← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

يَتقرَّبُ به إلى اللهِ تعالى بطَلَ الباقي؛ لأنه لمَّا بطَلَ ما جعَلَه للمَساكينِ بارتِدادِه فكأنه وقَفَ ولم يَجعلْ آخِرَه للمَساكينِ، وإذا لم يَكنْ آخِرُه لهم لا يَصحُّ الوَقفُ على قَولِ مَنْ لا يُجيزُه إلا بجَعلِ آخِرِه لهم، وكذلكَ لو وقَفَ على أهلِ بَيتِه أو على قَرابتِه أو على مَواليهِ أو على بَني فُلانٍ أبدًا ثم مِنْ بَعدِهم على المَساكينِ فإنه يَبطلُ بمَوتِه مُرتدًّا، ولو وقَفَ وهو مُرتدٌّ كانَ وَقفُه باطِلًا؛ لأنَّ أبا حَنيفةَ ﵁ لا يُجيزُ تَصرُّفَه في المالِ الذي في يَدِه، حتى لو قُتلَ على رِدَّتِه أو ماتَ عليها يَكونُ جَميعُ تَصرُّفاتِه في مالِه باطِلةً، والمَحفوظُ عن أبي يُوسفَ أنَّ بَيعَه وشِراءَه واستِئجارَهُ ونحوَه جائِزٌ، قالَ الخَصَّافُ: ولم يُرْوَ عنه فيما يُتقرَّبُ به إلى اللهِ تعالى شيءٌ نَعرفُه، وقالَ: ألَا تَرَى أنه لو أَوصَى بعِتقِ عَبدٍ له أو أَوصى بحَجٍّ أو بعُمرةٍ أو أَوصى للمَساكينِ بشيءٍ أنَّ ذلكَ باطِلٌ لا يَجوزُ؛ لأنه لا يَملكُ مِنْ مالِه شيئًا بعدَ مَوتِه، فكيفَ تَجوزُ وَصيَّتُه بحَجٍّ أو بغَزوٍ أو بصَدقةٍ وهو كافِرٌ بالذي يَتقرَّبُ إليهِ بذلكَ؟! نَسألُ اللهَ الثَّباتَ على الدِّينِ والمَوتَ على الإسلامِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ المُرتدَّ إذا أوقَفَ شَيئًا ثم ارتَدَّ لا يَبطلُ ما أوقَفَه قبلَ ردَّتِه، قالَ الحَطَّابُ ﵀: وما أعتَقَه أو أعطاهُ لغَيرِه قبلَ ردَّتِه فإنه لا يَبطلُ، وانظُرْ ما حُكمُ وَقفِه، والظَّاهرُ أنَّ وقْفَه لا يَبطلُ قِياسًا على العِتقِ، واللهُ أعلَمُ (٢).

стр. 6617

وقالَ الزبيدِيُّ الشافِعيُّ ﵀ في «العُبَاب»: ولو وقَفَ للجِهادِ عنه ثم ارتَدَّ فالوَقفُ بحالِه يُصرَفُ للجِهادِ عنه؛ لصِحةِ جِهادِ المُرتدِّ، أو ليُحَجَّ عنه منه جازَ وليسَ وَقفًا على نَفسِه، فإنِ ارتَدَّ صُرِفَ للفُقراءِ، وإنْ أسلَمَ عادَ إلى الحَجِّ عنه (١). الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكونَ الواقِفُ مالِكًا للمَوْقوفِ: اشتَرطَ الفُقهاءُ في الواقِفِ أنْ يَكونَ مالِكًا للعَينِ المَوقوفةِ وَقتَ الوَقفِ، فلا يَصحُّ وَقفُ ما لا يَملكُه الإنسانُ في الجُملةِ (٢)، والمِلكُ إمَّا أنْ يَكونَ عَينًا أو مَنفعةً، على تَفصيلٍ سَيأتي. قالَ الحَنفيةُ: مِنْ شَرائطِ الوَقفِ المِلكُ وقتَ الوَقفِ، حتى لو غصَبَ أرضًا فوقَفَها ثم اشتَراها مِنْ مالِكِها ودفَعَ الثَّمنَ إليهِ أو صالَحَ على مالٍ دفَعَه إليهِ لا تَكونُ وَقفًا؛ لأنه إنَّما ملَكَها بعدَ أنْ وقَفَها. قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: ولو استُحقَّ الوَقفُ بطَلَ، وكذا لو اتَّخذَها مَسجدًا، وكذا لو جاءَ شَفيعُها بعد وَقفِ المُشتري، وكذا لو وقَفَ المَريضُ المَديونُ الذي أحاطَ الدَّينُ بمالِه فإنه يُباعُ ويُنقَضُ الوَقفُ، ولو وقَفَ المَبيعَ

стр. 6618

فاسِدًا بعد القَبضِ صَحَّ وعليه القِيمةُ للبائعِ، وكذا لو اتَّخذَها مَسجدًا، وكذا لو جعَلَها مَسجدًا وجاءَ شَفيعُها نقَضَ المَسجديَّةَ. ولو وَقَفَها المُشترِي قبلَ القَبضِ إنْ نقَدَ الثَّمنَ جازَ الوَقفُ، وإلا فهو مَوقوفٌ. ولو اشتَرى أرضًا فوقَفَها ثمَّ جاءَ مُستحِقٌّ فاستَحقَّها وأجازَ البَيعَ بطَلَ الوَقفُ في قَولِ مُحمدٍ، ولو ضَمَّنَ المُستحِقَّ البائِعَ جازَ الوَقفُ في قَولِ مُحمدٍ، الكلُّ في «الخانِيَّة». ولو وُهبَتْ له أرضٌ هِبةً فاسِدةً فقبَضَها ثمَّ وقَفَها صَحَّ وعليه قِيمتُها، ولو اشتَرى أرضًا فوقَفَها ثمَّ اطَّلعَ على عَيبٍ رجَعَ بالنُّقصانِ ولا يَلزمُه أنْ يَشتريَ به بَدلًا؛ لعَدمِ دُخولِ نُقصانِ العَيبِ في الوَقفِ، كذا في «الإسْعَاف». وفي «الذَّخيرَة»: لو اشتَرى على أنَّ البائِعَ بالخِيارِ فيها فوقَفَها ثُمَّ أجازَ البائِعُ البيعَ لم يَجُزِ الوَقفُ. اه (١). ويَتفرَّعُ على اشتِراطِ المِلكِ في الوَقفِ وَقفُ الفُضولِيِّ ووَقفُ الحاكِمِ ووَقفُ المَنفعةِ كالعَينِ المُستأجَرةِ. أ- وَقفُ الفُضوليِّ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ وَقفِ الفُضوليِّ، بأنْ يَقِفَ الإنسانُ مِلكَ غَيرِه بغَيرِ إذنِه ثمَّ يُجيزُه المالِكُ، هل يَصحُّ أم لا؟

стр. 6619

فذهَبَ الحَنفيةُ وبَعضُ المالِكيةِ والشافِعيةُ في القَديمِ (١) والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الإنسانَ إذا أوقَفَ مِلكَ غَيرِه بغَيرِ إذنِه تُوقِّفَ على إجازَةِ المالِكِ، فإنْ أجازَهُ جازَ الوَقفُ وإلا فلا؛ لأنَّ المالِكَ إذا أَجازَ فِعلَه كانَ ذلكَ الفِعلُ في الحَقيقةِ صادِرًا منه. قالَ الحَنفيةُ: لو وقَفَ ضَيعةَ غَيرِه على جِهاتٍ فبلَغَ الغَيرَ فأجازَهُ جازَ بشَرطِ الحُكمِ والتَّسليمِ أو عَدمِه على الخِلافِ، وهذا هو المُرادُ بجَوازِ وَقفِ الفُضوليِّ (٢). قالَ الدُّسوقِيُّ ﵀: وذكَرَ بَعضُهم أنَّ وقْفَ الفُضولِيِّ وهِبتَه وصَدقتَه وعِتقَه كبَيعِه، إنْ أمضاهُ المالِكُ مَضَى وإلا رُدَّ، واختارَ ذلكَ القولَ شَيخُنا؛ لأنَّ المالِكَ إذا أجازَ فِعلَه كانَ ذلكَ الفِعلُ في الحَقيقةِ صادِرًا منه (٣). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ (٤) والحَنابلةُ في المَذهبِ (٥)

стр. 6620

إلى أنَّ وقْفَ الفُضولِيِّ غيرُ صَحيحٍ ولا يَنفذُ وإنْ أجازَهُ المالِكُ كبَيعِه. قالَ المالِكيةُ: وَقفُ الفُضولِيِّ غيرُ صَحيحٍ ولو أجازَهُ المالِكُ؛ لخُروجِه بغَيرِ عِوضٍ، بخِلافِ بَيعِه فصَحيحٌ؛ لخُروجِه بعِوضٍ، ومِثلُ وَقفِ الفُضوليِّ هِبتُه وصَدَقتُه وعِتقُه فهو باطِلٌ ولو أجازَهُ المالِكُ (١). ب- وَقفُ الإمامِ والسَّلاطِينِ: ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ إلى جَوازِ وَقفِ الإمامِ في الجُملةِ مِنْ بَيتِ مالِ المُسلِمينَ على الخَيراتِ ومَصالحِ المُسلمينَ. قالَ الحَنفيةُ: ولو وقَفَ السُّلطانُ مِنْ بَيتِ مالِنا لمَصلحةٍ عَمَّتْ كالوَقفِ على المَسجدِ فإنه يَجوزُ ويُؤجَرُ، بخِلافِه على مُعيَّنٍ وأولادِه فإنه لا يَصحُّ وإنْ جعَلَ آخِرَه للفُقراءِ؛ لأنَّ بَيتَ المالِ هو لمَصالحِ المُسلمينَ، فإذا أبَّدَه على مَصرِفِه الشَّرعيِّ يُثابُ، لا سِيَّما إذا كانَ يَخافُ عليه أُمراءَ الجَورِ الذينَ يَصرفونَه في غَيرِ مَصرِفِه الشَّرعيِّ، فيَكونُ قد منَعَ مَنْ يَجيءُ مِنهم ويَتصرَّفُ ذلكَ التَّصرفَ. وكذا يَصحُّ إِذنُه بذلكَ إنْ فُتحَتْ عُنوَةً لا صُلحًا؛ لبَقاءِ مِلكِ مالِكِها قبلَ الفَتحِ (٢).

стр. 6621

وفي حاشِيَةِ العلَّامةِ ابنِ عابدِينَ الحَنفيِّ ﵀ على «الدُّر» أنَّ أوقافَ المُلوكِ والأُمراءِ إنْ عُلِمَ مِلكُهم لها بالشِّراءِ صَحَّ وَقفُهم لها ورُوعِيَ فيهِ شَرطُ الوَقفِ، وإنْ لم يُعلَمْ شِراؤُهم لها ولا عَدمُه فالظَّاهرُ أنه لا يُحكَمُ بصِحةِ وَقفِها؛ لأنه لا يَلزمُ مِنْ وَقفِهم لها مِلكُهم لها، بل يُحكَمُ بأنَّ ذلكَ السُّلطانَ الذي وقَفَها أَخرجَها مِنْ بَيتِ المالِ وعيَّنَها لمُستحِقِّيها مِنْ العُلماءِ والطَّلبةِ ونَحوِهم عَونًا لهم على وُصولِهم إلى بَعضِ حقِّهِم مِنْ بَيتِ المالِ، فهو إرصادٌ لا وَقفٌ حَقيقةً، فلِهذا أَفتَى علَّامةُ الوُجودِ المَولَى أبو السُّعودِ مُفتِي السَّلطَنةِ السُّلَيمانيةِ بأنَّ أوقافَ المُلوكِ والأُمراءِ لا يُراعَى شَرطُها؛ لأنها مِنْ بَيتِ المالِ أو تَرجِعُ إليهِ، وإذا كانَ كذلكَ لا يَجوزُ الإحداثُ إذا كانَ المُقرَّرُ في الوَظيفةِ أو المُرتَّبُ مِنْ مَصاريفِ بَيتِ المالِ. قالَ ابنُ عابِدينَ: ولا يَخفى أنَّ المَولَى أبا السُّعودِ أَدرَى بحالِ أوقافِ المُلوكِ، ومِثلُه في «المَبسُوط» مِنْ أنَّ السُّلطانَ يَجوزُ له مُخالَفةُ الشَّرطِ إذا كانَ غالِبُ جِهاتِ الوَقفِ قُرًى ومَزارِعَ؛ لأنَّ أصلَها لبَيتِ المالِ. اه، يَعني: إذا كانَتْ لبَيتِ المالِ ولَم يُعلَمْ مِلكُ الواقفِ لها فيَكونُ ذلكَ إرصادًا لا وَقفًا حَقيقةً، أي أنَّ ذلكَ السُّلطانَ الذي وقَفَه أخرَجَه مِنْ بَيتِ المالِ وعيَّنَهُ لمُستحِقِّيه مِنْ العُلماءِ والطَّلَبةِ ونَحوِهم عَونًا لهم على وُصولِهم إلى بَعضِ حقِّهِم مِنْ بَيتِ المالِ. ولذا لمَّا أرادَ السُّلطانُ نِظامُ المَملَكةِ بَرْقوقُ في عامِ نَيِّفٍ وثَمانينَ وسَبعِمِائةٍ أنْ يَنقضَ هذه الأوقافَ لكونِها أُخِذتْ مِنْ بَيتِ المالِ وعقَدَ لذلكَ

