فيَصيرُ الحُكمُ بلُزومِ وَقفِه مُركَّبًا مِنْ مَذهَبَينِ، هذا حاصِلُ ما ذكرَهُ في «أَنفَع الوَسائِلِ»، وأجابَ عنهُ بأنه في «المُنْيَة» المُفتِي جَوَّزَ الحُكمَ المُلفَّقَ، وقدَّمْنا ما فيهِ عند الكَلامِ على وَقفِ المَشاعِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: شَرطُ الواقفِ أنْ يَكونَ أهلًا للتَّبرعِ، وهو مَنْ لا حَجْرَ عليه لسَفهٍ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: لا يَصحُّ وَقفُ المَحجورِ عليه لسَفهٍ ولو بمُشاوَرةِ ومُباشَرةِ ولِيِّه؛ لعَدمِ أهليةِ التَّبرعِ منهُ (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: لا يَصحُّ الوَقفُ مِنْ سَفيهٍ (٤).
ثانِيًا: الحَجْرُ لفَلَسٍ:
المَدينُ إمَّا أنْ يُوقِفَ قبلَ الحَجْرِ عليه لفَلسٍ أو بعدَه.
فإنْ وقَفَ قبلَ الحَجرِ عليه فقدْ ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في الجُملةِ إلى أنَّ المُفلِسَ المَديونَ إذا أوقَفَ قبلَ الحَجْرِ عليه أنَّ تَصرُّفَه نافِذٌ والوَقفَ صَحيحٌ.
стр. 6582
واختَلَفوا فيما لو أوقَفَ بعدَ الحَجْرِ عليهِ:
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما فعَلَه المُفلِسُ قبلَ حَجْرِ الحاكِمِ عليه مِنْ بَيعٍ أو هِبةٍ أو إقرارٍ أو قَضاءِ بَعضِ الغُرماءِ أو غيرِ ذلكَ فهو جائِزٌ نافِذٌ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ ومالكٌ والشافِعيُّ، ولا نَعلمُ أحَدًا خالَفَهم، ولأنه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه، فنفَذَ تَصرُّفُه كغَيرِه، ولأنَّ سبَبَ المَنعِ الحَجرُ، فلا يَتقدَّمُ سبَبَه، ولأنه مِنْ أهلِ التَّصرُّفِ ولم يُحجَرْ عليه، فأشبَهَ المَليءَ، وإنْ أَكرَى جَملًا بعَينِه أو دارًا لم تَنفسِخْ إجارَتهُ بالفَلسِ، وكان المُكتَري أحَقَّ به حتى تَنقضيَ مدَّتُه (١).
قالَ الحَنفيةُ: ولا يَصحُّ مِنْ المَديونِ المَحجورِ على قَولِ مَنْ يَرَى به، وإنْ لم يَكنْ مَحجورًا عليه -يَعني المَديونَ- يَصحُّ وَقفُه وإنْ قصَدَ به ضرَرَ غُرَمائِه؛ لثُبوتِ حقِّهِم في ذمَّتِه (٢).
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: (قَولُه: بخِلافِ صَحيحٍ) أي: وَقفِ مَديونٍ صَحيحٍ، فأنه يَصحُّ ولو قصَدَ به المُماطَلةَ؛ لأنه صادَفَ مِلكَه كما في «أَنفَع الوَسائِل» عن «الذَّخيرَة»، قالَ في «الفَتْح»: وهو لازِمٌ لا يَنقضُه أربابُ الدُّيونِ إذا كانَ قبلَ الحَجرِ بالاتِّفاقِ؛ لأنه لم يَتعلَّقْ حقُّهُم في حالِ صِحَّتِه. اه
وبه أفتَى في «الخَيريَّة» مِنْ البُيوعِ، وذكرَ أنه أَفتَى به ابنُ نُجيمٍ، وسَيأتي فيهِ كلامٌ عن «المَعروُضات» (٣).
стр. 6583
وذهَبَ بَعضُ الحَنفيةُ كأبي السُّعودِ وتِلميذِه الشَّيخِ إسماعيلَ الحائِكِ لعَدمِ صِحَّةِ الوَقفِ في هذه الحالةِ.
فقدْ سُئِلَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀ في رَجُلٍ صَحيحٍ مَديونٍ دَينًا مُستَغرِقًا إذا وقَفَ وَقفًا على جِهةِ بِرٍّ لا تَنقطِعُ، وسجَّلَه القاضي تَسجيلًا شَرعيًّا، ثمَّ ماتَ، فهل يُنقَضُ وَقفُه لأربابِ الدُّيونِ أو لا؟
أجابَ: حَيثُ صارَ الوَقفُ مُسجَّلًا شَرعًا لا يُنقَضُ لذلكَ؛ لأنَّ الوَقفَ تَبرعٌ، ولم يُشترطْ لصحَّتِه بَراءةُ الذِّمةِ مِنْ الدَّينِ المُستغرِقِ بالإجماعِ، هذا إذا لم يَكُنْ مَحجورًا عليه بسَفهٍ أو بدَينٍ على رَأيِ مَنْ يَراهُ، ولا يَثبتُ الحَجرُ إلَّا بالقَضاءِ كما صَرَّحوا به، قالَ في «الإسْعَاف»: وإنْ لم يَكنْ مَحجورًا عليه -يَعني المَديونَ- يَصِحُّ وَقفُه وإنْ قصَدَ به ضرَرَ غُرمائِه. اه
وصرَّحَ به غَيرُه، فقدْ خالَفَ وقْفَ المَريضِ مرَضَ المَوتِ المُحيطِ دَينُه بمالِه؛ لتَعلُّقِ حقِّ الغُرَماءِ حِينئذٍ بالعَينِ، وهُنا بالذِّمةِ مَحضًا، وبَنى عُلماؤُنا الأحكامَ على ذلكَ، وأمَّا إذا كانَ مَحْجورًا عليه فأطلَقَ الخَصَّافُ أنه لا يَصحُّ، وقالَ ابنُ الهُمامِ: يَنبغي أنْ يَصحَّ، وهو الصَّحيحُ عندَ المُحَقِّقينَ، وعندَ الكُلِّ إذا حكَمَ به حاكِمٌ. اه
(أقولُ): قالَ العَلائيُّ في «الدُّرّ المُختَار»: وبطَلَ وَقفُ راهِنٍ مُعسِرٍ ومَريضٍ مَديونٍ بمُحيطٍ بخِلافِ صَحيحٍ لو قبلَ الحَجرِ، ثمَّ قالَ: قلتُ: لَكنْ في «مَعروُضات» المُفتِي أبي السُّعودِ سُئلَ عمَّنْ وقَفَ على أولادِه وهرَبَ مِنْ الدُّيونِ، هل يَصحُّ؟
стр. 6584
فأجابَ: لا يَصِحُّ ولا يَلزمُ، والقُضاةُ مَمنوعونَ مِنْ الحُكمِ وتَسجيلِ الوَقفِ بمِقدارِ ما شُغِلَ بالدَّيْنِ. اه، فلْيُحفظْ، فقدْ استَدرَكَ العَلائيُّ بما في «المَعْروُضات» وأقَرَّهُ، وقد تَبِعَه تِلميذُه العَلَّامةُ الشَّيخُ إسماعيلُ الحائِك في فَتاويهِ؛ سُئِلَ في رَجلٍ عليه دَينٌ لزَيدٍ وله دارٌ مِلكٌ فقط لا يَفي ثَمنُها بقَدرِ دَينِه، وليسَ له ما يُوَفِّي به دَينَه فوقَفَ الدَّارَ لمَنعِ صاحِبِ الدَّينِ؟
أجابَ: ليس للقاضي أنْ يُنفِذَ هذا الوَقفَ، ويُجبَرُ الرَّجلُ المَزبورُ على بَيعِه ووَفاءِ الدَّينِ، والقُضاةُ مَمنوعونَ عن تَنفيذِ مثلِ هذا الوَقفِ كما أفادَهُ المَرحومُ المُفتِي الأعظَمُ أبو السُّعودِ أفَنْدِي غمَرَه اللهُ بغُفرانِه (١).
وأمَّا المالِكيةُ فيُفرِّقونَ بينَ أنْ يَكونَ الوَقفُ قبل الدَّينِ أو بعدُ، وبينَ حَوزِ المَوقوفِ وعَدمِه.
فإنْ كانَ الوَقفُ بعدَ تَحقُّقِ الدَّينِ بطَلَ الوَقفُ ويُباعُ للدَّينِ؛ تَقديمًا للواجِبِ على التَّبرعِ، سَواءٌ وقَفَ على مَحجورِه أو على غيرِه.
وإنْ كانَ الوَقفُ قبلَ الدَّينِ: فإنْ كانَ المَوقوفُ عليه قد حازَ المَوقوفَ عليه قبل الدَّينِ فإنَّ الوَقفَ يَكونُ صَحيحًا ويَتعلَّقُ الدَّينُ بذمَّةِ الواقفِ.
وإنْ كانَ المَوقوفُ عليه لم يَحُزِ الوَقفَ حتى حصَلَ الدَّينُ فالغَريمُ مُخيَّرٌ بينَ إمضاءِ الوَقفِ وبينَ إبطالِه وأخذِه في دَينِه؛ لأنَّ الحَقَّ له.
وإنْ جهِلَ سبْقَ أحَدِهما بأنْ وقَفَ وَقفًا وعلى الواقفِ دَينٌ، ولم يعلَمْ هل الدَّينُ قبل الوَقفِ أو بعدَه، فإنْ كانَ المَوقوفُ قد خرَجَ مِنْ تحتِ يَدِ
стр. 6585
الواقفِ وحازَه المَوقوفُ عليه وهو غيرُ مَحجورِه صَحَّ الوَقفُ، وإنْ لم يَخرجْ مِنْ تحتِ يَدَيهِ فإنَّ الوَقفَ يَكونُ باطِلًا ويُباعُ للدَّينِ؛ تَقديمًا للواجِبِ على التَّبرعِ.
وإنْ وقَفَ شَخصٌ على مَحجورِه وحصَلَ الدَّينُ بعد الوَقفِ وحازَه الأبُ لمَحجورِه قبلَ حَصولِ الدَّينِ صَحَّ الوَقفُ بشُروطٍ أربَعةٍ:
١ - أنْ يُشهِدَ الواقفُ على الوَقفِ.
٢ - وأنْ يَصرِفَ الغلَّةَ في مَصرِفِها مِنْ مَنافعِ مَحجورِه لا مَنافعِ نَفسِه.
٣ - وألَّا يَكونَ المَوقوفُ دارًا يَسكنُها الواقفُ.
٤ - وألَّا يَكونَ ما وقَفَه الواقفُ على مَحجورِه مَشاعًا ولم يُعيِّنْ له حصَّةً فيه.
فإنْ لم تَتوفَّرْ هذه الشُّروطُ أو أحَدُها بطَلَ الوَقفُ.
وأمَّا إنْ وقَفَ وَقفًا على مَحجورِه وحازَه له -مع الشُّروطِ الأربَعةِ السابقةِ بأنْ أشهَدَ على الوَقفِ، وصرَفَ الغلَّةَ للمَوقوفِ عليه، وليس المَوقوفُ دارَ سُكنى للواقِفِ، ولا مَشاعًا لم يُعيِّنْ له حصَّتَه- وعلى الواقفِ دَينٌ وجُهِلَ السابقُ منهُما، بأنْ لم يُعلَمْ هل الدَّينُ قبلَ الوَقفِ أو بعدَه- فإنَّ الوَقفَ يَكونُ باطِلًا، ويُباعُ للدَّينِ؛ تَقديمًا للواجِبِ على التَّبرعِ؛ لضَعفِ هذا الحَوزِ الحاصِلِ مِنْ الواقفِ؛ لكَونِ الوَقفِ لم يَخرجْ مِنْ تحتِ يَدِه؛ لأنهم يَقولونَ: «قد حُزْناهُ بحَوزِ أبِينَا له»، ولذا لو حازَه للمَحجورِ أجنَبيٌّ بإذنِ
стр. 6586
الوَليِّ في صحَّتِه لَصَحَّ الوَقفُ، كالوَلدِ الكبيرِ أو الأجنَبيِّ يَحوزُ لنَفسِهِ في صحَّةِ الواقفِ، فلا يَبطلُ بجَهلِ السَّبقِ بل بتَحقُّقِه.
