← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

وعنهما أنه يُشترطُ الصلاةُ بجَماعةٍ جَهرًا بأذانٍ وإقامةٍ، حتى لو كانَ سِرًّا بأنْ كانَ بلا أذانٍ ولا إقامةٍ لا يَصيرُ مَسجدًا، ولو جعَلَ له إمامًا ومُؤذِّنًا وهو رَجلٌ واحِدٌ فصَلَّى فيه بأذانٍ وإقامةٍ صارَ مَسجِدًا اتِّفاقًا؛ لأنَّ أداءَ الصلاةِ على هذا الوَجهِ كالجَماعةِ، ألَا تَرى أنَّ المُؤذِّنَ لو صَلَّى في المَسجدِ على هذه الهَيئةِ ليسَ لمَن يَجيءُ بعدَه أنْ يُصلِّيَ بالجَماعةِ في ذلكَ المَسجدِ، وهذه الرِّوايةُ هي الصَّحيحةُ؛ لأنَّ المَساجدَ تُبنَى لإقامةِ الصلَواتِ فيها بالجَماعةِ، فلا يَصيرُ مَسجِدًا قبلَ حُصولِ هذا المَقصودِ، ولو سلَّمَ المَسجدَ إلى مُتوَلٍّ نَصَبَه ليَقومَ بمصالِحِه فالأصَحُّ أنه يَجوزُ؛ لأنَّ المَسجدَ قدْ يَكونُ له خَادِمٌ يَكنُسُ ويُغلِقُ البابَ ونَحوهُ. وقالَ أبو يُوسفَ ﵀: يَزولُ مِلكُه بقَولِه: «جَعلتُه مَسجدًا»؛ لأنَّ التَّسليمَ عندَه ليسَ بشَرطٍ؛ لأنه إسقاطٌ لمِلكِ العَبدِ، فيَصيرُ خالِصًا للهِ بسُقوطِ حقِّ العَبدِ، وصارَ كالإعتاقِ. وإذا صارَ مَسجدًا على اختِلافِهم زالَ مِلكُه عنه وحَرُمَ بَيعُه، فلا يُورثُ، وليسَ له الرُّجوعُ فيهِ؛ لأنه صارَ للهِ بقَولِهِ تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، ولا رُجوعَ فيما صارَ للهِ تعالى كالصَّدقةِ. ومَن جعَلَ مَسجدًا تحتَه سِردابٌ أو فوقَه بَيتٌ وجعَلَ بابَه إلى الطَّريقِ وعزَلَه أو اتَّخَذَ وَسطَ دارِه مَسجِدًا وأَذِنَ للناسِ بالدُّخولِ فلهُ بَيعُه ويُورثُ عنه؛ لأنه لم يَخلُصْ للهِ؛ لبَقاءِ حقِّ العَبدِ فيه، والمَسجدُ لا يَكونُ إلا خالِصًا للهِ؛ لِما تَلَوْنا، ومع بَقاءِ حقِّ العَبدِ في أسفلِه أو في أعلاهُ أو في جَوانبِه مُحيطًا

стр. 6512

به لا يَتحقَّقُ الخُلوصُ كلُّه، أمَّا إذا كانَ السَّفَلُ مَسجدًا فلِأنَّ لصاحِبِ العُلوِّ حقًّا في السَّفَلِ، حتى لا يَكونُ لِصاحبِ السَّفَلِ أنْ يُحدِثَ فيهِ شَيئًا مِنْ غيرِ رِضا صاحبِ العُلوِّ، وأمَّا إذا جعَلَ العُلوَّ مَسجِدًا فلِأنَّ أرضَ العُلوِّ مِلكٌ لصاحِبِ السَّفلِ، وليس له مِنْ التَّصرفاتِ شيءٌ مِنْ غيرِ رِضا صاحِبِ السَّفلِ كالبِناءِ وغَيرِه، بخِلافِ مَسجدِ بَيتِ المَقدِسِ؛ فإنَّ السِّردابَ فيه ليسَ بمَملوكٍ لأحَدٍ، بل هو لمَصالِحِ المَسجدِ، حتى لو كانَ غيرُه مِثلَه نقولُ بأنه صارَ مَسجدًا. وأمَّا إذا اتَّخذَ وسطَ دارِه مَسجدًا فلِأنَّ مِلكَه مُحيطٌ بجَوانبِه، فكانَ له حقُّ المَنعِ مِنْ الدُّخولِ، والمَسجدُ مِنْ شَرطِهِ ألا يَكونَ لأحَدٍ فيهِ حقُّ المَنعِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]، ولأنه لم يَفرِزْه حينَ أبقَى الطريقَ لنَفسِه، فلم يَخلُصْ للهِ، حتى لو عزَلَ بابَه إلى الطريقِ الأعظَمِ صارَ مَسجدًا. ورَوى الحَسنُ عن أبي حَنيفةَ أنه أجازَ أنْ يَكونَ الأسفَلُ مَسجدًا والأعلى مِلكًا؛ لأنَّ الأسفَلَ أصلٌ وهوَ يَتأبَّدُ، ولم يجزْ عَكسهُ. وعن مُحمدٍ عَكسُه؛ لأنَّ المَسجدَ مُعظَّمٌ، ولا تَعظيمَ إذا كانَ فَوقَه مُستَعلٍ أو مَسكنٌ، بخِلافِ العَكسِ. وعن أبي يُوسفَ أنه أجازَ الوَجهَينِ حِينَ قَدِمَ بَغدادَ ورَأى ضِيقَ الأماكِنِ، ورُويَ عن مُحمدٍ مِثلُه حينَ قَدِمَ الرَّيَّ.

стр. 6513

وعن أبي يُوسفَ ومُحمدٍ أنه لو اتَّخذَ وَسطَ دارِه مَسجِدًا صارَ مَسجدًا وإنْ لم يَعزلْ بابَه إلى الطريقِ؛ لأنه لَمَّا رَضيَ بكونِه مَسجِدًا -ولا مَسجدَ إلا بطَريقٍ- دخَلَ فيه الطريقُ ضَرورةً كما يَدخلُ في الإجارةِ مِنْ غيرِ ذِكرٍ، باعتِبارِ أنه لا يُمكِنُه الانتِفاعُ إلا بالطريقِ، والانتِفاعُ هو المَقصودُ منها، ولو اتَّخَذَ أرضَه مَسجدًا ليسَ له الرُّجوعُ فيه ولا بَيعُه، وكذا لا يُورثُ عنه؛ لتَحرُّرِه للهِ تعالى، بخِلافِ الوَقفِ عندَ أبي حَنيفةَ حيثُ يَرجعُ فيهِ ما لم يَحكمْ به الحاكمُ، والفرقُ ما بَيَّناهُ، ولو خَرِبَ ما حولَ المَسجدِ واستُغنيَ عنه يَبقى مَسجدًا عندَ أبي يُوسفَ؛ لأنه إسقاطٌ لمِلكِه، فلا يَعودُ إلى مِلكِه كالإعتاقِ، ألَا تَرى أنَّ المَسجدَ الحَرامَ استَغنَى عنه أهلُه في زمَنِ الفَترةِ ولم يَعُدْ إلى وَرثةِ الباني؟ وعندَ مُحمدٍ ﵀ يَعودُ إلى مِلكِه أو إلى وَرثتِه بعدَ مَوتِه؛ لأنه عيَّنَه لجِهةٍ وقد انقَطعَتْ، كالكَفنِ إذا خرَجَ يَرجعُ إلى مالِكِه، وعلى هذا حَصيرُ المَسجدِ وحَشيشُه إذا استُغنيَ عنهُما يَرجعُ إلى مالِكِه عندَ مُحمدٍ، وعندَ أبي يُوسفَ يَنتقلُ إلى مَسجدٍ آخَرَ، وعلى هذا الخِلافِ الرِّباطُ والبِئرُ إذا لم يُنتفعْ بهما. قالوا: ومَن بَنى سِقايةً أو خانًا أو رِباطًا أو مَقبرةً لم يَزُلْ مِلكُه عنهُ حتى يَحكمَ به حاكمٌ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَ أبي يُوسفَ يَزولُ مِلكُه بالقَولِ، وعندَ مُحمدٍ ﵀ إذا استَقَى الناسُ مِنْ السِّقايةِ وسَكَنوا الخانَ والرِّباطَ ودُفِنوا في المَقبرةِ زالَ المِلكُ، فكلُّ واحِدٍ مِنهم بَنى على أصلِه مِنْ اشتِراطِ حُكمِ الحاكمِ أو التَّسليمِ أو مُجرَّدِ القَولِ.

стр. 6514

ولو سلَّمَ إلى المُتولِّي صَحَّ التَّسليمُ على قَولِ مَنْ يَرى أنه شَرطٌ، ولو جعَلَ أرضَه طَريقًا فهو على هذا الخِلافِ، ثمَّ لا فرْقَ في الانتِفاعِ بمِثلِ هذه الأشياءِ بينَ الغنيِّ والفَقيرِ، حتى جازَ للكُلِّ النُّزولُ في الخانِ والرِّباطِ والشُّربُ مِنْ السِّقايةِ والدَّفنُ في المَقبرةِ، بخِلافِ الغلَّةِ حَيثُ لا تَجوزُ إلا للفُقراءِ؛ لأنَّ الغَنيَّ مُستَغنٍ بمالِه عن الصَّدقةِ ولا يَستغني عمَّا ذكَرْنا عادةً وهي الفارِقةُ؛ لأنه لا يُمكِنُه أنْ يَستصحِبَ هذه الأشياءَ عادةً، فكانَ مُحتاجًا إليها كالفَقيرِ، ولا حاجةَ إلى الغلَّةِ؛ لاستِغنائِه عنها بمالِهِ، وعلى هذا الوَقف، حتى لو وقَفَ أرضًا ليَصرِفَ غلَّتَها إلى الحاجِّ أو إلى الغُزاةِ أو طَلبةِ العِلمِ لا يُصرَفُ إلى الغَنيِّ مِنهم. وعلى هذا لو جعَلَ دارَه مَسكنًا لأبناءِ السَّبيلِ في أيِّ بَلدٍ كانَ يَستَوي فيهِ الغَنيُّ والفَقيرُ؛ لِما ذكَرْنا مِنْ الفَرقِ، ورُويَ في الخبَرِ عن عُثمانَ «أنَّ النبيَّ ﷺ دخَلَ المَدينةَ وليسَ بها ماءٌ يُستعذَبُ غيرَ بئرِ رُومةَ، فقال: مَنْ يَشتري بِئرَ رُومةَ فيَجعلُ فيها دَلوَه مع دِلاءِ المُسلمينَ بخيرٍ له منها في الجَنةِ؟ فاشتَرَيتُها مِنْ صُلبِ مالِي» (١)، فإذا جازَ للواقِفِ أنْ يَشربَ منهُ فَما ظَنُّكَ بغَيرِه مِنْ الأغنياءِ؟! (٢).