стр. 6622

مَجلِسًا حافِلًا حضَرَه الشَّيخُ سِراجُ الدِّينِ البَلقينيُّ والبُرهانُ ابنُ جَماعةَ وشَيخُ الحَنفيةِ الشَّيخُ أكمَلُ الدِّينِ شارِحُ «الهِدايَة»، فقالَ البَلقينيُّ: ما وُقفَ على العُلماءِ والطَّلَبةِ لا سَبيلَ إلى نَقضِه؛ لأنَّ لهم في الخُمسِ أكثَرَ مِنْ ذلكَ، وما وُقفَ على فاطِمةَ وخَديجةَ وعائِشةَ يُنقضُ، ووافَقَه على ذلكَ الحاضِرونَ كما ذكَرَه السُّيُوطيُّ في «النَّقْل المَستُور في جَوازِ قَبضِ مَعلومِ الوَظائِفِ بلا حُضورٍ». ثمَّ رَأيتُ نَحوَه في «شَرح المُلتَقى»، ففي هذا صَريحٌ بأنَّ أوقافَ السَّلاطِينِ مِنْ بَيتِ المالِ إرصادَاتٌ لا أوقافٌ حَقيقةً، وأنَّ ما كانَ منها على مَصاريفِ بَيتِ المالِ لا يُنقضُ، بخِلافِ ما وقَفَه السُّلطانُ على أولادِه أو عُتَقائِه مثلًا، وأنه حيثُ كانَتْ أرصادًا لا يَلزمُ مُراعاةُ شُروطِها؛ لعَدمِ كَونِها وَقفًا صَحيحًا، فإنَّ شرْطَ صِحتِه مِلكُ الواقفِ، والسُّلطانُ بدونِ الشِّراءِ مِنْ بَيتِ المالِ لا يَملكُه. وقد عَلِمْت مُوافَقةَ العَلَّامةِ الأكمَلِ على ذلكَ، وهو مُوافِقٌ لِما مَرَّ عن «المَبسُوط» وعن المَولى أبي السُّعودِ، ولِما سَيذكُرُه الشَّارحُ في الوَقفِ عن «النَّهْر» مِنْ أنَّ وقْفَ الإقطاعاتِ لا يَجوزُ إلا إذا كانَتْ أرضًا مَواتًا أو مِلكًا للإمامِ فأقطَعَها رَجلًا، وهذا خِلافُ ما في «التُّحْفَة المَرْضِيَّة» عن العَلَّامةِ قاسِمٍ مِنْ أنَّ وقْفَ السُّلطانِ لأرضِ بَيتِ المالِ صَحيحٌ. قُلتُ: ولعلَّ مُرادَه أنه لازِمٌ لا يُغيَّرُ إذا كانَ على مَصلحةٍ عامَّةٍ، كما نقَلَ الطَّرسوسيُّ عن قاضِيخَان مِنْ أنَّ السُّلطانَ لو وقَفَ أرضًا مِنْ بَيتِ مالِ المُسلمينَ على مَصلحةٍ عامَّةٍ للمُسلمينَ جازَ.

стр. 6623

قالَ ابنُ وَهْبانَ: لأنه إذا أبَّدَهُ على مَصرِفِه الشَّرعِيِّ فقدْ منَعَ مَنْ يَصرِفُه مِنْ أُمَراءِ الجَورِ في غَيرِ مَصرِفِه اه. فقدْ أفادَ أنَّ المُرادَ مِنْ هذا الوَقفِ تَأبيدُ صَرفِه على هذه الجِهةِ المُعيَّنةِ التي عَيَّنَها السُّلطانُ مِمَّا هو مَصلحةٌ عامَّةٌ، وهو معنَى الإرصادِ السَّابقِ، فلا يُنافي ما تقدَّمَ، واللهُ سُبحانَه أعلَمُ (١). إلا أنهُم لم يُجَوِّزُوا وقْفَ الإقطاعَاتِ -وهي ما يُعطيهِ الإمامُ مِنْ الأراضي رَقَبةً أو مَنفعةً لمَن له حقٌّ في بَيتِ المالِ- إلَّا إذا كانَتِ الأرضُ مَواتًا أو مِلكًا للإمامِ فأقطَعَها رَجلًا، فلو وقَفَ أرضًا أقطَعَه إيَّاها السُّلطانُ فإنْ كانَتْ مِلكًا له أو مَواتًا صَحَّ، وإنْ كانَتْ مِنْ بَيتِ المالِ لا يَصحُّ، وأغْلَبُ أوقافِ الأُمَراءِ بمِصرَ إنَّما هِي إقطاعَاتٌ يَجعلونَها مُشتراةً صورَةً مِنْ وَكيلِ بَيتِ المالِ. ولا يَجوزُ وَقفُ أرضِ الحَوزِ للإمامِ؛ لأنه ليس بمالِكٍ لها، وكذا لو وقَفَها مَنْ أدخَلَهُ السُّلطانُ فيها لِعِمارَتِها لا يَصحُّ؛ لكونِهِ مُزارِعًا لمالِكِها. وتَفسيرُ أرضِ الحَوزِ: أرضٌ عجَزَ صاحِبُها عن زِراعَتِها وأداءِ خَراجِها فدفَعَها إلى الإمامِ لتَكونَ مَنافِعُها جَبْرًا للخَراجِ (٢). وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قَولُه: (وأمَّا وَقفُ الإقطاعاتِ … إلخ)

стр. 6624

هي ما يُقطِعُه الإمامُ، أي يُعطيهِ مِنْ الأراضي رَقَبةً أو مَنفعةً لمَن له حقٌّ في بَيتِ المالِ. وحاصِلُ ما ذكَرَهُ صاحِبُ «البَحْر» في رِسالَتِه «التُّحْفَة المَرضِيَّة في الأَراضي المِصرِيةِ» أنَّ الواقفَ لأرضٍ مِنْ الأراضي لا يَخلو: إمَّا أنْ يَكونَ مالِكًا لها مِنْ الأصلِ بأنْ كانَ مِنْ أَهلِها حينَ يَمُنُّ الإمامُ على أهلِها، أو تَلَقَّى المِلكَ مِنْ مالِكِها بوَجهٍ مِنْ الوُجوهِ أو غَيرِهما، فإنْ كانَ الأوَّلَ فلا خَفاءَ في صِحةِ وَقفِه؛ لوُجودِ مِلكِه، وإنْ كانَ الواقفُ غَيرَهما فلا يَخْلو: إمَّا إنْ وصَلَتْ إلى يَدِه بإقطاعِ السُّلطانِ إيَّاها له أو بشِراءٍ مِنْ بَيتِ المالِ مِنْ غيرِ أنْ تَكونَ مِلكَه، فإنْ كانَ الأولَ فإنْ كانَتْ مَواتًا أو مِلكًا للسُّلطانِ صَحَّ وَقفُها، وإنْ كانَتْ مِنْ حقِّ بَيتِ المالِ لا يَصحُّ. قالَ الشَّيخُ قاسِمٌ: إنَّ مَنْ أقطَعَه السُّلطانُ أرضًا مِنْ بَيتِ المالِ ملَكَ المَنفعةَ بمُقابَلةِ ما أعَدَّ له، فلَهُ إجارَتُها، وتَبطلُ بمَوتِه أو إخراجِه مِنْ الإقطاعِ؛ لأنَّ للسُّلطانِ أنْ يُخرِجَها منه. اه وإنْ وصَلَتِ الأرضُ إلى الواقفِ بالشِّراءِ مِنْ بَيتِ المالِ بوَجهٍ مَسوغٍ فإنَّ وقْفَه صَحيحٌ؛ لأنه ملَكَها، ويُراعَى فيها شُروطُه، سَواءٌ كانَ سُلطانًا أو أميرًا أو غَيرَهما، وما ذكَرَهُ السُّيوطِيُّ مِنْ أنه لا يُراعَى فيها الشَّرائِطُ إنْ كانَ سُلطانًا أو أميرًا فمَحمولٌ على ما إذا وصَلَتْ إلى الواقفِ بإقطاعِ السُّلطانِ مِنْ بَيتِ المالِ، أو بِناءً على أصلٍ في مَذهبِه، وإنْ كانَ الواقفُ لها السُّلطانَ مِنْ بَيتِ المالِ مِنْ غيرِ شِراءٍ، فأفتَى العَلَّامةُ قاسِمٌ بأنَّ الوَقفَ صَحيحٌ،

стр. 6625

أجابَ به حينَ سُئِلَ عن وَقفِ السُّلطانِ جَقْمَقَ، فإنه أرصَدَ أرضًا مِنْ بَيتِ المالِ على مَصالحِ مَسجِدٍ، وأَفتَى بأنَّ سُلطانًا آخَرَ لا يَملكُ إبطالَه. اه حاصِلُ ما في الرِّسالَةِ. قلتُ: وما أَفتى به العَلَّامةُ قاسِمٌ مُشكِلٌ؛ لِما تقدَّمَ مِنْ أنها إنْ كانَتْ مِنْ حقِّ بَيتِ المالِ لا يَصحُّ، وكذا ما سَيَذكرُه الشَّارحُ في فُروعِ الفَصلِ الآتي عن «المَبسُوط» مِنْ أنَّ للسُّلطانِ مُخالَفةَ شَرطِ الواقفِ إذا كانَ غالِبُ جِهاتِ الوَقفِ قُرًى ومَزارعَ؛ لأنَّ أصلَها لبَيتِ المالِ، أي: فلم تَكنْ وَقفًا حَقيقةً، بل هي أرصادٌ أخرَجَها الإمامُ مِنْ بَيتِ المالِ وعيَّنَها لمَن يَستحِقُّ منه مِنْ العُلماءِ ونَحوِهم كما أوضَحناهُ في بابِ العُشرِ والخَراجِ والجِزيةِ، وقَدَّمْنا هُناكَ أنه إذا لم يُعلَمْ شِراؤُه لها ولا عَدمُه فالظَّاهِرُ أنه لا يُحكَمُ بصِحَّةِ وَقفِها؛ لأنَّ شرْطَه المِلكُ ولمْ يُعلَمْ، ولا يَلزمُ عِلمُه مِنْ وَقفِهِ لها؛ لأنَّ الأصلَ بَقاؤُها لبَيتِ المالِ كما يُفيدُه المَذكورُ عن «المَبسُوط» (١). وقالَ المالِكيةُ: وَقفُ السَّلاطينِ على الخَيراتِ صَحيحٌ مع عَدمِ مِلكِهم لِما حَبَسوهُ؛ لأنَّ السُّلطانَ وَكيلٌ عن المُسلمينَ، فهو كوَكيلِ الواقفِ. قالَ الدُّسوقِيُّ ﵀: وما ذكرَ مِنْ صِحةِ تَحبيسِهم نقَلَه ابنُ عَرفةَ عن سَماعِ مُحمدِ بنِ خالِدٍ، لَكنْ تأوَّلَه القَرافِيُّ في «الفُرُوق» على ما إذا حبَسَ المُلوكُ مُعتقِدينَ فيهِ أنهم وُكَلاءُ المُلَّاكِ، فإنْ حَبَسوهُ مُعتقِدينَ أنه مِلكُهم

