← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

وقد شرَطَ الناذِرُ في نَذرِه تَعيُّنَه، فألغاهُ الشارعُ لفَضيلةِ غَيرِه عليهِ أو مُساواتِه له، فكيفَ يَكونُ شَرطُ الواقفِ الذي غَيرُه أفضَلُ منه وأحَبُّ إلى اللهِ ورَسولِه لازِمًا يَجبُ الوَفاءُ به؟! وتَعيينُ الصلاةِ في مَكانٍ مُعيَّنٍ لم يُرغِّبِ الشارعُ فيهِ ليس بقُربةٍ، وما ليسَ بقُربةٍ لا يَجبُ الوَفاءُ به في النَّذرِ، ولا يَصحُّ اشتِراطُه في الوَقفِ. فإنْ قُلتُم: الواقفُ لم يُخرجْ مالَه إلا على وَجهٍ مُعيَّنٍ، فلَزمَ اتِّباعُ ما عيَّنَه في الوَقفِ مِنْ ذلكَ الوَجهِ، والنَّاذرُ قصَدَ القُربةَ، والقُرَبُ مُتساوِيةٌ في المَساجدِ غير الثلاثةِ، فتَعيينُ بَعضِها لَغوٌ. قيلَ: هذا الفرقُ بعَينِه يُوجِبُ عليكُم إلغاءَ ما لا قُربةَ فيهِ مِنْ شُروطِ الوَاقِفينَ واعتِبارَ ما فيهِ قُربةٌ؛ فإنَّ الواقفَ إنَّما مَقصودُه بالوَقفِ التَّقربُ إلى اللهِ، فتَقرُّبُه بوَقفِه كتَقربِه بنَذرِه، فإنَّ العاقِلَ لا يَبذلُ مالَه إلا لِما فيه مَصلحةٌ عاجِلةٌ أو آجِلةٌ، والمَرءُ في حياتِه قد يَبذلُ مالَه في أغراضِه مُباحةً كانَتْ أو غيرَها، وقد يَبذلُه فيما يُقرِّبُه إلى اللهِ، وأمَّا بعد مَماتِه فإنَّما يَبذلُه فيما يَظنُّ أنه يُقرِّبُ إلى اللهِ، ولو قيلَ له: «إنَّ هذا المَصرِفَ لا يُقرِّبُ إلى اللهِ ، أو إنَّ غيرَه أفضَلُ وأحَبُّ إلى اللهِ منهُ وأعظَمُ أجرًا» لَبادَرَ إليهِ، ولا رَيبَ أنَّ العاقِلَ إذا قيلَ له: «إذا بَذَلتَ مالَكَ في مُقابَلةِ هذا الشَّرطِ حصَلَ لكَ أجرٌ واحِدٌ، وإنْ تَركْتَه حصَلَ لكَ أجرانِ» فإنه يَختارُ ما فيهِ الأجرُ الزائِدُ، فكيفَ إذا قيلَ له: «إنَّ هذا لا أجْرَ فيهِ البَتَّةَ»؟! فكيفَ إذا قيلَ: «إنه مُخالِفٌ لمَقصودِ الشَّارعِ مُضادٌّ له يَكرَهُه اللهُ ورَسولُه»؟! وهذا كشَرطِ العُزوبيةِ مَثلًا وتَركِ

стр. 6652

النكاحِ، فإنه شَرطٌ لتَركِ واجِبٍ أو سُنةٍ أفضَلَ مِنْ صَلاةِ النافِلةِ وصَومِها، أو سُنةٌ دونَ الصلاةِ والصومِ، فكيف يَلزمُ الوَفاءُ بشَرطِ تَركِ الواجِباتِ والسُّننِ اتِّباعًا لشَرطِ الواقفِ وتَركِ شَرطِ اللهِ ورَسولِه الذي قَضاؤُه أحَقُّ وشَرطُه أوثَقُ؟! يُوضحُه أنه لو شرَطَ في وَقفِه أن يَكونَ على الأغنِياءِ دُونَ الفُقراءِ كانَ شَرطًا باطِلًا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، قالَ أبو المَعالي الجُوينيُّ هو إمامُ الحَرمَينِ ﵁: ومُعظَمُ أصحابِنا قطَعُوا بالبُطلانِ، هذا مع أنَّ وصْفَ الغِنى وَصفٌ مُباحٌ ونِعمةٌ مِنْ اللهِ، وصاحِبُه إذا كانَ شاكِرًا فهو أفضَلُ مِنْ الفَقيرِ مع صَبْرِه عندَ طائِفةٍ كَثيرةٍ مِنْ الفُقهاءِ والصُّوفيةِ، فكيف يُلغَى هذا الشَّرطُ ويَصحُّ شَرطُ التَّرهُّبِ في الإسلامِ الذي أبطَلَه النبيُّ ﷺ بقَولِه: «لا رَهبانيةَ في الإسلامِ». يُوضِّحُه أنَّ مَنْ شرَطَ التَّعزُّبَ فإنَّما قصَدَ أنَّ ترْكَه أفضَلُ وأحَبُّ إلى اللهِ، فقصَدَ أنْ يَتعبَّدَ المَوقوفُ عليهِ بتَركِه، وهذا هو الذي تَبَرَّأَ النبيُّ ﷺ منه بعَينِه فقال: «مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس منِّي»، وكانَ قَصدُ أُولئكَ الصَّحابةِ هو قصْدَ هؤلاءِ الوَاقفينَ بعَينِه سَواءً، فإنهمْ قصَدوا تَربيةَ أنفُسِهم على العِبادةِ وترْكَ النكاحِ الذي يَشغَلُهم تَقرُّبًا إلى اللهِ بتَركِه، فقالَ النبيُّ ﷺ فيهم ما قالَ، وأخبَرَ أنه مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِه فليس منه، وهذا في غايَةِ الظُّهورِ، فكيفَ يَحلُّ الإلزامُ بتَركِ شيءٍ قد أخبَرَ به النبيُّ ﷺ أنَّ مَنْ رَغِبَ عنه فليس منه؟! هذا مِمَّا لا تَحتملُه الشَّريعةُ بوَجهٍ.

стр. 6653

فالصَّوابُ الذي لا تُسوِّغُ الشَّريعةُ غيرَه عَرضُ شَرطِ الواقِفينَ على كِتابِ اللهِ سُبحانَه وعلى شَرطِه، فما وافَقَ كِتابَه وشرْطَه فهو صَحيحٌ، وما خالَفَه كانَ شَرطًا باطِلًا مَردودًا ولو كانَ مِائةَ شَرطٍ، وليسَ ذلكَ بأعظَمَ مِنْ رَدِّ حُكمِ الحاكِمِ إذا خالَفَ حُكمَ اللهِ ورَسولِه ومِن رَدِّ فتوَى المُفتِي، وقد نَصَّ اللهُ سُبحانَه على رَدِّ وَصيةِ الجانِفِ في وَصيتِه والآثِمِ فيها، مع أنَّ الوَصيةَ تَصحُّ في غَيرِ قُربةٍ وهي أوسَعُ مِنْ الوَقفِ، وقد صرَّحَ صاحِبُ الشَّرعِ برَدِّ كُلِّ عَملٍ ليسَ عليه أمرُه، فهذا الشَّرطُ مَردودٌ بنَصِّ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلا يَحِلُّ لأحَدٍ أنْ يَقبلَه ويَعتبِرَهُ ويُصحِّحَه. ثمَّ كيفَ يُوجِبونَ الوَفاءَ بالشُّروطِ التي إنَّما أخرَجَ الواقفُ مالَه لمَن قامَ بها وإنْ لم تَكنْ قُربةً، ولا للواقِفينَ فيها غَرضٌ صَحيحٌ، وإنَّما غَرضُهم ما يُقرِّبُهم إلى اللهِ، ولا يُوجِبونَ الوفاءَ بالشُّروطِ التي إنَّما بذَلَتِ المَرأةُ بُضعَها للزوجِ بشَرطِ وَفائِه لها بها، ولها فيها أصَحُّ غَرضٍ ومَقصودٍ، وهي أحَقُّ مِنْ كُلِّ شَرطٍ يَجبُ الوفاءُ به بنَصِّ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وهل هذا إلا خُروجٌ عن مَحضِ القِياسِ والسُّنةِ؟! (١). وقالَ تَقيُّ الدِّينِ السُّبكيُّ ﵀: الفُقهاءُ يَقولونَ: «شُروطُ الواقفِ كنُصوصِ الشَّارعِ»، وأنا أقولُ مِنْ طَريقِ الأدَبِ: شُروطُ الواقفِ مِنْ نُصوصِ الشَّارعِ؛ لقَولِه ﷺ : «المُؤمِنونَ عندَ شُروطِهم»، وإذا

стр. 6654

كانَتْ مُخالَفةُ النَّصِّ تَقتضِي نقْضَ الحُكمِ فمُخالَفةُ شَرطِ الواقفِ تَقتَضي نقْضَ الحُكمِ (١). تَقسيمُ شُروطِ الواقِفِ: لا خِلافَ بينَ فُقَهاءِ المَذاهبِ على أنه ليسَ كلُّ شَرطٍ يَجبُ اتِّباعُه مِنْ شُروطِ الواقفِ، وأنَّ مِنْ شُروطِ الوَاقِفِ الصَّحيحُ الذي يَجبُ العملُ به، ومِنها الفاسِدُ الذي لا يَجبُ العملُ به، فليسَ كلُّ ما يَشترطُه الواقفُ صَحيحًا يَجبُ اتِّباعُه. قالَ العلَّامةُ قاسِمٌ ﵀: أجمَعَتِ الأمَّةُ أنَّ مِنْ شُروطِ الواقِفينَ ما هو صَحيحٌ مُعتبَرٌ يُعمَلُ به، ومنها ما ليسَ كذلكَ (٢). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: شُروطُ الواقِفِ تَنقسِمُ إلى صَحيحٍ وباطِلٍ بالاتِّفاقِ، فإنْ شرَطَ فِعلًا مُحرَّمًا ظهَرَ أنه باطِلٌ فإنه لا طاعةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالِقِ (٣). وقد قسَّمَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ شُروطَ الواقِفينَ إلى أربَعةِ أقسامٍ: ١ - شُروطٌ مُحرَّمةٌ في الشَّرعِ. ٢ - وشُروطٌ مَكروهةٌ للهِ تعالى ورَسولِهِ ﷺ

стр. 6655

٣ - وشُروطٌ تَتضمَّنُ ترْكَ ما هو أحَبُّ إلى اللهِ ورَسولِه. ٤ - وشُروطٌ تَتضمَّنُ فِعلَ ما هو أحَبُّ إلى اللهِ تعالى ورَسولِه. قالَ ابنُ القَيِّمِ: فالأقسامُ الثَّلاثةُ الأُوَلُ لا حُرمةَ لها ولا اعتِبارَ، والقِسمُ الرَّابعُ هو الشَّرطُ المُتَّبَعُ الواجِبُ الاعتِبارِ. وقد أبطَلَ النبيُّ ﷺ هذه الشُّروطَ كلَّها بقَولِه: «مَنْ عَمِلَ عَملًا ليسَ عليهِ أمرُنَا فهو ردٌّ» (١)، وما رَدَّه رسولُ اللهِ ﷺ لم يَجُزْ لأحَدٍ اعتِبارُه ولا الإلزامُ به وتَنفيذُه، ومَن تَفطَّنَ لتَفاصيلِ هذه الجُملةِ التي هيَ مِنْ لَوازِمِ الإيمانِ تَخلَّصَ بها مِنْ آصارٍ وأغلالٍ في الدُّنيا، وإِثمٍ وعُقوبةٍ ونَقصِ ثَوابٍ في الآخِرةِ، وباللهِ التَّوفيقُ (٢). وقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في الشُّروطِ التي يُمكِنُ اعتِبارُها ويَجبُ العملُ بها، والشُّروطِ التي تُخالِفُ الشَّرعَ أو تُنافي مُقتَضى الوَقفِ ولا يُعمَلُ بها، ويُمكِنُ تَقسيمُ هذه الشُّروطِ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ: القِسمُ الأولُ: شُروطٌ باطِلةٌ ومُبطِلةٌ للوَقفِ مانِعةٌ مِنْ انعِقادِه؛ لأنها تُنافي لُزومَ الوَقفِ. القِسمُ الثَّاني: شُروطٌ باطِلةٌ إذا شرَطَها الواقفُ صَحَّ الوَقفُ وبطَلَ الشَّرطُ. القِسمُ الثالثُ: شُروطٌ صَحيحَةٌ يَصحُّ الوَقفُ والشَّرطُ فيها.

