أحَدُهما: أنَّ التَّحبيسَ يَنفِي نقْلَ المِلكِ؛ لأنَّ مَنْ مَلَّكَ غيرَه شَيئًا لا يُقالُ حَبَّسَه.
والثاني: أنه لا فرْقَ بينَه وبينَ الثَّمرةِ، وقد ثبَتَ أنَّ الثَّمرةَ تَخرجُ عن مِلكِه إلى مِلكِ المَوقوفِ عليهم، فدَلَّ على أنَّ الأصلَ لا يَكونُ مِلكًا لهم؛ لأنه لو كانَ مِلكًا لهم لم يَجُزْ فيه شَرطُ المَنعِ مِنْ البَيعِ والهِبةِ والتَّصرفِ، ولا صَرفُه إلى وَجهٍ آخَرَ بعد مَوتِهم، ولأنه كانَ يَجوزُ لهما أنْ يَتقارَّا على فَسخِه، وذلكَ باطِلٌ.
ودَليلُنا على أنه لا يَجوزُ أنْ يَكونَ انتَقلَ إلى غَيرِ مالكٍ أنَّ كُلَّ ما لا يَصحُّ عِتقُه ولا بَيعُه فلا بُدَّ له مِنْ مالكٍ؛ اعتِبارًا بالحَيوانِ والعُروضِ (١).
قالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀: وعندَ مالكٍ هو حَبسُ العَينِ على مِلكِ الواقفِ، فلا يَزولُ عنه مِلكُه، لكنْ لا يُباعُ ولا يُورثُ ولا يُوهَبُ، وذكرَ بَعضُ الشافِعيةِ أنَّ هذا قَولٌ آخَرُ للشافِعيِّ وأحمَدَ؛ لأنه ﷺ قالَ: «حَبِّسِ الأصلَ وسَبِّلِ الثَّمرةَ».
وهذا أحسَنُ الأقوالِ، فإنَّ خِلافَ الأصلِ والقِياسِ ثابتٌ في كُلٍّ مِنْ القَولينِ، وهو خُروجُه لا إلى مالكٍ وثُبوتُ مِلكِه أو مِلكِ غيرِه فيه مع مَنعِه مِنْ بَيعِه وهِبتِه، وكلٌّ منهُما له نَظيرٌ في الشرعِ، فمِن الأولِ المَسجدُ وغيرُه، ومِن الثاني أمُّ الوَلدِ يَكونُ المِلكُ فيها باقيًا ولا تُباعُ ولا تُوهبُ ولا تُورثُ، وكذا المُدبَّرُ المُطلَقُ عندَنا، فكلٌّ منهُما يُمكِنُ أنْ يقَعَ بالدَّليلِ، ولا شَكَّ أنَّ
стр. 6547
مِلكَ الواقفِ كانَ مُتيقَّنَ الثُّبوتِ، والمَعلومُ بالوَقفِ مِنْ شَرطِه عَدمُ البَيعِ ونَحوِه، فلْيُثبَتْ ذلكَ القَدرُ فقط ويَبقَى الباقي على ما كانَ حتى يَتحقَّقَ المُزيلُ، ولمْ يَتحقَّقْ، فإنَّ الذي في الحَديثِ في بَعضِ الرِّواياتِ: «تَصدَّقْ بأصلِه»، مع أنه ليسَ على ظاهِرِه، وإلا لَخرَجَ إلى مالكٍ آخَرَ، ثمَّ رَأيْنا غيرَه بيَّنَّه بقَولِه: «إنْ شِئتَ حَبسْتَ أصْلَها وتَصدَّقتَ بها» أي: بالثَّمرةِ أو الغلَّةِ، وظاهِرُه حَبسُها على ما كانَ، فلم يَخلُصْ دَليلٌ يُوجِبُ الخُروجَ عن المِلكِ، وكذا المَعنى الذي استَدلَّ به المُصنِّفُ وهو قولُه: ولأنَّ الحاجةَ مَاسَّةٌ إلى أنْ يَلزمَ الوَقفُ يُفيدُ لُزومَهُ لا غيرَ، والحاصِلُ أنه ثبَتَ قَولُه ﷺ لعُمرَ: «تَصدَّقْ» وقَولُه: «حَبِّسْ»، والمَفهومانِ مُختلِفانِ؛ لأنَّ مَعنى «تَصدَّقْ بأصلِها»: مَلِّكْهُ الفَقيرَ للهِ سُبحانَه، ومَعنى «حَبِّسْ»: احبِسْهُ، أيْ: على ما كانَ، ولا يُمكِنُ أنْ يُرادَ بهما إلا مَعنَى أحَدِهما، وإلا كانَ ﷺ مُجيبًا لعُمرَ ﵁ في حادِثةٍ واحِدةٍ بأمرَينِ مُتنافِيَينِ، فإما أنْ يُحمَلَ «حَبِّسْ» على مَعنَى «تَصدَّقْ»، والاتِّفاقُ على نَفيِه؛ إذ لا يَقولُ واحدٌ مِنْ الثلاثةِ بمِلكِ الفَقيرِ للعَينِ، فوجَبَ أنْ يُحمَلَ «تَصدَّقْ» على مَعنى «حَبِّسْ» (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَقفَ يَنتقلُ إلى مِلكِ المَوقوفِ عليهِ إذا كانَ آدَميًّا مُعيَّنًا أو مَحصورًا؛ لأنَّ الوَقفَ لا يُخرِجُ المَوقوفَ عن الماليةِ، ألَا تَرى أنه يُطعَنُ بالغَصبِ ويُثبِتُ عليهِ اليَدَ
стр. 6548
وليس فيه أكثرُ مِنْ أنه لا يَملكُ بَيعَه، وذلكَ لا يَدلُّ على أنهما ملَكَه؛ لأنَّ السَّيدَ لا يَبيعُ أمَّ الوَلدِ وهي مِلكٌ له، ولأنه سَببٌ يُزيلُ التَّصرفَ في الرَّقبةِ، فملَكَه المُنتقِلُ إليه كالهِبةِ، ولأنه لو كانَ تَمليكًا للمَنفعةِ المُجرَّدةِ لم يَلزمْ كالعارِيةِ والسُّكنَى.
أمَّا إذا كانَ المَوقوفُ عليه مِمَّا لا يُملَكُ كالمَسجدِ ونَحوِه فإنَّ المِلكَ في الوَقفِ يَنتقلُ إلى اللهِ تعالَى (١).
стр. 6549
شُروطُ الصِّيغةِ:
يُشترطُ في الصِّيغةِ عدَّةُ شُروطٍ منها ما يَلي:
الشَّرطُ الأوَّلُ: التَّنجيزُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الصِّيغةِ هل يُشترطُ فيها التَّنجيزُ؟ أم تَصحُّ مُعلَّقةً على شَرطٍ؟ وهل هُناكَ فَرقٌ بينَ أنْ يُعلِّقَه في حالِ الحَياةِ أو يُعلِّقَه إلى ما بعد المَوتِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في الصِّيغةِ أنْ تَكونَ مُنجَّزةً، فلا يَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ.
قالَ الحَنفيةُ: لو قالَ: «إذا جاءَ غَدٌ، أو إذا جاءَ رَأسُ الشَّهرِ، أو قالَ: إذا كَلَّمتُ فُلانًا، أو إذا تَزوَّجتُ فُلانةَ -وما أشبَهَه- فأَرضِي هذهِ صَدقةٌ مَوقوفةٌ» يَكونُ الوَقفُ باطِلًا؛ لأنه تَعليقٌ، والوَقفُ لا يَحتملُ التَّعليقَ بالخَطرِ؛ لكونِه ممَّا لا يُحلَفُ به، فلا يَصحُّ تَعليقُه كما لا يَصحُّ تَعليقُ الهِبةِ، بخِلافِ النَّذرِ؛ لأنه يَحتملُ التَّعليقَ ويُحلَفُ به، فلو قالَ: «إنْ كَلَّمتُ فُلانًا إذا قَدِمَ، أو إنْ بَرَأتُ مِنْ مَرَضي هذا فأَرضِي هذهِ صَدقةٌ مَوقوفةٌ» يَلزمُه التَّصدقُ بعَينِها إذا وُجدَ الشَّرطُ؛ لأنَّ هذا بمَنزلةِ النَّذرِ واليَمينِ.
ولو قالَ: «أَرضِي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ على أنَّ لي أصْلَها، أو على أنه لا يَزولُ مِلكِي عن أصْلِها، أو على أنْ أبِيعَ أصْلَها وأتصدَّقَ بثَمنِها» كانَ الوَقفُ باطلًا، ولو قالَ: «هي صَدقةٌ مَوقوفةٌ إنْ شِئتَ، أو إنْ أحبَبْتَ، أو هَوَيتَ» كانَ الوَقفُ باطِلًا؛ لأنَّ هذا تَعليقُ الوَقفِ بشَرطٍ، وتَعليقُه باطِلٌ في قَولِهم.
стр. 6550
ولو قالَ: «إنْ كانَتْ هذهِ الأرضُ في مِلكِي فهي صَدقةٌ مَوقوفةٌ» فإنه يُنظَرُ؛ إنْ كانَتْ في مِلكِه وَقتَ التَّكلُّمِ صَحَّ الوَقفُ وإلا فلا؛ لأنَّ التَّعليقَ بالشَّرطِ الكائنِ تَنجيزٌ، ولو علَّقَ وقْفَها على شِرائِها فاشتَراها لا تَصيرُ وَقفًا، بخِلافِ تَعليقِ العِتقِ به للقَبولِ وعَدمِه (١).
وَقالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ في الوَقفِ أنْ يَكونَ مُنجَّزًا، فلا يَجوزُ ولا يَصحُّ تَعليقُ الوَقفِ فيما لا يُضاهي التَّحريرَ، كقَولِه: «إذا جاءَ زيدٌ فقدْ وَقَفتُ كذا على كذا»؛ لأنه عَقدٌ يَقتَضي نقْلَ المِلكِ في الحالِ إمَّا للهِ تعالى أو للمَوقوفِ عليه حالًا، ولم يُبْنَ على التَّغليبِ والسِّرايةِ، فلمْ يَصحَّ تَعليقُه على شَرطٍ كالبَيعِ والهبةِ.
أمَّا ما يُضاهي التَّحريرَ ك: «جَعلْتُه مَسجدًا إذا جاءَ رَمضانُ» فإنه يَصحُّ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ في المذهبِ: يُشترطُ في الوَقفِ أنْ يَكونَ ناجِزًا غيرَ مُعلَّقٍ ولا مُؤقَّتٍ ولا مَشروطٍ فيه خيارٌ أو نَحوُه، فلا يَصحُّ تَعليقُ الوَقفِ، سَواءٌ كانَ التَّعليقُ لابتِدائِه ك: «إذا قَدِمَ زَيدٌ، أو وُلدَ لي وَلدٌ فهذا وَقفٌ عليهِ، أو إذا جاءَ رَمضانُ فهذا وَقفٌ على كذا» ونحوَه، أو لانتِهائِه ك: «دارِي وَقفٌ على
стр. 6551
زَيدٍ إلى أنْ يَحضُرَ عَمرٌو، أو يُولدَ لي وَلدٌ» ونحوَه؛ لأنه نَقلٌ للمِلكِ فيما لم يُبْنَ على التَغليبِ والسِّرايةِ، فلمْ يَجُزْ تَعليقُه بشَرطٍ في الحَياةِ كالهِبةِ (١).