стр. 6515

وقالَ المالِكيةُ: يَصحُّ الوَقفُ بقولِه: «حَبَّستُ، ووقَفْتُ» أو ما يَقومُ مَقامَهما، كالتَّخليةِ بينَ مَسجدٍ وبينَ الناسِ، وإنْ لم يَخُصَّ قَومًا دونَ قَومٍ، ولا فَرضًا دونَ نَفلٍ، فإذا بَنى مَسجدًا وأَذِنَ فيه للناسِ فذلكَ كالتَّصريحِ بأنه وَقفٌ وإنْ لم يَخُصَّ زَمانًا ولا قَومًا ولا قيَّدَ الصلاةَ بكَونِها فَرضًا أو نَفلًا، فلا يَحتاجُ لشَيءٍ مِنْ ذلكَ، وَيُحكَمُ بوَقفيَّتِه (١). وقالَ الحَنابلةُ: يَصحُّ الوَقفُ بقَولٍ وبفِعلِ شيءٍ دالٍّ على الوَقفِ عُرفًا كالقَولِ؛ لاشتِراكِهما في الدَّلالةِ عليه، وذلكَ مثلَ أنْ يَجعلَ أرضَه مَقبرةً ويَأذنَ في الدَّفنِ فيها إذنًا عامًّا؛ لأنَّ الإذنَ الخاصَّ قد يَقعُ على غيرِ المَوقوفِ، فلا يُفيدُ دَلالةَ الوَقفِ، أو يَبنيَ بُنيانًا على هَيئةِ مَسجدٍ ويَأذنَ للناسِ في الصلاةِ فيه إذنًا عامًّا ولو بفَتحِ الأبوابِ أو التَّأذينِ أو كِتابةِ لَوحٍ بالإذنِ أو الوَقفِ، أو أذَّنَ أو أقامَ فيما بَناهُ على هَيئةِ المَسجدِ بنَفسِه أو بمَن نصَبَه لذلكَ؛ لأنَّ الأذانَ والإقامةَ فيهِ كالإذنِ العامِّ في الصلاةِ فيهِ، قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: ولو نَوَى خِلافَه -أي أنَّ نِيتَه خِلافُ ما دلَّ عليه الفِعلُ- لا أثَرَ لها. وكذا لو أدخَلَ بَيتًا في المَسجدِ وأذَّنَ فيه، أو بَنى بَيتًا لقَضاءِ حاجةِ الإنسانِ -أي البَولِ والغائِطِ والتَّطهيرِ- ويَفتحُ بابَه إلى الطريقِ للناسِ، أو

стр. 6516

يَملأُ خَابيةً أو نحوَها ماءً على الطريقِ أو في مَسجدِه ونَحوِه؛ لدَلالةِ الحالِ على تَسبيلِه. ولو جعَلَ سَفَلَ بَيتِه مَسجدًا وانتَفعَ بعُلوِّ البَيتِ صَحَّ، أو عكسُه بأنْ جعَلَ عُلوَّ بَيتِه مَسجدًا وانتَفعَ بسَفلِه صَحَّ، أو جعَلَ وسطَ البَيتِ مَسجدًا وانتَفعَ بعُلوِّه وسَفلِه ولو لم يَذكرِ استِطراقًا إلى ما جعَلَه مَسجدًا صَحَّ الوَقفُ ويستَطْرقُ إليه، كما لو باعَ بَيتًا مِنْ دارِه أو أجَّرَ بَيتًا مِنْ دارِه ولم يَذكُرْ له استِطراقًا، فإنه يَصحُّ البَيعُ والإجارةُ ويستَطْرقُ إليه على العادةِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ تُحكَى عنهُ إلى أنه لا يَصيرُ وَقفًا إلا بالقَولِ. ولا يَحصلُ الوَقفُ بالفعلِ؛ لأنَّ هذا تَحبيسُ أصلٍ على وَجهِ القُربةِ، فوجَبَ ألا يَصحَّ بدُونِ اللَّفظِ كالوَقفِ على الفُقراءِ والمَساكينِ، فعلَى هذا إنْ بَنى مَسجدًا وأَذِنَ للناسِ في الصلاةِ فيهِ أو أَذِنَ للناسِ في الدَّفنِ في أرضِه لم يَصيرَا بذلكَ وَقفًا. قالَ الشافِعيةُ في المَذهبِ: لا يَصحُّ الوَقفُ مِنْ النَّاطقِ الذي لا يُحسِنُ الكِتابةَ إلا بلَفظٍ يُشعِرُ بالمُرادِ كالعِتقِ؛ لأنه تَمليكٌ للعَينِ والمَنفعةِ أو

стр. 6517

المَنفعةِ، فأشبَهَ سائرَ التَّمليكاتِ، ويُخالِفُ البَيعَ حيثُ انعَقدَ بالمُعاطاةِ على وَجهٍ؛ لأنَّ البَيعَ كانَ في الجاهِليةِ والشَّرعُ ورَدَ بإباحتِه، فجَرى عليه، والوَقفُ لم يُعهدْ، فاتُّبعَ فيهِ ما ورَدَ به الشَّرعُ. إلا إذا بَنى مَسجدًا في المَواتِ قاصِدًا به ذلكَ فإنه يَصيرُ مَسجدًا، ويَقومُ الفِعلُ مع النِّيةِ مَقامَ اللَّفظِ، ويَزولُ مِلكُه عن الآلَةِ بعدَ استِقرارِها في مَوضعِها. وعُلِمَ مِنْ هذا أنه لو بَنى مَسجدًا وأَذِنَ في الصلاةِ فيه لم يَصِرْ مَسجدًا، وكذا لو أَذِنَ في الدَّفنِ في مِلكِه لم يَصِرْ مَقبرةً. وإذا رَأيْنا مَسجدًا يُصلِّي الناسُ فيه فيَستمِرُّ حُكمُه ولا يُغيَّرُ، لأنه في أيدي المُسمَّينَ لذلكَ. هذا كلُّه في النَّاطقِ، أمَّا الأخرَسُ فيَصحُّ بإشارَتِه المُفهِمةِ كغَيرِه مِنْ التَّبرعاتِ، وأمَّا الكاتِبُ فيَصحُّ بكتابَتِه مع النِّيةِ (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ظاهِرُ مَذهبِ أحمَدَ أنَّ الوَقفَ يَحصلُ بالفِعلِ مع القَرائنِ الدالَّةِ عليه، مِثلَ أنْ يَبنيَ مَسجدًا ويَأذنَ للناسِ في الصلاةِ فيه، أو مَقبرةً ويَأذنَ في الدَّفنِ فيها، أو سِقايةً ويَأذنَ في دُخولِها، فإنه قالَ في رِوايةِ أبي

стр. 6518

داودَ وأبي طالبٍ فيمَن أدخَلَ بَيتًا في المَسجدِ وأَذِنَ فيه: لم يَرجعْ فيه، وكذلكَ إذا اتَّخذَ المَقابرَ وأَذِنَ للناسِ والسِّقايةَ فليسَ له الرُّجوعُ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ. وذكرَ القاضي فيه رِوايةً أُخرى: أنه لا يَصيرُ وَقفًا إلا بالقَولِ، وهذا مَذهَبُ الشافِعيِّ، وأخَذَه القاضي مِنْ قَولِ أحمَدَ إذ سَألَه الأثرمُ عن رَجلٍ أحاطَ حائِطًا على أرضٍ ليَجعلَها مَقبرةً ونَوى بقلبِه، ثمَّ بَدا له العَودُ، فقالَ: إنْ كانَ جعَلَها للهِ فلا يَرجعُ، وهذا لا يُنافي الرِّوايةَ الأُولى؛ فإنه أرادَ بقَولِهِ: «إنْ كانَ جعَلَها للهِ» أي: نَوى بتَحويطِها جعْلَها للهِ، فهذا تأكيدٌ للرِّوايةِ الأُولى وزيادةٌ عليها؛ إذ منَعَه مِنْ الرُّجوعِ بمُجرَّدِ التَّحويطِ مع النِّيةِ، وإنْ أرادَ بقَولِه: «جعَلَها للهِ» أي: اقتَرنَتْ بفِعلِه قَرائنُ دالَّةٌ على إرادةِ ذلكَ مِنْ إذنِه للناسِ في الدَّفنِ فيها، فهي الرِّوايةُ الأُولى بعَينِها، وإنْ أرادَ وَقفًا بلِسانه فيَدلُّ بمَفهومِه على أنَّ الوَقفَ لا يَحصلُ بمُجرَّدِ التَّحويطِ والنِّيةِ، وهذا لا يُنافي الرِّوايةَ الأولى؛ لأنه في الأولى انضَمَّ إلى فِعلِه إذنُه للناسِ في الدَّفنِ، ولم يُوجَدْ هاهنا، فلا تَنافِيَ بينَهُما، ثمَّ لم يُعلَمْ مُرادُه مِنْ هذه الاحتِمالاتِ، فانتَفَتْ هذه الرِّوايةُ وصارَ المَذهبُ رِوايةً واحِدةً، واللهُ أعلَمُ. واحتَجُّوا بأنَّ هذا تَحبيسُ أصلٍ على وَجهِ القُربةِ، فوجَبَ ألا يَصحَّ بدونِ اللَّفظِ كالوَقفِ على الفُقراءِ. ولنا: إنَّ العُرفَ جارٍ بذلكَ، وفيهِ دَلالةٌ على الوَقفِ، فَجازَ أنْ يَثبتَ به كالقَولِ، وجرَى مَجرى مَنْ قدَّمَ إلى ضَيفِه طعامًا كانَ إذنًا في أَكلِه، ومَن مَلأَ

стр. 6519

خابِيةَ ماءٍ على الطريقِ كانَ تَسبيلًا له، ومَن نثَرَ على الناسِ نِثارًا كانَ إذنًا في التِقاطِه وأُبيحَ أخذُه، وكذلكَ دُخولُ الحَمَّامِ واستِعمالُ مائِه مِنْ غيرِ إذنٍ مُباحٌ بدَلالةِ الحالِ، وقد قدَّمْنا في البَيعِ أنه يَصحُّ بالمُعاطاةِ مِنْ غيرِ لَفظٍ، وكذلكَ الهِبةُ والهَديَّةُ؛ لدَلالةِ الحالِ، فكذلكَ هَاهُنا. وأمَّا الوَقفُ على المَساكينِ فلمْ تَجْرِ به عادةٌ بغَيرِ لَفظٍ، ولو كانَ شيءٌ جَرَتْ به العادةُ أو دَلَّتْ الحالُ عليه كانَ كمَسألتِنا، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 6520