стр. 6656

وهذه الشُّروطُ بأنواعِها تَختلِفُ مِنْ مَذهبٍ لآخَرَ، فبَيْنَ مُصحِّحٍ لها ومُبطِلٍ لها، وبينَ مُصحِّحٍ للوَقفِ مُبطِلٍ للشرطِ مِنْ هذه الأقسامِ، ونَحنُ نُبيِّنُ ذلكَ فيما يَلي: القِسمُ الأولُ: شروطٌ باطِلةٌ ومُبطِلةٌ للوَقفِ مانِعةٌ مِنْ انعِقادِه ابتِداءً: وهي الشُّروطُ التي تُنافي لُزومَ الوَقفِ وتُنافي مُقتضاهُ، ومِن أمثِلةِ هذا القِسمِ على اختِلافٍ بينَهُم فيهِ ما يلي: ١ - اشتِراطُ الرُّجوعِ في الوَقفِ أو بَيعِه أو هِبتِه أو رَهنِه متى شاءَ: قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ شرَطَ أنْ يَبيعَ الوَقفَ متى شاءَ أو يَهَبَه أو يَرجعَ فيهِ لم يَصحَّ الشرطُ ولا الوَقفُ، لا نَعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنه يُنافي مُقتَضى الوَقفِ. ويُحتملُ أنْ يَفسدَ الشَّرطُ ويَصحَّ الوَقفُ؛ بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: لو وقَفَ شَيئًا بشَرطِ الخِيارِ لنَفسِه في إبقاءِ وَقفِه والرُّجوعِ فيهِ مَتى شاءَ، أو شرَطَ لغيرهِ أو شرَطَ عَوْدَه إليه بوَجهٍ ما، كأنْ شرَطَ أنْ يَبيعَه أو شرَطَ أنْ يُدخِلَ مَنْ شاءَ ويُخرِجَ مَنْ شاءَ، أو في تَغييرِ شيءٍ منه بوَصفٍ أو زيادةٍ أو نَحوِ ذلكَ بطَلَ على الأظهَرِ كالبَيعِ والهِبةِ؛ لأنَّ مُقتَضى الوَقفِ اللُّزومُ، والخِيارُ يُنافي ذلكَ، فيَفسدُ بهذا الشَّرطِ.

стр. 6657

ومُقابِلُ الصَّحيحِ: يَصِحُّ الوَقفُ ويَلغو الشَّرطُ، كما لو طلَّقَ على أنْ لا رَجعةَ له، وكما في حَديثِ العُمْرى أنه ﷺ قالَ: «أَمسِكُوا عليكُم أموالَكُم ولا تُفسِدُوها، فإنه مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهيَ للَّذي أُعمِرَها حيًّا ومَيِّتاً ولعَقِبِه» (١)، فإنه ﷺ جعَلَها للَّذي أُعمِرَها في حَياتِه ولوَرثتِه مِنْ بَعدِ مَوتِه، فأزالَ مِلكَ المُعمِرِ وأبطَلَ شرْطَه. ومَحَلُّ القَولينِ إذا لم يَحكمْ حاكِمٌ بصِحَّةِ الوَقفِ، فإنْ حكَمَ به صَحَّ بلا خِلافٍ وأُمضي (٢). وقالَ الحَنفيةُ: ولو شرَطَ الواقفُ بَيعَ الوَقفِ بما بَدا له مِنْ الثَّمنِ أو أنْ يَشتريَ بثَمنِه عبدًا أو يَبيعَه ولمْ يَزِدْ فسَدَ الوَقفُ (٣). ٢ - اشتِراطُ الخِيارِ في الوَقفِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ مُحمدُ بنُ الحَسنِ وهِلالٌ مِنْ الحَنفيةِ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ اشتِراطُ الخِيارِ في الوَقفِ، فلو وقَفَ وشرَطَ الخِيارَ لم يَصحَّ الوَقفُ، سَواءٌ كانَتْ مدَّةُ الخِيارِ مَعلومةً أم مَجهولةً. وقالَ أبو يُوسفَ ﵀: إنْ كانَ الوَقتُ مَعلومًا جازَ الوَقفُ والشَّرطُ كالبَيعِ، وإلا بطَلَ الوَقفُ، وصَحَّحَه السَّمتيُّ مُطلَقًا وأبطَلَ الشرطَ.

стр. 6658

قالَ ابنُ نُجَيمٍ ﵀: وظَاهرُ ما في «الخانِيَّة» أنه لو جعَلَ دارَه مَسجدًا على أنه بالخِيارِ صَحَّ الوَقفُ وبطَلَ الشَّرطُ بلا خِلافٍ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ شرَطَ الخِيارَ في الوَقفِ فسَدَ، ونَصَّ عليهِ أحمدُ، وبه قالَ الشافِعيُّ. وقالَ أبو يُوسفَ في رِوايةٍ عنه: يَصحُّ؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكُ المَنافعِ، فجازَ بشَرطِ الخِيارِ فيهِ كالإجارةِ. ولنا: أنه شَرطٌ يُنافي مُقتَضى العَقدِ، فلم يَصحَّ كَما لو شرَطَ أنَّ له بَيعَه متى شاءَ؛ لإنه إزالةُ مِلكٍ للهِ تعالى، فلم يَصِحَّ اشتِراطُ الخِيارِ فيها كالعِتقِ، ولأنه ليس بعَقدِ مُعاوَضةٍ، فلم يَصحَّ اشتِراطُ الخِيارِ فيهِ كالهِبةِ، ويُفارِقُ الإجارةَ؛ فإنها عَقدُ مُعاوَضةٍ وهي نَوعٌ مِنْ البَيعِ، ولأنَّ الخِيارَ إذا دخَلَ في العَقدِ منَعَ ثُبوتَ حُكمِه قبلَ انقِضاءِ الخِيارِ أو التَّصرفِ، وهاهُنا لو ثبَتَ الخِيارُ لَثبَتَ مع ثُبوتِ حُكمِ الوَقفِ ولمْ يَمنعِ التَّصرفَ، فافتَرَقَا (٢). وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الصَّحيحِ والسَّمتِيُّ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه إذا اشتَرَطَ الخِيارَ في الوَقفِ صَحَّ الوَقفُ وبطَلَ الشرطُ، كما لو طلَّقَ على أنْ لا رَجعةَ له، وكما في حَديثِ العُمْرَى أنه ﷺ قالَ: «أَمسِكُوا عليكُم أموالَكُم ولا تُفسِدُوها، فإنه مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهي للَّذي

стр. 6659

أُعمِرَها حيًّا وميِّتًا ولعَقِبِه» (١)، فإنه ﷺ جعَلَها للَّذي أُعمِرَها في حَياتِه ولوَرثتِه مِنْ بَعدِ مَوتِه، فأزالَ مِلكَ المُعمِرِ وأبطَلَ شرْطَه. وقالَ ابنُ عَبدِ السَّلامِ مِنْ المالِكيةِ: يَصحُّ الوَقفُ ويُوفَّى له بشَرطِه (٢). ٣ - لو وقَفَ على وَلدِه وشرَطَ أنْ يَرجعَ إليهِ إذا ماتَ بطَلَ الوَقفُ على الصَّحيحِ عندَ الشافِعيةِ، وفي قَولٍ: يَصِحُّ كالعُمرى (٣). ٤ - لو شرَطَ الواقِفُ ألا يَنتفعَ المَوقوفُ عليهِ بالوَقفِ فَسَدَ الوَقفُ؛ لمُنافاةِ الشَّرطِ مُقتَضاهُ عند الحَنابلة (٤). ٥ - يَبطلُ الوَقفُ لو شرَطَ الواقفُ تَغييرَ شَرطٍ في الوَقفِ عندَ الحَنابلةِ، سواءٌ شرَطَ ذلكَ لنَفسِه أو للناظِرِ بَعدَه؛ لأنه شَرطٌ يُنافي مُقتَضى الوَقفِ، فأفسَدَه كما لو شرَطَ ألا يُنتفَعَ به (٥).

стр. 6660

٦ - شَرطُ إخراجِ وإدخالِ مَنْ شاءَ في الوَقفِ: الإدخالُ والإخراجُ له صُورتانِ: الأُولى: أنْ يُدخِلَ مَنْ شاءَ ويُخرِجَ مَنْ شاءَ مِنْ غَيرِ أهلِ الوَقفِ: نَصَّ الحَنابلةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ على أنه إنْ شرَطَ في الوَقفِ أنْ يُخرِجَ مَنْ شاءَ مِنْ أهلِ الوَقفِ ويُدخِلَ مَنْ شاءَ مِنْ غيرِهِم لم يَصحَّ؛ لأنه شَرطٌ يُنافي مُقتَضى الوَقفِ، فأفسَدَه كما لو شرَطَ ألَّا يُنتفعَ به (١). وقالَ النَّوويُّ ﵀: ولو وقَفَ وشرَطَ لنَفسِه أنْ يَحرِمَ مَنْ شاءَ أو يُقدِّمَ أو يُؤخِّرَ فالشرطُ فاسِدٌ على الأصَحِّ، هذا إذا أنشَأَ الوَقفَ بهذا الشَّرطِ، فلو أطلَقَه ثمَّ أرادَ أنْ يُغيِّرَ ما ذكَرَه بحِرْمانٍ أو زيادةٍ أو تَقديمٍ أو تأخيرٍ فليسَ له قَطعًا، فإنْ صحَّحْنا شرْطَه لنَفسِه فشَرطُه لغيرهِ فاسِدٌ على الأصَحِّ، وإنْ أفسَدْناهُ ففي فَسادِ الوَقفِ خِلافٌ مَبنيٌّ على أنَّ الوَقفَ كالعِتقِ أم لا؟ هذا مَجموعُ ما حَضَرني مِنْ كُتبِ الأصحابِ، والذي قطَعَ به جُمهورُهُم بُطلانُ الشرطِ والوَقفِ في هذه الصُّوَرِ كلِّها، وشَذَّ الغزاليُّ فجعَلَ هذه الصُّوَرَ ثلاثَ مَراتِبَ: الأُولى: «وقَفْتُ بشَرطِ أنْ أَرجِعَ متى شِئتُ، أو أَحرِمَ المُستحِقَّ وأُحوِّلَ الحَقَّ إلى غيرِه متى شِئتُ» فَفاسِدٌ.