وكذا لو حازَ المَحجورُ مِنْ صَغيرٍ أو سَفيهٍ لنَفسِه فلا يَبطلُ الوَقفُ، وحَوزُهم مُعتبَرٌ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: إذا كانَ الواقفُ مَدينًا غيرَ مَحجورٍ عليه صَحَّ تَصرُّفُه، وهُوَ أيضًا قَولُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ، وإنْ كانَ مَحجورًا عليه بطَلَ تَصرُّفُه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما فعَلَه المُفلِسُ قبلَ حَجرِ الحاكِمِ عليهِ مِنْ بَيعٍ أو هِبةٍ أو إقرارٍ أو قَضاءِ بَعضِ الغُرَماءِ أو غيرِ ذلكَ فهو جائِزٌ نافِذٌ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ، ولا نَعلمُ أحَدًا خالَفَهم، ولأنه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه، فنفَذَ تَصرُّفُه كغيرِه، ولأنَّ سبَبَ المَنعِ الحَجْرُ، فلا يَتقدَّمُ سبَبَه، ولأنه مِنْ أهلِ التَّصرفِ ولمْ يُحجَرْ عليه، فأشبَهَ المَليءَ، وإنْ أَكرَى جَملًا بعَينِه أو دارًا لم تَنفسِخْ إجارَتُه بالفَلَسِ، وكان المُكتَري أحَقَّ به حتى تَنقضيَ مدَّتُه.
ومتى حُجِرَ عليه لم يَنفذْ تَصرفُه في شيءٍ مِنْ مالِه، فإنْ تَصرَّفَ ببَيعٍ أو هِبةٍ أو وَقفٍ أو أصدَقَ امرأةً مالًا له أو نحوَ ذلكَ لم يَصحَّ، وبهذا قالَ مالكٌ
стр. 6587
والشافِعيُّ في قَولٍ، وقالَ في آخَرَ: يَقفُ تَصرُّفُه، فإنْ كانَ فيما بَقيَ مِنْ مالِه وَفاءُ الغُرماءِ نفَذَ، وإلا بطَلَ.
ولنا: أنه مَحجورٌ عليه بحُكمِ حاكِمٍ، فلم يَصحَّ تَصرُّفُه كالسَّفيهِ، ولأنَّ حُقوقَ الغُرماءِ تَعلَّقتْ بأعْيانِ مالِه، فلم يَصحَّ تَصرُّفُه فيها كالمَرهونةِ.
فأمَّا إنْ تَصرَّفَ في ذمَّتِه فاشتَرى أو اقتَرضَ أو تَكفَّلَ صَحَّ تَصرُّفُه؛ لأنه أهلٌ للتصرُّفِ، وإنَّما وُجِدَ في حقِّهِ الحَجرُ، والحَجرُ إنَّما يَتعلَّقُ بمالِه لا بذِمتِه، ولكنْ لا يُشارِكُ أصحابُ هذه الدُّيونِ الغُرَماءَ؛ لأنهُم رَضُوا بذلكَ إذا عَلِموا أنه مُفلِسٌ وعامَلوهُ، ومَن لم يَعلمْ فقدْ فرَّطَ في ذلكَ، فإنَّ هذا في مَظنَّةِ الشُّهرةِ، ويُتبَعُ بها بعد فَكِّ الحَجرِ عنهُ (١).
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: وتَصرفُ المُفلِسِ في مالِه قبلَ الحَجرِ عليه صَحيحٌ نصًّا ولو استَغرَقَ دَينُه جَميعَ مالِه؛ لأنه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه، ولأنَّ سبَبَ المَنعِ الحَجرُ، فلا يَتقدَّمُ سبَبَه، ويَحرمُ إنْ أضَرَّ بغَريمِه، ذكَرَه الآمِديُّ البَغداديُّ (٢).
هـ - وَقفُ المَريضِ مرَضَ المَوتِ:
المَريضُ إمَّا أنْ يُوقِفَ لغيرِ وَرثتِه، وإمَّا أنْ يُوقِفَ لوَرثتِه، وفي الحالَتينِ إمَّا أن يَكونَ مَدِينًا أو لا؟
стр. 6588
أ - الوَقفُ على غَيرِ الوَرثةِ: نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على أنَّ المَريضَ مرَضَ المَوتِ إنْ أوقَفَ لغَيرِ وَرثتِه صَحَّ الوَقفُ، ولكنَّه كالوَصيةِ في حقِّ نُفوذِه مِنْ الثُّلثِ؛ لأنه تَبرعٌ، والتَّبرعُ مِنْ المَريضِ بمَنزلةِ الوَصيةِ المُضافةِ إلى ما بعد المَوتِ، فيُعتبَرُ مِنْ الثُّلثِ، إلا أنْ يُجيزَه الوَرثةُ بعدَ مَوتِه لا قبلَه، فيَصحُّ فيما زادَ عن الثُّلثِ.
قالَ الحَنفيةُ: الوَقفُ في مَرضِ المَوتِ لازِمٌ، ولكنَّه كالوَصيةِ في حقِّ نُفوذِه مِنْ الثُّلثِ، فإنْ ماتَ مِنْ غيرِ رُجوعٍ عنه يَنفذُ مِنْ الثُّلثِ، فإذا وقَفَ المَريضُ أرضَه أو دارَه في مَرضِ مَوتِه على الفُقراءِ والمَساكينِ فالوَقفُ جائِزٌ مِنْ الثلثِ؛ لأنه تَبرعٌ، والتَّبرعُ مِنْ المَريضِ بمَنزلةِ الوَصيةِ المُضافةِ إلى ما بعد المَوتِ، فيُعتبَرُ مِنْ الثلثِ، كما لو أَوصَى بأنْ تُوقَفَ أرضُه بعدَ وفاتِه، فإنه يُعتبَرُ مِنْ الثلثِ، كذا هاهُنا، وإِنْ لم تَخرجْ مِنْ الثلثِ بأنْ لم يَكنْ له مالٌ يُخرِجُ سِوى هذه الأرضَ يَجوزُ الوَقفُ في ثُلثِ الأرضِ ويَبطلُ في الثُّلثينِ، إلا أنْ يُجيزَ الوَرثةُ، وإنْ أجازَه البَعضُ ورَدَّه البَعضُ جازَ في حصَّةِ المُجيزِ وبطَلَ في حصَّةِ الرادِّ، إلا أنْ يَظهرَ له مالٌ آخَرُ يَخرجُ الوَقفُ مِنْ ثُلثِه، فحِينئذٍ يَلزمُ في الكُلِّ (١).
стр. 6589
وقالَ المَرغِينانِيُّ في «الهِدايَة»: ولو وقَفَ في مَرضِ مَوتِه قالَ الطَّحاويُّ: هو بمَنزلةِ الوَصيةِ بعد المَوتِ، والصَّحيحُ أنه لا يَلزمُ عند أبي حَنيفةَ، وعندَهُما يَلزمُ، إلا أنه يُعتبَرُ مِنْ الثُّلثِ، والوَقفُ في الصِّحةِ مِنْ جَميعِ المالِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: الوَقفُ في الصِّحةِ مِنْ رأسِ المالِ، وفي المَرضِ أو الوَصِيةِ مِنْ الثُّلثِ؛ لأنَّ الصَّحيحَ لا يَتعلَّقُ عليه حَجرٌ لأحَدٍ في مالِه ولا الوارِثِ ولا غَيرِه، فكانَتْ عطاياهُ وهِباتُه مِنْ رأسِ المالِ، والمَريضُ مَحجورٌ عليه مِنْ أجلِ وَرثتِه، فما يَفعلُه مَوقوفٌ على الثُّلثِ بعد مَوتِه؛ لأنه ليس له أنْ يُخرِجَ عنهم زيادةً على الثُّلثِ بعدَ مَوتِه؛ لأنَّ ذلكَ تَقديرٌ ما جُعِلَ له، وإنَّما لم يُحكَمْ بتَنجيزِه مِنْ الثُّلثِ في الحالِ لجَوازِ أنْ يَتلفَ الثُّلثانِ الباقِيانِ ويَموتَ هو عَنْ هذا المِقدارِ فقط؛ لأنَّ الاعتِبارَ ما يَتركُه بعدَ المَوتِ لا قبلَهُ، فيُؤدِّي إلى أنْ تَكونَ الوَصايا قد نَفَذتْ قبلَ حُصولِ الثُّلثينِ للوَرثةِ، وذلكَ غَيرُ جائِزٍ، إلَّا أنْ يُجيزَ الوَرثةُ ما زادَ عن الثُّلثِ فيَجوزُ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا أوقَفَ المَريضُ مرَضَ المَوتِ على أجنَبيٍّ صَحَّ في الثُّلثِ، وما زادَ على الثلثِ لا يَنفذُ إلَّا بإجازةِ الوَرثةِ بعد مَوتِه لا قبلَه (٣).
стр. 6590
وقالَ الحَنابلةُ: ولا يَنفذُ وَقفُ مَريضٍ بجُزءٍ زائِدٍ على ثُلثِ مالِه كسائِرِ تبَرُّعاتِه ولو كانَ وَقفُه على أجنَبيٍّ كالعَطيةِ في المَرضِ والوَصيةِ.
قالَ الرُّحيبانِيُّ ﵀: ويَتَّجهُ أنه يَنفذُ وَقفُ المَريضِ ما زادَ على الثُّلثِ بلا إجازةٍ مِنْ الوَرثةِ، سَواءٌ كانَ الوَقفُ على بَعضِهم أو على أجنَبيٍّ كالعَطيةِ في المَرضِ، وهو مُتَّجهٌ (١).
ب - إذا أوقَفَ المَريضُ مرَضَ المَوتِ على وَرثتِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أوقَفُ المَريضُ مرَضَ المَوتِ على وَرثتِه هل يَصحُّ أم لا؟
فأَجازَهُ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وإنْ لم يَرْضَ الوَرثةُ أو باقِيهم، ويَكونُ مِنْ الثُّلثِ فقط، ويَتوقَّفُ الباقي على إجازةِ الوَرَثةِ، فإنْ أجازوا صَحَّ، وإلا بطَلَ في الباقي.
ومنَعَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ أنْ يَقِفَ على وَرثتِه في مَرضِ مَوتِه ولو كانَ الثُّلثَ، إلَّا أنْ يُجيزَه الوَرثةُ.
فما زادَ على الثُّلثِ لا يَجوزُ اتِّفاقًا إلا بإِذنِ الوَرثةِ، وما كانَ مِنْ الثُّلثِ فأقَلَّ فَجائزِ عندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ وإنْ لم يُجِزْه الوَرثةُ، وغيرُ جائِزٍ عند المالِكية والشافِعية والحَنابلة في رِوايةٍ إلَّا أنْ يُجيزَهُ الوَرثةُ، عَلى تَفصيلٍ في كُلِّ مَذهبٍ بَيانُه على النَّحوِ الآتي:
стр. 6591
قالَ الحَنفيةُ: إذا وقَفَ المَريضُ على بَعضِ الوَرثةِ ولمْ يُجِزْه باقيهمْ لا يَبطلُ أصلُه، وإنَّما يَبطلُ ما جعَلَ مِنْ الغلَّةِ لبَعضِ الوَرثةِ دونَ بَعضٍ، فيُصرَفُ على قَدرِ مَواريثِهم عن الواقفِ ما دامَ المَوقوفُ عليه حَيًّا، ثمَّ يُصرَفُ بعد مَوتِه إلى مَنْ شرَطَه الواقفُ؛ لأنه وَصيةٌ تَرجِعُ إلى الفُقراءِ، وليس كوَصيتِه لوارِثٍ ليَبطُلَ أصلُه بالرَّدِّ.