стр. 6626

بطَلَ تَحبيسُهم، وبذلكَ أَفتَى العَبدوسِيُّ، ونقَلَه ابنُ غازي في «تَكمِيل التَّقييدِ» (١). وقالَ القَرافِيُّ ﵀: فَرعٌ: قالَ: إذا وقَفَ المُلوكُ وَقفًا على جِهةٍ وهُم مُتمكِّنونَ مِنْ تَمليكِها لتلكَ الجِهةِ شَرعًا جازَ كالرُّبَطِ والمَدارسِ، وإنْ لم يَكونوا مُتَمكِّنينَ كإنفاقِهم على دَراريهِم لم يَصحَّ؛ لأنَّ مَنْ تَعذَّرَ تَمليكُه تَعَذَّرَ إنفاقُه بطَريقِ الأَولى، فإنْ وَقَفوا على مَدرسةٍ أكثَرَ مِمَّا يُحتاجُ بطَلَ فيما زادَ فقط؛ لأنهم مَعزولونَ عن التَّصرُّفِ إلا على وَجهِ المَصلحةِ، والزَّائدُ لا مَصلحةَ فيه فهو مِنْ غيرِ مُتَوَلٍّ فلا يَنفذُ. وإنْ وَقَفوا أموالَ الزَّكاةِ على جِهاتِها لم يَجُزْ؛ لِما فيهِ مِنْ التَّحجيرِ على الفُقراءِ. فإنْ غَصَبوا أموالًا يُوقِفونَها على المَصالِحِ العامَّةِ أو الخاصَّةِ فإنْ وَقَفوا عَيْنَ المَغصوبِ أو اشتَرَوا به مُعاطَاةً لم يَصحَّ الوَقفُ، وإنْ كانَ على الذِّمةِ لم يَضمَنْ مَنِ انتَفعَ بذلكَ العينَ المُشتراةَ بخِلافِ الأوَّلِ، وهل يَغرمُ السُّلطانُ لأنه أفسَدَ أو لا يَغرَمُ لأنه ما انتَفعَ به في نَفسِه؟ فيه نظَرٌ، وهذا الفَرعُ يُخالِفُ قَواعِدَنا في بَيعِ المُعاطاةِ، فإنه عندنا مَتى كانَ بالدَّنانيرِ أو الدَّراهِمِ فإنها لا تَتعيَّنُ، وهو كالعَقدِ على الذِّمةِ سَواءٌ، وكذلكَ إذا لم يَنتفِعِ السُّلطانُ ضَمِنَ؛ لأنه غاصِبٌ يَضمَنُ وإنْ لم يَنتفِعْ (٢).

стр. 6627

وقالَ في «الفُرُوق»: المَسألةُ الرَّابعةُ: وقَعَ في كِتابِ «البَيان والتَّحصيل» لأبي الوَليدِ ابنِ رُشدٍ مِنْ أصحابِنا ﵀ ما ظاهِرُه أنَّ للإمامِ أنْ يُوقِفَ وَقفًا على جِهةٍ مِنْ الجِهاتِ، ووقَعَ للشافِعيةِ ﵏ مِثلُ ذلكَ، ومُقتَضَى ذلكَ أنَّ أوقافَهُم -أعني المُلوكَ والخُلَفاءَ- إذا وقَعَتْ على وَجهِ الصِّحةِ والأوضاعِ الشَّرعيةِ لمَصالِحِ المُسلِمينَ أنها تَنفذُ، ولا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يَتناوَلَ منها شيئًا إلَّا إذا قامَ بشَرطِ الواقفِ، ولا يَجوزُ للإمامِ أنْ يُطلِقَ ذلكَ الوَقفَ بعد ذلكَ لمن لم يَقُمْ بذلكَ الوَقفِ، فقد صارَ ذلكَ الشَّرطُ لازِمًا للنَّاسِ وللإمامِ كسائِرِ الأوقافِ، فليسَ للإمامِ تَحويلُه عن تِلكَ الجِهةِ وإطلاقُه لمَن لم يَقُمْ بتِلكَ الوَظيفةِ. فإنْ وَقَفوا على أولادِهم أو جِهاتِ أقارِبِهم لهَواهُم وحِرصِهم على حَوزِ الدُّنيا لهم وذَراريهِم واتِّباعًا لغَيرِ الأوضاعِ الشَّرعيةِ لم يَنفذْ هذا الوَقفُ، وحَرُمَ على مَنْ وُقِفَ عليه تَناولُه بهذا الوَقفِ، وللإمامِ انتِزاعُه منه وصَرفُه له ولغَيرِه على حَسَبِ ما تَقتضيهِ مَصالِحُ المُسلِمينَ، وأمَّا الوَقفُ الأوَّلُ فهو باطِلٌ، ومَن تَناولَ منه شيئًا بهذا الوَقفِ كانَ للإمامِ أخذُه منه، وله وَقفُ هذه الجِهةِ على جِهةٍ أُخرى على الأوضاعِ الشَّرعيةِ، ولو صَحَّ الوَقفُ الأولُ لِمُصادَفتِه للأوضاعِ الشَّرعيةِ لم يَكنْ للإمامِ تَحويلُه. فإنْ قُلتَ: فإنْ وقَفَ على وَلدِه بعضَ أراضي المُسلِمينَ وقُراهُم أو أحَدٍ مِنْ أقارِبِه واشتَرَى ذلكَ مِنْ مالِه الذي اكتَسَبَه في زَمَنِ مَملكَتِه، هل يَصِحُّ ذلكَ الوَقفُ أم لا؟

стр. 6628

قلتُ: المُلوكُ فُقراءُ مَدينُونَ بسَببِ ما جَنَوهُ على المُسلِمينَ مِنْ تَصرُّفاتِهم في أموالِ بَيتِ المالِ بالهَواءِ في أبنِيةِ الدُّورِ العالِيةِ المُزخرَفةِ والمَراكِبِ النَّفيسَةِ والأطعِمةِ الطَّيبةِ وإعطاءِ الأصدِقاءِ والمُزاحِ بالباطِلِ مِنْ أموالٍ وغيرِ ذلكَ مِنْ التَّصرُّفاتِ المَنهيِّ عنها شَرعًا، فهذه كلُّها دُيونٌ عليهم فتَكثُرُ مِنْ تَطاوُلِ الأيَّامِ، فيَتعذَّرُ بسَببِها أمرانِ: أحَدُهما: الأوقافُ والتَّبرعاتُ والبُيوعاتُ على مَذهبِ مالِكٍ ﵀ ومَن وافَقَه، فإنَّ تَبَرُّعاتِ المَديونِ المُتأخِّرَةَ عن تَقرُّرِ الدَّينِ باطِلةٌ، فيَتخرَّجُ ذلكَ على هذا الخِلافِ. وثانيهِما: الإِرْثُ؛ لانه لا مِيراثَ مع الدَّينِ إجماعًا فلا يُورَثُ عنهم شيءٌ، وما تَرَكوهُ مِنْ المَماليكِ لا يَنفذُ عِتقُ الوارِثِ فيهم، بل هُمْ أموالُ بَيتِ المالِ مُستَحقُّونَ بسببِ ما عليهم مِنْ الدَّينِ، فلا يَنفذُ فيهم إلَّا عِتقُ مُتَولِّي بَيتِ المالِ على الوَجهِ الشَّرعيِّ، وإعتاقُهم لغَيرِ مَصلحةِ المُسلمينَ لا يَجوزُ، فإنْ وَقَفوا وَقفًا على جِهاتِ البِرِّ والمَصالِحِ العامَّةِ ونَسَبوهُ لأنفُسِهم بِناءً على أنَّ المالَ الذي في بَيتِ المالِ لهم كما يَعتقِدُه جَهَلةُ المُلوكِ بطَلَ الوَقفُ، بل لا يَصحُّ إلا أنْ يُوقِفُوا مُعتقِدينَ أنَّ المالَ للمُسلمينَ والوَقفَ للمُسلمينَ، أمَّا إنَّ المالَ لهم والوَقفَ لهم فلا، كمَن وقَفَ مالَ غَيرِه على أنه له فلا يَصحُّ الوَقفُ، فكذلكَ هاهُنا (١).

стр. 6629

وأمَّا الشافِعيةُ فقدْ اختَلَفوا في حُكمِ وَقفِ الإمامِ شيئًا مِنْ أرضِ بَيتِ المالِ على جِهاتِ الخيرِ أو على أولادِهم، فالصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ عندَهُم أنه يَجوزُ الوَقفُ ولو على أولادِهِم. وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: واستَثنَى مِنْ اعتِبارِ المِلكِ وقْفَ الإمامِ شيئًا مِنْ أرضِ بَيتِ المالِ، فإنه يَصحُّ كما صَرَّحَ به القاضي حُسينٌ وإنْ تَوقَّفَ فيه السُّبكيُّ، سَواءٌ أكانَ على مُعيَّنٍ أم جِهةٍ عامَّةٍ، وأفتَى به المُصَنِّفُ وأَفتَى به أبو سَعيدٍ ابنُ أبي عَصرونَ للسُّلطانِ نورِ الدِّينِ الشَّهيدِ مُتَمسِّكًا بوَقفِ عُمرَ ﵁ سَوادَ العِراقِ، ونقَلَه ابنُ الصَّلاحِ في فَوائدِ حُلَّتِه عن عَشرةٍ أو يَزيدونَ ثُمَّ وافَقَهُم على صِحَّتِه، ونقَلَ صاحِبُ «المَطْلَب» في بابِ قَسْمِ الفَيءِ والغَنيمةِ صِحَّتَه عن النَّصِّ، وفي «الشَّرح» و «الرَّوضَة» لو رَأَى الإمامُ وقْفَ أرضِ الغَنيمةِ كما فعَلَ عُمرُ ﵁ جازَ إذا استَطابَ قُلوبَ الغانِمينَ في النُّزولِ عنها بعِوضٍ أو بغَيرِه (١). وقالَ الرَّملِيُّ ﵀: يَصحُّ وَقفُ الإمامِ نحوَ أراضي بَيتِ المالِ على جِهةٍ ومُعيَّنٍ على المَنقولِ المَعمولِ به، بشَرطِ ظُهورِ المَصلحةِ في ذلكَ؛ إذْ تَصرُّفُه فيهِ مَنوطٌ بها كوَلِيِّ اليَتيمِ، ومِن ثَمَّ لو رَأى تَمليكَ ذلكَ لهم جازَ (٢). وقالَ البَيجُوريُّ ﵀: يَصحُّ وَقفُ الإمامِ مِنْ بَيتِ المالِ ولو على أولادِه خِلافًا للجَلالِ السُّيوطِيِّ ومَن تَبِعَه (٣).

стр. 6630

وكذا قالَ عُمَيرةُ ﵀: ويَصحُّ وَقفُ الإمامِ مِنْ بَيتِ المالِ على مُعيَّنٍ ولو على أولادِه أو جِهةٍ على المُعتمَدِ (١). وقالَ الجَمَلُ: وحيثُ صحَّحَ وقْفَه لا يَجوزُ تَغييرُه، وأمَّا ما عَمَّتْ به البَلوى مِمَّا يَقعُ الآنَ كَثيرًا مِنْ الرُّزُقِ المُرصَدةِ على أماكِنَ أو على طائِفةٍ مَخصوصةٍ حيثُ تُغيَّرُ وتُجعَلُ على غيرِ ما كانَتْ مَوقوفةً عليه أوَلًا فإنه باطِلٌ ولا يَجوزُ التَّصرُّفُ فيه لغَيرِ مَنْ عُيِّنَ عليه مِنْ جِهةِ الواقفِ الأوَّلِ، فليُتَنبَّهْ له فإنه يَقعُ كَثيرًا، ومِن هُنا يُفرَّقُ بينَ ما هُنا وبينَ عَدمِ صِحةِ عِتقِ عَبدِ بَيتِ المالِ بأنَّ المَوقوفَ عليه هُنا مِنْ جُملَةِ المُستحِقِّينَ فيهِ كما يُصرِّحُ به قَولُه، بشَرطِ ظُهورِ المَصلحةِ، فوَقفُه كإيصالِ الحَقِّ لمُستحِقِّه ولا كذلكَ العِتقُ نَفسُه، فإنه تَفويتٌ لِلمالِ اه … (قَولهُ أيضًا: نعمْ، يَصِحُّ وَقفُ الإمامِ مِنْ بَيتِ المالِ) أي: على مُعيَّنٍ أو على جِهةٍ عامَّةٍ كما أَفتَى به ابنُ أَبي عُصرونَ السُّلطانَ نُورَ الدِّينِ الشَّهيدَ، لكنْ قالَ السُّبكِيُّ: أنا لا أُفتِي به ولا أحكُمُ به، والذي أَراهُ أنه لا يَجوزُ وَقفُه على شَخصٍ أو طوائِفَ خاصَّةٍ. اه … نعم يَصحُّ وَقفُ الإمامِ أراضِيَ بَيتِ المالِ على جِهةٍ ومُعيَّنٍ على المَنقولِ المَعمولِ له بشَرطِ ظُهورِ المَصلحةِ في ذلك؛ إذْ تَصرُّفُه مَنوطٌ بالمَصلحةِ كوَليِّ اليَتيمِ، ومِن ثمَّ لو رَأَى تَمليكَ ذلكَ لهم جازَ.