إلا أنَّ الحَنفيةَ والشافِعيةَ والحَنابلةَ القائِلينَ بعَدمِ صحَّةِ تَعليقِ الوَقفِ استَثنَوا مِنْ ذلكَ التَّعليقَ بالمَوتِ، فإنْ علَّقَه به كقَولِه: «وَقَفتُ دارِي بعد مَوتي على الفُقراءِ» فإنه يَصحُّ -وَقفًا أو وَصيةً على خِلافٍ بينَهُم-؛ لأنه تَبرعٌ مَشروطٌ بالمَوتِ أشبَهَ ما لو قالَ: «قِفُوا دارِي على جِهةِ كذا بعد مَوتي»، واحتَجَّ الإمامُ أحمدُ بأنَّ عُمرَ ﵁ وَصَّى فكانَ في وَصيَّتِه: «هذا ما أَوصَى به عَبدُ اللهِ عُمرُ أميرُ المُؤمِنينَ إنْ حَدَثَ به حَدثُ المَوتِ أنَّ ثَمغًا (٢) صَدقةٌ» وذكَرَ بَقيةَ الخبَرِ، ووَقفُه هذا كانَ بأمرِ النبيِّ ﷺ واشتَهرَ في الصَّحابةِ ولمْ يُنكَرْ فكانَ إجماعًا، ويُفارِقُ التَّعليقَ بشَرطٍ في الحياةِ؛ لأنَّ هذا وَصيةٌ، وهي أوسَعُ مِنْ التَّصرفِ في الحياةِ، بدَليلِ جَوازِها بالمَجهولِ والمَعدومِ.
ويَكونُ حُكمُ الوَقفِ المُعلَّقُ بالمَوتِ حُكمَ الوَصيةِ مِنْ ثُلثِ مالِه، فإنْ كانَ قدْرَ الثُّلثِ فأقلَّ لَزمَ، وإنْ زادَ عن الثُّلثِ تَوقَّفَ لُزومُ الوَقفِ في الزَّائدِ على إجازةِ الوَرثةِ.
стр. 6552
قالَ الحَنابلةُ: ويَلزمُ الوَقفُ المُعلَّقُ بالمَوتِ مِنْ حينِ صُدورِه منه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ومَن وقَفَ في مَرضِه الذي ماتَ فيه أو قالَ: «هو وَقفٌ بعد مَوتي» ولمْ يَخرجْ مِنْ الثُّلثِ وُقِفَ منه بقَدرِ الثُّلثِ إلا أنْ تُجيزَ الوَرثةُ).
وجُملتُه أنَّ الوَقفَ في مَرضِ المَوتِ بمَنزلةِ الوَصيةِ في اعتِبارِه مِنْ ثُلثِ المالِ؛ لأنه تَبرعٌ، فاعتُبِرَ في مَرضِ المَوتِ مِنْ الثُّلثِ كالعِتقِ والهِبةِ، وإذا خرَجَ مِنْ الثلثِ جازَ مِنْ غيرِ رِضا الوَرثةِ ولَزمَ، وما زادَ على الثلثِ لَزمَ الوَقفُ منه في قَدرِ الثلثِ، ووُقفَ الزائِدُ على إجازةِ الوَرثةِ، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا عند القائِلينَ بلُزومِ الوَقفِ؛ وذلك لأنَّ حقَّ الوَرثةِ تَعلَّقَ بالمالِ بوُجودِ المَرضِ، فمُنعَ التَّبرعُ بزيادةٍ على الثلثِ كالعَطايا والعِتقِ.
فأمَّا إذا قالَ: «هو وَقفٌ بعد مَوتي» فظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ أنه يَصحُّ، ويُعتبَرُ مِنْ الثُّلثِ كَسائرِ الوَصايا، وهو ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ.
وقالَ القاضِي: لا يَصحُّ هذا؛ لأنهُ تَعليقٌ للوَقفِ على شَرطٍ، وتَعليقُ الوَقفِ على شَرطٍ غيرُ جائزٍ؛ بدَليلِ ما لو علَّقَه على شَرطٍ في حَياتِه، وحمَلَ كَلامَ الخِرقيِّ على أنه قالَ: «قِفُوا بعد موتي»، فيكونُ وَصيةً بالوَقفِ لا
стр. 6553
إيقافًا، وقالَ أبو الخطَّابِ: قَولُ الخِرقِيِّ هذا يَدلُّ على جَوازِ تَعليقِ الوَقفِ على شَرطٍ.
ولنا: على صحَّةِ الوَقفِ بالمُعلَّقِ بِالمَوتِ ما احتَجَّ به الإمامُ أحمدُ ﵁ أنَّ عُمرَ وَصَّى فكانَ في وَصيَّتِه: «هذا ما أَوصَى به عَبدُ اللهِ عُمرُ أميرُ المُؤمِنينَ إنْ حدَثَ به حَدثٌ أنَّ ثَمْغًا صَدقةٌ» وذكَرَ بَقيَّةَ الخبَرِ، وقد ذكَرْناهُ في غيرِ هذا المَوضعِ، ورَواهُ أبو داودَ بنَحوٍ مِنْ هذا، وهذا نَصٌّ في مَسألتِنا، ووَقفُه هذا كانَ بأمرِ النبيِّ ﷺ ؛ لأنه اشتَهرَ في الصَّحابةِ فلم يُنكَرْ، فكانَ إجماعًا، ولأنَّ هذا تَبرعٌ مُعلَّقٌ بالمَوتِ، فصَحَّ كالهِبةِ والصَّدقةِ المُطلَقةِ، أو نَقولُ: صَدقةٌ مُعلَّقةٌ بالمَوتِ، فأشبَهتْ غيرَ الوَقفِ، ويُفارِقُ هذا التَّعليقَ على شَرطٍ في الحَياةِ؛ بدَليلِ الهِبةِ المُطلَقةِ والصَّدقةِ وغيرِهما؛ وذلكَ لأنَّ هذا وَصيةٌ والوَصيةُ أوسَعُ مِنْ التصرُّفِ في الحَياةِ؛ بدَليلِ جَوازِها بالمَجهولِ والمَعدومِ وللمَجهولِ وللحَملِ وغيرِ ذلكَ، وبهذا يَتبيَّنُ فَسادُ قِياسِ مَنْ قاسَ على هذا الشَّرطِ بَقيةَ الشروطِ (١).
وأمَّا الشافِعيةُ فيَرَونَ أنه كالوَصيةِ، له الرُّجوعُ فيها.
قالَ شَمسُ الدِّينِ الرَّمليُّ ﵀: فإنْ علَّقَه بالمَوتِ ك: «وَقَفتُ دارِي بعد مَوتِي على الفُقراءِ» فإنهُ يَصحُّ، قالَه الشَّيخانِ، وكأنه وَصيةٌ؛ لقَولِ القَفَّالِ: لو عرَضَها للبَيعِ كانَ رُجوعًا، ويُفرَّقُ بينَه وبينَ المُدبَّرِ بأنَّ الحَقَّ المُتعلِّقَ به -وهو العِتقُ- أَقوَى، فلمْ يَجُزِ الرُّجوعُ عنهُ إلا بنَحوِ البَيعِ
стр. 6554
دونَ نحوِ العَرضِ عليه، ونقَلَ الزَّركشيُّ عن القاضِي أنهُ لو نجَّزَه وعلَّقَ إعطاءَه للمَوقوفِ عليه بالمَوتِ جازَ كالوَكالةِ، وعليهِ فهو كالوَصيةِ أيضًا فيما يَظهرُ (١).
أمَّا الحَنفيةُ فقالُوا: لا يَصحُّ أنْ يَكونَ الوَقفُ مُضافًا إلى ما بعدَ المَوتِ، فقدْ نَصَّ مُحمدٌ في «السَّير الكَبيرِ» أنه إذا أُضيفَ إلى ما بعدَ المَوتِ يكونُ باطِلًا عند أبي حَنيفةَ اه. إلا أنه يَكونُ وَصيةً لازِمةً مِنْ الثُّلثِ بالمَوتِ لا قبلَه.
وأمَّا لو قالَ: «إذا مِتُّ فاجعَلُوها وَقفًا» فإنه يَجوزُ؛ لأنهُ تَعليقُ التَّوكيلِ لا تَعليقُ الوَقفِ نَفسِه.
قالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: والحاصِلُ أنه إذا علَّقَه بمَوتِه كما إذا قالَ: «إذا مِتُّ فقدْ وقَفْتُ دارِي على كذا» فالصَّحيحُ أنه وَصيةٌ لازِمةٌ، لَكنْ لم تَخرجْ عن مِلكِه، فلا يُتصوَّرُ التَّصرفُ فيه ببَيعٍ ونحوِه بعد مَوتِه؛ لِمَا يَلزمُ مِنْ إبطالِ الوَصيةِ، وله أنْ يَرجعَ قبلَ مَوتِه كسائرِ الوَصايا، وإنَّما يَلزمُ بعدَ مَوتِه.
وإنَّما لم يَكُنْ وَقفًا لِمَا قدَّمْنا مِنْ أنه لا يَقبلُ التَّعليقَ بالشَّرطِ، وكذا إذا قالَ: «إذا مِتُّ مِنْ مَرَضي هذا فقدْ وَقَفتُ أَرضي على كذا» فماتَ لم تَصِرْ وَقفًا، وله أنْ يَبيعَها قبلَ المَوتِ، بخِلافِ ما إذا قالَ: «إذا مِتُّ فاجعَلوها وَقفًا»
стр. 6555
فإنه يَجوزُ؛ لأنهُ تَعليقُ التَّوكيلِ لا تَعليقُ الوَقفِ نَفسِه؛ وهذا لأنَّ الوَقفَ بمَنزلةِ تَمليكِ الهِبةِ مِنْ المَوقوفِ عليهِ، والتَّمليكُ غيرُ الوَصيةِ لا تَتعلَّقُ بالخَطرِ.
ونَصَّ مُحمدٌ في «السَّيْر الكَبير» أنَّ الوَقفَ إذا أُضيفَ إلى ما بعدَ المَوتِ يَكونُ باطِلًا أيضًا عندَ أبي حَنيفةَ، وعلى ما عَرَفْت بأنَّ صحَّتَه إذا أُضيفَ إلى ما بعدَ المَوتِ يَكونُ باعتِبارِه وَصيةً.
وفي «المُحيط»: لو قالَ: «إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضي هذا فقدْ وَقَفتُ أَرضي هذه» لا يَصحُّ الوَقفُ، بَرئَ أو ماتَ؛ لأنه تَعليقٌ.
وفي «الخَانيَّة»: لو قالَ: «أَرضِي بعدَ مَوتي مَوقوفةٌ سَنةً» جازَ، وتَصيرُ الأرضُ مَوقوفةً أبدًا؛ لأنه في معنَى الوَصيةِ، بخِلافِ ما إذا لمْ يُضِفْ إلى ما بعدَ المَوتِ بأنْ قالَ: «أَرضِي مَوقوفةٌ سَنةً»؛ لأنَّ ذاكَ ليسَ بوَصيةٍ، بل هو مَحْضُ تَعليقٍ أو إضافةٍ، فالحاصِلُ أنهُ على قَولِ هِلالٍ إذا شرَطَ في الوَقفِ شَرطًا يَمنعُ التَّأبيدَ لا يَصحُّ الوَقفُ. اه
وفي «التَّبيين»: لو علَّقَ الوَقفَ بمَوتِه ثُمَّ ماتَ صَحَّ ولَزمَ إذا خرَجَ مِنْ الثُّلثِ؛ لأنَّ الوَصيةَ بالمَعدومِ جَائزةٌ كالوَصيةِ بالمَنافعِ، ويَكونُ مِلكُ الواقفِ باقِيًا فيهِ حُكمًا يَتصدَّقُ منهُ دائمًا، وإنْ لم يَخرجْ مِنْ الثُّلثِ يَجوزُ بقَدرِ الثُّلثِ ويَبقى الباقي إلى أنْ يَظهرَ له مالٌ أو تُجيزَ الوَرثةُ، فإنْ لم يَظهرْ له مالٌ ولم تُجِزِ الوَرثةُ تُقسَمُ الغلَّةُ بينَهُما أثلاثًا: ثُلثُه للوقفِ وثُلثاهُ للوَرثةِ. اه (١).
стр. 6556
وذهبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ -وهو اختِيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ- إلى أنه يَصحُّ تَعليقُ الوَقفِ على شَرطٍ، ولا يُشترطُ فيهِ التَّنجيزُ حِينَ وَقفيَّتِه، بل يَصحُّ إذا كانَ لأجَلِ كالعِتقِ، فإذا قالَ: «إذا جاءَ اليومُ الفُلانِيُّ، أو الشَّهرُ، أو العامُ الفلانِيُّ فدارِي مَثلًا وَقفٌ على كذا» فإنه يَلزمُ إذا جاءَ ذلكَ الأجَلُ، كما إذا قالَ لعَبدِه: «أنتَ حُرٌّ إلى أجَلِ كذا» فإنهُ يَكونُ حُرًّا إذا جاءَ الأجَلُ الذي عيَّنَه، ولا إشكالَ في لُزومِ العَقدِ بالنِّسبةِ إليهِما إذا جاءَ الأجَلُ.