قالُوا: امرَأةٌ وقَفَتْ مَنزلًا في مَرَضِها على بَناتِها ثمَّ مِنْ بَعدِهنَّ على أولادِهنَّ وأولادِ أولادِهنَّ أبَدًا ما تَناسَلُوا، فإذا انقَرَضوا فللفُقراءِ، ثمَّ ماتَتْ مِنْ مَرضِها وخلَّفَتْ مِنْ الوَرثةِ بِنتَينِ وأُختًا لأبٍ، والأُختُ لا تَرضَى بما صنَعَتْ، ولا مالَ لها سِوى المَنزلِ جازَ الوَقفُ في الثُّلثِ ولم يَجُزْ في الثُّلثينِ، فيُقسمُ الثُّلثانِ بينَ الوَرثةِ على قَدرِ سِهامِهم ويُوقَفُ الثُّلثُ، فما خرَجَ مِنْ غلَّتِه قُسِمَ بينَ الوَرثةِ كلِّهم على قَدرِ سِهامِهم ما عاشَتِ البِنتانِ، فإذا ماتَتَا صُرِفَتِ الغلَّةُ إلى أولادِهِما وأولادِ أولادِهِما كما شرَطَتِ الواقِفةُ، لا حقَّ للوَرثةِ في ذلكَ.
وفي «الظَّهيرِيَّة»: رَجلٌ وقَفَ دارًا له في مَرضِه على ثَلاثِ بَناتٍ له وليسَ له وارِثٌ غَيرُهنَّ، قالَ: الثُّلثُ مِنْ الدَّارِ وَقفٌ والثُّلثانِ مُطلَقٌ لهنَّ يَصنَعنَ بهما ما شِئنَ، قالَ الفَقيهُ أبو اللَّيثِ: هذا إذا لم يُجِزْنَ، أمَّا إذا أَجَزْنَ صارُ الكلُّ وَقفًا عليهنَّ. اه
والحاصِلُ: أَنَّ المَريضَ إذا وقَفَ على بَعضِ وَرثتِه ثمَّ مِنْ بَعدِهم على أولادِهِم ثمَّ على الفُقراءِ، فإنْ أجازَ الوارِثُ الآخَرُ كانَ الكلُّ وَقفًا واتُّبعَ
стр. 6592
الشَّرطُ، وإلا كانَ الثُّلثانِ مِلكًا بينَ الوَرثةِ والثُّلثُ وَقفًا تُقسمُ غلَّتُه كالثُّلثينِ، فتُصرَفُ مَصرِفَ الثُّلثينِ على الوَرثةِ كلِّهم ما دامَ المَوقوفُ عليه حَيًّا، أمَّا إذا ماتَ تُقسمُ غلَّةُ الثلثِ المَوقوفِ على مَنْ يَصيرُ له الوَقفُ.
ولو ماتَ بَعضُ المَوقوفِ عليهِم فإنه يَنتقلُ سَهمُه إلى وَرثتِه ما بَقيَ أحَدٌ مِنْ المَوقوفِ عليهم حيًّا (١).
وقالَ المالِكيةُ: لو وقَفَ على وارِثِه في مَرَضِ مَوتِه بطَلَ الوَقفُ، وسَواءٌ حمَلَه الثلثُ أم لا؛ لأنه كالوَصيةِ وَقفٌ على بَعضِ الوَرثةِ أو على جَميعِهم، والوَصيةُ للوارِثِ باطِلةٌ ولو حازَهُ المَوقوفُ عليه، ويَرجعُ مِيراثًا إلا أنْ يُجيزَه له بَقيةُ الوَرثةِ غيرِ المَوقوفِ عليهمْ، فإنْ أجازوهُ لم يَبطلْ؛ لأنه ابتِداءُ وَقفٍ مِنهم، فإنْ صَحَّ الواقفُ بعد ذلكَ مِنْ ذلكَ المَرضِ الذي وقَفَ فيهِ ثمَّ ماتَ صَحَّ الوَقفُ كما لو وقَفَ في صحَّتِه.
ولو أشرَكَ الوارِثَ بينَه وبينَ مُعيَّنٍ ليس بوارِثٍ بطَلَ نَصيبُ الوارِثِ خاصَّةً، فإنْ شرَّكَ مَعَه غيرَ مُعيَّنٍ مع التَّعقيبِ أو المَرجِعِ فما خَصَّ مَنْ ليسَ بوارِثٍ فهو حَبسٌ عليه، وإنْ كانوا جَماعةً فهو بينَهُم، وما خَصَّ الوارِثَ فهو بينَ جَميعِ الوَرثةِ على فَرائضِ اللهِ ، إلَّا أنه مَوقوفٌ بأيديهِمْ ما دامَ المُحبَّسُ عليه مِنْ الوَرثةِ حَيًّا، فإذا انقَرضَ خَلصَ الجَميعُ حَبسًا لمن مَعَهم في الحَبسِ مِنْ غيرِ الوَرثةِ.
стр. 6593
واستَثنَى المالِكيةُ مِنْ عَدمِ جَوازِ الوَقفِ على الوارِثِ وقْفَ المُعقِبِ، وهي مَسألةٌ تُعرَفُ عندهُم بولَدِ الأعْيانِ.
والمعنى أنَّ الشَّخصَ إذا وقَفَ في مَرضِ مَوتِه على وَرثتِه والثُّلثُ يَحمِلُه وعَقبِه بأنْ قالَ: «هو وَقفٌ على أولادِي وأولادِ أولادي وذُرِّيتِهم وعَقبِهم»، أو وقَفَ على إخوَتِه وأولادِهِم وعَقبِهم، أو وقَفَ على إخوَتِه وأولادِ عَمِّه وعَقبِهم، أو إخوَتِه وعَقبِهم وأولادِ عَمِّهِ، وضابِطُ تلكَ المَسألةِ أنْ يَقفَ المَريضُ على وارِثٍ وغيرِ وارِثٍ وعَقبِهم، فإنه يَصحُّ حِينئذٍ إذا خرَجَ مِنْ الثُّلثِ، ولا يَبطلُ ما نابَ أولادَ الأَعيانِ؛ لتَعلُّقِ حقِّ الغَيرِ بالوَقفِ؛ لأنَّ أولادَ الأعيانِ إذا ماتوا رجَعَ الوَقفُ لأولادِهِم، فإذا صَحَّ الوَقفُ على هذا الوَجهِ كانَ ما بأيدي أولادِ الأعْيانِ وَقفًا لا مِلكًا، ويَكونُ كالميراثِ في القَسْمِ يَأخذُ الذَّكرُ مثلَ حَظِّ الأُنثيَينِ ولو شرَطَ الواقِفُ تَساويهما على المَشهورِ لا ميراثًا حَقيقيًّا، فلا يَتصرَّفونَ فيه تَصرُّفَ المِلكِ مِنْ بَيعٍ وهِبةٍ ونحوِ ذلكَ؛ لأنه بأيديهِم وَقفٌ لا مِلكٌ، ويَدخلُ في الوَقفِ جَميعُ الوَرثةِ كالأمِّ والزَّوجةِ وإنْ لم يُوقِفْ عليهم.
ومثالُ ذلكَ أنْ يَقولَ: «وَقَفتُ على أولادي -أي لصُلْبي، وهُم أولادُ الأعْيانِ- وأولادِ أولادي وعَقبِهم، أو أوقَفْتُ على وارِثٍ وعلى غيرِ وارِثٍ وعَقبِهم» صَحَّ الوَقفُ، فإنْ لم يَقُلْ: «وعلى عَقبِهم» بل قالَ: «على أولادي وأولادِ أولادي» بطَلَ على الأولادِ وصَحَّ على أولادِ الأولادِ، فالتَّعقيبُ شَرطٌ في هذه المَسألةِ كالخُروجِ مِنْ الثُّلثِ.
стр. 6594
وبيانُ ذلكَ بالمِثالِ: كثَلاثةِ أولادٍ وأربَعةِ أولادِ أولادٍ وعَقَّبَه وترَكَ زَوجةً وأمًّا فيَدخُلانِ فيما للأولادِ، وأربَعةُ أسباعِه لوَلدِ الوَلدِ وَقفٌ، فحِينئذٍ يُقسمُ على سَبعةِ أسهُمٍ لأولادِ الصُّلبِ الثَّلاثةِ ثَلاثةُ أسهُمٍ هو بأيديهِمْ كالمِيراثِ للذَّكرِ مثلُ حَظِّ الأُنثيَينِ، ولكونِه وَقفًا لم يبطلْ ما نابَ أولادَ الصُّلبِ؛ لتَعلُّقِ حقِّ غيرِهم به، فتَدخلُ الأمُّ والزَّوجةُ وغيرُهما مِنْ الوَرثةِ، فتَأخذُ الأمُّ سُدسَه إرْثًا وتَأخذُ الزوجةُ ثُمنَه إرثًا ثمَّ يُقسَمُ الباقي بينَ الأولادِ الثَّلاثةِ أثلاثًا ولأولادِ الأولادِ الأربَعةِ أربَعةُ أسباعِه وَقفٌ للذَّكرِ مثلُ حَظِّ الأُنثى، وهذا قَولُ ابنِ القاسِمِ وهو المَشهورُ، وهذا إذا كانَتْ حاجَتُهم واحِدةً، وإلَّا فعلى قَدرِ الحاجةِ، قالَه سَحنونٌ ومُحمدُ بنُ الموَّازِ.
وحاصِلُ المَسألةِ: أنَّ المَوقوفَ في المَرضِ في الفَرضِ المَذكورِ بشَرطِه يُقسَمُ ابتِداءً على سَبعةٍ عدَدَ أولادِ الأعيانِ وأولادِ الأولادِ، ثم تُقسَمُ الثلاثةُ التي لأولادِ الأعيانِ للذكرِ مثلُ حَظِّ الأُنثيَينِ، وتَدخلُ فيها الأمُّ والزوجةُ.
وإذا حدَثَ ولَدٌ أو أكثَرُ لواحِدٍ مِنْ الفَريقينِ فإنَّ القِسمةَ تَنتقضُ؛ لأنها كانَتْ مِنْ سَبعةٍ فصارَتْ مِنْ ثَمانيةٍ، وهذا مِمَّا لا خِلافَ فيهِ كمَوتِه، أي: كما يَنتقضُ القَسْمُ بمَوتِ واحِدٍ مِنْ أولادِ الصُّلبِ أو بمَوتِ واحِدٍ مِنْ أولادِ الأولادِ على الأصَحِّ مِنْ قَولَي ابنِ القاسِمِ وهو مَذهبُ «المُدوَّنة»، فإذا ماتَ واحِدٌ مِنْ أولادِ الأعيانِ فالقِسمةُ مِنْ ستَّةٍ، لهمْ سَهمانِ مِنْ ستَّةٍ، للأمِّ منهما السُّدسُ وللزوجةِ منهما الثُّمنُ، والباقي يُقسَمُ على ثَلاثةٍ: الاثنَينِ الباقيَينِ مِنْ أولادِ الأعيانِ وعلى أخيهِما الذي قد ماتَ، فإنه يَحيَا بالذَّكرِ
стр. 6595
تَقديرًا، ولكنَّ نَصيبَه لوَرثتِه مَفضوضًا على الفَرائضِ، وكذا لو ماتَ ثانٍ، فلو ماتَ أولادُ الأعيانِ كلُّهم رجَعَ الحَبسُ جَميعُه لوَلدِ الوَلدِ وَقفًا مع ما بيَدِ الزوجةِ والأمِّ؛ لأنَّ أخْذَ الزوجةِ والأمِّ إنما كانَ تَبعًا للأولادِ، وإنْ كانَ المَيتُ مِنْ وَلدِ الوَلدِ صارَ لأولادِ الأعيانِ النِّصفُ ولأولادِ الأولادِ النِّصفُ، وقَولُهمْ: «يَحيَا الذي ماتَ بالذَّكرِ» يُؤخذُ منه أنَّ الطَّبقةَ العُليَا لا تَحجبُ إلا فرْعَها فقط، فلو انقَرضَ أولادُ الأولادِ رجَعَ الجَميعُ كمِيراثٍ، أي يَنتفعونَ به انتِفاعَ المِلكِ، فإنِ انقَرَضوا أيضًا رجَعَ مَراجعَ الأحباسِ.
(لا الزوجةُ والأمُّ)، أي أنَّ زَوجةَ الواقفِ أو أمَّ الواقفِ إذا ماتَتْ واحدةٌ منهما فإنَّ القِسمةَ لا تُنقَضُ، ويَكونُ ما بيَدِ مَنْ ماتَ منهُما وَقفًا على وَرثتِهما، وكذا لو ماتَ وارِثُهما أبَدًا ما بَقيَ مِنْ ولَدِ الأعيانِ أحَدٌ، فلو لم يَكنْ للأمِّ أو للزوجةِ وَرثةٌ يَكونُ نَصيبُ مَنْ ماتَتْ مِنهما لبَيتِ المالِ (١).
وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ العَمرانِيُّ ﵀: إنْ وقَفَ على وارثِه في مَرضِ مَوتِه وُقِفَ على إجازةِ الوَرثةِ، سَواءٌ احتَملَهُ الثُّلثُ أو لم يَحتملْه كالوَصيةِ له.
стр. 6596
فإنْ كانَ له دارٌ لا يَملكُ غيرَها فوقَفَها على ابنِهِ في مَرضِ مَوتِه ولا وارِثَ له سِواهُ قالَ المَسعودِيُّ في «الإبَانِة»: لَزمَ الوَقفُ في ثُلثِها؛ لأنَّ أكثَرَ ما فيهِ أنه حالَ بينَه وبينَ ثُلثِها، وله أنْ يَفعلَ ذلكَ في ثُلثِه.
وأمَّا الثُّلثانِ: فللابنِ إبطالُ الوَقفِ فيهِما؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَملكُ التَّبرعَ في مَرضِ مَوتِه إلا بثُلثِ تَرِكتِه، فإنْ أبطَلَه فلا كَلامَ، وإنِ اختارَ أنْ يُجيزَه وَقفًا على نَفسِه:
فإن قُلنا: «إنَّ الإجازَةَ مِنْ الوارثِ ابتِداءُ عَطيةٍ منهُ» لم يَصحَّ، كما لا يَجوزُ أنْ يَقفَ على نَفسِه.
وإنْ قُلنا: «إنه تَنفيذٌ لِمَا فعَلَه المُوصِي» صَحَّ.
وإنْ كانَ له دارٌ فوقَفَها على ابنِه وابنَتِه بينَهُما نِصفَينِ واحتَملَها الثُّلثُ ولا وارِثَ له غَيرُهما، فإنْ أجازَ الابنُ الوَقفَ على أُختِه صَحَّ وكانَتِ الدارُ وَقفًا بينَهُما نِصفَينِ، وإنْ أبَى أنْ يُجيزَه قالَ ابنُ الحَدَّادِ: بطَلَ الوَقفُ في نِصفِ المَوقوفِ على الابنةِ -وهو رُبعُ الدارِ- ويَبقَى الرُّبعُ مَوقوفًا على الابنَةِ، والنِّصفُ مَوقوفًا على الابنِ، ثم يَقتسِمانِ الرُّبعَ الذي بطَلَ فيهِ الوَقفُ بينَهُما للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثيَينِ.
وتَصحُّ المَسألةُ مِنْ اثنَي عَشرَ: للابنِ ثَمانيةُ أسهُمٍ: سِتةٌ منها وَقفٌ عليه وسَهمانِ طَلْقٌ له، وللابنةِ أربَعةُ أسهُمٍ: ثَلاثةٌ وَقفٌ عليها وسَهمٌ طَلْقٌ لها.
فإنْ كانَتْ له دارٌ وقَفَها على ابنِه وزَوجتِه نِصفَينِ بينَهُما ولا وارِثَ له غيرُهما وخرَجَتِ الدارُ مِنْ ثُلثِه، فإنْ أجازَ الابنُ الوَقفَ على الزوجةِ كانَتْ
стр. 6597
وَقفًا بينَهُما نِصفينِ، وإنْ لم يُجِزْ فقدْ فَضلَ الزوجُ الزوجةَ بثَلاثةِ أسهُمٍ مِنْ ثَمانِيةٍ مِنْ الدارِ، فيَبطلُ الوَقفُ فيها، ويَكونُ ذلكَ مِلكًا للابنِ طَلْقًا، ويَبقَى أربَعةُ أسهُمٍ مِنْ ثَمانيةٍ مِنْ الدارِ وَقفًا على الابنِ، فيَصيرُ أربَعةُ أسباعِ نَصيبِه وَقفًا عليه، وثَلاثةُ أسباعِ نَصيبِه طَلْقًا له، فيَجبُ أنْ يَكونَ نَصيبُ الزوجةِ كذلكَ؛ لأنه سَوَّى بينَهُما في الوَقفِ، فيَكونُ أربَعةُ أسباعِ ثَمنِها وَقفًا عليها، وثَلاثةُ أسباعِ ثَمنِها طَلْقًا لها، فنَضرِبُ ثَمانيةً في سَبعةٍ، فذلكَ سِتةٌ وخَمسونَ، للابنِ تِسعةٌ وأربَعونَ سَهمًا: ثَمانيةٌ وعِشرونَ منها وَقفٌ عليه، وواحِدٌ وعِشرونَ طَلقٌ له، وللزوجةِ سَبعةُ أسهُمٍ: أربَعةٌ وَقفٌ عليها، وثَلاثةٌ طَلْقٌ لَها (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المذهبِ: إنْ وقَفَ شَخصٌ ثُلثَه فأقَلَّ في مَرضِه المَخوفِ على بَعضِ وُرَّاثِه جازَ، أو وَصَّى بوَقفِه على بَعضِ وُرَّاثِه جازَ كالأجانِبِ، فإنه قالَ في رِوايةِ جَماعةٍ مِنهم المَيمونِيُّ: يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَقِفَ في مَرضِه على وَرثتِه، فقيلَ له: أليسَ تَذهبُ أنه لا وَصيَّةَ لوارِثٍ؟ فقالَ: نعم، والوَقفُ غيرُ الوَصيةِ؛ لأنه لا يُباعُ ولا يُورثُ ولا يَصيرُ مِلكًا للوَرثةِ يَنتفعونَ بغلَّتِه، وقالَ في رِوايةِ أحمدَ بنِ الحَسنِ فإنه صرَّحَ في مَسألَتِه بوَقفِ ثُلثِه على بَعضِ وَرثتِهِ دونَ بَعضٍ، فقال: جائِزٌ، قالَ الخَبريُّ: وأجازَ هذا الأكثَرونَ، واحتَجَّ أحمدُ ﵁ بحَديثِ عمرَ ﵁ أنه قالَ: «هذا ما أَوصَى به عَبدُ اللهِ عُمرُ أميرُ المُؤمِنينَ إنْ حَدَثَ به حَدثٌ أنَّ ثَمْغًا صَدقةٌ
стр. 6598
والعَبدَ الذي فيهِ، والسَّهمُ الذي بخَيبَرَ ورَقيقُه الذي فيه، والمِائةُ وَسْقٍ الذي أطعَمَني مُحمدٌ ﷺ ، تَليهِ حَفصةُ ما عاشَتْ، ثمَّ يَليهِ ذُو الرَّأيِ مِنْ أهلِهِ، لا يُباعُ ولا يُشتَرى، يُنفِقُه حَيثُ يَرى مِنْ السَّائلِ والمَحرومِ وذَوِي القُربى، ولا حرَجَ على مَنْ وَلِيَه إنْ أكَلَ أو اشتَرَى رَقيقًا» رَواهُ أبو داودَ بنحوٍ مِنْ هذا، فالحُجَّةُ أنه جعَلَ لحَفصةَ أنْ تَليَ وقْفَه وتَأكلَ منه وتَشتريَ رَقيقًا، قالَ المَيمونِيُّ: قلتُ لأحمدَ: إنَّما أمَرَ النبيُّ ﷺ بالإيقافِ، وليس في الحَديثِ الوارِثُ، قالَ: فإذا كانَ النبيُّ ﷺ أمَرَه وهو ذا قد وَقَفَها على وَرثتِه وحَبَّسَ الأصلَ عليهِم جَميعًا، ولأنَّ الوَقفَ ليسَ في معنَى المالِ؛ لأنه لا يَجوزُ التصرُّفُ فيه، فهو كعِتقِ الوارِثِ.
والرِّوايةُ الثانِيةُ اختارَها ابنُ قُدامةَ ﵀: لا يَجوزُ ذلكَ، فإنْ فعَلَ وُقِفَ على إجازةِ سائِرِ الوَرثةِ، قالَ أحمدُ في رِوايةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ فيمَن أَوصَى لأولادِ بَنيهِ بأرضٍ تُوقَفُ عليهم فقال: إنْ لم يَرِثوهُ فجائِزٌ، فظاهِرُ هذا أنه لا يَجوزُ الوَقفُ عليهم في المَرضِ، اختارَهُ أبو حَفصٍ العُكبَريُّ وابنُ عَقيلٍ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولنا: أنه تَخصيصٌ لبَعضِ الوَرثةِ بمالِهِ في مَرضِه، فمُنِعَ منه كالهِباتِ، ولأنَّ كلَّ مَنْ لا تَجوزُ له الوَصيةُ بالعَينِ لا تَجوزُ بالمَنفعةِ كالأجنَبيِّ فيما زادَ على الثُّلثِ، وأمَّا خبَرُ عُمرَ فإنه لم يَخُصَّ بعضَ الوَرثةِ بوَقفِهِ، والنِّزاعُ إنَّما هو في تَخصيصِ بَعضِهم.
стр. 6599
وأمَّا جَعلُ الولايةِ لحَفصَةَ فليس ذلكَ وَقفًا عليها، فلا يَكونُ ذلكَ وارِدًا في مَحلِّ النِّزاعِ، وكونُه انتِفاعًا بالغلَّةِ لا يَقتَضي جَوازَ التَّخصيصِ، بدَليلِ ما لو أَوصَى لوَرثتِه بمَنفعةِ عَبدٍ لم يَجُزْ، ويُحتملُ أنْ يُحمَلَ كَلامُ أحمدَ في رِوايةِ الجَماعةِ على أنه وَقفٌ على جَميعِ الوَرثةِ؛ ليَكونَ على وَفقِ حَديثِ عُمرَ وعلى وَفقِ الدَّليلِ الذي ذكَرْنا.
فَصلٌ: فإنْ وقَفَ دارَهُ وهي تَخرجُ مِنْ الثُّلثِ بينَ ابنِه وابنَتِه نصفَينِ في مَرضِ مَوتِه، فعَلى رِوايةِ الجَماعةِ يَصحُّ الوَقفُ ويَلزمُ؛ لأنه لَمَّا كانَ يَجوزُ له تَخصيصُ البِنتِ بوَقفِ الدارِ كُلِّها فبنِصفِها أَولَى، وعلى الرِّوايةِ التي نَصَرْناها: إنْ أجازَ الابنُ ذلكَ جازَ، وإنْ لم يُجِزهُ بطَلَ الوَقفُ فيما زادَ على نَصيبِ البِنتِ وهو السُّدسُ، ويَرجعُ إلى الابنِ مِلكًا، فيَكونُ له النِّصفُ وَقفًا والسُّدسُ مِلكًا مُطلَقًا، والثلثُ للبِنتِ جَميعُه وَقفًا، ويُحتملُ أنْ يَبطلَ الوَقفُ في نِصفِ ما وقَفَ على البِنتِ وهو الرُّبعُ، ويَبقَى ثَلاثةُ أرباعِ الدارِ وَقفًا ونِصفُها للابنِ ورُبعُها للبِنتِ، والرُّبعُ الذي بطَلَ الوَقفُ فيهِ بينَهُما أثلاثًا: للابنِ ثُلثاهُ وللبِنتِ ثُلثُه، وتَصحُّ المَسألةُ مِنْ اثنَي عَشرَ: للابنِ سِتةُ أسهُمٍ وَقفًا وسَهمانِ مِلكًا، وللبِنتِ ثَلاثةُ أسهُمٍ وَقفًا وسَهمٌ مِلكًا.
ولو وقَفَها على ابنِه وزَوجَتِه نِصفَينِ وهي تَخرجُ مِنْ الثلثِ فرَدَّ الابنُ صَحَّ الوَقف على الابنِ في نِصفِها وعلى المَرأة في ثُمنِها، وللابنِ إبطالُ الوَقفِ في ثَلاثةِ أَثمانِها، فتَرجِعُ إليهِ مِلكًا على الوَجهِ الأولِ، وعلى الوَجهِ الثَّاني يَصحُّ الوَقفُ على الابنِ في نِصفِها وهو أربَعةُ أسباعِ نَصيبِه، ويَرجعُ إليهِ في حصَّتِه مِلكًا، ويَصحُّ الوَقفُ في أربَعةِ أسباعِ الثُّمنِ الذي للمَرأَةِ وباقِيهِ
стр. 6600
يَكونُ لها مِلكًا، فاضرِبْ سِبعةً في ثَمانيةٍ تَكونُ سِتةً وخَمسينَ: للابنِ ثَمانيةٌ وعِشرونَ وَقفًا وواحِدٌ وعِشرونَ مِلكًا، وللمَرأةِ أربَعةُ أسهُمٍ وَقفًا وثَلاثةٌ مِلكًا، وهكذا ذكرَ أصحابُ الشافعيِّ.