стр. 6631

وحَيثُ صَحَّ وَقفُه فهل يَجبُ على المُباشِرِ لوَظيفةٍ مِنْ وَقفِه كقِراءَةِ دَرسِ عِلمٍ وإمامةِ مَسجِدٍ العَملُ بشَرطِهِ أو لا؟ ذهَبَ الجَلالُ السُّيوطِيُّ ومَن تَبِعَه إلى أنه لا يَجبُ عليه العَملُ بما ذكَرَه مِنْ الشُّروطِ حيثُ كانَ مُستحِقًّا في بَيتِ المالِ، وذهَبَ الرَّملِيُّ ومَن تَبِعَه إلى أنه يَجبُ عليه العَملُ بشَرطِه، ولا يَستحِقُّ المَعلومَ إلَّا إنْ باشَرَ العَملَ بنفسِه أو نائِبِه، تأمَّلْ. اه (١). وذهَبَ العِزُّ ابنُ عَبدِ السَّلامِ والسُّبكيُّ والسُّيوطِيُّ وغَيرُهُم مِنْ الشافِعيةِ إلى عَدمِ جَوازِ الوَقفِ على أولادِهِم … قالَ الدَّميرِيُّ ﵀: وقالَ ابنُ عَبدِ السَّلامِ: للمُلوكِ أنْ يَقفُوا ما لهم أنْ يَملكُوهُ ابتِداءً على جِهةِ الخيرِ ما تَستَحِقُّه تلكَ الجِهةُ كالمَدارِسِ والرُّبطِ، دونَ ما لا يَجوزُ لهم تَملُّكُه، كوَقفِ الضِّياعِ على أولادِهم وأُمَرَائِهِم فإنه لا يَجوزُ. ولو وَقَفُوا على جِهةٍ أكثَرَ مِمَّا تَستحِقُّه كنِصفِ إقليمٍ على مَدرَسةٍ صَحَّ في قَدْرِ ما تَستحِقُّه دُونَ غَيرِه. قالَ الشَّيخُ: والذي أرَاهُ أنه لا يَجوزُ أنْ يَقِفَ مِنْ بَيتِ المالِ على شَخصٍ أو أشخاصٍ، ولا على طائِفةٍ أو طوائِفَ خاصَّةٍ؛ تَمسُّكًا بقَولِ الأصحابِ: شَرطُ المَوقوفِ أنْ يَكونَ مَملوكًا للواقِفِ، والواقفُ هُنا ليس بمالِكٍ، فكَيفَ يَصِحُّ وَقفُه؟ وكذلكَ حُكمُ ما يَقِفُه الإمامُ مِنْ رِقابِ أراضي

стр. 6632

الفَيءِ، نَصَّ عليه وجَرَى عليه الجُمهورُ، وكذلكَ ما يَقِفُه الحاكِمُ مِنْ بَدَلِ المَوقوفِ عند تَلفِه، وما يَقِفُه مِنْ ريع اشترط أن يَشتَريَ به ويُوقَفَ، فكلُّ هذا صَحيحٌ مِنْ غَيرِ أهلِ تَبرعٍ فيهِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: الأوقافُ التيمِنْ بَيتِ المالِ كأوقافِ الأُمَراءِ أو المُلوكِ فلَيستْ بأوقافٍ حَقيقةً، وإنَّما هي أوقافٌ بالصُّورَةِ، فكلُّ مَنْ له الأَكلُ مِنْ بَيتِ المالِ له التَّناولُ منها، قالَ الرُّحَيبانِيُّ ﵀: وإنْ لم يُباشِرِ المَشروطَ، كما أَفتَى به صاحِبُ «المُنتَهى» مُوافَقةً للشَّيخِ الرَّملِيِّ وغَيرِه في وَقفِ جامِعِ طُولُونَ ونَحوِه، وفي «اليَنبُوع» للسُّيوطِيِّ: فرعٌ: نَذكرُ ما ذكَرَه أصحابُنا الفُقهاءُ في الوَظائِفِ المُتعلِّقةِ بأوقافِ الأُمَراءِ والسَّلاطينِ كُلِّها إنْ كانَ لها أصلٌ مِنْ بَيتِ المالِ أو تَرجعُ إليهِ، فيَجوزُ لمَن كانَ بصِفةِ الاستِحقاقِ مِنْ عالِمٍ للعُلومِ الشَّرعيةِ وطالِبِ العِلمِ كذلكَ وصُوفِيٍّ على طَريقةِ الصُّوفيةِ مِنْ أهلِ السُّنَّةِ أنْ يَأكلَ ممَّا وَقَفوهُ غيرَ مُتقيِّدٍ بما شَرَطوهُ، ويَجوزُ في هذه الحالةِ الاستِنابةُ لعُذرٍ وغَيرِه، ويَتناوَلُ المَعلومَ وإنْ لم يُباشِرْ ولا استَنابَ، ومَن لم يَكنْ بصِفةِ الاستِحقاقِ مِنْ بَيتِ المالِ لم يَحِلَّ له الأكلُ مِنْ هذا الوَقفِ -ولو قرَّرَه النَّاظِرُ وباشَرَ الوَظيفةَ-؛ لأنَّ هذا مِنْ بَيتِ المالِ لا يَتحوَّلُ عن حُكمِه الشَّرعِيِّ بجَعلِ أحدٍ. انتهى (٢).

стр. 6633

وقالَ أيضًا: فأمَّا وَقفُ الأُمَراءِ والسَّلاطينِ فلا يَتبعُ شُروطَهم؛ لأنهم لا مِلكَ لهم؛ إذْ ما بأيديهِم إمَّا مُجتَمِعٌ مِنْ المَظالِمِ أو مِنْ الغَنائِمِ أو مِنْ الجِزيةِ أو مِنْ مالٍ لا وارِثَ له ونَحوِ ذلكَ، وعلى كُلِّ حالٍ ليس لهم ممَّا بأيديهم شيءٌ، وإنَّما هو للمُسلِمينَ يُصرَفُ في المَصالِحِ العامَّةِ، فلو اشتَرَوا مِمَّا بأيديهِم عَقاراتٍ ووَقَفوها وشَرَطوا في أوقافِهِم شُروطًا فلا يَجبُ العملُ بها، فمَنْ كانَ له حقٌّ في بَيتِ المالِ ومُنِعَ منه فله أنْ يَتناوَلَ مِنْ أوقافِهم كِفايتَه ولو لم يَعملْ بما شَرَطوهُ، إلا إنْ كانَ فيما شَرَطوهُ مَصلَحةٌ للمُسلِمينَ كمُدَرِّسِ كذا مِنْ العُلومِ النافِعةِ وطالِبِ كذا منها كذلكَ، وكشَرطِهم إنْ ماتَ عن وَلدٍ وهو -أي: الوَلدُ- في مَرتَبتِه -أي: مَرتَبةِ والِدِه بأنْ يَكونَ فيهِ أهلِيةٌ للقِيامِ بوَظيفةِ أبيهِ- فالوَظيفةُ له- أي: الوَلدِ-؛ لاستِحقاقِه إيَّاها، ففي هذا كُلِّه يَجبُ العَملُ بشُروطِهم؛ إذْ في العَملِ بها مَصلحةٌ للمُسلِمينَ فيَجبُ العَملُ بها، ولا يَجبُ العَملُ بشَرطِهم إذا شَرَطوا أنَّ وَظيفةَ الوالِدِ لوَلدِه وإنْ لم يَكنْ مثلَه -أي: مثلَ والِدِه-؛ لأنَّ ذلكَ رَفعُ الشَّيءِ لغَيرِ أَهلِه ووَضعُه في غَيرِ مَحَلِّه، أو شُرِطَ لأحَدِهم أنْ يَدفَعَ كذا مِنْ رَيعِ وَقفِه لمَن يَقرَأُ الدَّرسَ مِنْ العُلومِ النَّافِعةِ في مَدرَستِه، فلا يَتعيَّنُ عليه فِعلُه في تِلكَ المَدرَسةِ، بل عليه أنْ يَقرأَ الدَّرسَ المَشروطَ في أيِّ مَوضعٍ كانَ؛ عَملًا بشَرطِ الواقفِ في الجُملةِ، أو شرَطَ أنْ يَدفعَ له كذا على أنْ يَقرأَ على قَبْرِه شيئًا مِنْ القُرآنِ في كُلِّ يَومٍ أو شَهرٍ، فلا يَجبُ العملُ بهذا الشَّرطِ؛ لأنه مُجرَّدُ غَرضٍ للواقِفِ، بل يَقرأُ في أيِّ مَوضِعٍ كانَ ويُهدي له الثَّوابَ؛

стр. 6634

لأنَّ كُلَّ قُربةٍ فُعِلتْ وجُعلَ ثَوابُها لمُسلمٍ حَيٍّ أو مَيتٍ نفَعَه ذلكَ، وهذا الاتِّجاهُ مِنْ أحسَنِ اتِّجاهاتِه (١). وَقفُ العَينِ المُستَأْجَرَة: اختَلفَ الفُقَهاءُ في حُكمِ العَينِ المُؤجَّرةِ مُدَّةً مَعلومةً، هل يَصحُّ وَقفُها أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ وَقفُ العينِ المُؤجَّرةِ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه يَصحُّ وَقفُ العَينِ المُستأجَرةِ. وسَببُ اختِلافِهم: هل يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ أم لا؟ فمَن قالَ: يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ -وهُم الجُمهورُ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ كما تقدَّمَ- قالوا: لا يَجوزُ وَقفُ العينِ المُؤجَّرةِ. ومَن قالَ: أنه لا يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ -وهُم المالِكيةُ- قالوا: يَصحُّ وَقفُ المَنفعةِ، بأنْ يَستأجِرَ دارًا مُدَّةً مَعلومةً ويُوقِفَ مَنفعتَها في تلكَ المُدَّةِ، ويَنقضي الوَقفُ بانقِضائِها. قالَ المالِكيةُ: -خِلافًا لابنِ الحاجِبِ-: ليس مِنْ شَرطِ الوَقفِ أنْ تَكونُ رَقبتُه مَملوكةً للواقِفِ، بل يَجوزُ استِئجارُ دارٍ مُدَّةً مَعلومةً لوَقفِ مَنفعتِها

стр. 6635

في تلكَ المُدَّةِ، ويَنقضِي الوَقفُ بانقِضائِها؛ لأنه لا يُشترطُ فيه التَّأبيدُ، ولو كانَتِ الدَّارُ المُستأجَرةُ مَوقوفةً فمَن استَأجَرَ دارًا مُحبَّسةً مُدَّةً فله تَحبيسُ مَنفعتِها على مُستحِقٍّ آخَرَ غيرِ الأولِ في تلكَ المُدَّةِ، وأمَّا المُحبَّسُ عليه فليسَ له تَحبيسُ المَنفعةِ التي يَستحِقُّها؛ لأنه لا يَمتلكُها؛ لأنَّ المَوقوفَ عليه إنَّما يَملكُ الانتفاعَ لا المَنفعةَ (١). ويَجوزُ كِراءُ الأرضِ لمَن يَتَّخذُها مَسجدًا مُدَّةَ الإجارةِ؛ إذْ لا يُشترطُ في الحَبسِ التَّأبيدُ، فإذا انقَضَتْ مُدَّةُ الإجارَةِ رجَعَ النَّقضُ لمَن بَناهُ يَفعلُ به ما شاءَ، وتَرجعُ الأرضُ لمالِكِها، فلو أرادَ المالِكُ بَقاءَ البِناءِ في أرضِه على حالِه حَبسًا لم يُجبَرْ بانيهِ على ذلكَ، إلَّا أنْ يَدفعَ المالِكُ قيمةَ النَّقضِ فإنه يُجابُ وليس للباني الامتِناعُ حِينئذٍ، ولو أرادَ بانيهِ بَقاءَه على حالِه حَبسًا لم يُجبَرْ مالِكُ الأرضِ على ذلكَ، بخِلافِ مَنْ غصَبَ أرضًا وبَنَى فيها مَسجدًا، أو كانَتْ تحتَ يَدِه أرضٌ بوَجهِ شُبهةٍ وبنى فيها مَسجدًا واستُحقَّتِ الأرضُ بعدَ بِنائِها مَسجِدًا للهِ، فإنَّ النَّقضَ لا يَكونُ لِبانيهِ ويَلزمُه أنْ يَجعلَه في مَسجدٍ آخَرَ للهِ؛ لأنَّ البانِيَ خرَجَ عنه للهِ على التَّأبيدِ؛ لأنه داخِلٌ على التَّأبيدِ. والمُعتمَدُ أنه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَبنيَ مَسجدًا ليُؤجِّرَه لمَن يُصلِّي فيهِ،