ثَانِيًا: القَبولُ: الوَقفُ له حَالَتانِ: إمَّا أنْ يَكونَ على جِهةٍ لا يُتصوَّرُ منها القَبولُ كالمَساجدِ والقَناطرِ، أو جِهةٍ غيرِ مَحصورةٍ كالفُقراءِ والمَساكينِ. وإمَّا أنْ يَكونَ المَوقوفُ عليه مُعيَّنًا كزَيدٍ مثلًا، أو جَمعًا مَحصورًا. الحالَةُ الأُولى: أنْ يَكونَ على جِهةٍ لا يُتصوَّرُ منها القَبولُ كالمَساجدِ والقَناطِرِ، أو جِهةٍ غيرِ مَحصورةٍ كالفُقراءِ والمَساكينِ، فهذا لا يُشترطُ فيهِ القَبولُ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في المذهبِ لتَعذُّرِ ذلكَ مِنْ المَساجدِ ونَحوِها، ولأنه لو اشتُرطَ قَبولُ مُستحِقِّه لَمَا صَحَّ على المَساجدِ والفُقراءِ ونَحوِهم. وذكرَ النَّاظِمُ مِنْ الحَنابلةِ احتِمالًا: أنَّ نائِبَ الإمامِ يَقبلُه (١). الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَكونَ المَوقوفُ عليه مُعيَّنًا كزَيدٍ مثلًا أو جَمعًا مَحصورًا، فقد اختَلفَ الفُقهاءُ في المَوقوفِ عليه في هذه الحالَةِ، هل يُشترطُ قَبولُه أم لا؟

стр. 6521

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه يُشترطُ قَبولُه؛ لأنه تَبَرُّعٌ لآدَميٍّ مُعيَّنٍ، فكانَ مِنْ شَرطِه القَبولُ كالهِبةِ والوصِيةِ، يُحقِّقُه أنَّ الوَصيةَ إذا كانَتْ لآدَميٍّ مُعيَّنٍ وُقفَتْ على قَبولِه، وإنْ كانَتْ لغيرِ مُعيَّنٍ كالمَساكينِ أو لمَسجدٍ أو نَحوِه لم تَفتقرْ إلى قَبولٍ، كذا هاهُنا. قالَ الحَنفيةُ: لا يُشترطُ قَبولُ المَوقوفِ عليهِ لو غيرَ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ، فلو لشَخصٍ بعَينِه وآخِرُه للفُقراءِ اشتُرطَ قَبولُه في حقِّه، فإنْ قَبِلَه فالغلَّةُ له، وإنْ رَدَّه فللفُقراءِ، ومَن قَبِلَ ليسَ له الرَّدُّ بعدَه، ومَن رَدَّه أوَّلَ الأمرِ ليسَ له القَبولُ بعدَه (١). قالَ المالِكيةُ: الوقفُ إذا كانَ على غيرِ مُعيَّنينَ كالفُقراءِ والمَساجدِ وما أشبَهَ ذلكَ فإنه لا يُشترطُ قَبولُه؛ لتَعذُّرِ ذلكَ مِنْ المَساجدِ ونحوِها، ولأنه لو اشتُرطَ قَبولُ مُستحِقِّه لَمَا صَحَّ على المَساجدِ والفُقراءِ ونحوِهم. وأمَّا لو كانَ الوقفُ على مُعيَّنٍ كزَيدٍ مثلًا وهو أهلٌ للرَّدِّ والقَبولِ فإنه يُشترطُ في صحَّةِ الوَقفِ عليه قَبولُه، فإنْ لم يَكنْ أهلًا لذلكَ كالمَجنونِ والصغيرِ فإنَّ وَليَّه يَقبلُ له، فإنْ لم يَكنْ له وَليٌّ أُقيمَ له مَنْ يَقبلُ عنهُ كما في الهِبةِ. فإنْ رَدَّ المَوقوفُ عليه المُعيَّنُ ما وقَفَه الغَيرُ عليه في حَياةِ الواقفِ أو بعدَ

стр. 6522

مَوتِه فإنَّ الوَقفَ يَرجعُ حَبسًا للفُقراءِ والمَساكينِ يُفرَّقُ عليهم رِيعُه بالاجتِهادِ، وفي قَولٍ: يَرجعُ مِلكًا للمُحبِّسِ الواقفِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: إذا كانَ الوَقفُ على جِهةٍ كالفُقراءِ وعلى المَساجدِ والرِّباطِ لم يُشترطِ القَبولُ جَزمًا؛ لعدمِ الإمكانِ، ولا يَكونُ الحاكِمُ نائِبًا عنهُم في القَبولِ. ولو قالَ: «جَعلْتُ هذا للمَسجدِ» فهو تَمليكٌ لا وَقفٌ، فيُشترطُ قَبولُ القَيِّمِ وقَبضُه كما لو وهَبَ شَيئًا لصَبيٍّ. وإنْ كانَ الوَقفُ على شَخصٍ كزَيدٍ أو جَماعةٍ مُعيَّنينَ فوَجهانِ: أصَحُّهما: أنه يُشترطُ فيه القَبولُ؛ لأنه يَبعدُ دُخولُ عَينٍ أو مَنفعةٍ في مِلكِ شَخصٍ مِنْ غيرِ رِضاهُ، ويَكونُ القَبولُ مُتصِلًا بالإيجابِ إنْ كانَ مِنْ أهلِ القَبولِ، وإلا فقَبولُ وَليِّه كالهِبةِ والوَصيةِ. والوَجهُ الثاني: أنه لا يُشترطُ القَبولُ كالعِتقِ. ولو رَدَّ المَوقوفُ عليه المُعيَّنُ العينَ المَوقوفةَ بطَلَ حقُّه، سَواءٌ شرَطْنا القَبولَ مِنْ المُعيَّنِ أم لا، كالوَصيةِ والوَكالةِ، ولو رجَعَ بعدَ الرَّدِّ لم يَعُدْ له، ولا يُشترطُ القَبضُ على المَشهورِ، والثَّاني: لا يَتمُّ إلا بالقَبضِ كالهِبةِ (٢).

стр. 6523

وقالَ الحَنابلةُ في هذه الرِّوايةِ: أنه يُشترطُ قَبولُه؛ لأنه تَبَرُّعٌ لآدَميٍّ مُعيَّنٍ، فكانَ مِنْ شَرطِه القَبولُ كالهِبةِ والوَصيةِ، يُحقِّقُه أنَّ الوَصيةَ إذا كانَتْ لآدَميٍّ مُعيَّنٍ وُقِفتْ على قَبولِه، وإنْ كانَتْ لغيرِ مُعيَّنٍ كالمَساكينِ أو لمَسجدٍ أو نَحوِه لم تَفتقرْ إلى قَبولٍ، كذا هاهُنا. فعَلى هذا إنْ رَدَّه بطَلَ في حقِّهِ دونَ مَنْ بعدَه، وصارَ كالوَقفِ المُنقطعِ الابتِداءِ يُخرَّجُ في صحَّتِه في حقِّ مَنْ سِواه وبُطلانِه وَجهانِ؛ بِناءً على تَفريقِ الصَّفقةِ … قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنَّ قُلنا بصِحَّتِه فهلْ يَنتقلُ مِنْ الحالِ إلى مَنْ بعدَه؟ أو يُصرَفُ في الحالِ إلى مَصرِفٍ في الوَقفِ المُنقطِعِ إلى أنْ يَموتَ الذي رَدَّه ثمَّ يَنتقلُ إلى مَنْ بعدَه؟ على وَجهينِ (١). وقالَ المِرداويُّ ﵀: وعلى القَولِ بالاشتِراطِ قالَ الحارِثيُّ: يُشترطُ اتِّصالُ القَبولِ بالإيجابِ، فإنْ تَراخى عنه بطَلَ كما يَبطلُ في البَيعِ والهبةِ، وعلَّلَه ثمَّ قالَ: وإذا عُلِمَ هذا فيَتفرَّعُ عليه عَدمُ اشتِراطِ القَبولِ مِنْ المُستحِقِّ الثاني والثالثِ ومَن بعدُ؛ لتَراخِي استِحقاقهم عن الإيجابِ، ذكَرَه بَعضُ الأصحابِ. قالَ: وهذا يُشكِلُ بقَبولِ الوَصيةِ مُتراخِيًا عن الإيجابِ. انتهى

стр. 6524

وقالَ الشيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀: إذا اشتُرطَ القَبولُ على المُعيَّنِ فلا يَنبغي أنْ يُشترطَ المَجلسُ، بل يُلحَقُ بالوَصيةِ والوَكالةِ، فيَصحُّ مُعجَّلًا ومُؤجَّلًا بالقَولِ والفِعلِ، فأخذُ ريعِه قَبولٌ. وقطَعَ واختارَ في القاعِدةِ الخامِسةِ والخَمسينَ أنَّ تَصرُّفَ المَوقوفِ عليهِ المُعيَّنِ يَقومُ مَقامَ القَبولِ بالقَولِ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَقف إذا كانَ على غيرِ مُعيَّنٍ كالمَساكينِ والغُزاةِ والعُلماءِ، أو كانَ الوَقفُ على مَنْ لا يُتصوَّرُ منه القَبولُ كالمَساجدِ والقَناطرِ لم يَفتقِرِ الوَقفُ إلى القَبولِ مِنْ ناظرِها -أي المَساجدِ ونحوِها- ولا إلى القَبولِ مِنْ غيرِه كنائِبِ الإمامِ؛ لأنه لو اشتُرطَ لامتَنعَ صِحةُ الوَقفِ عليها. وكذا إنْ كانَ الوَقفُ على آدَميٍّ مُعيَّنٍ كزَيدٍ فلا يَفتقرُ إلى قَبولِه على الصَّحيحِ مِنْ المذهبِ؛ لأنه إزالةُ مِلكٍ يَمنعُ البَيعَ، فلم يُعتبَرْ فيهِ القَبولُ كالعِتقِ، ولأنه أحَدُ نَوعَي الوَقفِ، فلم يُشترطْ له القَبولُ كالنَّوعِ الآخَرِ. فعلى هذا لا يَبطلُ بالرَّدِّ كالعِتقِ، فرَدُّه وقَبولُه وعَدمُهما سَواءٌ في الحُكمِ. قالَ في «الإنصَاف»: وقالَ أبو المَعالي في «النِّهايَة» أنه يَرتدُّ برَدِّه كالوَكيلِ إذا رَدَّ الوَكالةَ وإنْ لم يُشترطْ لها القَبولُ، قالَ الحارِثيُّ: وهذا أصَحُّ (٢).