فأمَّا إنْ كانَتِ الدارُ جَميعَ مِلكِه فوقَفَها كلَّها فعلى ما اختَرْناهُ الحُكمُ فيها كما لو كانَتْ تَخرجُ مِنْ الثلثِ، فإنَّ الوارِثَ في جَميعِ المالِ كالأجنَبيِّ في الزائِدِ عن الثلثِ، وأمَّا على ما رَواهُ الجَماعةُ فإنَّ الوَقفَ يَلزمُ في الثُّلثِ مِنْ غيرِ اختِيارِ الوَرثةِ، وفيما زادَ فلَهُما إبطالُ الوَقفِ فيهِ، وللابنِ إبطالُ التَّسويةِ، فإنِ اختارَ إبطالَ التَّسويةِ دونَ إبطالَ الوَقفِ خُرِّجَ فيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: أنه يَبطلُ الوَقفُ في التُّسعِ ويَرجعُ إليهِ مِلكًا، فيَصيرُ له النِّصفُ وَقفًا والتُّسعُ مِلكًا، ويَكونُ للبِنتِ السُّدسُ والتُّسعانِ وَقفًا؛ لأنَّ الابنَ إنَّما ملَكَ إبطالَ الوَقفِ في ما له دونَ ما لغيرهِ.
والوَجهُ الثاني: أنَّ له إبطالَ الوَقفِ في السُّدسِ، ويَصيرُ له النِّصفُ وَقفًا والتُّسعُ مِلكًا، وللبِنتِ الثُّلثُ وَقفًا ونِصفُ التُّسعِ مِلكًا؛ لئلَّا تَزدادَ البِنتُ على الابنِ في الوَقفِ، وتَصحُّ المَسألةُ في هذا الوَجهِ مِنْ ثَمانيةَ عَشرَ: للابنِ تِسعةٌ وَقفًا وسَهمانِ مِلكًا، وللبنتِ سِتةُ أسهُمٍ وَقفًا وسَهمٌ مِلكًا، وقالَ أبو الخطَّابِ: له إبطالُ الوَقفِ في الرُّبعِ كلِّه، ويَصيرُ له النِّصفُ وَقفًا والسُّدسُ مِلكًا، ويَكونُ للبنتِ الربعُ وَقفًا ونِصفُ السُّدسِ مِلكًا، كما لو كانَتِ الدارُ تَخرجُ مِنْ الثلثِ، وتَصحُّ مِنْ اثنَي عشَرَ (١).
стр. 6601
وَقفُ المَريضِ المَدينِ:
قالَ الحَنفيةُ: المَريضُ إذا كانَ مَدِينًا فلا يَخلو: إمَّا أنْ يَكونَ الدَّينُ غيرَ مُحيطٍ بمالِه، وإمَّا أنْ يَكونَ مُحيطًا بمالِه …
فإنْ كانَ الدَّينُ غيرَ مُحيطٍ بمالِه فيَجوزُ في ثُلثِ ما بَقيَ بعد الدَّينِ لو له وَرثةٌ، وإلا ففي كُلِّه.
وأمَّا إنْ كانَ الدَّينُ مُحيطًا بمالِه فإنه يُباعُ ويُنقَضُ الوَقفُ.
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: وفي ط عن «الفَواكِه البَدْريَّة»: الدَّينُ المُحيطُ بالتَّركةِ مانِعٌ مِنْ نُفوذِ الإعتاقِ والإيقافِ والوَصيةِ بالمالِ والمُحاباةِ في عُقودِ العِوضِ في مَرضِ المَوتِ إلا بإجازةِ الدَّائِنينَ، وكذا يَمنعُ مِنْ انتِقالِ المِلكِ إلى الوَرثةِ فيَمنعُ تَصرُّفهم إلا بالإجازةِ (١).
وقالَ في «الإسْعَاف»: إنْ كانَ عليه دَينٌ مُحيطٌ بمالِه يُنقَضُ وَقفُه ويُباعُ في الدَّينِ، كما لو اشتَرى أرضًا ووقَفَها ثمَّ ظهَرَ لها شَفيعٌ، فإنه يَجوزُ له إبطالُ الوَقفِ وأخذُها بالشُّفعةِ، وإنْ لم يَكنْ مُحيطًا يَجوزُ الوَقفُ في ثُلثِ ما يَبقَى بعدَ الدَّينِ إنْ كانَ له وَرثةٌ، وإلَّا ففي كُلِّه، فإنْ باعَها القاضي بقِيمتِها للدَّينِ ثمَّ ظهَرَ أو قَدِمَ له مالٌ تَخرجُ الأرضُ مِنْ ثُلثِه لا يَبطلُ بَيعُهُ، فيُشتَرَى بها أرضٌ بَدلًا عنها، وإنْ باعَها بأكثَرَ مِنْ القِيمةِ يُشتَرَى بالثَّمنِ بَدلٌ (٢).
стр. 6602
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ومَن وقَفَ وَقفًا مُستقِلًّا، ثم ظهَرَ عليه دَينٌ ولم يُمكِنُ وَفاءُ الدَّينِ إلا ببَيعٍ شيءٍ مِنْ الوَقفِ وهو في مَرضِ المَوتِ بِيعَ باتِّفاقٍ العُلماءِ.
وإنْ كانَ الوَقفُ في الصِّحةِ فهل يُباعُ لوَفاءِ الدَّينِ؟ فيهِ خِلافٌ في مَذهبِ أحمدَ وغَيرِه، ومَنعُه قَويٌّ، -وظاهِرُ كَلامِ أبي العَبَّاسِ ولو كانَ الدَّينُ حادِثًا بعدَ الوَقفِ، وليسَ هذا بأبلَغَ مِنْ التَّدبيرُ، وقد ثبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ باعَ على المُدبَّرِ في الدَّينِ، واللهُ أعلَمُ.
وإذا وقَفَ الواقفُ وعليه دَينٌ مُستغرِقٌ وأُثبِتَ عندَ حاكمٍ ولم يَتعرَّضْ لصِحةِ الوَقفِ ولم يعلَمِ المَوقوفُ عليهم، ثم ماتَ الواقفُ فرَدَّ المَوقوفَ إلى المَوقوفِ عليهم وطلَبَ أربابُ الدُّيونِ دَينَهم ورُفعَتِ القِصةُ إلى حاكِمٍ يَرى بُطلانَ هذا الوَقفِ مِنْ جِهةِ شَرطِ النَّظرِ لنَفسِه وكَونِه يَستغرِقُ الذِّمةَ بالدَّينِ وكَونِه لم يُخرِجْه مِنْ يَدِه، فهل يَجوزُ نَقضُه؟
فيُقالُ: حُكمُ الحاكِمِ بما قامَتْ به البيِّنةُ والقَضاءُ بمَوجبِه والإلزامُ بمُقتَضاهُ لا يَمنعُ الحاكِمَ الثانِيَ الذي عندَه أنَّ الواقفَ كانَتْ ذِمتُه مَشغولةً بالدُّيونِ حينَ الوَقفِ أنْ يَحكمُ بمَذهبِه في بُطلانِ هذا الوَقفِ وصَرفِ المالِ إلى الغُرماءِ المُستحِقِّينَ للوَفاءِ، فإنَّ الحاكِمَ الأولَ في وُجوهِ هؤلاءِ الخُصومِ ونُوَّابِهم لا يَتضمنُ حُكمُه عمَلَهُ بهذا الفَصلِ المُختلَفِ فيهِ، وإذا صادَفَ حُكمُه مُختلَفًا فيه لم يَعلمْه ولم يَحكمْ فيهِ جازَ نَقضُه (١).
стр. 6603
وَقفُ الذِّميِّ:
اتفَقَ فُقهاء المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ وقْفَ الذِّميِّ صَحيحٌ كالمُسلِمِ في الجُملةِ، وأنه لا يُشترطُ الإسلامُ لصِحَّةِ الوَقفِ، فلو أوقَفَ ذمِّيٌّ فيما يَجوزُ أنْ يُوقِفَ عليه صَحَّ الوَقفُ منه كالمُسلمِ، على تَفصيلٍ سَيأتي بَيانُه في كلِّ مَذهبٍ …
فعَلى هذا لا يَجوزُ الوَقفُ مِنْ الذِّميِّ على البِيَعِ والكَنائِسِ وبُيوتِ النارِ، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ العُلماءِ؛ لأنه لا يَجوزُ وَقفُ المُسلمِ على هذه الأشياءِ كما سَيأتي مُفصَّلًا في مَسألةِ: الوَقف على جِهةِ مَعصِيةٍ كالكَنائِسِ والمَعابدِ.
قالَ الحَنفيةُ: الإسلامُ ليس بشَرطٍ في صِحةِ الوَقفِ، فلو وقَفَ الذِّميُّ على وَلدِه ونَسلِه وجعَلَ آخِرَه للمَساكينِ فإنْ عمَّمَ جازَ الصَّرفُ إلى كُلِّ فَقيرٍ مُسلمٍ أو كافرٍ، وإنْ خَصَّ في وَقفِه مَساكينَ أهلِ الذِّمةِ جازَ واتُّبعَ شَرطُه، كالمُعتَزليِّ إذا خصَّصَ أهلَ الاعتِزالِ، ويُفرَّقُ على اليَهودِ والنَّصارى والمَجوسِ منهُم، إلا إنْ خَصَّ صِنفًا منهم، فلو دفَعَ القَيِّمُ إلى غَيرِهم كانَ ضامِنًا إنْ قُلنا: إنَّ الكُفرَ كلَّه ملَّةٌ واحِدةٌ، ولو وقَفَ على وَلدِه ونَسلِه ثمَّ للفُقراءِ على أنَّ مَنْ أسلَمَ مِنْ وَلدِه فهو خارِجٌ مِنْ الصَّدقةِ لَزمَ شَرطُه أيضًا، كشَرطِ المُعتزليِّ أنَّ مَنْ صارَ سُنيًّا أُخرجَ، وليسَ هذا مِنْ قَبيلِ اشتِراطِ المَعصيةِ؛ لأنَّ التَّصدقَ على الكافرِ غيرِ الحَربيِّ قُربةٌ، وكذا إنْ قالَ: «مَنْ انتَقلَ إلى غيرِ النَّصرانيةِ خرَجَ» اعتُبِرَ، نَصَّ على ذلكَ الخصَّافُ.
стр. 6604
قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: ولا نَعلمُ أحَدًا مِنْ أهلِ المَذهبِ تعَقَّبَه غيرَ مُتأخِّرٍ يُسمَّى الطَّرطوسيَّ شَنَّعَ بأنه جعَلَ الكُفرَ سبَبَ الاستِحقاقِ والإسلامَ سبَبَ الحِرمانِ، وهذا للبُعدِ مِنْ الفِقهِ؛ فإنَّ شَرائطَ الواقفِ مُعتبَرَةٌ إذا لم تُخالِفِ الشرعَ، والواقفُ مالِكٌ له أنْ يَجعلَ مالَه حيثُ شاءَ ما لم يَكنْ مَعصيةً، وله أنْ يَخُصَّ صِنفًا مِنْ الفُقراءِ دونَ صِنفٍ وإنْ كانَ الوَضعُ في كلِّهم قُربةً، ولا شَكَّ أنَّ التَّصدقَ على أهلِ الذِّمةِ قُربةٌ، حتى جازَ أنْ تُدفَعَ إليهمْ صَدقةُ الفِطرِ والكفَّاراتُ عندَنا، فكيفَ لا يُعتبَرُ شَرطُه في صِنفٍ دونَ صِنفٍ مِنْ الفُقراءِ؟! أرَأيتَ لو وقَفَ على فُقراءِ أهلِ الذِّمةِ ولم يَذكرْ غيرَهم أليسَ يُحرَمُ منه فُقراءُ المُسلِمينَ؟! ولو دفَعَ المُتولِّي إلى المُسلمينَ كانَ ضامِنًا؟! فهذا مِثلُه، والإسلامُ ليس سَببًا للحِرمانِ، بل الحِرمانُ لعَدمِ تَحقُّقِ سَببِ تَملُّكِه هذا المالَ، والسَّببُ هو إعطاءُ الواقفِ المالِكِ (١).
