← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

هذه الآيةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قامَ أبو طَلحةَ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ ﵎ يَقولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحَبَّ أموالي إليَّ بَيرُحاءُ، وإنها صَدقةٌ للهِ أرجُو بِرَّها وذُخرَها عندَ اللَّهِ، فضَعْها يا رَسولَ اللَّهِ حَيثُ أراكَ اللهُ، قالَ: فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «بَخٍ! ذلكَ مالٌ رابِحٌ، ذلكَ مالٌ رابِحٌ، وقد سَمعْتُ ما قُلتَ، وإني أرَى أن تَجعلَها في الأقرَبينَ، فقالَ أبو طَلحةَ: أفعَلُ يا رَسولَ اللَّهِ، فقَسمَها أبو طَلحةَ في أقاربِه وبَني عَمِّه» (١). وعن نَافعٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أصابَ أرضًا بخَيبَرَ، فأتَى النبيَّ ﷺ يَستأمرُه فيها، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني أصَبتُ أرضًا بخَيبَرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ أنفَسَ عندي منه، فما تَأمرُ به؟ قالَ: «إنْ شِئتَ حَبَستَ أصْلَها وتَصدَّقتَ بها، قالَ: فتَصدَّقَ بها عُمرُ أنه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ، وتَصدَّقَ بها في الفُقراءِ وفي القُربى وفي الرِّقابِ وفي سَبيلِ اللهِ وابنِ السَّبيلِ والضَّيفِ، لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يَأكلَ منها بالمَعروفِ ويُطعِمَ غيرَ مُتمَوِّلٍ» قالَ: فحَدَّثتُ به ابنَ سيرينَ فقالَ: غيرَ مُتأثِّلٍ مالًا» (٢). وفي رِوايةِ أُخرى للبُخارِيِّ عن صَخرِ بنِ جُويريَّةَ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ عُمرَ تَصدَّقَ بمالٍ له على عَهدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ

стр. 6477

يُقالُ له ثَمْغٌ، وكانَ نَخلًا، فقالَ عُمرُ: يا رَسولَ اللَّهِ إني استفدْتُ مالًا وهو عندِي نَفيسٌ، فأَردْتُ أن أتَصدَّقَ به، فقالَ النبيُّ ﷺ : تَصدَّقْ بأصلِه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ ولكنْ يُنفَقُ ثمرُه، فتَصدَّقَ به عُمرُ، فصَدَقتُه ذلكَ في سبيلِ اللَّهِ وفي الرِّقابِ والمَساكينِ والضَّيفِ وابن السَّبيلِ ولِذي القُربى، ولا جُناحَ على مَنْ وَلِيَهُ أنْ يَأكلَ منه بالمَعروفِ أو يُؤكِلَ صَديقَه غيرَ مُتمَوِّلٍ به» (١). وفي لَفظِ النَّسائيِّ وابنِ ماجه عن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: قالَ عُمرُ للنبيِّ ﷺ : «إنَّ المِائةَ سَهمٍ التي لي بخَيبَرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ أعجَبَ إليَّ مِنها، قد أرَدتُ أنْ أتَصدَّقَ بها، فقالَ النبيُّ ﷺ : احبِسْ أصْلَها وسَبِّلْ ثمَرَتَها» (٢).

стр. 6478

وفي لَفظِ ابنِ خُزيمةَ وابنِ حِبَّانَ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄ أَنَّ عُمرَ ﵁ استَشارَ النبيَّ ﷺ في صَدقتِه بثَمْغٍ فقالَ: «احبِسْ أصْلَها وسَبِّلْ ثَمرتَها، قالَ عبدُ اللَّهِ: فحَبسَها عُمرُ على السَّائلِ والمَحرومِ وابنِ السَّبيلِ وفي سَبيلِ اللَّهِ وفي الرِّقابِ والمَساكينِ، وجعَلَ قَيِّمَها يَأكلُ ويُؤكِلُ غيرَ مُتَأثِّلٍ مالًا» (١). وهو أوَّلُ وَقفٍ في الإسلامِ على المَشهورِ (٢). قالَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: وحَديثُ عُمرَ هذا أَصلٌ في مَشروعيةِ الوَقفِ، قالَ أحمَدُ: حدَّثنا حَمَّادٌ هو ابنُ خالدٍ حدَّثنا عبدُ اللهِ هو العُمرِيُّ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ قالَ: «أوَّلُ صَدقةٍ -أي مَوقوفةٍ- كانَتْ في الإسلامِ صَدقةُ عُمرَ» (٣). ورَوى عُمرُ بنُ شَبَّةَ عن عَمرِو بنِ سَعدِ بنِ معاذٍ قالَ: «سَألْنا عن أوَّلِ حَبسٍ في الإسلامِ، فقالَ المُهاجِرونَ: صدَقةُ عُمرَ، وقالَ الأنصارُ: صَدقةُ رَسولِ اللهِ ﷺ »، وفي إسنادِهِ الواقِديُّ، وفي مَغازي الواقِديِّ أنَّ أوَّلَ صَدقةٍ مَوقوفةٍ كانَتْ في الإسلامِ أراضي مُخَيريقٍ -بالمُعجَمةِ مُصَغَّرٌ- التي أَوْصى بها إلى النبيِّ ﷺ ، فوقَفَها النَّبيُّ ﷺ .

стр. 6479

قالَ التِّرمذيُّ: لا نَعلمُ بينَ الصَّحابةِ والمُتقدِّمينَ مِنْ أهلِ العِلمِ خِلافًا في جَوازِ وَقفِ الأرَضِينَ (١). ورَوى البخاريُّ عن أبي إسحاقَ قالَ: سَمعْتُ عمرَو بنَ الحَارثِ قالَ: «ما ترَكَ النبيُّ ﷺ إلا بَغلتَه البَيضاءَ وسِلاحَه وَأَرضًا ترَكَها صدَقةً» (٢). ورَوى البُخاريُّ (٣٤): بابٌ: إذا وقَفَ أرضًا أو بِئرًا واشتَرَطَ لنَفسِه مثلَ دِلاءِ المُسلِمينَ: وأوقَفَ أنَسٌ دارًا، فكانَ إذا قَدِمَها نزَلَها، وتَصدَّقَ الزُّبَيرُ بدُورِه وقالَ للمَردودةِ مِنْ بَناتِه أنْ تَسكُنَ غيرَ مُضِرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ استَغنَتْ بزَوجٍ فليسَ لها حَقٌّ، وجعَلَ ابنُ عُمرَ نَصيبَه مِنْ دارِ عُمرَ سُكنى لذَوِي الحاجةِ مِنْ آلِ عَبدِ اللَّهِ. (٢٦٢٦): وقالَ عَبدانُ: أخبَرَني أبِي عن شُعبةَ عن أبي إسحاقَ عن أبي عَبدِ الرَّحمنِ أنَّ عُثمانَ ﵁ حَيثُ حُوصِرَ أشرَفَ عليهم وقالَ: أَنشُدُكمُ اللَّهَ -ولا أَنشُدُ إلا أصحابَ النبيِّ ﷺ ألَستُمْ تَعلمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَنْ حفَرَ رُومةَ فلهُ الجنَّةُ» فحَفَرتُها؟ أَلستُمْ تَعلمونَ أنه قالَ: «مَنْ جهَّزَ جَيشَ العُسرَةِ فله الجَنةُ» فجَهَّزتُه؟ قالَ: «فصَدَّقوهُ بما قالَ». وقالَ عُمرُ في وَقفِه: «لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَه أن يَأكلَ، وقد يَليهِ الواقِفُ وغيرُه، فهو واسِعٌ لكُلٍّ» (٣).

стр. 6480

وفي لَفظِ التِّرمذيِّ: عن أبي عَبدِ الرَّحمنِ السُّلَميِّ قالَ: «لمَّا حُصِرَ عُثمانُ أشرَفَ عليهم فوقَ دارِه، ثمَّ قالَ: أُذكِّرُكُم باللَّهِ، هل تَعلمونَ أنَّ حِراءَ حينَ انتَفضَ قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «اثبُتْ حِراءُ فليسَ عليكَ إلا نَبيٌّ أو صِدِّيقٌ أو شَهيدٌ»؟ قالوا: نعم، قالَ: أُذكِّرُكُم باللَّهِ، هل تَعلمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في جَيشِ العُسرةِ: «مَنْ يُنْفِقُ نَفقةً مُتقبَّلةً» والناسُ مُجهَدونَ مُعسِرُونَ، فجَهَّزتُ ذلكَ الجَيشَ؟ قالوا: نعم، ثُمَّ قال: أُذكِّرُكم باللهِ، هل تعلَمونَ أنَّ بئرَ رُومةَ لم يَكنْ يَشربُ منها أحَدٌ إلا بثَمنٍ فابتَعتُها فجَعلتُها للغنيِّ والفَقيرِ وابنِ السَّبيلِ؟ قالوا: اللَّهُمَّ نعمْ، وأشياءَ عدَّدَها» (١). وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إذا ماتَ ابنُ آدَمَ انقَطعَ عَملُه إلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدقةٍ جارِيةٍ، أو عِلمٍ يُنتفَعُ به، أو وَلَدٍ صالِحٍ يَدعُو له» (٢). والصَّدقةُ الجارِيةُ مَحمولةٌ عند العُلماءِ على الوَقفِ، فإنَّ غيرَه مِنْ الصَّدقاتِ ليسَتْ جارِيةً، بل يَملِكُ المُتصدَّقُ عليه أعيانَها ومَنافعَها ناجِزًا، وأمَّا الوَصيةُ بالمَنافعِ -وإنْ شَمِلَها الحَديثُ- فهي نادِرةٌ، فحَملُ الصَّدقةِ في الحَديثِ على الوَقفِ أَولى (٣).

стр. 6481

ولقَولِه ﷺ : «وأمَّا خالِدٌ فإنَّكُم تَظلِمونَ خالِدًا، قد احتَبسَ أَدراعَه وأَعتُدَهُ في سَبيلِ اللهِ» (١). وقالَ جابرٌ ﵁: «ما بَقِيَ أحدٌ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ له مَقدِرةٌ إلا وقَفَ وَقفًا». قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا إجماعٌ منهُم؛ فإنَّ الذي قَدرَ منهُم على الوَقفِ وَقَفَ، واشتَهرَ ذلكَ فلمْ يُنكِرهُ أحَدٌ فكانَ إجماعًا (٢). وقالَ الشافِعيُّ ﵁ في القَديمِ: بَلغَني أنَّ ثَمانينَ صَحابيًّا مِنْ الأنصارِ تَصدَّقوا بصَدَقاتٍ مُحرَّماتٍ. والشافِعيُّ يُسَمِّي الأوقافَ الصَّدقاتِ المُحرَّماتِ (٣). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: فالأَحباسُ-أي الأَوقافُ- سُنَّةٌ قائِمةٌ عَمِلَ بها النَّبيُّ ﵇ والمُسلمونَ مِنْ بَعدِهِ. وقد قيلَ لمالِكٍ: إنَّ شُريحًا كانَ لا يَرى الحَبسَ ويقولُ: «لا حَبسَ عن فرائِضِ اللهِ» فقالَ مالِكٌ: تَكلَّمَ شُريحٌ ببلادِه ولم يَرِدِ المَدينةَ فيَرى آثارَ الأكابرِ مِنْ أزواجِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه والتَّابعينَ بعدَهُم هَلُمَّ جَرًّا إلى اليَومِ؛ وما حَبَسوا مِنْ أموالِهِم لا يَطعنُ فيه طاعِنٌ، وهذه صَدَقاتُ النبيِّ ﵇ سَبعةُ حَوائطَ، ويَنبَغي للمَرءِ أنْ لا يَتكلَّمَ إلا فيما أحاطَ به خُبْرًا.