стр. 6525

سَببُ الخِلافِ في القَبولِ: قالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: المَسألةُ الثانيةُ: الوَقفُ هل يَفتقرُ إلى القَبولِ أو لا؟ خِلافٌ في المَذهبِ وبينَ العُلماءِ. ومَنشأُ الخِلافِ: هلِ الواقِفُ أسقَطَ حقَّه مِنْ المَنافعِ في المَوقوفِ فيَكونُ ذلكَ كالعِتقِ؟ أو هو تَمليكٌ لمَنافعِ العَينِ المَوقوفةِ للمَوقوفِ عليهِ فيَفتقرُ إلى القَبولِ كالبَيعِ والهِبةِ؟ وهذا إذا كانَ المَوقوفُ عليه مُعيَّنًا، أمَّا غيرُ المُعيَّنِ فلا يُشترطُ قَبولُه؛ لتَعذُّرِ هذا في مَنافعِ المَوقوفِ، أمَّا أصلُ مِلكِه فهل يَسقطُ؟ أو هو باقٍ على مِلكِ الواقفِ وهو ظاهِرُ المذهبِ؟ لأنَّ مالِكًا ﵀ أوجَبَ الزكاةَ في الحائِطِ المَوقوفِ على غيرِ المُعيَّنِ نحو الفُقراءِ والمَساكينِ إذا كانَ خَمسةَ أوسُقٍ؛ بِناءً على أنه مِلكُ الواقفِ فيُزكِّي على مِلكِه. وأمَّا الحائِطُ على المُعيَّنينَ فيُشترطُ في حِصَّةِ كلِّ واحِدٍ منهم خَمسةُ أوسُقٍ، واتَّفقَ العُلماءُ في المَساجدِ أنها مِنْ بابِ الإسقاطِ، والعِتقُ لا مِلكَ لأحَدٍ فيها؛ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]، ولأنها تُقامُ فيها الجَماعاتُ والجُمعةُ، والجُمعةُ لا تُقامُ في المَملوكاتِ، لا سِيَّما على

стр. 6526

أصلِ مالكٍ، فإنها لا يُصلِّيها أربابُ الحَوانيتِ في حَوانيتِهم لأجْلِ المِلكِ والحَجرِ، فلا يَجْري في المَساجدِ القَولانِ (١). رَدُّ المَوقوفِ عَليهِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ كما تقدَّمَ أنَّ القَبولَ لا يُشترطُ إذا كانَ على جِهةٍ عامَّةٍ غيرِ مُعيَّنةٍ، وأمَّا إذا كانَ على جِهةٍ مُعيَّنةٍ كزَيدٍ مثلًا أو جَماعةٍ مَحصورةٍ فجُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ في المَذهبِ على اشتِراطِ قَبولِه. إلا أنهُم اختَلفُوا هُنا فيما لو رَدَّ المَوقوفُ عليهِ المُعيَّنُ ما وُقِفَ عليهِ، هل يَرتدُّ بالرَّدِّ ويَعودُ إلى مِلكِ الواقفِ؟ أم يَخرجُ إلى جِهةٍ أُخرى؟ قالَ الحَنفيةُ: لو كانَ الوَقفُ لشَخصٍ بعَينِه وآخِرُه للفُقراءِ اشتُرطَ قَبولُه في حقِّه، فإنْ قَبِلَه فالغلَّةُ له، وإنْ رَدَّه تَكونُ للفُقراءِ ويَصيرُ كأنه ماتَ، ومَن قَبِلَ ما وُقفَ عليه ليسَ له الرَّدُّ بعدَه، ومَن رَدَّه أوَّلَ مَرَّةٍ ليسَ له القَبولُ بعدَه. فلو قالَ: «وقَفْتُ أَرضِي هذه على أولادِ زَيدٍ ونَسلِه وعَقبِه ومِن بَعدِهم على المَساكينِ» فقَبِلَه بعضُهم ورَدَّه بعضُهم فتَكونُ الغلَّةُ كلُّها لمَن قَبِلَ مِنهم، وإنْ رَدَّه كلُّهم تكونُ للمَساكينِ، وإنْ قَبِلَ كلُّ واحِدٍ منهم بعضَه ورَدَّ الباقي يَكونُ ما رَدُّوه للمَساكينِ، فإنْ حدَثَ لزَيدٍ ولَدٌ أو نَسلٌ وقَبِلَه كلُّهم أو بعضُهم رجَعَ لمَن قَبِلَه مِنهم، وإنْ رَدَّه كلُّهم كانَ للمَساكينِ، وهكذا إلى أنْ يَنقرِضوا.

стр. 6527

ولو قالَ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ أبدًا على زَيدٍ وعَمرٍو ما عاشَا ومِن بَعدِهما على المَساكينِ» ثمَّ ماتَ أحَدُهما أو رَدَّ تَكونُ حصَّتُه للمَساكينِ ولا يَستحقُّها الآخَرُ؛ لأنه جعَلَ الوَقفَ للهِ ابتِداءً ثمَّ أوجَبَه لهُما، وما كانَ للهِ تعالى فهو للمَساكينِ، فمَن قَبِلَ منهُما وبَقيَ حَيًّا تقدَّمَ عليهم بحصَّتِه فقط، بخِلافِ المَسألةِ الأُولى؛ فإنه أوجَبَه لهم أوَّلًا ثمَّ جعَلَه مِنْ بَعدِهم للمَساكينِ، فلا يَكونُ لهم شيءٌ ما لم يَرُدَّ الكلُّ أو يَنقرِضوا. ولو قالَ: «وقَفتُ أَرضي هذه على زَيدٍ وأولادِه ومِن بَعدِهم على المَساكينِ» فقالَ زَيدٌ: «لا أقبَلُ لنَفسي ولا لأولادي» يَصحُّ رَدُّه في حِصَّتِه فقط، وأمَّا أولادُه فإنْ كانوا كِبارًا فالرَّدُّ والقَبولُ إليهم، وإنْ كانوا صِغارًا تَكونُ حِصَّتُهم لهم. ولو قالَ: «وَقَفتُ أَرضي هذه على زَيدٍ ومِن بَعدِه على المَساكينِ» فقالَ زَيدٌ: «قَبِلتُ غلَّةَ هذه السَّنةِ ورَدَدتُ ما بعدَها، أوْ قالَ: قَبِلتُ ثُلثَها أو نِصفَها ورَدَدتُ الباقيَ» استَحقَّ ما قَبِلَه وكانَ الباقي للمَساكينِ. ولو قالَ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ أبدًا على زَيدٍ وعَمرٍو ما عاشَا إنْ قَبِلا ومِن بَعدِهما على المَساكينِ» فقَبِلَ أحَدُهما ورَدَّ الآخَرُ استَحقَّ القابِلُ حِصَّتَه، وتَكونُ حصَّةُ الرادِّ للمَساكينِ. ولو قالَ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ أبدًا على زَيدٍ

стр. 6528

وعَمرٍو ومِن بَعدِهما على المَساكينِ» وكانَ أحَدُهما مَيتًا تكونُ الغلَّةُ كلُّها للحَيِّ منهُما؛ لعدمِ جَوازِ الوَقفِ على المَيتِ، فإذا ماتَ الحيُّ تَصيرُ الغلَّةُ للمَساكينِ (١). وعندَ المالِكيةِ: إنْ رَدَّ المَوقوفُ عليه المُعيَّنُ ما وقَفَه الغيرُ عليه في حَياةِ الواقفِ أو بعد مَوتِه ففيهِ ثَلاثة أقَول: الأوَّلُ: أنَّ الوَقفَ يَرجِعُ حَبسًا على أقرَبِ فُقراءِ عَصبةِ المُحبِّسِ، ويَكونُ كالوَقفِ الذي انقَطعَ مَنْ حُبِسَ عليه. وقيلَ: أنه يَرجعُ للفُقراءِ يُفرَّقُ عليهم ريعُه بالاجتِهادِ، ولا يَرجعُ مِلكًا لرَبِّه. والقَولُ الثالثُ: يَرجعُ مِلكًا للمُحبِّسِ أو لوَرثتِه. وحاصِلُه أنه إنْ قَبِلَه المُعيَّنُ الرَّشيدُ أو وَليُّ غَيرِه فالأمرُ ظاهرٌ، وإنْ رَدَّه كانَ حَبسًا على غَيرِه باجتِهادِ الحاكمِ، وهذا إذا جعَلَه الواقفُ حَبسًا مُطلَقًا قَبِلَه مَنْ عيَّنَه له أم لا، وأمَّا إنْ قصَدَ المُعيَّنَ بخُصوصِه فإنْ رَدَّهُ عادَ مِلكًا للمُحبِّسِ (٢).

стр. 6529

وقالَ الشافِعيةُ: لو رَدَّ المَوقوفُ عليه المُعيَّنُ العينَ المَوقوفةَ بطَلَ حقُّه، سَواءٌ شرَطْنا القَبولَ مِنْ المُعيَّنِ أم لا، كالوَصيةِ والوَكالةِ، ولو رجَعَ بعد الردِّ لم يَعُدْ له. لكنْ قالَ الرُّويانِيُّ ﵀: إنْ رجَعَ قبلَ حُكمِ الحاكمِ برَدِّه إلى غيرِه كانَ له. وإنْ حكَمَ به لغَيرِه بطَلَ حقُّه، قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وهذا في البَطنِ الأولِ، أما البَطنُ الثاني والثالثُ فنقَلَ الإمامُ والغزالِيُّ أنه لا يُشترطُ قَبولُه قَطعًا؛ لأنَّ استِحقاقَهم لا يَتَّصلُ بالإيجابِ، ونقَلَا في ارتِدادِه برَدِّهم وَجهَينِ؛ لأنَّ الوَقفَ قد ثبَتَ ولَزمَ، فيَبعدُ انقِطاعُه، وأجرَى المُتولِّي الخِلافَ في اشتِراطِ قَبولِهم وارتِدادِه برَدِّهم؛ بِناءً على أنهم يَتلقَّونَ الحَقَّ مِنْ الواقفِ أم مِنْ البَطنِ الأولِ؟ إنْ قُلنا بالأولِ فقَبولُهم ورَدُّهم كقَبولِ الأوَّلينَ ورَدِّهم، وإلا فلا يُعتبَرُ قَبولُهم ورَدُّهم كالميراثِ، وهذا أحسَنُ، ولا يَبعدُ ألا يَتصلَ الاستِحقاقُ بالإيجابِ مع اشتِراطِ القَبولِ كما في الوَصيةِ (١). وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: لا يُشترطُ قَبولُه، فَعلى هذا لا يَبطلُ بالردِّ كالعتقِ، فرَدُّه وقَبولُه وعدَمُهما سَواءٌ في الحُكمِ.

стр. 6530

قالَ في «الإنصَاف»: وقالَ أبو المَعالي في «النِّهايَة» أنه يَرتدُّ برَدِّه كالوَكيلِ إذا رَدَّ الوَكالةَ وإنْ لم يُشترطْ لها القَبولُ، قالَ الحارِثيُّ: وهذا أصَحُّ (١). وعلى الرِّوايةِ الثانيةِ: أنه يُشترطُ قَبولُه، فإنْ رَدَّه بطَلَ في حقِّهِ دونَ مَنْ بعدَه، وصارَ كالوَقفِ المُنقطِعِ الابتِداءِ يُخرَّجُ في صِحَّتِه في حَقِّ مَنْ سِواهُ وبُطلانِه وَجهانِ؛ بِناءً على تَفريقِ الصَّفقةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قُلنا بصحَّتِه فهلْ يَنتقلُ مِنْ الحالِ إلى مَنْ بعدَه؟ أو يُصرَفُ في الحالِ إلى مَصرِفٍ في الوَقفِ المُنقطِعِ إلى أنْ يَموتَ الذي رَدَّه ثمَّ يَنتقلُ إلى مَنْ بعدَه؟ على وَجهينِ (٢).

