةِ أُخرى للبُخارِيِّ عن صَخرِ بنِ جُويريَّةَ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ عُمرَ تَصدَّقَ بمالٍ له على عَهدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ
стр. 6477
يُقالُ له ثَمْغٌ، وكانَ نَخلًا، فقالَ عُمرُ: يا رَسولَ اللَّهِ إني استفدْتُ مالًا وهو عندِي نَفيسٌ، فأَردْتُ أن أتَصدَّقَ به، فقالَ النبيُّ ﷺ : تَصدَّقْ بأصلِه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ ولكنْ يُنفَقُ ثمرُه، فتَصدَّقَ به عُمرُ، فصَدَقتُه ذلكَ في سبيلِ اللَّهِ وفي الرِّقابِ والمَساكينِ والضَّيفِ وابن السَّبيلِ ولِذي القُربى، ولا جُناحَ على مَنْ وَلِيَهُ أنْ يَأكلَ منه بالمَعروفِ أو يُؤكِلَ صَديقَه غيرَ مُتمَوِّلٍ به» (١).
وفي لَفظِ النَّسائيِّ وابنِ ماجه عن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: قالَ عُمرُ للنبيِّ ﷺ : «إنَّ المِائةَ سَهمٍ التي لي بخَيبَرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ أعجَبَ إليَّ مِنها، قد أرَدتُ أنْ أتَصدَّقَ بها، فقالَ النبيُّ ﷺ : احبِسْ أصْلَها وسَبِّلْ ثمَرَتَها» (٢).
стр. 6478
وفي لَفظِ ابنِ خُزيمةَ وابنِ حِبَّانَ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄ أَنَّ عُمرَ ﵁ استَشارَ النبيَّ ﷺ في صَدقتِه بثَمْغٍ فقالَ: «احبِسْ أصْلَها وسَبِّلْ ثَمرتَها، قالَ عبدُ اللَّهِ: فحَبسَها عُمرُ على السَّائلِ والمَحرومِ وابنِ السَّبيلِ وفي سَبيلِ اللَّهِ وفي الرِّقابِ والمَساكينِ، وجعَلَ قَيِّمَها يَأكلُ ويُؤكِلُ غيرَ مُتَأثِّلٍ مالًا» (١).
وهو أوَّلُ وَقفٍ في الإسلامِ على المَشهورِ (٢).
قالَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: وحَديثُ عُمرَ هذا أَصلٌ في مَشروعيةِ الوَقفِ، قالَ أحمَدُ: حدَّثنا حَمَّادٌ هو ابنُ خالدٍ حدَّثنا عبدُ اللهِ هو العُمرِيُّ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ قالَ: «أوَّلُ صَدقةٍ -أي مَوقوفةٍ- كانَتْ في الإسلامِ صَدقةُ عُمرَ» (٣).
ورَوى عُمرُ بنُ شَبَّةَ عن عَمرِو بنِ سَعدِ بنِ معاذٍ قالَ: «سَألْنا عن أوَّلِ حَبسٍ في الإسلامِ، فقالَ المُهاجِرونَ: صدَقةُ عُمرَ، وقالَ الأنصارُ: صَدقةُ رَسولِ اللهِ ﷺ »، وفي إسنادِهِ الواقِديُّ، وفي مَغازي الواقِديِّ أنَّ أوَّلَ صَدقةٍ مَوقوفةٍ كانَتْ في الإسلامِ أراضي مُخَيريقٍ -بالمُعجَمةِ مُصَغَّرٌ- التي أَوْصى بها إلى النبيِّ ﷺ ، فوقَفَها النَّبيُّ ﷺ .
стр. 6479
قالَ التِّرمذيُّ: لا نَعلمُ بينَ الصَّحابةِ والمُتقدِّمينَ مِنْ أهلِ العِلمِ خِلافًا في جَوازِ وَقفِ الأرَضِينَ (١).
ورَوى البخاريُّ عن أبي إسحاقَ قالَ: سَمعْتُ عمرَو بنَ الحَارثِ قالَ: «ما ترَكَ النبيُّ ﷺ إلا بَغلتَه البَيضاءَ وسِلاحَه وَأَرضًا ترَكَها صدَقةً» (٢).