стр. 6482

وبهذا احتَجَّ أيضًا مالِكٌ ﵀ لمَّا ناظَرَ أبا يُوسفَ بحَضرةِ الرَّشيدِ فقالَ: هذه أحباسُ رَسولِ اللهِ ﷺ وصَدَقاتُه يَنقلُها الخَلَفُ عن السَّلفِ قَرنًا بعدَ قَرنٍ، فقالَ حِينئذٍ أبو يُوسفَ: كانَ أبو حَنيفةَ يَقولُ: إنها غيرُ جائزةٍ، وأنا أقولُ: إنها جائِزةٌ، فرجَعَ في الحالِ عن قَولِ أبي حَنيفةَ إلى الجَوازِ، ورُويَ أنَّ رَجُلًا مِنْ أهلِ العِراقِ سَألَ مالِكًا عن صَدقةِ الحَبسِ فقال: إذا حِيزَتْ مَضَتْ، فقالَ العِراقيُّ: إنَّ شُريحًا قال: «لا حَبسَ عن كِتابِ اللهِ» قال: فضَحكَ مالِكٌ ﵀ وكانَ قَليلَ الضَّحكِ- وقالَ: يَرحمُ اللهُ شُريحًا، لو دَرَى ما صنَعَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ ههُنا ما قالَه (١). قالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: قالَ القُرطبيُّ: لا خِلافَ بينَ الأئمَّةِ في تَحبيسِ القَناطرِ والمَساجدِ، واختَلَفوا في غيرِ ذلكَ، والأولُ قَولُ أكثرِ العُلماءِ سَلفًا وخلَفًا، قالَ أحمَدُ: مَنْ يَرُدُّ الوَقفَ إنَّما يَردُّ السُّنةَ التي أجازَها النبيُّ ﷺ وفعَلَها أصحابُه (٢). وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في جَوازِ الوَقفِ في حقِّ وُجوبِ التصدُّقِ بالفَرعِ ما دامَ الواقفُ حَيًّا، حتى إنَّ مَنْ وقَفَ دارَه أو أرضَه يَلزمُه التصدُّقُ بغلَّةِ الدارِ والأرضِ، ويَكونُ ذلكَ بمَنزلةِ النَّذرِ بالتصدُّقِ بالغلَّةِ، ولا خِلافَ أيضًا في جَوازِه في حَقِّ زَوالِ مِلكِ الرَّقبةِ إذا اتَّصلَ به

стр. 6483

قَضاءُ القاضي أو أضافَه إلى ما بعدَ المَوتِ بأنْ قالَ: إذا مِتُّ فقدْ جَعلْتُ دارِي أو أرضِي وَقفًا على كَذا (١). وقالَ الموصليُّ ﵀: وأجمَعَتِ الأمَّةُ على جَوازِ أصلِ الوَقفِ (٢). مَحاسِنُ الوَقفِ: قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: ومَحاسنُ الوَقفِ ظاهِرةٌ، وهي الانتِفاعُ الدارُّ الباقي على طَبقاتِ المَحبوبينَ مِنْ الذُّرِّيةِ والمُحتاجينَ مِنْ الأحياءِ والمَوتى؛ لِما فيهِ مِنْ إدامةِ العملِ الصَّالحِ، كما في الحَديثِ المَعروفِ: «إذا ماتَ ابنُ آدَمَ انقَطعَ عَملُه إلا مِنْ ثلاثٍ: صَدقةٍ جارِيةٍ … » الحَديث (٣). وقالَ الدهلَويُّ ﵀: ومِن التَّبرعاتِ الوَقفُ، وكانَ أهلُ الجاهِليةِ لا يَعرِفونَه، فاستَنبطَه النبيُّ ﷺ لمَصالحَ لا تُوجدُ في سائرِ الصَّدقاتِ، فإنَّ الإنسانَ ربَّما يَصرفُ في سبيلِ اللهِ مالًا كثيرًا ثُمَّ يَفنى، فيَحتاجُ أولئكَ الفُقراءُ تارةً أُخرى، ويَجيءُ أقوامٌ آخَرونَ مِنْ الفُقراءِ فيَبقونَ مَحرومينَ، فلا أحسَنَ ولا أنفَعَ للعامَّةِ مِنْ أن يَكونَ شَيءٌ حَبسًا للفُقراءِ وأبناءِ السَّبيلِ تُصرَفُ عليهم مَنافعُه ويَبقى أصلُه على مِلكِ الواقفِ، وهو قولُه ﷺ لعُمرَ ﵁: «إنْ شِئتَ حَبسْتَ أصْلَها وتَصدَّقتَ بها، فتَصدَّقَ بها عُمرُ أنه لا يُباعُ أصلُها ولا يُوهَبُ ولا

стр. 6484

يورَّثُ، وتصدَّقَ بها في الفُقراءِ وفي القُربى وفي الرِّقابِ وفي سَبيلِ اللهِ وابنِ السَّبيلِ والضَّعيفِ، لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يَأكلَ منها بالمَعروفِ ويُطعِمَ غيرَ مُتَموِّلٍ» (١). سَببُ الوَقفِ: وسَببُه: إرادةُ مَحبوبِ النَّفسِ في الدُّنيا بينَ الأحياءِ، وفي الآخِرةِ بالتقرُّبِ إلى ربِّ الأربابِ جَلَّ وعَزَّ (٢). حُكمُ الوَقفِ: الأصلُ في الوَقفِ أنه مَندوبٌ إليهِ ومُستحَبٌّ؛ لأنه فِعلُ خَيرٍ حَثَّ عليهِ الشَّرعُ، ولأنه مِنْ الصَّدقةِ (٣). إلَّا أنه قد تَعتَريهِ أحكامٌ أُخرى، فقد يَكونُ واجِبًا كما إذا كانَ مَنذورًا، كأنْ قالَ: «إن قَدِمَ أبي فعلَيَّ أنْ أقِفَ هذه الدارَ»، فإذا قَدِمَ فهو نَذرٌ يَجبُ الوفاءُ به. وكذا رَجلٌ سقطَ منه شَيءٌ فقالَ: «إنْ وَجَدتُه فللَّهِ عَليَّ أنْ أَقِفَ أرضي هذه على أبناءِ السَّبيلِ»، فوجَدَه كانَ عليهِ الوَفاءُ به.

стр. 6485

وكذا يَجبُ على الإمامِ أنْ يَقفَ مَسجدًا مِنْ بيتِ المالِ للمُسلمينَ، وإنْ لم يَكنْ في بيتِ المالِ شيءٌ فعَلى المُسلمينَ (١). وقد يَكونُ حَرامًا، كما لو وقَفَ على مَعصيةٍ، كمَن وقَفَ على كَنيسةٍ أو بِيعةً يُعبَدُ فيها غيرُ اللهِ ويُشرَكُ به فيها. ومِن الوَقفِ الحَرامِ أيضًا ما نَصَّ عليه المالِكيةُ في أحَدِ الأقوالِ عِندَهم مِنْ الوَقفِ على البَنينَ دونَ البَناتِ؛ لأنه يُشبِهُ فِعلَ الجاهِليةِ مِنْ حِرمانِ البناتِ مِنْ إرثِ أبيهِم، وإنْ كانَ في المَسألةِ سِتةُ أقوالٍ … قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: في الوَقفِ على البَنينَ دونَ البناتِ أقوالٌ: أوَّلُها: البُطلانُ مع حُرمةِ القُدومِ على ذلكَ. ثانِيها: الكَراهةُ معَ الصِّحةِ، والكَراهةُ على بابِها. ثالثُها: جَوازُه مِنْ غيرِ كَراهةٍ. رابعُها: الفرقُ بينَ أنْ يُحازَ عنه فيَمضيَ على ما حَبسَه عليهِ، أو لا يُحازَ فيَردُّه للبنينَ والبناتِ معًا. خامِسُها: ما رَواهُ عيسى عن ابنِ القاسِمِ حُرمةُ ذلكَ، فإنْ كانَ الواقفُ حَيًّا فسَخَه وجعَلَه للذُّكورِ والإناثِ وإنْ ماتَ مضى. سادِسُها: فَسخُ الحَبسِ وجَعلُه مَسجدًا إنْ لم يَأبَ المُحبَّسُ عليهِم، فإنْ أَبَوْا لم يَجُزْ فَسخُه، ويُقَرُّ على حالِهِ حَبسًا وإنْ كانَ الواقفُ حَيًّا.

стр. 6486

والمُعتمَدُ مِنْ هذه الأقوالِ ثانِيها كما قالَ الشَّارحُ، ومَحلُّ الخِلافِ إذا حصلَ الوَقفُ على البَنينَ دونَ البَناتِ في حالِ الصِّحةِ وحصلَ الحَوزُ قبلَ المانعِ، أمَّا لو كانَ الوَقفُ في حالةِ المَرضِ فباطلٌ اتِّفاقًا ولو حِيزَ؛ لأنه عَطيَّةٌ لوارِثٍ، أو كانَ في حالِ الصِّحةِ وحصَلَ المانِعُ قبلَ الحَوزِ فباطِلٌ اتِّفاقًا أيضًا، ومَحلُّه أيضًا ما لم يَحكُمْ بصِحَّتِه حاكِمٌ ولو مالِكيًّا، وإلا صَحَّ اتِّفاقًا؛ لأنَّ حُكمَ الحاكمِ يَرفعُ الخِلافَ (١).

стр. 6487

أَركانُ الوَقفِ: الوَقفُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ له أربَعةُ أركانٍ: ١ - الصِّيغةُ. ٢ - الواقفُ. ٣ - المَوقُوفُ عليهِ. ٤ - المَوقوفُ. وعندَ الحَنفيةِ: الرُّكنُ هو الصِّيغةُ فقطْ كما سيَأتي مُوضَّحًا.