стр. 6531

لُزومُ الوَقفِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ إذا صدَرَ مِنْ الواقفِ مُستكمِلًا شَرائِطَه، هل يُصبحُ لازِمًا ولا يَحقُّ له الرُّجوعُ فيه؟ أم يَبقى على مِلكِ الواقفِ ويَحقُّ له الرُّجوعُ فيه؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الوَقفَ يَلزمُ ويَنقطعُ حَقُّ الواقفِ في التَّصرفِ في العينِ المَوقوفةِ بأيِّ تَصرُّفٍ يُخلُّ بالوَقفِ، ويَزولُ مِلكُه عن الوَقفِ كالبَيعِ، فلا يُباعُ ولا يُوهبُ ولا يُورثُ. وذلكَ لِما رَواهُ نافعٌ عن ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ أصابَ أرضًا بخَيبَرَ فأتَى النبيَّ ﷺ يَستأمرُه فيها فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني أصَبتُ أرضًا بخيبَرَ لم أُصِبْ مالًا قطُّ أنفَسَ عندي منه، فما تأمرُ به؟ قالَ: إنْ شِئتَ حَبسْتَ أصْلَها وتَصدَّقتَ بها، قالَ: فتَصدَّقَ بها عُمرُ أنه لا يُباعُ ولا يُوهبُ ولا يُورثُ … » (١). وفي رِوايةٍ أُخرى للبُخاريِّ عن صَخرٍ بنِ جُويريةَ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ ﵄ «أنَّ عُمرَ تَصدَّقَ بمالٍ له على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وكانَ يُقالُ له ثَمْغٌ، وكانَ نَخلًا، فقالَ عُمرُ: يا رَسولَ اللهِ إني استَفدْتُ مالًا وهو عندي نَفيسٌ، فأرَدتُ أنْ أتَصدَّقَ به، فقالَ النبيُّ ﷺ : تَصدَّقْ

стр. 6532

بأصلِهِ لا يُباعُ ولا يُوهبُ ولا يُورثُ، ولكنْ يُنفَقُ ثَمرُه، فتَصدَّقَ به عُمرُ، فصَدَقتُه ذلكَ في سبيلِ اللَّهِ وفي الرِّقابِ والمَساكينِ والضَّيفِ وابن السَّبيلِ ولِذي القُربى، ولا جُناحَ على مَنْ وَلِيَهُ أنْ يَأكلَ منه بالمَعروفِ أو يُؤكِلَ صَديقَه غيرَ مُتمَوِّلٍ به» (١)، وهذا يَدلُّ على أنَّ قَولَ: «تَصدَّقْ بأصلِه لا يُباعُ ولا يُوهبُ ولا يُورثُ، ولكنْ يُنفَقُ ثَمرُه» مِنْ كلامِ النبيِّ ﷺ وليس مِنْ قولِ عمرَ ﵁. وفي رِوايةٍ: «احبِسْ أصْلَها وسبِّلْ ثَمرتَها» (٢)، وهذا يَقتضِي أنْ يَجعلَه مَحبوسًا يُقطعُ التَّصرفُ فيه بالبَيعِ ونَقلِه عمَّا هو عليه.

стр. 6533

وأيضًا: عَلِمْنا بأنَّ عُمرَ ﵁ قصَدَ القُربةَ ورجَعَ إلى النبيِّ ﷺ في كَيفيةِ ما يَفعلُه، فلما قالَ: «احبِسِ الأصلَ» لم يَجُزْ له العُدولُ عن هذا، وأيضًا: ما كَتَبَ به عمرُ أنه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ، وذلكَ لا يَكونُ إلا بأمرِه؛ لأنه المُشيرُ في القَضيةِ والمُدبِّرُ لها. ولأنه إجماعُ الصَّحابةِ؛ لأنه قد فعَلَه أبو بَكرٍ وعُمرُ وعُثمانُ وعَليُّ وطَلحةُ والزُّبيرُ وعائِشةُ وزَيدُ بنُ ثابِتٍ ورافِعُ بنُ خَديجٍ وخالدُ بنُ الوَليدِ وجابِرٌ وابنُ عُمرَ وأمُّ سَلمةَ وحَفصةُ ﵃، ولم يُحفظْ عن أحَدٍ الامتِناعُ منه. ولأنَّ الحاجةَ ماسَّةٌ إلى أنْ يَلزمَ الوَقفُ ليَصِلَ ثَوابُه إليهِ على الدَّوامِ، وقد أمكَنَ دَفعُ هذه الحاجةِ بإسقاطِ المِلكِ وجَعلِه للهِ تعالى كما في المَقبرةِ، ولأنَّ كلَّ ما جازَ أنْ يَلزمَ بالوَصيةِ بعدَ الوَفاةِ جازَ أنْ يَلزمَ بقَولِه حالَ الحَياةِ كالعِتقِ، ولأنها جِهةٌ مِنْ جِهاتِ البِرِّ، فجازَ أنْ يَلزمَ بغَيرِ حُكمِ الحاكِمِ، أصلُه الهِبةُ والصَّدقةُ (١).

стр. 6534

وقالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ ﵀: ووَجهُ قولِه: «إنها تَكونُ حَبسًا مُحرَّمةً» قَولُه ﷺ لعُمرَ ﵁: «حَبِّسِ الأصلَ وسَبِّلِ الثَّمرةَ»، ومَوضعُ التعلُّقِ منه أنَّ عُمرَ أرادَ أنْ يَتصدَّقَ بالأصلِ صَدقةً تُبتدَأُ، وهي تَمليكُ رَقبتِه، فأشارَ عليه بأنْ يُحبِّسَ أصْلَه ويُسبِّلَ الثَّمرةَ، فدَلَّ على أنَّ الأصلَ يَتأبَّدُ تَحريمُه، ولو لم يَكنْ كذلكَ لم يَكنِ الغَرضُ حاصِلًا؛ لأنه كانَ يَعودُ إلى مِلكِه فيُبطِلُ غرَضَه في التصدُّقِ به، ولأنَّ إطلاقَ القَولِ أنَّ هذا حَبسُ مَنافعِه على التَّأبيدِ مُستَحقه؛ لأنه لم يُقيِّدْ ذلكَ بوَقتٍ دونَ وَقتٍ، فكانَ الإطلاقُ مُقتضِيًا للتَّأبيدِ، وليسَ يُخرجُه عن ذلكَ بَيانُه لمَن حُبسَتْ عليهِ أنْ يَقولَ: «حَبسٌ على فُلانٍ»، لأنَّ ذلكَ لا يُفيدُ تَقييدَ الحَبسِ، وإنَّما يُفيدُ التَّبدئةَ فقطْ، ولأنه لَفظٌ يَقتضِي التَّحبيسَ، فوجَبَ أنْ يَستحقُّ التَّأبيدَ بإطلاقِه، أصلُه لَفظُ الوَقفِ، ولأنَّ لفْظَ «حَبسٌ» مُطلَقٌ، فوجَبَ أنْ يَقتضيَ التَّحريمَ، أصلُه إذا كانَ على مَجهولينَ (١). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ الوَقفَ جائِزٌ غَير لازمٍ، وهو على مِلكِ الواقفِ؛ لِما رُوِيَ عن عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ ﵄ أنه قالَ: لمَّا نزَلَتْ سُورةُ النِّساءِ وفُرِضتْ فيها الفَرائضُ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا حَبْسَ عن فَرائِضِ اللهِ» (٢)، أي: لا مالَ يُحبَسُ بعَدمِ مَوتِ صاحِبِه عن القِسمةِ بينَ

стр. 6535

وَرثتِه، والوَقفُ حَبسٌ عن فَرائضِ اللهِ تعالى عَزَّ شَأنُه، فكانَ مَنفِيًّا شَرعًا، فيَجوزُ له بَيعُه والرُّجوعُ فيه ويُورثُ عنه. وعَن شُريحٍ أنه قالَ: «جاءَ مُحمدٌ ببَيعِ الحَبيسِ»، وهذا منه رِوايةٌ عن النبيِّ ﵊ أنه يَجوزُ بَيعُ المَوقوفِ؛ لأنَّ الحَبيسَ هو المَوقوفُ، فَعِيلٌ بمَعنى المَفعولِ؛ إذِ الوَقفُ حَبسٌ لُغةً، فكانَ المَوقوفُ مَحبوسًا، فيَجوزُ بَيعُه، وبه تَبيَّنَ أنَّ الوَقفَ لا يُوجِبُ زَوالَ الرَّقبةِ عن مِلكِ الواقفِ. ولأنَّ شَرائطَ الواقفِ تُراعَى فيه، ولو زالَ عن مِلكِهِ لم تُراعَ كالمسجِدِ، ولأنه يَحتاجُ إلى التصدُّقِ بالغلَّةِ دائِمًا، ولا يَكونُ ذلكَ إلا ببَقاءِ العينِ على مِلكِه، ويَدلُّ عليه قَولُه ﵊ لعُمرَ: «احبِسْ أصْلَها وسَبِّلْ ثَمرتَها»، أي: احبِسْهُ على مِلكِكَ وتَصدَّقْ بثَمَرتِها، وإلا لَكانَ مُسبَّلًا جَميعُها، وهذا لأنَّ خُروجَ المِلكِ لا إلى مالكٍ غيرُ مَشروعٍ، ألَا تَرى أنَّ اللهَ تعالى نهَانا عن السَّائبةِ، وهي التي يُسيِّبُها مالِكُها ويُخرِجُها عن مِلكِه بزَعمِهم ولا يَتناولُ منها إلا الفُقراءُ أو الضُّيوفُ، بخِلافِ الإعتاقِ أو المَسجدِ؛ لأنه يُحرَزُ عن حقِّ العَبدِ، حتى لا يَجوزُ له أنْ يَنتفعَ به، ولهذا لا يَنقطعُ عنه حقُّ العَبدِ، حتى كانَ له وِلايةُ التَّصرفِ فيه بصَرفِ غلَّاتِه إلى مَصارِفِه ونَصبِ القَيِّمِ، ولأنه تَصدُّقٌ بالغلَّةِ أو بالمَنفعةِ المَعدومةِ، وهو غيرُ جائِزٍ إلا في الوَصيةِ. ولهذا أرادَ عُمرُ ﵁ أنْ يَبيعَ ذلكَ بعد مَوتِ النبيِّ ﷺ ثُمَّ كَرِهَ أنْ يَنقُضَ ما كانَ بينَه وبينَ رَسولِ اللهِ ﷺ فتَرَكَه، ذكَرَهُ الطَّحاويُّ، ولو كانَ لازِمًا لَمَا حَلَّ له أنْ يَنقضَ.