стр. 6636

أو يُؤجِّرَ بَيتَه لمن يُصَلِّي فيه ويَأخذَ الأُجرةَ على هذا، وإجارَتُهما لذلكَ غيرُ جائِزةٍ؛ لأنَّ ذلكَ ليس مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ (١). شُروطُ الواقِفِينَ: الوَقفُ قُربةٌ مِنْ القُرَبِ الاختيارِيَّةِ التي يَتقرَّبُ بها العَبدُ إلى اللهِ تعالى، يَضَعُها فيمَن يَشاءُ وبالطَّريقةِ التي يَختارُها، وله أنْ يضَعَ مِنْ الشُّروطِ عند ابتِداءِ الوَقفِ ما يَشاءُ ما لم تُخالِفْ تلكَ الشُّروطُ أحكامَ الشَّريعةِ الإسلاميةِ أو تُنافي مُقتضَى الوَقفِ، ويَجبُ الرُّجوعُ والعملُ بكُلِّ ما يَشترطُه الواقفُ، ولا يَجوزُ مُخالَفتُها إذا لم تُخالِفْ نَصًّا أو تُنافي مُقتضَى الوَقفِ، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ. قالَ الحَنفيةُ: إنَّ شَرائطَ الواقفِ مُعتبَرةٌ إذا لم تُخالِفِ الشَّرعَ، وهو مالِكٌ، فله أنْ يَجعلَ مالَه حيثُ شاءَ ما لم يَكُنْ مَعصيةً، وله أنْ يَخُصَّ صِنفًا مِنْ الفُقراءِ ولو كانَ الوَضعُ في كُلِّهم قُربةً (٢). وقالَ المالِكيةُ: يُتَّبعُ شَرطُ الواقفِ وُجوبًا إنْ جازَ، والمُرادُ بالجَوازِ: ما قابَلَ المَمنوعَ، فيَشمَلُ المَكروهَ، فإنْ لم يَجُزِ اتِّفاقًا بأنْ شرَطَ شَرطًا

стр. 6637

فيهِ مَعصيةٌ أو شَرطًا يُنافي المَصلحةَ لم يُتَّبعْ، أمَّا المُختلَفُ فيهِ -كاشتِراطِ إخراجِ البَناتِ مِنْ وَقفِه إذا تَزوَّجْنَ- فهذا لا يَجوزُ الإقدامُ عليه، فإذا وقَعَ مَضَى (١). وقالَ الشافِعيةُ: تُتَّبعُ شُروطُ الواقفِ في غَيرِ حالةِ الضَّرورَةِ، ويَجبُ مُراعاتُها نظَرًا للوَفاءِ بغَرضِهِ الذي مَكَّنَه الشَّارعُ فيه، ما لم يَكنْ فيها ما يُنافي الوَقفَ، فإذا تَلفَّظَ الواقفُ في صيغةِ وَقفِه بحَرفِ عَطفٍ يَقتَضي تَشريكًا أو تَرتيبًا عُمِلَ به كسائِرِ شُروطِه التي لم تُخالِفِ الشَّرعَ؛ وذلكَ لِما فيهِ مِنْ وُجودِ المَصلحةِ العائِدةِ على الواقفِ. أمَّا ما خالَفَ الشَّرعَ -كشَرطِ العُزوبةِ في سُكَّانِ المَدرسةِ مثلًا- فلا يَصحُّ؛ لأنه مُخالِفٌ للكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، أي: مِنْ الحَضِّ على التَّزوجِ وذمِّ العُزوبةِ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: يَجبُ مُراعاةُ شُروطِ الواقفِ والعَملُ بها؛ لأنَّ عُمرَ ﵁ وقَفَ وَقفًا وشرَطَ فيهِ شُروطًا، ولو لم يَجبِ اتِّباعُ شَرطِه لم يَكنْ في اشتِراطِه فائِدةٌ، ما لم تُفضِ إلى الإخلالِ بالمَقصودِ أو تَكونَ مَكروهةً أو حَرامًا.

стр. 6638

ولا تَجوزُ المُحافَظةُ على بَعضِها مع فَواتِ المَقصودِ بها إنْ كانَ الوَقفُ يَحتاجُ إلى عِمارةٍ لا تَحصلُ إلَّا بأنْ يُزادَ على المُدَّةِ المَشروطةِ مُدَّةٌ أُخرى جازَ أنْ يُزادَ عليها بقَدرِ ما يُحتاجُ إليهِ فقط، ككَونِ العِمارةِ تَحتاجُ إلى استِلافِ دَراهِمَ ولم يَحصلْ مَنْ يُسلِفُهم إلا مَنْ يَستأجِرُ أكثَرَ مِنْ هذه المُدَّةِ، وأنْ تَكونَ عِمارتُه مع الخَرابِ ليُعمَرَ بما يَحصلُ مِنْ الأُجرةِ، ولا تُمكِنُ إلَّا مع الزِّيادةِ، فإنه يَجوزُ أنْ يُزادَ بقَدْرِ الحاجةِ، فإنَّ عِمارةَ الوَقفِ واجِبةٌ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلا به فلا بُدَّ مِنْ فِعلِه، وهذا واجِبٌ بالشَّرعِ. ويُرجَعُ إلى شَرطِ الواقفِ في قَسمِه على المَوقوفِ عليه، وفي التَّقديمِ والتَّأخيرِ والجَمعِ والتَّرتيبِ والتَّسوِيةِ والتَّفضيلِ، وإخراجِ مَنْ شاءَ بصِفةٍ وإدخالِه بصِفةٍ، وفي النَّاظِرِ فيهِ والإنفاقِ عليه وسائِرِ أحوالِه، وكذا لو شرَطَ عدَمَ إيجارِه أو قدَّرَ مُدَّةً. قالَ المِرداويُّ ﵀: تَنبيهٌ: ظاهِرُ كَلامِ المُصنِّفِ وغَيرِه أنَّ الشَّرطَ المُباحَ الذي لا يَظهرُ قَصدُ القُربةِ منه يَجبُ اعتِبارُه في كَلامِ الواقفِ. قالَ الحارِثيُّ: وهو ظاهِرُ كَلامِ الأصحابِ، والمَعروفُ في المَذهبِ الوُجوبُ، قالَ: وهو الصَّحيحُ. وقالَ في «الفائِق»: وقالَ شَيخُنا -يَعني به الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ ﵀: يُخَرَّجُ مِنْ شَرطِ كَونِه قُربةً اشتِراطُ القُربةِ في الأصلِ، يَلزمُ الشُّروطَ المُباحةَ. انتهى

стр. 6639

وقالَ في «الفُرُوع»: واختارَ شَيخُنا -يَعني به الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ- لُزومَ العملِ بشَرطٍ مُستحَبٍّ خاصَّةً، وذكَرَهُ صاحِبُ «المَذهَب»؛ لأنه لا يَنفعُه ويُعذرُ عليه، فبَذلُ المالِ فيهِ سَفهٌ ولا يَجوزُ. انتهى قالَ الحارِثيُّ: ومِن مُتأخِّري الأصحابِ مَنْ قالَ: لا يَصحُّ اشتِراطُه -يَعني المُباحَ- في ظاهِرِ المَذهبِ وعلَّلَه، قالَ: وهذا له قوَّةٌ على القَولِ باعتِبارِ القُربةِ في أصلِ الجِهةِ كما هو ظاهِرُ المَذهبِ، وإياه أرادَ بقَولِه: «في ظاهِرِ المَذهبِ» فيما أَرى، ويُؤيِّدُه مِنْ نَصِّ الإمامِ أحمَدَ، وذكَرَ النَّصَّ في الوَصيةِ. انتهى

стр. 6640

والظاهِرُ أنه أرادَ بقَولِه: «مِنْ مُتأخِّري الأصحابِ» الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ ﵀، وكانَ في زَمنِه، وفي كَلامِ صاحِبِ «الفُرُوع» إيماءٌ إلى ذلكَ. وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ أيضًا: مَنْ قدَّرَ له الواقفُ شيئًا فله أكثَرُ منه إنْ استَحقَّه بمُوجبِ الشَّرعِ. وقالَ أيضًا: الشَّرطُ المَكروهُ باطِلٌ اتِّفاقًا (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: إنَّما يَلزمُ الوَفاءُ بالشُّروطِ إذا لم يُفْضِ ذلكَ إلى الإخلالِ بالمَقصودِ الشَّرعيِّ الذي هو إمَّا واجِبٌ

стр. 6641

وإمَّا مُستحَبٌّ، فأمَّا المُحافَظةُ على بَعضِ الشُّروطِ مع فَواتِ المَقصودِ بالشُّروطِ فلا يَجوزُ (١). وقالَ: ومَن شرَطَ في القُرباتِ أنْ يُقدَّمَ فيها الصِّنفُ المَفضولُ فقدْ شرَطَ خِلافَ شَرطِ اللهِ، كشَرطِه في الإمامَةِ تَقديمَ غَيرِ الأعلَمِ، والنَّاظِرُ مُنفِّذٌ لِما شرَطَه الواقفُ (٢). تَفسيرُ وبَيانُ مَقولةِ: (نَصُّ الواقِفِ كنَصِّ الشارِعِ): ذكَرَ الفُقهاءُ هذه العِبارةَ كَثيرًا في كُتبِهم: (شَرطُ الواقِفِ كنَصِّ الشَّارعِ)، ولكنْ ما المَقصودُ بها؟ فعامَّةُ العُلماءِ لا يَقصدونَ أنَّ نَصَّ أو شرْطَ الواقفِ كنَصِّ الشَّارعِ -حاشَا للهِ-، وإنَّما المَقصودُ: في الفَهمِ والدِّلالةِ وتَخصيصِ عامِّها بخاصِّها وحَملِ مُطلَقِها على مُقيَّدِها واعتِبارِ مَفهومِها كما يُعتبَرُ مَنطوقُها، وأمَّا أنْ تَكونَ كنُصوصِه في وُجوبِ الاتِّباعِ وتَأثيمِ مَنْ أخَلَّ بشَيءٍ منها فلا يُظَنُّ ذلكَ بمَن له نِسبةٌ ما إلى العِلمِ، فإذا كانَ حُكمُ الحاكِمِ ليسَ كنَصِّ الشَّارعِ، بل يُرَدُّ ما خالَفَ حُكمَ اللهِ ورَسولِه مِنْ ذلكَ، فشَرطُ الواقفِ إذا كانَ كذلكَ كانَ أَولَى بالرَّدِّ والإبطالِ (٣).