وشَرطُ صِحةِ وَقفِه أنْ يَكونَ قُربَةً عندَنا وعندَهُم، فإذا وقَفَ على بيعَةٍ فإذا خَرِبتْ كانَ للفُقراءِ لم يَصحَّ وكانَ مِيراثًا عنه؛ لأنه ليس بقُربةٍ عندَنا كالوَقفِ على الحَجِّ أو العُمرةِ؛ لأنه ليس بقُربةٍ عندَهُم، بخِلافِ ما لو وقَفَ على مَسجدِ بَيتِ المَقدِسِ فإنه صَحيحٌ؛ لأنه قُربةٌ عندَنا وعندَهُم.
وفي «الحاوِي»: لو وقَفَ المَجوسِيُّ على بَيتِ النارِ واليَهوديُّ والنَّصرانِيُّ على البيعَةِ والكَنيسةِ باطِلٌ إذا كانَ في عَهدِ الإسلامِ، وما كانَ
стр. 6605
منها في أيَّامِ الجاهِليةِ مُختلَفٌ فيهِ، والأصَحُّ أنه إذا دخَلَ في عَهدِ عَقدِ الذِّمة لا يُتعرَّضُ له (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَصحُّ الوَقفُ مِنْ الذِّميِّ فيما ليس بمَعصيةٍ كالمُسلِم، أمَّا ما فيهِ مَعصيةٌ فباطِلٌ، كما لو وقَفَ الذِّميُّ على الكَنيسةِ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ لعُبَّادِها أو لمَرَمَّتِها؛ لأنَّ المَذهبَ خاطَبَهم بفُروعِ الشَّريعةِ في المُعتمدِ.
ولابنِ رُشدٍ قَولٌ ثانٍ فيهِ تَفصيلٌ: وحاصِلُه أنَّ وقْفَ الكافِرِ على عُبَّادِ الكَنيسةِ باطِلٌ؛ لأنه مَعصيةٌ، وأمَّا على مَرَمَّتِها أو على الجَرحَى أو المَرضَى التي فيها فالوَقفُ صَحيحٌ مَعمولٌ به، فإذا أرادَ الواقفُ أو الأسْقُفُ بيْعَه ونُوزِعَ في ذلكَ وتَرافَعوا إلينا راضِينَ بحُكمِنا فإنَّ للحاكمِ أنْ يَحكمَ بينَهُم بحُكمِ الإسلامِ مِنْ صِحَّةِ الحَبسِ وعَدمِ بَيعِه.
ولعِياضٍ قَولٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ الوَقفَ على الكَنيسةِ مُطلَقًا صَحيحٌ غيرُ لازِمٍ، سواءٌ أشهَدُوا على ذلكَ الوَقفِ أم لا، بانَ مِنْ تحتِ يَدِ الواقفِ أم لا، وللواقِفِ الرُّجوعُ فيه مَتى شاءَ.
قالُوا: ويَبطلُ ولا يَصحُّ الوَقفُ مِنْ الكافرِ ولو ذِميًّا على مَسجدٍ مِنْ مَساجِدِ المُسلِمينَ، أو على رِباطٍ أو قُربةٍ مِنْ القُرَبِ الدِّينيةِ، ولذلكَ رَدَّ الإمامُ مالِكٌ دينارَ النَّصرانيةِ عليها حيثُ بعَثَتْ به إلى الكَعبةِ (٢).
стр. 6606
وقالَ الشافِعيةُ: يَصحُّ الوَقفُ مِنْ الذِّميِّ بشَرطِ أنْ لا يَكونَ على جِهةِ مَعصيةٍ، كعِمارةِ الكَنائسِ ونَحوِها مِنْ مُتعبَّداتِ الكفَّارِ للتعبُّدِ فيها أو حُصرِها أو قَناديلِها أو خُدَّامِها، أو كُتبِ التَّوراةِ والإنجيلِ أو السِّلاحِ لقُطَّاعِ الطَّريقِ فباطِلٌ بلا خِلافٍ؛ لأنه إعانةٌ على مَعصيةٍ، والوَقفُ شُرعَ للتَّقربِ، فهُمَا مُتضادَّانِ، وسَواءٌ فيه إنشاءُ الكَنائسِ وتَرميمُها، وسَواءٌ مُنِعوا مِنْ ذلكَ أم لا، بأنْ تَكونَ في بلادٍ فُتِحتْ صُلحًا على أنْ تَكونَ رِقابُها لهم، وكذا لو وقَفَ على حُصرِها وسُرجِها وكُتبِ التَّوراةِ والإنجيلِ؛ لأنهم حَرَّفوا وبَدَّلوا، ولا فرْقَ في ذلكَ بينَ أنْ يَكونَ الواقفُ مُسلِمًا أو ذِميًّا.
قالَ الشِّربينيُّ ﵀: ولا يُعتبَرُ تَقييدُ ابنِ الرِّفعةِ عدَمَ صِحةِ الوَقفِ على التَّرميمِ بمَنعِه، فقد قالَ السُّبكيُّ: إنه وهمٌ فاحِشٌ؛ لاتِّفاقِهم على أنَّ الوَقفَ على الكَنائسِ باطِلٌ وإنْ كانَتْ قَديمةً قبلَ البِعثةِ، فإذا لم نُصحِّحِ الوَقفَ عليها ولا على قَناديلِها وحُصرِها فكيفَ نُصحِّحُه على تَرميمِها؟! وإذا قُلنا ببُطلانِ وَقفِ الذِّميِّ على الكَنائسِ ولم يَترافَعوا إلينا لم نَتعرَّضْ لهم، حيثُ لا يُمنَعونَ مِنْ الإظهارِ، فإنْ تَرافَعوا إلينا أبطَلْناه وإنْ أنفَذَه حاكِمُهم، لا ما وَقَفوهُ قبلَ المَبعَثِ على كَنائسِهم القَديمةِ فلا نُبطِلُه، بل نُقِرِّه حيثُ نُقرُّها.
стр. 6607
أمَّا عِمارةُ كَنائسِ غيرِ التعبُّدِ ككَنائسِ نُزولِ المارَّةِ فيَصحُّ الوَقفُ عليها، كما قالَه الزَّركَشيُّ وابنُ الرِّفعةِ وغيرُهما كالوَصيةِ (١).
وقالَ الإمامُ السُّبكيُّ ﵀: بِناءُ الكَنيسةِ حَرامٌ بالإجماعِ، وكذا تَرميمُها، وكذلكَ قالَ الفُقهاءُ: لو وَصَّى ببِناءِ كَنيسةٍ فالوَصيةُ باطلةٌ؛ لأنَّ بناءَ الكَنيسةِ مَعصيةٌ وكذا تَرميمُها، ولا فرْقَ بينَ أنْ يَكونَ المُوصي مُسلِمًا أو كافِرًا، وكذا لو وقَفَ على كَنيسةٍ كانَ الوَقفُ باطلًا، مُسلِمًا كانَ الواقفُ أو كافرًا، فبِناؤُها وإعادَتُها وتَرميمُها مَعصيةٌ، مُسلِمًا كانَ الفاعِلُ لذلكَ أو كافرًا، هذا شَرعُ النبيِّ ﷺ ، وهو لازِمٌ لكلِّ مُكلَّفٍ مِنْ المُسلمينَ والكفَّارِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: يَصحُّ الوَقفُ مِنْ الذِّميِّ كالمُسلمِ، بشَرطِ ألا يَكونَ مَعصيةً، ولا يَصحُّ على مَعصيةٍ كبَيتِ النَّارِ والبِيعِ والكَنائسِ وكُتبِ التَّوراةِ والإنجيلِ؛ لأنَّ ذلكَ مَعصيةٌ؛ فإنَّ هذه المَواضعَ بُنيَتْ للكُفرِ، وهذه الكُتبَ مُبدَّلةٌ مَنسوخةٌ، ولذلكَ غَضِبَ النبيُّ ﷺ حينَ رَأى مع عُمرَ صَحيفةً فيها شيءٌ مِنْ التَّوراةِ وقالَ: «أَفي شَكٍّ أنتَ يا ابنَ الخطَّابِ؟! ألَمْ آتِ بها بَيضاءَ نَقيَّةً؟ لو كانَ مُوسى أخي حَيًّا ما وَسِعَه إلا اتِّباعي»، ولولا أنَّ ذلكَ مَعصيةٌ ما غَضِبَ منه، والوَقفُ على قَناديلِ البيعَةِ وفُرشِها ومَن
стр. 6608
يَخدِمُها ويَعمُرُها كالوَقفِ عليها؛ لأنه يُرادُ لتَعظيمِها، وسَواءٌ كانَ الواقفُ مُسلمًا أو ذِميًّا.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ أحمَدُ في نَصارى وَقَفوا على البيعَةِ ضِياعًا كَثيرةً وماتوا ولهُم أبناءُ نَصارى فأسلَموا والضِّياعُ بيَدِ النَّصارى فلهم أخذُها، وللمُسلِمينَ عَونُهم حتى يَستخرِجوها مِنْ أيديهِم، وهذا مَذهبُ الشافعيِّ، ولا نَعلمُ فيه خِلافًا؛ وذلكَ لأنَّ ما لا يَصحُّ مِنْ المُسلمِ الوَقفُ عليه لا يَصحُّ مِنْ الذِّميِّ، كالوَقفِ على غَيرِ مُعيَّنٍ.
فإنْ قيلَ: فقدْ قُلتمْ: «إنَّ أهلَ الكِتابِ إذا عَقَدوا عُقودًا فاسِدةً وتَقابَضوا ثمَّ أسلَموا وتَرافَعوا إلينا لم نَنقضْ ما فَعَلوهُ»، فكيفَ أَجَزتُم الرُّجوعَ فيما وَقَفوهُ على كَنائسِهم؟
قُلنا: الوَقفُ ليس بعَقدِ مُعاوَضةٍ، وإنَّما هو إزالةُ للمِلكِ في المَوقوفِ على وَجهِ القُربةِ، فإذا لم يَقعْ صَحيحًا لم يَزُلِ المِلكُ، فيَبقى بحالِه كالعِتقِ (١).
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: ولا يَصحُّ الوَقفُ على كَنائسَ وبُيوتِ نارٍ وبِيَعٍ وصَوامعَ ودُيورةٍ ومَصالِحِها كقَناديلِها وفُرشِها ووَقودِها وسَدَنتِها؛ لأنه مَعونةٌ على مَعصيةٍ، ولو كانَ الوَقفُ على ما ذُكِرَ مِنْ ذِميٍّ فلا يَصحُّ؛ لِما تَقدَّمَ مِنْ أنَّ ما لا يَصحُّ مِنْ المُسلمِ لا يَصحُّ مِنْ الذِّميِّ.
стр. 6609
قالَ في «أحكَام أهلِ الذِّمةِ»: وللإمامِ أنْ يَستوليَ على كُلِّ وَقفٍ وُقِفَ على كَنيسةٍ وبَيتِ نارٍ أو بيعَةٍ ويَجعلَها على جِهةِ قُرباتٍ. انتهى
والمُرادُ إذا لم يعلَمْ وَرثةُ واقِفِها، وإلا فللوَرثةِ أخذُها كما تقدَّمَ.
بل يَصحُّ الوَقفُ على مَنْ يَنزِلُها -أي الكَنائسَ والدُّيورةَ ونحوَها- مِنْ مارٍّ ومُجتازٍ بها فقط؛ لأنَّ الوَقفَ عليهم لا على البُقعةِ، والصَّدقةُ عليهم جائِزةٌ، ولو كانَ الوَقفُ على مَنْ يَمُرُّ بها أو يَجتازُ فقط فيَصحُّ الوَقفُ.
ولا يَصحُّ الوَقفُ على اليَهودِ والنَّصارى، ولا يَصحُّ الوَقفُ على كِتابةِ التَّوراةِ والإنجيلِ ولو كانَ الوَقفُ مِنْ ذِميٍّ؛ لوُقوعِ التَّبديلِ والتَّحريفِ.