стр. 6661

الثانيةُ: «بشَرطِ أنْ أُغيِّرَ قدْرَ المُستحقِّ للمَصلحةِ» فهو جائِزٌ. الثالثةُ: يَقولُ: «أُغيِّرُ تَفصيلَه» فوَجهانِ. وهذا التَّرتيبُ لا يَكادُ يُوجَدُ لغيرِه، ثمَّ فيه لَبْسٌ؛ فإنَّ التَّحويلَ المَذكورَ في الأُولى هو التَّغيُّرُ المَذكورُ في الثانيةِ، والمَذهبُ ما ذكَرَه الجُمهورُ (١). وقالَ الحَنفيةُ (والشافِعيةُ في قَولٍ): لو شرَطَ لنَفسِه أنْ يُنقِصَ مِنْ المَعاليمِ إذا شاءَ ويَزيدَ ويُخرِجَ مَنْ شاءَ ويَستبدِلَ به كانَ له ذلكَ، وليسَ لقَيِّمِه إلا أنْ يَجعلَه له، وإذا فعَلَ ذلكَ مَرَّةً فليسَ له أنْ يُغيِّرَه بَعدَ ذلكَ، فإنْ أرادَ أنْ يَكونَ له ذلكَ أبَدًا ما عاشَ يَزيدُ ويُنقِصُ ويُدخِلُ ويُخرِجُ مرَّةً بعدَ مَرَّةٍ يشترطُ ذلكَ (٢). وقالَ الشافِعيةُ في هذا القَولِ: وإذا قيلَ بجَوازِه صَحَّ إنْ كانَ قد سَمَّى فيهِ عندَ عَقدِ الوَقفِ قَومًا، ثمَّ له أنْ يُدخِلَ مَنْ شاءَ ويُخرِجَ مَنْ شاءَ، وإذا فعَلَ ذلكَ مَرَّةً واحِدةً فهل له الزِّيادةُ عليها أم لا؟ على وَجهينِ: أحَدُهما: ليسَ له؛ لأنه قد فعَلَ ما شاءَ وله شَرطُه وقد استَقرَّ. والوَجهُ الثَّاني: له أنْ يَفعلَ ذلكَ مِرارًا ما عاشَ وبَقيَ لعُمومِ الشَّرطِ،

стр. 6662

فإذا ماتَ فقدْ تَعيَّنَ على مَنْ فيهِ عندَ مَوتِه، مَنْ أُدخِلَ فيهِ فقدِ استَقرَّ دُخولُه، فلا يَجوزُ أنْ يُخرَجَ منه، ومَن أُخرِجَ منه فقدِ استَقرَّ خُروجُه، ولا يَجوزُ أنْ يُدخَلَ فيه (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: كلُّ مُتصرِّفٍ بوِلايةٍ إذا قِيلَ له يَفعلُ ما يَشاءُ فإنَّما هو لمَصلحةٍ شَرعيةٍ، حتى لو صرَّحَ الواقفُ بفِعلِ ما يَهواهُ وما يَراهُ مُطلَقًا فشَرطٌ باطِلٌ؛ لمُخالَفتِه الشَّرعَ، وغايَتُه أنْ يَكونَ شَرطًا مُباحًا، وهو باطِلٌ على الصَّحيحِ المَشهورِ، حتى لو تَساوى فِعلانِ عُمِلَ بالقُرعةِ، وإنْ قيلَ هُنا بالتَّخييرِ فله وجهٌ (٢). الصُّورَةُ الثانيةُ: أنْ يُدخِلَ مَنْ شاءَ ويُخرِجَ مَنْ شاءَ مِنْ أهلِ الوَقفِ: ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الواقِفَ لو اشتَرطَ عندَ الوَقفِ إخراجَ مَنْ شاءَ مِنْ أهلِ الوَقفِ بصِفةٍ وإدخالَ مَنْ شاءَ بصِفةٍ صَحَّ الوَقفُ، كقولِه: «وَقَفتُها على فُقراءِ بَني تَميمٍ»، فمَن افتَقرَ مِنْ الأغنياءِ أُدخِلَ فيه بَعدَ أنْ كانَ خارِجًا منه، ومَن استَغنَى مِنْ الفُقراءِ خرَجَ منها بعدَ أنْ كانَ داخِلًا فيها. قالَ الحَنفيةُ: لو اشتَرطَ في وقفِه أنْ يَزيدَ في وَظيفةِ مَنْ يَرى زِيادتَه، وأنْ يُنقِصَ مِنْ وَظيفةِ مَنْ يَرى نُقصانَه مِنْ أهلِ الوَقفِ، وأنْ يُدخِلَ مَعهُم مَنْ يَرى إدخالَه، وأنْ يُخرِجَ مِنهم مَنْ يَرى إخراجَه جازَ.

стр. 6663

ثمَّ إذا زادَ أحَدًا مِنهم أو نقَصَه مرَّةً أو أدخَلَ أحَدًا أو أخرجَ أحَدًا ليسَ له أنْ يُغيِّرَه بعدَ ذلكَ؛ لأنَّ شرْطَه وقَعَ على فِعلٍ يَراهُ، فإذا رَآهُ وأمضاهُ فقدِ انتهَى ما رَآه، وإذا أرادَ أنْ يَكونَ ذلكَ له دائِمًا ما دامَ حَيًّا يَقولُ: على أنَّ لفُلانِ بنَ فُلانٍ أنْ يَزيدَ في مُرتَّبِ مَنْ يَرى زِيادتَه وأنْ يُنقِصَ مِنْ مُرتَّبِ مَنْ يَرى نُقصانَه، وأنْ يُنقِصَ مَنْ زادَهُ ويَزيدَ مَنْ نقَصَه مِنهم، ويُدخِلَ مَعهُم مَنْ يَرى إدخالَه ويُخرِجَ مِنهم مَنْ يَرى إخراجَه متى أرادَ، مرَّةً بعد أُخرى، رأيًا بعدَ رَأيٍ، ومَشيئةً بعدَ مَشيئةٍ ما دامَ حَيًّا، ثمَّ إذا أحدَثَ فيهِ شيئًا ممَّا شرَطَه لنَفسِه أو ماتَ قبلَ ذلكَ يَستقِرُّ أمرُ الوَقفِ على الحالةِ التي كانَ عليها يَومَ مَوتِه، وليسَ لمَن يَلي عليه بعدَه شيءٌ مِنْ ذلكَ، إلَّا أنْ يَشرِطَه له في أصلِ الوَقفِ، وإذا شرَطَ هذه الأمورَ أو بعضَها للمُتولِّي مِنْ بَعدِه ولم يَشرِطْها لنَفسِه جازَ له أن يَفعلَها ما دامَ حَيًّا؛ لأنَّ شرْطَها لغيرهِ شَرطٌ منه لنَفسِه، ثمَّ إذا ماتَ جازَ للمُتولِّي فِعلُ ما شرَطَه له، ولو شرَطَ هذه الأمورَ للمُتولِّي ما دامَ هو حَيًّا جازَ له وللمُتولِّي ذلكَ ما دامَ هو حَيًّا. ولو شرَطَ لنَفسِه في أصلِ الوَقفِ استِبدالَه أو الزِّيادةَ والنُّقصانَ ولم يَزِدْ عليهِ ليسَ له أنْ يَجعلَ ذلكَ أو شيئًا منه للمُتولِّي، وإنَّما ذلكَ خاصَّةً لاقتِصارِ الشَّرطِ في أصلِ الوَقفِ على نَفسِه، ولا يَجوزُ له أنْ يَفعلَ إلَّا ما شرَطَه وَقتَ العَقدِ (١).

стр. 6664

وقالَ المالِكيةُ: إذا شرَطَ الواقفُ في وَقفِه صِفةً في المَوقوفِ عليهم، فإنْ زالَ وَصفُه بعدَها خرَجَ مِنْ الوَقفِ، وإنْ لم يَشترطْ صِفةً فلا يَخرجُ وإنِ استَغنى عَنها. فمَن سكَنَ في الحَبسِ على نَصيبِه بوَصفِ استِحقاقِ فَقرٍ ثمَّ استَغنى فإنه لا يَخرجُ مِنْ الحَبسِ لأجلِ أنْ يَسكُنَ غيرُه فيهِ ولو كانَ غيرُه مُحتاجًا لذلكَ ولو لم يَكنْ في الرَّبعِ سَعةٌ؛ لأنه سكَنَ بحَقٍّ، فلا يَخرجُ إلا برِضاهُ؛ لأنَّ العِبرةَ الاحتياجُ في الابتِداءِ، إلَّا أنْ يَكونَ الواقفُ شرَطَ أنَّ مَنْ استَغنى يَخرجُ لغيرِه، فإنه يُعمَلُ به. ولو وقَفَ وشرَطَ صِفةً بأنْ يَسكنَ في الوَقفِ أو يَأخذَ مِنْ الغلَّةِ الفُقراءُ، أو طلبةُ العِلمِ، أو على الشَّبابِ أو الصِّغارِ أو الأحداثِ، فإنَّ مَنْ زالَ وَصفُه بعدَ سُكناهُ فإنه يَخرجُ. والفرقُ بينَ القِسمِ الأولِ والثَّاني أنَّ الاستِحقاقَ مِنْ الوَقفِ في القِسمِ الثاني عُلِّقَ بوَصفٍ وقدْ زالَ، فيَزولُ الاستِحقاقُ بزَوالِه، وأمَّا في القِسمِ الأولِ فالاستِحقاقُ لم يُعلَّقْ بالفَقرِ بل بغَيرِه، والفُقراءُ مُقتضٍ لتَقديمِه فقط، والمعنَى الذي عُلِّقَ به الاستحقاقُ باقٍ لم يَزُلْ (١).

стр. 6665

وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: «ومِن إخراجِ مَنْ أخرَجَ منها بصِفةٍ ورَدِّه إليها بصِفةٍ». قالَ الماوَرْدِيُّ: وهذا صَحيحٌ، وهو على ضَربَينِ: أحَدُهما: أنْ يُخرِجَ مَنْ أخرَجَ منها ويُدخِلَ مَنْ أدخَلَه فيها بصِفةٍ، فيَشترطُها، وإذا وُجدَتْ دخَلَ فيها بوُجودِ الصِّفةِ، وإذا عُدِمتْ خرَجَ منها بعَدمِ الصِّفةِ، فهذا جائِزٌ وهو على شَرطِه فيهِ مَحمولٌ كقولِه: «وَقَفتُها على أغنِياءِ بَني تَميمٍ»، فمَن استَغنى مِنْ الفُقراءِ أُدخِلَ فيه بعدَ أنْ كانَ خارِجًا منه، ومَن افتَقرَ مِنْ الأغنياءِ خرَجَ منها بعد أنْ كانَ داخِلًا فيها … (١). وقالَ النَّوويُّ ﵀: ولو قالَ: «وَقَفتُ على بَنيَّ الفُقراءِ، أو على بَناتِيَ الأرامِلِ» فمَن استَغنى منهم وتَزوَّجَ مِنهنَّ خرَجَ عن الاستِحقاقِ، فإنْ عادَ فَقيرًا أو زالَ نِكاحُها عادَ الاستِحقاقُ. قُلتُ: ولمْ أرَ لأصحابِنا تَعرُّضًا لاستِحقاقِها في حالِ العِدَّةِ، ويَنبغي أنْ يُقالَ: إنْ كانَ الطلاقُ بائِنًا أو فارَقَتْ بفَسخٍ أو وَفاةٍ استَحقَّتْ؛ لأنها ليسَتْ بزَوجةٍ في زَمنِ العدَّةِ، وإنْ كانَ رَجعِيًّا فلا؛ لأنها زَوجةٌ، واللهُ أعلَمُ. قالَ العبَّاديُّ في «الزِّيادَات»: لو وقَفَ على أُمَّهاتِ أولادِهِ إلَّا على مَنْ تَزوَّجَ مِنهنَّ فتَزوَّجَتْ خرَجَتْ ولا تَعودُ بالطلاقِ، والفَرقُ مِنْ حيثُ اللَّفظُ أنه أثبَتَ الاستِحقاقَ لبَناتِهِ الأرامِلِ، وبالطلاقِ صارَتْ أرمَلةً، وهُنا جعَلَها مُستحِقَّةً إلَّا أنْ تَتزوَّجَ، وبالطلاقِ لا تَخرجُ عن كَونِها تَزوَّجَتْ.