стр. 6642

قالَ في «الدُّر المُختَار»: (شَرطُ الواقفِ كنَصِّ الشَّارِعِ): أي: في المَفهومِ والدِّلالةِ ووَجوبِ العملِ به، فيَجبُ عليه خِدمةُ وَظيفتِه أو تَركُها لمَن يَعملُ وإلَّا أَثِمَ، لا سِيَّما فيما يَلزمُ بتَركِها تَعطيلُ الكُلِّ. وقد أفاضَ ابنُ عابدِينَ ﵀ في شَرحِ هذه العِبارةِ، فقالَ: قَولُه: (قَولُهم: شَرطُ الواقفِ كنَصِّ الشَّارعِ): في «الخيرِيَّة» قد صَرَّحُوا بأنَّ الاعتِبارَ في الشُّروطِ لِما هو الواقِعُ لا لِما كُتِبَ في مَكتوبِ الوَقفِ، فلو أُقيمَتْ بَيِّنةٌ لِما لم يُوجَدْ في كِتابِ الوَقفِ عُمِلَ بها بلا رَيبٍ؛ لأنَّ المَكتوبَ خَطٌّ مُجَرَّدٌ، ولا عِبرةَ به؛ لخُروجِهِ عن الحُجَجِ الشَّرعيةِ. اه (ط) مَطلَبٌ: بَيانُ مَفهومِ المُخالَفةِ: قَولُه: (أي: في المَفهومِ والدِّلالةِ … إلخ): كذا عبَّرَ في «الأَشْباه»، والذي في «البَحْر» عن العَلَّامةِ قاسِمٍ: في الفَهْمِ والدِّلالةِ، وهو المُناسِبُ؛ لأنَّ المَفهومَ عندَنا غيرُ مُعتبَرٍ في النُّصوصِ، والمُرادِ به مَفهومُ المُخالَفةِ المُسمَّى دَليلَ الخِطابِ، وهو أقسامٌ: مَفهومُ الصِّفةِ والشَّرطِ والغايةِ والعَدَدِ واللَّقبِ، أي: الاسمُ الجامِدُ -كثوبٍ مَثلًا-، والمُرادُ بعَدمِ اعتِبارِه في النُّصوصِ أنَّ مِثلَ قَولِكَ: «أَعطِ الرَّجلَ العالِمَ، أو أَعطِ زيدًا إنْ سَألَكَ، أو أَعطِهِ إلى أنْ يَرضَى، أو أَعطِه عَشرةً، أو أَعطِه ثَوبًا» لا يَدُلُّ على نَفيِ الحُكمِ عن المُخالِفِ للمَنطوقِ، بمَعنَى أنه لا يَكونُ مَنهِيًّا عن إعطاءِ الرَّجلِ الجاهِلِ، بل هو مَسكوتٌ عنه وباقٍ على العدمِ الأصليِّ، حتى يَأتِيَ دَليلٌ يَدُلُّ على الأمرِ بإعطائِه أو النَّهيِ عنه، وكذا في البَوَاقي، وتَمامُ الكَلامِ على ذلكَ في كُتبِ الأُصولِ.

стр. 6643

مَطلَبٌ: مَفهومُ التَّصنيفِ حُجَّةٌ: نَعمْ، المَفهومُ مُعتبَرٌ عندَنا في الرِّواياتِ في الكُتبِ، ومنه قَولُه في «أَنْفَع الوَسائِلِ»: مَفهومُ التَّصنيفِ حُجَّةٌ. اه، أي: لأنَّ الفُقهاءَ يَقصدونَ بذِكرِ الحُكمِ في المَنطوقِ نَفْيَه عن المَفهومِ غالِبًا، كقَولِهم: «تَجبُ الجُمعةُ على كُلِّ ذَكرٍ حُرٍّ بالِغٍ عاقِلٍ مُقِيمٍ»، فإنهم يُريدونَ بهذه الصِّفاتِ نَفيَ الوُجوبِ عن مُخالِفِها، ويَستدلُّ به الفَقيهُ على نَفيِ الوُجوبِ على المَرأةِ والعَبدِ والصبيِّ … إلخ. وقد يُقالُ: إنَّ مُرادَه بقَولِه: «في المَفهومِ» أنه لا يُعتبَرُ مَفهومُه كما لا يُعتبَرُ في نُصوصِ الشَّارعِ. مَطلبٌ: لا يُعتبَرُ المَفهومُ في الوَقفِ: وفي «البِيرِيِّ»: نَحنُ لا نَقولُ بالمَفهومِ في الوَقفِ كما هو مُقرَّرٌ، ونَصَّ عليه الإمامُ الخَصَّافُ، وأَفتَى به العلَّامةُ قاسِمٌ. اه وبه صَرَّحَ في «الخيرِيَّةِ» أيضًا، أي: فإذا قالَ: «وَقَفتُ على أولاديَ الذُّكورِ» يُصرَفُ إلى الذُّكورِ منهم بحُكمِ المَنطوقِ، وأمَّا الإناثُ فلا يُعطَى لهنَّ؛ لعَدمِ ما يَدلُّ على الإعطاءِ، إلَّا إذا دَلَّ في كلامِه دَليلٌ على إعطائِهنَّ، فيَكونُ مُثبِتًا لإعطائِهنَّ ابتِداءً لا بحُكمِ المُعارَضةِ، لكنْ نقَلَ البيرِيُّ في مَحلٍّ آخَرَ عن «المُصَفَّى» و «خِزانَة الرِّوايَاتِ» و «السِّرَاجيَّة» أنَّ تَخصيصَ الشَّيءِ بالذِّكرِ يَدلُّ على نَفيِ ما عَداهُ في مُتفاهَمِ الناسِ وفي المَعقولاتِ وفي الرِّواياتِ.

стр. 6644

مَطلَبٌ: المَفهومُ مُعتبَرٌ في عُرفِ الناسِ والمُعامَلاتِ والعَقليَّاتِ: قُلْتُ: وكذا قالَ ابنُ أمِيرِ حاجٍّ في «شَرْح التَّحْريرِ عن حاشِيَة الهِدايَة» للخَبَّازيِّ عن شَمسِ الأئمَّةِ الكُرديِّ أنَّ تَخصيصَ الشيءِ بالذِّكرِ لا يَدُلُّ على نَفيِ الحُكمِ عمَّا عَداهُ في خِطاباتِ الشَّارعِ، أمَّا في مُتفاهَمِ الناسِ وعُرفِهم وفي المُعامَلاتِ والعَقليَّاتِ يَدلُّ. اه قالَ في «شَرح التَّحْريرِ»: وتَداوَلَه المُتأخِّرونَ وعليه ما في «خِزانَة الأَكْمَلِ» و «الخانِيَّة» لو قالَ: «ما لَكَ عَليَّ أكثَرُ مِنْ مِائةِ دِرهمْ» كانَ إقرارًا بالمِائةِ. اه فعُلِمَ أنَّ المُتأخِّرينَ على اعتِبارِ المَفهومِ في غَيرِ النُّصوصِ الشَّرعيةِ، وتَمامُ تَحقيقِ ذلكَ في شَرحِنا على مَنظومَتِنا في رَسمِ المُفتِي، وحيثُ كانَ المَفهومُ مُعتبَرًا في مُتفاهَمِ الناسِ وعُرفِهم وجَبَ اعتِبارُه في كَلامِ الواقفِ أيضًا؛ لأنه يَتكلَّمُ على عُرفِه، وعن هذا قالَ العلَّامةُ قاسِمٌ ونصَّ أبو عَبدِ اللهِ الدِّمشقيُّ في كِتابِ الوَقفِ عن شَيخِه شَيخِ الإسلامِ: قَولُ الفُقَهاءِ: «نُصوصُه كنَصِّ الشَّارعِ» يَعني في الفَهمِ والدِّلالةِ لا في وُجوبِ العملِ، مع أنَّ التَّحقيقَ أنَّ لفْظَه ولفْظَ المُوصِي والحالِفِ والنَّاذرِ وكُلِّ عاقِدٍ يُحمَلُ على عادَتِه في خِطابِه ولُغتِه التي يَتكلَّمُ بها، وَافقَتْ لُغةَ العَربِ ولُغةَ الشرعِ أم لا. اه قالَ العَلَّامةُ قاسِمٌ: قُلتُ: وإذا كانَ المعنَى ما ذُكِرَ فما كانَ مِنْ عِبارةِ الواقفِ مِنْ قَبيلِ المُفسَّرِ لا يَحتمِلُ تَخصيصًا ولا تَأويلًا يُعمَلُ به، وما كانَ مِنْ قَبيلِ الظاهِرِ كذلك، وما احتَملَ وفيه قَرينةٌ حُمِلَ عليها، وما كانَ مُشتَرَكًا

стр. 6645

لا يُعمَلُ به؛ لأنه لا عُمومَ له عندَنا ولم يَقعْ فيهِ نَظرُ المُجتهِدِ ليَترجَّحَ أحَدُ مَدلولَيهِ، وكذلكَ ما كانَ مِنْ قَبيلِ المُجمَلِ إذا ماتَ الواقفُ، وإنْ كانَ حَيًّا يُرجَعُ إلى بَيانِه، هذا معنَى ما أفادَهُ. اه قَولُه: (ووُجوبِ العَملِ به): هذا مُخالِفٌ لِما نَقلْناهُ آنِفًا، مع أنه في «البَحْر» نقَلَه أيضًا، وقالَ عَقِبَه: فعَلى هذا إذا ترَكَ صاحِبُ الوَظيفةِ مُباشَرتَها في بَعضِ الأوقاتِ المَشروطِ عليه فيها العَملُ لا يَأثمُ عندَ اللهِ تعالى، غايَتُه أنه لا يَستحِقُّ المَعلومَ. اه نَعمْ، في «الأَشْباه» جزَمَ بما ذكَرَه الشَّارحُ، وقَوَّاه في «النَّهْر»، وعَزَاهُ في «قَضاء البَحْرِ» إلى «شَرْح المَجمَعِ». قُلتُ: ويَظهَرُ لي عَدمُ التَّنافِي، وذلكَ أنَّ عدَمَ وُجوبِ العَملِ به مِنْ حيثُ ذاتُهِ؛ بدَليلِ أنه لو ترَكَ الوَظيفةَ أصلًا وباشَرَها غَيرُه لم يَأثمْ، وهذا لا شُبهةَ فيهِ، ووُجوبُ العملِ به باعتِبارِ حِلِّ تَناوُلِ المَعلومِ، بمعنَى أنه لو لم يَعمَلْ به وتَناوَلَ المَعلومَ أَثِمَ؛ لتَناوُلِه بغَيرِ حقٍّ (١). وقالَ أيضًا: مَطلَبٌ: مَتى ذكَرَ الواقِفُ شَرطَينِ مُتَعارِضَينِ يُعمَلُ بالمُتأخِّرِ. قَولُه: (مَتى ذكَرَ الواقِفُ شَرطَينِ مُتَعارِضَينِ … إلخ): في «الإِسْعاف»: لو كتَبَ أوَّلَ كِتابِ الوَقفِ: «لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُملَكُ»، ثمَّ قالَ في آخِرِه: «على أنَّ لفُلانٍ بَيعَه والاستِبدالَ بثَمنِه ما يَكونُ وَقفًا مَكانَه» جازَ

стр. 6646

بَيعُه، ويَكونُ الثَّاني ناسِخًا للأولِ، ولو عكَسَ بأنْ قالَ: «على أنَّ لفُلانٍ بَيعَه والاستِبدالَ به» ثمَّ قالَ آخِرَه: «لا يُباعُ ولا يُوهَبُ» لا يَجوزُ بَيعُه؛ لأنه رُجوعٌ عمَّا شرَطَه أوَّلًا، وهذا إذا تَعارَضَ الشَّرطانِ. أمَّا إذا لم يَتعارَضَا وأمكَنَ العَملُ بهمَا وجَبَ، كما ذكَرَهُ البِيريُّ في القاعِدةِ التَّاسعةِ مِنْ «الأَشْباه»، وما ذَكَروهُ داخِلٌ تحتَ قَولِهم: (شَرطُ الواقِفِ كنَصِّ الشَّارِعِ)؛ فإنَّ النَّصَّينِ إذا تَعارَضَا عُملَ بالمُتأخِّرِ مِنهُما. (ط) (١). وقالَ ابنُ نُجَيْمٍ ﵀: الكَلامُ الآنَ في شُروطِ الواقِفينَ، فقدْ أفادُوا هُنا أنه ليسَ كلُّ شَرطٍ يَجبُ اتِّباعُه، فقَالُوا هُنا: إنَّ اشتِراطَه ألَّا يَعزِلَه القاضي شَرطٌ باطِلٌ مُخالِفٌ للشَّرعِ. وبهذا عُلِمَ أنَّ قَولَهُم: (شَرطُ الواقفِ كنَصِّ الشَّارعِ) ليس على عُمومِه، قالَ العَلَّامةُ قاسِمٌ في فَتاواهُ: أجمَعَتِ الأمَّةُ أنَّ مِنْ شُروطِ الواقِفينَ ما هو صَحيحٌ مُعتبَرٌ يُعمَلُ به ومنها ما ليسَ كذلكَ. ونصَّ أبو عَبدِ اللهِ الدِّمشقيُّ في كِتابِ الوَقفِ عن شَيخِه شَيخِ الإسلامِ -أي ابنِ تَيميةَ الحَنبليِّ-: قَولُ الفُقَهاءِ: (نُصوصُه كنَصِّ الشَّارعِ) يَعني في الفَهمِ والدِّلالةِ لا في وُجوبِ العَملِ، مع أنَّ التَّحقيقَ أنَّ لفْظَه ولفْظَ المُوصِي والحالِفِ والنَّاذرِ وكُلِّ عاقِدٍ يُحمَلُ على عادتِه في خِطابِه ولُغتِه التي يَتكلَّمُ