فإنْ حدَثَ دَينٌ على الواقفِ أو على المُعتِقِ في ذلكَ الأجَلِ فإنه لا يَضرُّ عقْدَ العِتقِ؛ لأنَّ الشَّارعَ مُتَشوِّفٌ إلى الحُريةِ، ويَضرُّ عقْدَ الحَبسِ إذا لم يُحَزْ عن الواقفِ في ذلكَ الأجَلِ، أمَّا إنْ حِيزَ عنه أو كانَتْ مَنفعتُه لغَيرِ الواقفِ في ذلكَ الأجَلِ فإنهُ لا يَضرُّ حُدوثُ الدَّينِ، كما لو آجَرَ الدارَ في ذلكَ الأجَلِ وحازَها المُستأجِرُ أو جعَلَ مَنفعتَها لغيرهِ فخزَّنَ ذلكَ الغيرُ فيها والمِفتاحِ بيَدِه (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: الوَقفُ في الصِّحةِ مِنْ رأسِ المالِ، وفي المَرضِ أو الوَصيةِ مِنْ الثُّلثِ؛ لأنَّ الصَّحيحَ لا يَتعلَّقُ عليه حَجْرٌ لأحَدٍ في مالِه ولا الوارِثِ ولا غيرِه، فكانَتْ عَطاياهُ وهِباتُه مِنْ رأسِ المالِ،
стр. 6557
والمَريضُ مَحجورٌ عليه مِنْ أجْلِ وَرثتِه، فما يَفعلُه مَوقوفٌ على الثُّلثِ بعد مَوتِه؛ لأنه ليسَ له أنْ يُخرِجَ عنهم زِيادةً على الثلثِ بعد مَوتِه؛ لأنَّ ذلكَ تَقديرُ ما جُعِلَ له، وإنَّما لم يُحكَمْ بتَنجيزِه مِنْ الثلثِ في الحالِ لجَوازِ أنْ يَتلَفَ الثُّلثانِ الباقيانِ ويَموتَ هو عن هذا المِقدارِ فقط؛ لأنَّ الاعتِبارَ ما يَتركُه بعدَ المَوتِ لا قبلَه، فيُؤدِّيَ إلى أنْ يَكونَ الوَصايا قد نفَذَتْ قبلَ حُصولِ الثلثَينِ للوَرثةِ، وذلكَ غيرُ جائِزٍ (١).
الشَّرطُ الثَّاني: ألا يَكونَ فيهِ خِيارٌ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنه لا يَصحُّ اشتِراطُ الخِيارِ في الوَقفِ.
قالَ ابنُ نُجَيْمٍ ﵀: لا يَلحقُ بالوَقفِ خِيارُ شَرطٍ، فلو وقَفَ على أنه بالخِيارِ لم يَصحَّ عند مُحمدٍ، مَعلومًا كانَ الوَقتُ أو مَجهولًا، واختارَهُ هِلالٌ.
وقالَ أبو يُوسفَ: إنْ كانَ الوَقتُ مَعلومًا جازَ الوَقفُ والشَّرطُ كالبَيعِ، وإلا بطَلَ الوَقفُ، وصحَّحَه السَّمتيُّ مُطلَقًا وأبطَلَ الشرطَ.
وظاهِرُ ما في «الخانِيَّة» أنه لو جعَلَ دارَه مَسجدًا على أنه بالخِيارِ صَحَّ الوَقفُ وبطَلَ الشَّرطُ بلا خِلافٍ.
وقالَ الفَقيهُ أبو جَعفرٍ: يَنبغِي على قَولِ أبي يُوسفَ فيما إذا كانَ الوَقتُ مَجهولًا أنْ يَصِحَّ الوَقفُ ويَبطلَ الشَّرطُ (٢).
стр. 6558
وقالَ البابَرتيُّ ﵀: ولو شرَطَ الواقِفُ الخِيارَ لنَفسِه في الوَقفِ ثَلاثةَ أيامٍ جازَ الوَقفُ والخِيارُ عندَ أبي يُوسفَ؛ بِناءً على التَّوسِعةِ كما مَرَّ، وعندَ مُحمدٍ الوَقفُ باطِلٌ، وإنَّما قيِّدَ بقَولِه: «ثَلاثةَ أيَّامٍ» لتَكونَ مدَّةُ الخِيارِ مَعلومةً، حتى لو كانَتْ مَجهولةً لا يَجوزُ الوَقفُ على قَولِ أبي يُوسفَ أيضًا، قَولُه: «وهذا -أي: الخِلافُ- بِناءً على ما ذكَرْناه» إشارةٌ إلى أنَّ جعْلَ غَلَّةِ الوَقفِ لنَفسِه جائِزٌ عندَ أبي يُوسفَ؛ فإنه لمَّا جازَ أنْ يَستثنيَ الواقفُ الغلَّةَ لنَفسِه ما دامَ حَيًّا فكذلكَ يَجوزُ اشتِراطُ الخِيارِ لنَفسِه ثَلاثةَ أيامٍ ليُروِّيَ النظَرَ فيهِ.
وعند مُحمدٍ لمَّا لمْ يَجُزْ ذلكَ لم يَجُزِ اشتِراطُ الخِيارِ لنَفسِه أيضًا، وبهذا البِناءِ صرَّحَ في «المَبسُوط».
ثُمَّ لَمَّا لم يَصحَّ الوَقفُ بشَرط الخِيارِ عند مُحمدٍ لم يَنقلِبِ الوَقفُ جائِزًا بإبطالِ الخِيارِ بعد ذلكَ؛ لأنَّ الوَقفَ لا يَجوزُ إلا مُؤبَّدًا، وشَرطُ الخِيارِ يَمنعُ التَّأبيدَ، فكانَ شَرطُ الخِيارِ شَرطًا فاسِدًا في نفسِ العَقدِ، فكانَ المُفسِدُ قَويًّا (١).
وأمَّا المالِكيةُ فقالَ الدُّسوقيُّ ﵀: ولَزمَ الوَقفُ ولو لمْ يُحَزْ، فإذا أرادَ الواقفُ الرُّجوعَ فيهِ لا يُمكَّنُ، وإذا لم يُحَزْ عنه أُجبِرَ على إخراجِه مِنْ تَحتِ يَدِه للمَوقوفِ عليه.
стр. 6559
واعلَمْ أنه يَلزمُ ولو قالَ الواقفُ: «وليَ الخِيارُ» كما قالَ ابنُ الحاجِبِ، وبحَثَ فيهِ ابنُ عَبدِ السَّلامِ بأنه يَنبغِي أنْ يُوفَّى له بشَرطِه، كما قالوا أنه يُوفَّى له بشَرطِه إذا شرَطَ أنه إنْ تَسوَّرَ عليه قاضٍ رجَعَ له، وأنَّ مَنْ احتاجَ مِنْ المُحبَّسِ عليهِم باعَ ونحوَ ذلكَ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو وقَفَ شيئًا بشَرطِ الخِيارِ لنَفسِه في إبقاءِ وَقفِه والرُّجوعِ فيه مَتى شاءَ أو شرَطَ لغيرهِ أو شرَطَ عَوْدَه إليهِ بوَجهٍ ما كأنْ شرَطَ أنْ يَبيعَه أو شرَطَ أنْ يُدخِلَ مَنْ شاءَ ويُخرِجَ مَنْ شاءَ أو في تَغييرِ شيءٍ منه بوَصفٍ أو زيادةٍ أو نَحوِ ذلكَ بطَلَ على الأظهَرِ كالبَيعِ والهِبةِ؛ لأنَّ مُقتَضى الوَقفِ اللُّزومُ، والخِيارُ يُنافي ذلكَ، فيَفسدُ بهذا الشَّرطِ.
ومُقابِلُ الصَّحيحِ: يَصِحُّ الوَقفُ ويُلغَى الشرطُ كما لو طلَّقَ على أنْ لا رَجعةَ له، وكما في حَديث العُمرَى أنه ﷺ قالَ: «أَمسِكوا عَليكمْ أموالَكُم ولا تُفسِدُوها، فإنه مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهيَ للذي أُعمِرَها حيًّا وميِّتًا ولعَقبِه» (٢)، فإنه ﷺ جعَلَها للذي أُعمِرَها في حَياتِه ولوَرثتِه مِنْ بعدَ مَوتِهِ، فأزالَ مِلكَ المُعمِرِ وأبطَلَ شرْطَه.
ومَحلُّ القَولينِ إذا لم يَحكمْ حاكِمٌ بصحَّةِ الوَقفِ، فإنْ حكَمَ به صَحَّ بلا خِلافٍ ومَضَى.
стр. 6560
أمَّا إذا وقَفَ وشرَطَ لنَفسِه أنْ يَحرِمَ مَنْ شاءَ ويَزيدَ مَنْ شاءَ أو يُقدِّمَ أو يُؤخِّرَ فالشَّرطُ فاسِدٌ في الأصَحِّ إذا أنشَأَ الوَقفَ بهذا الشَّرطِ، فلو أطلَقَه ثمَّ أرادَ أنْ يُغيِّرَ ما ذكَرَه بحِرمانٍ أو زيادةٍ أو تَقديمٍ أو تَأخيرٍ فليسَ له ذلكَ قَطعًا (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ شرَطَ أنْ يَبيعَ الوَقفَ متى شاءَ أو يهَبَه أو يَرجعَ فيهِ لم يَصحَّ الشَّرطُ ولا الوَقفُ، لا نَعلمُ فيهِ خِلافًا؛ لأنه يُنافي مُقتضَى الوَقفِ.
ويُحتملُ أنْ يَفسدَ الشَّرطُ ويَصحَّ الوَقفُ؛ بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ.
وإنْ شرَطَ الخِيارَ في الوَقفِ فسَدَ، ونَصَّ عليه أحمَدُ، وبه قالَ الشافعيُّ.
وقالَ أبو يُوسفَ في رِوايةٍ عنهُ: يَصحُّ؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكُ المَنافعِ، فجازَ بشَرطِ الخِيارِ فيه كالإجارةِ.
ولنا: إنه شَرطٌ يُنافي مُقتضَى العَقدِ، فلمْ يَصحَّ كما لو شرَطَ أنَّ له بَيعَه مَتى شاءَ؛ لأنه إزالةُ مِلكِ اللهِ تعالَى، فلمْ يَصحَّ اشتِراطُ الخِيارِ فيها كالعِتقِ، ولأنهُ ليسَ بعَقدِ مُعاوَضةٍ، فلمْ يَصحَّ اشتِراطُ الخِيارِ فيه كالهِبةِ، ويُفارِقُ الإجارةَ؛ فإنها عَقدُ مُعاوَضةٍ وهي نَوعٌ مِنْ البَيعِ، ولأنَّ الخِيارَ إذا دخَلَ في العَقدِ منَعَ ثُبوتَ حُكمِهِ قبلَ انقِضاءِ الخِيارِ أو التَّصرفِ، وهاهُنا لو ثبَتَ الخِيارُ لَثبَتَ مع ثُبوتِ حُكمِ الوَقفِ ولمْ يَمنعِ التَّصرفَ، فافتَرقَا.