стр. 6666

ومِن حَيثُ المَعنى أنَّ غرَضَه أنْ تَفيَ له أمُّ وَلدِهِ فلا يَخلفُه عليها أحَدٌ، فمَن تَزوَّجتْ لم تَفِ ولو طُلِّقتْ (١). وقالَ الحَنابلةُ: إنْ شرَطَ الواقفُ إخراجَ مَنْ شاءَ مِنْ أهلِ الوَقفِ وإدخالَ مَنْ شاءَ بصِفةٍ صَحَّ، بأنْ جعَلَ الاستِحقاقَ والحِرمانَ مُرتَّبًا على وَصفٍ مُشتَرَطٍ، فمَن اتَّصفَ بصِفةٍ مِنْ صِفاتِ الاستِحقاقِ استَحقَّ ما شُرِطَ له، فإنْ زالَتْ تلكَ الصِّفةُ زالَ استِحقاقُه، فإنْ عادَتِ الصِّفةُ عادَ استِحقاقُه. فتَرتُّبُ الاستِحقاقِ كالوَقفِ على أولادِه مثلًا بشَرطِ كَونِهم فُقراءَ أو صُلَحاءَ. وتَرتُّبُ الحِرمانِ بالوَصفِ أنْ يَقولَ: «هذا وَقفٌ على ولادي، أو أولادِ زيدٍ مثلًا، ومَن فسَقَ مِنهم أو استَغنى -ونحوَه كتَركِ الاشتِغالِ بالعِلمِ- فلا شيءَ له» صَحَّ على ما قالَ. أو شرَطَ الواقفُ إخراجَ مَنْ شاءَ مِنْ أهلِ الوَقفِ وإدخالَ مَنْ شاءَ مِنهم صَحَّ؛ لأنه ليسَ بإخراجٍ للمَوقوفِ عليه مِنْ الوَقفِ، وإنَّما علَّقَ الاستِحقاقَ بصِفتِه، فكأنه جعَلَ له حقًّا في الوَقفِ إذا اتَّصفَ بإرادتِه أعطاهُ، ولم يَجعلْ له حقًّا إذا انتَفَتْ تلكَ الصِّفةُ فيهِ، وليسَ هو تَعليقًا للوَقفِ بصِفةٍ، بل وَقفٌ مُطلَقٌ والاستِحقاقُ له صِفةٌ. ولا فرْقَ بينَ أنْ يَشترطَ الواقِفُ ذلكَ لنَفسِه أو للناظِرِ بعدَه.

стр. 6667

ولو وَقفَ شَيئًا على أولادِهِ وشرَطَ الواقفُ أنَّ مَنْ تزَوَّجَ مِنْ البَناتِ فلا حقَّ لها في الوَقفِ صَحَّ؛ لِما تقدَّمَ عن ابنِ الزُّبيرِ، أو وقَفَ على زَوجتِه ما دامَتْ عازِبةً فإذا تَزوَّجَتْ فلا حقَّ لها (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: كلُّ مُتصرِّفٍ بوِلايةٍ إذا قِيلَ له يَفعلُ ما يَشاءُ فإنَّما هو لمَصلحةٍ شَرعيةٍ، حتى لو صرَّحَ الواقفُ بفِعلِ ما يَهواهُ وما يَراهُ مُطلَقًا فشَرطٌ باطِلٌ؛ لمُخالَفتِه الشَّرعَ، وغايَتُه أنْ يَكونَ شَرطًا مُباحًا، وهو باطِلٌ على الصَّحيحِ المَشهورِ، حتى لو تَساوى فِعلانِ عُمِلَ بالقُرعةِ، وإنْ قيلَ هُنا بالتَّخييرِ فله وجهٌ (٢). القِسمُ الثَّاني: شُروطٌ باطِلةٌ إذا شرَطَها الواقِفُ صَحَّ الوَقفُ وبطَلَ الشَّرطُ: وهذه الشُّروطُ منها ما سبَقَ في القِسمِ الأوَّلِ عند مَنْ يُصحِّحُ الوَقفَ ويُبطِلُ الشَّرطَ، ومنها أيضًا: ١ - اشتِراطُ الواقِفِ ألا تُعارَ إلا برَهنٍ، أو لا تَخرجُ مِنْ مَكانِ تَحبيسِها إلا برَهنٍ، أو لا تَخرجُ أصلًا، فالوَقفُ صَحيحٌ والشَّرطُ فاسِدٌ، نَصَّ على هذا الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ.

стр. 6668

قالَ ابنُ نُجَيمٍ الحَنفيُّ ﵀: فرعٌ: حدَثَ في الأعصارِ القَريبةِ وَقفُ كُتبٍ اشتَرطَ الواقفُ ألا تُعارَ إلا برَهنٍ، أو لا تَخرجَ مِنْ مَكانِ تَحبيسِها إلا برَهنٍ، أو لا تَخرجَ أصلًا. والذي أقولُ في هذا: إنَّ الرَّهنَ لا يَصحُّ بها؛ لأنها غيرُ مَضمونةٍ في يَدِ المَوقوفِ عليهِ، ولا يُقالُ لها عارِيةٌ أيضًا، بل الآخِذُ لها إنْ كانَ مِنْ أهلِ الوَقفِ استَحقَّ الانتفاعَ ويَدُه عليها يَدُ أمانةٍ، فشَرطُ أخذِ الرَّهنِ عليها فاسِدٌ، وإنْ أعطاهُ كانَ رَهنًا فاسِدًا، ويَكونُ في يَدِ خازِنِ الكُتبِ أمانةً؛ لأنَّ فاسِدَ العُقودِ في الضَّمانِ كصَحيحِها، والرَّهنُ أمانةٌ، هذا إذا أُريدَ الرَّهنُ الشَّرعيُّ، وإنْ أُرِيدَ مَدلولُه لُغةً وأنْ يَكونَ تَذكِرةً فيَصحُّ الشَّرطُ؛ لأنه غَرَضٌ صَحيحٌ، وإذا لم يُعرَفْ مُرادُ الواقفِ فيُحتملُ أنْ يُقالَ بالبُطلانِ في الشَّرطِ المَذكورِ حَملًا على المَعنى الشَّرعِيِّ، ويُحتملُ أنْ يُقالَ بالصِّحةِ حَملًا على المَعنى اللُّغويِّ وهو الأقرَبُ تَصحيحًا للكَلامِ ما أمكَنَ، وحينَئذٍ لا يَجوزُ إخراجُها بدُونِه، وإنْ قُلنا ببُطلانِه لم يَجُزْ إخراجُها به؛ لتَعذُّرِه، ولا بدونِه؛ إمَّا لأنه خِلافٌ لشَرطِ الواقفِ، وإمَّا لفَسادِ الاستِثناءِ، فكأنه قالَ: لا تَخرجُ مُطلقًا، ولو قالَ ذلكَ صَحَّ؛ لأنه شَرطٌ فيهِ غرَضٌ صَحيحٌ؛ لأنَّ إخراجَها مَظنَّةُ ضَياعِها، بل يَجبُ على ناظِرِ الوَقفِ أنْ يُمكِّنَ كلَّ مَنْ يَقصدُ الانتفاعَ بتلكَ الكُتبِ في مَكانِها. وفي بَعضِ الأوقافِ يَقولُ:: لا تَخرجُ إلا بتَذكرةٍ»، وهذا لا بأسَ به، ولا وَجهَ لبُطلانِه، وهو كمَا حَمَلْنا عليه قولَه:» إلا برَهنٍ» في المَدلولِ اللُّغَوِيِّ، فيَصحُّ ويَكونُ المَقصودُ أنَّ تَجويزَ الواقِفِ الانتفاعَ لمَن يَخرجُ به مَشروطٌ

стр. 6669

بأنْ يضَعَ في خِزانةِ الوَقفِ ما يَتذكَّرُ هو به إعادةَ المَوقوفِ ويَتذكَّرُ الخازِنُ مُطالَبتَه، فيَنبغي أنْ يَصحَّ هذا، ومتى أخَذَه على غَيرِ هذا الوَجهِ الذي شرَطَه الواقِفُ يَمتنعُ، ولا نَقولُ بأنَّ تلكَ التَّذكرةَ تَبقى رَهنًا، بل له أنْ يَأخذَها، فإذا أخَذَها طالَبَه الخازِنُ برَدِّ الكِتابِ، ويَجبُ عليه أنْ يَردَّه أيضًا بغَيرِ طَلبٍ، ولا يَبعدُ أنْ يُحمَلَ قَولُ الواقفِ الرَّهنَ على هذا المَعنى حتى يَصِحُّ إذا ذكَرَه بلَفظِ الرَّهنِ؛ تَنزيلًا للَّفظِ على الصِّحةِ ما أمكَنَ، وحِينئذٍ يَجوزُ إخراجُه بالشَّرطِ المَذكورِ ويَمتنعُ لغَيرهِ، لكنْ لا تَثبتُ له أحكامُ الرَّهنِ ولا يَستحِقُّ بَيعَهُ، ولا بدَلَ الكِتابِ المَوقوفِ إذا تَلِفَ بغَيرِ تَفريطٍ، ولو تَلفَ بتَفريطٍ ضَمِنَه، ولكنْ لا يَتعيَّنُ ذلكَ المَرهونُ لوَفائِه، ولا يَمتنعُ على صاحِبِه التَّصرفُ فيهِ. انتهى وقَولُ أصحابِنا: «لا يَصحُّ الرَّهنُ بالأماناتِ» شامِلٌ للكُتبِ المَوقوفةِ، والرَّهنُ بالأماناتِ باطِلٌ، فإذا هلَكَ لا يَجبُ شيءٌ، بخِلافِ الرَّهنِ الفاسِدِ؛ فإنه مَضمونٌ كالصَّحيحِ، وأمَّا وُجوبُ اتِّباعِ شَرطِه وحَملُه على المعنى اللُّغويِّ فغَيرُ بَعيدٍ (١). وقالَ الحَطَّابُ ﵀: الرابِعُ: قالَ في «المَسَائِل المَلقُوطَة»: سُئلَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: إذا وقَفَ كِتابًا على عامَّةِ المُسلمينَ وشرَطَ ألا يُعارَ إلا برَهنٍ، فهل يَصِحُّ هذا الرَّهنُ أم لا؟

стр. 6670

فأجابَ: لا يَصِحُّ هذا الرَّهنُ؛ لأنها غيرُ مَأمونةٍ في يَدِ مَوقوفٍ عليه، ولا يُقالُ لها عارِيةٌ أيضًا، بل الآخِذُ لها إنْ كانَ مِنْ أهلِ الوَقفِ مُستحِقًّا للانتِفاعِ فيَدُه عليها يَدُ أمانةٍ، فشَرطُ أخذِ الرَّهنِ عليها فاسِدٌ، ويَكونُ في يَدِ الخازِنِ للكُتبِ أمانةً؛ لأنَّ فاسِدَ العُقودِ في الضَّمانِ كصَحيحِها، والرَّهنُ أمانةٌ، هذا إذا أريدَ الرَّهنُ الشَّرعيُّ، وأمَّا إنْ أُرِيدَ مَدلولُه لُغةً وأنْ يَكونَ تَذكرةً فيَصحُّ الشَّرطُ؛ لأنه غرَضٌ صَحيحٌ، وأمَّا إذا لم يُعلَمْ مُرادُ الواقفِ فيُحتملُ أنْ يُقالَ بالبُطلانِ بالشَّرطِ حَملًا على المعنى الشَّرعِيِّ، ويُحتملُ أنْ يُقالَ بالصِّحةِ حَملًا على المَعنى، وهو الأقرَبُ لصحَّتِه. انتهى (١). وقالَ الرَّمليُّ ﵀: أَفتَى القَفَّالُ فيما إذا وقَفَ كِتابًا أو غَيرَه وشرَطَ ألا يُعارَ إلا برَهنٍ بلُزومِ هذا الشَّرطِ، وضعَّفَه بعضُ المُتأخِّرينَ مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ: أحَدُها: كَونُه رَهْنًا بالعينِ غيرِ المَضمونةِ، ولا خِلافَ في بُطلانِه. ثَانيها: كَونُ الرَّاهنِ أحَدَ المُستحِقِّينَ، والراهِنُ لا يَكونُ مُستحِقًّا. ثالِثُها: إنَّ المَقصودَ مِنْ الرَّهنِ الوَفاءُ مِنْ ثَمنِ المَرهونِ عندَ التَّلفِ، وهذا المَوقوفُ لو تَلفَ بلا تَعدٍّ ولا تَفريطٍ لم يَضمنْه، فالوَجهُ: إنَّ هذا الشَّرطَ فاسِدٌ لا يُتَّبعُ. اه قالَ الزَّركشيُّ: إنَّ ما قالَه القفَّالُ مَردودٌ (٢).