стр. 6488

الرُّكنُ الأولُ: الصِّيغةُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإيجابَ رُكنٌ مِنْ أركانِ الوَقفِ وأنَّ الوَقفَ لا يَنعقدُ إلا به، واختَلَفوا في القَبولِ هل يُشترطُ أم لا؟ كما سيَأتي تَفصيلُه وبَيانه. أوَّلاً: صِيغةُ الإيجابِ: الإيجابُ في صِيغةِ الوَقفِ: هو ما يَدلُّ على إرادةِ الواقفِ مِنْ لَفظٍ أو ما يَقومُ مَقامَه مِنْ إشارةٍ مُفهِمةٍ مِنْ الأخرَسِ أو كِتابةٍ أو فِعلٍ. ويَنقسمُ اللَّفظُ إلى صَريحٍ وكِنايةٍ، وقد اختَلفَ الفُقهاءُ فيما هو صَريحٌ وما هو كِنايةٌ، فالجُمهورُ على أنَّ الصَّريحَ ثَلاثةٌ: «وَقَفْتُ وحَبَّسْتُ وسبَّلْتُ»، وبَيانه على النَّحوِ الآتي: أوَّلًا: الصَّريحُ: ١ - «وقَفْتُ»: لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ لفْظَ «وَقَفْتُ» مِنْ الواقفِ مِنْ الألفاظِ الصَّريحةِ؛ لاشتِهارِه لُغةً وعُرفًا، فإذا قالَ: «وَقَفتُ كذا على كذا» أو قالَ: «أرضي مَوقوفةٌ عليهِ» صارَ واقِفًا، وستَأتي نُصوصُ الفُقهاءِ في هذا. ٢ - «وحَبَّسْتُ»: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنَّ لفْظَ «حَبَّسْتُ» مِنْ الألفاظِ الصَّريحةِ في الوَقفِ، فمتَى أتَى بها صارَ واقِفًا؛ لاشتِهارِه عُرفًا وشَرعًا.

стр. 6489

قالَ الحَنفيةُ: ألفاظُ الوَقفِ سِتَّةٌ: «وَقَفْتُ، وحبَّسْتُ، وسَبَّلْتُ، وتَصدَّقْتُ، وأبَّدْتُ، وحَرَّمْتُ»، فالثَّلاثةُ الأُولى صَريحٌ فيهِ، وباقيهِ كِنايةٌ لا يَصحُّ إلا بالنِّيةِ (١). وقالَ الطَّرابلسِيُّ الحَنفيُّ ﵀: (فرُكنُه) لَفظُ الوَقفِ وما في مَعناهُ، كقَولِه: «صَدقةٌ مُحرَّمةٌ، أو صَدقةٌ مُحبَّسَةٌ، أو صَدقةٌ مُؤبَّدةٌ، أو صَدقةٌ لا تُباعُ ولا تُوهَبُ ولا تُورثُ، أو صَدقةٌ مَوقوفةٌ» (٢). وقالَ المالِكيةُ: لَفظُ الوَقفِ والحَبسِ صريحانِ في التأبيدِ، فإذا قالَ: «وقَفْتُ هذه الدارَ» أو قالَ: «هذه الدارُ وَقفٌ» أو «حبَّسْتُ هذه الدارَ» كانَ هذا القَدرُ كافيًا في تأبيدِ تَحريمِها، فلا يَرجِعُ مِلكًا أبدًا، وإنْ ضَمَّ إلى ذلكَ أنْ يقولَ: «وَقفٌ أو حَبسٌ لا تُباعُ ولا تُوهَبُ ولا تُورثُ» فذلكَ تأكيدٌ، والاقتِصارُ على لَفظِ الوَقفِ أو الحَبسِ كافٍ. وإنَّما قُلنا ذلكَ لأنَّ مَفهومَ هذه اللَّفظةِ في العُرفِ أنه يُقصدُ بها السَّبيلُ وتَأبيدُ حَبسِها وتَمليكُ مَنفعتِها على الدَّوامِ، فوجَبَ الحُكمُ بذلكَ فيها. وسَواءٌ قيَّدَه بجِهةٍ لا تَنحصرُ أو بمُعيَّنٍ أو بمَجهولٍ مَحصورٍ، ك: «وقَفْتُ وحبَّسْتُ داري على الفُقراءِ أو على زَيدٍ أو على بَني فُلان»، إلا إذا ضرَبَ للوَقفِ أجَلًا أو قيَّدَه بحَياةِ شَخصٍ.

стр. 6490

قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: الحَبسُ والوَقفُ فمَعناهُما واحِدٌ لا يَفتَرقانِ في وَجهٍ مِنْ الوُجوهِ. وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ ﵀: الألفاظُ التي يَنعقِدُ بها الوَقفُ هي أنْ يقولَ: «وقَفْتُ وحَبَّسْتُ وتَصدَّقْتُ» وما أشبَهَ ذلكَ مِمَّا يُفيدُ مَعناهُ. فأمَّا لَفظُ الوَقفِ فإنه صَريحٌ في التَّأبيدِ، فإذا قالَ: «وقَفْتُ هذه الدارَ» وقالَ: «هذه الدارُ وَقفٌ» كانَ هذا القَدرُ كافيًا في تأبيدِ تَحريمِها، فلا يَرجعُ مِلكًا أبدًا، وإنْ ضَمَّ إلى ذلكَ أنْ يقولَ: «وَقفٌ لا تُباعُ ولا تُوهبُ ولا تُورثُ» فذلكَ تأكيدٌ، والاقتِصارُ على لَفظِ الوَقفِ كافٍ. وإنَّما قُلنا ذلكَ لأنَّ مَفهومَ هذه اللَّفظةِ في العُرفِ أنه يُقصدُ بها السَّبيلُ وتَأبيدُ حَبسِها وتَمليكُ مَنفعتِها على الدَّوامِ، فوجَبَ الحُكمُ بذلكَ فيها. فأمَّا لَفظُ الحَبسِ فهو أنْ يَقولَ: «دارِي هذه حَبسٌ في وجهِ كذا» أو لا يَقولَ، لكن إنْ قالَ: «حَبسٌ» فقطْ، أو قالَ: «قد حَبسْتُها» فإنها تَكونُ حَبسًا في الوَجهِ الذي جعَلَه فيه، وإنْ لم يَذكرْ له وجهًا بل قالَ: «حَبسٌ» فقطْ صُرِفَ في وُجوهِ البِرِّ والخَيرِ، فأمَّا الحُكمُ في تأبيدِه فيُنظرْ؛ فإنْ لم يَنضمَّ إلى ذلكَ أنْ يقولَ: «وَقفٌ لا تُباعُ ولا تُوهبُ» أو غيرُ ذلكَ ممَّا يُفيدُ التأبيدَ وكانَتْ على مُعيَّنٍ أو جَماعةٍ بأعيانِهم غيرِ مَجهولينَ ولا مَوصوفينَ مثلِ أنْ يَقولَ: «حَبسٌ على فُلانٍ» لرَجُلٍ بعَينِه، أو على قَومٍ بأعيانِهم ولم يَذكرْ عَقِبًا ولا نَسلًا فقدِ اختَلفَ قولُه في ذلكَ، هل يَتأبَّدُ أم لا؟ ففيهِ رِوايتانِ:

стр. 6491

إحداهُما: أنه لا يتأبَّدُ، ويُصرَفُ أوَّلًا في الوَجهِ الذي جعَلَه فيه، فإذا زالَ عادَ مِلكًا له إنْ كانَ باقِيًا، أو لوَرثتِه إنْ كانَ مَيتًا. والأُخرى: أنه يَتأبَّدُ، فيُصرَفُ أوَّلًا في الوَجهِ الذي جعَلَه فيهِ، فإذا انقَرضَ عادَ حَبسًا إلى أقرَبِ الناسِ بالمُحبَّسِ عليهِ، فإنْ لم يَكنْ له قَرابةٌ عادَ إلى الفُقراءِ والمَساكينِ، فأمَّا إنِ انضَمَّ إلى لَفظِ الحَبسِ في المَعنيَينِ بَعضُ ألفاظِ التَّأبيدِ مثلُ أنْ يقولَ: «حَبسٌ، أو وَقفٌ، أو مُحرَّمٌ، أو مُؤبَّدٌ، أو لا تُباعُ ولا تُوهَبُ» أو جعَلَ إطلاقَ لَفظِه في مَجهولينَ أو مَوصوفينَ ك: الفُقراءِ والعُلماءِ أو بَني تَميمٍ أو فُلانٍ وعَقبِه أو على وَلَدي وعَقبِهم» ولم يُعيِّنْ ولا ذكَرَ مَرجِعًا فلا يَختلفُ المَذهبُ في هذَينِ الوَجهينِ أنهُما يُفيدانِ التَّأبيدَ والتَّحريمَ (١). وقالَ الشافِعيةُ في المَذهبِ: لا يَصحُّ الوَقفُ مِنْ الناطِقِ الذي لا يُحسِنُ الكتابةَ إلا بلَفظٍ يُشعِرُ بالمُرادِ كالعِتقِ؛ لأنه تَمليكٌ للعَينِ والمَنفعةِ أو المَنفعةِ، فأشبَهَ سائرَ التَّمليكاتِ، ويُخالِفُ البَيعَ حيثُ انعَقدَ بالمُعاطاةِ على وَجهٍ؛ لأنَّ البَيعَ كانَ في الجاهِليةِ والشَّرعُ ورَدَ بإباحتِه فجرَى عليهِ، والوَقفُ لم يُعهَدْ، فاتُّبعَ فيهِ ما ورَدَ به الشرعُ.

стр. 6492

إلا إذا بنَى مَسجِدًا في المَواتِ قاصِدًا به ذلكَ فإنه يَصيرُ مَسجدًا، ويَقومُ الفِعلُ معَ النِّيةِ مَقامَ اللَّفظِ، ويَزولُ مِلكُه عن الآلةِ بعدَ استِقرارِها في مَوضعِها، وعُلِمَ مِنْ هذا أنه لو بَنى مَسجِدًا وأَذِنَ في الصلاةِ فيهِ لم يَصِرْ مَسجِدًا، وكذا لو أَذِنَ في الدَّفنِ في مِلكِهِ لم يَصرْ مَقبرةً. وإذا رَأَيْنا مَسجِدًا يُصلِّي الناسُ فيه فيَستَمرُّ حُكمُه ولا يُغيَّرُ؛ لأنه في أيدِي المُسمَّينَ لذلكَ. هذا كلُّهُ في الناطقِ، أمَّا الأخرسُ فيَصحُّ بإشارتِه المُفهِمةِ كغيرِه مِنْ التَّبرعاتِ، وأمَّا الكاتِبُ فيَصحُّ بكِتابتِه مع النِّيةِ. ثمَّ لَفظُ الواقفِ يَنقسمُ إلى صَريحٍ وكِنايةٍ، فصَريحُه ما اشتُقَّ مِنْ لَفظِ الوَقفِ نحوُ: «وَقفْتُ كذا على كذا، أو أرضِي أو أملاكِي مَوقوفةٌ أو وَقفٌ عليهِ»؛ لأنه لا يَصلحُ في عُرفِ اللُّغةِ إلا لذلكَ. والتَّحبيسُ والتَّسبيلُ وما اشتُقَّ مِنهما ك: «أملاكِي حَبسٌ عليه» صَريحانِ على الصَّحيحِ فيهِما؛ لكَثرةِ استِعمالِهما واشتِهارِهما شَرعًا وعُرفًا، ففي حَديثِ عُمرَ ﵁: «حَبِّس الأصلَ وسبِّلِ الثَّمرةَ»، ولا يَصلحانِ في عُرفِ اللُّغةِ إلا لذلكَ. قالَ المُتَولِّي: وما نُقلَ عن الصَّحابةِ وَقفٌ إلا بهما. والثَّاني: أنَّ لفْظَ التَّسبيلِ والتَّحبيسِ كِنايتانِ؛ لأنهُما لم يَشتهِرَا اشتِهارَ الوَقفِ.