стр. 6561
فَصلٌ: وإنْ شرَطَ في الوَقفِ أنْ يُخرِجَ مَنْ شاءَ مِنْ أهلِ الوَقفِ ويُدخِلَ مَنْ شاءَ مِنْ غَيرِهم لم يَصحَّ؛ لأنه شَرطٌ يُنافي مُقتضَى الوَقفِ، فأفسَدَه كما لو شرَطَ أنْ لا يَنتفِعَ، وإنْ شرَطَ للنَّاظرِ أنْ يُعطيَ مَنْ يَشاءُ مِنْ أهلِ الوَقفِ ويَحرِمَ مَنْ يَشاءُ جازَ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بإخراجٍ للمَوقوفِ عليه مِنْ الوَقفِ، وإنَّما علَّقَ استِحقاقَ الوَقفِ بصِفةٍ، فكأنهُ جعَلَ له حقًّا في الوَقفِ إذا اتَّصَفَ بإرادةِ الوَالي لعَطيَّتِه ولمْ يَجعلْ له حقًّا إذا انتَفتْ تِلكَ الصِّفةُ فيه، فأشبَهَ ما لو وقَفَ على المُشتغِلينَ بالعِلمِ مِنْ ولَدِه، فإنهُ يَستحِقُّ مِنهم مَنْ اشتَغلَ به دونَ مَنْ لم يَشتَغلْ، فلو ترَكَ المُشتغِلُ الاشتِغالَ زالَ الاستِحقاقُ، وإذا عادَ إليه عادَ استِحقاقُه، واللهُ أعلَمُ (١).
الشَّرطُ الثَّالثُ: التَّأبيدُ، فلا يَصحُّ تَوقيتُ الوَقفِ بمدَّةٍ:
اختَلفَ الفُقَهاءُ في الوَقفِ هل يُشتَرطُ فيهِ التَّأبيدُ؟ أم يَجوزُ أنْ يُؤقَّتَ بمدَّةٍ ثمَّ يَرجعُ بعدَها إلى مِلكِ الواقفِ؟ وما الحُكمُ إذا وقَّتَه هل يَصحُّ مع فَسادِ التَّوقيتِ؟ أم يَبطلُ الوَقفُ لفَسادِ الصِّيغةِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ، بأنْ يَجعلَ آخِرَه لجِهةٍ لا تَنقطِعُ أبَدًا؛ لأنَّ المَقصودَ مِنْ الوَقفِ التَّأبيدُ كالعِتقِ، وهذا كقَولِه: «جَعلْتُ أَرضي هذه صَدقةً مَوقوفةً على أولادِ فُلانٍ ما تَناسَلُوا فإذا انقَرضُوا كانَتْ غلَّتُها للمَساكينِ»؛ لأنَّ أثَرَ المَساكينِ لا يَنقطعُ أبَدًا، وإذا لم يَقُلْ ذلكَ لم يَصحَّ؛
стр. 6562
لأنَّ وُقوفَ السَّلفِ كلَّها وُقوفُ بَتاتٍ في أصلِها، وشُروطَهم فيها أنْ لا تُباعَ ولا تُوهَبَ ولا تُورثَ، وإنَّما يُريدونَ بذلكَ أنْ لا رَجعةَ لهم فيها، فكلُّ ما كانَ مِنْ الوَقفِ على وُقوفِهم لا مَثنَوِيَّةَ -أي: استِثناءَ- فيه فهو جائِزٌ، وما كانَ فيهِ الرَّجعةُ فلا يَجوزُ؛ لأنه خِلافُ وُقوفِهم.
قالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ: لا يَتمُّ الوَقفُ حتى يَجعلَ آخِرَه لجِهةٍ لا تَنقطِعُ أبدًا كالمَساكينِ ومَصالحِ الحَرمِ والمَساجدِ، بخِلافِ ما لو وقَفَ على مَسجدٍ مُعَيَّنٍ ولم يَجعلْ آخِرَه لجِهةٍ لا تَنقطِعُ لا يَصحُّ؛ لاحتِمالِ أنْ يَخربَ المَوقوفُ عليه؛ لأنَّ مَقصودَ الوَقفِ التَّأبيدُ كالعِتقِ، وهذا كقَولِه: «جَعلْتُ أَرضي هذهِ صَدقةً مَوقوفةً على أولادِ فُلانٍ ما تَناسَلُوا فإذا انقَرضُوا كانَتْ غلَّتُها للمَساكينِ»؛ لأنَّ أثَرَ المَساكينِ لا يَنقطعُ أبَدًا، وإذا لم يَقُلْ ذلكَ لم يَصحَّ؛ لأنَّ شرْطَ جَوازِه عندَهُما أنْ يَكونَ مُؤبَّدًا، فإذا عيَّنَ جِهةً تَنقطِعُ صارَ مُؤقَّتًا مَعنًى، فلا يَجوزُ؛ لأنَّ حُكمَ الوَقفِ زَوالُ المِلكِ بغَيرِ التَّمليكِ وأنه بالتَّأبيدِ كالعِتقِ، ولهذا كانَ التَّوقيتُ مُبطِلًا له كالتَّوقيتِ في البَيعِ.
وقالَ أبو يُوسفَ: إذا سَمَّى جِهةً تَنقطِعُ جازَ وصارَ بعدَها للفُقراءِ، وإنْ لم يُسمِّهِمْ صارَ وَقفًا مُؤبَّدًا وإنْ لم يَذكُرِ التَّأبيدَ؛ لأنَّ لفْظَ الوَقفِ والصَّدقةِ مَبنِئٌ عنه، فيُصرَفُ إلى الجِهةِ التي سَمَّاها مُدَّةَ دَوامِها، ويُصرفُ بعدَها للفُقراءِ وإنْ لم يُسمِّهمْ، وذلكَ مِثلَ أنْ يَقولَ: «جَعلْتُها صَدقةً مَوقوفةً للهِ تعالى أبَدًا على ولَدِ فُلانٍ وولَدِ ولَدِه» ولمْ يَذكُرِ الفُقراءَ ولا المَساكينَ؛ وذلكَ لأنهُ إذا جعَلَها للهِ فقدْ أبَّدَها؛ لأنَّ ما يَكونُ للهِ فهو يَنصرِفُ إلى
стр. 6563
المَساكينِ، فصارَ كما لو ذكَرَهم، ولأنَّ المَقصودَ منه هو التَّقربُ إلى اللهِ تعالى بهِ، وذلكَ يَحصلُ بجِهةٍ تَنقطِعُ كما يَحصلُ بجِهةٍ لا تَنقطعُ ثمَّ يَصيرُ بعدَها للفُقراءِ.
وقيلَ: إنَّ التَّأبيدَ شَرطٌ بالإجماعِ، إلا أنه عندَ أبي يُوسفَ لا يُشترطُ ذِكرُ التَّأبيدِ؛ لأنَّ لفْظَ الوَقفِ والصَّدقةِ يُنبِئُ عنه؛ لأنهُ إزالةُ المِلكِ بدونِ التَّمليكِ كالعِتقِ، وصارَ بعدَها للفُقراءِ وإنْ لم يُسمِّهمْ، وهذا هو الصَّحيحُ، وعندَ مُحمدٍ ذِكرُ التَّأبيدِ شَرطٌ؛ لأنَّ هذا صَدقةٌ بالمَنفعةِ أو الغلَّةِ، وذلكَ قد يَكونُ مُؤقَّتًا وقد يَكونُ مُؤبَّدًا، فمُطلَقُه لا يَنصرفُ إلى التَّأبيدِ، فلا بُدَّ مِنْ التَّنصيصِ عليه (١).
وقالَ هِلالُ الرَّأيِ ﵀: أرَأيتَ رَجلًا قالَ: أَرضِي صَدقةٌ مَوقوفةٌ شَهرًا؟ قالَ: الوَقفُ صَحيحٌ جائِزٌ، وهي مَوقوفةٌ أبَدًا.
قُلتُ: وكذلكَ لو قالَ «يَومًا»؟ قالَ: نعمْ.
قُلتُ: فإذا مَضى ذلكَ اليومُ؟ قالَ: فهيَ وَقفٌ أبَدًا في ذلكَ اليومِ وبعدَه أبَدًا.
قُلتُ: أرَأيتَ إذا قالَ: أَرضِي هذهِ صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ تعالى أبَدًا شَهرًا، فإذا مَضى ذلكَ الشَّهرُ فهيَ مُطلَقةٌ؟ قالَ: الوَقفُ باطِلٌ لا يَجوزُ.
стр. 6564
قُلتُ: ولمَ قُلتَ ذلكَ؟ قالَ: لأنه لمَّا قالَ: «مَوقوفةٌ شَهرًا» فلمْ يَشترطْ بعد الشَّهرِ فيها شَيئًا، فلمَّا لم يَشترطْ ذلكَ كانَتْ مَوقوفةً أبَدًا، وهذا بمَنزلةِ قَولِه: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ على فُلانٍ» ولمْ يَزِدْ على ذلكَ، وإذا ماتَ فُلانٌ كانَتْ للمَساكينِ وهي مَوقوفة أبَدًا، وأمَّا إذا قالَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ شَهرًا، فإذا مَضى ذلكَ الشَّهرُ كانَتْ مُطلَقةً» فالوَقفُ باطِلٌ لا يَجوزُ؛ لأنه شرَطَ الرَّجعةَ فيهِ ولم يَشترطْ في البابِ الأوَّلِ رَجعةً بعدَ مُضيِّ الوَقتِ، فإذا لم يَشترطِ الرَّجعةَ فيهِ فكأنهُ قالَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ» وسكَتَ (١).
وقالَ في «الإسْعَاف»: والثالثُ: ذِكرُ التأبيدِ أو ما يَقومُ مَقامَه كالصَّدقةِ ونَحوِها شَرطٌ عندَ مُحمدٍ ﵀، وليسَ بشَرطٍ عندَ أبي يُوسفَ ﵀، فلو قالَ: «وَقَفتُ أَرضِي هذهِ، أو قالَ: جَعلْتُها مَوقوفةً» ولمْ يَزِدْ عليه جازَ عندَه وصارَتْ وَقفًا على الفُقراءِ، وبه أَفتَى مَشايخُ بَلْخٍ وعليه الفتوَى؛ لأنَّ قَولَه: «وَقَفتُ» يَقتضي إزالتَه إلى اللهِ تعالى ثُمَّ إلى نائِبِه وهو الفَقيرُ، وذا يَقتضي التَّأبيدَ، فلا حاجةَ إلى ذِكرِه كالإعتاقِ، وعندَ مُحمدٍ لا يَجوزُ؛ لأنَّ مُوجَبَه زَوالُ المِلكِ بدُونِ التَّمليكِ، وذلكَ بالتَّأبيدِ كالعتقِ، وإذا لم يَتأبَّدْ لم يَتوفَّرْ عليهِ مُوجبِه، ولهذا يُبطِلُه التَّأقيتُ كما يُبطلُ البَيعَ.
ولو قالَ: «وَقَفتُ أَرضِي هذه على عِمارةِ المَسجدِ الفُلانِيِّ» يَجوزُ عندهُ؛ لأنه لو لم يَزِدْ على قَولِه: «وَقَفتُ» يَجوزُ عندَه، فبالأَوْلى إذا عيَّنَ جِهةً، ولا يَجوزُ عند مُحمدٍ؛ لاحتِمالِ خَرابِ ما حَوْلَه، فلا يَكونُ مُؤبَّدًا،
стр. 6565
وعن أبي بَكرٍ الأعمَشِ: يَنبغِي أنْ يَجوزَ على الاتِّفاقِ؛ لأنَّ الوَقفَ على عِمارةِ المَسجدِ بمَنزلةِ جَعلِ الأرضِ مَسجدًا أو بمَنزلةِ زيادةٍ في المَسجدِ، قالَ الفَقيهُ أبو جَعفرٍ: هذا القَولُ أصَحُّ إليَّ، وقالَ أبو بَكرٍ الإسكافُ: يَنبغي ألَّا يَصِحَّ هذا عندَ الكُلِّ؛ لأنَّ الوَقفَ على المَسجدِ وَقفٌ على عِمارتِه، والمَسجدُ يَكونُ مَسجدًا بدُونِ البِناءِ، فلا تَكونُ عِمارةُ البِناءِ ممَّا يَتأبَّدُ، فلا يَصِحُّ الوَقفُ، والأولُ أوجَهُ.
ولو قالَ: «وَقَفتُ أَرضِي هذهِ على ولَدِي وولَدِ وَلَدي ونَسلِهم أبدًا» يَصحُّ عند أبي يُوسفَ، فإذا انقَرَضُوا تَكونُ الغلَّةُ للفُقراءِ، ولا يَصحُّ عند مُحمدٍ؛ لاحتِمالِ الانقِطاعِ.