стр. 6647

بها، وافَقَتْ لُغةَ العَربِ ولُغةَ الشَّرعِ أم لا، ولا خِلافَ أنَّ مَنْ وقَفَ على صَلاةٍ أو صِيامٍ أو قِراءةٍ أو جِهادٍ غيرِ شَرعيٍّ ونَحوِه لم يَصحَّ. اه قالَ العلَّامةُ قاسِمٌ: قُلتُ: وإذا كانَ المعنَى ما ذُكِرَ فما كانَ مِنْ عِبارةِ الواقفِ مِنْ قَبيلِ المُفسَّرِ لا يَحتملُ تَخصيصًا ولا تَأويلًا يُعمَلُ به، وما كانَ مِنْ قَبيلِ الظَّاهرِ كذلكَ، وما احتَملَ وفيه قَرينةٌ حُمِلَ عليها، وما كانَ مُشتَرَكًا لا يُعملُ به؛ لأنه لا عُمومَ له عندَنا ولم يَقعْ فيه نَظرُ المُجتهِدِ لتَرجُّحِ أحَدِ مَدلولَيهِ، وكذلكَ ما كانَ مِنْ قَبيلِ المُجمَلِ إذا ماتَ الواقفُ، وإنْ كانَ حَيًّا يُرجَعُ إلى بَيانِه، هذا مَعنَى ما أفادَهُ. اه قُلتُ: فعَلى هذا إذا ترَكَ صاحِبُ الوَظيفةِ مُباشَرتَها في بَعضِ الأوقاتِ المَشروطِ عليهِ فيها العَملُ لا يَأثمُ عندَ اللهِ تعالى، غايَتُه أنه لا يَستحِقُّ المَعلومَ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: والأصلُ أنَّ كُلَّ ما شُرِطَ مِنْ العَملِ في الوُقوفِ التي تُوقَفُ على الأعمالِ فلا بدَّ أنْ يَكونَ قُربةً، إمَّا واجِبًا وإمَّا مُستحَبًّا، أمَّا اشتِراطُ عَملٍ مُحرَّمٍ فلا يَصحُّ باتِّفاقِ المُسلمينَ، بل كذلكَ المَكروهُ، وكذلكَ المُباحُ على الصَّحيحِ. وقد اتَّفقَ المُسلمونَ على أنَّ شُروطَ الواقفِ تَنقسمُ إلى صَحيحٍ وفاسِدٍ كما في سائِرِ العُقودِ، ومَن قالَ: «إنَّ شُروطَ الواقفِ كنُصوصِ الشَّارعِ» فمُرادُه أنها كالنُّصوصِ في الدِّلالةِ على مُرادِ الواقفِ لا في وُجوبِ العملِ بها،

стр. 6648

أي: إنَّ مُرادَ الواقِفِ يُستفادُ مِنْ ألفاظِه المَشروطَةِ كما يُستفادُ مُرادُ الشَّارعِ مِنْ ألفاظِه، كما يُعرَفُ الخُصوصُ والعُمومُ والإطلاقُ والتَّقييدُ والتَّشريكُ مِنْ ألفاظِ الشَّارعِ، كذلكَ يُعرَفُ في الوَقفِ مِنْ ألفاظِ الواقفِ. مع أنَّ التَّحقيقَ في هذا أنَّ لفْظَ الواقِفِ كلَفظِ الحالِفِ والمُوصِي، وكلُّ عاقِدٍ يُحمَلُ قَولُه على عادتِه في خِطابِه ولُغتِه التي يَتكلَّمُ بها، سَواءٌ وَافقَتِ العَربيةَ العَرباءَ أو العَربيةَ المُولَّدةَ أو العَربيةَ المَلحونةَ أو كانَتْ غيرَ عَربيةٍ، وسَواءٌ وافقَتْ لُغةَ الشَّارعِ أو لم تُوافِقْه؛ فإنَّ المَقصودَ في الألفاظِ دِلالتُها على مُرادِ النَّاطِقِينَ بها، فنَحنُ نَرجعُ في مَعرفةِ كَلامِ الشَّارعِ إلى مَعرفةِ لُغَتِه وعُرفِه وعادَتِه، وكذلكَ في خِطابِ كُلِّ أمَّةٍ وكُلِّ قَومٍ، فإذا تَخاطَبوا بينَهُم في البَيعِ أو الإجارةِ أو الوَقفِ أو الوَصِيَّةِ أو النَّذرِ أو غيرِ ذلكَ بكَلامٍ نَرجعُ في مَعرفةِ مُرادِهم منه إلى ما يَدلُّ على مُرادِهم مِنْ عادَتِهم في الخِطابِ وما يَقتَرِنُ بذلكَ مِنْ الأسبابِ. وأمَّا أنْ نَجعلَ نُصوصَ الواقفِ أو نُصوصَ غَيرِه مِنْ العاقِدِينَ كنُصوصِ الشَّارعِ في وُجوبِ العملِ بها فهذا كُفرٌ باتِّفاقِ المُسلمينَ؛ إذ لا أحَدَ يُطاعُ في كُلِّ ما يَأمرُ به مِنْ البَشرِ بعدَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، والشُّروطُ إنْ وافَقَتْ كِتابَ اللهِ كانَتْ صَحيحةً، وإنْ خالَفَتْ كِتابَ اللهِ كانَتْ باطِلةً. وهذا الكَلامُ حُكمُه ثابِتٌ في البَيعِ والإجارةِ والوَقفِ وغيرِ ذلكَ باتِّفاقِ الأئمَّةِ، سَواءٌ تَناوَلَهُ لفظُ الشَّارعِ أو لا؛ إذِ الأخذُ بعُمومِ اللَّفظِ لا بخُصوصِ السَّبَبِ، أو كانَ مُتناوِلًا لغيرِ الشُّروطِ في البَيعِ بطَريقِ الاعتِبارِ عُمومًا مَعنويًّا.

стр. 6649

وإذا كانَتْ شُروطُ الواقفِ تَنقسِمُ إلى صَحيحٍ وباطِلٍ بالاتِّفاقِ فإنْ شرَطَ فِعلًا مُحرَّمًا ظهَرَ أنه باطِلٌ فإنه لا طاعةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالِقِ، وإنْ شرَطَ مُباحًا لا قُربةَ فيهِ كانَ أيضًا باطِلًا؛ لأنه شرَطَ شَرطًا لا مَنفعةَ فيه لا له ولا للمَوقوفِ عليه، فإنه في نَفسِه لا يَنتفعُ إلا بالإعانةِ على البِرِّ والتَّقوَى. وأمَّا بَذلُ المالِ في مُباحٍ فهذا إذا بذَلَه في حَياتِه مثلَ الابتِياعِ والاستِئجارِ جازَ؛ لأنه يَنتفعُ بتَناوُلِ المُباحَاتِ في حَياتِه. وأمَّا الواقِفُ والمُوصِي فإنهُما لا يَنتفِعانِ بما يَفعلُ المُوصَى له والمَوقوفُ عليه مِنْ المُباحاتِ في الدُّنيا، ولا يُثابانِ على بَذلِ المالِ في ذلكَ في الآخِرةِ، فلو بذَلَ المالَ في ذلكَ عَبثًا وسَفهًا لم يَكنْ فيهِ حُجةٌ على تَناوُلِ المالِ، فكيفَ إذا أُلزِمَ بمُباحٍ لا غرَضَ له فيهِ؟! فلا هو يَنتفعُ به في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ، بل يَبقَى هذا مُنفِقًا للمالِ في الباطِلِ مُسخَّرٌ مُعَذَّبٌ آكِلٌ لِلمالِ بالباطِلِ. وإذا كانَ الشارعُ قد قالَ: «لا سَبْقَ إلَّا في خُفٍّ أو حافِرٍ أو نَصلٍ» فلمْ يُجوِّزْ بَذْلَ الجُعلِ في شَيءٍ لا يُستعانُ به على الجِهادِ وإنْ كانَ مُباحًا، وقد يَكونُ فيهِ مَنفعةٌ كما في المُصارَعةِ والمُسابَقةِ على الأقدامِ، فكيفَ يَبذلُ العِوضَ المُؤبَّدَ في عَملٍ لا مَنفعةَ فيهِ؟! لا سِيَّما والوَقفُ مُحبَّسٌ مُؤبَّدٌ، فكيفَ يحبسُ المالَ دائِمًا مُؤبَّدًا على عَملٍ لا يَنتفِعُ به هو ولا يَنتفعُ به العامِلُ؟! فيَكونُ في ذلكَ ضَررٌ على حَبسِ الوَرثةِ وسائِرِ الآدَميِّينَ بحَبسِ

стр. 6650

المالِ عليهم بلا مَنفعةٍ حصَلَتْ لأحَدٍ، وفي ذلكَ ضَررٌ على المُتناوِلينَ باستِعمالِهم في عَملٍ هُمْ فيهِ مُسخَّرونَ يَعوقُهُم عن مَصالِحِهم الدِّينيةِ والدُّنيويةِ، فلا فائِدةَ تَحصلُ له ولا لهم (١). وقالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: ثُمَّ مِنْ العَجبِ العُجَابِ قَولُ مَنْ يَقولُ: «إنَّ شُروطَ الواقِفِ كنُصوصِ الشَّارعِ»، ونحنُ نَبرأُ إلى اللهِ مِنْ هذا القَولِ، ونَعتذرُ ممَّا جاءَ به قائِلُه، ولا نَعدِلُ بنُصوصِ الشَّارعِ غيرَها أبَدًا، وإنْ أُحسِنَ الظَّنُّ بقائِلِ هذا القَولِ حُمِلَ كَلامُه على أنها كنُصوصِ الشَّارعِ في الدِّلالةِ، وتَخصيصِ عامِّها بخاصِّها، وحَملِ مُطلَقِها على مُقيَّدِها، واعتِبارِ مَفهومِها كما يُعتبَرُ مَنطوقُها، وأمَّا أنْ تَكونَ كنُصوصِه في وُجوبِ الاتِّباعِ وتَأثيمِ مَنْ أخَلَّ بشيءٍ منها فلا يُظَنُّ ذلكَ بمَن له نِسبةٌ ما إلى العِلمِ، فإذا كانَ حُكمُ الحاكِم لَيس كنَصِّ الشَّارعِ، بل يُرَدُّ ما خالَفَ حُكمَ اللهِ ورَسولِه مِنْ ذلكَ، فشَرطُ الواقفِ إذا كانَ كذلكَ كانَ أَولى بالردِّ والإبطالِ (٢). وقالَ ابنُ القَيِّمِ قبلَ هذا الكَلامِ أيضًا: وجَعلتُم الوَفاءَ بشَرطِ الواقِفِ المُخالِفِ لمَقصودِ الشَّارعِ كتَركِ النكاحِ وكشَرطِ الصَّلاةِ في المَكانِ الذي شرَطَ فيهِ الصلاةَ وإنْ كانَ وحْدَه وإلى جانِبِه المَسجدُ الأعظَمُ وجَماعةُ المُسلمينَ، وقد ألغَى الشَّارعُ هذا الشَّرطَ في النَّذرِ الذي هو قُربةٌ مَحضةٌ وطاعَةٌ، فلا تَتعيَّنُ عِندَه بُقعةٌ عيَّنَها الناذِرُ للصلاةِ إلا المَساجدَ الثلاثةَ،