ورَوى البُخاريُّ (٣٤): بابٌ: إذا وقَفَ أرضًا أو بِئرًا واشتَرَطَ لنَفسِه مثلَ دِلاءِ المُسلِمينَ: وأوقَفَ أنَسٌ دارًا، فكانَ إذا قَدِمَها نزَلَها، وتَصدَّقَ الزُّبَيرُ بدُورِه وقالَ للمَردودةِ مِنْ بَناتِه أنْ تَسكُنَ غيرَ مُضِرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ استَغنَتْ بزَوجٍ فليسَ لها حَقٌّ، وجعَلَ ابنُ عُمرَ نَصيبَه مِنْ دارِ عُمرَ سُكنى لذَوِي الحاجةِ مِنْ آلِ عَبدِ اللَّهِ.
(٢٦٢٦): وقالَ عَبدانُ: أخبَرَني أبِي عن شُعبةَ عن أبي إسحاقَ عن أبي عَبدِ الرَّحمنِ أنَّ عُثمانَ ﵁ حَيثُ حُوصِرَ أشرَفَ عليهم وقالَ: أَنشُدُكمُ اللَّهَ -ولا أَنشُدُ إلا أصحابَ النبيِّ ﷺ ألَستُمْ تَعلمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنْ حفَرَ رُومةَ فلهُ الجنَّةُ» فحَفَرتُها؟ أَلستُمْ تَعلمونَ أنه قالَ: «مَنْ جهَّزَ جَيشَ العُسرَةِ فله الجَنةُ» فجَهَّزتُه؟ قالَ: «فصَدَّقوهُ بما قالَ».
وقالَ عُمرُ في وَقفِه: «لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَه أن يَأكلَ، وقد يَليهِ الواقِفُ وغيرُه، فهو واسِعٌ لكُلٍّ» (٣).
стр. 6480
وفي لَفظِ التِّرمذيِّ: عن أبي عَبدِ الرَّحمنِ السُّلَميِّ قالَ: «لمَّا حُصِرَ عُثمانُ أشرَفَ عليهم فوقَ دارِه، ثمَّ قالَ: أُذكِّرُكُم باللَّهِ، هل تَعلمونَ أنَّ حِراءَ حينَ انتَفضَ قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «اثبُتْ حِراءُ فليسَ عليكَ إلا نَبيٌّ أو صِدِّيقٌ أو شَهيدٌ»؟ قالوا: نعم، قالَ: أُذكِّرُكُم باللَّهِ، هل تَعلمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في جَيشِ العُسرةِ: «مَنْ يُنْفِقُ نَفقةً مُتقبَّلةً» والناسُ مُجهَدونَ مُعسِرُونَ، فجَهَّزتُ ذلكَ الجَيشَ؟ قالوا: نعم، ثُمَّ قال: أُذكِّرُكم باللهِ، هل تعلَمونَ أنَّ بئرَ رُومةَ لم يَكنْ يَشربُ منها أحَدٌ إلا بثَمنٍ فابتَعتُها فجَعلتُها للغنيِّ والفَقيرِ وابنِ السَّبيلِ؟ قالوا: اللَّهُمَّ نعمْ، وأشياءَ عدَّدَها» (١).
وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إذا ماتَ ابنُ آدَمَ انقَطعَ عَملُه إلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدقةٍ جارِيةٍ، أو عِلمٍ يُنتفَعُ به، أو وَلَدٍ صالِحٍ يَدعُو له» (٢).
والصَّدقةُ الجارِيةُ مَحمولةٌ عند العُلماءِ على الوَقفِ، فإنَّ غيرَه مِنْ الصَّدقاتِ ليسَتْ جارِيةً، بل يَملِكُ المُتصدَّقُ عليه أعيانَها ومَنافعَها ناجِزًا، وأمَّا الوَصيةُ بالمَنافعِ -وإنْ شَمِلَها الحَديثُ- فهي نادِرةٌ، فحَملُ الصَّدقةِ في الحَديثِ على الوَقفِ أَولى (٣).