ولو قالَ: «وَقَفتُ أرضي هذه على وَلَدِ زَيدٍ» أو ذكَرَ جَماعةً بأعيانِهم لم يَصحَّ عندَ أبي يُوسفَ أيضًا؛ لأنَّ تَعيينَ المَوقوفِ عليه يَمنعُ إرادةَ غَيرِه، بخِلافِ ما إذا لم يُعيِّنْ؛ لجَعلِه إيَّاه وَقفًا على الفُقراءِ، ألَا تَرَى الفرقَ بينَ قَولِه: «أرضي هذه مَوقوفةٌ» وبينَ قولِه: «مَوقوفةٌ على وَلَدي»، فصحَّحَ الأولَ دونَ الثَّاني؛ لأنَّ مُطلَقَ قَولِه: «مَوقوفةٌ» يَنصرفُ إلى الفُقراءِ عُرفًا، فإذا ذكَرَ الولدَ صارَ مُقيَّدًا، فلا يَبقى العُرفُ، فظهَرَ بهذا أنَّ الخِلافُ بينَهُما في اشتِراطِ ذِكرِ التَّأبيدِ وعَدمِه إنَّما هو في التَّنصيصِ عليه أو على ما يَقومُ مَقامَه كالفُقراءِ ونحوِهم، وأمَّا التأبيدُ مَعنًى فشَرطٌ اتِّفاقًا على الصَّحيحِ، وقد نَصَّ عليهِ مُحقِّقُو المَشايخِ ﵏ (١).
стр. 6566
وقالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ، بأنْ يَقِفَ على مَنْ لا يَنقرضُ كالفُقراءِ والمَساكينِ، أو على مَنْ يَنقرضُ ثُمَّ على مَنْ لا يَنقرضُ كقَولِه: «وَقَفتُ على وَلَدي ثُمَّ على الفُقراءِ، أو على زَيدٍ ثُمَّ عَقبِه ثمَّ الفُقراءِ».
فلو قالَ الواقفُ: «وَقَفتُ هذا على الفُقراءِ أو على كذا سَنةً» مثلًا فباطِلٌ هذا الوَقفُ؛ لفَسادِ الصِّيغةِ؛ لأنَّ وضْعَه على التأبيدِ، وسَواءٌ في ذلكَ طَويلُ المدَّةِ وقَصيرُها، فإنْ أعقَبَه بمَصرِفٍ ك: «وَقَفتُه على زَيدٍ سَنةً ثُمَّ على الفُقراءِ» صَحَّ بلا خِلافٍ، ورُوعِيَ فيه شَرطُ الواقفِ.
وهذا فيما لا يُضاهِي التَّحريرَ، أمَّا ما يُضاهيهِ كالمَسجدِ والمَقبرةِ والرِّباطِ كقولِه: «جَعلتُه مَسجدًا سَنةً» فإنه يَصحُّ مُؤبَّدًا (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ، فلو قالَ: «وَقَفتُه إلى سَنةٍ» لم يَصِحَّ الوَقفُ، أو قالَ: «وَقَفتُه إلى يَومِ يَقدمُ الحاجُّ» ونحوَه -أي: نحوَ ما ذُكِرَ ممَّا فيه تَأقيتُ الوَقفِ- لم يَصحَّ الوَقفُ؛ لأنَّ مُقتضاهُ التَّأبيدَ، والتَّأقيتُ يُنافيهِ.
وإنْ قالَ: «وَقَفتُ دارِي مثلًا على أولادِي سَنةً أو مُدَّةَ حَياتي ثُمَّ على الفُقراءِ» صَحَّ الوَقفُ؛ لاتِّصالِه ابتِداءً وانتِهاءً، وكذا لو وقَفَه على ولَدِه سَنةً ثُمَّ على زيدٍ سَنةً ثُمَّ على عَمرٍو سَنةً ثمَّ على المَساكينِ.
стр. 6567
وإنْ قالَ: «وَقَفتُ على الفُقراءِ ثمَّ على أولادي» صَحَّ للفُقراءِ فقط؛ لأنَّ «ثُمَّ» للتَّرتيبِ، فلا يُصرَفُ لأولادِه إلَّا بعدَ انقِراضِ الفُقراءِ، والعادةُ لم تَجْرِ بانقِراضِهم (١).
وذهَبَ المالِكيةُ وابنُ سُريجٍ مِنْ الشافِعيةِ إلى أنه لا يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ، بل يَصحُّ أنْ يُوقِفَ الشيءَ مدَّةَ سَنةٍ مثلًا ثمَّ يَجعلُه بعدَها مِلكًا له أو لغَيرِه.
ويَجوزُ التَّصرفُ فيه بكُلِّ ما يَجوزُ التَّصرفُ به في غيرِ المَوقوفِ، ومَن قالَ: «دارِي حَبسٌ على عَقِبي وهي لآخِرِهم مِلكًا» فهي لآخِرِهم، أو قالَ: «على أنَّ مَنْ احتاجَ منهُم باعَ، أو أنَّ العَينَ المُحبسةَ تَصيرُ لآخِرِهم مِلكًا» صَحَّ واتُّبعَ الشَّرطُ.
ولا يُشترطُ أنْ يَكونَ مالِكًا لرَقبةِ الوَقفِ، بل يَجوزُ وَقفُ الرقبةِ ووَقفُ المَنفعةِ بأنْ يَستأجِرَ أرضًا أو بيتًا سِنينَ ليَتَّخذَه مَسجدًا، ويَنتهي الوَقفُ بانتِهاءِ المُدَّةِ؛ لأنه لا يُشترطُ فيه التَّأبيدُ (٢).
стр. 6568
وذهَبَ الحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه يَصحُّ الوَقفُ ويُصرفُ بعدَ السَّنةِ أو المُدَّةِ مَصرِفَ مُنقطِعِ الانتِهاءِ كالفُقراءِ والمَساكينِ (١).
وكذا قالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀ في «المُبدِع»: وإذا قالَ: «وَقَفتُ داري سَنةً» لم يَصحَّ؛ لأنَّ مُقتَضى الوَقفِ التَّأبيدُ، وهذا يُنافيهِ، فلو قالَ: «وَقَفتُ هذا على ولَدِي سَنةً ثمَّ على المَساكينِ» صَحَّ، ويُحتَملُ أنْ يَصحَّ؛ لأنه مُنقطِعُ الانتِهاءِ، وقد بيَّنَّا صحَّتَه، وحينَئذٍ يُصرَفُ بعدَها -أي بعدَ السَّنةِ- مَصرِفَ المُنقطِعِ، أي: مُنقطِعِ الانتِهاءِ (٢).
وفي قَولٍ ثالثٍ للشافِعيةِ أنه يُلغَى التَّأقيتُ ويَصحُّ الوَقفُ مُؤبَّدًا، وهو قَريبٌ مِنْ قَولِ الحَنابلةِ السَّابقِ.
وفي قَولٍ رابعٍ للشافِعيةِ: أنَّ الوَقفَ الذي لا يُشترطُ فيهِ القَبولُ -وهو الوَقفُ على كالفُقراءِ والمَساجدِ والرِّباطِ- لا يَفسدُ بالتَّأقيتِ، والذي يُشترطُ فيهِ القَبولُ -كالوَقفِ على شَخصٍ أو جَماعةٍ مُعيَّنينَ- يَفسدُ به (٣).
الشَّرطُ الرابعُ: ذِكرُ مَصرِفِ الوَقفِ:
الأصلُ في الوَقفِ أنْ يَذكُرَ الواقفُ مَصرِفَ الوَقفِ، فإنْ قالَ الواقفُ: «وَقَفتُ» وسكَتَ ولم يَذكُرْ مَصرِفَه فقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ فيهِ، هل يَصحُّ الوَقفُ ويَلزمُ؟ أم لا بُدَّ مِنْ أنْ يَذكرَ الجِهةَ التي يُصرَفُ فيها الوَقفُ؟
стр. 6569
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ أبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ -وعليهِ الفتوَى- والمالِكيةُ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ-اختارَه الشَّيخُ أبو حامدٍ صاحِبُ «المُهذَّب» والرويانِيُّ ومالَ إليهِ السُّبكيُّ- إلى أنه لا يُشترطُ ذِكرُ الجِهةِ، فلو قالَ: «وقَفْتُ» وسكَتَ صَحَّ الوَقفُ، ويُصرفُ بعدَ ذلكَ للفُقراءِ والمَساكينِ إذا لم يَكنْ هُناكَ عُرفٌ، كما لو نذَرَ هَدْيًا أو صَدقةً ولم يُبيِّنِ المَصرِفَ، ولأنه إزالةُ مِلكٍ على وَجهِ القُربةِ كالأُضحيةِ، ولأنَّ المالكَ هو اللهُ ، ولحَديثِ أبي طَلحةَ وأبي الدَّحداحِ ﵄، وكما لو قالَ: «أوصَيتُ بثُلثِي» فإنه يَصِحُّ ويُصرَفُ إلى المَساكينِ.
قالَ المالِكيةُ: لا يُشترطُ في الوَقفِ تَعيينُ المَصرِفِ في مَحلِّ صَرفِه، فجازَ أنْ يَقولَ: «أوقَفتُه للهِ تعالى» مِنْ غيرِ تَعيينِ مَنْ يُصرَفُ له، ويَلزمُ بهذا ويُصرَفُ ريعُه إنْ تَعذَّرَ سُؤالِ المُحبِّسِ في غالبِ عُرفِهم كأهلِ العِلمِ أو القِراءةِ، فإنْ لم يَكنْ غالِبٌ في عُرفِهم فيُصرَفُ على الفُقراءِ (١).
وقالَ الشِّيرازيُّ الشافِعيُّ ﵀: وإنْ وقَفَ وَقفًا مُطلَقًا ولم يَذكرُ سَبيلَه ففيهِ قَولانِ:
أحَدُهما: أنَّ الوَقفَ باطِلٌ؛ لأنهُ تَمليكٌ، فلا يَصحُّ مُطلَقًا، كما لو قالَ: «بِعتُ داري ووَهبتُ مالي».
стр. 6570
والثَّاني: يَصحُّ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنه إزالةُ مِلكٍ على وَجهِ القُربةِ، فصَحَّ مُطلَقًا كالأُضحيةِ، فعلى هذا يَكونُ حُكمُه حُكمَ الوَقفِ المُتصِلِ الابتِداءِ المُنقطِعِ الانتهاءِ، وقد بيَّنَّاه (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قالَ: «وَقَفتُ هذا» وسكَتَ، أو قالَ «صَدقةٌ مَوقوفةٌ» ولم يَذكُرْ سَبيلَه فلا نَصَّ فيه، وقالَ ابنُ حامِدٍ: يَصحُّ الوَقفُ، قالَ القاضي: هو قِياسُ قَولِ أحمدَ، فإنه قالَ في النَّذرِ المُطلَقِ: يَنعقِدُ مُوجِبًا لكَفَّارةِ يَمينٍ، وهذا قَولُ مالكٍ والشافعيِّ في أحَدِ قَوليهِ؛ لأنه إزالةُ مِلكٍ على وَجهِ القُربةِ، فوجَبَ أنْ يَصحَّ مُطلَقُه كالأُضحيةِ والوَصيةِ، ولو قالَ: «وَصَّيتُ بثُلثِ مالي» صَحَّ، وإذا صَحَّ صُرِفَ إلى مصارِفِ الوَقفِ المُنقطِعِ بعدَ انقِراضِ المَوقوفِ عليه (٢).
وقالَ المِرداويُّ ﵀: حُكمُه حُكمُ الوَقفِ المُنقطِعِ الانتِهاءِ في مَصرِفِه على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ كما قالَه المُصنِّفُ هُنا، وقطَعَ به القاضي في «المُجَرَّد» وابنُ عَقيلٍ، واختارَهُ صاحِبُ «التَّلخِيص» وغيرُه، وجزَمَ به في «الرِّعايَة الصُّغرى» و «الحاوي الصَّغير» و «الوَجيز» وغيرِهم، وقَدَّمَه في «الفُروع» و «الرِّعاية الكُبْرى» وقالَ: نَصَّ عليه.