стр. 6671

وسُئلَ ابنُ حجَرَ الهَيتميُّ ﵀ عن الرَّهنِ على الكُتبِ المَوقوفةِ كما جَرَتْ به العادةُ، هل يَصحُّ؟ فأجابَ بقَولِه: الذي صَرَّحوا به أنَّ مِنْ شَرطِ المَرهونِ به كُونَه دَينًا، ومُقتضاهُ بُطلانُ ذلكَ كغيرِها مِنْ الأعيانِ، وبه صرَّحَ الماوَرديُّ، لَكنْ أفتَى القفَّالُ فيما إذا وقَفَ كِتابًا أو غيرَه وشرَطَ أنْ لا يُعارَ إلا برَهنٍ بلُزومِ هذا الشَّرطِ ولا يُعارُ إلا برَهنٍ، وبحَثَ فيهِ السُّبكيُّ بما حاصِلُه أنه إنْ عَنى الرَّهنَ الشَّرعيَّ فلا يَصحُّ الرَّهنُ، أو اللُّغويَّ وأرادَ أنْ يَكونَ المَرهونُ تَذكرةً صَحَّ، وإنْ لم يُعلَمْ مُرادُه فيُحتملُ بُطلانُ الشَّرطِ؛ حَملًا على الشَّرعيِّ، ثم لا يَجوزُ إخراجُه بالرَّهنِ؛ لتَعذُّرِه، ولا بغَيرِه؛ إمَّا لأنه خِلافُ شَرطِ الواقفِ وإمَّا لفسادِ الاستِثناءِ، فكأنه قالَ: لا يَخرجُ مُطلقًا، ولو قالَ ذلكَ صَحَّ؛ لأنه غَرضٌ صَحيحٌ؛ لأنَّ إخراجَه مَظنَّةُ ضياعِه. ويُحتملُ صِحةُ الشَّرطِ؛ حَملًا على المَعنى اللُّغويِّ، قالَ: وهذا هو الأقرَبُ تَصحيحًا للكَلامِ ما أمكَنَ. اه. واعتَرضَ الزَّركشيُّ قَولَه: «الأقربُ صِحتُه وحَملُه على اللُّغويِّ»؛ لأنَّ الأحكامَ الشَّرعيةَ لا تَتبعُ اللُّغةَ، وكيفَ يُحكَمُ بالصِّحةِ مع أنه لا يَجوزُ له حَبسُه شَرعًا، وأيُّ فائِدةٍ في الصِّحةِ حِينَئِذٍ؟! اه، وقد يُجابُ بأنَّ تَسميتَهُ رَهنًا مع كَونِ المَرهونِ به عَينًا تَدلُّ على قَصدِه للرَّهنِ بالمَعنى اللُّغويِّ لا الشَّرعيِّ، وحِينئذٍ فما قالَه السُّبكيُّ مُتَّجِهٌ، ويَكونُ الواقفُ شرَطَ لجَوازِ الانتِفاعِ بالمَوقوفِ شَرطًا، وهو وَضعُ عَينٍ عند الناظرِ أو غَيرِه إلى انقِضاءِ

стр. 6672

غَرضِه تَوثِقةً وأمنًا مِنْ التفريطِ في ضَياعِه، وهذا مَعنًى صَحيحٌ يُقصَدُ شَرعًا، فوجَبَ اتِّباعُ شَرطِه، وبه يُعلَمُ رَدُّ تَضعيفِ بَعضهم لِما قالَه القفَّالُ بأنَّ الراهِنَ أحَدُ المُستحِقِّينَ والراهِنُ لا يَكونُ مُستحِقًّا، وبأنَّ المَقصودَ بالرهنِ الوَفاءُ مِنْ ثَمنِ المَرهونِ عند التَّلفِ، وهذا المَوقوفُ لو تَلفَ بلا تَعدٍّ ولا تَفريطٍ لم يضمَنْ (١). وقالَ في «العُبَاب»: لو شرَطَ في وَقفِ كِتابٍ مثلًا ألا يُعارَ إلا برَهنٍ اتُّبعَ شَرطُه، فلو تَلفَ الكِتابُ مع المُستعيرِ بلا تَفريطٍ لم يَضمنْه، ويَرجعُ في رَهنِه (٢). وقد ذكَرَ الحَنفيةُ بعضَ الأمثِلةِ لصِحَّةِ الوَقفِ مع بُطلانِ الشَّرطِ منها: أ- شَرطُ الواقفِ العَزلَ والنَّصبَ وسائِرَ التَصرُّفاتِ لمن يَتولَّى مِنْ أولادِه ولا يُداخِلُهم أحَدٌ مِنْ القُضاةِ والأُمراءِ، وإنْ داخَلوهُم فعليهِم لَعنةُ اللهِ، فهذا شَرطٌ فاسِدٌ. قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: وفي مَعرُوضاتِ المُفتي أبي السُّعودِ: لو شرَطَ الواقِفُ العَزلَ والنَّصبَ وسائرَ التَّصرفاتِ لمن يَتولَّى مِنْ أولادِه ولا يُداخِلُهم أحَدٌ مِنْ القُضاةِ والأمَراءِ، وإنْ داخَلوهُم فعليهِم لَعنةُ اللهِ، هل يُمكِنُ مُداخَلتُهم؟

стр. 6673

فأجابَ بأنه في سَنةِ أربَعٍ وأربَعينَ وتِسعِمائةٍ قد حُرِّرتْ هذه الوَقفيَّاتُ المَشروطةُ هكذا، فالمُتولُّونَ لو مِنْ الأُمراءِ يَعرِضونَ للدَّولةِ العَليَّةِ على مُقتضَى الشرعِ ومَن دونَهُم رُتبةً يَعرِضُ بآرائِهِم مع قُضاةِ البِلادِ على مُقتضَى المَشروعِ مِنْ المَوادِّ، لا يُخالِفُ القُضاةُ المُتولِّينَ ولا المُتولُّونَ القُضاةَ، بهذا ورَدَ الأمرُ الشَّريفُ، فالواقِفونَ لو أرادُوا أيَّ فَسادٍ صدَرَ يَصدُرُ وإذا داخَلَهم القُضاةُ والأُمراءُ فعليهِم اللَّعنةُ فهُمُ المَلعونُونَ؛ لِما تَقرَّرَ أنَّ الشَّرائطَ المُخالِفةَ للشرعِ جَميعُها لَغوٌ وباطِلٌ. انتهى، فلْيُحفَظْ (١). ب- لو شرَطَ الواقفُ ألا يَعزِلَ السُّلطانُ أو القاضي الناظرَ على الوَقفِ فله عَزلُ غَيرِ الأَهلِ، حتى لو كانَ هو الناظِرَ بأنْ شرَطَهُ لنَفسِه فله عَزلُه، ويَنزِعُه لو كانَ خائِنًا، كما نَصَّ على ذلكَ الحَنفيةُ (٢). ج- وقالَ الحَنفيةُ أيضًا: إذا شرَطَ الواقفُ ألا يَكونَ للقاضي أو السُّلطانِ كلامٌ على هذا الوَقفِ أنه شَرطٌ باطِلٌ، وللقاضي الكَلامُ؛ لأنَّ نظَرَه أعلَى، وهذا شَرطٌ فيهِ تَفويتُ المَصلحةِ للمَوقوفِ عليهم وتَعطيلٌ للوَقفِ، فيَكونُ شَرطًا لا فائِدةَ فيهِ للوَقفِ ولا مَصلحةَ، فلا يُقبَلُ، فإذا رَأى القاضي أنْ يَضُمَّ إليهِ مُشارِكًا يَجوزُ له ذلكَ، كالوَصيِّ إذا ضَمَّ إليه غيْرَه حيثُ يَصحُّ (٣).

стр. 6674

ومِن أمثِلةِ ذلكَ عندَ المالِكيةِ ما يَلي: أ- إذا اشتَرطَ الواقفُ إصلاحَ الوَقفِ على مُستحِقِّه، كمَن حَبسَ دارًا على رَجلٍ ووَلدِه ووَلدِ وَلدِه واشتَرطَ على الذي حَبسَ عليه إصلاحَ ما يَرِثُّ منها مِنْ مالِه لم يَصحَّ الشَّرطُ؛ لأنَّ هذا كِراءٌ مَجهولٌ؛ إذْ لا يَدري بكم يَكونُ الإصلاحُ، والوَقفُ صحيحٌ؛ لأنَّ البُطلانَ مُنصَبٌّ على الشرطِ لا على الوَقفِ، ولأنه قد فاتَ في سَبيلِ اللهِ، وتَكونُ مَرمَّتُها وإصلاحُها مِنْ غلَّةِ الوَقفِ (١). ب- ومَن وقَفَ أرضًا مثلًا عليها تَوظيفٌ واشتَرطَ أنْ يُؤخذَ ذلكَ التَّوظيفُ مِنْ المُحبَّسِ عليه لا مِنْ غلَّتِه، فإنَّ الشَّرطَ يكونُ باطِلًا والوَقفُ صَحيحٌ، وأمَّا لو شرَطَ أنَّ مَرمَّتَها مِنْ غلَّتِها وأنَّ ما عليها مِنْ التَّوظيفِ مِنْ غلَّتِها فإنَّ ذلكَ جائِزٌ، وهو المَشهورُ. وقيلَ: لا يَجوزُ. ولو اشتَرطَ أنه يَصرفُه ممَّا يَتحصَّلُ مِنْ الغلَّةِ فالظاهرُ أنه لا خِلافَ في الجَوازِ (٢). ج- إذا شرَطَ الواقفُ عدَمَ البِدايةِ بإصلاحِ ما انثَلَمَ مِنْ الوَقفِ أو يُتركَ

стр. 6675

الإنفاقُ عليه إنْ كانَ حَيَوانًا، وإنَّما يُبدأُ مِنْ غلَّتِه بمَنافعِ أهلِه، فلا يَجوزُ اتِّباعُ شَرطِ الواقفِ؛ لأنه يُؤدِّي إلى بُطلانِ الوَقفِ مِنْ أصلِه، فيَصحُّ الوَقفُ ويَبطلُ الشَّرطُ، وكذلكَ كلُّ ما أدَّى مِنْ الشُّروطِ إلى ذلكَ فإنه لا يُوفى به، بل يُبدأُ بمَرمَّةِ الوَقفِ وإصلاحِه والنَّفقةِ عليه؛ لأنَّ في ذلكَ البَقاءَ لعَينِه والدَّوامَ لمَنفعتِه (١). ومِن أمثِلتِه عندَ الشافِعيةِ في مُقابِلِ الصَّحيحِ كما تقدَّمَ في القِسمِ الأولِ ما يَلي: أ - لو وقَفَ شيئًا بشَرطِ الخِيارِ لنَفسِه في إبقاءِ وَقفِه والرُّجوعِ فيه متى شاءَ، أو شرَطَ لغيرهِ أو شرَطَ عَوْدَه إليهِ بوَجهٍ ما، كأنْ شرَطَ أنْ يَبيعَه أو شرَطَ أنْ يُدخِلَ مَنْ شاءَ ويُخرِجَ مَنْ شاءَ مِنْ غيرِ أهلِه، أو في تَغييرِ شيءٍ منه بوَصفٍ أو زيادةٍ أو نَحوِ ذلكَ بطَلَ الشَّرطُ وصَحَّ الوَقفُ، كما لو طلَّقَ على أنْ لا رَجعةَ له، وكما في حَديثِ العُمرَى أنه ﷺ قالَ: «أَمسِكوا عَليكُم أموالَكُم ولا تُفسِدوها، فإنه مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهي للَّذي أُعمِرَها حَيًّا ومَيِّتًا ولعَقِبِه» (٢)، فإنه ﷺ جعَلَها للذي أُعمِرَها في حَياتِه ولوَرثتِه مِنْ بَعدِ مَوتِه، فأزالَ مِلكَ المُعمِرِ وأبطَلَ شرْطَه (٣).