وقد رُويَ مِنْ غيرِ وَجهٍ أنَّ النبيَّ ﷺ غَضِبَ لمَّا رَأى مع عُمرَ صَحيفةً فيها شيءٌ مِنْ التَّوراةِ، وكذا كُتبُ بِدعةٍ، ووَصيةٌ كوَقفٍ في ذلكَ المَذكورِ ممَّا تقدَّمَ، فتَصحُّ فيما يَصحُّ الوَقفُ عليه، وتَبطلُ فيما لا يَصحُّ عليه (١).
وقالَ المِرداويُّ ﵀: قَولُه: (ولا يَصحُّ على الكَنائسِ وبُيوتِ النارِ) وكذا البِيَعُ، وهذا المَذهبُ وعليه الأصحابُ، ونَصَّ عليه في الكَنائسِ والبِيَعِ.
وفي «المُوجَزِ» رِوايةٌ على الكَنيسةِ والبيعَةِ كمارٍّ بهِما.
فوائدُ:
الأُولى: الذِّميُّ كالمُسلمِ في عَدمِ الصِّحةِ في ذلكَ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، فلا يَصحُّ وَقفُ الذِّميِّ على الكَنائسِ والبيَعِ وبُيوتِ النارِ
стр. 6610
ونَحوِها، ولا على مَصالحِ شيءٍ مِنْ ذلكَ كالمُسلمِ، نَصَّ عليه، وقطَعَ به الحارِثيُّ وغَيرُه، قالَ المُصنِّفُ: لا نَعلمُ فيهِ خِلافًا.
وصحَّحَ في «الواضِح» وقْفَ الذِّميِّ على البيعَةِ والكَنيسةِ، وتَقدَّمَ كَلامُه في وَقفِ الذِّميِّ على الذِّميِّ.
الثانيةُ: الوَصيةُ كالوَقفِ في ذلكَ كُلِّه على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، قَدَّمَه في «الفُروعِ»، وقيلَ: مِنْ كافرٍ.
وقالَ في «الانتِصار»: لو نذَرَ الصَّدقةَ على ذِميَّةٍ لَزمَه، وذكرَ في المَذهبِ وغيرِه: يَصحُّ للكُلِّ، وذكَرَه جَماعةٌ رِوايةً.
وذكَرَ القاضي صِحَّتَها بحَصيرٍ وقَناديلَ.
قالَ في «التَّبصِرَة»: إنْ وَصَّى لِمَا لا مَعروفَ فيه ولا بِرَّ ككَنيسةٍ أو كُتبِ التَّوراةِ لم يَصحَّ، وعنه يَصحُّ (١).
وَقفُ الذِّميِّ على المَساجدِ والقُرَبِ:
اختَلفَ الفُقَهاءُ كما سَبَقَ في حُكْمِ وَقفِ الذِّمِّيِّ على المَساجِدِ:
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ وابنُ تَيميةَ إلى أنه لا يَصحُّ وَقفُ الذِّميِّ على المَساجدِ.
فنَصَّ الحَنفيةُ على أنه لا يَصحُّ وَقفُ الذِّميِّ على المَسجدِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ صِحةِ وَقفِ الذِّميِّ عندَهُم أنْ يَكونَ قُربةً عندَنا وعندَهُم،
стр. 6611
وكذا لو وَقَفوا على الحَجِّ أو العُمرةِ؛ لأنه ليس بقُربةٍ عندَهُم، بخِلافِ ما لو وقَفَ على مَسجدِ بَيتِ المَقدِسِ فإنه صَحيحٌ؛ لأنه قُربةٌ عندَنا وعندَهُم (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَبطلُ ولا يَصحُّ الوَقفُ مِنْ الكافِرِ ولو ذِميًّا على مَسجدٍ مِنْ مَساجِدِ المُسلمينَ، أو على رِباطٍ أو قُربةٍ مِنْ القُربِ الدِّينيةِ، ولذلكَ رَدَّ الإمامُ مالِكٌ دِينارَ النَّصرانيةِ عليها حَيثُ بعَثَتْ به إلى الكَعبةِ.
ففي سَماعِ ابنِ القاسِمِ: إنْ حبَسَ ذِميٌّ دارًا على مَسجدٍ رُدَّتْ.
وقالَ أبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ القُرطُبيُّ ﵀: مَسألةٌ:
وسَألَه ابنُ أبي حَسَّانَ عن امرَأةٍ نَصرانيةٍ بعَثَتْ بدِينارٍ إلى الكَعبةِ، هل يُجعلُ في الكَعبةِ؟ قالَ: بل يُرَدُّ إليها، قالَ ابنُ أبي حَسَّانَ: كذلكَ حَدَّثَني مَعنُ بنُ عيسى عن مالكٍ أنه قالَه.
قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: هذا صَحيحٌ؛ لأنه يَنبغي أنْ تُنَزَّهَ الكَعبةُ وأهلُها المُسلمونَ عن أنْ يُنفَقَ فيها مالُ نَصرانيةٍ، إنَّما قصدت أنْ تَنسِبَ إليهم ما يَغضُّ مِنهم مِنْ الاستِعانةِ بمالِها فيما يَلزمُهُم القِيامُ به مِنْ أمرِ قِبلَتِهم التي يَأتمُّونَ بها ويَحجُّونَ إليها، فلا تَنعَمُ بذلكَ عَينًا، وباللهِ التَّوفيقُ (٢).
стр. 6612
وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: لا يَصحُّ الحَبسُ مِنْ كافِرٍ في قُربةٍ دِينيةٍ ولو كانَتْ في مَنفعةٍ عامَّةٍ دُنيويةٍ كبِناءِ القَناطِرِ ففي رَدِّه نظَرٌ، والأظهَرُ إنْ لم يُحتَجْ إليه رُدَّتْ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ويَنبغِي أنْ يُشترطَ في الواقفِ أنْ يَكونَ ممَّن يُمكَّنُ مِنْ تلكَ القُربةِ، فلو أرادَ الكافِرُ أنْ يَقفَ مَسجِدًا مُنعَ منه (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى صِحةِ الوَقفِ على المَساجدِ ولو مِنْ الذِّميِّ.
قالَ الشافِعيةُ: يَصحُّ الوَقفُ مِنْ الكافِرِ ولو على مَسجدٍ؛ لأنَّ الوَقفَ ليس بقُربةٍ مَحضةٍ، وبذلكَ فارَقَ عدَمَ صِحةِ نَذرِه (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ الوَقفُ على بِرٍّ وهو اسمٌ جامِعٌ للخيرِ، وأصلُه الطاعَةُ للهِ تعالى مِنْ مُسلمٍ أو ذِميٍّ؛ لأنَّ ما لا يَصحُّ مِنْ المُسلمِ الوَقفُ عليه لا يَصحُّ مِنْ الذِّميِّ، كالوَقفِ على غَيرِ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ والمَساكينِ والغُزاةِ والعُلماءِ والمُتعلِّمينَ، وقد تَكونُ على غَيرِ آدَميٍّ كالحَجِّ
стр. 6613
والغَزوِ وكِتابةِ الفِقهِ وكِتابةِ العِلمِ وكِتابةِ القُرآنِ وكالسِّقاياتِ والقَناطرِ وإصلاحِ الطُّرقِ والمَساجدِ والمَدارسِ (١) …
وقالَ المِرداويُّ ﵀: والشرطُ الثاني: أنْ يَكونَ الوَقفُ على بِرٍّ، وسَواءٌ كانَ الواقفُ مُسلمًا أو ذِميًّا، نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ ﵀، كالمَساكينِ والمَساجدِ والقَناطرِ والأقاربِ، وهذا المَذهبُ وعليه جَماهيرُ الأصحابِ وقطَعَ به كَثيرٌ مِنهم (٢).
وَقفُ المُرتدِّ:
اختَلفَ الفُقَهاءُ في وَقفِ المُرتدِّ، هل يَصحُّ منه أم لا؟
قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ للواقِفِ مِلَّةٌ، فلا يَصحُّ وَقفُ المُرتدِّ إنْ قُتلَ أو ماتَ على رِدتِه، وإنْ أسلَمَ صَحَّ.
ويَبطلُ وَقفُ المُسلمِ الذي وقَفَه حالَ إسلامِه إنِ ارتَدَّ ويَصيرُ مِيراثًا، سَواءٌ قُتلَ على رِدتِه أو ماتَ أو عادَ إلى الإسلامِ، إلَّا إنْ أعادَ الوَقفَ بعد عَودِه إلى الإسلامِ.
ويَصحُّ وَقفُ المُرتدَّةِ؛ لأنها لا تُقتَلُ.
قالَ في «الدُّر»: وفي «الوَهبانيةِ»: وتَبطلُ أوقافُ امرِئٍ بارتِدادِه، فحالَ ارتِدادٍ منه لا وقْفَ أجدَرُ.
стр. 6614
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قولُه: (وتَبطلُ أوقافُ امرِئٍ بارتِدادِه)، وحاصِلُه مَسألَتانِ:
إحداهُما: لو وقَفَ ثمَّ ارتَدَّ -والعِياذُ باللهِ تعالى- بطَلَ وَقفُه وإنْ عادَ إلى الإسلامِ ما لم يُعِدْ وقْفَه بعد عَودِه؛ لحُبوطِ عَملِه بالرِّدةِ، ونظَرَ فيهِ ابنُ الشِّحنةِ في شَرحِه بأنَّ الحُبوطَ في إبطالِ الثَّوابِ لا فيما تَعلَّقَ به حقُّ الفُقراءِ، وأجابَ الشُّرنبلالِيُّ في شَرحِه بما في «الإسْعَاف» مِنْ أنه لمَّا جعَلَ آخِرَه للمَساكينِ وذلكَ قُربةٌ فبطَلَ. اه
قُلتُ: وهذا الجَوابُ غيرُ مُلاقٍ للسُّؤالِ، وإنَّما ذكَرَه في «الإسْعَاف» جَوابًا عن سُؤالٍ آخَرَ، وهو أنه إذا وقَفَه على قَومٍ بأعيانِهِم لم يَكنْ قُربةً، فأجابَ بما ذُكِرَ، فالجَوابُ الصَّحيحُ: أنَّ الوَقفَ على الفُقراءِ قُربةٌ باقيةٌ إلى حالِ الرِّدةِ، والرِّدةُ تُبطِلُ القُربةَ التي قارَنَتْها، كما لو ارتَدَّ في حالِ صَلاتِه أو صَومِه، بخِلافِ ما إذا ارتَدَّ بعد صلاتِه أو صِيامِه فإنه لا يَبطلُ نَفسُ الفِعلِ، بل ثَوابُه فقط، وأمَّا حقُّ الفُقراءِ فإنَّما هو في الصَّدقةِ فقط، فإذا بطَلَ التصدُّقُ الذي هو معنَى الوَقفِ بطَلَ حقُّهُم ضِمنًا وإنْ كانَ لا يُمكِنُ إبطالُه قَصدًا كما يَبطلُ في خَرابِ الوَقفِ وخُروجِه عن المَنفعةِ، هذا ما ظهَرَ لي فافهَمْ.
الثانيةُ: لو وقَفَ في حالِ رِدتِه فهو مَوقوفٌ عندَ الإمامِ، فإنْ عادَ إلى الإسلامِ صَحَّ، وإلا بأنْ ماتَ أو قُتلَ على رِدَّتِه أو حُكِمَ بلحاقِهِ بطَلَ، ولا رِوايةَ فيهِ عن أبي يُوسفَ، وعند مُحمدٍ: يَجوزُ منه ما يَجوزُ مِنْ القَومِ الذينَ انتَقلَ إلى دِينِهم.
стр. 6615
ويَصحُّ وَقفُ المُرتدَّةِ؛ لأنها لا تُقتلُ، إلا أنْ يَكونَ على حَجٍّ أو عُمرةٍ ونحوِ ذلكَ فلا يَجوزُ، كما في شَرحِ «الوَهبانيةِ» مُلخَّصًا.
(قَولُه: فحالَ ارتِدادٍ) مَنصوبٌ على الظَّرفيةِ مُتعلِّقٌ باسمِ «لا»، وأجدَرُ-أي أحَقُّ- خبَرُها، والمعنى: لا يَكونُ الوَقفُ حالَ الرِّدةِ أحَقَّ بالبُطلانِ مِنْ الوَقفِ قبلَها، بل ذاكَ أحَقُّ بالبُطلانِ؛ لعَدمِ تَوقُّفِه، هذا ما ظهَرَ لي، فافهَمْ، واللهُ سُبحانَه أعلَمُ (١).