стр. 6493

والثَّالثُ: التَّحبيسُ صَريحٌ والتَّسبيلُ كِنايةٌ؛ لأنه ﷺ غايَرَ بينَهُما في حَديثٍ؛ فإنهُ قالَ: «حبِّسِ الأصلَ وسبِّلِ الثَّمرةَ»، والثَّمرةُ غيرُ مَوقوفةٍ بالإجماعِ. ومَوضعُ الخِلافِ إذا اقتَصرَ عليهِ، فلو أكَّدَه بالمَصدرِ فقالَ: «حبَّستُه تَحبيسًا مُؤبَّدًا مُحرَّمًا» فلا خِلافَ في الصَّراحةِ. فجَميعُ ما في ذلكَ أربعة أوجُهٍ: الجَميعُ صَريحٌ، الجَميعُ كِنايةٌ، الصَّريحُ الوَقفُ وحْدَه، الكِنايةُ التَّسبيلُ وحْدَه. قالَ الدَّميريُّ ﵀: قالَ الشَّيخُ: فيَنبغِي لمَن كتَبَ كِتابَ وَقفٍ وأشهَدَ به أنْ يَضُمَّ إلى ألفاظِ الوَاقفِ إقرارَه بالنِّيةِ؛ ليَخرُجَ مِنْ الخِلافِ ويَقطعَ بصِحَّةِ الوَقفِ، قالَ: والألفاظُ المَذكورةُ في هذا البابِ: الوَقفُ والتَّحبيسُ والتَّسبيلُ والتَّحريمُ والتَّأبيدُ والصَّدقةُ، فهذه سِتَّةُ ألفاظٍ وأصلُها الصَّدقةُ، ولكنَّها لمَّا اشتَركَتْ بينَه وبينَ غَيرِه تَأخَّرتْ عن رُتبةِ الصَّريحِ، وصارَ أعلَى المَراتبِ لَفظُ الوَقفِ، ودُونَه التَّحبيسُ، ودونَه التَّسبيلُ، ودونَهُما التَّحريمُ والتَّأبيدُ، ودونَهُما الصَّدقةُ (١).

стр. 6494

وقالَ السُّيوطيُّ ﵀: الوَقفُ الصَّحيحُ الذي قطَعَ به الجُمهورُ أنَّ «وقَفْتُ وحبَّسْتُ وسبَّلْتُ» صَرائحُ، وقيلَ: كِناياتٌ، وقِيل: «وقَفْتُ» فقط صَريحٌ، وقيلَ: هو و «حبَّستُ» (١). ٣ - «وسبَّلتُ»: ذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ لفْظَ «سَبَّلْتُ» مِنْ الألفاظَ الصَّريحةِ، وقد تقدَّمَ كلامُ الحَنفيةِ والشافِعيةِ، وأمَّا المالِكيةُ فلمْ أَقِفْ لهُم على قَولٍ في لَفظِ التَّسبيلِ. وقالَ الحَنابلةُ: يَحصلُ الوَقفُ بقَولٍ رِوايةً واحِدةً، وصَريحُه: «وقَفْتُ، وحَبَّسْتُ، وسَبَّلْتُ»، فمَن أتَى بكَلمةٍ مِنْ هذه الثَّلاثِ صَحَّ الوَقفُ؛ لعَدمِ احتِمالِ غَيرِه بعُرفِ الاستِعمالِ بينَ الناسِ المُنضَمِّ إليهِ عُرفُ الشَّرعِ؛ لأنَّ النبيِّ ﷺ قالَ: «إنْ شِئْتَ حبَّسْتَ أصْلَها وسبَّلْتَ ثَمَرتَها»، فصارَتْ هذه الألفاظُ في الوَقفِ كلَفظِ التَّطليقِ في الطلاقِ. وإضافةُ التَّحبيسِ إلى الأصلِ والتَّسبيلِ إلى الثَّمرةِ لا يَقتضِي المُغايَرةَ في المَعنى؛ فإنَّ الثَّمرةَ مُحبَّسةٌ أيضًا على ما شُرِطَ صَرفُها إليهِ، فلو قالَ مالكٌ: «أحبَسْتُ ثَمرةَ نَخلٍ على الفُقراءِ» كانَ ذلكَ وَقفًا لازِمًا باتِّفاقِ مَنْ يرَى أنَّ التَّحبيسَ صَريحٌ في الوَقفِ. قالَ المِرداويُّ ﵀: وأمَّا «سَبَّلْتُ» فصَريحةٌ على الصَّحيحِ مِنْ المذهبِ وعليهِ الأصحابُ.

стр. 6495

وقالَ الحارِثيُّ: والصَّحيحُ أنه ليسَ صَريحًا؛ لقَولِه ﵊: «حبِّسِ الأصْلَ وسَبِّلِ الثَّمرةَ»، غايَرَ بينَ مَعنى التَّحبيسِ والتَّسبيلِ، فامتَنعَ كَونُ أحَدِهما صَريحًا في الآخَرِ، وقد عُلِمَ كَونُ الوَقفِ هو الإمساكَ في الرَّقبةِ عن أسبابِ التَّملُّكاتِ، والتَّسبيلُ إطلاقُ التَّمليكِ، فكيفَ يَكونُ صَريحًا في الوَقفِ؟! انتَهى (١). ثَانِيًا: الكِنايةُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في بَعضِ الألفاظِ هل هيَ صَريحةٌ أم كِنايةٌ؟ -وإنْ كانَ الجُمهورُ على أنها مِنْ الكِناياتِ- مِثل: «تَصدَّقْتُ، وأبَّدْتُ، وحرَّمْتُ»، وتَحتاجُ إلى قَرينةٍ أو نِيَّةٍ ليَصِحَّ بها الوَقفُ، وبيانها على التَّفصيلِ الآتي: ١ - «تصَدَّقْتُ»: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ لَفظةَ «تصَدَّقْتُ» مِنْ الواقفِ ليسَتْ صَريحةً في الوَقفِ؛ لأنها مِنْ الألفاظِ المُشتَرَكةِ التي تُستَعملُ في الزَّكاةِ وصَدقةِ التَّطوعِ، فلا يَصحُّ الوَقفُ بمُجرَّدِها ولا يُلزَمُ الواقفُ بها وَقفًا، إلا أنْ يَنويَ بها الوَقفَ أو يَقرنَها بلَفظٍ مِنْ ألفاظِ الوَقفِ بأنْ يُقال: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ، أو مُحبَّسةٌ، أو مُسبَّلةٌ» على تَفصيلٍ بَيانُه على النَّحوِ التَّالي:

стр. 6496

قالَ الحَنفيةُ: ألفاظُ الوَقفِ سِتَّةٌ «وَقفْتُ، وحبَّسْتُ، وسَبَّلْتُ، وتصَدَّقْتُ، وأبَّدْتُ، وحَرَّمتُ»، فالثَّلاثةُ الأُولى صَريحٌ فيه، وباقيهِ كِنايةٌ لا يَصحُّ إلا بالنِّيةِ (١). وقالَ الطَّرابلسِيُّ الحَنفيُّ ﵀: (فرُكنُه) لَفظُ الوَقفِ وما في مَعناهُ، كقَولِهِ: «صَدقةٌ مُحرَّمةٌ، أو صَدقةٌ مُحبَّسةٌ، أو صَدقةٌ مُؤبَّدةٌ، أو صَدقةٌ لا تُباعُ ولا تُوهبُ ولا تُورثُ، أو صَدقةٌ مَوقوفةٌ» (٢). وقالَ المالِكيةُ: لَفظُ الصَّدقةِ لا يُفيدُ التَّأبيدَ إلا إذا قارَنَه قَيدٌ نحوُ «لا يُباعُ ولا يُوهَبُ» أو «هو صَدقةٌ عليهِ وعلى عَقبِه»، أو كانَ على مُعيَّنٍ أو جِهةٍ لا تَنقطعُ كقَولِه: «تَصدَّقتُ على الفُقراءِ والمَساكينِ، أو على المَساجدِ، أو على طَلبةِ العِلمِ» وما أشبَهَ ذلكَ إذا قارَنَه قَيدٌ أيضًا، كقَولِه: «لا يُباعُ ولا يُوهَبُ»، وإلا كانَ مِلكًا للمَوقوفِ عليهِ يُباعُ ويُفرَّقُ ثَمنُه بالاجتِهادِ. وكذلكَ يَصحُّ الوَقفُ ويَتأبَّدُ إذا وقَعَ لمَجهولٍ مَحصورٍ ك: «على فُلانٍ وعَقبِه، أو على بَنِيهِ، أو على نَسلِه، أو على ذُرِّيتِه»، ولا يَحتاجُ إلى مُقارَنةِ قَيدٍ؛ لأنَّ ذِكرَ العَقبِ قَيدٌ لأجْلِ حقِّ مَنْ يَأتي بعدُ، وأمَّا لمَجهولٍ غيرِ مَحصورٍ كالفُقراءِ والمَساكينِ فلا بُدَّ مِنْ القَيدِ كما مَرَّ، والمُرادُ بالمَحصورِ مَنْ يُحاطُ بأفرادِه، وبغَيرِهِ مَنْ لا يُحاطُ بأفرادِه.

стр. 6497

قالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ ﵀: فأمَّا لَفظُ الصَّدقةِ -وهو أنْ يَقولَ: «هذه الدارُ صدَقةٌ على فُلانٍ» - فإنه على وَجهينِ: أحَدُهما: أنْ يُريدَ تَمليكَه الرَّقبةَ، والآخرُ: أنْ يُريدَ الحَبسَ، فإنْ أرادَ المُتصدِّقُ تَمليكَ الرَّقبةِ جازَ وكانَ مِلكًا للمُتصدَّقِ عليه كالهِبةِ، وإنْ أرادَ به مَعنى التَّحبيسِ فذلكَ على وَجهَينِ: إنْ كانَ على رَجُلٍ مُعيَّنٍ أو قَومٍ مُعيَّنينَ غيرِ مَجهولينَ ولم يَذكرْ عُقبى ففيها رِوايتانِ على ما بَيَّناهُ في لَفظِ الحَبسِ: إحداهُما: أنه لا يَتأبَّدُ، فيُصرَفُ أوَّلًا فيمَن نَصَّ عليهِ، فإذا انقَرضَ ذلكَ الوَجهُ عادَتْ مِلكًا. والأُخرى: أنها تَتأبَّدُ، فتُصرَفُ في الوَجهِ الذي جُعلَتْ فيهِ، فإذا انقَرضَ عادَتْ إلى الفُقراءِ والمَساكينِ. وأمَّا إنْ جعَلَها في قومٍ مَجهولينَ أو مَوجودينَ لا يُحاطُ بعَددِهم كبَني تَميمٍ وبَني تَغلِبَ، أو على مَوصوفينَ كالعُلماءِ والفُقراءِ، أو شرَطَ في المَعنيِّينَ أعقابَهُم فإنها تَتأبَّدُ ولا تَكونُ مِلكًا، وكذلكَ ذكَرَ ابنُ عَبدِ الحَكَمِ عن بَعضِ أصحابِنا في هذا إذا قالَ: «صَدقةٌ على فُلانٍ وعَقبِه ما عاشُوا» ولمْ يَقُلْ: «حَبسًا» أنها تَكونُ مِلكًا لآخِرِ عَقيبٍ مِنْ رَجُلٍ أو امرأةٍ، ويَتصرَّفُ فيهِ بما شاءَ مِنْ بَيعٍ أو غَيرِه، قالَ: وأكثرُ أصحابِنا يَرَونَه حَبسًا، وهذا الذي قالَه ليسَ بشَيءٍ، والصَّحيحُ أنها تَكونُ حَبسًا. وأمَّا إذا أطلَقَ لفْظَ الصَّدقةِ ولم يَضُمَّ إليهِ ما يَقتضي مَعنى الحَبسِ لا مِنْ لفظِ التَّأبيدِ ولا مِنْ صِفاتِ المُتصدَّقِ عليهِم فلا يَكونُ مَعنى الحَبسِ؛