وقالَ القاضي وأصحابُه: يُصرَفُ في وُجوهِ البِرِّ.
стр. 6571
قالَ الحارِثيُّ: الوَجهُ الثَّاني: يُصرَفُ في وُجوهِ البِرِّ والخيرِ، قطَعَ به القاضي في «التَّعليق الكَبير» و «الجامِع الصَّغيرِ» وأبو عليٍّ بنُ شِهابٍ وأبو الخطَّابِ في «الخِلاف الصَّغير» والشَّريفانِ أبو جَعفرٍ والزَّيديُّ وأبو الحُسينِ القاضي والعُكبَريُّ في آخَرِينَ.
وفي عِبارةِ بَعضِهم: وكانَ لجَماعةِ المُسلمينَ.
وفي بَعضِها: صُرِفَ في مَصالحِ المُسلمينَ، والمعنَى مُتحِدٌ.
قالَ في «عُيون المَسائِلِ» في هذهِ المَسألةِ: وفي قَولِه: «تَصدَّقتُ» تَكونُ لجَماعةِ المُسلمينَ (١).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا فيما إذا وقَفَ مَوضعًا وَقفًا مُطلَقًا ولَم يُعَيِّنْ له وَجهًا، فقالَ مالكٌ وأحمَدُ: يَصحُّ ويُصرَفُ إلى البِرِّ والخيرِ، وقالَ الشافِعيُّ: هو باطِلٌ في الأظهَرِ مِنْ قَوليهِ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ -وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ كما سَيأتي- إلى أنه يُشترطُ بَيانُ المَصرِفِ، فلو قالَ: «وَقَفتُ كذا» واقتَصرَ عليه ولم يَذكرْ مَصرِفَه بطَلَ الوَقفُ ولو قالَ «للهِ تعالَى»؛ لأنَّ الوَقفَ يَقتضِي التَّمليكَ، فإذا لم يُعيِّنِ المالِكَ بطَلَ، كما لو قالَ: «بِعتُ داري بعَشرةٍ، أو وَهبتُها» ولم يَقلْ لمَن، ولأنه لو قالَ: «وَقَفتُ على جَماعةٍ» لم يَصحَّ؛ لجَهالةِ المَصرفِ، فإذا لم يَذكُرِ المَصرفَ فأَولى ألا يَصحَّ.
стр. 6572
والثَّاني: يَصحُّ، وإليه مَيلُ الشَّيخِ أبي حامِدٍ واختارَه صاحِبُ «المُهَذَّب» والرويانِيُّ ومالَ إليهِ السُّبكيُّ، كما لو نذَرَ هَديًا أو صَدقةً ولم يُبيِّنِ المَصرفَ، ولأنه إِزالةُ مِلكٍ على وَجهِ القُربةِ كالأُضحيةِ، ولأنَّ المالِكَ هو اللهُ، ولحَديثِ أبي طَلحةَ وأبي الدَّحداحِ ﵄، وكما لو قالَ: «أوصَيْتُ بثُلثي» فإنه يَصحُّ ويُصرَفُ إلى المَساكينِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: وهذا إنْ كانَ مُتفَقًا عليه فالفَرقُ مُشكِلٌ.
قُلْتُ: الفرقُ أنَّ غالِبَ الوصَايا للمَساكينِ، فحُمِلُ المُطلَقُ عليه، بخِلافِ الوَقفِ، ولأنَّ الوَصيةَ مَبنيَّةٌ على المُساهَلةِ، فتَصحُّ بالمَجهولِ والنَّجسِ وغَيرِ ذلكَ، بخِلافِ الوَقفِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وعلى القَولِ بالصِّحةِ فَفي مَصرفِه الخِلافُ في مُنقطِعِ الآخِرِ، أصَحُّها: أقرَبُ الناسِ إلى الواقفِ.
وعنِ ابنِ سُريجٍ: يَصرِفُه الناظِرُ فيما يَراهُ مِنْ البِرِّ كعِمارةِ المَساجدِ والقَناطِرِ وسَدِّ الثُّغورِ وتَجهيزِ المَوتى وغيرِها.
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ولو بيَّنَ المَصرفَ إجمالًا كقَولِه: «وَقَفتُ هذا على مَسجدِ كذا» كَفى وصُرِفَ إلى مَصالِحِه عندَ الجُمهورِ، وإنْ قالَ القَفَّالُ: لا يَصحُّ ما لم يُبيِّنِ الجِهةَ، فيَقولُ: «على عِمارتِه» ونحوَه (٢).
стр. 6573
وأمَّا الحَنفيةُ فقالَ في «الإسْعَاف»: ولو قالَ: «أَرضِي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ، أو قالَ: وَقفٌ» ولم يَزِدْ على هذا لا يَجوزُ عند عامَّةِ مُجِيزِي الوَقفِ، قالَ هِلالٌ ﵀: لأنَّ الوَقفَ يَكونُ للغَنيِّ والفَقيرِ ولم يُسَمِّ لأيِّهِما هو، فلذلكَ أبطَلْتُه، وصارَ كما لو قالَ: «أَرضِي مَحبوسةٌ» ولم يَزِدْ على ذلكَ فإنها لا تَكونُ وَقفًا، ولأنَّ الأرضَ تُوقَفُ للدَّينِ والوَصايا ولحَبسِ الأصلِ، فهذا وَقفٌ لم يُسَمَّ سَبيلُه ووُجوهُه، فلمْ يُتصدَّقْ بغلَّتِه، فقد خَرَجَ مِنْ أنْ يَكونَ على ما أمَرَ به النبيُّ ﷺ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁، لأنه إنَّما ذكَرَ حبْسَ الأصلِ ولم يَذكُرِ الصَّدقةَ على ما أمَرَ به عُمرَ ابنَ الخطَّابِ، فلذلكَ أبطَلتُه حتى يَجتمعَ الكَلامانِ: الصَّدقةُ والحَبسُ، فإذا اجتَمعَا كانَ الوَقفُ جائزًا.
وقالَ أبو يُوسفَ ﵀: يَجوزُ ويَكونُ وَقفًا على المَساكينِ؛ لأنَّ مُطلَقَه يَنصرِفُ إلى المَساكينِ عُرفًا.
ولو قالَ: «أَرضِي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ، أو مَوقوفةٌ صَدقةٌ» ولمْ يَزِدْ على هذا جازَ في قَولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ وهِلالِ الرَّأيِ ﵏، ويَكونُ وَقفًا على الفُقراءِ.
وقالَ يُوسفَ بنُ خالدٍ السَّمتِيُّ ﵀: لا يَجوزُ ما لم يَزِدْ قَولَه: «وآخِرُها للفُقراءِ أبَدًا».
والصَّحيحُ قَولُ أصحابِنا؛ لأنَّ محَلَّ الصَّدقةِ في الأصلِ الفُقراءُ فلا يحتاجُ إلى ذِكرِهم، ولا انقِطاعَ لهمْ، فلا يحتاجُ إلى ذِكرِ الأبَدِ أيضًا.
ولو قالَ: «أَرضِي هذه مُحرَّمةٌ صَدقةٌ» جازَ، ويَكونُ هذا بمَنزلةِ قَولِه: «مَوقوفةٌ صَدقةٌ»؛ لأنَّ المُحرَّمةَ بمَنزلةِ قَوله: «مَوقوفةٌ» في لُغةِ أهلِ المَدينةِ.
стр. 6574
ولو قالَ: «حَبَسْتُ أَرضِي هذهِ، أو قالَ: أَرِضي هذه حَبسٌ» لا تَكونُ وَقفًا في قَولِهم، ولو قالَ: «حَرَّمتُ أَرضِي هذه، أو قالَ: أَرضِي هذه حَبيسٌ، أو قالَ: هيَ مُحرَّمةٌ» (قالَ الفَقيهُ) أبو جَعفرٍ: هذا على أبي يُوسفَ كقَولِه: «مَوقوفةٌ»، ولو قالَ: «حَبيسٌ مَوقوفٌ، أو حَبيسٌ وَقفٌ» فهو باطِلٌ، قالَ هلالٌ: في قَولِنا وقَولِ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ معنَى قَولِه: «وَقفٌ» ومعنَى قَولِه «حَبيسٌ» سَواءٌ، فكأنهُ قالَ: «أَرضِي وَقفٌ»، وهذا باطِلٌ لا يَجوزُ في قَولِنا، وقالَ: وكذلكَ لو قالَ: «هي مُحرَّمةٌ حَبيسٌ، أو حَبيسٌ مُحرَّمةٌ» لا يَجوزُ؛ لأنه ذكَرَ حبْسَ الأَصلِ ولم يُسَمِّ لمَن الغَلةُ، فلذلكَ أبطَلْتُه.
ولو قالَ: «مَوقوفةٌ حَبيسٌ مُحرَّمةٌ لا تُباعُ ولا تُوهبُ ولا تُورثُ» ولم يَزِدْ على ذلكَ لا يَجوزُ، إلا أنْ يَجعلَ فيها معنى الصَّدقةِ أو المَساكينِ مع حَبسِ الأصلِ فيَجوزُ ذلكَ عندنا.
ولو قالَ: «حَبيسٌ صَدقةٌ، أو صَدقةٌ حَبيسٌ» قالَ هِلالٌ: هذا جائِزٌ، (وقالَ الفَقيهُ أبو جَعفرٍ): هذا يَنبغِي أنْ يَكونَ بمَنزلةِ قَولِه: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ»، ولو قالَ: «هي مَوقوفةٌ للهِ تعالى أبدًا» جازَ وإنْ لم يَذكُرِ الصدقةَ، ويَكونُ وَقفًا على الفُقراءِ؛ لأنَّ في قولِه: «مَوقوفةٌ للهِ تعالى أبدًا» دَليلًا على أنه أرادَ بها المَساكينَ؛ لأنَّ فيهِ قُربةً إلى اللهِ تعالى بقَولِه: «للهِ تعالى»، وخرَجَتْ مِنْ أنْ تَكونَ مَوقوفةً للدَّينِ بقَولِه: «للهِ تعالى أبدًا»، وكذا لو قالَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ على المَساكينِ» ولم يَقلْ: «أبدًا، أو قالَ: مَوقوفةٌ لوَجهِ اللهِ تعالى، أو مَوقوفةٌ لطَلبِ ثَوابِ اللهِ تعالَى».
стр. 6575
ولو أَوصَى بأنْ يُوقَفَ ثُلثُ أرضِه بعدَ وَفاتِه للهِ تعالى أبَدًا تَكونُ وَصيةً بالوَقفِ على الفُقراءِ، ولو قالَ: «أَرضِي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ على فُلانٍ» صَحَّ، ويَصيرُ تَقديرُه: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ على الفُقراءِ»؛ لأنَّ مَحلَّ الصدقةِ الفُقراءُ، إلا أنَّ غلَّتَها تَكونُ لفُلانٍ ما دامَ حَيًّا، ومِثلُه لو قالَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ على زَيدٍ أبدًا، أو قالَ: على وَلَدي أبدًا»؛ لأنه يَصحُّ مِنْ غَيرِ ذِكرِ الأبَدِ فمَعَ ذِكرِه أَولى، ولا يَصحُّ على قَولِ يُوسفَ بنِ خالدٍ السَّمتِيّ وإنْ ذكرَ الأبَدَ؛ لأنَّ ذِكرَ لَفظِ الأبَدِ مُضافٌ إلى الصَّدقةِ على زَيدٍ أو وَلدِه، وهو لا يَتأبَّدُ، فيَلغو هذا اللَّفْظُ … (١).
وقالَ هِلالُ الرَّأيِ ﵀: قالَ أبو حَنيفةَ ﵀: إذا قالَ الرَّجلُ: «أَرضِي هذه صَدقةٌ» وسَمَّى مَوضِعَها وحُدودَها ولم يَزِدْ على هذا شَيئًا أنه يَنبغي أنْ يتصدَّقَ بأَصلِها على الفُقراءِ والمَساكينِ، أو يَبيعَها ويَتصدَّقَ بثَمنِها على المَساكينِ، ولا تَكونُ وَقفًا، وهذا قَولُنا …
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ قالَ: «أَرضِي هذهِ صَدقةٌ على المَساكينِ»؟
قالَ: هذا والبابُ الأولُ سَواءٌ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وقَولُنا.