стр. 6536

قالَ الطَّحاوِيُّ ﵀: حدَّثَنا يُونسُ قالَ: أخبَرَنا ابنُ وَهبٍ أنَّ مالِكًا أخبَرَه عن زيادِ بنِ سَعدٍ عن ابنِ شِهابٍ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ قالَ: «لَولا أني ذَكَرتُ صَدَقتي لرَسولِ اللهِ ﷺ أو نَحوَ هذا- لَردَدتُها» (١)، فلمَّا قالَ عمرُ ﵁ هذا دَلَّ ذلكَ أنَّ نَفسَ الإيقافِ للأرضِ لم يَكنْ يَمنعُه مِنْ الرُّجوعِ فيها، وأنه إنَّما منَعَه مِنْ الرُّجوعِ فيها أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمَرَه فيها بشيءٍ وفارَقَه على الوَفاءِ به، فكَرِهَ أنْ يَرجعَ عن ذلكَ، كما كَرهَ عبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو أنْ يَرجعَ بعد مَوتِ رَسولِ اللهِ ﷺ عن الصَّومِ الذي كانَ فارَقَه عليه أنْ يَفعلَه، وقد كانَ له أنْ لا يَصومَ، ثمَّ هذا شُريحٌ وهو قاضِي عُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ الخُلفاءِ الراشِدينَ المَهديِّينَ ﵃ أجمَعينَ قد رُويَ عنه في ذلكَ أيضًا ما قد حدَّثَنا سُليمانُ بنُ شُعيبٍ عن أبيهِ عن أبي يُوسفَ عن عَطاءِ بنِ السَّائبِ قالَ: «سَألتُ شُريحًا عن رَجلٍ جعَلَ دارَه حَبسًا على الآخِرِ فالآخِرِ مِنْ ولَدِه، فقالَ: إنَّما أقضِي ولستُ أُفتي، قالَ: فناشَدتُه، فقالَ: لا حَبْسَ على فَرائضِ اللهِ»، وهذا لا يَسعُ القُضاةَ جَهلُه ولا يَسعُ الأئمَّةَ تَقليدُ مَنْ يَجهلُ مِثلَه، ثمَّ لا يُنْكِرُ ذلكَ عليه مُنكِرٌ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ولا مِنْ تابِعيهم رَحمَة اللهِ عليهِم (٢). وقَولُ رَسولِ اللهِ ﷺ : «يَقولُ ابنُ آدَمَ: مالِي مالِي، قالَ: وهلْ لكَ يا ابنَ آدَمَ مِنْ مالِكَ إلا ما أَكلْتَ فأَفنَيتَ أو لَبِستَ فأَبلَيتَ أو تَصدَّقتَ

стр. 6537

فأَمضَيتَ» (١)، وما سِوى ذلكَ فهو مالُ الوارِثِ، فبَيَّنَ النبيُّ ﷺ أنَّ الإرثَ إنَّما يَنعدِمُ في الصَّدقةِ التي أمضاها، وذلكَ لا يَكونُ إلا بعد التَّمليكِ مِنْ غيرِه. ولا يَلزمُ الوَقفُ عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ إلا في حالاتٍ ثَلاثٍ: ١ - أنْ يَحكمَ به حاكمٌ ولَّاهُ الإمامُ، فإنه حِينئذٍ يَزولُ مِلكُ الواقفِ عنه بلا خِلافٍ؛ لقَضائِه في أمرٍ مُختلَفٍ فيهِ. وطَريقُ الحُكمِ في ذلكَ: أنْ يُسلِّمَ الواقِفُ ما وقَفَه إلى المُتولِّي ثُمَّ يُريدُ أنْ يَرجعَ فيهِ مُحتَجًّا بعَدمِ اللُّزومِ، فيَتخاصَمانِ إلى القاضي فيَقضِي بلُزومِه، وكذا إذا أجازَه الوَرثةُ جازَ؛ لأنَّ المِلكَ لهم، فإذا رَضوا بزَوالِ مِلكِهم جازَ، كما لو أَوصَى بجَميعِ مالِه. ٢ - أو يُعلِّقُه بمَوتِه فيَقولَ: «إذا مِتُّ فقدْ وَقَفتُ دارِي على كذا»؛ لأنه إذا علَّقَه بمَوتِه فقدْ أخرَجَه مَخرجَ الوَصيةِ، وذلكَ جائِزٌ ويُعتبَرُ مِنْ الثُّلثِ؛ لأنه تَبرعٌ علَّقَه بمَوتِه، فكانَ مِنْ الثُّلثُ كالهِبةِ والوَصيةِ في المَرضِ. ٣ - أو أنْ يَجعلَه مَسجدًا ويَفرِزَه عن مِلكِه ويَأذنَ للناسِ بالصلاةِ فيهِ -ولو صَلَّى فيه وحْدَه-، فيَزولُ مِلكُه عنه؛ لأنه جعَلَه خالِصًا للهِ تعالَى، واكتُفيَ بصَلاةِ الواحِدِ؛ لأنَّ فِعلَ الجَميعِ مُتعذِّرٌ، فاشتُرطَ الأقلُّ، ولأنَّ المَسجدَ مَوضعُ السُّجودِ، فيَحصلُ بفِعلِ واحِدٍ (٢).

стр. 6538

لُزومُ الوَقفِ بمُجرَّدِ القَولِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ هل يَلزمُ بمُجرَّدِ القَولِ أم بالقَبضِ؟ فذهَبَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الوَقفَ لا يَلزمُ إلا بالقَبضِ؛ لأنه تَبرعٌ بمالٍ لم يُخرِجْه عن الماليَّةِ، فلمْ يَلزمْ بمُجرَّدِه كالهِبةِ (١). قالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ ﵀: لا يَزولُ حتى يَجعلَ للوَقفِ وَليًّا ويُسلِّمَه إليهِ؛ لأنه صَدقةٌ، فيَكونُ التَّسليمُ مِنْ شَرطِه كالصَّدقةِ المُنفَذةِ، ولأنَّ التَّمليكَ مِنْ اللهِ تعالى لا يُتصوَّرُ؛ لأنه مالِكُ الأشياءِ، ولكنَّه يَثبتُ في ضِمنِ التَّسليمِ إلى العَبدِ كما في الزَّكاةِ وغيرِها مِنْ الصَّدقاتِ المُنفَذةِ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ وأبو يُوسفَ منَ الحَنفيةِ-وعليهِ الفَتوى عندَهُم- إلى أنَّ الوَقفَ يَزولُ بمُجرَّدِ القَولِ ولا يُشترطُ القَبضُ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ لعُمرَ: «احْبِسْ أصْلَها وسَبِّلْ ثَمرتَها» (٣)، ولم يَأمُرْه بالإقباضِ، ولأنه جعَلَ إليه التَّحْبيسَ، ولأنه تَبرعٌ يَمنعُ البيعَ والهِبةَ، فيَلزمُ بمُجرَّدِه كالعِتقِ، ولأنَّ عُمرَ وقَفَ تِلكَ السِّهامَ التي ملَكَها مِنْ أرضِ خَيبَرَ، فكانَ يَلي صَدقتَه حتَّى قبَضَهُ اللهُ، ولم يُخرِجْها مِنْ

стр. 6539

يَدِه، وكذلكَ وقَفَ عليٌّ ﵁ ولم يَزَلْ يَلي صَدقتَه حتى قبَضَهُ اللهُ ، ولم تَزَلْ فاطِمةُ ﵂ تَلي صَدقتَها حتى لَقِيَتِ اللهَ، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ الوَقفَ يَلزمُ قبلَ القَبضِ. ولا نُسلِّمُ أنه عَطيَّةٌ؛ لأنَّ الوَقفَ بمَنزلةِ العِتقِ، والعِتقُ لا يُسمَّى عَطيَّةً، فكذلكَ الوَقفُ، ثمَّ المَعنى في الأصلِ أنَّ ذلكَ تَمليكٌ؛ بدَليلِ أنَّ المَوهوبَ له يَملكُ التصرُّفَ في المَوهوبِ بالبَيعِ وغيرِه، وليسَ كذلكَ الوَقفُ؛ لأنه ليسَ بتَمليكٍ؛ بدَليلِ أنَّ المَوقوفُ عليه لا يَملكُ التصرُّفَ فيه ببَيعٍ ولا غيرِه (١). قالَ الدُّسوقِيُّ ﵀: يَلزمُ الوَقفُ ولو لم يُحَزْ، فإذا أرادَ الواقِفُ الرُّجوعَ في الوَقفِ لا يُمكَّنُ مِنْ ذلكَ، وإذا لم يُحَزْ عنه أُجبِرَ على إخراجِه مِنْ تَحتِ يَدِه للمَوقوفِ عليه (٢). وقالَ العَدَويُّ ﵀: إذا أرادَ الرُّجوعَ في الوَقفيَّةِ فليسَ له ذلكَ؛ لأنَّ الوَقفَ يَلزمُ بالقَولِ (٣).

стр. 6540

حُكمُ الرُّجوعِ في الوَقفِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الواقفِ هل يَصِحُّ رُجوعُه عن الوَقفِ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ -وعليهِ الفَتوَى عندَهُم- والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ الرُّجوعُ في الوَقفِ إذا تَمَّ؛ لأنه لازِمٌ عندَهُم إمَّا بالقَبضِ أو بالقَولِ، وقد تَقَدَّمتْ أدِلَّتُهم قبلَ قَليلٍ في حُكمِ الوَقفِ هل هو لازِمٌ أم جائِزٌ؟ وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ الوَقفَ غيرُ لازِمٍ كما تَقدَّمَ، ويَبقَى الوَقفُ على مِلكِه وله الرُّجوعُ عنه وبَيعُه، إلا إذا حكَمَ به حاكِمٌ أو يُعلِّقَه بمَوتِه فيَقولُ: «إنْ مِتُّ فقدْ وقَفْتُ دارِي على كذا»، أو أنْ يَجعلَه مَسجدًا ويَفرِزَه عن مِلكِه ويَأذنَ للناسِ بالصلاةِ فيه، فعِندَئذٍ لا يَجوزُ له الرُّجوعُ فيه ويَلزمُ كما تقدَّمَ بيانُه (١).

стр. 6541

قالَ الطَّحاوِيُّ ﵀: حدَّثَنا يُونسُ قالَ: أخبَرَنا ابنُ وَهبٍ أنَّ مالِكًا أخبَرَه عن زيادِ بنِ سَعدٍ عن ابنِ شِهابٍ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ قالَ: «لَولا أني ذَكَرتُ صَدَقتي لرَسولِ اللهِ ﷺ أو نَحوَ هذا- لَردَدتُها» (١)، فلمَّا قالَ عمرُ ﵁ هذا دَلَّ ذلكَ أنَّ نَفسَ الإيقافِ للأرضِ لم يَكنْ يَمنعُه مِنْ الرُّجوعِ فيها، وأنه إنَّما منَعَه مِنْ الرُّجوعِ فيها أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمَرَه فيها بشيءٍ وفارَقَه على الوَفاءِ به، فكَرِهَ أنْ يَرجعَ عن ذلكَ، كما كَرهَ عبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو أنْ يَرجعَ بعد مَوتِ رَسولِ اللهِ ﷺ عن الصَّومِ الذي كانَ فارَقَه عليه أنْ يَفعلَه، وقد كانَ له أنْ لا يَصومَ (٢). قالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: واستَدلَّ الطَّحاويُّ بقَولِ عُمرَ هذا لأبي حَنيفةَ وزُفرَ في أنَّ إيقافَ الأرضِ لا يَمنعُ مِنْ الرُّجوعِ فيها، وأنَّ الذي منَعَ عُمرَ مِنْ الرُّجوعِ كَونُه ذكَرَه للنبيِّ ﷺ فكَرِهَ أنْ يُفارِقَه على أمرٍ ثمَّ يُخالِفَه إلى غيرِه، ولا حُجَّةَ فيما ذكَرَه مِنْ وَجهَينِ: أحَدُهما: أنه مُنقطِعٌ؛ لأنَّ ابنَ شِهابٍ لم يُدرِكْ عُمرَ. ثانيهِما: أنه يَحتملُ ما قدَّمتُه، ويَحتملُ أنْ يَكونَ عُمرُ كانَ يَرى بصحَّةِ الوَقفِ ولُزومِه إلا إنْ شرَطَ الواقِفُ الرُّجوعَ فله أنْ يَرجعَ، وقد رَوى الطَّحاويُّ عن عليٍّ مثلَ ذلكَ، فلا حُجَّةَ فيه لمَن قالَ بأنَّ الوَقفَ غيرُ