стр. 6498

لأنَّ ظاهرَ الصَّدقةِ تَقتضِي تَمليكَ الرَّقبةِ، وإنَّما يَنصرفُ إلى الحَبسِ بقرينةٍ تَنضمُّ إليه، فأمَّا إنْ جمَعَ بينَ لَفظِ الحَبسِ والصَّدقةِ فقال: «هذه الدارُ حَبسٌ صَدقةٌ» أو قالَ: «حَبسٌ» فإنْ ضَمَّ إلى ذلكَ «لا تُباعُ ولا تُوهَبُ» أو قالَ: «مُحرَّمةٌ أو مُؤبَّدةٌ أو وقفٌ» فلا يَختلفُ المَذهبُ أنها تتأبَّدُ بذلكَ، وإنْ لم يقُلْ إلا: «حَبسًا صَدقةً» أو «صَدقةً حَبسًا» ولا ذكَرَ مَجهولينَ ولا عُقبى فاختَلفَ أصحابُنا في تَخريجِ قَولِ مالِكٍ فيها، فمنهم مَنْ قالَ: إنها على رِوايتَيْنِ كقولِه: «حَبسًا» فقط، ومنهمْ مَنْ قالَ: على رِوايةٍ واحِدةٍ، إنها تَرجِعُ حَبسًا ولا تَعودُ مِلكًا (١). وقالَ الشافِعيةُ: لو قالَ: «تَصدَّقْتُ» فقطْ ليس بصَريحٍ في الوَقفِ ولا كِنايةٍ، فلا يَحصلُ به الوَقفُ وإنْ نَوَى به الوَقفَ؛ لتَردُّدِ اللَّفظِ بينَ صَدقةِ الفَرضِ والتَّطوعِ والوَقفِ؛ لأنَّ هذا اللَّفظَ صَريحٌ في غيرِ الوَقفِ فلا يَكونُ كِنايةً فيهِ، إلا أنْ يُضيفَه إلى جِهةٍ عامَّةٍ مثل: «تَصدَّقْتُ به على الفُقراءِ أو الغُزاةِ» ويَنويَ الوَقفَ فيَصيرُ كِنايةً. وأمَّا إنْ أضافَه إلى جِهةٍ خاصَّةٍ ك: «تَصدَّقتُ عليكَ، أو عليهم» لا يَكونُ وَقفًا على الصَّحيحِ؛ لأنَّ اللَّفظَ لا إشعارَ له بذلكَ.

стр. 6499

وهذا في الظَّاهِرِ، أمَّا إنْ نَوى به الوَقفَ صارَ وَقفًا فيما بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى دونَ الحُكمِ، إلا أنْ يَقولَ: «أنا نَويْتُ به الوَقفَ» فَيَصيرُ وَقفًا فيما بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى وفي الحُكمِ. فإنْ قَرَنَ بالصَّدقةِ لَفظةً مِنْ ألفاظِ الوَقفِ بأنْ قالَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ، أو مُحبَّسةٌ، أو مُسبَّلةٌ أو مُحرَّمةٌ، أو مُؤبَّدةٌ»، أو قَرَنَ بها حُكمًا مِنْ أحكامِ الوَقفِ بأنْ قالَ: «صَدقةٌ لا تُباعُ ولا تُوهَبُ ولا تُورثُ» صارَ ذلكَ وَقفًا على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ انضِمامَ ذلكَ إلى لَفظِ الصَّدقةِ لا يَحتملُ غيرَ الوَقفِ. والثَّاني: أنه كِنايةٌ؛ لأنه صَريحٌ في التَّملُّكِ المَحضِ المُخالِفِ لمَقصودِ الوَقفِ. والثالثُ: أنه تَمليكٌ في قَولِه: «صَدقةٌ مُحرَّمةٌ» دونَ ما إذا قيَّدَ بأنها لا تُباعُ ولا تُوهبُ (١). وقالَ الحَنابلةُ: لَفظةُ «تَصدَّقْتُ» كِنايةٌ في الوَقفِ وليسَتْ صَريحةً؛ لأنَّ الصَّدقةَ لَفظٌ مُشتَرَكٌ يُستعمَلُ في الزَّكاةِ، وهي ظاهِرةٌ في صَدقةِ التطوعِ، ولا يَصحُّ الوَقفُ بها مُجرَّدةً عمَّا يَصرفُها إليهِ، ككِناياتِ الطلاقِ فيهِ؛ لأنها لم

стр. 6500

يَثبتْ لها عُرفٌ لُغويٌّ ولا شَرعيٌّ إلا بنيَّةِ الوَقفِ، فمَنْ أتَى بكِنايةٍ واعتَرفَ بأنه نَوى بها الوَقفَ لَزمَه حُكمًا؛ لأنها بالنِّيةِ صارَتْ ظاهِرةً فيهِ، وإنْ قالَ: «ما أرَدتُ بها الوقفَ» قُبلَ قَولُه؛ لأنَّ نِيتَه لا يَطِّلعُ عليها غيرُه. أو يَقرنَ لفْظَ الكِنايةِ بأحَدِ الألفاظِ الخَمسةِ، وهي الصَّرائحُ الثلاثُ والكِنايتانِ، كقَولِه: «تَصدَّقتُ صَدقةً مَوقوفةً، أو تَصدَّقتُ صَدقةً مُحبَّسةً، أو تَصدَّقتُ صَدقةً مُسبَّلةً، أو تَصدَّقتُ صَدقةً مُحرَّمةً، أو تَصدَّقتُ صَدقةً مُؤبَّدةً». أو يَقرنَ الكِنايةَ بحُكمِ الوَقفِ كقَولِه: «تَصدَّقتُ به صَدقةً لا تُباعُ، أو صَدقةً لا تُوهَبُ، أو صَدقةً لا تُورثُ، أو تَصدَّقتُ بدارِي على قَبيلةِ كذا، أو على طائِفةِ كذا»؛ لأنَّ ذلكَ كلَّه لا يُستعمَلُ في غيرِ الوَقفِ، فانتَفَتِ الشَّركةُ. أو يَصِفَ الكِنايةَ بصِفاتِ الوَقفِ فيقولَ: «تَصدَّقتُ به صَدقةً لا تُباعُ، أو لا تُوهَبُ، أو لا تُورثُ». أو يَقرِنَ الكِنايةَ بحُكمِ الوَقفِ كأنْ يَقولَ: «تَصدَّقتُ بأرضي على فُلانٍ والنَّظرُ لي أيَّامَ حياتي، أو: والنَّظرُ لفُلانٍ ثُمَّ مِنْ بَعدِه لفُلانٍ»، وكذا لو قالَ: «تَصدَّقتُ به على فُلانٍ ثُمَّ مِنْ بَعدِه على ولَدِه، أو تَصدَّقتُ به على فُلانٍ ثمَّ على فُلانٍ، أو تَصدَّقتُ به على قَبيلةِ كذا، أو تَصدَّقتُ به على طائفةِ كذا كالفُقراءِ أو الغُزاةِ»؛ لأنَّ هذه الألفاظَ ونحوَها لا تُستعملُ فيما عدا الوَقف، فأشبَهَ ما لو أتَى بلَفظِه الصَّريحِ.

стр. 6501

ولو قالَ رَبُّ دارٍ: «تَصدَّقتُ بدارِي على فُلانٍ» ثُمَّ قالَ المُتصدِّقُ بعدَ ذلكَ: «أرَدتُ الوَقفَ» ولم يُصدِّقْه فُلانٌ وقالَ: «إنَّما هي صَدقةٌ فلِي التَّصرفُ في رَقبتِها بما أُريدُ» لم يُقبَلْ قولُ المُتصدِّقِ في الحُكمِ؛ لأنه خِلافُ الظاهرِ (١). ٢ - «حرَّمْتُ»: ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ (٢) والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ إلى أنَّ لَفظةَ «حرَّمْتُ» ليسَتْ لَفظةً صَريحةً في الوَقفِ؛ لأنَّ التَّحريمَ يُستعملُ في الظِّهارِ والأَيمانِ، ويَكونُ تَحريمًا على نَفسِه وعلى غَيرِه، ولا يَقتضِي تَمليكَ العينِ، والوَقفُ يَقتضِي تَمليكَ العينِ، فلم تَكنْ صَريحةً بل هيَ كِنايةٌ؛ لأنها لا تُستعملُ مُستقلَّةً، وإنَّما يُؤكَّدُ بها، فإذا أفرَدَها لم يَكنِ المَعنى مُستفادًا منها؛ لعَدمِ صَلاحيَّتِها للاستِقلالِ. قالَ الشافِعيُّ ﵀: فإذا قالَ: «تَصدَّقتُ بدارِي على قَومٍ أو رَجلٍ مَعروفٍ حَيٍّ يومَ تَصدَّقَ عليهِ، وقالَ: صَدقةٌ مُحرَّمةٌ، أو قالَ: مَوقوفةٌ، أو قالَ: صَدقةٌ مُسبَّلةٌ» فقدْ خرَجَتْ مِنْ مِلكِه، فلا تَعودُ مِيراثًا أبَدًا. قالَ الماوَرديُّ ﵀: وهذا كما قالَ، ألفاظُ الوَقفِ سِتَّةٌ: «تَصدَّقتُ، ووقَفْتُ وحبَّسْتُ»؛ لأنَّ التَّصدقَ يَحتملُ الوَقفَ ويَحتملُ صَدقةَ التمليكِ المُتطوَّعَ بها ويَحتملُ الصَّدقةَ المَفروضةَ، فإذا قرَنَه بقَرينةٍ تَدلُّ على الوَقفِ