وقالَ الطَّرابُلسيُّ ﵀ في «الإسْعَاف»: لو وقَفَ رَجلٌ مُسلمٌ أرْضَه على المَساكينِ أو في الحَجِّ عنه في كُلِّ سَنةٍ أو الغَزوِ عنه أو في أكفانِ المَوتى أو حَفرِ القُبورِ وما أشبَهَ ذلكَ ممَّا يُتقرَّبُ به إلى اللهِ تعالى ثُمَّ ارتَدَّ وقُتلَ أو ماتَ على رِدتِه بطَلَ وَقفُه وصارَ مِيراثًا عنه؛ لحُبوطِ عَملِهِ بها، والوَقفُ قُربةٌ إلى اللهِ تعالى، فلا تَبقَى معها، وإنْ عادَ إلى الإسلامِ لا يَعودُ إلى الوَقفيةِ بمُجرَّدِ العَودِ، فإنْ ماتَ قبل أنْ يُجدِّدَ فيه الوَقفيةَ كانَ مِيراثًا عنه، ولو جعَلَها وَقفًا على وَلدِه ونَسلِه وعَقبِه ثم مِنْ بَعدِهم على المَساكينِ ثمَّ ارتَدَّ بعد ذلكَ عن الإسلامِ فماتَ أو قُتلَ عليها يَبطلُ الوَقفُ وتَرجعُ مِيراثًا.
فإنْ قِيلَ: كَيفَ يَبطلُ الوَقفُ وقد جعَلَه على قَومٍ بأعيانِهِم؟
قُلنا: يَجعلُ آخِرَه للمَساكينِ وذلكَ قُربةٌ إلى اللهِ تعالى، فلمَّا بطَلَ ما
стр. 6616
يَتقرَّبُ به إلى اللهِ تعالى بطَلَ الباقي؛ لأنه لمَّا بطَلَ ما جعَلَه للمَساكينِ بارتِدادِه فكأنه وقَفَ ولم يَجعلْ آخِرَه للمَساكينِ، وإذا لم يَكنْ آخِرُه لهم لا يَصحُّ الوَقفُ على قَولِ مَنْ لا يُجيزُه إلا بجَعلِ آخِرِه لهم، وكذلكَ لو وقَفَ على أهلِ بَيتِه أو على قَرابتِه أو على مَواليهِ أو على بَني فُلانٍ أبدًا ثم مِنْ بَعدِهم على المَساكينِ فإنه يَبطلُ بمَوتِه مُرتدًّا، ولو وقَفَ وهو مُرتدٌّ كانَ وَقفُه باطِلًا؛ لأنَّ أبا حَنيفةَ ﵁ لا يُجيزُ تَصرُّفَه في المالِ الذي في يَدِه، حتى لو قُتلَ على رِدَّتِه أو ماتَ عليها يَكونُ جَميعُ تَصرُّفاتِه في مالِه باطِلةً، والمَحفوظُ عن أبي يُوسفَ أنَّ بَيعَه وشِراءَه واستِئجارَهُ ونحوَه جائِزٌ، قالَ الخَصَّافُ: ولم يُرْوَ عنه فيما يُتقرَّبُ به إلى اللهِ تعالى شيءٌ نَعرفُه، وقالَ: ألَا تَرَى أنه لو أَوصَى بعِتقِ عَبدٍ له أو أَوصى بحَجٍّ أو بعُمرةٍ أو أَوصى للمَساكينِ بشيءٍ أنَّ ذلكَ باطِلٌ لا يَجوزُ؛ لأنه لا يَملكُ مِنْ مالِه شيئًا بعدَ مَوتِه، فكيفَ تَجوزُ وَصيَّتُه بحَجٍّ أو بغَزوٍ أو بصَدقةٍ وهو كافِرٌ بالذي يَتقرَّبُ إليهِ بذلكَ؟! نَسألُ اللهَ الثَّباتَ على الدِّينِ والمَوتَ على الإسلامِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ المُرتدَّ إذا أوقَفَ شَيئًا ثم ارتَدَّ لا يَبطلُ ما أوقَفَه قبلَ ردَّتِه، قالَ الحَطَّابُ ﵀: وما أعتَقَه أو أعطاهُ لغَيرِه قبلَ ردَّتِه فإنه لا يَبطلُ، وانظُرْ ما حُكمُ وَقفِه، والظَّاهرُ أنَّ وقْفَه لا يَبطلُ قِياسًا على العِتقِ، واللهُ أعلَمُ (٢).
стр. 6617
وقالَ الزبيدِيُّ الشافِعيُّ ﵀ في «العُبَاب»: ولو وقَفَ للجِهادِ عنه ثم ارتَدَّ فالوَقفُ بحالِه يُصرَفُ للجِهادِ عنه؛ لصِحةِ جِهادِ المُرتدِّ، أو ليُحَجَّ عنه منه جازَ وليسَ وَقفًا على نَفسِه، فإنِ ارتَدَّ صُرِفَ للفُقراءِ، وإنْ أسلَمَ عادَ إلى الحَجِّ عنه (١).
الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكونَ الواقِفُ مالِكًا للمَوْقوفِ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ في الواقِفِ أنْ يَكونَ مالِكًا للعَينِ المَوقوفةِ وَقتَ الوَقفِ، فلا يَصحُّ وَقفُ ما لا يَملكُه الإنسانُ في الجُملةِ (٢)، والمِلكُ إمَّا أنْ يَكونَ عَينًا أو مَنفعةً، على تَفصيلٍ سَيأتي.
قالَ الحَنفيةُ: مِنْ شَرائطِ الوَقفِ المِلكُ وقتَ الوَقفِ، حتى لو غصَبَ أرضًا فوقَفَها ثم اشتَراها مِنْ مالِكِها ودفَعَ الثَّمنَ إليهِ أو صالَحَ على مالٍ دفَعَه إليهِ لا تَكونُ وَقفًا؛ لأنه إنَّما ملَكَها بعدَ أنْ وقَفَها.
قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: ولو استُحقَّ الوَقفُ بطَلَ، وكذا لو اتَّخذَها مَسجدًا، وكذا لو جاءَ شَفيعُها بعد وَقفِ المُشتري، وكذا لو وقَفَ المَريضُ المَديونُ الذي أحاطَ الدَّينُ بمالِه فإنه يُباعُ ويُنقَضُ الوَقفُ، ولو وقَفَ المَبيعَ
стр. 6618
فاسِدًا بعد القَبضِ صَحَّ وعليه القِيمةُ للبائعِ، وكذا لو اتَّخذَها مَسجدًا، وكذا لو جعَلَها مَسجدًا وجاءَ شَفيعُها نقَضَ المَسجديَّةَ.
ولو وَقَفَها المُشترِي قبلَ القَبضِ إنْ نقَدَ الثَّمنَ جازَ الوَقفُ، وإلا فهو مَوقوفٌ.
ولو اشتَرى أرضًا فوقَفَها ثمَّ جاءَ مُستحِقٌّ فاستَحقَّها وأجازَ البَيعَ بطَلَ الوَقفُ في قَولِ مُحمدٍ، ولو ضَمَّنَ المُستحِقَّ البائِعَ جازَ الوَقفُ في قَولِ مُحمدٍ، الكلُّ في «الخانِيَّة».
ولو وُهبَتْ له أرضٌ هِبةً فاسِدةً فقبَضَها ثمَّ وقَفَها صَحَّ وعليه قِيمتُها، ولو اشتَرى أرضًا فوقَفَها ثمَّ اطَّلعَ على عَيبٍ رجَعَ بالنُّقصانِ ولا يَلزمُه أنْ يَشتريَ به بَدلًا؛ لعَدمِ دُخولِ نُقصانِ العَيبِ في الوَقفِ، كذا في «الإسْعَاف».
وفي «الذَّخيرَة»: لو اشتَرى على أنَّ البائِعَ بالخِيارِ فيها فوقَفَها ثُمَّ أجازَ البائِعُ البيعَ لم يَجُزِ الوَقفُ. اه (١).
ويَتفرَّعُ على اشتِراطِ المِلكِ في الوَقفِ وَقفُ الفُضولِيِّ ووَقفُ الحاكِمِ ووَقفُ المَنفعةِ كالعَينِ المُستأجَرةِ.
أ- وَقفُ الفُضوليِّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ وَقفِ الفُضوليِّ، بأنْ يَقِفَ الإنسانُ مِلكَ غَيرِه بغَيرِ إذنِه ثمَّ يُجيزُه المالِكُ، هل يَصحُّ أم لا؟
стр. 6619
فذهَبَ الحَنفيةُ وبَعضُ المالِكيةِ والشافِعيةُ في القَديمِ (١) والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الإنسانَ إذا أوقَفَ مِلكَ غَيرِه بغَيرِ إذنِه تُوقِّفَ على إجازَةِ المالِكِ، فإنْ أجازَهُ جازَ الوَقفُ وإلا فلا؛ لأنَّ المالِكَ إذا أَجازَ فِعلَه كانَ ذلكَ الفِعلُ في الحَقيقةِ صادِرًا منه.
قالَ الحَنفيةُ: لو وقَفَ ضَيعةَ غَيرِه على جِهاتٍ فبلَغَ الغَيرَ فأجازَهُ جازَ بشَرطِ الحُكمِ والتَّسليمِ أو عَدمِه على الخِلافِ، وهذا هو المُرادُ بجَوازِ وَقفِ الفُضوليِّ (٢).
قالَ الدُّسوقِيُّ ﵀: وذكَرَ بَعضُهم أنَّ وقْفَ الفُضولِيِّ وهِبتَه وصَدقتَه وعِتقَه كبَيعِه، إنْ أمضاهُ المالِكُ مَضَى وإلا رُدَّ، واختارَ ذلكَ القولَ شَيخُنا؛ لأنَّ المالِكَ إذا أجازَ فِعلَه كانَ ذلكَ الفِعلُ في الحَقيقةِ صادِرًا منه (٣).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ (٤) والحَنابلةُ في المَذهبِ (٥)
стр. 6620
إلى أنَّ وقْفَ الفُضولِيِّ غيرُ صَحيحٍ ولا يَنفذُ وإنْ أجازَهُ المالِكُ كبَيعِه.
قالَ المالِكيةُ: وَقفُ الفُضولِيِّ غيرُ صَحيحٍ ولو أجازَهُ المالِكُ؛ لخُروجِه بغَيرِ عِوضٍ، بخِلافِ بَيعِه فصَحيحٌ؛ لخُروجِه بعِوضٍ، ومِثلُ وَقفِ الفُضوليِّ هِبتُه وصَدَقتُه وعِتقُه فهو باطِلٌ ولو أجازَهُ المالِكُ (١).
ب- وَقفُ الإمامِ والسَّلاطِينِ:
ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ إلى جَوازِ وَقفِ الإمامِ في الجُملةِ مِنْ بَيتِ مالِ المُسلِمينَ على الخَيراتِ ومَصالحِ المُسلمينَ.
قالَ الحَنفيةُ: ولو وقَفَ السُّلطانُ مِنْ بَيتِ مالِنا لمَصلحةٍ عَمَّتْ كالوَقفِ على المَسجدِ فإنه يَجوزُ ويُؤجَرُ، بخِلافِه على مُعيَّنٍ وأولادِه فإنه لا يَصحُّ وإنْ جعَلَ آخِرَه للفُقراءِ؛ لأنَّ بَيتَ المالِ هو لمَصالحِ المُسلمينَ، فإذا أبَّدَه على مَصرِفِه الشَّرعيِّ يُثابُ، لا سِيَّما إذا كانَ يَخافُ عليه أُمراءَ الجَورِ الذينَ يَصرفونَه في غَيرِ مَصرِفِه الشَّرعيِّ، فيَكونُ قد منَعَ مَنْ يَجيءُ مِنهم ويَتصرَّفُ ذلكَ التَّصرفَ.
وكذا يَصحُّ إِذنُه بذلكَ إنْ فُتحَتْ عُنوَةً لا صُلحًا؛ لبَقاءِ مِلكِ مالِكِها قبلَ الفَتحِ (٢).