قلتُ: وسَواءٌ إنْ قالَ: «صَدقةٌ على المَساكينِ» أو قالَ: «صَدقةٌ» وسكَتَ؟
قالَ: نعمْ، هُمَا سَواءٌ، وكلُّ صَدقةٍ لا تُضافُ إلى أحَدٍ فهيَ للمَساكينِ.
قلتُ: أرَأيتَ رَجلًا قالَ: «أَرضِي هذهِ -وسَمَّى حُدودَها ومَوضِعَها- مَوقوفةٌ» ولمْ يَزِدْ على ذلكَ قَليلًا ولا كَثيرًا؟
стр. 6576
قالَ: لا تَكونُ أرضُه هذه صَدقةً ولا وَقفًا في قَولِ أبي حَنيفةَ وقَولِنا، وفي قَولِ أبي يُوسفَ إذا قالَ: «أَرضِي هذه مَوقوفة» ولم يَزِدْ على ذلكَ فهيَ على الفُقراءِ، وقال: قَولُه: «مَوقوفةٌ» لُغةٌ جامِعةٌ للوَقفِ والفُقراءِ، ويَكونُ وَقفًا لِلمَساكينِ وهذا قَولُ عُثمانَ البَتِّيِّ.
قلتُ: ولِمَ قلتَ: إذا قالَ: «أَرضِي هذه وَقفٌ» ولمْ يَزِدْ على ذلكَ أنَّ الوَقفَ باطِلٌ وخالَفْتَ أبا يُوسفَ؟
قالَ: لأنَّ الوَقفَ يَكونُ للغَنيِّ والفَقيرِ، ولمْ يُسَمِّ لأيِّهِما هي، فلذلكَ أبطَلْتُه … (١).
وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: لو قالَ: مَوقوفَةٌ فقط، لا تَصحُّ إلَّا عندَ أبي يُوسفَ، فإنه يَجعلُه بمُجَرَّدِ هذا اللَّفظِ وَقفًا على الفُقراءِ، وهو قَولُ عُثمانَ البَتِّيِّ، وإذا كانَ مُفيدًا لخُصوصِ المَصرِفِ -أعني الفُقراءَ- لَزمَ كونُه مُؤبَّدًا؛ لأنَّ جِهةَ الفُقراءِ لا تَنقطِعُ.
قالَ الصَّدرُ الشَّهيدُ: ومَشايخُ بَلخٍ يُفتُونَ بقَولِ أبي يُوسفَ، ونَحنُ نُفتِي بقَولِه أيضًا؛ لمَكانِ العُرفِ، وبهذا يَندفِعُ رَدُّ هِلالٍ قولَ أبي يُوسفَ بأنَّ الوَقفَ يَكونُ على الغَنيِّ والفَقيرِ ولم يُبيِّنْ فبطَلَ؛ لأنَّ العُرفَ إذا كانَ يَصرِفُه للفُقراءِ كانَ كالتَّنصيصِ عليهم، فلو قالَ: «مَوقوفةٌ على الفُقراءِ» صَحَّ عندَ هِلالٍ أيضًا؛ لزَوالِ الاحتِمالِ بالتَّنصيصِ على الفُقراءِ، بخِلافِ قَولِه: «مَحبوسةٌ، أو حَبسٌ»،
стр. 6577
ولو كانَ في «حَبسٌ» مِثلُ هذا العُرفِ يَجبُ أنْ يَكونَ كقولِه: «مَوقوفةٌ»، وكذا إذا قالَ: «للسَّبيلِ» إذا تَعارَفوهُ وَقفًا مُؤبَّدًا على الفُقراءِ كانَ كذلكَ، وإلا سُئِلَ، فإنْ قالَ: «أرَدتُ الوَقفَ» صارَ وَقفًا؛ لأنه مُحتمَلٌ لَفظُه (١).
وقالَ في «الإسْعَاف» أيضًا: لو قالَ: «وَقَفتُ أَرضِي هذه، أو قالَ: جَعلْتُها مَوقوفةً» ولمْ يَزِدْ عليه جازَ عندَ أبي يُوسفَ وصارَتْ وَقفًا على الفُقراءِ، وبه أفتَى مَشايخُ بَلخٍ وعليه الفتَوى؛ لأنَّ قَولَه: «وَقَفتُ» يَقتضِي إزالتَهُ إلى اللهِ تعالى ثمَّ إلى نائِبِه وهو الفَقيرُ، وذا يَقتضي التَّأبيدَ، فلا حاجةَ إلى ذِكرِه كالإعتاقِ …
ولو قالَ: «وَقَفتُ أَرضي هذه على وَلدِ زَيدٍ» أو ذكَرَ جَماعةً بأعْيانِهم لم يَصحَّ عندَ أبي يُوسفَ أيضًا؛ لأنَّ تَعيينَ المَوقوفِ عليه يَمنعُ إرادةَ غيرِه، بخِلافِ ما إذا لم يُعيِّنْ؛ لجَعلِه إيَّاه وَقفًا على الفُقراءِ، ألَا تَرى الفرقَ بينَ قَولِه: «أَرضِي هذه مَوقوفةٌ» وبينَ قولِه: «مَوقوفةٌ على وَلدِي»؟ فصحَّحَ الأوَّلَ دونَ الثَّاني؛ لأنَّ مُطلَقَ قولِه: «مَوقوفةٌ» يَنصرِفُ إلى الفُقراءِ عُرفًا، فإذا ذكَرَ الولَدَ صارَ مُقيَّدًا فلا يَبقَى العُرفُ، فظهَرَ بهذا أنَّ الخِلافَ بينَهُما في اشتِراطِ ذِكرِ التَّأبيدِ وعَدمِه إنَّما هو في التَّنصيصِ عليه أو على ما يَقومُ مَقامَه كالفُقراءِ ونحوِهم، وأمَّا التَّأبيدُ مَعنًى فشَرطٌ اتِّفاقًا على الصَّحيحِ، وقد نَصَّ عليه مُحَقِّقو المَشايخِ ﵏ (٢).
стр. 6578
الرُّكنُ الثَّاني: الواقِفُ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ في الواقفِ عِدَّةَ شُروطٍ منها ما يَلي:
الشَّرطُ الأوَّلُ: أنْ يَكونَ الواقفُ أهلًا للتَّبرُّعِ:
اشتَرطَ الفُقَهاء في الواقفِ أنْ يَكونَ أهلًا للتَّبرعِ؛ لأنَّ الوَقفَ مِنْ التَّبرعاتِ، فيُشترطُ فيهِ أنْ يَكونَ أهلًا لها.
وتَتحقَّقُ أهليةُ التَّبرعِ بما يَلي:
أ- أنْ يَكونَ الواقِفُ مُكلَّفًا: أي أنْ يَكونَ بالِغًا عاقِلًا، فلا يَصحُّ الوَقفُ مِنْ الصبيِّ والمَجنونِ باتَّفاقِ الفُقهاءِ؛ لأنَّ الوَقفَ مِنْ التصرُّفاتِ الضارَّةِ؛ لكونِه إزالَةَ المِلكِ بغَيرِ عِوضٍ، والصبيُّ والمَجنونُ ليسَا مِنْ أهلِ التَّصرفاتِ الضارَّةِ، ولهذا لا تَصحُّ مِنهُما الهِبةُ والصَّدقةُ والإعتاقُ ونحوُ ذلكَ (١).
ب- أنْ يَكونَ الواقفُ حُرًّا: فلا يَصحُّ الوَقف مِنْ العَبدِ؛ لأنه إزالةُ المِلكِ، والعَبدُ ليس مِنْ أهلِ المِلكِ، وسَواءٌ كانَ مَأذونًا أو مَحجورًا؛ لأنَّ
стр. 6579
هذا ليس مِنْ بابِ التِّجارةِ ولا مِنْ ضَروراتِ التِّجارةِ، فلا يَملكُه المَأذونُ كما لا يَملكُ الصَّدقةَ والهِبةَ والإعتاقَ (١).
ج- أنْ يَكونَ مُخْتارًا: فلا يَصحُّ وَقفُ المُكرَهِ كما نَصَّ على ذلكَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنبليةُ؛ لأنه في حالةِ الإكراهِ ليسَ صَحيحَ العِبارةِ ولا أهلًا للتَّبرعِ ولا لغيرِه؛ إذ قَولُه وفِعلُه للإكراهِ لَغوٌ منهُ (٢)، وهو أيضًا مُقتضَى كَلامِ الحَنفيةِ.
د- ألا يَكونَ مَحجورًا عليه لسَفهٍ أو فَلَسٍ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ في الجُملةِ لصِحةِ الوَقفِ ألا يَكونَ الواقفُ مَحجورًا عليه، والحَجرُ نَوعانِ: الحَجْرُ لسَفهٍ والحَجرُ لفَلسٍ:
أوَّلًا: الحَجرُ لسَفهٍ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ -على خِلافٍ سيَأتي عندَهُم- والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في الجُملةِ إلى أنه يُشترطُ في الواقفِ ألا يَكونَ مَحجورًا عليه لسَفهٍ؛ لأنَّ الوَقفَ تَبرعٌ، والمَحجورُ عليه ليسَ أهلًا للتَّبرعِ.
قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: مِنْ شَرائِطِ الوَقفِ عَدمُ الحَجرِ على الواقفِ لسَفهٍ أو دَينٍ، كذا أطلَقَه الخَصَّافُ.
стр. 6580
ويَنبغي أنه إذا وقَفَها في الحَجرِ للسَّفهِ على نَفسِهِ ثمَّ لجِهةٍ لا تَنقطِعُ أنْ يَصحَّ على قَولِ أبي يُوسفَ، وهو الصَّحيحُ عندَ المُحَقِّقينَ، وعندَ الكُلِّ إذا حكَمَ به حاكِمٌ، كذا في «فَتْح القَديرِ»، وهو مَدفوعٌ بأنَّ الوَقفَ تَبرعٌ وهو ليسَ مِنْ أهلِهِ (١).
وفي «النَّهْر»: يُمكِنُ أنْ يُجابَ بأنَّ المَمنوعَ التَّبرعُ على غيرِه لا على نَفسِه كما هُنا، واستِحقاقُ الغَيرِ له إنَّما هو بعد مَوتِه (٢).
وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: وشَرطُه شَرطُ سائِرِ التَّبرعاتِ، عن «الفَتْح» أنه لو وقَفَه على نَفسِه ثمَّ على جِهةٍ لا تَنقطِعُ يَنبغي أنْ يَصحَّ على قَولِ أبي يُوسفَ المُصحَّحِ، وعند الكُلِّ إذا حكَمَ به حاكِمٌ. اه وتقدَّمَ هُناكَ الكَلامُ عليه.
وحاصِلُه: أنَّ وقْفَه على نَفسِه ليس تَبرعًا، بَقيَ أنَّ عدَمَ صِحةِ وَقفِ المَحجورِ إنَّما يَظهرُ على قَولِهما بصِحةِ حَجْرِ السَّفيهِ، أمَّا على قولِه -أي: أبي حَنيفةَ- فلا؛ لأنه لا يَرى صِحةَ حَجرِه -كما تقدَّمَ في الحَجرِ- فيَبقَى تَصرُّفُه نافِذًا، وعن هذا حكَمَ بَعضُ القُضاةِ بصِحةِ وَقفِه؛ لأنَّ القَضاءَ بحَجرِه لا يَرفَعُ الخِلافَ؛ لوُقوعِ الخِلافِ في نَفسِ القَضاءِ كما صرَّحَ به في «الهِدايَة»، فيَصحُّ الحُكمُ بصِحةِ تَصرُّفِه عندَ الإمامِ، فيَصحُّ وَقفُه.