стр. 6502

انصَرفَ إلى الوَقفِ وانقَطعَ الاحتِمالُ، والقَرينةُ أنْ يَقولَ: «تَصدَّقتُ صَدقةً مَوقوفةً، أو مُحبَّسةً، أو مُسبَّلةً، أو مُحرَّمةً، أو مُؤبَّدةً»، أو يَقولَ: «صَدقةٌ لا تُباعُ ولا تُوهَبُ ولا تُورثُ»؛ لأنَّ هذه كلَّها تُصرَفُ إلى الوَقفِ، وكذلكَ إذا نَوى الوَقفُ انصَرفَ إلى الوَقفِ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، ولا يَصيرُ وَقفًا مِنْ الحُكمِ، فإذا أقَرَّ بأنه نوَى الوَقفَ صارَ وَقفًا في الحُكمِ حينَئذٍ، كما قالَ: «أنتِ حِلٌّ» ونوَى الطلاقَ وقَعَ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فإذا أقَرَّتْ بالنِّيةِ وقَعَ الطلاقُ في الحُكمِ، فأمَّا إذا قالَ: «وقَفْتُ» كانَ ذلكَ صَريحًا فيهِ؛ لأنَّ الشَّرعَ قد ورَدَ بها حيثُ قالَ ﷺ لعُمرَ: «حبِّسِ الأصلَ وسبِّلِ الثَّمرةَ»، وعُرفُ الشَّرعِ بمَنزلةِ عُرفِ العادةِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا قالَ: «حرَّمْتُ كذا» لم يَصحَّ الوَقفُ بها مُجرَّدةً عمَّا يَصرفُها إليه إلا بنِيةِ الوَقفِ، فمَن أتَى بكِنايةٍ واعتَرفَ بأنه نَوى بها الوَقفَ لَزمَه حُكمًا؛ لأنها بالنِّيةِ صارَتْ ظاهِرةً فيه، وإنْ قالَ: «ما أرَدتُ بها الوقفَ» قُبلَ قولُه؛ لأنَّ نِيتَه لا يَطَّلعُ عليها غيرُه. أو يَقرِنَ لفْظَ الكِنايةِ بأحَدِ الألفاظِ الخَمسةِ، وهي الصَّرائحُ الثلاثُ والكِنايتانِ كقولِه: «تَصدَّقتُ صَدقةً مُحرَّمةً» … أو يَقرنَ الكِنايةَ بحُكمِ الوَقفِ كقَولِه: «تَصدَّقتُ به صَدقةً لا تُباعُ، أو صَدقةً لا تُوهَبُ، أو صَدقةً لا تُورثُ، أو: تَصدَّقتُ بدارِي على قَبيلةِ كذا أو على طائِفةِ كذا»؛ لأنَّ ذلكَ كلَّه لا يُستعملُ في غَيرِ الوَقفِ فانتَفَتِ الشَّركةُ.

стр. 6503

أو يَصفَ الكِنايةَ بصِفاتِ الوَقفِ فيَقولَ: «تَصدَّقتُ به صَدقةً لا تُباعُ، أو لا تُوهَبُ، أو لا تُورثُ». أو يَقرنَ الكِنايةَ بحُكمِ الوَقفِ كأن يَقولَ: «تَصدَّقْتُ بأرضي على فُلانٍ والنَّظَرُ لي أيَّامَ حياتي، أو: والنَّظرُ لفُلانٍ ثمَّ مِنْ بعدِه لفُلانٍ»، وكذا لو قالَ: «تَصدَّقتُ به على فُلانٍ ثُمَّ مِنْ بعدِه على ولَدِه، أو: تَصدَّقتُ به على فُلانٍ ثُمَّ على فُلانٍ، أو: تَصدَّقتُ به على قَبيلةِ كذا، أو تَصدَّقْتُ به على طائِفةِ كذا كالفُقراءِ أو الغُزاةِ»؛ لأنَّ هذه الألفاظَ ونحوَها لا تُستعملُ فيما عدا الوَقف، فأشبَهَ ما لو أتَى بلَفظِه الصَّريحِ (١). قالَ الحَنفيةُ: ألفاظُ الوَقفِ سِتَّةٌ: «وَقَفتُ، وحبَّسْتُ، وسَبَّلتُ، وتَصدَّقتُ، وأبَّدْتُ، وحَرَّمتُ»، فالثَّلاثةُ الأُولى صَريحٌ فيهِ، وباقيهِ كِنايةٌ لا يَصحُّ إلا بالنِّيةِ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ إلى أنَّ لفْظَ «حَرَّمتُه للمَساكينِ» مثلًا صَريحةٌ؛ لإفادَتِها الغَرضَ كالتَّحبيسِ والتَّسبيلِ، ولأنَّ لفْظَ التَّحريمِ في الجَماداتِ لا يَصلحُ لغَيرِ الوَقفِ (٣).

стр. 6504

٣ - «أَبَّدْتُ»: ذهَبَ جُمهورُ الفُقَهاءِ الحَنفية والشافِعية في الأصَحِّ والحَنابلة إلى أنَّ لَفظةَ «أبَّدْتُ» لَيسَتْ مِنْ الألفاظِ الصَّريحةِ؛ لأنَّ التَّأبيدَ يُستعمَلُ في كُلِّ ما يُرادُ تَأبيدُهُ مِنْ وَقفٍ وغيرِهِ، فهيَ مِنْ ألفاظِ الكِناياتِ، فلا يَصِحُّ بِها الوَقفُ إلَّا إنْ نَوى الوَقفَ بِها. قالَ الحَنفية: ألفاظُ الوَقفِ سِتَّةٌ: وَقَفتُ وحَبَّسْتُ وسَبَّلْتُ وتَصَدَقْتُ وأبَّدْتُ وحَرَّمْتُ، فالثَّلاثةُ الأولى صَريحٌ فيهِ، وباقيهِ كِنايةٌ لا يَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا الكِنايةُ فهيَ: «تَصدَّقتُ، وحَرَّمتُ، وأبَّدتُ» فليسَتْ صَريحةً؛ لأنَّ لَفظةَ الصَّدقةِ والتَّحريمِ مُشتَرَكةٌ، فإنَّ الصَّدقةَ تُستعملُ في الزَّكَواتِ والهِباتِ، والتَّحريمُ يُستعملُ في الظِّهارِ والأَيمانِ، ويَكونُ تَحريمًا على نَفسِه وعلى غَيرِه، والتَّأبيدُ يَحتملُ تَأبيدَ التَّحريمِ وتَأبيدَ الوَقفِ، ولم يَثبتْ لهذه الألفاظِ عُرفُ الاستعمالِ، فلا يَحصلُ الوَقفُ بمُجرَّدِها ككِناياتِ الطلاقِ فيهِ، فإنِ انضَمَّ إليها أحَدُ ثلاثةِ أشياءَ حصلَ الوَقفُ بها: أحَدُها: أنْ يَنضَمَّ إليها لَفظةٌ أُخرى تُخلِّصُها مِنْ الألفاظِ الخَمسةِ، فيَقولُ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ، أو مُحبَّسةٌ، أو مُسبَّلةٌ، أو مُحَرَّمةٌ، أو مُؤبَّدةٌ»، أو يَقولُ: «هذه مُحرَّمةٌ مَوقوفةٌ، أو مُحبَّسةٌ، أو مُسبَّلةٌ، أو مُؤبَّدةٌ».

стр. 6505

والثَّاني: أنْ يَصفَها بصِفاتِ الوَقفِ فيَقولُ: «صَدقةٌ لا تُباعُ ولا تُوهَبُ ولا تُورثُ»؛ لأنَّ هذه القَرينةَ تُزيلُ الاشتِراكَ. الثالثُ: أنْ يَنويَ الوَقفَ فيَكونُ على ما نوى، إلا أنَّ النِّيةَ تَجعلُه وَقفًا في الباطِنِ دونَ الظاهرِ؛ لعدمِ الاطِّلاعِ على ما في الضَّمائِرِ، فإنِ اعتَرفَ بما نَواهُ لَزمَ في الحُكمِ؛ لظُهورِه، وإنْ قَال: «ما أرَدتُ الوَقفَ» فالقَولُ قولُه؛ لأنه أعلَمُ بما نوَى (١). وذهَبَ الشافِعية في مُقابلِ الأصَحِّ إلى أنَّ لفْظَ «حَرَّمتُه للمَساكينِ» مثلًا صَريحةٌ؛ لإفادَتِها الغَرضَ كالتَّحبيسِ والتَّسبيلِ، ولأنَّ لفْظَ التَّحريمِ في الجَماداتِ لا يَصلحُ لغَيرِ الوَقفِ. قالَ ابنُ الصَّبَّاغِ ﵀: ولأنَّ الشافعيَّ جَعلَهما -أيْ لَفظةَ التَّحريمِ والتَّأبيدِ- مع لَفظةِ الصَّدقةِ صَريحتَينِ في الوَقفِ، ولو كانَتا كِنايةً في الوَقفِ لم تَصِرِ الصَّدقةُ بهما صَريحًا؛ لأنَّ بإضافةِ الكِنايةِ إلى الكِنايةِ لا يَحصلُ الصَّريحُ (٢).

стр. 6506

وقد ذكَرَ الحَنفيةُ سِتًّا وعِشرينَ لَفظةً للوَقفِ، ذكَرَها ابنُ الهُمامِ وابنُ نُجيمٍ. قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: وأمَّا رُكنُه: فالألفاظُ الخاصَّةُ الدَّالةُ عليه، وهي ستَّةٌ وعِشرونَ لَفظًا: الأولُ: «أرضِي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ مُؤبَّدةٌ على المَساكينِ»، ولا خِلافَ فيهِ. الثَّاني: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ»، فهِلالٌ وأبو يُوسفَ وغيرُهما على صحَّتِه؛ لأنه لَمَّا ذكرَ «صَدقةٌ» عُرفَ مَصرِفُه، وانتَفى بقَولِه: «مَوقوفةٌ» احتِمالُ كَونِه نَذرًا. الثالثُ: حَبسٌ صَدقةٌ. الرابعُ: «صَدقةٌ مُحَرَّمةٌ»، وهُما كالثاني. الخامِسُ: «مَوقوفةٌ» فقط، لا يَصحُّ إلا عندَ أبي يُوسفَ، فإنهُ يَجعلُها بمُجرَّدِ هذا اللَّفظِ مَوقوفةً على الفُقراءِ، وإذا كانَ مُفيدًا لخُصوصِ المَصرِفِ -أعني الفُقراءَ- لَزمَ كَونَه مُؤَبَّدًا؛ لأنَّ جِهةَ الفُقراءِ لا تَنقطعُ. قالَ الصَّدرُ الشهيدُ: ومَشايخُ بَلْخَ يُفتُونَ بقَولِ أبي يُوسفَ، ونحنُ نُفتي بقَولِه أيضًا؛ لمَكانِ العُرفِ، وبهذا يَندفعُ رَدُّ هِلالٍ قَولَ أبي يُوسفَ بأنَّ الوَقفَ يَكونُ على الغَنيِّ وَالفَقيرِ ولمْ يُبيِّنْ فيَبطلُ؛ لأنَّ العُرفَ إذا كانَ يَصرفُه إلى الفُقراءِ كانَ كالتَّنصيصِ عليهم. السادسُ: «مَوقوفةٌ على الفُقراءِ»، صَحَّ عندَ هِلالٍ أيضًا؛ لزَوالِ الاحتِمالِ بالتَّنصيصِ على الفُقراءِ.