стр. 6651

وقد شرَطَ الناذِرُ في نَذرِه تَعيُّنَه، فألغاهُ الشارعُ لفَضيلةِ غَيرِه عليهِ أو مُساواتِه له، فكيفَ يَكونُ شَرطُ الواقفِ الذي غَيرُه أفضَلُ منه وأحَبُّ إلى اللهِ ورَسولِه لازِمًا يَجبُ الوَفاءُ به؟! وتَعيينُ الصلاةِ في مَكانٍ مُعيَّنٍ لم يُرغِّبِ الشارعُ فيهِ ليس بقُربةٍ، وما ليسَ بقُربةٍ لا يَجبُ الوَفاءُ به في النَّذرِ، ولا يَصحُّ اشتِراطُه في الوَقفِ. فإنْ قُلتُم: الواقفُ لم يُخرجْ مالَه إلا على وَجهٍ مُعيَّنٍ، فلَزمَ اتِّباعُ ما عيَّنَه في الوَقفِ مِنْ ذلكَ الوَجهِ، والنَّاذرُ قصَدَ القُربةَ، والقُرَبُ مُتساوِيةٌ في المَساجدِ غير الثلاثةِ، فتَعيينُ بَعضِها لَغوٌ. قيلَ: هذا الفرقُ بعَينِه يُوجِبُ عليكُم إلغاءَ ما لا قُربةَ فيهِ مِنْ شُروطِ الوَاقِفينَ واعتِبارَ ما فيهِ قُربةٌ؛ فإنَّ الواقفَ إنَّما مَقصودُه بالوَقفِ التَّقربُ إلى اللهِ، فتَقرُّبُه بوَقفِه كتَقربِه بنَذرِه، فإنَّ العاقِلَ لا يَبذلُ مالَه إلا لِما فيه مَصلحةٌ عاجِلةٌ أو آجِلةٌ، والمَرءُ في حياتِه قد يَبذلُ مالَه في أغراضِه مُباحةً كانَتْ أو غيرَها، وقد يَبذلُه فيما يُقرِّبُه إلى اللهِ، وأمَّا بعد مَماتِه فإنَّما يَبذلُه فيما يَظنُّ أنه يُقرِّبُ إلى اللهِ، ولو قيلَ له: «إنَّ هذا المَصرِفَ لا يُقرِّبُ إلى اللهِ ، أو إنَّ غيرَه أفضَلُ وأحَبُّ إلى اللهِ منهُ وأعظَمُ أجرًا» لَبادَرَ إليهِ، ولا رَيبَ أنَّ العاقِلَ إذا قيلَ له: «إذا بَذَلتَ مالَكَ في مُقابَلةِ هذا الشَّرطِ حصَلَ لكَ أجرٌ واحِدٌ، وإنْ تَركْتَه حصَلَ لكَ أجرانِ» فإنه يَختارُ ما فيهِ الأجرُ الزائِدُ، فكيفَ إذا قيلَ له: «إنَّ هذا لا أجْرَ فيهِ البَتَّةَ»؟! فكيفَ إذا قيلَ: «إنه مُخالِفٌ لمَقصودِ الشَّارعِ مُضادٌّ له يَكرَهُه اللهُ ورَسولُه»؟! وهذا كشَرطِ العُزوبيةِ مَثلًا وتَركِ

стр. 6652

النكاحِ، فإنه شَرطٌ لتَركِ واجِبٍ أو سُنةٍ أفضَلَ مِنْ صَلاةِ النافِلةِ وصَومِها، أو سُنةٌ دونَ الصلاةِ والصومِ، فكيف يَلزمُ الوَفاءُ بشَرطِ تَركِ الواجِباتِ والسُّننِ اتِّباعًا لشَرطِ الواقفِ وتَركِ شَرطِ اللهِ ورَسولِه الذي قَضاؤُه أحَقُّ وشَرطُه أوثَقُ؟! يُوضحُه أنه لو شرَطَ في وَقفِه أن يَكونَ على الأغنِياءِ دُونَ الفُقراءِ كانَ شَرطًا باطِلًا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، قالَ أبو المَعالي الجُوينيُّ هو إمامُ الحَرمَينِ ﵁: ومُعظَمُ أصحابِنا قطَعُوا بالبُطلانِ، هذا مع أنَّ وصْفَ الغِنى وَصفٌ مُباحٌ ونِعمةٌ مِنْ اللهِ، وصاحِبُه إذا كانَ شاكِرًا فهو أفضَلُ مِنْ الفَقيرِ مع صَبْرِه عندَ طائِفةٍ كَثيرةٍ مِنْ الفُقهاءِ والصُّوفيةِ، فكيف يُلغَى هذا الشَّرطُ ويَصحُّ شَرطُ التَّرهُّبِ في الإسلامِ الذي أبطَلَه النبيُّ ﷺ بقَولِه: «لا رَهبانيةَ في الإسلامِ». يُوضِّحُه أنَّ مَنْ شرَطَ التَّعزُّبَ فإنَّما قصَدَ أنَّ ترْكَه أفضَلُ وأحَبُّ إلى اللهِ، فقصَدَ أنْ يَتعبَّدَ المَوقوفُ عليهِ بتَركِه، وهذا هو الذي تَبَرَّأَ النبيُّ ﷺ منه بعَينِه فقال: «مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس منِّي»، وكانَ قَصدُ أُولئكَ الصَّحابةِ هو قصْدَ هؤلاءِ الوَاقفينَ بعَينِه سَواءً، فإنهمْ قصَدوا تَربيةَ أنفُسِهم على العِبادةِ وترْكَ النكاحِ الذي يَشغَلُهم تَقرُّبًا إلى اللهِ بتَركِه، فقالَ النبيُّ ﷺ فيهم ما قالَ، وأخبَرَ أنه مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِه فليس منه، وهذا في غايَةِ الظُّهورِ، فكيفَ يَحلُّ الإلزامُ بتَركِ شيءٍ قد أخبَرَ به النبيُّ ﷺ أنَّ مَنْ رَغِبَ عنه فليس منه؟! هذا مِمَّا لا تَحتملُه الشَّريعةُ بوَجهٍ.

стр. 6653

فالصَّوابُ الذي لا تُسوِّغُ الشَّريعةُ غيرَه عَرضُ شَرطِ الواقِفينَ على كِتابِ اللهِ سُبحانَه وعلى شَرطِه، فما وافَقَ كِتابَه وشرْطَه فهو صَحيحٌ، وما خالَفَه كانَ شَرطًا باطِلًا مَردودًا ولو كانَ مِائةَ شَرطٍ، وليسَ ذلكَ بأعظَمَ مِنْ رَدِّ حُكمِ الحاكِمِ إذا خالَفَ حُكمَ اللهِ ورَسولِه ومِن رَدِّ فتوَى المُفتِي، وقد نَصَّ اللهُ سُبحانَه على رَدِّ وَصيةِ الجانِفِ في وَصيتِه والآثِمِ فيها، مع أنَّ الوَصيةَ تَصحُّ في غَيرِ قُربةٍ وهي أوسَعُ مِنْ الوَقفِ، وقد صرَّحَ صاحِبُ الشَّرعِ برَدِّ كُلِّ عَملٍ ليسَ عليه أمرُه، فهذا الشَّرطُ مَردودٌ بنَصِّ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلا يَحِلُّ لأحَدٍ أنْ يَقبلَه ويَعتبِرَهُ ويُصحِّحَه. ثمَّ كيفَ يُوجِبونَ الوَفاءَ بالشُّروطِ التي إنَّما أخرَجَ الواقفُ مالَه لمَن قامَ بها وإنْ لم تَكنْ قُربةً، ولا للواقِفينَ فيها غَرضٌ صَحيحٌ، وإنَّما غَرضُهم ما يُقرِّبُهم إلى اللهِ، ولا يُوجِبونَ الوفاءَ بالشُّروطِ التي إنَّما بذَلَتِ المَرأةُ بُضعَها للزوجِ بشَرطِ وَفائِه لها بها، ولها فيها أصَحُّ غَرضٍ ومَقصودٍ، وهي أحَقُّ مِنْ كُلِّ شَرطٍ يَجبُ الوفاءُ به بنَصِّ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وهل هذا إلا خُروجٌ عن مَحضِ القِياسِ والسُّنةِ؟! (١). وقالَ تَقيُّ الدِّينِ السُّبكيُّ ﵀: الفُقهاءُ يَقولونَ: «شُروطُ الواقفِ كنُصوصِ الشَّارعِ»، وأنا أقولُ مِنْ طَريقِ الأدَبِ: شُروطُ الواقفِ مِنْ نُصوصِ الشَّارعِ؛ لقَولِه ﷺ : «المُؤمِنونَ عندَ شُروطِهم»، وإذا

стр. 6654

كانَتْ مُخالَفةُ النَّصِّ تَقتضِي نقْضَ الحُكمِ فمُخالَفةُ شَرطِ الواقفِ تَقتَضي نقْضَ الحُكمِ (١). تَقسيمُ شُروطِ الواقِفِ: لا خِلافَ بينَ فُقَهاءِ المَذاهبِ على أنه ليسَ كلُّ شَرطٍ يَجبُ اتِّباعُه مِنْ شُروطِ الواقفِ، وأنَّ مِنْ شُروطِ الوَاقِفِ الصَّحيحُ الذي يَجبُ العملُ به، ومِنها الفاسِدُ الذي لا يَجبُ العملُ به، فليسَ كلُّ ما يَشترطُه الواقفُ صَحيحًا يَجبُ اتِّباعُه. قالَ العلَّامةُ قاسِمٌ ﵀: أجمَعَتِ الأمَّةُ أنَّ مِنْ شُروطِ الواقِفينَ ما هو صَحيحٌ مُعتبَرٌ يُعمَلُ به، ومنها ما ليسَ كذلكَ (٢). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: شُروطُ الواقِفِ تَنقسِمُ إلى صَحيحٍ وباطِلٍ بالاتِّفاقِ، فإنْ شرَطَ فِعلًا مُحرَّمًا ظهَرَ أنه باطِلٌ فإنه لا طاعةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالِقِ (٣). وقد قسَّمَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ شُروطَ الواقِفينَ إلى أربَعةِ أقسامٍ: ١ - شُروطٌ مُحرَّمةٌ في الشَّرعِ. ٢ - وشُروطٌ مَكروهةٌ للهِ تعالى ورَسولِهِ ﷺ

стр. 6655

٣ - وشُروطٌ تَتضمَّنُ ترْكَ ما هو أحَبُّ إلى اللهِ ورَسولِه. ٤ - وشُروطٌ تَتضمَّنُ فِعلَ ما هو أحَبُّ إلى اللهِ تعالى ورَسولِه. قالَ ابنُ القَيِّمِ: فالأقسامُ الثَّلاثةُ الأُوَلُ لا حُرمةَ لها ولا اعتِبارَ، والقِسمُ الرَّابعُ هو الشَّرطُ المُتَّبَعُ الواجِبُ الاعتِبارِ. وقد أبطَلَ النبيُّ ﷺ هذه الشُّروطَ كلَّها بقَولِه: «مَنْ عَمِلَ عَملًا ليسَ عليهِ أمرُنَا فهو ردٌّ» (١)، وما رَدَّه رسولُ اللهِ ﷺ لم يَجُزْ لأحَدٍ اعتِبارُه ولا الإلزامُ به وتَنفيذُه، ومَن تَفطَّنَ لتَفاصيلِ هذه الجُملةِ التي هيَ مِنْ لَوازِمِ الإيمانِ تَخلَّصَ بها مِنْ آصارٍ وأغلالٍ في الدُّنيا، وإِثمٍ وعُقوبةٍ ونَقصِ ثَوابٍ في الآخِرةِ، وباللهِ التَّوفيقُ (٢). وقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في الشُّروطِ التي يُمكِنُ اعتِبارُها ويَجبُ العملُ بها، والشُّروطِ التي تُخالِفُ الشَّرعَ أو تُنافي مُقتَضى الوَقفِ ولا يُعمَلُ بها، ويُمكِنُ تَقسيمُ هذه الشُّروطِ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ: القِسمُ الأولُ: شُروطٌ باطِلةٌ ومُبطِلةٌ للوَقفِ مانِعةٌ مِنْ انعِقادِه؛ لأنها تُنافي لُزومَ الوَقفِ. القِسمُ الثَّاني: شُروطٌ باطِلةٌ إذا شرَطَها الواقفُ صَحَّ الوَقفُ وبطَلَ الشَّرطُ. القِسمُ الثالثُ: شُروطٌ صَحيحَةٌ يَصحُّ الوَقفُ والشَّرطُ فيها.
следующие страницы →