стр. 6676

ب- لو وقَفَ على وَلدِه وشرَطَ أنْ يَرجعَ إليهِ إذا ماتَ صَحَّ الوَقف وبطَلَ الشَّرطُ عند الشافِعيةِ كالعُمرَى (١). وأمَّا الحَنابلةُ فقالوا: الشُّروطُ إنَّما يَلزمُ الوَفاءُ بها إذا لم تُفضِ إلى الإخلالِ بالمَقصودِ الشَّرعيِّ، ولا تَجوزُ المُحافَظةُ على بَعضِها مع فَواتِ المَقصودِ الشَّرعيِّ بها. ومِن أمثِلةِ صحَّةِ الوَقفِ وإبطالِ الشَّرطِ عندَ الحَنابلةِ ما يَلي: أ- إنْ خَصَّصَ الإمامةَ في المَسجدِ أو الرِّباطِ أو المَدرسةِ أو الخَطابةَ بشَخصٍ مُخالِفًا لصَريحِ السُّنةِ أو مُخالِفًا لظاهِرِها، سَواءٌ كانَ خِلافُه لعَدمِ الاطِّلاعِ على السُّنةِ أو لتَأويلٍ ضَعيفٍ؛ إذ لا يَجوزُ اشتِراطُ مِثلِ هذا. ب- وإنْ خصَّصَ المُصلِّينَ في المَسجدِ ونَحوِه بمَذهبٍ لم يَختَصَّ بهم؛ لأنَّ إثباتَ المَسجديةِ يَقتضِي عدَمَ الاختِصاصِ كما في «التَّحرير»، فاشتِراطُ التَّخصيصِ يُنافيهِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ. وفي قَولٍ: يَصحُّ وتَختصُّ بهم على الأشبَهِ؛ لاختِلافِ المَذاهبِ في أحكامِ الصَّلاةِ، ويَصيرُ كما لو كانَ مَدرسةً أو رِباطًا. ج- مَنْ شرَطَ في القُرباتِ أنْ يُقدَّمَ فيها الصِّنفُ المَفضولُ فقدْ شرَطَ خِلافَ شَرطِ اللهِ، كشَرطِه في الإمامةِ تَقديمَ غيرِ الأعلَمِ.

стр. 6677

د- إذا شرَطَ الواقِفُ أنْ يَنزِلَ في وَقفِه فاسِقٌ، سَواءٌ كانَ فِسقُه بظُلمِه الخَلْقَ وتَعدِّيهِ عليهم بقَولِه وفِعلِه مِنْ نحوِ سَبٍّ أو ضَربٍ، أو كانَ فِسقُه بتَعدِّيهِ حُدودَ اللهِ فلا يَصحُّ الشَّرطُ. هـ- لو صرَّحَ الواقفُ في وَقفِه أنَّ للناظِرِ أنْ يَفعلَ ما يَشاءُ بهَواهُ مُطلَقًا أو ما يَراهُ مُطلَقًا فالشَّرطُ فاسِدٌ؛ لمُخالَفتِه الشرعَ، وعلى الناظِرِ بَيانُ المَصلحةِ، فيَتثبَّتُ ويَتحرَّى فيها ويَعملُ بما ظهَرَ له أنه مَصلحةٌ. وإذا شرَطَ الواقفُ في استِحقاقِ رَيعِ الوَقفِ العُزوبةَ فالمُتأهِّلُ أحَقُّ مِنْ المُتعزِّبِ إذا استَويَا في سائِرِ الصِّفاتِ (١). القِسمُ الثالثُ: شُروطٌ صَحيحةٌ يَجبُ اتِّباعُها: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنه يَجبُ مُراعاةُ شُروطِ الواقفِ إذا كانَتْ صَحيحةً ولم تُخالِفِ الشَّريعةَ الإسلاميةَ أو مُقتضَى عَقدِ الوَقفِ؛ لأنه مالكٌ، فله أنْ يَجعلَ مالَه حَيثُ شاءَ ما لم يَكنْ مَعصيةً، وله أنْ يَخُصَّ صِنفًا مِنْ الفُقراءِ ولو كانَ الوَضعُ في كُلِّهم قُربةً، ولأنَّ عُمرَ ﵁ وقَفَ وَقفًا وشرَطَ فيهِ شُروطًا، ولو لم يَجبِ اتِّباعُ شَرطِه لم يَكنْ في اشتِراطِه فائِدةٌ، ولِما رَوى البُخاريُّ (٣٤): بابٌ: إذا وقَفَ أرضًا أو بِئرًا واشتَرطَ لنَفسِه مثلَ دِلاءِ المُسلمينَ، وأوقَفَ أنَسٌ دارًا فكانَ إذا قَدِمَها نزَلَها، وتَصدَّقَ الزُّبيرُ بدُورِه وقالَ للمَردودةِ مِنْ بَناتِه أنْ تَسكُنَ غيرَ مُضرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ

стр. 6678

استَغنَتْ بزَوجٍ فليسَ لها حقٌّ، وجعَلَ ابنُ عُمرَ نَصيبَه مِنْ دارِ عُمرَ سُكنى لذَوي الحاجةِ مِنْ آلِ عبدِ اللهِ. فهذه كلُّها شُروطٌ لو لم تَكنْ صَحيحةً وجائِزةً ويَجبُ اتِّباعُها لم يَكنْ في اشتراطِهم لها فائِدةٌ (١). وشُروطُ الواقفِ في الغالِبِ تَرجعُ إلى تَوزيعِ وتَقسيمِ رَيعِ الوَقفِ وبَيانِ المُستحِقِّينَ وصِفاتِهم، وزَمنِ الاستِحقاقِ ومِقدارِ ما يُعطى والتَّسوِيةِ والتَّفضيلِ، وغَيرِها مِنْ الشُّروطِ التي هِي مِنْ قَبيلِ هذا النوعِ، فيَجبُ الرُّجوعُ إلى شَرطِه في هذا؛ لِما تقدَّمَ. وفيما يَلي بَيانُ بَعضِ الأمثِلةِ مِنْ هذا القِسمِ: ١ - تَقديمُ بَعضِ أهلِ الوَقفِ أو شَخصٍ مُعيَّنٍ على غيرِه أو تَخصيصُ شيءٍ مُعيَّنٍ له: نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الواقِفَ إذا شرَطَ أنْ يُبدأَ مِنْ غَلَّةِ

стр. 6679

الوَقفِ على شَخصٍ مُعيَّنٍ قبل غَيرِه أو على الأقرَبِ فالأقربِ مِنْ فُقراءِ قَرابتِي أو شرَطَ أنْ تَكونَ غلَّةُ السَّنةِ الأُولى إلى قَومٍ وغلَّةُ السَّنةِ الثانيةُ إلى قَومٍ فيَجبُ العَملُ بشَرطِه. قالَ الحَنفيةُ: لو شرَطَ الواقِفُ أنْ تُعطى غلَّةُ الوَقفِ لأقرَبِ الناسِ إليه نَسبًا أو رَحِمًا، الأقربِ فالأقربِ، أو قالَ: «الأدنَى فالأدنَى»، قالَ الحَسنُ في رَجلٍ أَوصَى بثُلثِ مالِه للأحوَجِ فالأحوَجِ مِنْ قَرابتِه وكانَ في قَرابتِه مَنْ يَملكُ مِائةَ دِرهمٍ مثلًا وفيهم مَنْ يَملكُ أقَلَّ منها، أنه يُعطَى ذو الأقَلِّ إلى أنْ يَصيرَ مَعهُ مِائةٌ، ثم يُقسَّمُ الباقي بينَهُم جَميعًا بالسَّويةِ، قالَ الخَصَّافُ ﵀: والوَقفُ عِندي بمَنزلةِ الوَصيةِ، ولو قالَ: «على أنْ يُبدأَ بالأقرَبِ فالأقربِ مِنْ فُقراءِ قَرابتِي فيُعطَى مِنْ الغَلَّةِ ما يُغنيهِ» يُعطَى الأقرَبُ مِنهم مِائتَي دِرهمٍ، ثمَّ الذي يَليهِ كذلكَ إلى آخِرِ البُطونِ، وإنْ فضَلَ شيءٌ يَكونُ بينَهُم، وإنْ قَصُرَتِ الغلَّةُ يُبدأُ بالبَطنِ الأعلى فيُعطَى كلُّ واحِدٍ نِصابًا ثَمَّ، وثُمَّ كذلكَ إلى أنْ تَنتهيَ الغَلةُ، صَحَّ الوَقفُ، وتُصرَفُ الغَلةُ على ما شرَطَ. ولو قالَ: «على أنْ يُبدأَ بأقربِهم إليَّ نَسبًا أو رَحِمًا» فيُعطى مِنْ غَلةِ هذا الوَقفِ في كُلِّ سَنةٍ ألفَ دِرهمٍ، ثمَّ يُعطى مَنْ يَليهِ في كلِّ سَنةٍ تِسعَمائةِ دِرهمٍ، ثمَّ مَنْ يَليهِ في كُلِّ سَنةٍ ثَمانَمائةِ دِرهمٍ، وعلى نِسبةِ هذا النَّقصِ إلى آخِرِ البُطونِ، يُصرَفُ للبَطنِ الأعلى ألفٌ ثَمَّ، وثُمَّ على ما شرَطَ إلى أنْ تَنتهيَ الغَلةُ، ثمَّ يُحرَمُ مَنْ لم يَفضلْ له شيءٌ، ومَهما زادَ مِنْ الغَلةِ عمَّا قالَ الواقفُ يَكونُ للمَساكينِ؛ لاستيفاءِ الأقارِبِ ما سُمِّيَ لهم، ولو قالَ: «على فُقراءِ

стр. 6680

قَرابتي الأقربِ فالأقربِ» يُبدأُ بأقربِهم إليهِ بَطنًا فيُعطَى كلُّ واحِدٍ مِائتَي دِرهمٍ، ثُمَّ يُعطَى الذي يَليهِ كذلكَ حتى تَفرغَ الغَلةُ، وهذا استِحسانٌ، وفي القِياسِ تُعطَى الغَلةُ كلُّها للبَطنِ الأقرَبِ منه، ولا يُعطَى لمَن بعدَه شيءٌ حتى يَنقرضَ الأقربُ، ذكَرَه هِلالٌ (١). ولو قالَ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ أبَدًا على زَيدٍ وعَمرٍو ما عاشَا ومِن بَعدِهما على المَساكينِ، على أنْ يُبدأَ بزَيدٍ فيُعطى مِنْ غلَّةِ هذه الصَّدقةِ في كلِّ سَنةٍ ألفَ دِرهمٍ، ويُعطَى عَمرٌو قُوتَه لسَنةٍ» جازَ الوَقفُ، ويُبدأُ بزَيدٍ فيُدفعُ إليهِ ألفٌ، ثمَّ يُعطَى عَمرٌو قُوتَه لسَنةٍ، ومَهما فَضلَ كانَ بينَهُما نِصفَينِ؛ لجَمعِه إيَّاهُما أولًا بقَولِه: «على زَيدٍ وعَمرٍو»، ولو لم يَزِدْ عليه لَكانَ الكلُّ بينَهُما أنصافًا، فلمَّا فَصَّلَ في البَعضِ عُمِلَ به فيه، فإنْ لم تَفِ الغَلة بما قالَ يُقدَّمُ زيدٌ ثمَّ إنْ فضَلَ عنه شيءٌ يَدفعُ إلى عَمرٍو، وإلا فلا شيءَ له. وإنْ جَاءتِ الغَلةُ بعدَ مَوتِ زَيدٍ وكانَتْ ثَلاثةَ آلافٍ مثلًا، وقُوتُ عَمرٍو يَعدلُ ألفًا مثلًا، دُفِعَ إليهِ ألفٌ لقُوتِه ثمَّ خَمسُمائةٍ أُخرَى تَكملةً لنِصفِ الغَلةِ، كما لو كانَ زيدٌ حَيًّا وفضَلَ مِنْ الغلةِ شيءٌ، والباقي للمَساكينِ، ولو ماتَ عمرٌو وبَقيَ زيدٌ كانَ الحُكمُ كذلكَ، يأخذُ ألفًا وخَمسَمائةٍ والباقي للمَساكينِ ولو لم يَجمعْ بينَهُما أولًا بأن قالَ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ أبدًا، يُبدأُ بزَيدٍ فيُعطَى مِنْ الغَلةِ ألفًا ثم يُعطَى عمرٌو قُوتَه لسَنةٍ»