стр. 6507

السَّابعُ: مَحبوسةٌ. الثامِنُ: «حَبسٌ»، وهُمَا باطِلانِ، ولو كانَ في «حَبْس» مِثلُ هذا العُرفِ يَجبُ أنْ يَكونَ كقولِه: «مَوقوفةٌ». التاسِعُ: لو قالَ: «هي للسَّبيلِ» إنْ تَعارَفوهُ وَقفًا مُؤبَّدًا للفُقراءِ كانَ كذلكَ، وإلا سُئِلَ، فإنْ قالَ: «أردْتُ الوَقفَ صارَ وَقفًا»؛ لأنه مُحتمَلٌ لَفظُه، أو قالَ: «أرَدتُ مَعنى صَدقةٍ» فهو نَذرٌ فيَتصدَّقُ بها أو بثَمنِها، وإنْ لَم يَنوِ كانَتْ مِيراثًا، ذكرَه في «النَّوازِل». العاشِرُ: «جَعلتُها للفُقَراءِ»، إنْ تَعارَفوهُ وَقفًا عُمِلَ به، وإلا سُئلَ، فإنْ أرادَ الوَقفَ فهيَ وَقفٌ، أو الصَّدقةَ فهيَ نَذرٌ، وهذا عندَ عَدمِ النِّيةِ؛ لأنه أدنى، فإثباتُه به عندَ الاحتِمالِ أَولى. واعتَرضَه في «فتاوى الخَاصِّيِّ» بأنه لا فرْقَ بينَهُما، وذكَرَ في إحداهُما: إذا لَم تَكُنْ له نِيةٌ يَكونُ مِيراثًا، ولا يَخفى أنَّ كَونَهُ ميراثًا لا يُنافي كَونَه نَذرًا؛ لأنَّ المَنذورَ به إذا ماتَ النَّاذِرُ ولمْ يُوفِّ بنَذرِه يَكونُ مِيراثًا، إلا أنه اقتَصرَ على تَمامِ التَّفصيلِ في إحداهُما، وإلا فلا شَكَّ أنَّ في كُلٍّ منهُما إذا لم تَكنْ له نِيةٌ يَكونُ نَذرًا، فإنْ ماتَ ولم يَتصدَّقْ به ولا بقيمتِه يَكونُ مِيراثًا. الحادي عَشرَ: مُحرَّمةٌ. الثاني عَشرَ: «وَقفٌ»، وهو صَحيحٌ، وهي مَعروفَةٌ عندَ أهلِ الحِجازِ. الثالثُ عَشرَ: «حَبسٌ مَوقوفةٌ»، وهو كالاقتِصارِ على «مَوقوفةٌ».

стр. 6508

الرابعُ عَشرَ: «جَعلْتُ نُزُلَ كَرمِي وَقفًا»، صارَ وَقفًا، فيه ثَمرةٌ أو لا. الخامِسُ عَشرَ: «جَعلْتُ غلَّتَه وَقفًا» كذلكَ. الخامِسُ عَشرَ (١): «مَوقوفةٌ للهِ» بمَنزلةِ «صَدقةٌ مَوقوفةٌ»، الكلُّ في «فَتْح القَديرِ»، وجزَمَ في «البزَّازيَّة» بصِحَّةِ الوَقفِ بقَولِه «وَقفٌ، أو مَوقوفةٌ». السادسُ عَشرَ: صَدقةٌ فقط، كانَتْ صَدقةً، فَإن لَم يَتَصدَّقْ حتى ماتَ كانَتْ ميراثًا، كذا في «الخصَّافِ». السَّابعُ عَشرَ: «هذه مَوقوفةٌ على وَجهِ الخَيرِ، أو على وَجهِ البِرِّ»، تَكونُ وَقفًا على الفُقراءِ. الثامِنُ عَشرَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ في الحَجِّ عَنِّي والعُمرةِ عَنِّي»، يَصحُّ الوَقفُ، ولو لم يَقُلْ: «عنِّي» لا يَصحُّ الوَقفُ. التاسِعُ عَشرَ: «صَدقةٌ لا تُباعُ»، تَكونُ نَذرًا بالصَّدقةِ لا وَقفًا، ولو زَادَ: «ولا تُوهَبُ ولا تُورثُ» صارَتْ وَقفًا على المَساكينِ، والثلاثةُ في «الإسْعَاف». العِشرونَ: «اشتَرُوا مِنْ غلَّةِ داري هذه كلَّ شَهرٍ بعَشرةِ دَراهمَ خُبزًا وفرِّقُوه على المَساكينِ» صارَتِ الدارُ وَقفًا. الحادِي والعِشرونَ: «هذه بعدَ وَفاتي صَدقةٌ يُتصدَّقُ بعَينِها، أو تُباعُ ويُتصدَّقُ بثَمنِها»، ذكَرَهما في «الذَّخيرة».

стр. 6509

الثاني والعِشرونَ: أَوْصى أنْ يُوقفَ ثُلثُ مالِه، جازَ عندَ أبي يُوسفَ ويَكونُ للفُقراءِ، وعِندَهما لا يَجوزُ إلا أنْ يَقولَ: «للهِ أَبَدًا»، كذا في «التَّتارخانِيَّة». الثالثُ والعِشرونَ: «هذا الدُّكانُ مَوقوفٌ بعدَ مَوتي، ومُسَبَّلٌ» ولم يُعيِّنْ مَصرِفًا لا يَصحُّ. الرابعُ والعِشرونَ: «دارِي هذه مُسبَّلةٌ إلى المَسجدِ بعدَ مَوتي»، يَصِحُّ إنْ خرَجَتْ مِنْ الثُّلثِ وعيَّنَ المَسجدَ، وإلَّا فلا. الخامِسُ والعِشرونَ: «سَبَّلتُ هذه الدارَ في وَجهِ إمامِ مَسجِدِ كذا عَنْ جِهةِ صَلَواتي وصياماتي»، تَصيرُ وَقفًا وإنْ لم تقَعْ عنهما، والثلاثةُ في «القُنْيَة». السادسُ والعِشرونَ: «جَعلْتُ حُجْرَتي لدُهْنِ سِراجِ المَسجدِ» ولم يَزِدْ عليه، صارَتْ الحُجرَةُ وَقفًا على المَسجدِ كما قالَ، وليسَ للمُتولِّي أنْ يَصرفَ إلى غَيرِ الدُّهنِ، كذا في «المُحيط». السابعُ والعِشرونَ: ذكَرَ قاضيخانُ مِنْ كتابِ الوصايا رَجلًا قالَ: «ثُلثُ مالي وَقفٌ» ولم يَزِدْ على ذلكَ، قالَ أبو نَصرٍ: إنْ كانَ مالُه نَقدًا فهذا القَولُ باطِلٌ بمَنزلةِ قَولِهِ: «هذه الدراهِمُ وَقفٌ»، وإنْ كانَ مالُه ضِياعًا تَصيرُ وَقفًا على الفُقراءِ (١).

стр. 6510

ما يَقومُ مَقامَ اللَّفظِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ، هل يَحصلُ بالفِعلِ مع القَرائنِ الدَّالةِ عليهِ مثلَ أنْ يَبنيَ مَسجِدًا ويَأذنَ للنَّاسِ بالصلاةِ فيهِ، أو مَقبرةً ويَأذنَ في الدَّفنِ فيها، أو سِقايةً ويَأذنَ في دُخولِها أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ -على تَفصيلٍ مُطوَّلٍ عندَهُم سَيأتي- والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَصيرُ بذلكَ وَقفًا وليسَ له الرُّجوعُ فيه، فيَحصلُ الوَقفُ بالفِعلِ المُقتَرِنِ بالقَرائنِ كالقَولِ؛ لأنَّ العُرفَ جارٍ بذلكَ وفيهِ دِلالةٌ على الوَقفِ، فجازَ أنْ يَثبتَ به كالقَولِ، وجرَى مَجرى مَنْ قَدَّمَ إلى ضَيفِه طَعامًا كانَ إذنًا في أكلِه، ومَن مَلأَ خابِيةَ ماءٍ على الطريقِ كانَ تَسبيلًا له، ومَن نثَرَ على الناسِ نِثارًا كانَ إذنًا في التِقاطِه وأُبيحَ أخذُه، وكذلكَ دُخولُ الحَمَّامِ واستِعمالُ مائِه مِنْ غيرِ إذنٍ مُباحٌ بدَلالةِ الحالِ. قالَ الحَنفيةُ: مَنْ بَنى مَسجدًا لم يَزُلْ مِلكُه عنهُ حتى يَفرزَه عن مِلكِه بطَريقِه ويَأذنَ بالصَّلاةِ فيهِ، أمَّا الإفرازُ فلإنهُ لا يَخلُصُ للهِ إلا به؛ لأنه ما دامَ حقُّ العَبدِ مُتَعلِّقًا به لم يَتحرَّرْ للهِ، وأمَّا الصلاةُ فيهِ فلإنه يُشترطُ التَّسليمُ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، وتَسليمُه أنْ يَأذنَ للناسِ بالصلاةِ فيه، فيَكونُ ذلكَ بمَنزلةِ القَبضِ، فإذا صَلَّوا فيه فكأنهُم قَبضُوهُ. فإذا صَلَّى فيهِ واحِدٌ زالَ مِلكُه عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ فِعلَ كُلِّ الناسِ مُتعذِّرٌ، فيُشترطُ أدناهُ.

стр. 6511

وعنهما أنه يُشترطُ الصلاةُ بجَماعةٍ جَهرًا بأذانٍ وإقامةٍ، حتى لو كانَ سِرًّا بأنْ كانَ بلا أذانٍ ولا إقامةٍ لا يَصيرُ مَسجدًا، ولو جعَلَ له إمامًا ومُؤذِّنًا وهو رَجلٌ واحِدٌ فصَلَّى فيه بأذانٍ وإقامةٍ صارَ مَسجِدًا اتِّفاقًا؛ لأنَّ أداءَ الصلاةِ على هذا الوَجهِ كالجَماعةِ، ألَا تَرى أنَّ المُؤذِّنَ لو صَلَّى في المَسجدِ على هذه الهَيئةِ ليسَ لمَن يَجيءُ بعدَه أنْ يُصلِّيَ بالجَماعةِ في ذلكَ المَسجدِ، وهذه الرِّوايةُ هي الصَّحيحةُ؛ لأنَّ المَساجدَ تُبنَى لإقامةِ الصلَواتِ فيها بالجَماعةِ، فلا يَصيرُ مَسجِدًا قبلَ حُصولِ هذا المَقصودِ، ولو سلَّمَ المَسجدَ إلى مُتوَلٍّ نَصَبَه ليَقومَ بمصالِحِه فالأصَحُّ أنه يَجوزُ؛ لأنَّ المَسجدَ قدْ يَكونُ له خَادِمٌ يَكنُسُ ويُغلِقُ البابَ ونَحوهُ. وقالَ أبو يُوسفَ ﵀: يَزولُ مِلكُه بقَولِه: «جَعلتُه مَسجدًا»؛ لأنَّ التَّسليمَ عندَه ليسَ بشَرطٍ؛ لأنه إسقاطٌ لمِلكِ العَبدِ، فيَصيرُ خالِصًا للهِ بسُقوطِ حقِّ العَبدِ، وصارَ كالإعتاقِ. وإذا صارَ مَسجدًا على اختِلافِهم زالَ مِلكُه عنه وحَرُمَ بَيعُه، فلا يُورثُ، وليسَ له الرُّجوعُ فيهِ؛ لأنه صارَ للهِ بقَولِهِ تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، ولا رُجوعَ فيما صارَ للهِ تعالى كالصَّدقةِ. ومَن جعَلَ مَسجدًا تحتَه سِردابٌ أو فوقَه بَيتٌ وجعَلَ بابَه إلى الطَّريقِ وعزَلَه أو اتَّخَذَ وَسطَ دارِه مَسجِدًا وأَذِنَ للناسِ بالدُّخولِ فلهُ بَيعُه ويُورثُ عنه؛ لأنه لم يَخلُصْ للهِ؛ لبَقاءِ حقِّ العَبدِ فيه، والمَسجدُ لا يَكونُ إلا خالِصًا للهِ؛ لِما تَلَوْنا، ومع بَقاءِ حقِّ العَبدِ في أسفلِه أو في أعلاهُ أو في جَوانبِه مُحيطًا