стр. 6542

لازمٍ مع إمكانِ هذا الاحتِمالِ، وإنْ ثبَتَ هذا الاحتِمالُ كانَ حُجَّةً لمَن قالَ بصحَّةِ تَعليقِ الوَقفِ، وهو عندَ المالِكيةِ، وبه قالَ ابنُ سُريجٍ، وقالَ: تَعودُ مَنافعُه بعدَ المُدَّةِ المُعيَّنةِ إليه ثُمَّ إلى وَرثتِه، فلو كانَ التَّعليقُ مَآلًا صَحَّ اتِّفاقًا كما لو قالَ: «وقَفتُه على زَيدٍ سَنةً ثُمَّ على الفُقراءِ»، وحَديثُ عُمرَ هذا أصلٌ في مَشروعيةِ الوَقفِ، قالَ أحمدُ: حدَّثَنا حمَّادٌ هو ابنُ خالِدٍ: حدَّثَنا عَبدُ اللهِ هو العُمريُّ عن نافِعٍ عن ابنِ عمرَ قالَ: «أوَّلُ صَدقةٍ -أي مَوقوفةٍ- كانَتْ في الإسلامِ صَدقةُ عُمرَ»، ورَوى عُمرُ بنُ شَبَّةَ عن عَمرِو بنِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ قالَ: «سَألْنا عن أوَّلِ حَبسٍ في الإسلامِ، فقالَ المُهاجِرونَ: صَدقةُ عُمرَ، وقالَ الأنصارُ: صَدقةُ رَسولِ اللهِ ﷺ »، وفي إسنادِه الواقِديُّ، وفي مَغازِي الواقِديِّ أنَّ أولَ صَدقةٍ مَوقوفةٍ كانَتْ في الإسلامِ أَراضِي مُخَيريقٍ -بالمُعجَمةِ مُصغَّرٌ- التي أَوصَى بها إلى النبيِّ ﷺ فوقَفَها النبيُّ ﷺ ، قالَ التِّرمِذيُّ: لا نَعلمُ بينَ الصَّحابةِ والمُتَقدِّمينَ مِنْ أهلِ العِلمِ خِلافًا في جَوازِ وَقفِ الأرَضينَ، وجاءَ عن شُريحٍ أنه أنكَرَ الحَبسَ، ومِنهم مَنْ تَأوَّلَه، وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَلزمُ، وخالَفَه جَميعُ أصحابِه إلا زُفرَ بنُ الهُذيلِ، فحَكى الطَّحاويُّ عن عيسَى بنُ أبانَ قالَ: كانَ أبو يُوسفَ يُجيزُ بَيعَ الوَقفِ، فبلَغَه حَديثُ عُمرَ هذا فقالَ: مَنْ سَمِعَ هذا مِنْ ابنِ عَونٍ؟ فحدَّثَه به ابنُ عُليَّةَ، فقالَ: هذا لا يَسعُ أحَدًا خِلافُه، ولو بلَغَ أبا حَنيفةَ لَقالَ به، فرجَعَ عن بَيعِ الوَقفِ حتى صارَ كأنه لا خِلافَ فيهِ بينَ أحَدٍ. اه

стр. 6543

ومع حِكايةِ الطَّحاويِّ هذا فقدِ انتَصرَ كعادَتِه فقالَ: قَولُه في قصَّةِ عُمرَ: «حَبِّسِ الأصلَ وسَبِّلِ الثَّمرةَ» لا يَستلزِمُ التَّأبيدَ، بل يَحتملُ أنْ يَكونَ أرادَ مدَّةَ اختِيارِه لذلك. اه ولا يَخفَى ضَعفُ هذا التَّأويلِ، ولا يُفهَمُ مِنْ قَولِه: «وَقَفتُ وحَبَّستُ» إلا التَّأبيدُ حتى يُصرِّحَ بالشرطِ عندَ مَنْ يَذهبُ إليه، وكأنه لم يَقِفْ على الرِّوايةِ التي فيها «حَبيسٌ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرضُ»، قالَ القُرطبيُّ: رَدُّ الوَقفِ مُخالِفٌ للإجماعِ فلا يُلتفَتُ إليهِ، وأحسَنُ ما يُعتذَرُ به عمَّن رَدَّه ما قالَ أبو يُوسفَ، فإنه أعلَمُ بأبي حَنيفةَ مِنْ غَيرِه، وأشارَ الشافِعيُّ إلى أنَّ الوَقفَ مِنْ خَصائِصِ أهلِ الإسلامِ -أيْ وَقفُ الأراضِي والعَقارِ- قالَ: ولا نَعرفُ أنَّ ذلكَ وقَعَ في الجَاهليةِ، وحَقيقةُ الوَقفِ شَرعًا ورُودُ صِيغةٍ تَقطعُ تَصرُّفَ الواقفِ في رَقبةِ المَوقوفِ الذي يَدومُ الانتفاعُ بهِ وتُثبِتُ صَرْفَ مَنفعتِه في جِهةِ خَيرٍ (١). وقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: والحاصِلُ أنه لا خِلافَ في صحَّتِه، وإنَّما الخِلافُ في لُزومِه، فقالَ بعَدمِه وقالَا به، فلا يُباعُ ولا يُورثُ، ولَفظُ الواقفِ يَنتظمُهما، والتَّرجيحُ بالدَّليلِ. وقدْ أكثَرَ الخَصَّافُ مِنْ الاستدلالِ لهُمَا بوُقوفِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه ﵃، وقد كانَ أبو يُوسفَ مع الإمامِ حتى حَجَّ مع الرَّشيدِ ورَأى وُقوفَ الصَّحابةِ ﵃ بالمَدينةِ ونَواحيها، رجَعَ وأَفتَى بلُزومِه.

стр. 6544

ولقدِ استَبعدَ مُحمدٌ قولَ أبي حَنيفةَ في الكِتابِ لهذا، وسَمَّاهُ تَحكُّمًا على الناسِ مِنْ غيرِ حُجَّةٍ، وقالَ: ما أخَذَ الناسُ بقَولِ أبي حَنيفةَ وأصحابِه إلا لِتَركِهم التَّحكُّمَ على الناسِ، ولو جازَ تَقليدُ أبي حَنيفةَ في هذا لَكانَ مَنْ مَضَى قُبيلَ أبي حَنيفةَ مثلَ الحَسنِ البَصريِّ وإبراهيمَ النخَعيِّ أَحرَى أنْ يُقلَّدوا، ولم يُحمَدْ مُحمدٌ على ما قالَه بسَببِ أُستاذِه، وقيلَ: بسببِ ذلكَ انقَطعَ خاطِرُه، فلمْ يَتمكَّنْ مِنْ تَفريعِ مَسائلِ الوَقفِ كالخصَّافِ وهِلالٍ، ولو كانَ أبو حَنيفةَ في الأحياءِ حينَ ما قالَ لَزَأَمَ عليه، فإنه كما قالَ مالكٌ في أبي حَنيفةَ: رَأيتُ رَجلًا لو قالَ: هذه الأُسطوانةُ مِنْ ذَهبٍ لَدَلَّ عليه … والحاصِلُ أنَّ المَشايخَ رَجَّحوا قولَهُما، وقالَ: الفتَوى عليهِ. وفي «فَتح القَديرِ»: أنه الحَقُّ، ولا يَبعدُ أنْ يَكونَ إجماعُ الصَّحابةِ ومَن مَرَّ بَعدَهم ﵃ مُتوارَثًا على خِلافِ قَولِه (١). هل يَدخلُ الوَقفُ فِي مِلكِ المَوقوفِ عَليهِ؟ أم يَبقَى على مِلكِ اللهِ؟ أم يَظلُّ على مِلكِ الواقِفِ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ، هل يَنتقلُ إلى مِلكِ المَوقوفِ عليه؟ أم يَكونُ على مِلكِ اللهِ تعالى؟ بعد اتِّفاقِهم أنه إنْ كانَ مَسجدًا فإنه يَنتقلُ إلى مِلكِ اللهِ تعالى، وكذا المَدارِسُ والقَناطِرُ والسِّقاياتُ وأشباهُها. فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه يَخرجُ مِنْ مِلكِ الواقفِ ويَصيرُ حَبيسًا على حُكمِ مِلكِ اللهِ تعالى ولا يَدخلُ في

стр. 6545

مِلكِ المَوقوفِ عليه؛ لأنه لو دخَلَ في مِلكِه نفَذَ بَيعُه فيه كَسائرِ أملاكِه، فيَصيرُ مَحبوسًا على حُكمِ مِلكِ اللهِ تعالى على وَجهٍ يَصلُ نَفعُه إلى عِبادِه، فوجَبَ أنْ يَخرجَ عن مِلكِه ويَخلُصَ للهِ تعالى ويَصيرَ مُحرَّرًا عن التَّمليكِ؛ ليَستَديمَ نَفعُه ويَستمرَّ وَقفُه للعِبادِ، ولأنه إزالةُ مِلكِ عن الرَّقبةِ والمَنفعةِ على وَجهِ التقرُّبِ إلى اللهِ تعالى، فوجَبَ أنْ يَنتقلَ المِلكُ إليه كالعِتقِ، ومَنافعُ الوَقفِ مِلكٌ للمَوقوفِ عليه يَتصرَّفُ فيها تَصرُّفَ المُلَّاكِ، يَستوفيها بنفسِه وبغَيرِه بإعارَةٍ وإجارةٍ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ ذلكَ مَقصودُ الواقفِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في قَولٍ وابنُ الهُمامِ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه يَبقَى على مِلكِ الواقفِ؛ لقَولِه ﷺ لعُمرَ: «حَبِّسِ الأصلَ وسَبِّلِ الثَّمرةَ»، وهذا يَقتضِي تَبقيتَه على ما كانَ عليه، ولأنَّ المالِكَ تَصدَّقَ بالمَنافعِ وألزَمَ نفسَه ذلكَ، وليسَ في هذا إخراجُ الأصلِ عن مِلكِه كالعارِيةِ. قالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ ﵀: ودَليلُنا على أنه لا يَنتقلُ إلى المُوقَفِ عليهم ما ذكَرْناهُ مِنْ قَولِه: «حَبِّسِ الأصلَ وسَبِّلِ الثَّمرةَ»، ففيهِ دَليلانِ:

стр. 6546

أحَدُهما: أنَّ التَّحبيسَ يَنفِي نقْلَ المِلكِ؛ لأنَّ مَنْ مَلَّكَ غيرَه شَيئًا لا يُقالُ حَبَّسَه. والثاني: أنه لا فرْقَ بينَه وبينَ الثَّمرةِ، وقد ثبَتَ أنَّ الثَّمرةَ تَخرجُ عن مِلكِه إلى مِلكِ المَوقوفِ عليهم، فدَلَّ على أنَّ الأصلَ لا يَكونُ مِلكًا لهم؛ لأنه لو كانَ مِلكًا لهم لم يَجُزْ فيه شَرطُ المَنعِ مِنْ البَيعِ والهِبةِ والتَّصرفِ، ولا صَرفُه إلى وَجهٍ آخَرَ بعد مَوتِهم، ولأنه كانَ يَجوزُ لهما أنْ يَتقارَّا على فَسخِه، وذلكَ باطِلٌ. ودَليلُنا على أنه لا يَجوزُ أنْ يَكونَ انتَقلَ إلى غَيرِ مالكٍ أنَّ كُلَّ ما لا يَصحُّ عِتقُه ولا بَيعُه فلا بُدَّ له مِنْ مالكٍ؛ اعتِبارًا بالحَيوانِ والعُروضِ (١). قالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀: وعندَ مالكٍ هو حَبسُ العَينِ على مِلكِ الواقفِ، فلا يَزولُ عنه مِلكُه، لكنْ لا يُباعُ ولا يُورثُ ولا يُوهَبُ، وذكرَ بَعضُ الشافِعيةِ أنَّ هذا قَولٌ آخَرُ للشافِعيِّ وأحمَدَ؛ لأنه ﷺ قالَ: «حَبِّسِ الأصلَ وسَبِّلِ الثَّمرةَ». وهذا أحسَنُ الأقوالِ، فإنَّ خِلافَ الأصلِ والقِياسِ ثابتٌ في كُلٍّ مِنْ القَولينِ، وهو خُروجُه لا إلى مالكٍ وثُبوتُ مِلكِه أو مِلكِ غيرِه فيه مع مَنعِه مِنْ بَيعِه وهِبتِه، وكلٌّ منهُما له نَظيرٌ في الشرعِ، فمِن الأولِ المَسجدُ وغيرُه، ومِن الثاني أمُّ الوَلدِ يَكونُ المِلكُ فيها باقيًا ولا تُباعُ ولا تُوهبُ ولا تُورثُ، وكذا المُدبَّرُ المُطلَقُ عندَنا، فكلٌّ منهُما يُمكِنُ أنْ يقَعَ بالدَّليلِ، ولا شَكَّ أنَّ

стр. 6547

مِلكَ الواقفِ كانَ مُتيقَّنَ الثُّبوتِ، والمَعلومُ بالوَقفِ مِنْ شَرطِه عَدمُ البَيعِ ونَحوِه، فلْيُثبَتْ ذلكَ القَدرُ فقط ويَبقَى الباقي على ما كانَ حتى يَتحقَّقَ المُزيلُ، ولمْ يَتحقَّقْ، فإنَّ الذي في الحَديثِ في بَعضِ الرِّواياتِ: «تَصدَّقْ بأصلِه»، مع أنه ليسَ على ظاهِرِه، وإلا لَخرَجَ إلى مالكٍ آخَرَ، ثمَّ رَأيْنا غيرَه بيَّنَّه بقَولِه: «إنْ شِئتَ حَبسْتَ أصْلَها وتَصدَّقتَ بها» أي: بالثَّمرةِ أو الغلَّةِ، وظاهِرُه حَبسُها على ما كانَ، فلم يَخلُصْ دَليلٌ يُوجِبُ الخُروجَ عن المِلكِ، وكذا المَعنى الذي استَدلَّ به المُصنِّفُ وهو قولُه: ولأنَّ الحاجةَ مَاسَّةٌ إلى أنْ يَلزمَ الوَقفُ يُفيدُ لُزومَهُ لا غيرَ، والحاصِلُ أنه ثبَتَ قَولُه ﷺ لعُمرَ: «تَصدَّقْ» وقَولُه: «حَبِّسْ»، والمَفهومانِ مُختلِفانِ؛ لأنَّ مَعنى «تَصدَّقْ بأصلِها»: مَلِّكْهُ الفَقيرَ للهِ سُبحانَه، ومَعنى «حَبِّسْ»: احبِسْهُ، أيْ: على ما كانَ، ولا يُمكِنُ أنْ يُرادَ بهما إلا مَعنَى أحَدِهما، وإلا كانَ ﷺ مُجيبًا لعُمرَ ﵁ في حادِثةٍ واحِدةٍ بأمرَينِ مُتنافِيَينِ، فإما أنْ يُحمَلَ «حَبِّسْ» على مَعنَى «تَصدَّقْ»، والاتِّفاقُ على نَفيِه؛ إذ لا يَقولُ واحدٌ مِنْ الثلاثةِ بمِلكِ الفَقيرِ للعَينِ، فوجَبَ أنْ يُحمَلَ «تَصدَّقْ» على مَعنى «حَبِّسْ» (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَقفَ يَنتقلُ إلى مِلكِ المَوقوفِ عليهِ إذا كانَ آدَميًّا مُعيَّنًا أو مَحصورًا؛ لأنَّ الوَقفَ لا يُخرِجُ المَوقوفَ عن الماليةِ، ألَا تَرى أنه يُطعَنُ بالغَصبِ ويُثبِتُ عليهِ اليَدَ

стр. 6548

وليس فيه أكثرُ مِنْ أنه لا يَملكُ بَيعَه، وذلكَ لا يَدلُّ على أنهما ملَكَه؛ لأنَّ السَّيدَ لا يَبيعُ أمَّ الوَلدِ وهي مِلكٌ له، ولأنه سَببٌ يُزيلُ التَّصرفَ في الرَّقبةِ، فملَكَه المُنتقِلُ إليه كالهِبةِ، ولأنه لو كانَ تَمليكًا للمَنفعةِ المُجرَّدةِ لم يَلزمْ كالعارِيةِ والسُّكنَى. أمَّا إذا كانَ المَوقوفُ عليه مِمَّا لا يُملَكُ كالمَسجدِ ونَحوِه فإنَّ المِلكَ في الوَقفِ يَنتقلُ إلى اللهِ تعالَى (١).

стр. 6549

شُروطُ الصِّيغةِ: يُشترطُ في الصِّيغةِ عدَّةُ شُروطٍ منها ما يَلي: الشَّرطُ الأوَّلُ: التَّنجيزُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الصِّيغةِ هل يُشترطُ فيها التَّنجيزُ؟ أم تَصحُّ مُعلَّقةً على شَرطٍ؟ وهل هُناكَ فَرقٌ بينَ أنْ يُعلِّقَه في حالِ الحَياةِ أو يُعلِّقَه إلى ما بعد المَوتِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في الصِّيغةِ أنْ تَكونَ مُنجَّزةً، فلا يَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ. قالَ الحَنفيةُ: لو قالَ: «إذا جاءَ غَدٌ، أو إذا جاءَ رَأسُ الشَّهرِ، أو قالَ: إذا كَلَّمتُ فُلانًا، أو إذا تَزوَّجتُ فُلانةَ -وما أشبَهَه- فأَرضِي هذهِ صَدقةٌ مَوقوفةٌ» يَكونُ الوَقفُ باطِلًا؛ لأنه تَعليقٌ، والوَقفُ لا يَحتملُ التَّعليقَ بالخَطرِ؛ لكونِه ممَّا لا يُحلَفُ به، فلا يَصحُّ تَعليقُه كما لا يَصحُّ تَعليقُ الهِبةِ، بخِلافِ النَّذرِ؛ لأنه يَحتملُ التَّعليقَ ويُحلَفُ به، فلو قالَ: «إنْ كَلَّمتُ فُلانًا إذا قَدِمَ، أو إنْ بَرَأتُ مِنْ مَرَضي هذا فأَرضِي هذهِ صَدقةٌ مَوقوفةٌ» يَلزمُه التَّصدقُ بعَينِها إذا وُجدَ الشَّرطُ؛ لأنَّ هذا بمَنزلةِ النَّذرِ واليَمينِ. ولو قالَ: «أَرضِي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ على أنَّ لي أصْلَها، أو على أنه لا يَزولُ مِلكِي عن أصْلِها، أو على أنْ أبِيعَ أصْلَها وأتصدَّقَ بثَمنِها» كانَ الوَقفُ باطلًا، ولو قالَ: «هي صَدقةٌ مَوقوفةٌ إنْ شِئتَ، أو إنْ أحبَبْتَ، أو هَوَيتَ» كانَ الوَقفُ باطِلًا؛ لأنَّ هذا تَعليقُ الوَقفِ بشَرطٍ، وتَعليقُه باطِلٌ في قَولِهم.

стр. 6550

ولو قالَ: «إنْ كانَتْ هذهِ الأرضُ في مِلكِي فهي صَدقةٌ مَوقوفةٌ» فإنه يُنظَرُ؛ إنْ كانَتْ في مِلكِه وَقتَ التَّكلُّمِ صَحَّ الوَقفُ وإلا فلا؛ لأنَّ التَّعليقَ بالشَّرطِ الكائنِ تَنجيزٌ، ولو علَّقَ وقْفَها على شِرائِها فاشتَراها لا تَصيرُ وَقفًا، بخِلافِ تَعليقِ العِتقِ به للقَبولِ وعَدمِه (١). وَقالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ في الوَقفِ أنْ يَكونَ مُنجَّزًا، فلا يَجوزُ ولا يَصحُّ تَعليقُ الوَقفِ فيما لا يُضاهي التَّحريرَ، كقَولِه: «إذا جاءَ زيدٌ فقدْ وَقَفتُ كذا على كذا»؛ لأنه عَقدٌ يَقتَضي نقْلَ المِلكِ في الحالِ إمَّا للهِ تعالى أو للمَوقوفِ عليه حالًا، ولم يُبْنَ على التَّغليبِ والسِّرايةِ، فلمْ يَصحَّ تَعليقُه على شَرطٍ كالبَيعِ والهبةِ. أمَّا ما يُضاهي التَّحريرَ ك: «جَعلْتُه مَسجدًا إذا جاءَ رَمضانُ» فإنه يَصحُّ (٢). وقالَ الحَنابلةُ في المذهبِ: يُشترطُ في الوَقفِ أنْ يَكونَ ناجِزًا غيرَ مُعلَّقٍ ولا مُؤقَّتٍ ولا مَشروطٍ فيه خيارٌ أو نَحوُه، فلا يَصحُّ تَعليقُ الوَقفِ، سَواءٌ كانَ التَّعليقُ لابتِدائِه ك: «إذا قَدِمَ زَيدٌ، أو وُلدَ لي وَلدٌ فهذا وَقفٌ عليهِ، أو إذا جاءَ رَمضانُ فهذا وَقفٌ على كذا» ونحوَه، أو لانتِهائِه ك: «دارِي وَقفٌ على
следующие страницы →