стр. 6681

فَجاءتِ الغلةُ ثلاثةَ آلافٍ وكانَ قوتُ عَمرٍو يَعدلُ ألفًا مثلًا يُعطَى كلُّ واحِدٍ منهما ألفًا، والألفُ الأُخرى للمَساكينِ؛ لتَعيينِه لكلِّ واحِدٍ منهُما قَدرًا مُعيَّنًا، ولو قالَ: «على زيدٍ وعمرٍو وبَكرٍ يُبدأُ بزَيدٍ فتَكونُ الغلةُ له أبَدًا ما عاشَ، ثُمَّ لعَمرٍو كذلكَ، ثم لبَكرٍ كذلكَ» يَنفذُ وَقفُه على ما قالَ مِنْ تَقديمِ بَعضٍ على بَعضٍ، ثمَّ إذا انقَرَضوا تَكونُ الغَلةُ للمَساكينِ. ولو قالَ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ أبدًا على زَيدٍ وعَمرٍو ما عاشَا، لزَيدٍ مِنْ غلَّتِها في كلِّ سَنةٍ ألفُ دِرهمٍ، ولعَمرٍو مِائتانِ» فَجاءتِ الغَلةُ ألفًا تُقسَمُ بينَهُما أسداسًا، لزَيدٍ خَمسةُ أسداسٍ لضَربِه بكلِّ الألفِ، ولعَمرٍو سُدسٌ لضَربِه بمِائَتينِ، ولو قالَ: «لزَيدٍ نِصفُها ولعَمرٍو ثُلثاها» تُقسَمُ الغَلةُ على سَبعةِ أسهُمٍ، لزَيدٍ ثلاثةٌ ولعَمرٍو أربَعةٌ، ولو قالَ: «لزيدٍ نِصفُها ولعَمرٍو ثُلثُها» قُسِمَتِ الغلةُ على اثنَي عشَرَ سَهمًا، سَبعةٌ منها لزَيدٍ وخَمسةٌ لعَمرٍو؛ لأنَّ صاحِبَ النِّصفِ يأخذُ ستةَ أسهُمٍ مِنْ اثنَي عشرَ، وصاحِبُ الثلثِ يَأخذُ منها أربعةً، ويَبقى سَهمانِ لم يَقُلِ الواقفُ فيهما شيئًا فيَكونانِ بينَهُما نِصفَينِ، وإنَّما كانا بينَهُما ولم يَكونا للمَساكينِ لجَعلِه كلَّ الغَلةِ لهما في أولِ كَلامِه، ولو اقتَصرَ على ذلكَ لَكانَتْ كلُّها أنصافًا، ولكنْ لمَّا فصَّلَ عُمِلَ به أيضًا، ألَا تَرى لو قالَ: «تَجرِي غلتُها في كلِّ سَنةٍ على فُلانٍ وفُلانٍ، لفُلانٍ مِنْ ذلكَ الثلثُ» وسكَتَ عن فُلانٍ الآخرِ أنَّ الباقيَ يَكونُ له، أصلُه قَولُه تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، ولو قالَ: «تَجري غَلتُها في كلِّ سَنةٍ على زيدٍ وعَمرٍو لزَيدٍ مِنْ ذلكَ مِائةُ دِرهمٍ» وسكَتَ عن الباقي يَكونُ

стр. 6682

لزَيدٍ مِائةٌ في كُلِّ سَنةٍ ويَكونُ الباقي منها لعَمرٍو، فإنْ جاءَتِ الغَلةُ مِائةً فقط كانَتْ لزَيدٍ ولا شيءَ لعَمرٍو (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا شرَطَ الواقفُ في كِتابِ وَقفِه أنه يُبدأُ بفُلانٍ مِنْ المُستحِقِّينَ بكذا مِنْ غلةِ الوَقفِ ثمَّ يُقسَمُ الباقي على البَقيةِ، أو إعطائِه كلَّ شَهرٍ مثلًا كذا فيُعطَى ذلكَ القَدرَ مُبدأً على غيرِه، ويُقضَى له عن الأولِ مِنْ الثاني بأنْ يُعطَى له عن العامِ الأولِ مِنْ غَلَّةِ العامِ الثاني، وكذا بعَكسِه بأنْ لم يُوجَدْ في ثاني عامٍ غلةٌ فيُعطَى مِنْ فاضِلِ غلةِ العامِ الأولِ إنْ لم يَقلْ: «مِنْ غَلةِ كلِّ عامٍ»، فإنْ قالَ: «مِنْ غَلةِ كلِّ عامٍ» وجاءَتْ سَنةٌ لم يَحصلْ فيها شيءٌ فلا تَبدئةَ ولا قَضاءَ، ولا يُعطَى مِنْ رَيْعِ المُستقبَلِ عنِ الماضي إذا لم يَفِ بحَقِّه؛ لأنه أضافَ الغَلة إلى كلِّ عامٍ. وحاصِلُه أنه إذا أضافَ الغَلةَ للوَقفِ أو لضَميرِه ولم يَحصلْ في عامٍ ما يُعطَى منه أو ما يَفِي له بحَقهِ وحصَلَ في عامٍ آخَرَ ما يُعطَى منه حقَّه أو ما يَفي بحَقِّهِ بعد إعطاءِ ما يَستحِقُّه في العامِ الآخَرِ فإنه يُعطَى ما لم يَحصلْ له في غَيرِه، وأمَّا إنْ أضافَ لفْظَ «غَلة» إلى كُلِّ عامٍ فإنه لا يُعطَى مِنْ رَيعِ عامٍ عن عَامٍ غَيرِه (٢).

стр. 6683

وقالَ الشافِعيةُ: لو شرَطَ صرْفَ غَلةِ السَّنةِ الأُولى إلى قَومٍ وغَلةِ السَّنةِ الثانيةِ إلى آخَرينَ وهكذا ما بَقُوا اتُّبعَ شَرطُه (١). وقالَ الحَنابلةُ: يُرجَعُ إلى شَرطِ الواقِفِ في تَقديمٍ، كالبدَاءةِ ببَعضِ أهلِ الوَقفِ دونَ بَعضٍ، نَحو: «وَقَفتُ على زَيدٍ وعَمرٍو وبَكرٍ ويُبدأُ بالدَّفعِ إلى زَيدٍ، أو وَقَفتُ على طائِفةِ كذا ويُبدأُ بالأصلَحِ أو الأفقَهِ أو المَريضِ أو الفَقيرِ» ونحوِه فيُرجَعُ إلى ذلكَ. ويُرجَعُ أيضًا إلى شَرطِه في تَأخيرٍ، وهو عَكسُ التَّقديمِ ك: «وَقَفتُ على زَيدٍ وعَمرٍو وبَكرٍ ويُؤخَّرُ زَيدٌ، أو وَقَفتُ على طائفةِ كذا ويُؤخَّرُ بَطيءُ الفَهمِ» ونَحوه (٢). ٢ - التَّسويَةُ أو التَّفضيلُ بينَ أهلِ الوَقفِ: ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ إلى أنه يَجوزُ للواقِفِ أنْ يَشترطَ في وَقفِه التَّسويةَ في الاستِحقاقِ بينَ المَوقوفِ عليهم أو تَفضيلِ بَعضِهم على بَعضٍ ذُكورًا كانوا أو إناثًا، صِغارًا كانوا أو كِبارًا. قالَ الحَنفيةُ: لو قالَ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ على بَني فلانٍ، على أنَّ لي أنْ أُفضِّلَ مَنْ شِئتُ مِنهم» وماتَ قبلَ أنْ يُفضِّلَ بَعضَهم على بَعضٍ

стр. 6684

كانَتِ الغَلةُ بينَهُم على السَّويةِ؛ لعَدمِ اتِّصالِ التَّفضيلِ بأحَدٍ مِنهم، فإنْ قالَ: «فضَّلتُ فُلانًا فجَعلتُ له كلَّ الغَلةِ» لم يَصحَّ؛ لأنه تَخصيصٌ وليسَ بتَفضيلٍ، ولا بدَّ أنْ يُعطيَ لكلِّ واحِدٍ مِنهم شيئًا ثمَّ يَزيدُ مَنْ شاءَ مِنهم بما شاءَ مِنْ قَليلٍ أو كَثيرٍ مُطلَقًا أو مدَّةً مُعيَّنةً، ولو زادَ وقالَ: «على بَنِي فُلانٍ ونَسلِهم» وفضَّلَ واحِدًا مِنهم وولَدَه ونَسلَه أبَدًا ما تَناسَلوا جازَ، وكانَ ذلكَ له ولنَسلِه أبَدًا، وليسَ له الرُّجوعُ فيهِ؛ لأنَّ التَّفضيلَ يَلتحقُ بأصلِ الوَقفِ بسَببِ اشتِراطِه فيهِ، ولو فضَّلَ واحِدًا بنِصفِ غَلةٍ سَنةً مثلًا جازَ، ويَكونُ أُسوةَ شُركائِه فيما يَحدثُ بعدَها، وتَعودُ مَشيئةُ التَّفضيلِ إليه. ولو قالَ: «فضَّلتُ فُلانًا على إخوَتِه بنِصفِ الغَلةِ» وكانوا ثَلاثةً استَحقَّ المُفضَّلُ ثُلثَيها وأخواهُ ثُلثَها؛ لأنَّ النِّصفَ صارَ له بالتَّفضيلِ والنِّصفُ الآخَرُ يُقسَمُ بينَهُم أثلاثًا؛ لتَساويهِم فيهِ، فيَكونُ لكلٍّ سُدسٌ، والنِّصفُ مع السُّدسِ ثُلثانِ (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا قالَ الواقفُ: «دارِي وَقفٌ على أولادي» ولم يُبيِّنْ تَفضيلَ أحَدٍ على أحَدٍ فيَجبُ التَّسويَةُ بينَ الذَّكرِ والأُنثى في المَصرِفِ، فإنْ بيَّنَ شيئًا بأنْ فضَّلَ الأُنثى على الذَّكرِ أو الذَّكرَ على الأُنثى عُمِلَ به (٢).

стр. 6685

وقالَ الشافِعيةُ: يُراعَى شَرطُ الواقفِ في الأقدارِ وصِفاتِ المُستحِقِّينَ وزَمنِ الاستِحقاقِ، فإذا وقَفَ على أولادِه وشرَطَ التَّسويةَ بينَ الذَّكرِ والأُنثى أو تَفضيلَ أحَدِهما اتُّبعَ (١). وقالَ الحَنابلةُ: يُرجَعُ إلى شَرطِ الواقفِ في قَسمِه على المَوقوفِ عليه في التَّسويةِ، بأنْ يَجعلَ الرَّيعَ بينَ أهلِ الوَقفِ مُتساوِيًا، كقَولِه: «الذَّكرُ والأُنثى سَواءٌ» ونَحوِه. ويُرجَعُ أيضًا إلى شَرطِه في التَّفضيلِ بأنْ يَجعلَه بينَهُم مُتفاوِتًا، كقولِه: «للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيينِ» ونحوِه. وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا فضَّلَ بعضَهم على بَعضٍ فهو على ما قالَ، فلو قالَ: «وَقَفتُ على أولادي وأولادِ أولادي على أنَّ للذَّكرِ سَهمَينِ وللأُنثى سَهمًا، أوْ للذَّكرِ مثلُ حَظِّ الأُنثَيينِ، أو على حَسبِ مِيراثِهم، أو على حَسبِ فرائِضِهم، أو بالعَكسِ مِنْ هذا، أو على أنَّ للكَبيرِ ضِعفَ ما للصَّغيرِ، أو للعامِلِ ضِعفَ ما للجاهِلِ، أو للعائِلِ ضِعفَ ما للغَنيِّ» أو عكسَ ذلكَ، أو عيَّنَ بالتَّفضيلِ واحِدًا مُعيَّنًا أو ولَدَه أو ما أشبَهَ هذا، فهو على ما قالَ؛ لأنَّ ابتِداءَ الوَقفِ مُفوَّضٌ إليه، فكذلكَ تَفضيلُه وتَرتيبُه (٢).