стр. 6512

به لا يَتحقَّقُ الخُلوصُ كلُّه، أمَّا إذا كانَ السَّفَلُ مَسجدًا فلِأنَّ لصاحِبِ العُلوِّ حقًّا في السَّفَلِ، حتى لا يَكونُ لِصاحبِ السَّفَلِ أنْ يُحدِثَ فيهِ شَيئًا مِنْ غيرِ رِضا صاحبِ العُلوِّ، وأمَّا إذا جعَلَ العُلوَّ مَسجِدًا فلِأنَّ أرضَ العُلوِّ مِلكٌ لصاحِبِ السَّفلِ، وليس له مِنْ التَّصرفاتِ شيءٌ مِنْ غيرِ رِضا صاحِبِ السَّفلِ كالبِناءِ وغَيرِه، بخِلافِ مَسجدِ بَيتِ المَقدِسِ؛ فإنَّ السِّردابَ فيه ليسَ بمَملوكٍ لأحَدٍ، بل هو لمَصالِحِ المَسجدِ، حتى لو كانَ غيرُه مِثلَه نقولُ بأنه صارَ مَسجدًا. وأمَّا إذا اتَّخذَ وسطَ دارِه مَسجدًا فلِأنَّ مِلكَه مُحيطٌ بجَوانبِه، فكانَ له حقُّ المَنعِ مِنْ الدُّخولِ، والمَسجدُ مِنْ شَرطِهِ ألا يَكونَ لأحَدٍ فيهِ حقُّ المَنعِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]، ولأنه لم يَفرِزْه حينَ أبقَى الطريقَ لنَفسِه، فلم يَخلُصْ للهِ، حتى لو عزَلَ بابَه إلى الطريقِ الأعظَمِ صارَ مَسجدًا. ورَوى الحَسنُ عن أبي حَنيفةَ أنه أجازَ أنْ يَكونَ الأسفَلُ مَسجدًا والأعلى مِلكًا؛ لأنَّ الأسفَلَ أصلٌ وهوَ يَتأبَّدُ، ولم يجزْ عَكسهُ. وعن مُحمدٍ عَكسُه؛ لأنَّ المَسجدَ مُعظَّمٌ، ولا تَعظيمَ إذا كانَ فَوقَه مُستَعلٍ أو مَسكنٌ، بخِلافِ العَكسِ. وعن أبي يُوسفَ أنه أجازَ الوَجهَينِ حِينَ قَدِمَ بَغدادَ ورَأى ضِيقَ الأماكِنِ، ورُويَ عن مُحمدٍ مِثلُه حينَ قَدِمَ الرَّيَّ.

стр. 6513

وعن أبي يُوسفَ ومُحمدٍ أنه لو اتَّخذَ وَسطَ دارِه مَسجِدًا صارَ مَسجدًا وإنْ لم يَعزلْ بابَه إلى الطريقِ؛ لأنه لَمَّا رَضيَ بكونِه مَسجِدًا -ولا مَسجدَ إلا بطَريقٍ- دخَلَ فيه الطريقُ ضَرورةً كما يَدخلُ في الإجارةِ مِنْ غيرِ ذِكرٍ، باعتِبارِ أنه لا يُمكِنُه الانتِفاعُ إلا بالطريقِ، والانتِفاعُ هو المَقصودُ منها، ولو اتَّخَذَ أرضَه مَسجدًا ليسَ له الرُّجوعُ فيه ولا بَيعُه، وكذا لا يُورثُ عنه؛ لتَحرُّرِه للهِ تعالى، بخِلافِ الوَقفِ عندَ أبي حَنيفةَ حيثُ يَرجعُ فيهِ ما لم يَحكمْ به الحاكمُ، والفرقُ ما بَيَّناهُ، ولو خَرِبَ ما حولَ المَسجدِ واستُغنيَ عنه يَبقى مَسجدًا عندَ أبي يُوسفَ؛ لأنه إسقاطٌ لمِلكِه، فلا يَعودُ إلى مِلكِه كالإعتاقِ، ألَا تَرى أنَّ المَسجدَ الحَرامَ استَغنَى عنه أهلُه في زمَنِ الفَترةِ ولم يَعُدْ إلى وَرثةِ الباني؟ وعندَ مُحمدٍ ﵀ يَعودُ إلى مِلكِه أو إلى وَرثتِه بعدَ مَوتِه؛ لأنه عيَّنَه لجِهةٍ وقد انقَطعَتْ، كالكَفنِ إذا خرَجَ يَرجعُ إلى مالِكِه، وعلى هذا حَصيرُ المَسجدِ وحَشيشُه إذا استُغنيَ عنهُما يَرجعُ إلى مالِكِه عندَ مُحمدٍ، وعندَ أبي يُوسفَ يَنتقلُ إلى مَسجدٍ آخَرَ، وعلى هذا الخِلافِ الرِّباطُ والبِئرُ إذا لم يُنتفعْ بهما. قالوا: ومَن بَنى سِقايةً أو خانًا أو رِباطًا أو مَقبرةً لم يَزُلْ مِلكُه عنهُ حتى يَحكمَ به حاكمٌ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَ أبي يُوسفَ يَزولُ مِلكُه بالقَولِ، وعندَ مُحمدٍ ﵀ إذا استَقَى الناسُ مِنْ السِّقايةِ وسَكَنوا الخانَ والرِّباطَ ودُفِنوا في المَقبرةِ زالَ المِلكُ، فكلُّ واحِدٍ مِنهم بَنى على أصلِه مِنْ اشتِراطِ حُكمِ الحاكمِ أو التَّسليمِ أو مُجرَّدِ القَولِ.

стр. 6514

ولو سلَّمَ إلى المُتولِّي صَحَّ التَّسليمُ على قَولِ مَنْ يَرى أنه شَرطٌ، ولو جعَلَ أرضَه طَريقًا فهو على هذا الخِلافِ، ثمَّ لا فرْقَ في الانتِفاعِ بمِثلِ هذه الأشياءِ بينَ الغنيِّ والفَقيرِ، حتى جازَ للكُلِّ النُّزولُ في الخانِ والرِّباطِ والشُّربُ مِنْ السِّقايةِ والدَّفنُ في المَقبرةِ، بخِلافِ الغلَّةِ حَيثُ لا تَجوزُ إلا للفُقراءِ؛ لأنَّ الغَنيَّ مُستَغنٍ بمالِه عن الصَّدقةِ ولا يَستغني عمَّا ذكَرْنا عادةً وهي الفارِقةُ؛ لأنه لا يُمكِنُه أنْ يَستصحِبَ هذه الأشياءَ عادةً، فكانَ مُحتاجًا إليها كالفَقيرِ، ولا حاجةَ إلى الغلَّةِ؛ لاستِغنائِه عنها بمالِهِ، وعلى هذا الوَقف، حتى لو وقَفَ أرضًا ليَصرِفَ غلَّتَها إلى الحاجِّ أو إلى الغُزاةِ أو طَلبةِ العِلمِ لا يُصرَفُ إلى الغَنيِّ مِنهم. وعلى هذا لو جعَلَ دارَه مَسكنًا لأبناءِ السَّبيلِ في أيِّ بَلدٍ كانَ يَستَوي فيهِ الغَنيُّ والفَقيرُ؛ لِما ذكَرْنا مِنْ الفَرقِ، ورُويَ في الخبَرِ عن عُثمانَ «أنَّ النبيَّ ﷺ دخَلَ المَدينةَ وليسَ بها ماءٌ يُستعذَبُ غيرَ بئرِ رُومةَ، فقال: مَنْ يَشتري بِئرَ رُومةَ فيَجعلُ فيها دَلوَه مع دِلاءِ المُسلمينَ بخيرٍ له منها في الجَنةِ؟ فاشتَرَيتُها مِنْ صُلبِ مالِي» (١)، فإذا جازَ للواقِفِ أنْ يَشربَ منهُ فَما ظَنُّكَ بغَيرِه مِنْ الأغنياءِ؟! (٢).

стр. 6515

وقالَ المالِكيةُ: يَصحُّ الوَقفُ بقولِه: «حَبَّستُ، ووقَفْتُ» أو ما يَقومُ مَقامَهما، كالتَّخليةِ بينَ مَسجدٍ وبينَ الناسِ، وإنْ لم يَخُصَّ قَومًا دونَ قَومٍ، ولا فَرضًا دونَ نَفلٍ، فإذا بَنى مَسجدًا وأَذِنَ فيه للناسِ فذلكَ كالتَّصريحِ بأنه وَقفٌ وإنْ لم يَخُصَّ زَمانًا ولا قَومًا ولا قيَّدَ الصلاةَ بكَونِها فَرضًا أو نَفلًا، فلا يَحتاجُ لشَيءٍ مِنْ ذلكَ، وَيُحكَمُ بوَقفيَّتِه (١). وقالَ الحَنابلةُ: يَصحُّ الوَقفُ بقَولٍ وبفِعلِ شيءٍ دالٍّ على الوَقفِ عُرفًا كالقَولِ؛ لاشتِراكِهما في الدَّلالةِ عليه، وذلكَ مثلَ أنْ يَجعلَ أرضَه مَقبرةً ويَأذنَ في الدَّفنِ فيها إذنًا عامًّا؛ لأنَّ الإذنَ الخاصَّ قد يَقعُ على غيرِ المَوقوفِ، فلا يُفيدُ دَلالةَ الوَقفِ، أو يَبنيَ بُنيانًا على هَيئةِ مَسجدٍ ويَأذنَ للناسِ في الصلاةِ فيه إذنًا عامًّا ولو بفَتحِ الأبوابِ أو التَّأذينِ أو كِتابةِ لَوحٍ بالإذنِ أو الوَقفِ، أو أذَّنَ أو أقامَ فيما بَناهُ على هَيئةِ المَسجدِ بنَفسِه أو بمَن نصَبَه لذلكَ؛ لأنَّ الأذانَ والإقامةَ فيهِ كالإذنِ العامِّ في الصلاةِ فيهِ، قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: ولو نَوَى خِلافَه -أي أنَّ نِيتَه خِلافُ ما دلَّ عليه الفِعلُ- لا أثَرَ لها. وكذا لو أدخَلَ بَيتًا في المَسجدِ وأذَّنَ فيه، أو بَنى بَيتًا لقَضاءِ حاجةِ الإنسانِ -أي البَولِ والغائِطِ والتَّطهيرِ- ويَفتحُ بابَه إلى الطريقِ للناسِ، أو
следующие страницы →