لكنَّ الحُكمُ بلُزومِه مُشكِلٌ؛ لأنَّ الإمامَ وإنْ قالَ بصِحةِ تَصرُّفِه لكنَّه لا يَقولُ بلُزومِ الوَقفِ، والقائِلُ بلُزومِه لا يَقولُ بصِحةِ تَصرُّفِ المَحجورِ،
стр. 6581
فيَصيرُ الحُكمُ بلُزومِ وَقفِه مُركَّبًا مِنْ مَذهَبَينِ، هذا حاصِلُ ما ذكرَهُ في «أَنفَع الوَسائِلِ»، وأجابَ عنهُ بأنه في «المُنْيَة» المُفتِي جَوَّزَ الحُكمَ المُلفَّقَ، وقدَّمْنا ما فيهِ عند الكَلامِ على وَقفِ المَشاعِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: شَرطُ الواقفِ أنْ يَكونَ أهلًا للتَّبرعِ، وهو مَنْ لا حَجْرَ عليه لسَفهٍ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: لا يَصحُّ وَقفُ المَحجورِ عليه لسَفهٍ ولو بمُشاوَرةِ ومُباشَرةِ ولِيِّه؛ لعَدمِ أهليةِ التَّبرعِ منهُ (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: لا يَصحُّ الوَقفُ مِنْ سَفيهٍ (٤).
ثانِيًا: الحَجْرُ لفَلَسٍ:
المَدينُ إمَّا أنْ يُوقِفَ قبلَ الحَجْرِ عليه لفَلسٍ أو بعدَه.
فإنْ وقَفَ قبلَ الحَجرِ عليه فقدْ ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في الجُملةِ إلى أنَّ المُفلِسَ المَديونَ إذا أوقَفَ قبلَ الحَجْرِ عليه أنَّ تَصرُّفَه نافِذٌ والوَقفَ صَحيحٌ.
стр. 6582
واختَلَفوا فيما لو أوقَفَ بعدَ الحَجْرِ عليهِ:
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما فعَلَه المُفلِسُ قبلَ حَجْرِ الحاكِمِ عليه مِنْ بَيعٍ أو هِبةٍ أو إقرارٍ أو قَضاءِ بَعضِ الغُرماءِ أو غيرِ ذلكَ فهو جائِزٌ نافِذٌ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ ومالكٌ والشافِعيُّ، ولا نَعلمُ أحَدًا خالَفَهم، ولأنه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه، فنفَذَ تَصرُّفُه كغَيرِه، ولأنَّ سبَبَ المَنعِ الحَجرُ، فلا يَتقدَّمُ سبَبَه، ولأنه مِنْ أهلِ التَّصرُّفِ ولم يُحجَرْ عليه، فأشبَهَ المَليءَ، وإنْ أَكرَى جَملًا بعَينِه أو دارًا لم تَنفسِخْ إجارَتهُ بالفَلسِ، وكان المُكتَري أحَقَّ به حتى تَنقضيَ مدَّتُه (١).
قالَ الحَنفيةُ: ولا يَصحُّ مِنْ المَديونِ المَحجورِ على قَولِ مَنْ يَرَى به، وإنْ لم يَكنْ مَحجورًا عليه -يَعني المَديونَ- يَصحُّ وَقفُه وإنْ قصَدَ به ضرَرَ غُرَمائِه؛ لثُبوتِ حقِّهِم في ذمَّتِه (٢).
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: (قَولُه: بخِلافِ صَحيحٍ) أي: وَقفِ مَديونٍ صَحيحٍ، فأنه يَصحُّ ولو قصَدَ به المُماطَلةَ؛ لأنه صادَفَ مِلكَه كما في «أَنفَع الوَسائِل» عن «الذَّخيرَة»، قالَ في «الفَتْح»: وهو لازِمٌ لا يَنقضُه أربابُ الدُّيونِ إذا كانَ قبلَ الحَجرِ بالاتِّفاقِ؛ لأنه لم يَتعلَّقْ حقُّهُم في حالِ صِحَّتِه. اه
وبه أفتَى في «الخَيريَّة» مِنْ البُيوعِ، وذكرَ أنه أَفتَى به ابنُ نُجيمٍ، وسَيأتي فيهِ كلامٌ عن «المَعروُضات» (٣).
стр. 6583
وذهَبَ بَعضُ الحَنفيةُ كأبي السُّعودِ وتِلميذِه الشَّيخِ إسماعيلَ الحائِكِ لعَدمِ صِحَّةِ الوَقفِ في هذه الحالةِ.
فقدْ سُئِلَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀ في رَجُلٍ صَحيحٍ مَديونٍ دَينًا مُستَغرِقًا إذا وقَفَ وَقفًا على جِهةِ بِرٍّ لا تَنقطِعُ، وسجَّلَه القاضي تَسجيلًا شَرعيًّا، ثمَّ ماتَ، فهل يُنقَضُ وَقفُه لأربابِ الدُّيونِ أو لا؟
أجابَ: حَيثُ صارَ الوَقفُ مُسجَّلًا شَرعًا لا يُنقَضُ لذلكَ؛ لأنَّ الوَقفَ تَبرعٌ، ولم يُشترطْ لصحَّتِه بَراءةُ الذِّمةِ مِنْ الدَّينِ المُستغرِقِ بالإجماعِ، هذا إذا لم يَكُنْ مَحجورًا عليه بسَفهٍ أو بدَينٍ على رَأيِ مَنْ يَراهُ، ولا يَثبتُ الحَجرُ إلَّا بالقَضاءِ كما صَرَّحوا به، قالَ في «الإسْعَاف»: وإنْ لم يَكنْ مَحجورًا عليه -يَعني المَديونَ- يَصِحُّ وَقفُه وإنْ قصَدَ به ضرَرَ غُرمائِه. اه
وصرَّحَ به غَيرُه، فقدْ خالَفَ وقْفَ المَريضِ مرَضَ المَوتِ المُحيطِ دَينُه بمالِه؛ لتَعلُّقِ حقِّ الغُرَماءِ حِينئذٍ بالعَينِ، وهُنا بالذِّمةِ مَحضًا، وبَنى عُلماؤُنا الأحكامَ على ذلكَ، وأمَّا إذا كانَ مَحْجورًا عليه فأطلَقَ الخَصَّافُ أنه لا يَصحُّ، وقالَ ابنُ الهُمامِ: يَنبغي أنْ يَصحَّ، وهو الصَّحيحُ عندَ المُحَقِّقينَ، وعندَ الكُلِّ إذا حكَمَ به حاكِمٌ. اه
(أقولُ): قالَ العَلائيُّ في «الدُّرّ المُختَار»: وبطَلَ وَقفُ راهِنٍ مُعسِرٍ ومَريضٍ مَديونٍ بمُحيطٍ بخِلافِ صَحيحٍ لو قبلَ الحَجرِ، ثمَّ قالَ: قلتُ: لَكنْ في «مَعروُضات» المُفتِي أبي السُّعودِ سُئلَ عمَّنْ وقَفَ على أولادِه وهرَبَ مِنْ الدُّيونِ، هل يَصحُّ؟
стр. 6584
فأجابَ: لا يَصِحُّ ولا يَلزمُ، والقُضاةُ مَمنوعونَ مِنْ الحُكمِ وتَسجيلِ الوَقفِ بمِقدارِ ما شُغِلَ بالدَّيْنِ. اه، فلْيُحفظْ، فقدْ استَدرَكَ العَلائيُّ بما في «المَعْروُضات» وأقَرَّهُ، وقد تَبِعَه تِلميذُه العَلَّامةُ الشَّيخُ إسماعيلُ الحائِك في فَتاويهِ؛ سُئِلَ في رَجلٍ عليه دَينٌ لزَيدٍ وله دارٌ مِلكٌ فقط لا يَفي ثَمنُها بقَدرِ دَينِه، وليسَ له ما يُوَفِّي به دَينَه فوقَفَ الدَّارَ لمَنعِ صاحِبِ الدَّينِ؟
أجابَ: ليس للقاضي أنْ يُنفِذَ هذا الوَقفَ، ويُجبَرُ الرَّجلُ المَزبورُ على بَيعِه ووَفاءِ الدَّينِ، والقُضاةُ مَمنوعونَ عن تَنفيذِ مثلِ هذا الوَقفِ كما أفادَهُ المَرحومُ المُفتِي الأعظَمُ أبو السُّعودِ أفَنْدِي غمَرَه اللهُ بغُفرانِه (١).
وأمَّا المالِكيةُ فيُفرِّقونَ بينَ أنْ يَكونَ الوَقفُ قبل الدَّينِ أو بعدُ، وبينَ حَوزِ المَوقوفِ وعَدمِه.
فإنْ كانَ الوَقفُ بعدَ تَحقُّقِ الدَّينِ بطَلَ الوَقفُ ويُباعُ للدَّينِ؛ تَقديمًا للواجِبِ على التَّبرعِ، سَواءٌ وقَفَ على مَحجورِه أو على غيرِه.
وإنْ كانَ الوَقفُ قبلَ الدَّينِ: فإنْ كانَ المَوقوفُ عليه قد حازَ المَوقوفَ عليه قبل الدَّينِ فإنَّ الوَقفَ يَكونُ صَحيحًا ويَتعلَّقُ الدَّينُ بذمَّةِ الواقفِ.
وإنْ كانَ المَوقوفُ عليه لم يَحُزِ الوَقفَ حتى حصَلَ الدَّينُ فالغَريمُ مُخيَّرٌ بينَ إمضاءِ الوَقفِ وبينَ إبطالِه وأخذِه في دَينِه؛ لأنَّ الحَقَّ له.
وإنْ جهِلَ سبْقَ أحَدِهما بأنْ وقَفَ وَقفًا وعلى الواقفِ دَينٌ، ولم يعلَمْ هل الدَّينُ قبل الوَقفِ أو بعدَه، فإنْ كانَ المَوقوفُ قد خرَجَ مِنْ تحتِ يَدِ
стр. 6585
الواقفِ وحازَه المَوقوفُ عليه وهو غيرُ مَحجورِه صَحَّ الوَقفُ، وإنْ لم يَخرجْ مِنْ تحتِ يَدَيهِ فإنَّ الوَقفَ يَكونُ باطِلًا ويُباعُ للدَّينِ؛ تَقديمًا للواجِبِ على التَّبرعِ.
وإنْ وقَفَ شَخصٌ على مَحجورِه وحصَلَ الدَّينُ بعد الوَقفِ وحازَه الأبُ لمَحجورِه قبلَ حَصولِ الدَّينِ صَحَّ الوَقفُ بشُروطٍ أربَعةٍ:
١ - أنْ يُشهِدَ الواقفُ على الوَقفِ.
٢ - وأنْ يَصرِفَ الغلَّةَ في مَصرِفِها مِنْ مَنافعِ مَحجورِه لا مَنافعِ نَفسِه.
٣ - وألَّا يَكونَ المَوقوفُ دارًا يَسكنُها الواقفُ.
٤ - وألَّا يَكونَ ما وقَفَه الواقفُ على مَحجورِه مَشاعًا ولم يُعيِّنْ له حصَّةً فيه.
فإنْ لم تَتوفَّرْ هذه الشُّروطُ أو أحَدُها بطَلَ الوَقفُ.
وأمَّا إنْ وقَفَ وَقفًا على مَحجورِه وحازَه له -مع الشُّروطِ الأربَعةِ السابقةِ بأنْ أشهَدَ على الوَقفِ، وصرَفَ الغلَّةَ للمَوقوفِ عليه، وليس المَوقوفُ دارَ سُكنى للواقِفِ، ولا مَشاعًا لم يُعيِّنْ له حصَّتَه- وعلى الواقفِ دَينٌ وجُهِلَ السابقُ منهُما، بأنْ لم يُعلَمْ هل الدَّينُ قبلَ الوَقفِ أو بعدَه- فإنَّ الوَقفَ يَكونُ باطِلًا، ويُباعُ للدَّينِ؛ تَقديمًا للواجِبِ على التَّبرعِ؛ لضَعفِ هذا الحَوزِ الحاصِلِ مِنْ الواقفِ؛ لكَونِ الوَقفِ لم يَخرجْ مِنْ تحتِ يَدِه؛ لأنهم يَقولونَ: «قد حُزْناهُ بحَوزِ أبِينَا له»، ولذا لو حازَه للمَحجورِ أجنَبيٌّ بإذنِ