стр. 6686

٣ - تَخصيصُ الوَقفِ على أهلِ مَذهَبٍ مُعيَّنٍ أو جِهةٍ مُعيَّنةٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الواقِفَ لو شرَطَ في وَقفِه أنَّ رَيعَ وَقفِه أو السَّكنَ فيه يَكونُ لأهلِ مَذهبٍ مُعيَّنٍ مِنْ المَذاهبِ الأربَعةِ مثلًا اختَصَّ بهم، ولا يُدخلُ فيه غَيرُهم، ومَن خرَجَ عنه خرَجَ مِنْ الوَقفِ والاستِحقاقِ. قالَ الحَنفيةُ: لو عيَّنَ الواقفُ مَذهبًا مِنْ المَذاهبِ وشرَطَ أنه إنِ انتَقلَ عنه خرَجَ اعتُبِرَ شَرطُه، فلو شرَطَ في الوَقفِ أنَّ كلَّ مَنْ انتَقلَ مِنْ مَذهبِ أبي حَنيفةَ ﵀ خرَجَ مِنْ الوَقفِ فهو على ما شرَطَ، فلو خرَجَ واحِدٌ مِنهم إلى مَذهبِ الشافِعيِّ ﵀ خرَجَ مِنْ الوَقفِ، ولو ادَّعى بَعضُهم على بَعضٍ أنه انتَقلَ مِنْ مَذهبِ أبي حَنيفةَ إلى مَذهبِ الشافِعيِّ وأنكَرَ ذلكَ المُدَّعى عليه فالقَولُ في ذلكَ قَولُه، وعلى المُدَّعِي بيِّنةٌ على ذلكَ. ولو وقَفَ على أولادِه وشرَطَ أنَّ مَنْ انتَقلَ إلى مَذهبِ المُعتزلةِ صارَ خارِجًا فانتقلَ مِنهم واحِدٌ صارَ خارِجًا، فإنِ ادَّعَى على واحِدٍ مِنهم بأنه صارَ مُعتزليًّا فالبيِّنةُ على المُدَّعِي والقَولُ للمُنكِرِ. وكذا لو كانَ الواقفُ مِنْ المُعتزلةِ وشرَطَ أنَّ مَنْ انتَقلَ إلى مَذهبِ أهلِ السُّنةِ صارَ خارِجًا اعتُبِرَ شَرطُه، ولو شرَطَ أنَّ مَنْ انتَقلَ مِنْ مَذهبِ أهلِ السُّنةِ إلى غَيرِه فصارَ خارِجيًّا أو رَافِضيًّا خرَجَ، فلو ارتَدَّ -والعِياذُ باللهِ تعالى- عن الإسلامِ خرَجَ، المَرأةُ والرَّجلُ سواءٌ.

стр. 6687

فلو شرَطَ أنَّ مَنْ خرَجَ مِنْ مَذهبِ الإثباتِ إلى غَيرِه خرَجَ، فخرَجَ واحِدٌ ثم عادَ إلى مَذهبِ الإثباتِ لا يَعودُ إلى الوَقفِ؛ لأنَّ مَذهبَ أهلِ الإثباتِ الإسلامُ والقَولُ بشَرائعِ الإسلامِ، فمَن خرَجَ عنه فقدْ ترَكَ الإسلامَ وشَرائعَه، والإثباتُ مِنْ شَرائِعِه، ولو رجَعَ إلى الإثباتِ بعدَما خرَجَ منه لا يَرجعُ إليهِ الوَقفُ، إلا أنْ يَكونَ الواقفُ شرَطَ أنَّ مَنْ رجَعَ إلى الإثباتِ رجَعَ حقُّه، بخِلافِ ما لو وقَفَ على مَنْ يَسكنُ بَغدادَ مِنْ فُقراءِ قَرابتِه فانتَقلَ منها بَعضُهم وسكَنَ الكُوفةَ ثم عادَ إليها وسكَنَ فإنه يَعودُ حقُّه؛ لأنَّ النَّظرَ هاهُنا إلى حالِهم يومَ قِسمةِ غَلةِ الوَقفِ، ألَا تَرى أنه لو وقَفَ على فُقراءِ قَرابتِه وكانَ فيهم فُقراءُ وأغنِياءُ تَكونُ الغَلَّةُ للفُقراءِ، ثُمَّ لو افتَقرَ الأغنياءِ واستَغنى الفُقراءُ تَكونُ الغَلةُ لمَن افتَقرَ دونَ مَنْ استَغنَى، ولو لم يُنظَرْ إلى حالِهم يومَ القِسمةِ لَربَّما لَزمَ دَفعُ الغَلةِ إلى الأغنياءِ دونَ الفُقراءِ، وإنه لا يَجوزُ؛ لكَونِه خِلافَ شَرطِ الواقفِ، ولو كانَ بعضُ قَرابتِه ساكِنًا في الكُوفةِ وقتَ الوَقفِ ثم انتَقلَ وسكَنَ بَغدادَ استَحقَّ مِنْ الغَلةِ (١). وقالَ المالِكيةُ: لو شرَطَ الواقِفُ تَخصيصَ مَذهبٍ مِنْ المَذاهبِ الأربَعةِ بصَرفِ غلَّتِه عليه أو بالتَّدريسِ في مَدرستِه فيُتَّبعُ شَرطُه وُجوبًا، ولا يَجوزُ العُدولُ عنهم لغَيرِهم (٢).

стр. 6688

وقالَ الشافِعيةُ: يُراعَى شَرطُ الواقفِ، فلو وقَفَ على العُلماءِ بشَرطِ كَونِهم على مَذهبِ فُلانٍ، أو على الفُقراءِ بشَرطِ الغُربةِ أو الشَّيخوخةِ اتُّبعَ شَرطُه، كالمَدرسةِ والرِّباطِ والمَقبرةِ إذا خصَّصَها بطائفةٍ فإنها تَختصُّ بهم؛ لعَودِ النَّفعِ إليهِم. ولو شرَطَ في مُدرِّسٍ كَونَه شافِعيًّا فلا يَجوزُ تَوليةُ ذلكَ التَّدريسِ لغيرِ شافِعيٍّ، ولا يَجوزُ تَدريسُ غَيرِه أيضًا في مَكانٍ خصَّصَه به (١). وقالَ الحَنابلةُ: إنْ خصَّصَ الواقفُ المَدرسةَ بأهلِ مَذهبٍ كالحَنابلةِ أو الشافِعيةِ تَخصَّصتْ، أو خصَّصَ المَدرسةَ بأهلِ بَلدٍ أو خصَّصَها بقَبيلةٍ تَخصَّصتْ، وكذلكَ الرِّباطُ والخانِقاهُ كالمَقبرةِ إذا خصَّصَها بأهلِ مَذهبٍ أو بَلدٍ أو قَبيلةٍ تَخصَّصتْ؛ إعمالًا للشَّرطِ، إلا أنْ يَقعَ الاختِصاصُ بنَقلةِ بِدعةٍ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا فضَّلَ بعضَهم على بَعضٍ فهو على ما قالَ، فلو قالَ: «وَقَفتُ على أولادي وأولادِ أولادي على أنَّ للذَّكرِ سَهمَينِ وللأُنثى سَهمًا، أو للذَّكرِ مثلُ حَظِّ الأُنثَيينِ، أو على حَسبِ ميراثِهم، أو على حَسبِ فَرائضِهم، أو بالعَكسِ مِنْ هذا، أو على أنَّ للكَبيرِ ضِعفَ ما للصَّغيرِ، أو للعامِلِ ضِعفَ ما للجاهِلِ، أو لِلعائلِ ضِعفَ ما للغَنيِّ» أو عكْسَ ذلكَ،

стр. 6689

أو عيَّنَ بالتَّفضيلِ واحِدًا مُعيَّنًا أو ولَدَه أو ما أشبَهَ هذا فهو على ما قالَ؛ لأنَّ ابتِداءَ الوَقفِ مُفوَّضٌ إليهِ، فكذلكَ تَفضيلُه وتَرتيبُه، وكذلكَ إنْ شرَطَ إخراجَ بَعضِهم بصِفةٍ ورَدَّه بصِفةٍ مِثل أنْ يَقولَ: «مَنْ تَزوَّجَ مِنهم فله ومَن فارَقَ فلا شيءَ له، أو عكْسَ ذلكَ، أو مَنْ حَفظَ القُرآنَ فله ومَن نَسِيَه فلا شيءَ له، ومَن اشتَغلَ بالعِلمِ فله ومَن ترَكَ فلا شيءَ له، أو مَنْ كانَ على مَذهبِ كذا فله ومَن خرَجَ منه فلا شيءَ له» فكلُّ هذا صَحيحٌ على ما شرَطَ، وقد رَوى هِشامُ بنُ عُروةَ «أنَّ الزُّبيرَ جعَلَ دُورَه صَدقةٌ على بَنيهِ لا تُباعُ ولا تُوهَبُ، وأنَّ للمَردودةِ مِنْ بَناتِهِ أنْ تَسكنَ غيرَ مُضرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ استَغنَتْ بزَوجٍ فلا حقَّ لها في الوَقفِ»، وليسَ هذا تَعليقًا للوَقفِ بصِفةٍ، بل الوَقفُ مُطلَقٌ والاستِحقاقُ له بصِفةٍ، وكلُّ هذا مَذهبُ الشافِعيِّ ولا نَعلمُ فيه خِلافًا (١). ٤ - تَخصيصُ المَسجدِ بأهلِ مَذهبٍ بعَينِه أو طائِفةٍ بعَينِها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو شرَطَ الواقِفُ في المَسجدِ الذي أوقَفَه أنْ يَختصَّ به جَماعةٌ أو طائِفةٌ مُعيَّنةٌ أو أهلُ مَذهبٍ مُعيَّنٍ، هل يَختصُّ بهم أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ وبَعضُ الحَنابلةِ إلى أنه إذا شرَطَ الواقفُ في ابتِداءِ وَقفِ المَسجدِ اختِصاصَه بطائِفةٍ كالشافِعيةِ اختَصَّ بهم؛ رِعايةً

стр. 6690

لغَرضِ الواقفِ واتِّباعًا لشَرطِه وقَطعًا للنِّزاعِ في الشَّعائرِ، فلا يُصلِّي فيه ولا يَعتكِفُ فيهِ غَيرُهم ويَحرمُ عليهم، وما دامَ واحِدٌ مِنهم مَوجودًا فله مَنعُ الغَيرِ منه، إلا أنه يُكرَهُ هذا الشَّرطُ وإنْ كانَ، فإنِ انقَرَضوا صارَ عامًّا. وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: لا يَختصُّ المَسجدُ بهم ولا يُتَّبعُ شَرطُه؛ لأنَّ جعْلَ البُقعةِ مَسجدًا كالتَّحريرِ، فلا مَعنى لاختِصاصِه بجَماعةٍ، وصحَّحَه الإمامُ والغزاليُّ والشَّيخُ؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، ولقَولِه ﷺ : «إنَّ المَساجدَ لم تُبْنَ لهذا، إنَّما بُنِيتْ لذِكرِ اللهِ والصَّلاةِ عامَّةً». فعَلى هذا قالَ المُتَولِّي ﵀: يَفسُدُ الوَقفُ بفَسادِ الشَّرطِ، وقالَ الإمامُ: لا يَفسدُ؛ إذْ لا أثَرَ للشُّروطِ الفاسِدةِ في التَّحريرِ (١). وقالَ الحَنابلةٌ -وقَولٌ للشافِعيةِ كما تقدَّمَ-: إنْ خصَّصَ الواقفُ المُصلِّينَ في المَسجدِ أو الرِّباطِ أو المَدرسةِ بأهلِ مَذهبٍ لم يَختصَّ بهم؛ لأنَّ إثباتَ المَسجديةِ يَقتضي عدَمَ الاختِصاصِ، فأمَّا إنْ عيَّنَ لإمامتِه أو عيَّنَ لنَظرِه أو الخَطابةِ فيهِ شَخصًا فلا يَصحُّ تَقريرُ غيرِه؛ إعمالًا للشَّرطِ، وإنْ خَصَّصَ الإمامةَ في المَسجدِ أو رباطٍ أو مَدرسةٍ أو الخَطابةِ بمَذهبٍ تَخصَّصتْ به، ما لم يَكنِ المَشروطُ له الإمامةُ في شيءٍ مِنْ أحكامِ الصَّلاةِ
следующие страницы →